عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
159

الظنّ و إلّا لزم القول بحجّيّة كلّ ظنّ مساو للخبر أو أقوى منه و هو كما ترى.

على أنّ تسمية الأولويّة الظنيّة بمفهوم الموافقة لا تساعد الاصطلاح.

و ملاك حجّيّة الخبر هو كونه غالب الإصابة باعتبار كونه إخبار عن حسّ و احتمال الخطأ في الحسّ بعيد بخلاف الإخبار عن حدس كما في الفتوى فإنّ احتمال الخطأ فيه غير بعيد و يحتمل أيضا دخل شي‏ء آخر في ملاك حجّيّة الخبر و مجرّد الاحتمال فضلا عن الظنّ يكفي في منع الأولويّة المذكورة. فتحصّل أنّه لا دليل على حجّيّة الشّهرة الفتوائيّة الظنيّة و لا مجال لإلحاق الظنّ الحاصل منها بالظنّ الحاصل من الخبر.

ثمّ إنّ حكم نقل الشهرة الظنّية إذا كان عن حسّ لا يزيد على الشهرة المحصّلة الظنّيّة فإذا عرفت عدم حجّيّة الشهرة المحصّلة الظنيّة فالشهرة المنقولة أيضا كذلك و بالجملة لا تكون الشّهرة الظنيّة حجّة سواء كانت منقولة أو محصّلة و أمّا حكم الشّهرة القطعية فقد مرّ مفصّلا في الجهة الثّانية و حكم نقلها كحكم نقل الاجماع فلا تغفل.

160

4- العرف‏

و الكلام فيه يقع في مقامات:

المقام الأوّل: [العرف على قسمين: العرف العامّ و العرف الخاصّ‏]

في أنّ العرف على قسمين: العرف العامّ و العرف الخاصّ، و الأوّل هو الذي لا يختص بقوم و جمع خاص بل يعمّ جميع الأقوام و الملل، و الثاني هو عرف جمع خاصّ كعرف الأطباء أو عرف الاقتصاديّين أو عرف الاصوليين.

فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشارع جعل موضوعات أحكامه على طبق ما يفهمه العرف العامّ، و لا يكون العرف الخاصّ مخاطبا بالخصوص في أحكامه؛ و لذا يشكل الاكتفاء بصدق الموضوعات عند عرف خاصّ مع عدم وضوح صدقه عند عموم الناس، كالموت فإنّه يصدق عند الأطباء بعروض الموت السريري أو الدماغي، و لا يصدق عند الناس إلّا بوقفة القلب و لو مع اطلاعهم على صدقه عند الأطباء، فلا يترتب أحكام الموت بصدقه عند الأطباء، كما لا يخفى.

نعم لو كان صدقه عند قوم خاصّ موجبا لاطلاع عموم الناس عليه و صدقه عندهم أيضا كفى ذلك في تحقق الموضوع، و لعلّ منه إخبار بعض الأخصّائيين عن وجود الفلس في بعض أنواع الحيتان، فإذا أخبر بعض المتخصّصين عن وجود الفلس فيه بحيث لو نظر الناس إلى موضع الفلس رأوه فيه و صدقوه كفى ذلك في ترتب أحكام ذات الفلس، فلا تغفل.

المقام الثاني: [لا إشكال في ثبوت مرجعية العرف العامّ في ناحية الموضوعات‏]

أنّه لا إشكال في ثبوت مرجعية العرف العامّ في ناحية الموضوعات و الدلالات و الاستظهارات و البناءات و الاعتباريات، و هي كثيرة.

منها: تشخيص حدود المفاهيم و منها: تطبيق المفاهيم على المصاديق.

و منها تعيين بقاء الموضوعات بعد تغيير أحوالها و عدمه، فإذا حكم ببقائها جرى استصحاب بقاء حكمها، و إن لم يبق الموضوع الدليلي كما قرّر في محله.

161

و منها: تصديق الدلالات بأنواعها من المطابقيّة و التضمنيّة و الالتزاميّة و المفهوميّة و المنطوقيّة.

و منها: تعيين نوع الجمع بين الأدلة من التخصيص أو التقييد او الحكومة أو الورود.

و منها: الحكم بوجود الاعتباريات كاعتبار النصف و الربع و نحوهما من الكسور التسعة من دون تعيين في الجسم الخارجي مع أنّه متشخّص و متعيّن بجميع أجزائه.

و منها: تعيين موضوع الحكم بإدراج شي‏ء، كالملاقاة في مثل «النجس ينجس الشي‏ء» و المماسة في مثل «السكّين يقطع اليد» و الإشراق في مثل «الشمس تنضج الاثمار».

و منها: إلغاء الخصوصيّة في مثل رجل شك في كذا و كذا؛ فإنّ العرف يحكم بعدم مدخلية الرجوليّة.

و منها: تعيين موارد انطباق العناوين الثانويّة و بيان تقديمها.

و منها: تعيين نوع القضية من أنّها خارجيّة أو حقيقيّة، فربّما يفهم العرف بالقرائن الموجودة في نفس الكلام أنّ الحكم سلطاني لا يدوم كالنهي عن ذبح الحمار و نحوه للأكل، و إن كان مقتضى الأصل في القضايا هي كونها حقيقيّة.

و منها: البناءات العمليّة العقلائيّة، كرجوع الجاهل إلى العالم، و الاعتماد على قول الثقات، و غير ذلك من الموارد.

المقام الثالث: [العرف العامّ مرجع في الموارد المذكورة و نحوها]

أنّ العرف العامّ مرجع في الموارد المذكورة و نحوها فيما إذا حكم العرف بالعلم و اليقين دون الظن و التخمين فضلا عن كونه ناشئا عن المسامحة، بل يختص حكم العرف غالبا بالمرتكزات الثابتة عندهم كما لا يخفى.

المقام الرّابع: [يجوز تخطئة الشارع للعرف فيما يحكم به أو فيما يبني عليه‏]

أنّه يجوز تخطئة الشارع للعرف فيما يحكم به أو فيما يبني عليه، و كم له من نظير، كالنهي عن المعاملات الربويّة، و اللعب بالملاهي، و شرب المسكر و غيرها من الامور.

162

و لا إشكال فيه؛ لأنّ النهي الشرعي يكشف عن خطأ العرف في تشخيصه في الموارد المنهية. هذا مضافا إلى أنّ بناءات العرف لا حجيّة لها إلّا بامضاء الشارع أو تقريره و مع النهي لا إمضاء و لا تقرير نعم لزم أن تكون التخطئة صريحة بحيث لا يبقي عذر للعرف كعدم الالتفات.

المقام الخامس: [هل يجوز للعرف أن يلاحظ الملاكات و المناطات الظنية لكشف الأحكام‏]

أنّه هل يجوز للعرف أن يلاحظ الملاكات و المناطات الظنية لكشف الأحكام الشرعيّة حسبما تقتضيه تلك الملاكات أو لا يجوز؟ و الظاهر من عبارات أهل السنّة الذين ذهبوا إلى جواز القياس و الأخذ بالاستحسان هو الأوّل.

قال ابن عابدين: و اعلم أنّ اعتبار العادة و العرف رجع إليه في مسائل كثيرة حتى جعلوا ذلك أصلا ... إلى أن قال: و في شرح الاشباه للبيري قال فى المشرع الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي و في المبسوط الثابت بالعرف كالثابت بالنّص، (1) انتهى.

و كيف كان فقد استدلّوا لذلك بوجوه:

منها: قوله عزّ و جلّ: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ (2)

و فيه: أنّ الآية الكريمة ليست في مقام بيان حجيّة العرف في آرائه و أحكامه حتى تكون دليلا على حجيّة العرف، بل المراد من العرف هو المعروف، و اللّه تعالى أمر نبيه (صلى اللّه عليه و آله) بالأمر بالمعروف، و هو مطالبة الناس للإتيان بالمعروف الذي يعرفه عموم العقلاء و الشارع من الأفعال الجميلة و الأخلاق الحميدة، كسائر الآيات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، كما يشهد لذلك سياق الآية الكريمة؛ فإنّه تعالى أمر في صدرها بالعفو عما فعله الجاهلون و أمر في ذيلها بالإعراض عن الجاهلين، فالمناسب بهم هو الأمر بالمعروف لا بيان حجيّة العرف في تشخيص الأحكام و غيرها، قال في الكشاف: و العرف المعروف و الجميل من الأفعال.

____________

(1) مجموعة رسائل ابن عابدين: 132.

(2) الاعراف/ 199.

163

و قال في زبدة البيان: الآية تدلّ على رجحان حسن الخلق من العفو مما يستحقه الإنسان في ذمّة الغير من الحقوق و غيره و استعمال اللين و الملاءمة في المعاملات و الأمر بالمعروف و الإعراض عن الجهّال و عدم مؤاخذتهم بما فعلوا بالنسبة إلى الإنسان، و يؤيّده‏ وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (1)

لا يقال: إنّ شمول المعروف لما عرفه العرف و الأمر به يكفي في حجيّة العرف.

لأنا نقول: إنّ الآية ليست في مقام بيان موارد حجيّة العرف حتى يؤخذ باطلاقها، بل تكون في مقام بيان وجوب الأمر بالمعروف الثابت من العقل و الشرع، و المعروف كالارتكازيات و المستقلات العقلية و إن كان ثابتا، و لكن ذلك لا يستلزم كون ما عرفه العرف و لو من القياسات معروفا، فتدبر جيّدا.

و منها: ما روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن. (2)

و فيه:- مضافا إلى ضعف السند- أنّه أجنبي عن المقام؛ فإنّ البحث في مرجعيّة العرف بما هو عرف من دون اختصاص بالمسلمين، و إلّا فهو سيرة المسلمين، و هي كاشفة عن تقرير المعصوم، و لا تكون للنصوص، كما لا يخفى.

و منها: ما حكي عن «بدران» من أنّ الشارع قرّر كثيرا من العادات العربية و سكت عنها و لم يردعها، و بنى مسائل الديات و القسامة على العرف و أقرّها، و ليست هذه العادات إلّا العرف، فيعلم من إقرارها أنّه (صلى اللّه عليه و آله) أقرّهم على العرف و جعله مرجعا و دليلا كسائر الأدلّة. (3)

و فيه: ما لا يخفى؛ فإنّه خلط بين إقرارهم على العرف بما هو عرف، و بين إقرار حكم من أحكام العرف لموافقته مع الأحكام الإسلامية المبنيّة على المصالح و المفاسد. فما أقرّه النبي (صلى اللّه عليه و آله) هو الثاني دون الأوّل، و بينهما بون بعيد. و بعبارة أخرى: تصديق العرف بنحو

____________

(1) زيدة البيان: 556- 557.

(2) مجموعة رسائل ابن عابدين: 113.

(3) اجوبة المسائل المبنائية: 167.

164

الموجبة الجزئية لا يستلزم تصديقه بنحو الموجبة الكلية، و الكلام فى حجيّة العرف بنحو الموجبة الكلّية. نعم لو قلنا بنحو السالبة الكلّية: أنّ العرف لا يصح حكمه في مورد كان إقرار النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) في مورد من الموارد منافيا لذلك.

و بالجملة فالتحقيق أنّ العرف لا يقدر على تعيين الأحكام الشرعية بملاحظة المناطات و الملاكات الظنيّة؛ لعدم احاطته بذلك بل النصوص الكثيرة تمنع و تحذر حذرا شديدا ان يقرب الانسان نحو القياس و الأخذ بالملاكات الظنيّة، و هي على طوائف:

منها موثقة الريّان بن الصلت عن علي بن موسى الرضا عن ابيه عن آبائه عن امير المؤمنين (عليه السّلام) قال: قال رسول (صلى اللّه عليه و آله) قال اللّه جلّ جلاله ... و ما على ديني من استعمل القياس في ديني. (1)

و منها موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت: جعلت فداك أنّ اناسا من أصحابك قد لقوا آباءك‏ (2) و جدّك، و قد سمعوا منهما الحديث، و قد يرد عليهما الشي‏ء ليس عندهم فيه شي‏ء و عندهم ما يشبهه فيقيسوا على أحسنه قال فقال ما لكم و القياس، إنّما هلك من هلك بالقياس. قال: قلت أصلحك اللّه و لم ذاك؟ قال: لأنّه ليس من شي‏ء إلّا و قد جرى به كتاب و سنّة، و إنّما ذاك شي‏ء إليكم إذا ورد عليكم أن تقولوا. قال: فقال: إنّه ليس من شي‏ء إلّا و قد جرى به كتاب و سنة، ثم قال: إنّ اللّه قد جعل لكل شي‏ء حدا، و لمن تعدّى الحدّ حدّا (3)

و منها موثقة محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السّلام): جعلت فداك فقّهنا في الدين و أغنانا اللّه بكم عن الناس حتى أنّ الجماعة منّا لتكون في المجلس ما يسأل رجل صاحب (إلّا و- خ) تحضره المسألة و يحضرها جوابها فيما منّ اللّه علينا بكم، فربّما ورد علينا الشي‏ء لم يأتنا فيه عنك و لا عن آبائك (عنه- خ) شي‏ء فنظرنا إلى أحسن ما

____________

(1) جامع الاحاديث 1: الباب 7 من ابواب المقدمات، ح 5.

(2) و لعله: اباك.

(3) جامع الاحاديث 1: الباب 7، من ابواب المقدمات، ح 16.

165

يحضرنا و أوفق الأشياء لما جاءنا عنكم فنأخذ به؟ فقال: هيهات هيهات في ذلك، و اللّه هلك من هلك يا ابن حكيم. قال: ثم قال: لعن اللّه أبا حنيفة كان يقول: قال علي و قلت. قال:

محمّد بن حكيم لهشام بن الحكم: و اللّه ما أردت إلّا أن يرخّص لي في القياس. (1)

و منها موثقة زرارة بن أعين قال: قال لي أبو جعفر محمّد بن علي (عليه السّلام): يا زرارة إياك و أصحاب القياس في الدين، فانهم تركوا علم ما وكّلوا به و تكلّفوا ما قد كفوه، يتأولون الأخبار و يكذبون على اللّه عزّ و جلّ، و كأني بالرجل منهم ينادى من بين يديه قد تاهوا و تحيروا في الأرض و الدين. (2)

و منها خبر الثمالي قال: قال علي بن الحسين (عليهم السّلام): إنّ دين اللّه عزّ و جلّ لا يصاب بالعقول الناقصة و الآراء الباطلة و المقاييس الفاسدة، و لا يصاب إلّا بالتسليم، فمن سلّم لنا سلم و من اقتدى بنا هدي، و من كان يعمل بالقياس و الرأي هلك، و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله أو نقضي به حرجا كفر بالذي أنزل السبع المثانى، و القرآن العظيم و هو لا يعلم. (3)

و منها صحيحة أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ السنة لا تقاس، أ لا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السنة إذا قيست محق الدين. (4)

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة.

فتحصّل: أنّه لا دليل على مرجعيّة العرف في الأحكام الشرعيّة من جهة كشفها عن الملاكات و المناطات الظنيّة، بل المستفاد من النصوص كما عرفت هو ممنوعيّة إعمال نظرهم في هذا المضمار معلّلا بأنّهم قاصرون عن فهم المصالح و المفاسد الواقعية الباعثة نحو الأحكام الشرعية؛ و لذا صرح الشارع في غير مورد بأنّ الأحكام كلها مبيّنة في الكتاب و السنة و تبقى إلى يوم القيامة بمثل قوله (صلى اللّه عليه و آله): حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة.

____________

(1) جامع الاحاديث 1: 274 الباب 7، من ابواب المقدمات، ح 20.

(2) جامع الاحاديث 1:/ 276، الباب 7، من ابواب المقدمات، ح 28.

(3) جامع الاحاديث 1: 276، الباب 7 من ابواب المقدمات، ح 29.

(4) جامع الاحاديث 1: الباب 7 من ابواب المقدمات، ح 4.

166

و عليه فدعوى أنّ الأحكام تتغيّر بحسب تغيّر الأعصار و الأزمنة و المرجع في ذلك هو العرف العامّ، دعوى سخيفة جدّا و مخالفة لضرورة المذهب لو أريد بذلك استقلال العرف في كشف الأحكام من الملاكات و المناطات الظنيّة.

و الأسخف من ذلك هو دعوى أنّ الأحكام في بقائها تحتاج إلى مقبوليّة العرف العام و لو من جهة كونها غير موافقة لتمايلاتهم و أهوائهم، و تحرز المقبولية بآراء الوكلاء في المجالس أو آراء الموكلين، مع أنّ بقاء الأحكام لا يشترط بالمقبولية العرفية أصلا و أبدا. نعم تحتاج الأحكام في الإجراء إلى مساعدة العرف العامّ و يجب عليهم المساعدة، و الإهمال في ذلك يوجب العقاب و العذب الأليم.

و لا ينافي ما ذكر سقوط بعض الأحكام عن الفعلية بعروض العناوين الثانويّة؛ فإنّ الاحكام الثانويّة شرعيّة أيضا، و لا دخالة للعرف فيها إلّا من ناحية صدق العناوين الثانوية.

و هكذا لا ينافيه حصول التغييرات في ناحية بعض مصاديق الموضوعات؛ فإنّ المتغيّر في أمثال ذلك هو نفس بعض المصاديق و الحكم ثابت على موضوعه، مثلا إذا تحققت العادة بالمراهنة في اللعب بشي‏ء كان اللعب بالشي‏ء المذكور مصداقا للقمار، و يترتب عليه حكم القمار، فإذا انتفت عادة المراهنة عن اللعب المذكور خرج اللعب المذكور عن مصداق القمار، فالمتغيّر هو اللعب المذكور، و أمّا القمار و حكمه فهما ثابتان و لا يعرضهما تغيير أصلا.

و هكذا لا يرتبط بمرجعيّة العرف ولاية الأئمة المعصومين (عليهم السّلام) و المنصوبين من قبلهم على تغيير الأحكام موقتا كرفع الوجوب أو ايجاب ما لم يجب إذا اقتضت المصلحة ذلك كما في الأحكام السلطانية كرفع وجوب الخمس أو ايجاب أداء شي‏ء زائد على موارد الزكاة و غير ذلك؛ فإنّ ذلك يختص شرعا بالإمام المعصوم (عليه السّلام) و من نصبه بالنصب الخاصّ أو العامّ فلا تغفل.

167

الخلاصة 4- العرف‏

و الكلام فيه يقع في مقامات:

المقام الأوّل:

في أنّ العرف على قسمين العرف العامّ و العرف الخاصّ و الأوّل هو الذي لا يختصّ بقوم و جمع خاصّ بل يعمّ جميع الأقوام و الملل.

و الثّاني: هو عرف جمع خاصّ كعرف الأطبّاء أو عرف الأصوليين و نحوهم و الشّارع جعل موضوعات أحكامه على طبق ما يفهمه العرف العامّ و لا يكون العرف الخاصّ مخاطبا له بالخصوص في أحكامه.

و لذا يشكل الاكتفاء بصدق الموضوعات عند عرف خاصّ مع عدم ثبوت صدقه عند عرف العامّ نعم لو كان صدقه عند عرف خاصّ موجبا لإمكان اطلاع عموم النّاس عليه و صدقه عندهم كفى ذلك في رفع الإشكال.

المقام الثاني:

أنّه لا إشكال في ثبوت مرجعيّة العرف في ناحية الموضوعات و الدلالات و الاستظهارات و البناءات و الاعتبارات و هي كثيرة.

منها تشخيص حدود المفاهيم و المعاني.

و منها تطبيق المفاهيم على المصاديق.

و منها تعيين بقاء الموضوعات بعد تغيير أحوالها و عدمه.

و منها تصديق الدّلالات بأنواعها من المطابقيّة و التضمّنيّة و الالتزاميّة و المفهوميّة و المنطوقيّة.

و منها تعيين نوع الجمع بين الأدلّة من التّخصيص أو التّقييد أو الحكومة أو الورود.

و منها الحكم بوجود الاعتبارات كاعتبار النّصف و الرّبع و نحوهما من الكسور التسعة من دون تشخّص خارجي لها مع أنّ الجسم الخارجي متشخّص و متعيّن بجميع أجزائه.

168

و منها تعيين موضوع الحكم بإدراج شي‏ء كالملاقاة في مثل «النجس ينجّس الشي‏ء» و كالمماسّة في مثل «السكّين يقطع اليد».

و منها إلغاء الخصوصيّة في مثل رجل شكّ في كذا و كذا فإنّ العرف يحكم في مثله بعدم مدخليّة الرجوليّة.

و منها تعيين موارد انطباق العناوين الثّانويّة.

و منها تعيين نوع القضيّة من الخارجيّة أو الحقيقيّة.

و منها البناءات العمليّة العقلائيّة كرجوع الجاهل إلى العالم و غير ذلك من الموارد.

المقام الثّالث:

أنّ العرف مرجع في الموارد المذكورة و نحوها فيما إذا حكم بالعلم و اليقين دون الظنّ و التخمين و المسامحة.

المقام الرّابع:

أنّه يجوز للشارع تخطئة العرف فيما حكم أو بنى عليه و كم له من نظير كالنهي عن المعاملات الربويّة و مالية المسكرات و غير ذلك و لا إشكال فيه لأنّ النهي الشرعي يكشف عن خطأ العرف في تشخيصه نعم يلزم أن يكون التخطئة صريحة حتّى يتوجّه إليها العرف عند كون ما عليه العرف ارتكازيا.

المقام الخامس:

أنّه هل يجوز للعرف أن يلاحظ الملاكات و المناطات الظنّيّة لكشف الأحكام الشرعيّة حسبما تقتضيه تلك الملاكات أو لا يجوز و الظاهر من أهل التسنن هو الأوّل و استدلّوا له لوجوه:

منها: قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ (1) بدعوى أنّ الأمر باتّباع العرف يفيد حجيّته.

و فيه أنّ الآية الكريمة ليست في مقام بيان حجّيّة العرف في آرائه و أحكامه حتّى تكون دليلا على حجّيّة العرف بل سياق الآية باعتبار قبلها و بعدها يشهد بأنّ المراد من العرف هو

____________

(1) الأعراف/ 199.

169

المعروف من الأفعال الجميلة و الأخلاق الحميدة و عليه فتكون هذه الآية كسائر الآيات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الأمر بالمعروف و قد أمر سبحانه و تعالى في صدر الآية بالعفو عمّا فعله الجاهلون و أمر في ذيلها بالإعراض عن الجاهلين.

و لذلك قال في زبدة البيان الآية تدلّ على رجحان حسن الخلق ممّا يستحقّه الإنسان في ذمّة الغير من الحقوق و غيره و استعمال اللين و الملاءمة في المعاملات و الأمر بالمعروف و الإعراض عن الجهّال. (1)

و منها النبويّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن. (2)

و فيه مضافا إلى ضعف السّند أنّه أجنبي عن المقام فإنّ البحث في مرجعيّة العرف لا حجّيّة سيرة المسلمين.

و منها أنّ الشّارع قرّر كثيرا من العادات العربيّة و سكت عنها و لم يردعها و بنى مسائل الدّيات و القسامة على العرف و أقرّها و ليست هذه العادات إلّا العرف فيعلم من إقرارها في تلك الموارد أنّه أقرّهم على العرف و جعله مرجعا و دليلا كسائر الأدلّة. (3)

و فيه ما لا يخفى فإنّه خلط بين إقرارهم على العرف بما هو عرف و بين إقرار حكم من أحكام العرف لموافقته مع الأحكام الإسلاميّة المبنيّة على المصالح و المفاسد الواقعيّة فالثّابت هو الثّاني لا الأوّل و بينهما بون بعيد.

و بعبارة اخرى تصديق العرف بنحو الموجبة الجزئية لا يستلزم تصديقه بنحو الموجبة الكلّية و الكلام في حجّيّة العرف بنحو الموجبة الكليّة و الأدلّة المذكورة لا تفي بذلك و بالجملة فالتحقيق أنّ العرف لا يقدر على تعيين الأحكام الشرعيّة بملاحظة المناطات و الملاكات الظنيّة لعدم إحاطته بذلك.

هذا مضافا إلى منع النّصوص القطعيّة الكثيرة عن ذلك و الأمر بالتحذّر عنه منها موثقة

____________

(1) زبدة البيان: 556- 557.

(2) مجموعة رسائل ابن عابدين: 113.

(3) أجوبة المسائل المبنائية: 167.

170

الريّان بن الصلت عن علي بن موسى الرّضا (عليهما السّلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السّلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال اللّه جل جلاله و ما على ديني من استعمل القياس في ديني. (1)

و منها موثّقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما لكم و القياس إنّما هلك من هلك بالقياس ... الحديث. (2)

و منها صحيحة أبان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ السّنة لا تقاس أ لا ترى أنّ المرأة تقضي صومها و لا تقضي صلاتها، يا أبان إنّ السّنة إذا قيست محق الدّين. (3) و غير ذلك من صحاح الأخبار.

فتحصّل أنّه لا دليل على مرجعيّة العرف في الأحكام الشرعية من جهة كشفها عن الملاكات و المناطات الظنيّة بل المستفاد من النصوص الصحيحة هي ممنوعيّة إعمال النظر حول هذا لقصورهم عن الاطّلاع اللّازم.

و دعوى تغيير الأحكام حسب تغيير الأزمان و الأعصار و المرجع في كلّ زمان و عصر هو العرف العام سخيفة جدّا و مخالفة لضرورة المذهب لو أريد بذلك استقلال العرف في كشف الأحكام من الملاكات و المناطات الظنيّة.

و الأسخف من ذلك هو توهّم أنّ الأحكام في بقائها تحتاج إلى مقبوليّة العرف العامّ و تحرّز المقبوليّة بآراء وكلائهم في المجالس الملّيّة مع أنّ بقاء الأحكام لا يشترط بشي‏ء و إنّما اللّازم في إجرائها هو مساعدة العرف العام و يجب عليهم لذلك المساعدة في هذه الجهة يوجب العقاب و العذاب الأليم و حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة و الأحكام ثابتة على موضوعاتها و المتغيّر هو بعض مصاديقها.

نعم يمكن تغيير الأحكام موقّتا بسبب عروض العناوين الثّانوية توسّط الأئمّة (عليهم السّلام) و المنصوبين من قبلهم و لكنّه لا يرتبط بالعرف كما لا يخفى.

____________

(1) جامع الاحاديث 1: الباب 7 من ابواب المقدّمات ح 5.

(2) جامع الاحاديث 1: الباب 7 من ابواب المقدّمات ح 16.

(3) جامع الاحاديث 1: الباب 7 من ابواب المقدّمات ح 4.

171

5- السيرة القطعيّة العقلائيّة

السيرة القطعيّة من العقلاء على عمل من دون اختصاص بزمان أو مكان أو ملّة أو نحلة كالعمل بالظواهر الكلاميّة أو الأمارات أو أصل الصحة أو أصالة اليد أو الاكتفاء بالامتثال الظني عند تعذر الامتثال التفصيلي و الإجمالي أو رجوع الجاهل إلى العالم و غير ذلك حجّة عقلائيّة.

و لكن السيرة العقلائيّة بنفسها ليست بحجّة شرعيّة لأنّ العمل لا كشف له بالنسبة إلى الواقع، و القطع بالسيرة كاشف عن وجود السيرة لا كاشفيتها عن الواقع كما لا يخفى. و عليه فحجّية السيرة شرعا تحتاج إلى دليل خارجي، و هو إمضاء الشارع و لو بعدم الردع عنها؛ فإنّه تقرير بالنسبة إلى سيرتهم، و الإمضاء الشرعي يوجب حجيّة السيرة العقلائيّة لإثبات الحكم الشرعي؛ لاكتفاء الشارع بها.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون السبب في تحقق سيرة العقلاء هو الارتكاز كارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم أو ندرة المخالفة كما في الأمارة أو تسهيل الأمر في مقام الامتثال أو غير ذلك، فإذا علمنا بتحقق السيرة العقلائية و كونها في مرأى و منظر الشارع و إمضائه إيّاها و لو بسكوته عن ردعها كانت السيرة المذكورة حجّة لإثبات الحكم الشرعي بلا كلام، هذا بخلاف السيرة العقلائيّة الحادثة فإنّها ليست بكاشفة و لا تكون مورد الإمضاء الشرعي، فلا حجّيّة لها لحدوثها و عدم كونها في مرأى و منظر الشارع، كما لا يخفى.

ثم إنّ السيرة القطعيّة العمليّة من العقلاء التي أمضاها الشارع حجّة بالنسبة إلى مورد عملهم، و لا يتجاوز عنه إلى غيره؛ لاختصاص عملهم بهذا المورد، فلا وجه للتعدّي عنه إلى سائر الموارد.

نعم لو علم أن عملهم في مورد من باب المصداق و المثال فلا يختص عملهم بهذا المورد، كما لعلّه لا يبعد دعوى عدم اختصاص ملكيّة الجهات و العناوين عند العقلاء بالجهات و العناوين التي كانت موردا للابتلاء في تلك الأزمنة كبيت المال و المساجد و عناوين الفقراء،

172

بل الجهات المتداولة في زماننا هذا تكون كذلك؛ لأنّ الموارد التي كانت موردا للابتلاء في الأزمنة السابقة لا خصوصية لها، بل الجهة بما هي جهة كانت منظورة للعقلاء و الأمور المذكورة من باب المصداق. و عليه فملكية الشركات العامة أو الخاصة مما تداولت في زماننا هذا أيضا مورد الإمضاء و التقرير.

ثمّ إنّ السيرة العقلائية قابلة للرّد فيجوز للشارع أن يردعها لأنّها ليست كالقطع حتّى تابى عن الردع لما عرفت من أنّها ليست بكاشفة بل هي عمل‏

و لكن الردع عنها لزم أن يكون بنحو التصريح حتى يوجب التفات العقلاء بأنّ طريقتهم و سيرتهم مردودة و لذا قلنا بأنّ العموم لا يكفي في ردع السيرة لأنّهم لا يرون طريقتهم مشمولة للعموم فمثل قوله تعالى إنّ الظنّ لا يغني من الحق شيئا بناء على تسليم دلالتها على عدم حجّية الظنون في المسائل الفرعيّة لا يكفي في ردع طريقة العقلاء على الاعتماد على خبر الثقات لأنّهم لا يرون أنفسهم ظانّين حتى يشملهم العموم المذكور فتدبر جيدا.

هذا كله بالنسبة إلى السيرة العقلائية التي كانت في مرأى و منظر الشارع، و أمّا السيرة و البناءات المستحدثة فالمشهور أنّه لا دليل على حجيتها و لكن ذهب بعض الأعلام إلى أن البناءات العقلائية المستحدثة إذا فحص في الأدلّة و لم يوجد شي‏ء يصلح للردع عنها تكون حجّة أيضا لأنّ بناء الشارع على التقرير أو ردع البناءات لا يختص بزمان خاص كزمانه بل هو في مقام تصحيح أو ردّ البناءات في جميع الأزمنة و عليه فاللازم عليه أن يردع البناءات المستحدثة إذا لم تكن موردا لقبوله و حيث فحصنا و لم نر شيئا يصلح للردع كفى ذلك في تقريره إيّاها فتكون حجّة فليتأمّل.

ثم لا حاجة في حجّية السيرة العقلائية إلى الإمضاء بل يكفي فى الحجّية عدم الردع لأنّ العقلاء يكتفون بذلك في أحكام الموالى و العبيد و هذا أمر شايع و لم ينقل عن الشارع اعتبار الإمضاء و عدم الاكتفاء بعدم الردع و هو يشهد على أن الشارع يكتفي في الحجية بعدم الردع، فتدبّر جيّدا.

173

الخلاصة 5- السيرة القطعيّة العقلائيّة

السّيرة القطعيّة العقلائيّة على عمل من دون اختصاص بزمان أو مكان أو ملّة أو نحلة كالعمل بالظّواهر الكلاميّة أو رجوع الجاهل إلى العالم حجّة عقلائية و القطع بالسّيرة كاشف عن وجودها ثمّ إنّ السّيرة ليست بنفسها حجّة شرعية ما لم ينضم إليها إمضاء الشّارع و لو بعدم الرّدع فإنّ إمضاء الشّارع يكشف عن تقرير الشّارع بالنّسبة إليها و مع تقرير الشّارع يثبت الحكم الشرعي و بدون التقرير المذكور لا يفيد حكما شرعيا لأنّها ليست بحجّة شرعيّة.

و عليه فاللازم في حجّيّة السّيرة القطعيّة العقلائيّة شرعا هو أن تكون السّيرة المذكورة في مرأى و منظر الشّارع حتّى يتعلّق بها الإمضاء و عدم الردع.

هذا بخلاف السّيرة العقلائيّة الحادثة فإنّها لم تكن في زمان الشّارع حتّى يكشف عدم الرّدع عنها عن تقرير الشّارع إيّاها اللّهمّ إلّا أن يقال: كما أفاد بعض الأعلام أن الشّارع كان في مقام تصحيح أو ردّ جميع البناءات في مطلق الأزمنة و حينئذ إذا فحصنا و لم نجد شيئا يصلح للرّدع جاز الاكتفاء به في تقريره إياها فتكون حجّة فتأمّل.

ثمّ إنّ السّيرة العقلائيّة قابلة لردع الشّارع لأنّها ليست كالقطع حتّى تأبى عن الردع.

نعم لزم في الرّدع أن يكون صريحا حتّى يتوجّه العقلاء إلى خطأ ما استقر عليه بنائهم.

174

6- السيرة المتشرعة

سيرة المتدينين بما هم متديّنون تكشف عن كون السبب في سيرتهم هو دينهم، و احتمال أن يكون سيرتهم من عند أنفسهم لا من جهة أمر الشارع بعيد بل محال عادي، و عليه فسيرة المتشرعة بنفسها كاشفة عن الدليل الشرعي كما لا يخفى.

و الكشف المذكور عن أمر شرعي في السيرة المتشرعة هو الفارق بين السيرة المتشرعة و السيرة العقلائية، لما عرفت من أن سيرة العقلاء لا تكشف عن الدليل الشرعي إلّا بإمضاء الشارع و لو بعدم الردع كما لا يخفى.

ثمّ إنّ سيرة المسلمين إذا كانت مستندة إلى قلّة المبالاة بأمر الدين ليست من سيرة المتدينين بما هم متدينون و خارجة عن محل البحث، و إذا شككنا أن السيرة سيرة المتدينين بما هم متدينون أو سيرتهم بسبب قلة المبالاة في الدين و مسامحتهم لا تكشف عن الدليل الشرعي، و ليست بحجّة.

ثمّ إذا تعارضت السيرة المتشرعة مع السيرة العقلائية فالاولى مقدمة على الثانية و تكشف عن ردع الشارع عن السيرة العقلائية؛ لأنّ السيرة العقلائية تكون حجّيّتها موقوفة على عدم ردع الشارع عنها، و السيرة المتشرعة الكاشفة عن رأي المعصوم و الدليل الشرعي تكفي في ردعها كما لا يخفى.

ثم إنّ كشف سيرة المتدينين بما هم متدينون عن الدليل الشرعي لا يختص باجتماع جميع الطوائف من المسلمين على عمل، بل لعله يكشف عنه أيضا سيرة الفرقة المحقة بما هم متدينون. و الفرق أن سيرة المسلمين تكشف عن رضا النبي (صلى اللّه عليه و آله) و سيرة الفرقة المحقّة تكشف عن رضا أهل البيت (عليهم السّلام)، و كلاهما حجّتان كما لا يخفى.

و كيف كان، فاللازم في السيرة المتشرعة أن لا تكون السيرة مستندة إلى النصوص، أو الفتاوى و إلّا فلا تكشف السيرة عن غيرهما لاحتمال استناد سيرتهم إليهما.

175

الخلاصة 6- السيرة المتشرعة

سيرة المتديّنين بما هم متديّنون تكشف عن كون السبب في سيرتهم هو دينهم و احتمال أن يكون سيرتهم من عند أنفسهم لا من جهة أمر الشّارع بعيد جدّا بل محال عادي و عليه فسيرة المتشرّعة بنفسها تكشف عن الدّليل الشرعي و هذا الكشف هو الفارق بين سيرة المتشرّعة و سيرة العقلاء لما عرفت من أن السّيرة العقلائيّة لا تكشف عن الدّليل الشّرعي ما لم ينظم إليها إمضاء الشّارع و لو بعدم الرّدع.

و السّيرة المتشرعيّة تكشف فيما إذا لم تكن مستندة إلى قلّة المبالاة بأمر الدّين و لو شككنا في ذلك فضلا عن العلم به فلا تكشف عن شي‏ء كما لا يخفى.

قال سيّدنا الأستاذ المحقّق الداماد و سيرة المتشرّعة من أقوى أدلّة الباب و لا يتطرّق فيها احتمال الرّدع بالآيات و الأخبار و بذلك تمتاز عن سيرة العقلاء فإنّها كما ترى يحتمل ردعها. (1)

ثمّ إنّه إذا تعارضت السّيرة المتشرعيّة مع السّيرة العقلائيّة فلا إشكال في تقديم السّيرة المتشرعيّة لأنّ حجّيّة السّيرة العقلائيّة موقوفة على عدم الرّدع عنها و السّيرة المتشرعيّة تكفي للردع عنها كما لا يخفى.

ثمّ إنّ سيرة المتشرعيّة الكاشفة لا تختصّ بصورة اجتماع جميع الطوائف من المسلمين على عمل بل تكشف إذا كانت من الفرقة المحقة و الفرق بين صدق اجتماع الطوائف و اجتماع الفرقة المحقّة أن في الاولى تكشف عن إمضاء النّبي (صلى اللّه عليه و آله) و في الثّاني تكشف عن إمضاء الإمام المعصوم (عليه السّلام).

ثمّ إنّ السّيرة الكاشفة تكشف عن التقرير ما دام لم يستندوا إلى النّصوص أو الفتاوى و إلّا فلا تفيد إلّا نفس النّصوص أو الفتاوى.

____________

(1) المحاضرات لسيدنا الاستاذ: 2/ 152.

176

7- الخبر الواحد

و لا يخفى عليك أن النزاع في هذا البحث ليس إلّا في حجيّة الخبر الواحد الذي يكون من الظنون، و البحث عن ثبوت قول المعصوم أو فعله أو تقريره بذلك و عدمه من لوازم المسألة، و ليس بنفس المسألة. و المقصود أن الخبر الواحد هل يصلح للحجية أم لا يصلح؟ و هذا من أهم المسائل الاصولية؛ لصدق موضوعها عليه، إذ هو ما يصلح لأن يكون حجّة على الأحكام الفقهية الكليّة.

و عليه فلا حاجة إلى إرجاع البحث إلى ثبوت السنّة المحكيّة بالخبر و عدمه، كما ذهب إليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)؛ إذ البحث عن الحاكي أيضا هو بحث عما يصلح للحجيّة. و لعل الإرجاع المذكور ناش من جعل موضوع علم الأصول هو الأدلّة الأربعة، فيبحث عن ثبوت السنة بالخبر و عدمه. و قد مرّ في البحث عن موضوع العلم أنّه لا ملزم لجعل موضع علم الاصول خصوص الأدلة الأربعة. هذا مضافا إلى أن لازمه هو جعل جملة المباحث الاصولية كالبحث عن القياس و الشهرة و غيرهما خارجة عن موضوع علم الاصول بحيث يكون البحث عنها استطراديا، و هو كما ترى.

و كيف ما كان يقع الكلام في جهات:

الجهة الأولى: [عدم حجيّة الخبر الواحد]

أن المحكي عن السيد و القاضي و ابن زهرة و الطبرسي و ابن ادريس عدم حجيّة الخبر الواحد خلافا لغيرهم حيث ذهبوا إلى حجيّة الخبر الواحد.

أدلّة المانعين‏

و استدلّ المانعون بوجوه:

منها: الآيات الدالة على النهي عن اتّباع غير العلم أو القول بغير علم أو الدالة على أن‏

177

الظنّ لا يغني من الحق شيئا كقوله عزّ و جلّ: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ (1) و كقوله عزّ و جلّ: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏ (2) و كقوله تبارك و تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*. (3)

وجه الاستدلال أن التبعية عن الظنّ الخبري اتّباع عن غير العلم، و اسناد مفاده إلى اللّه تعالى قول بغير علم، و بالأخرة هو ظنّ، و الظنّ لا يغني من الحق شيئا.

و فيه ما لا يخفى؛ فإنّ أدلّة اعتبار الخبر الواحد قطعيّة، و عليه فاتباع الخبر الواحد و إن كان الخبر مفيدا للظن اتّباع للعلم، و اسناد مفاده إلى اللّه تعالى إسناد قطعي الاعتبار إليه تعالى، و الأدلّة القطعيّة مما تغني و تفيد. و عليه فمع أدلّة الاعتبار لا يبقى مورد للآيات الناهية؛ لورود أدلّة الاعتبار بالنسبة إليها، كما لا يخفى.

قال في نهاية الاصول: إنّ متابعة الخبر و العمل به مع قيام الدليل القطعي على حجيته لا تكون عملا بغير العلم بل هو متابعة للعلم، فيكون دليل الحجية واردا على الآيات الناهية. (4)

و قال سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه): إنّ نفس الطريق و إن كان ظنيّا إلّا أن ما يدل على حجيّته أمر قطعي؛ لأنّ ما يدلّ من ظواهر الآيات على حجيّة الخبر الواحد حجّة قطعيّة عند الخصم كسائر الظواهر، فينسلك اتّباع الخبر الواحد في عداد اتّباع العلم، فيتم ميزان الورود، فتدبّر. (5)

و الأولى أن يقال: إنّ الآيات الناهية تدلّ على النهي عن أخذ ما لا يكون حجّة، فمع أدلّة

____________

(1) الاسراء/ 26.

(2) الاعراف/ 33.

(3) يونس/ 36.

(4) نهاية الاصول: 488.

(5) تهذيب الاصول 2: 106.

178

الاعتبار و الحجيّة للخبر الواحد لا مورد للآيات؛ فإنّ المراد من العلم هو الحجّة، قال في نهاية الاصول: و الشاهد عليه قوله مخاطبا للكفار ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏. (1) و قوله‏ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ‏ (2) و غير ذلك من الآيات؛ فإنّ المراد من العلم في الآيتين مدارك مأثورة واصلة إليهم من الأسلاف لا القطع، فالمراد من العلم هو الحجّة العقلائية. (3) و لقد أفاد و أجاد سيدنا الأستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) في محكي كلامه حيث قال و على هذا يكون جميع ما ثبت جواز الركون إليه بهذه الأدلّة (اى أدلّة الاعتبار) واردا على مفاد (الآيات التى استدلّ بها المانعون)

لا حاكما و لا مخصّصا. (4)

و مما ذكر يظهر ما في مصباح الاصول حيث ذهب إلى حكومة أدلّة حجيّة الخبر على الآيات المذكورة بدعوى أن مفادها جعل الخبر طريقا بتتميم الكشف، فيكون خبر الثقة علما بالتعبّد الشرعي بناء على أن المجعول في باب الطرق و الأمارات هي الطريقية كما هو الصحيح. (5)

و ذلك لما عرفت من أن مع أدلة الاعتبار يكون الخبر حجة، فلا مورد لما يدل على النهي عن اتباع غير الحجة؛ و إن أبيت عن الورود أو الحكومة، فعليك بجواب شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال: و الجواب أمّا عن الآيات فبأنّها بعد تسليم دلالتها عمومات مخصّصة بما سيجي‏ء من الأدلّة. (6)

____________

(1) الاحقاف/ 4.

(2) الانعام/ 148.

(3) نهاية الاصول: 488.

(4) المحاضرات سيدنا الأستاذ المحقق الداماد 2/ 121

(5) مصباح الاصول 2: 152.

(6) فرائد الاصول: 69.

179

و تبعه في الكفاية أيضا حيث قال: و الجواب أمّا عن الآيات فبأنّ الظاهر منها أو المتيقن من إطلاقاتها هو اتباع غير العلم في الاصول الاعتقادية لا ما يعم الفروع الشرعية، و لو سلم عمومها لها في مخصّصة بالأدلّة الآتية على اعتبار الأخبار. (1)

لا يقال: إنّ الآيات الدالة على النهي عن الاتباع عن الظن أو الدالة على‏ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* آبية عن التخصيص، فكيف يخصص مثل قوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*؟!

لانا نقول: إنّ الظنون مختلفة في غالبية الإصابة و عدمها، فإذا كان إصابة بعضها عند الشارع أكثر من بعض آخر، فلم لا يجوز التخصيص بالمصيب منها، و لا إباء لمثل قوله تعالى:

إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* عن مثل هذا التخصيص فضلا عن سائر الآيات الناهية عن الاتباع عن الظن، فتدبّر جيّدا، نعم الإباء المذكور صحيح بالنسبة الى ما ورد في الاصول الاعتقادية لا الفروع.

و منها: الأخبار الكثيرة، و هي على طوائف:

الطائفة الأولى: [الروايات الواردة في لزوم الموافقة مع الكتاب و السنة]

الروايات الواردة في لزوم الموافقة مع الكتاب و السنة في حجيّة الاخبار و جواز العمل بها:

كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام): فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه. (2)

و كقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): أيّها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب اللّه فأنا قلته، و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله. (3)

و كقول ابي عبد اللّه (عليه السّلام) في صحيحة هشام بن الحكم: لا تقبلوا علينا حديثا إلّا ما وافق القرآن و السنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة، فإنّ المغيرة بن سعيد (لعنه اللّه)

____________

(1) الكفاية 2: 80.

(2) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 35.

(3) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 15.

180

دسّ في كتاب اصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي، فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنة نبيّنا محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال اللّه عزّ و جلّ، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، الحديث. (1)

و عليه فمقتضى اعتبار الموافقة في حجّية الأخبار أن خبر الواحد ليس بنفسه حجّة.

و يمكن الجواب عنها بأنّ هذه الطائفة و إن دلّت على لزوم العمل بالموافق، و لكن لا يستفاد منها انحصار الأمارة الدالة على الصدق في الموافقة مع الكتاب، و لذا أضاف في صحيح هشام بن الحكم الموافقة مع السنة أو الموافقة مع أحاديث الائمة (عليهم السّلام)، فالموافقة مع الكتاب أو السنة أو الاحاديث الواردة عن الأئمة (عليهم السّلام) مذكورة من باب المثال لأمارة الصدق. و من الجائز أن يكون من مصاديقها أيضا ما روته الثقات، فالحصر في صحيحة هشام حصر إضافي بالنسبة إلى ما كان مخالفا للقرآن أو السنة و الحديث في مقام ردّ الأخبار المخالفة للكتاب و السنة، لا انحصار أمارة الصدق في الموافقة المذكورة في تلك الأخبار، فتدبّر جيّدا.

الطائفة الثانية: الروايات الدالة على المنع عن العمل بالخبر الذي لا يوافق الكتاب:

كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في صحيحة أيوب بن الحرّ: كل شي‏ء مردود إلى الكتاب و السنة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف. (2)

و كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في موثقة أيوب بن راشد: ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف. (3)

و يمكن الجواب عنها بأنّ المتفاهم عرفا من عنوان ما لم يوافق أو لا يوافق هو المخالف.

فتندرج في:

____________

(1) رجال الكشي رقم 103 المغيرة بن سعيد ص 194.

(2) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 14.

(3) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 11.

181

الطائفة الثالثة: [قول النبي (صلى اللّه عليه و آله): و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله.]

كقول النبي (صلى اللّه عليه و آله): و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله. (1)

و كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام): فاتقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا (صلى اللّه عليه و آله)، فإنّا إذا حدّثنا قلنا: قال اللّه عزّ و جلّ، و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)(2) الحديث.

و كقول أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) في موثقة يونس: فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السنة، إنّا عن اللّه و عن رسوله نحدّث، و لا نقول قال فلان و فلان فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا، و كلام أوّلنا مصداق لكلام آخرنا، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه، و قولوا انت أعلم و ما جئت به، فإنّ مع كل قول منا حقيقة و عليه نور، فما لا حقيقة معه و لا نور عليه فذلك من قول الشيطان. (3)

و عليه فهذه الروايات تدلّ على ممنوعية الأخذ بالروايات المخالفة للقرآن و لا كلام فيه، و لكن المراد من المخالف هو المناقض كما أشار إليه في موثقة يونس، و لا إشكال في مردودية الأخبار المتباينة مع الكتاب و خروجها عن الاعتبار. و دعوى تعميم المخالف لمثل العموم و الخصوص لا يساعده العرف مع إمكان الجمع بين العموم و الخصوص و المطلق و المقيّد، و إطلاق المخالف على مخالفة العموم و الخصوص أو المطلق و المقيّد إطلاق بدويّ، كما لا يخفى.

لا يقال: إنّ نقل الروايات المتباينة مع القرآن غير مقبول عند الأصحاب، فكيف يحمل المخالفة عليها؟! فليكن المراد من المخالفة هو العموم و الخصوص المطلق، لا التباين أو العموم من وجه.

لأنّا نقول: تشهد الأخبار المتعددة منها صحيحة هشام بن الحكم و موثقة يونس على أن جماعة من خصماء أهل البيت: كالمغيرة بن سعيد و ابي الخطاب و غيرهما كانوا يأخذون‏

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 15.

(2) رجال الكشي رقم 194 المغيرة بن سعيد رقم 103.

(3) رجال الكشي: 195. المغيرة بن سعيد رقم 103.

182

الاصول و يدسّون الأحاديث المخالفة فيها و لم يرووها حتى لا يقبلها الأصحاب.

قال سيدنا الامام المجاهد (قدّس سرّه): إنّ الفرية إذا كان على وجه الدسّ في كتب أصحابنا يحصل لهم في هذا الجعل و البهتان كل مقاصدهم من تضعيف كتب أصحابنا بإدخال المخالف لقول اللّه و رسوله فيها حتى يشوّهوا سمعة أئمة الدين (عليهم السّلام) بين المسلمين و غيرهما من المقاصد الفاسدة التي لا تحصل إلّا بجعل أكاذيب واضحة البطلان.

هذا، مضافا إلى أنّه لو قلنا بعموم الأخبار الدالة على عدم قبول المخالف لعامة أقسام المخالفة من الخصوص المطلق و من وجه و التباين الكلي يلزم خلاف الضرورة؛ فإنّ الأخبار المقيدة أو المخصصة للكتاب قد صدرت من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و خلفائه بعده (عليهم السّلام) بلا شك، فلا بدّ من حملها على المخالف بالتباين الكلي. (1)

الطائفة الرابعة: الأخبار الدالة على اشتراط الأخذ بالأخبار بوجود شاهد لها من الكتاب أو السنة:

كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عند السؤال عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و إلّا فالذي جاءكم أولى به. (2)

و يمكن الجواب عنه بأنّ هذه الأخبار تكون من الأخبار العلاجية بقرينة قول السائل سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن اختلاف الحديث و نحوه، و عليه فهي واردة في مقام ترجيح الموافق على غيره، و لا إطلاق لها حتى يشمل صورة عدم التعارض، كما لا يخفى.

هذا، مضافا إلى ما أفاده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من القطع بصدور أخبار ليس لها شاهد من الكتاب و السنة، فمن تلك الأخبار ما عن البصائر و الاحتجاج و غيرهما مرسلة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنّه قال: ما وجدتم في كتاب اللّه فالعمل به لازم و لا عذر لكم في تركه، و ما لم‏

____________

(1) تهذيب الأصول 2: 107.

(2) الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 11.

183

يكن في كتاب اللّه تعالى و كانت فيه سنة منّي فلا عذر لكم في ترك شي‏ء، و ما لم يكن فيه سنة منّي فما قال أصحابي فقولوا به، فإنّما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيّها اخذ اهتدي و بأيّ أقاويل أصحابي أخذتم اهديتم، و اختلاف أصحابي رحمة لكم. قيل: يا رسول اللّه و من أصحابك قال: أهل بيتي، الخبر.

فإنّه صريح في أنّه قد يرد من الأئمة (عليهم السّلام) ما لا يكون له شاهد من الكتاب و السنة. (1)

هذا كلّه مع أن كل طائفة من الأخبار المذكورة لا تكون متواترة، بل هي أخبار آحاد لا يجوز الاستدلال بها قبل إثبات حجّيّة الخبر الواحد، و هي لا تقاوم الأدلّة الآتية الدالّة على حجّية الخبر الواحد؛ فإنّها موجبة للقطع بحجية خبر الثقة، فلا بدّ من توجيه الطوائف المذكورة.

نعم يمكن دعوى التواتر الإجمالي بمعنى العلم بصدور البعض في مجموع الطوائف، و لكن اللازم حينئذ هو الأخذ بالأخص مضمونا؛ لأنّه المتيقن، و الأخص مضمونا هو الخبر الذي يخالف الكتاب بنحو المخالفة التباينية، فتحصّل: أنّه لا مانع من حجّيّة الخبر الواحد، فاللازم هو إقامة الدليل عليها. و لقد أفاد و أجاد سيدنا الأستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) في محكي كلامه بالنسبة إلى الأخبار المانعة حيث قال إنّ الأخبار المانعة معارضة في خصوص موردها بالأخبار العلاجية الدالة على لزوم ترجيح الخبر على معارضه المخالف للكتاب الوارد مورد ثبوت الحجّيّة لكل واحد من الطرفين لو لا المعارضة مع أن فيها دلالة على أن هذا المرجّح مؤخر عن مثل الأفقهية و الأعدلية و نحوهما التى لازمها كون المخالف مقدما على معارضه إذا كان رواية أفقه أو أوثق و بالجملة لا مجال لتشكيك في أن المفروض فيها سؤالا و جوابا حجيّة المخالف و وجوب الأخذ به لو لا التعارض فيجب التأويل في هذه الأخبار بحملها على غير المخالف بنحو العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد بل التحقيق أن هذا ليس تاويلا و إنما يكون ظاهرها مع قطع النظر عن المعارض أيضا ذلك لوقوع التعاشى فيها و الإنكار الجدّي و الأمر بضرب المخالف على الجدار لو كان فيها ما فيه ذلك و الحكم بأنّه زخرف و

____________

(1) راجع فرائد الأصول: 69.

184

باطل و كل ذلك يقتضى أن يكون المراد المخالفة بنحو التباين للعلم بصدور المخالف عنهم بغير هذا النحو في ضمن أخبار متواترة. (1)

أدلّة المثبتين:

استدل المجوزون للعمل بخبر الواحد بالأدلّة الأربعة:

1- أمّا الكتاب فبآيات:

منها: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏. (2)

و المحكي في وجه الاستدلال بالآية الكريمة وجوه:

الوجه الأوّل: [الاستدلال بمفهوم الشرط]

هو الاستدلال بمفهوم الشرط بتقريب أنّه سبحانه و تعالى علّق وجوب التبيّن عن الخبر على مجي‏ء الفاسق، فينتفي عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط، و إذا لم يجب التثبت عند مجي‏ء غير الفاسق فاذا يجب القبول، و هو المطلوب، أو الردّ و هو باطل.

أورد عليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بأنّ مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و عدم التبين هنا لأجل عدم ما يتبيّن، فالجملة الشرطية هنا مسوقة لبيان تحقق الموضوع، كما في قول القائل إن رزقت ولدا فاختنه و إن ركب زيد فخذ ركابه و إن قدم من السفر فاستقبله و إن تزوجت فلا تضيّع حق زوجتك و إذا قرأت الدرس فاحفظه قال سبحانه: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إلى غير ذلك مما لا يحصى. (3)

فكما انه لا مفهوم للامثلة المذكورة، فان الختان مثلا عند انتفاء رزق الولد منتف بانتفاء

____________

(1) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 124- 125

(2) الحجرات/ 6.

(3) فرائد الأصول: ص 72.

185

موضوعه عقلا، فكذلك في المقام ينتفي وجوب التبين عن الخبر عند انتفاء مجي‏ء الفاسق به، و ليس الانتفاء إلّا لانتفاء موضوعه عقلا؛ إذ مع عدم مجي‏ء الفاسق بالخبر لا خبر فاسق هناك حتى يبحث عن وجوب تبينه أو عدمه. و بالجملة فالآية لا مفهوم لها أو كان مفهومها هي السالبة بانتفاء الموضوع، و هو عقلي كما هو المفهوم في كل قضية حملية.

و لعل المعيار في الشرطية المحققة للموضوع موجود في الآية الكريمة، و هو اتحاد الموضوع في القضية مع شرط الجزاء.

و أجاب عنه في الكفاية بأن الموضوع في القضية هو النبأ الذي جي‏ء به، و الواجب هو التبيّن، و الشرط لوجوب التبيّن هو مجي‏ء الفاسق، فالقضية حينئذ لا تكون مسوقة لبيان تحقق الموضوع، و قال: أن تعليق الحكم بايجاب التبيّن عن النبأ الذي جي‏ء به على كون الجائي به الفاسق يقتضي انتفاءه عند انتفائه، و لا يرد على هذا التقرير أن الشرط في القضية لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع، فافهم نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ و مجي‏ء الفاسق به كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع. (1)

و عليه فالموضوع في القضية هو النبأ، و الشرط للجزاء- و هو وجوب التبين- هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ، و بينهما مغايرة و لا اتحاد، فليس الشرط محققا للموضوع بعد وجود المغايرة، كما لا يخفى.

و يشبه التقرير المذكور في الكفاية ما افاده في مصباح الاصول في محتملات دلالة القضية الشرطية على المفهوم من: أن الموضوع هو الجائي بالنبإ كما يستفاد من قوله عزّ و جلّ: إِنْ جاءَكُمْ‏ و الواجب هو التبين، و قد علق وجوب التبين على شرط، و هو كون الجائي فاسقا، و يكون مفاد الكلام حينئذ أن الجائي بالنبإ أن كان فاسقا فتبيّنوا، فتدل القضية على المفهوم و انتفاء وجوب التبيّن عند انتفاء كون الجائي بالنبإ فاسقا. (2)

____________

(1) الكفاية: ج 2: 83.

(2) مصباح الاصول: ج 2 ص 161.

186

و كيف كان فقد اورد المحقق الاصفهاني على صاحب الكفاية بان ما ذهب اليه خلاف ظاهر الآية الكريمة، لان متلو أداة الشرط هو مجي‏ء الفاسق، لا فسق الجائي كي ينتفي الحكم بانتفاء كونه فاسقا مع حفظ مجي‏ء الخبر حيث قال: لا يخفى عليك أن ظاهر الآية من حيث وقوع مجي‏ء الفاسق بوجوده الرابط في تلو الشرطية: أن المعلق عليه مجي‏ء الفاسق بنحو وجوده الرابط، فينتفي الحكم بانتفائه، لا فسق الجائي به بوجوده الرابط كي ينتفي الحكم بانتفاء كونه فاسقا مع حفظ مجي‏ء الخبر، فان الواقع موقع الفرض و التقدير هو مجي‏ء الفاسق، لا فسق الجائي، فكيف يكون المجي‏ء مفروغا عنه؟! و بالجملة فرق بين ما لو قيل أن كان الجائي بالخبر فاسقا و ما لو قيل إن كان الفاسق جائيا بالخبر، و مفاد الآية تحليلا هو الثاني، و ما يجدي في المقام هو الأول. (1)

و تبعه في مصباح الاصول حيث قال- بعد ذكر محتملات الآية الشريفة بحسب مقام التصور و مقام الثبوت- و الظاهر منها في مقام الاثبات بحسب الفهم العرفي هو هذا، (و هو ما ذكره المحقق الاصفهاني) و أوضحه في مصباح الاصول حيث قال: و أمّا أن كان الموضوع هو الفاسق، و له حالتان: لان الفاسق قد يجي‏ء بالنبإ و قد لا يجي‏ء به، و علق وجوب التبين على مجيئه بالنبإ، و يكون مفاد الكلام حينئذ أن الفاسق إن جاءكم بنبإ فتبيّنوا فلا دلالة للقضية على المفهوم؛ لان التبيّن متوقف على مجيئه بالنبإ عقلا، فتكون القضية مسوقة لبيان الموضوع؛ إذ مع عدم مجيئه بالنبإ كان التبين منتفيا بانتفاء موضوعه، فلا مفهوم للقضية الشرطية في الآية المباركة.

و قال أيضا: لا فرق بين الآية الشريفة و بين قولنا أن اعطاك زيد درهما فتصدق به من حيث المفهوم، و الظاهر من هذا الكلام بحسب متفاهم العرف وجوب التصدق بالدرهم على تقدير اعطاء زيد اياه، و اما على تقدير عدم اعطاء زيد درهما فالتصدق به منتف بانتفاء موضوعه.

و ذلك لأنّ الموضوع بحسب فهم العرف هو زيد، و له حالتان: فانه قد يعطي درهما و قد

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 75.

187

لا يعطيه، و قد علق وجوب التصدق بالدرهم على اعطائه اياه، و هو متوقف عليه عقلا؛ إذ على تقدير عدم اعطاء زيد درهما يكون التصدق به منتفيا بانتفاء موضوعه، فالقضية مسوقة لبيان الموضوع، و لا دلالة لها على المفهوم، و انتفاء وجوب التصدق بالدرهم عند اعطاء غير زيد ايّاه. و الآية الشريفة من هذا القبيل بعينه، فلا دلالة لها على المفهوم، و لا أقل من الشك في أن مفادها هو المعنى الأول أو الثاني أو الثالث، فتكون مجملة غير قابلة للاستدلال بها على حجية خبر العادل. (1)

و يمكن أن يقال: أن المستظهر من القضايا الشرطية في الأحكام القانونية هو جعل طبيعة الموضوع مقسما بين المنطوق و المفهوم، و حينئذ لا يكون الشرط قيدا له إلّا اذا قامت قرينة على التقييد. و من المعلوم أن الموضوع حينئذ لا يساوي مع الشرط، بل هو اعم منه، و مقتضاه هو كون الحكم المشروط مترتبا على حصة من الطبيعي، فحينئذ يدل على المفهوم بالنسبة الى الحصص الاخرى فيما اذا انتفى الشرط، كما لا يخفى.

ففي مثل السلام مما له أحكام مختلفة، إذا قيل إذا جاءكم مؤمن بسلام فأجيبوه كان ظاهره انه أن لم يجئ مؤمن بسلام فلا يجب الجواب بالسلام. و وجه ذلك أن السلام مما له أحكام مختلفة، و يستظهر من الجملة الشرطية أن الموضوع هو طبيعة السلام و له أحكام، و ليس الموضوع هو السلام الخاص الذي جاء به المؤمن حتى تكون القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع و يتوقف على الموضوع المذكور عقلا و لا يكون له مفهوم.

ففي الآية الكريمة يكون النبأ موضوعا طبيعيا لا موضوعا خاصا، و قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يدل على حكم من أحكام هذه الطبيعة، و حيث أن الموضوع مع عدم الشرط محفوظ، فللقضية حينئذ مفهوم، و هو أنه اذا لم يجئ فاسق بنبإ بل جاء عادل فلا يجب التبيّن، هذا بخلاف الشرطية المحققة للموضوع؛ فان الموضوع فيها لا يكون محفوظا بدون الشرط، كما لا يخفى.

____________

(1) مصباح الأصول: 2: 161 و 162.

188

و مما ذكرنا يظهر النظر في قياس المقام بمثل قولهم أن اعطاك زيد درهما فتصدق به، فان المقيس عليه ليس الموضوع إلّا الخاص المذكور، و لا مجال لتجريد الموضوع عن الخصوصيات؛ لانه مع الخصوصيات يكون موردا لوجوب التصدق كما لا يخفى.

و بعبارة اخرى: ليس الموضوع هو طبيعة العطاء حتى يقال أن كان ذلك من زيد فيجب التصدق به و إن لم يكن فلا يجب، بل الموضوع هو حكم عطاء خاص و هو عطاء زيد؛ و التجريد عند العرف مخصوص بالموضوعات التي تكون لها عند العرف أحكام عديدة كالنبإ و السلام و نحوهما، لا مثل عطاء خاص كعطاء زيد.

و لقد افاد و أجاد في نهاية الأفكار حيث قال: لا شبهة في أن استخراج المفهوم من القضايا يحتاج الى تجريد ما هو الموضوع المذكور فيها في طرف المفهوم من القيود التي اريد استخراج المفهوم من جهتها شرطا أو وصفا أو غاية، ففي مثل أن جاءك زيد يجب اكرامه لا بد في استخراج مفهوم الشرط منه من تجريد الموضوع الذي هو زيد من اضافته الى المجي‏ء بجعله عبارة عن نفس الذات مهملة، و إلّا ففي فرض عدم تجريده منه لم يبق مجال لاستخراج المفهوم منه؛ لكونه حينئذ من السالبة بانتفاء الموضوع، فان الموضوع و ما يرجع اليه الضمير في قوله يجب اكرامه يكون عبارة عن زيد المقيد بالمجي‏ء. و من الواضح أن الانتفاء عند الانتفاء حينئذ لا يكون إلّا من باب السلب بانتفاء الموضوع من جهة انتفاء المقيد بانتفاء قيده. و هذا بخلاف تجريده عن الخصوصية؛ اذ معه كان المجال لحفظ الموضوع في طرف المفهوم، فأمكن استخراج مفهوم الشرط من القضية المزبورة ... الى أن قال: و اذا عرفت ذلك نقول: أن المحتملات المتصورة في الشرط في الآية الشريفة ثلاثة:

منها: كون الشرط فيها نفس المجي‏ء خاصة مجردا عن متعلقاته، و عليه يتم ما افاده الشيخ من انحصار المفهوم فيها بالسالبة بانتفاء الموضوع؛ فان لازم الاقتصار في التجريد على خصوص المجي‏ء هو حفظ اضافة الفسق في ناحية الموضوع بجعله عبارة عن النبأ المضاف الى الفاسق، و لازمه هو كون الانتفاء عند الانتفاء من باب السلب بانتفاء الموضوع؛

189

لضرورة انتفاء الموضوع- و هو النبأ الخاص- بانتفاء الشرط المزبور.

و منها: كون الشرط هو المجي‏ء مع متعلقاته، و لازمه بعد تجريد الموضوع عن اضافته الى المجي‏ء الخاص هو كون الموضوع نفس النبأ مجردا عن اضافته الى الفاسق أيضا، لا النبأ الخاص كما في الفرض السابق.

و عليه يكون للغاية مفهومان: أحدهما السالبة بانتفاء الموضوع، و ثانيهما السالبة بانتفاء المحمول؛ لان عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ يعم مجي‏ء العادل به، فلا يلزم من عدم مجيئه به انتفاء ما يتبين عنه بقول مطلق حتى ينحصر المفهوم في القضية بالسالبة بانتفاء الموضوع.

و منها: كون الشرط عبارة عن الربط الحاصل بين المجي‏ء و الفاسق الذي هو مفاد كان الناقصة، و لازمه بمقتضى ما ذكرنا هو الاقتصار في التجريد على خصوص ما هو المجعول شرطا اعني النسبة الحاصلة بين المجي‏ء و الفاسق ... الى أن قال:

و لكن الأخير منها في غاية البعد؛ لظهور الجملة الشرطية في الآية في كون الشرط هو المجي‏ء أو هو مع اضافته الى الفاسق، لا الربط الحاصل بين المجي‏ء و الفاسق بما هو مفاد كان الناقصة مع خروج نفس المجي‏ء عن الشرطية كي يلزمه ذكر من كون الموضوع فيها هو النبأ المجي‏ء به.

و يتلوه في البعد الوجه الأول الذي مرجعه الى كون الشرط هو المجي‏ء فقط؛ فان ذلك أيضا مما ينافي ظهور الآية المباركة، فان المتبادر المنساق منها عرفا كون الشرط هو المجي‏ء بما هو مضاف الى الفاسق، بل و هو المتبادر عرفا في امثال هذه القضية نحو أن جاءك زيد بفاكهة يجب تناولها؛ لظهوره في كون الشرط لوجوب التناول هو مجي‏ء زيد بها.

و عليه فكما يجب تجريد الموضوع في المقام عن اضافته الى المجي‏ء كذلك يجب تجريده عن متعلقاته، فيكون الموضوع و ما يتبين عنه نفس طبيعة النبأ، لا النبأ الخاص المضاف الى الفاسق، و لازمه جواز التمسك باطلاق المفهوم في الآية؛ لعدم انحصاره حينئذ بخصوص السالبة بانتفاء الموضوع، فتمام الاشكال المزبور ناش عن تخيل كون الموضوع لوجوب التبين‏

190

هو النبأ الخاص المضاف الى الفاسق، و إلّا فمع فرض تجريده عن تلك الخصوصية لا يبقى مجال للاشكال المزبور. (1)

و لقد أفاد و اجاد، و لكنه لم يفد وجه تجريد الموضوع عن الخصوصيات و جعله موضوعا في القضية بنحو يكون موجودا و لو مع عدم الشرط. و قد عرفت الوجه في ذلك؛ فانه حصيلة كون القضايا قضايا قانونية لا شخصية خارجية و كون الموضوعات مما له أحكام عديدة كالنبإ و السلام و نحوهما، فاذا ورد عن الشارع مثل‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يستظهر منه عرفا أن الشارع في مقام بيان أحكام طبيعي النبأ؛ لانه مما يبتني عليه أمور المجتمع الاسلامي. هذا يوجب تجريد الموضوع عن الخصوصيات الدالة عليه الشرط و جعله موضوعا للقضية الحقيقة، و يكون الشرط المذكور حكم حصة من حصص موضوع القضية الحقيقية. و لعل جعل الشرط إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ‏ دون «أن جاءكم عادل» من جهة اهمية بيان حكم هذه الحصة في ذلك الزمان؛ لما حكي من قصة الوليد.

و بالجملة أمثال هذه القضايا ترجع عند العرف الى تجريد الموضوع و جعله موضوعا للقضية الحقيقية، و لا فرق فيها بين أن يقال أن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا أو يقال أن جاءكم عادل بنبإ فلا يجب التبين بل يجب القبول، ففي كلا التقديرين يكون الموضوع مجردا عن خصوصيات متلو الشرط و الشرط في مقام بيان حصة من الموضوع، و حينئذ يكون له مفهوم، كما لا يخفى.

فالوجه في تجريد الموضوع هو حكم العرف بأن الموضوع اعم، و لا يختص بالخصوصيات المذكورة في متلو الشرط، و إلّا فالاحتمالات المذكورة يمكن تصويرها في بعض القضايا المحققة للموضوع أيضا كقوله أن رزقت ولدا فاختنه حيث يمكن أن يجعل الموضوع هو الولد و يقال أن رزقت به فاختنه، فمفهومه أن لم ترزقه فلا يجب عليك ختانه سواء وجد الولد أو لم يوجد، كما أن تقيد الموضوع في بعض القضايا أمر ممكن. و دعوى‏

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 3، ص 111- 122.

191

وجوب تجريد الموضوع عن جميع الخصوصيات، محتاج الى الدليل، و لا دليل له إلّا الاستظهار العرفي بحسب اختلاف الموضوعات و اهميتها، فلا تغفل.

هذا، مضافا الى أن الوجه الثالث غير بعيد؛ فان مفاده يرجع الى أن الجائي بالخبر إن كان فاسقا فيجب التبين و إن لم يكن كذلك فلا يجب، و لا يضر كون المجي‏ء من قيود النبأ؛ فان المجي‏ء بما هو المجي‏ء يكون من قيوده. و أما خصوصية كونه من فاسق فهو مما يفيده الشرط، و عليه فالموضوع على الوجه الثالث هو مجرد النبأ المجي‏ء به، و هو أعم، فتدبّر جيدا.

لا يقال: التحقيق أن تجريد النبأ عن الاضافة الى الفاسق لا يخرج المعلق عليه عن كونه محققا للموضوع؛ اذ لا حقيقة للنبإ إلّا بصدوره من مخبر، و كون المعلق عليه ذا بدل لا يخرجه عن كونه محققا للموضوع؛ فانّ المناط انتفاء الموضوع بانتفاء المعلق عليه. و من الواضح انتفاء النبأ بانتفاء مجي‏ء الفاسق و العادل، بخلاف مثل أن جاءك زيد فأكرمه؛ فان زيدا محفوظ و لو مع انتفاء المجي‏ء و انتفاء كل ما يفرض بدلا للمجي‏ء. (1)

لأنا نقول: الظاهر هو الخلط بين القضية الحقيقية و القضية الخارجية، و ما ذكره لا يتم في الاولى؛ فان المقصود إن كان أن النبأ لا يتحقق في الخارج من دون مخبر فلا كلام فيه، و لكن يمكن مع ذلك ملاحظة طبيعة النبأ في الذهن بحيث تحكي عن حصصها في الخارج، و بيان حكم حصصها باعتبار اختلاف مخبريها بأن يقال: إن كان المخبر في النبأ فاسقا فليس نبأه حجة، و إن كان عادلا فنبأه حجة، كما أن الامر كذلك في مثل قولنا: السلام إن كان من مؤمن فجوابه واجب؛ فان مفهومه انه إن كان من كافر فلا يجب، مع أن السلام لا حقيقة له إلّا بصدوره من المتكلم في الخارج.

و لكن ذلك لا ينافي امكان ملاحظة الموضوع بنحو القضية الحقيقية مستقلا عند اعتبار القضية، و معنى استقلاله هو انه اعم، و مع كونه اعم فمفهومه هو انتفاء الحكم بانتفاء حصة من الموضوع الملحوظ مستقلا؛ لظهور الشرط في كونه علة منحصرة للحكم المعلق عليه، كما لا يخفى.

____________

(1) نهاية الدراية: 2: 76.

192

هذا مضافا الى أن ما ذكره من أن حقيقة النبأ لا يتصور إلّا بالصدور من مخبر يصح فيما اذا كان المقصود من النبأ هو معناه المصدري، و اما اذا اريد من النبأ معناه الاسم المصدري مع قطع النظر عن مخبره فيمكن لحاظه مستقلا في عالم الخبر. نعم ظاهر قوله‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ، هو معناه المصدري، فتدبّر جيدا.

لا يقال: إن كان المراد أن الموضوع هو طبيعة النبأ المقسم لنبأ العادل و الفاسق فاللازم على تقدير تحقق الشرط وجوب التبيّن في طبيعة النبأ و إن كانت متحققة في ضمن خبر العادل، و إن كان المراد أن الموضوع هو النبأ الموجود الخارجي فيجب أن يكون التعبير باداة الشرط باعتبار الترديد؛ لأن النبأ الخارجي ليس قابلا لأمرين، فعلى هذا ينبغي أن يعبّر بما يدل على المضي لا الاستقبال. (1)

لانا نقول: مضافا الى النقض بمثل العالم إن كان فقيها يجب اكرامه فانّه لا يدل على وجوب اكرام طبيعة العالم، بل يدل على اكرام الفقيه، مع أن العالم هو طبيعة العالم و تقسم لكل صنف من اصناف العالم- يمكن الجواب عنه حلّا بما في نهاية الدراية من أنّه على تقدير جعل الموضوع طبيعي النبأ ليس المراد من الطبيعة المطلقة بنحو الجمع بين القيود بحيث يكون المراد منه الطبيعة المتحققة في ضمن نبأ العادل و الفاسق معا.

بل المراد هو اللابشرط القسمي أي طبيعي النبأ الغير الملحوظ معه نسبة الى الفاسق و لا عدمها و إن كان هذا الطبيعي يتحصّص من قبل المعلق عليه وجودا و عدما، فيتحقق هناك حصتان: إحداهما موضوع وجوب التبين، و الاخرى موضوع عدم وجوب التبيّن، و لا منافاة بين أن يكون الموضوع الحقيقي لكل حكم حصة مخصوصة و أن يكون الموضوع في الكلام رعاية للتعليق المفيد لحكمين منطوقا و مفهوما نفس الطبيعي الغير الملحوظ معه ما يوجب تحصّصه بحصتين وجودا و عدما. (2)

____________

(1) الدرر: 384.

(2) نهاية الدراية: 2: 76.

193

لا يقال: أن الموضوع و إن كان ذات النبأ و طبيعته إلّا أن الموضوع في الأحكام هو الطبيعي الموجود في الخارج، و تكون الذات مأخوذة مفروضة الوجود، و ليس الحال فيه كالمتعلق.

و عليه فموضوع الحكم هو النبأ الموجود. و من الواضح أن النبأ الموجود لا يخلو الحال فيه إما أن يكون نبأ فاسق أو نبأ عادل، و لا يقبل الانقسام الى كلتا الحالتين، و لازم ذلك هو استعمال الاداة الداخلة على مجي‏ء الفاسق في معنى الفرض و التقدير، نظير ما لو رأى المولى شبحا فقال لعبده: إن كان هذا زيدا فأكرمه؛ فان الشبح لا يقبل عروض الزيدية عليه تارة و العمرية أخرى، بل هو أما زيد أو عمرو، فالاداة تستعمل في معنى الفرض و التقدير، لا في معنى الشرطية؛ إذ ليس هناك جامع بين الحالتين يتوارد عليه النفي و الاثبات كي يعلّق الاثبات على شي‏ء، بل الشبح يدور بين متباينين. و ما نحن فيه من هذا القبيل، و لا يمكن استفادة المفهوم منه؛ لعدم قابلية النبأ الموجود للانقسام الى كلتا الحالتين. (1)

لانا نقول: مضافا الى النقض بمثل العالم إن كان فقيها يجب تقليده، فان الموضوع فيه مفروض الوجود، و مع ذلك يدل على المفهوم- أن هذا مبني على كون القضية خارجية و اشتباه الموضوع الخارجي، و المفروض خلافه؛ لأن القضية حقيقية و الموضوع طبيعي النبأ في ايّ فرد وجد و لا اشتباه في الخارج. و من المعلوم أن طبيعي النبأ بالنحو المذكور له افراد مختلفة بحسب الوجود الخارجي، فلعل حصة من الطبيعي الموجود في الخارج هو حكمه، فاذا خصّص بعض الحصص الموجودة من الطبيعة بحكم عند شرط كذا يدل بمفهومه على انتفاء هذا الحكم عن غير هذه الحصص من سائر حصص الطبيعة الموجودة، و لا ريب في أن هذا مفهوم مستفاد من تعليق الحكم على حصة من الطبيعة عند شرط كذا، فلا تغفل.

إن قلت: أن ما هو عمدة الملاك في ثبوت اصل المفهوم للشرط على تقدير تسليمه لا يتأتى في المقام.

____________

(1) منتقى الاصول: 4: 262- 263.

194

بيان ذلك: أن عمدة الملاك هو التمسك باطلاق الشرط بلحاظ تأثيره في الجزاء بقول مطلق سواء قارنه أو سبقه شي‏ء آخر أولا. و هذا كما قيل يلازم العلية المنحصرة؛ إذ لو كان غيره شرطا كان التأثير له لو سبقه و لهما أو للجامع بينهما لو قارنه، و هذا ما ينفيه الاطلاق.

و لا يخفى أن هذا المعنى انما يتم لو فرض أن تأثير غير الشرط المذكور في الكلام في تحقق الجزاء ينافي تأثير الشرط المذكور فيه بقول مطلق.

أما لو فرض عدم منافاته لذلك، بل كان تأثير غيره في الجزاء لا ينافي تأثيره فيه و لو وجد متأخرا عن غيره لم ينفع الاطلاق في اثبات العلية المنحصرة كما لا يخفى، و ما نحن فيه من هذا القبيل؛ فانه لو فرض انه يجب التبيّن عن خبر العادل فهذا لا ينافي وجوب التبيّن عن خبر الفاسق و لو وجد بعد خبر العادل؛ لان كلّا منهما موضوع مستقل.

و بعبارة اخرى: أن وجوب التبيّن في الآية الشريفة كناية عن عدم الحجية، و من الواضح أن نفي الحجية عن خبر العادل لا ينافي نفي الحجية عن خبر الفاسق سواء كانا معا أو كان أحدهما متقدما و الآخر متأخرا، و عليه فلا ينفع التمسك باطلاق الآية الشريفة في اثبات انحصار الشرط. (1)

قلت: أن الملاك في ثبوت المفهوم هو أمران: أحدهما هو افادة الشرط للاناطة، و ثانيهما هو افادة اطلاق الشرط أن العلة للجزاء منحصرة في الشرط المذكور من دون حاجة الى الضميمة و ليس له البدل، و هذا يقتضي عدم شرطية شي‏ء آخر للجزاء، و إلّا فهو مناف لدلالة الاطلاق على انحصار الشرط المذكور في ترتب سنخ الجزاء.

و هذا المعنى موجود في المقام؛ فان اطلاق قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يدلّ على أن سنخ الجزاء- و هو وجوب التبين- مترتب على خصوص مجي‏ء الفاسق، لا غيره و هو مجي‏ء العادل، و لا بضميمة الغير؛ فانه لو كان للغير تأثير لزم أن يقال: أن جاءكم فاسق أو عادل أو جاءكم فاسق و عادل وجب التبيّن، و حيث اقتصر على قوله أن جاءكم‏

____________

(1) منتقى الاصول: 4: 260 و 261.

195

فاسق دل على أن مجي‏ء الفاسق علة تامة منحصرة لترتب سنخ الجزاء و هو وجوب التبين.

و عليه فتأثير غير الشرط المذكور في الجزاء المذكور ينافي تأثير الشرط بنحو العلة التامة المنحصرة المدلول عليها بالاطلاق في الشرط.

نعم لو لم يدل اطلاق الشرط إلّا على مجرد علية الشرط لحصة من الجزاء تمّ ما ذكر؛ لعدم منافاة تأثير شي‏ء آخر في حصة اخرى من الجزاء، و لكنه خلاف المفروض كما لا يخفى، فاذا دلت القضية على العلية المنحصرة لعدم الحجية في حصص من النبأ كنبإ الفاسق ينافيها اثبات عدم الحجية في غير تلك الحصص، كما لا يخفى.

إن قلت: امكان رجوع الآية الى أن النبأ المجاء به إن كان الجائي به العادل فلا تبيّنوه، فيكون النبأ موجودا و موضوعا و مجاء به عندنا، فتخرج القضية عن الانتفاء بانتفاء الموضوع، غير سديد؛ لان ذلك البيان يجري في مثل إن رزقت ولدا لا مكان أن يكون المعنى الولد المرزوق إن كنت رزقت به فاختنه، و المفهوم حينئذ ليس من السلب بانتفاء الموضوع، مع أن العرف لا يساعد ذلك، فكما أن العرف لا يساعد هناك فكذلك لا يساعد ذلك في المقام. (1)

قلت: إنّ المناط كما اعترفت هو العرف، ففي مثل أن رزقت ولدا لا داعي الى ارجاع القضية الى الموضوع الكلي؛ لانه قضية شخصية ناظرة الى الولد المرزوق للمخاطب، هذا بخلاف القضايا الشرعية الكلية؛ فان المقصود منها ليس قضية شخصية، بل المراد منها هو بيان الأحكام الكلية لموضوعها الكلي. و هذا وجه الفرق بين تلك القضايا و القضايا الشخصية، و حيث أن الآية الكريمة ليس المقصود منها هو بيان حكم مورد و شخص خاص، فيحمل الموضوع فيها على الموضوع الكلي بالمناسبات المذكورة، فلا تغفل.

و لقد أفاد و أجاد سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) حيث قال الظاهر من الآية كون الموضوع هو النبأ لا نبأ الفاسق حيث إنّ قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا في قوة ان‏

____________

(1) راجع، تحريرات في الاصول: ج 6 ص 475.

196

يقال النبأ إن جاء الفاسق به يجب التبيّن فإنّه لا فرق بين العبارتين أصلا و لا مجال للإشكال و الشك و الارتياب فى أن الموضوع فى العبارة الثانية التى في قوة الأولى هو النبأ. (1)

فتحصل مما تقدم انه بناء على ثبوت المفهوم للقضايا الشرطية و حجيته لا اشكال في الآية من جهة كونها صغرى لتلك الكبرى؛ لما عرفت من أن الموضوع فيها هو النبأ اذا جاء به الفاسق فتبيّنوا، فالموضوع في القضية لا يساوي مع موضوع الحكم المشروط و هو وجوب التبين بشرط مجي‏ء الفاسق؛ لان الشرط حصة خاصة من ايجاد الموضوع لا تمامه، و عليه يمكن أن يوجد النبأ بنحو آخر، و هو مجي‏ء العادل و عليه فحصر التبين في نبأ الفاسق يدل على حجية نبأ العادل.

قال الشهيد الصدر (قدّس سرّه): و ليعلم أن الشرط يمكن أن يصنّف الى ثلاثة انحاء:

الأول أن يكون الشرط عبارة عن سنخ تحقق الموضوع و نحو وجوده بحيث لا يتصور للموضوع وجود إلّا بالشرط كقولك اذا رزقت ولدا فاختنه، فان الفرق بين الشرط أو الموضوع للحكم في المثال كالفرق بين الايجاد و الوجود.

الثاني: أن يكون الشرط اجنبيا عن وجود الموضوع، و انما هو امر طارئ كقولك أن جاءك زيد فأكرمه.

الثالث: أن يكون الشرط نحوا من وجود الموضوع و لكنه غير منحصر به بل يمكن أن يوجد الموضوع بنحو آخر، كما هو في الآية الكريمة لو جاءت بعنوان النبأ اذا جاءكم به الفاسق فتبينوا فان مجي‏ء الفاسق يراد به انباؤه و ايجاد النبأ، إلّا أنه لا ينحصر وجوده به؛ إذ يعقل وجوده بإنباء العادل أيضا، فالشرط في هذا القسم حصة من الايجاد، فكانه قال النبأ اذا أوجده الفاسق فتبينوا.

و لا اشكال في عدم المفهوم على النحو الاول، كما لا اشكال في ثبوته في النحو الثاني ... الى أن قال (في ثبوت المفهوم في النحو الثالث): أن الموضوع ذاتا محفوظ حتى مع انتفاء الشرط؛

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ 2: 126.

197

اذ الشرط حصة خاصة من ايجاد ذلك الموضوع، فلا يكون انتفاؤه مساوقا مع انتفاء الموضوع ليكون الانتفاء عقليا أو التقييد مستحيلا.

و هكذا يثبت أن الصحيح ثبوت المفهوم في القسم الثالث كالقسم الثاني، و اما تشخيص أن الآية من ايّ هذه الاقسام، فاذا كان مفادها «نبأ الفاسق اذا جي‏ء به أو جاءكم الفاسق به فتبيّنوا» كان من القسم الأول لا محالة؛ لان انتفاء نبأ الفاسق بانتفاء مجيئه عقلي.

و إذا كان مفادها «النبأ اذا جاء به الفاسق فتبينوا» كان من القسم الثالث كما اشرنا.

و اذا كان مفادها نبأ المخبر يجب التبين عنه اذا كان الجائي به فاسقا كان من القسم الثاني؛ لان فسق المخبر بخبر حالة طارئة بلحاظ الموضوع.

و لا ينبغي الاستشكال في أن المستظهر من الآية المعنى الثاني الوسط، فتكون الشرطية من القسم الثالث الذي فيها مفهوم بحسب طبعها. (1)

ثم أن وجه استظهار أن الموضوع لا ينحصر وجوده في وجود الشرط هو العرف، فانه يستظهر من القضايا الشرعية أن الموضوع فيها كلي، و ليس الموضوع فيها كالموضوع في القضايا الخارجية، و حمل القضايا الشرعية التي لا تختص بقوم دوم قوم و لا بزمان دون زمان على القضايا الخارجية يستبعده العرف، و هو كاف في استظهار أن الموضوع كلي و لا ينحصر وجوده في وجود الشرط حتى يكون الشرط محققا للموضوع، كما أن العرف يستظهر من قولهم اذا جاءك المؤمن بسلام فأجبه أن الموضوع هو طبيعة السلام و لا تنحصر وجودها في وجود الشرط.

و عليه فلا حاجة الى وجه آخر مثل ما حكي عن الشهيد الصدر (قدّس سرّه) من أن وجه الاستظهار هو رجوع الضمير الواقع موضوعا لوجوب التبين الى النبأ، و هو مطلق ليس مقيدا بالفاسق؛ إذ لم يقل أن جاءكم نبأ الفاسق لكي يتحصص. (2)

____________

(1) مباحث الحجج: ج 1 ص 351- 353.

(2) مباحث الحجج: ج 1 ص 353 ذيل الصفحة.

198

حتى يرد عليه بان هذا المقدار الظاهر غير كاف للاستظهار؛ لان الضمير يرجع الى المقصود من مرجعه أو المقيد لا مطلقه، فلو قال اذا جاءك رجل فأكرمه لا يدل على كفاية اكرامه رجل و لو غير الجائي، بل المستفاد منه لزوم اكرام الرجل الجائي الملحوظ في الشرط رغم عدم اضافة الرجل الى المجي‏ء، كذلك الحال في المقام، فان المقصود التبين عن النبأ الذي جاء به الفاسق لا مطلق النبأ، خصوصا و أن الضمير في وجوب التبين مقدر و ليس ظاهرا. (1)

ثم لا يذهب عليك أن الشهيد الصدر (قدّس سرّه) ذهب في النهاية الى عدم دلالة آية النبأ على المفهوم، و استدل عليه بان الآية لم تفترض النبأ موضوعا في المرتبة السابقة على تحقق الشرطية و التعليق، بل قد افترض مجموع مفاد الجملة الشرطية بافتراض واحد. و من هنا لا يكون لها مفهوم.

نعم لو قال: النبأ اذا جاءكم فاسق به فتبيّنوا أو قال أن جاءكم فاسق بالنبإ فتبينوا كان النبأ الموضوع للحكم في الجزاء مفروضا بقطع النظر عن التعليق بافتراض مسبق اما لتقديمه كموضوع للحكم أو للتعريف المشعر بذلك و المستبطن للافتراض، و نفس الشي‏ء يقال في أن اعطاك زيد درهما فخذه و أن اعطاك زيد الدرهم فخذه، حيث لا مفهوم للاولى بخلاف الثانية. و لعل هذا هو الوجه الفني لذهاب الشيخ الأعظم الى عدم المفهوم في الآية الكريمة. (2)

و ذلك لما عرفت من أن العرف بمناسبة الحكم و الموضوع و كلية القضايا الشرعية و عدم اختصاصها بالموارد الخاصة يفهم أن الموضوع في الآية الكريمة مقدم رتبة على تحقق الشرط، كما ذكرنا انهم يستفيدون من قولهم اذا جاءك المؤمن بسلام فأجبه أن الموضوع هو السلام و مقدم على الشرطية، و لذا يفهمون منه المفهوم، فكذلك في المقام.

لا يقال: أن اللازم في المفهوم هو حفظ الموضوع في المنطوق، و المفهوم و الموضوع في الآية

____________

(1) مباحث الحجج: ج 1 ص 353 ذيل الصفحة.

(2) مباحث الحجج: ج 1 ص 356.

199

الكريمة هو الفاسق. و عليه فمفهوم الشرط في الآية لا يدل إلّا على عدم وجوب التبين عند عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ لا عند مجي‏ء العادل بالنبإ؛ إذ اللازم في المفهوم هو حفظ الموضوع في المنطوق، و المفهوم، و لذا نقول: قولهم اذا جاء زيد فاكرمه لا يدل مفهومه إلّا على أن زيدا اذا لم يجئ لا تكرمه، و اما عمرو يجب اكرامه أو لا يجب فهو ساكت عنه، نعم يمكن التمسك بمفهوم الوصف أو اللقب. بالنسبة اليه، كما سيأتي أن شاء اللّه تعالى.

لانا نقول: نعم لو كانت القضية الشرطية هي اذا جاء الفاسق بالنبإ، و أما اذا كانت القضية بحكم العرف كما ذكرنا النبأ اذا جاءكم فاسق به فتبينوا فالموضوع هو النبأ لا الفاسق، و هو محفوظ في المفهوم و المنطوق.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه دلالة الآية الكريمة على مفهوم الشرط، فليتدبّر.

الوجه الثاني: [الاستدلال بمفهوم الوصف‏]

الاستدلال بمفهوم الوصف في الآية الكريمة بدعوى أن حيثية الخبر الواحد لو كانت مقتضية لحرمة العمل لكان ذكر كلمة الفاسق لغوا، فذكره يدل على دخالته في ثبوت الحكم، أعني حرمة العمل بدون تبين عند العمل. (1)

و هذا الاستدلال متفرّع على دلالة الوصف على المفهوم، فيستدل حينئذ بمفهوم الوصف.

و توضيحه- كما في مصباح الاصول- أن التبين ليس واجبا نفسيا، بل هو شرط لجواز العمل بالخبر؛ اذ التبين بلا تعلقه بعمل من الاعمال ليس بواجب يقينا بل لعله حرام؛ فان التفحص عن كونه صادقا أو كاذبا يكون من باب التفحص عن عيوب الناس. و يدل على كون الوجوب شرطيا مع وضوحه في نفسه التعليل المذكور في ذيل الآية الشريفة، و هو قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ، فيكون مفاد الآية الشريفة أن العمل بخبر الفاسق يعتبر فيه التبين عنه، فيجب التبين عنه في مقام العمل به، و يكون المفهوم بمقتضى التعليق على الوصف أن العمل بخبر غير الفاسق لا يعتبر فيه التبين عنه، فلا يجب التبين عن خبر غير

____________

(1) نهاية الاصول: ص 492.

200

الفاسق في مقام العمل به. (1) و ما لم يجب التبين عنه عند العمل يكون حجة.

و يمكن أن يقال: أن التقريب و التوضيح فرع دلالة الوصف على المفهوم، و هو ممنوع، قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): بأن المحقّق في محله عدم اعتبار المفهوم في الوصف، خصوصا في الوصف الغير المعتمد على موصوف محقق، كما في ما نحن فيه؛ فانه اشبه بمفهوم اللقب. (2)

و دلالة الوصف على أن الحكم ليس ثابتا للطبيعة، و إلّا لكان ذكر الوصف لغوا لا تكفي لافادة نفي الحكم عن غير مورد الوصف مطلقا؛ لانه فرع كون الوصف علة تامة منحصرة، و هو ممنوع.

و قال في مصباح الاصول أيضا: و الاستدلال بمفهوم الوصف غير تام؛ لان الوصف و إن كان يدل على المفهوم، إلّا أن مفهوم الوصف هو أن الحكم ليس ثابتا للطبيعة اينما سرت، و إلّا لكان ذكر الوصف لغوا. و اما كون الحكم منحصرا في محل الوصف بحيث ينتفي بانتفائه فهو خارج عن مفهوم الوصف، و يحتاج الى اثبات كون الوصف علة منحصرة. و لا يستفاد ذلك من نفس الوصف، فان تعليق الحكم على الوصف لو سلم كونه مشعرا بالعلية لا يستفاد منه العلة المنحصرة يقينا، بل يحتمل وجوب التبين عن خبر العادل أيضا اذا كان واحدا، و يكون الفرق بين العادل و الفاسق أن خبر الفاسق يجب التبين عنه و لو مع التعدد بخلاف خبر العادل؛ إذ مع التعدد يكون بينة شرعية لا يجب التبين عنها. فتحصّل: انه لا يستفاد من مفهوم الوصف انتفاء وجوب التبين عند انتفاء وصف الفسق. (3)

نعم لو علم أن المتكلم في مقام بيان العلة المنحصرة لوجوب التبين و اكتفى بالفاسق دل الوصف على المفهوم، و لكن من أين حصل ذلك العلم، فلا تغفل.

و مما ذكر يظهر ما في المحكى عن سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) من أنه لا كلام في دلالة الوصف المذكور في القضية على أن له مدخليته في الحكم بنحو من الانحاء فان ذلك مما

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 152 و 153.

(2) فرائد الاصول: ص 72.

(3) مصباح الاصول: ج 2 ص 152 و 153.

201

لا سبيل الى انكاره و إنّما انكر مفهوم الوصف من انكره لما رأى من أن غاية ما يمكن استفادته من الكلام دخالة مفهوم الوصف و اما انه دخيل في اصل الحكم او في مرتبة من مراتبه فلا و لا طريق الى استظهار المفهوم من هذه الجهة و قد قلنا أن هذا المقال يختص بما اذا كان الحكم ذا مراتب كالوجوب و الاستحباب و الحرمة و الكرامة و اما اذا لم يكن كذلك مثل اصل الجواز من الاحكام التكليفيّة و مثل جميع الاحكام الوضعية فلا بد فيه من الالتزام بدخالة الوصف في اصل الحكم و هذا عبارة اخرى عن المفهوم و من البديهى أن الحجية كانت من الاحكام الوضعية نظير الصحة و نحوها فلا تقبل الشدة و الضعف اصلا (1) و ذلك لما عرفت من أن المفهوم متفرع على استفادة العلة المنحصرة فما دام لم يعلم بانحصار عليته الوصف لا دلالة على المفهوم و لا فرق فيه بين كون الحكمة ذا مراتب و عدمه.

مانعية التعليل عن انعقاد المفهوم‏

ثم لا يذهب عليك أنه لو تم ما ذكر من دلالة الآية الكريمة على المفهوم لا يخلو الاستدلال بها عن اشكال آخر، و هو- على ما في فرائد الاصول- أن المحكي عن العدة و الذريعة و الغنية و مجمع البيان و المعارج و غيرها انا لو سلمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل الغير المفيد للعلم لكن نقول: أن مقتضى عموم التعليل، وجوب التبين في كل خبر لا يؤمن الوقوع في الندم من العمل به و إن كان المخبر عادلا، فيعارض المفهوم، و الترجيح مع ظهور التعليل.

لا يقال: أن النسبة بينهما و إن كان عموما من وجه، فيتعارضان في مادة الاجتماع و هي خبر العادل الغير المفيد للعلم، و لكن يجب تقديم عموم المفهوم و ادخال مادة الاجتماع فيه؛ إذ لو خرج عنه. و انحصر مورده في خبر العادل المفيد للعلم كان لغوا، لانّ خبر الفاسق المفيد للعلم أيضا واجب العمل، بل الخبر المفيد للعلم خارج عن المنطوق و المفهوم معا، فيكون المفهوم أخص مطلقا من عموم التعليل.

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) 2/ 132.

202

لانا نقول: ما ذكره اخيرا من أن المفهوم اخص مطلقا من عموم التعليل مسلم إلّا أنا ندعي التعارض بين ظهور عموم التعليل في عدم جواز العمل بخبر العادل الغير العلمي و ظهور الجملة الشرطية أو الوصفية في ثبوت المفهوم، فطرح المفهوم و الحكم بخلوّ الجملة الشرطية عن المفهوم أولى من ارتكاب التخصيص في التعليل. (1)

و يمكن الجواب عنه بما افاده في الدرر من أن التعليل لا يدل على عدم جواز الاقدام بغير العلم مطلقا، بل يدل على عدم الجواز فيما اذا كان الاقدام في معرض حصول الندامة و احتماله منحصر فيما لم يكن الاقدام عن حجة، فلو دلت الآية بمفهومها على حجية خبر العادل فلا يحتمل أن يكون الاقدام على العمل به مؤديا الى الندم، فلا منافاة بين التعليل و مفهوم الآية اصلا. (2)

و توضيح ذلك: انه لا منافاة بين التعليل و مفهوم الآية الكريمة؛ لان المراد من الجهالة و عدم العلم هو عدم الحجة، كما أن المراد من العلم في قوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ أو قوله (عليه السّلام) «كل شي‏ء نظيف حتى تعلم انه قذر» هو الحجة، و عليه فالتعليل يدل على المنع عن العمل بما يكون في معرض الندامة و هو ما لا حجية فيه. و هذا لا ينافي جواز الاخذ بالحجة؛ فانه لا يكون في معرض الندامة، فقوله سبحانه و تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا يدلّ على عدم حجية خبر الفاسق بذكر لازمه، و هو لزوم تحصيل العلم و الحجة؛ إذ لا معنى لطلب تحصيل العلم و الحجة إلّا مع عدم حجية خبر الفاسق.

و عليه فالمنتفي في طرف المفهوم هو عدم الحجية، و من المعلوم أن انتفاء عدم الحجية عن خبر العادل عين حجية خبره؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين.

و بعبارة أخرى: نفي عدم الحجية هو الحجية، فالمعلق على خبر الفاسق في الجملة الشرطية هو التبين، و لكن في الحقيقة أن التبين لازم المعلق و هو عدم الحجية، و هو ينتفي عند

____________

(1) فرائد الاصول: ص 72.

(2) الدرر: ص 386.

203

انتفاء مجي‏ء الفاسق، و انتفاء عدم الحجية يساوي الحجية؛ إذ ليس الليس مساوق للائس، و لا ينافي المفهوم المذكور مع التعليل الدال على عدم جواز اصابة القوم بلا حجة؛ لان مورد المفهوم خارج عن مورد التعليل خروجا تخصّصيا، كما لا يخفى.

و مما ذكر يظهر النظر في ما افاده سيدنا الامام المجاهد (قدّس سرّه) في مانعية التعليل بقوله (رحمه اللّه):

أن دلالة الشرطية على المفهوم و استفادة ذلك من تلك القضية مبتنية على ظهور الشرط في القضية في كونه علة منحصرة بحيث ينتفي الحكم بانتفائه، و أما اذا صرح المتكلم بالعلة الحقيقية و كان التعليل اعم من الشرط أو كان غير الشرط فلا معنى لاستفادة العلية فضلا عن انحصارها، فلو قال: أن جاءك زيد فأكرمه، ثم صرح أن العلة انما هو علمه فنستكشف أن المجي‏ء ليس علة و لا جزء منها، و هذا واضح جدا. و هو أيضا من الاشكالات التي لا يمكن الذب عنه، و قد غفل عنه الاعلام. و عليه فلا وقع لما افادوه في دفعه. (1)

و ذلك لان مقتضى ما عرفت من عدم المنافاة بين التعليل و الشرط المذكور أن التعليل في الآية مؤكد للشرط المذكور؛ فان المعرضية للندامة من ناحية عدم الحجية منحصرة في الشرط المذكور و هو نبأ الفاسق، فليس التعليل مفيدا لامر هو اعم من الشرط أو أمر مغاير للشرط المذكور حتى ينافي علية الشرط أو انحصارها.

و قياس الآية الكريمة بمثل قوله: أن جاءك زيد فأكرمه، ثم التصريح بان العلة انما هو علمه في غير محله، فان مجي‏ء زيد غير العلم، بخلاف المقام فان نبأ الفاسق في قوله‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يشير الى أن العلة هو عدم افادة خبره العلم بمعنى الحجة، و هو غير مناف لما افاده التعليل في الآية الكريمة من أن الاقدام على ما ليس بحجة يكون في معرض الندامة بل هما متساعدان، كما لا يخفى.

و لعل منشأ توهم المنافاة بين المفهوم و التعليل هو حمل الجهالة في قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ على عدم العلم بالواقع بقرينة كون الجهالة مقابلة للتبين و هو بمعنى‏

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2 ص 113.

204

تحصيل العلم و احراز الواقع، و معلوم أن الجهالة بهذا المعنى مشتركة بين خبري العادل و الفاسق، و هو يوجب تعميم علة التبين، فتتنافى مع انحصار علة التبيّن في خبر الفاسق، و تمنع عن انعقاد ظهور المفهوم.

و لكن لا يخفى عليك أن هذا فيما اذا اريد من الجهالة خصوص عدم العلم بالواقع و من التبين خصوص تحصيل العلم و احراز الواقع، و اما اذا قلنا أن المرتكز في الاخبارات و الانباءات هو الاكتفاء بالحجة، فالتبين هو التفحص عن حجية الخبر و الجهالة في مقابلها و هو عدم التفحص و الاقدام مع عدم احراز الحجة، و من المعلوم أن الجهالة بهذا المعنى ليست مشتركة بين خبرى العادل و الفاسق فمع عدم الاشتراك لا تعميم في علة التبين و مع عدم التعميم لا منافاة بين التعليل و بين انحصار علة التبين في خبر الفاسق، كما لا يخفى.

و ربما يجاب عن مانعية التعليل مع المفهوم بحمل الجهالة على السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء، لا على ما هو مقابل العلم مستشهدا بقوله عزّ و جلّ: فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ فان الندامة لا تكون إلّا على فعل سفهي لا يكون على طريقة العقلاء فلما يعم التعليل المذكور لمثل الاعتماد على خبر العادل فلا اشتراك في التعليل حتى ينافى المفهوم من انحصار العلة في خبر الفاسق و لو كان المراد منه هو الغلط في الاعتقاد و مقابل العلم لما جاز الاعتماد على الشهادة و الفتوى. و هو كما ترى.

و لم يستبعده صاحب الكفاية حيث قال: أن دعوى أن الجهالة بمعنى السفاهة و فعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة. (1)

أورد عليه أوّلا: بان حمل الجهالة على السفاهة خلاف الظاهر من لفظ الجهالة و أن استعملت احيانا في ذلك، و لذا قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): و فيه مضافا الى كونه خلاف ظاهر لفظ الجهالة الخ. (2)

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 86.

(2) فرائد الاصول: ص 72.

205

و مما ذكر يظهر ما في مصباح الاصول حيث قال: و الظاهر أن المراد من الجهالة هي السفاهة و الاتيان بما لا ينبغي صدوره من العاقل؛ فان الجهالة كما تستعمل بمعنى عدم العلم كذلك تستعمل بمعنى السفاهة أيضا. (1)

لما عرفت من أن حمل الجهالة على السفاهة خلاف الظاهر، و مجرد الاستعمال في بعض الموارد لا يكفي للاستظهار و الحمل المذكور.

و ثانيا: أن قوله‏ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏، يساعد مع كون الجهالة بمعنى عدم الحجة، فان العمل بالحجة ممّا لا تترتب عليه الندامة، بخلاف العمل بما ليس بحجة، فلا منافاة بين التعليل و المفهوم من الآية، و لا حاجة الى حمل الجهالة على السفاهة، كما لا يخفى.

و ثالثا: كما في نهاية الدراية أن العمل بخبر العادل مع قطع النظر عن هذه الآية من شأن أرباب البصيرة؛ لبناء العقلاء على العمل بخبر من يوثق به، فالآية حينئذ مبنيّة على حجية خبر العادل و كاشفة عنها، لا انّها مبيّنة للحجية و جاعلة لها، كما هو المقصود. (2)

فلو لم يكن الخبر حجة قبل نزول الآية الكريمة فالعمل بخبر العادل يكون ايضا سفاهة و جهالة؛ لانه عمل بلا حجة، فيشمله عموم التعليل، فحمل الجهالة على السفاهة لا يرفع الاشكال، كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأن الآية الكريمة امضاء لما عليه العقلاء بما هم عقلاء من العمل بخبر العادل، و لا تكون متكفلة لبيان حجيته بالتأسيس، و مع الامضاء المذكور فلا يكون العمل بخبر العادل سفاهة. (3)

و ربما يجاب ايضا عن منافاة التعليل مع المفهوم بأن المفهوم حاكم على التعليل، فانه يحكم في خبر العادل بانه محرز و كاشف عن الواقع و علم في عالم التشريع، فيخرج عن عموم التعليل تعبّدا، و لا يمكن أن يعارضه اصلا لكي يوجب عدم انعقاده. (4)

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 163.

(2) نهاية الدراية: ج 2 ص 78.

(3) راجع منتقى الاصول: ج 4 ص 268.

(4) فوائد الاصول: ج 3 ص 172.

206

أورد عليه في نهاية الدراية بأنّ حكومة سائر الادلة على هذا التعليل المشترك وجيهة، و اما حكومة المفهوم المعلل منطوقه بنحو يمنع عن اقتضاء المفهوم المثبت لحجية خبر العادل حتى يرتفع به الجهالة تنزيلا فهو دور واضح، فتدبّر جيدا. (1)

و ذلك واضح؛ لان حكومة المفهوم متفرعة على عدم شمول التعليل للمفهوم، و المفروض أن عدم شمول التعليل متوقف على حكومة المفهوم، و هو دور. هذا مع الغمض عما في دعوى دلالة ادلة الاعتبار على أن خبر العادل علم تشريعا.

و مما ذكر يظهر ما في مصباح الاصول أيضا حيث ذهب الى حكومة المفهوم على التعليل لرفع المنافاة بينهما، و استوجه ذلك، و اطال الكلام، فراجع. (2)

و ربما يجاب عن المنافاة المذكورة بأن خبر غير الفاسق الذي تدل الآية على حجيته حجة و طريق عند العقلاء ايضا، و العقلاء يعبّرون عن جميع الطرق المعتبرة عندهم بالعلم سواء في ذلك الظواهر و خبر الثقات و غيرهما، و يرون مفهوم العلم عاما للقطع الذي لا يحتمل الخلاف و لموارد قيام الطرق المعتبرة، و اذا اعتبروا شيئا طريقا يرون قيام هذا الطريق على شي‏ء وصولا الى الواقع، لا بمعنى تنزيل شي‏ء منزلة آخر، بل بمعنى واقع الوصول كما في القطع حرفا بحرف.

و حينئذ فالآية المباركة اذا القيت اليهم فهموا منها بمقتضى الشرطية المذيلة بالتعليل المذكور: أن النبأ اذا لم يأت به الفاسق بل غير الفاسق فهو طريق موصل الى الواقع يعمل به من دون حاجة الى التبين، فلا يتصور فيه اصابة القوم بجهالة للوصول الى الواقع و العلم به و اتّضاحه، فليس فيه اصابة بجهالة حتى يتصور و يجي‏ء فيه الندم، فهو خارج عن مورد التعليل، و يكون المفهوم بلا معارض. (3)

و فيه- مضافا الى انه مبني على اعتبار الخبر من باب بناء العقلاء لا دلالة الادلة التعبدية

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 78.

(2) مصباح الاصول: ج 2 ص 163- 169.

(3) تسديد الاصول: ج 2 ص 79- 80.

207

و المفروض أن الاستدلال بالآية الكريمة- أن قطعية أدلة الاعتبار لا توجب كون المعتبر داخلا في العلم و القطع الحقيقى و أن اطلق عليه العلم بمعنى الحجة؛ اذ احتمال الخلاف ليس موهونا في جميع موارد الظواهر و اخبار الثقات، خصوصا مع ما فيها من الترجيحات الرجالية و الدلالية، أ لا ترى أن احتمال الخلاف في الظواهر بل في الاخبار غير المقرونة بالقرائن القطعية وجداني، و مع كون احتمال الخلاف وجدانيا كيف يرون قيام هذه الطرق على شي‏ء وصولا واقعيا؟!

و الظاهر أن منشأ الاشتباه هو الخلط بين المعتبر و بين ادلة الاعتبار، فتأمّل.

فالصحيح هو ما مرّ من أن التعليل لا يدل على عدم جواز الاقدام بغير العلم مطلقا، بل فيما اذا كان في معرض حصول الندامة، و احتماله منحصر فيما لم يكن الاقدام حجة، فالآية بمفهومها تدل على حجية خبر العادل و بتعليلها على عدم جواز العمل بغير الحجة، فلا منافاة بين مفهومها و تعليلها، كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يقال- كما في تسديد الاصول- بأنّ ظاهر الآية ترتب الندم على اصابة القوم بجهالة بحسب الارتكاز و الاغراض العقلائية، لا بملاحظة انهم في مقام اطاعة إلّا و امر الشرعية، بل مجرد اصابة القوم بجهالة امر مرغوب عنه عند العقلاء و موجب لحصول الندم على الاقدام بعمل ينتهي اليه.

هذا، مضافا الى أن ظاهر الآية و تعليلها أن هذا الندم سواء كان ملازما للعقوبة أم لا مترتب على مجرد اصابة القوم بجهالة، و إذا كان المفروض صدق الجهالة حتى في موارد الطرق الظنية فلا محالة يدل التعليل على ترتب المحذور و الندم على العمل بها، فهي لا يمكن أن تكون حجة سواء في ذلك خبر الفاسق و غيره، فالتعليل يمنع عن انعقاد المفهوم. (1)

و لكن لقائل أن يقول: أن مع الادلة القطعية الدالة على اعتبار خبر العادل لا تكون اصابة القوم اصابة بجهالة، كما لا تكون كذلك فيما اذا كانت الاصابة بعلم يخالف الواقع؛ و ذلك لقيام‏

____________

(1) تسديد الاصول: ج 2 ص 82.

208

الحجة، و اصابة القوم بجهالة فيما اذا لم يكن مع الحجة.

فمع عدم صدق الجهالة في موارد الطرق الظنية التي تقوم الادلة القطعية على اعتبارها كظاهر الآية الدالة على المفهوم- الذي يدل على اعتبار الظواهر- لا مجال لترتب الندم على العمل بها؛ فان موضوعه هو الاصابة بالجهالة، و المفروض هو عدم صدقها بالعمل بالطرق التي تكون قطعية الاعتبار.

فهذه الآية بالتقريب الذي عرفته تدل على حجية خبر غير الفاسق في خبره بناء على دلالة القضية الشرطية على المفهوم أو قيام القرينة على كون الآية في مقام بيان المنطوق و المفهوم، قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) بعد ما افاده في هذه الآية و انقدح بجميع ما ذكر دلالة الآية الشريفة على حجّيّة قول العادل و أن الاصح كونها من ادلتها و اللّه العالم. (1)

و منها- أي من جملة الآيات التي استدل بها لحجية خبر الواحد- قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏. (2)

و تقريبها بوجوه عديدة:

الوجه الأوّل: [ما ذهب اليه السيد المحقق البروجردي‏]

ما ذهب اليه السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه) من أن الآية الكريمة تدل على أن المؤمنين ليسوا بأجمعهم أهلا للنفر لتعلّم الدين، فلو لا نفر من كل فرقة و قبيلة منهم طائفة، فسياق الآية ينادي باعلى صوت الى مطلوبية الانذار و الحذر و وجوبهما؛ لظهور كلمة «لو لا» في التخصيص. و عليه فلا نحتاج في اثبات ذلك الى بيان مفاد «لعل» و أن المراد بها ليس هو الترجي الحقيقي بل مطلوبية مدخولها و نحو ذلك من التقريبات.

و بالجملة ظاهر صدر الآية كون ما امر بالنفر اليه بمثابة من الأهمية بحيث لو لا لزوم مثل‏

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 132.

(2) التوبة/ 122.