عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
209

اختلال النظام و نحوه لوجب على الجميع النفر اليه، و لكن حدوث هذه الامور منع من ايجاب النفر على الجميع، فعلى هذا لم لا ينفر بعضهم حتى يرشدوا بأنفسهم و يرشدون غيرهم؟! (1)

الوجه الثاني: [أن كلمة «لعل» بعد انسلاخها عن معنى الترجي الحقيقي تدل على محبوبية التحذر]

أن كلمة «لعل» بعد انسلاخها عن معنى الترجي الحقيقي- لعدم امكانه في حقه تعالى- تدل على محبوبية التحذر عند الانذار، فاذا ثبتت محبوبية التحذر ثبت وجوبه شرعا؛ اذ لا معنى لندب التحذر عن العقاب الاخروي مع قيام المقتضي للعقوبة، و إن لم يكن للعقاب مقتضى فلا مطلوبية و لا حسن للتحذر، اذ لا موضوع له، و هو العقوبة، و المفروض هو ثبوت المطلوبية.

أورد عليه أوّلا: بأن التحذر يمكن أن يكون لرجاء ادراك الواقع و عدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة، و المتحذر حينئذ حسن، و ليس بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف.

و يمكن الجواب عن ذلك كما في نهاية الدراية بان الانصاف أن الانذار و التحذر بملاحظة ترتب العقوبة أنسب، اذ المتعارف من الانذار من المبلغين للاحكام في مقام الحث على العمل بها بيان ما يترتب على الفعل أو الترك من العقوبات الاخروية دون المصالح و المفاسد، فالتحذر المنبعث عنه تحذر من العقوبة. (2)

هذا، مضافا الى أن الانذار لعموم الناس لا للخواص و ارباب العقول حتى يصح الانذار باعتبار المصالح و المفاسد.

أورد عليه ثانيا: بأنا لو سلمنا دلالة كلمة «لعل» على المطلوبية فالحذر المطلوب أن كان هو الحذر من العقاب المساوق مع وجوب التحذر بلحاظه و لا بديته فهذا الفرض يساوق‏

____________

(1) نهاية الاصول: ص 504.

(2) نهاية الدراية: ج 2 ص 86.

210

عرفا كون الانذار بلحاظ العقاب ايضا؛ لان ظاهر الآية أن الحذر من نفس الشي‏ء المخوف المنذر به، و هو يعني أن الانذار فرض في طول العقاب و المنجزية على ما تقدم من أن التحذر تحذر في مورد الانذار لا الاخبار، و هو لا يكون إلّا مع تنجيز العقاب في المرتبة السابقة، و مثله لا يكشف عن الحجية، بل يستحيل أن يكشف عنها؛ لانه في طول الحجية و التنجز.

و إن كان المراد الحذر من المخالفة للحكم الواقعي بعنوانها فمطلوبية هذا الحذر لا يلزم منها وجوبه، بل يمكن أن يكون مستحبا، كما هو مقتضى حسن الاحتياط دائما. (1)

لا يخفى عليك أن التحذر باعتبار العقاب لا باعتبار المخالفة للحكم الواقعي و المصالح و المفاسد، و لكن منجزية الامارة اعني قول العادل كمنجزية العلم، فكما أن العلم بالحكم يوجب التنجز بنفس العلم و يكون حجة على الحكم، فكذلك اخبار العادل بالوجوب أو الحرمة و ترتب العقاب يوجب التنجز لغيره بنفس الاخبار و أن كان الحكم منجزا على نفسه قبل اخباره للعلم به سابقا، و لا منافاة بين أن يكون الحكم منجزا على المخبر قبل اخباره و لا يكون منجزا على السامع قبل اخباره و يصير منجزا عليه بنفس الاخبار.

و عليه فحيث أن المنجزية تحصل بنفس الاخبار يكشف ذلك عن كون اخبار العادل حجة على السامع، و بالاخبار يحصل التنجز و الانذار معا، و المستحيل هو تنجز الحكم بنفس الانذار بالنسبة الى المخبر لا السامع، كما لا يخفى.

و دعوى: أن غاية ما يلزم من الآية لو سلم دلالتها وجوب التحذر في مورد الخبر الدال على الالزام، و هذا غير الحجية المطلوبة، و انما هو وجوب الاحتياط و لكن في خصوص الشبهة التي قام فيها خبر على الالزام؛ لانها تأمر بالتحذر. (2)

مندفعة: بأن التحذر هو التحفظ و التجنب العملي عن مخالفة ما اخبر به العادل، و ليس معناه هو الاحتياط، و من المعلوم أن التحذر بذلك المعنى يساوق حجية خبر العادل.

____________

(1) مباحث الحجج: ج 1 ص 377 و 378.

(2) مباحث الحجج: ج 1 ص 377.

211

لا يقال: أن كلمة لعل لا تدل على أزيد من ابداء الاحتمال، و اما المطلوبية التي استدل بها لوجوب التحذر فلا دلالة لها عليها.

لأنا نقول: هذه الدعوى فاسدة؛ لدلالة المقام على مطلوبية التحذر، كيف لا يكون التحذر مطلوبا مع وجوب الانذار بالنسبة الى المتفقهين؟!

هذا، مضافا الى أن احتمال ترتب العقوبة مع أن المورد مما يجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان مساوق لوجوب التحذر. (1)

الوجه الثالث: [أن التحذر غاية للانذار الواجب‏]

أن التحذر غاية للانذار الواجب؛ لكونه غاية للنفر الواجب كما تشهد له كلمة «لو لا» التحصيصية. و عليه فاذا وجب الانذار وجب التحذر؛ اذ الغاية المترتبة على فعل الواجب مما لا يرضى الآمر بانتفائه سواء كان من الافعال المتعلقة للتكليف أم لا، كما في قولك توضأ لتصلي، و اسلم لعلك تدخل الجنة، و قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏.

أورد عليه في الكفاية بعدم انحصار فائدة الانذار بالتحذر تعبّدا؛ لعدم اطلاق يقتضي وجوبه على الاطلاق، ضرورة أن الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غائية التحذر، و لعل وجوبه كان مشروطا بما اذا افاد العلم ... الى أن قال: و قضيّته انما هو وجوب الحذر عند احراز أن الانذار بمعالم الدين. (2)

و يمكن الجواب عنه كما في نهاية الدراية، بأن التحذر و إن لم يكن له في نفسه اطلاق نظرا الى أن الآية غير مسوقة لبيان غائية الحذر ليستدل باطلاقه بل لا يجاب النفر للتفقه، إلّا أن اطلاقه يستكشف باطلاق وجوب الانذار؛ ضرورة أن الانذار واجب مطلقا من كل متفقه سواء افاد العلم للمنذر أم لا، فلو كانت الفائدة منحصرة في التحذر كان التحذر واجبا مطلقا، و إلّا لزم اللغوية احيانا.

و دعوى: أن الفائدة غير منحصرة في التحذر، بل لافشاء الحق و ظهوره بكثرة انذار

____________

(1) تسديد الاصول 2: 90.

(2) الكفاية: ج 2 ص 93.

212

المنذرين، فالغاية قهرا تلازم العلم بما انذروا به.

مندفعة: بأن ظاهر الآية أن الغاية المترتبة على الانذار و الفائدة المترقبة منه هي التحذر، لا افشاء الحق و ظهوره.

فالمراد و اللّه العالم لعلهم يحذرون بالانذار لا بافشاء الحق بالانذار، كما أن ظاهرها التحذر بما انذروا لا بالعلم بما انذروا به، بل نقول: أن نفس وجوب الانذار كاشف عن أن الاخبار بالعقاب المجعول انذار، و لا يكون ذلك إلّا اذا كان حجة، و إلّا فالاخبار المحض لا يحدث الخوف و لو اقتضاء حتى يكون مصداقا للانذار حتى يجب شرعا. (1)

لا يقال: احتمال وجود المانع في ايجاب الغاية على الغير يمنع عن الجزم بوجوب الغاية و هي التحذر. (2)

لانا نقول: هذا الاحتمال غير سديد لوهنه بعد كون التحذر مقصدا لوجوب ذي الغاية، و عدم وجود مانع معقول فيه.

ثم اذا كانت الملازمة العرفية بين وجوب شي‏ء و وجوب غايته كما اذا قيل لا تشرب الخمر لإسكارها أو قيل اذهب الى المسجد لكي تصلي فلا فرق فيه بين ما اذا كان الخطاب موجها الى مكلف واحد أو أكثر كما في المقام، فان الانذار فعل المنذر و التحذر فعل المنذر؛ و ذلك لان الامر بالانذار وسيلة لامر المنذرين، بالتحذر.

لا يقال: أن التحذر ليس فعل المنذرين، بل هو فعل المنذرين، و فعل الغير ليس مقدورا للمنذرين، فلا يكون الامر بالانذار ظاهرا في كونه طريقيا الى أمرهم بالتحذر. (3)

لانا نقول: أن المقدور بالواسطة مقدور، و عليه فلا مانع من ملازمة وجوب ذي الغاية لوجوب الغاية و لو كانت الغاية فعل مكلف آخر، أ لا ترى أنه يقال يجب عليك تعليم القوم لان يكونوا عالمين، بل الخطابات الاجتماعية غالبا طرق الى امر غيرهم ببعض الامور، فلا تغفل.

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 86- 87.

(2) تسديد الاصول: ج 2 ص 90.

(3) مباحث الحجج: ج 1 ص 378.

213

أورد عليه الشيخ (قدّس سرّه) أيضا بانه لا يستفاد من الكلام إلّا مطلوبية الحذر عقيب الانذار بما يتفقهون في الجملة لكن ليس فيها اطلاق وجوب الحذر، بل يمكن أن يتوقف وجوبه على حصول العلم، فالمعنى: لعله يحصل لهم العلم فيحذروا، فالآية مسوقة لبيان مطلوبية الانذار بما يتفقهون و مطلوبية العمل من المنذرين بما انذروا، و هذا لا ينافي اعتبار العلم في العمل، و لهذا صح ذلك فيما يطلب فيه العلم، فليس في هذه الآية تخصيص للادلة الناهية عن العمل بما لم يعلم، و لذا استشهد الامام (عليه السّلام) فيما سمعت من الاخبار المتقدمة على وجوب النفر في معرفة الامام و انذار النافرين للمتخلفين مع أن الامامة لا تثبت إلّا بالعلم. (1)

و يمكن الجواب عنه كما في مصباح الاصول:

أوّلا: بان الاصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان؛ لاستقرار بناء العقلاء على ذلك ما لم تظهر قرينة على خلافه.

و ثانيا: بأن ظاهر الآية المباركة كونها واردة لبيان وظيفة جميع المسلمين المكلفين و انه يجب على طائفة منهم التفقه و الانذار و على غيرهم الحذر و القبول، فكما أن اطلاقها يقتضي وجوب الانذار و لو مع عدم حصول العلم للمنذر بمطابقة كلام المنذر للواقع، فكذلك يقتضي وجوب الحذر ايضا في هذا الفرض.

و ثالثا: بأن ظاهر الآية ترتب وجوب الحذر على الانذار، و تخصيص وجوب الحذر بما اذا حصل العلم بالواقع موجب لالغاء عنوان الانذار؛ اذ العمل حينئذ انما هو بالعلم من دون دخل للانذار فيه غاية الامر كون الانذار من جملة المقدمات التكوينية لحصول العلم لا موضوعا لوجوب الحذر، فاعتبار حصول العلم في وجوب الحذر يوجب الغاء عنوان الانذار لا تقييده بصورة حصول العلم، مع أن ظاهر الآية كون وجوب الحذر مترتبا على الانذار ترتب الحكم على موضوعه.

و رابعا: انه على تقدير تسليم أن اعتبار العلم في وجوب الحذر يوجب التقييد لا الغاء

____________

(1) فرائد الاصول: ص 80.

214

عنوان الانذار لا يمكن الالتزام بهذا التقييد؛ فانه تقييد بفرد نادر، و هو مستهجن. (1)

و الحاصل: أن الاصل في الكلام في غير المخترعات الشرعية التي لا يكون المتكلم احيانا في مقام بيانها هو الحمل على الاطلاق كما عليه بناء العقلاء، فلا وجه لعدم الاطلاق في المقام؛ لانه ليس من المخترعات الشرعية كالصلاة و الحج و نحوهما.

لا يقال: أن هذه الآية مربوطة بباب الجهاد من جهة السياق؛ فان سورة براءة مرتبطة بالمشركين و الجهاد معهم، و من المعلوم أن النفر الى الجهاد ليس للتفقه و الانذار، نعم ربما يترتبان عليه بعنوان الفائدة بناء على ما قيل من أن المراد حصول البصيرة في الدين من مشاهدة آيات اللّه و ظهور أوليائه و غلبتهم على اعدائه و سائر ما يتفق في حرب المسلمين مع الكفار من آيات عظمة اللّه و حكمته فيخبروا بتلك الامور عند رجوعهم الى الفرقة المتخلفة الباقية في المدينة. و عليه فالانذار ليس غاية للنفر الواجب حتى تجب الغاية بوجوب ذيها و هو النفر، بل الانذار من قبيل الفائدة المترتبة على النفر الى الجهاد احيانا.

لانا نقول: لا معيّن لكون النفر للجهاد؛ اذ مجرد السياق لا يدل على ذلك، قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ليس في صدر الآية دلالة على أن المراد النفر الى الجهاد، و مجرد ذكر الآية في آيات الجهاد لا يدل على ذلك.

هذا، مضافا الى انه لو سلم أن المراد النفر الى الجهاد لكن لا يتعين أن يكون النافر من كل قوم طائفة لاجل مجرد الجهاد، بل لو كان لمحض الجهاد لم يتعين أن ينفر من كل قوم طائفة، فيمكن أن يكون التفقه غاية لا يجاب النفر على طائفة من كل قوم، لا لا يجاب اصل النفر.

(حاصله: أن المطلوب متعدد، أي اصل النفر لاصل الجهاد و نفر الطائفة للتفقه. و عليه فالتفقه غاية لايجاب النفر على الطائفة).

على أنه قد فسر الآية بأن المراد نهي المؤمنين عن نفر جميعهم الى الجهاد، كما يظهر من قوله‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً و امر بعضهم بأن يتخلفوا عند النبي (صلى اللّه عليه و آله) و لا يخلوه‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 184- 185.

215

وحده فيتعلموا مسائل حلالهم و حرامهم حتى ينذروا قومهم النافرين اذا رجعوا اليهم. (1)

يمكن أن يقال: أن تعدد المطلوب بالنحو المذكور و أن امكن، و لكنه خلاف الظاهر، هذا مضافا الى بعد اختصاص النفر في الخير كلامه بالنافرين للجهاد و رجوع الضمير في قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا الى الفرقة الباقية في البلد، مع أن الطائفة اقرب منها.

قال المحقق الاصفهاني: أن التحقيق كما يساعده بعض الاخبار و يشهد له الاعتبار أن الآية ليست في مقام المنع عن النفر الى الجهاد كافة في قبال تخلف جماعة، بل في مقام المنع عن قصر النفر على الجهاد نظرا الى انه كما أن الجهاد مهمّ كذلك التفقه، فليكن نفر جماعة الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) للتفقه و نفر الباقين الى الجهاد، و هو المستفاد من رواية العلل عن الصادق (عليه السّلام) قيل له: أن قوما يروون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال اختلاف امتي رحمة؟ فقال: صدقوا. فقلت: أن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب. قال: ليس حيث تذهب و ذهبوا، انما اراد قول اللّه عزّ و جلّ: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ الى آخر الآية، فامرهم أن ينفروا الى رسول اللّه ليتعلموا ثم يرجعوا الى قومهم فيعلّموهم، انما اراد اختلافهم من البلدان الحديث.

و يوافقه الاعتبار أيضا؛ فان النافرين الى الجهاد من المدينة كان رجوعهم الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فيتعلمون منه (صلى اللّه عليه و آله)، كما كان كذلك في زمان حضوره من دون حاجة الى تخلف جماعة لهذه الغاية، بخلاف النافرين من الاطراف؛ فانهم محتاجون الى تعلم الاحكام اذا رجعوا الى بلادهم، و اللّه أعلم. (2)

و ما ذهب اليه المحقق الاصفهاني اولى مما ذهب اليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، و لكن حمل كلمة «ما» في صدر الآية على النهي مع أن كلمة «ما» للنفي و اللام في قوله لينفروا لتأكيد النفي خلاف الظاهر.

و الحاصل: أن ما ذهب اليه الشيخ (قدّس سرّه) من أن المراد هو تخلف جمع للتفقه و اختصاص النفر

____________

(1) فرائد الاصول: ص 78- 79.

(2) نهاية الدراية: ج 2 ص 88.

216

بالجهاد خلاف الظاهر؛ فان الضمير في قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا راجع الى ما هو الاقرب اليه و هو الطائفة لا الى الفرقة، و مقتضاه هو كون النافرين متفقهين لا الفرقة الباقية. و هكذا ما ذهب اليه المحقق الاصفهاني لا يخلو عن بعد؛ لان الآية في مقام بيان النفر للتفقه.

و بالجملة هنا ثلاثة احتمالات:

احدها: هو اختصاص الآية بالجهاد، و قد عرفت انه لا معين له، بل الظاهر من التفقه و الانذار، مضافا الى بعض الروايات هو أن النفر ليس للجهاد.

و ثانيها: هو أن النفر مختص بالجهاد، و لكن امر في الآية ايضا بتخلف جمع ليتفقهوا و ينذروا النافرين اذا رجعوا اليهم من الجهاد، و هذا ايضا خلاف ظاهر الضمير في قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا فانه راجع الى النافرين لا الى الفرقة الباقية.

و ثالثها: هو اختصاص الآية بالنفر للتفقه، و هذا هو الظاهر. و المعنى كما افاد في نهاية الاصول: أن المؤمنين ليسوا بأجمعهم اهلا للنفر، فلو لا نفر من كل فرقة و قبيلة منهم طائفة.

و المستفاد من ذلك أن المقتضي لنفر الجميع موجود بحيث لو لم يكن مانع عنه لامروا جميعا بالنفر و التفقه، و لكنهم ليسوا اهلا لذلك لاختلال نظامهم و تفرق أمر معاشهم، و حينئذ فلم لا يجعلون الاحتياج الى المطالب الدينية في عرض سائر احتياجاتهم فيوجّهون طائفة منهم الى تحصيلها كما يتوجه كل طائفة منهم الى جهة من الجهات الاخرى المربوطة بأمر المعاش كالزراعة و التجارة و نحوها ... الى أن قال: و بالجملة فهذه الآية على ما ذكرنا تدل على انه لو لا مخافة اختلال النظام لامر الجميع بالنفر في تحصيل الفقاهة، و لكنه بعد ما يلزم من نفر الجميع الاختلال فلم لا ينفر بعضهم ليرشدوا أنفسهم و يرشدون و يصير ذلك سببا لاطلاع جميع الناس على احكام اللّه تعالى و حلاله و حرامه، فسياق الآية ينادي باعلى صوته الى مطلوبية الانذار و الحذر و وجوبهما، فلا نحتاج في اثبات ذلك الى بيان مفاد «لعل» و أن المراد بها ليس هو الترجي الحقيقي بل مطلوبية مدخولها و نحو ذلك من التقريبات، و التعبير ب- «لعل» انما هو من جهة أن الانذار ليس مستتبعا لحذر القوم دائما؛ اذ ربما لا يؤثر كلام‏

217

المنذرين فيهم كما هو المحسوس بين الانبياء و اقوامهم ايضا، فالمراد أن المنذر يجب عليه العمل بوظيفته، و لا يعوقه عن ذلك احتمال عدم تأثير كلامه؛ فان في التبليغ مظنة التأثير.

هذا هو المعنى المستفاد بالتأمل في ظاهر الآية، و تشهد لهذا الوجه اخبار كثيرة حيث استشهد الائمة (عليهم السّلام) بالآية لوجوب النفر للتفقه و التعليم و التعلم. (1)

أن قلت: أن مقتضى ما ذكر هو اختصاص الآية بالنفر للتفقه و الانذار المحقق بقول العادل و أن لم يوجب اليقين و العلم، و هذا لا يتناسب مع الروايات الواردة في استشهاد الامام بالآية الكريمة على وجوب معرفة الامام و انذار النافرين للمتخلفين؛ لان الامامة مما لا تثبت إلّا بالعلم، و عليه فالاستناد بالآية لحجية الدليل الذي لا يفيد العلم كما ترى.

قلت: لا مانع من شمول اطلاق التفقه و الانذار للمعرفة بالحقائق الاعتقادية و الانذار بها ايضا؛ لان اعتقاد المنذر بها تفقه، و يكفي ذلك في وجوب الانذار به، و هو يكفي في وجوب التحذر من مخالفة هذا الاعتقاد و أن لم يحصل له بنفس الانذار قطع بها؛ اذ مع الانذار يلزم عليه أن يسمع انذار الآخرين حتى يحصل له العلم به أو بخلافه، فالتحذر في الفقه بالعمل و هو محقق بنفس انذار عدل واحد، و التحذر في الاعتقاديات بالاعتقاد و هو يحتاج الى تكرر الانذار و الاستماع حتى يحصل العلم. نعم لو حصل له العلم بانذار جماعة دفعة فلا حاجة الى تكرار الاستماع، لان العلم حاصل. و بالجملة يختلف التحذر باختلاف موارد الانذار، و جميع الموارد مشمول للآية الكريمة.

هذا، مضافا الى ما في تسديد الاصول من أن الآية بظاهرها مختصة بتعلم احكام الدين و الانذار بها، و استفادة حكم غيرها انما هو بالغاء الخصوصية؛ لانها ارشاد الى طريقة عقلائية: هي نفر جمع بالمقدار اللازم في كل مورد و الاخذ بمقتضى قولهم، فلا ينافي أن يعتبر في غير موردها حصول العلم ... الى أن قال: فصح الاستناد بالآية في كلا الامرين، و المقتضى‏

____________

(1) نهاية الاصول: ص 499- 500.

218

العرفي في احدهما القطع المطلوب، و في الآخر الطريقة العقلائية. و الحمد للّه ربّ العالمين. (1)

و غير خفي أن الغاء الخصوصية ينتهي الى الاطلاق.

و كيف ما كان فاطلاق الآية يمنع عن حملها على خصوص التفقه في الاحكام، هذا مضافا الى أن تطبيق الآية الكريمة على التفقه في الاحكام و التفقه في المعارف يشهد على اطلاق الآية، كما لا يخفى.

لا يقال: أن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر حيث انه ليس شأن الراوي إلّا الاخبار بما تحمله لا التخويف و الانذار. بل الانذار وظيفة المفتي أو الواعظ، لا الراوي الذي ربما ينقل مجرد الفاظ الرواية من دون أن يفهم معانيها لينذر بها؛ و لذا ورد عنهم (عليهم السّلام) رب حامل فقه الى من هو افقه منه.

لانا نقول- كما افاد في الكفاية و مصباح الاصول- أن نقل رواية دالة على وجوب شي‏ء أو على حرمة شي‏ء انذار ضمني بالعقاب على الترك أو الفعل، كما أن في افتاء المفتي بوجوب شي‏ء أو حرمة شي‏ء انذار ضمني بالعقاب على الترك أو الفعل، و يكون الانذار الضمني كالانذار المطابقي مشمولا للآية الكريمة، و تثبت حجية غيره من الاخبار التي لا انذار فيها؛ لكون الراوي عاميا أو كان مفاد الرواية حكما غير الزامي بعدم القول بالفصل، و حال الرواة في الصدر الاول في نقل ما تحملوا من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الامام (عليه السّلام) حال نقلة الفتاوى الى العوام، فكما لا شبهة في انه يصدق الانذار في مقام الابلاغ على ما نقلوا من المجتهدين فكذلك حال الرواة. (2)

هذا، مضافا الى أن فتاويهم في الصدر الاول منقولة بنفس متون الروايات كما في الهداية و نحوها، فلا وقع لذلك الاشكال، كما لا يخفى.

و دعوى: أن المأخوذ في الآية الكريمة عنوان التفقه، و عليه فالواجب هو التحذر عند

____________

(1) تسديد الاصول: ج 4 ص 92.

(2) راجع الكفاية: ج 2 ص 94 و مصباح الاصول: ج 2 ص 185- 186.

219

انذار الفقيه بما هو فقيه، فلا يشمل انذار الراوي بما هو راو، فيختص مفاد الآية بحجية فتوى الفقيه للعامي لا حجية خبر العادل، و لا مجال للتمسك بعدم القول بالفصل في المقام مع وجود القول بالفصل بين حجيتهما كما لا يخفى.

مندفعة: بان المراد من عنوان التفقه في المقام ليس هو عنوان التفقه الاصطلاحي، بل المراد هو التفقه بمعناه اللغوي، و هو الفهم و العلم، و هو معلوم الحصول باستماع الروايات مع المعرفة بمفادها و أن كانت المعرفة مشككة و تختلف الرواة فيها بحسب اختلاف استعداداتهم، فاذا كان اخبار العادل في المنذرات حجة يتعدى منها الى غيرها بالغاء الخصوصية.

لا يقال: ليس المقصود أن الآية اخص من المدعى، بل المقصود انّها أجنبية عنه؛ لانها حتى في الراوي المستبصر تدل الآية على حجية رأيه و درايته لا شهادته و روايته، فلا معنى للتعدي في حقه، فما ظنك بغيره؟! إذ الآية غير ناظرة الى مسألة الإخبار و حجيته، بل تنظر الى مسألة اخرى و هي لزوم وجود طائفة بين الامة تتحمل مسئولية الجهاد العقائدي و الفكري في سبيل اللّه عن طريق التفقه في الدين و حمله الى الاطراف و الاجيال. و هذه المسألة اجنبية عن حجية خبر الواحد المبحوث عنه في علم الاصول. (1)

لأنا نقول: أوّلا: أن المراد من التفقه هو التفقه اللغوي لا الاصطلاحي، و حمله على صاحب الرأي و الدراية لا شاهد له. و من المعلوم أن المتفقه اللغوي يصدق على الراوي و من اخبر بما سمع من شي‏ء و عرفه و نقله.

و ثانيا: أن مسئولية الجهاد الفكري لا تختص بتحمل العقائد و المعارف، بل تشمل تحمل الاخبار و ايصالها، فبذلك يشمل مسألتنا، و هو حجية خبر الواحد المبحوث عنه في علم الاصول، فلا تغفل.

و مما ذكر ينقدح الجواب عما وقع فيه السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه) من الاشكال و هو أن حيثية التحديث غير حيثية الفقاهة، و كانت الحيثيتان منفكتين بحسب الخارج ايضا، فقد

____________

(1) مباحث الحجج و الاصول: ج 1 ص 381.

220

كثر المحدثون الذين كان من شأنهم ضبط ما سمعوا و حكايته فقط من غير أن يعملوا النظر في استفادة حكم اللّه عنه؛ فان ذلك كان متوقفا على مقدمات من لحاظ المقيدات و المخصصات و سائر الجهات و أن كان تحصيل المقدمات في اعصارهم في غاية السهولة بالنسبة الى زماننا ... الى أن قال: و بالجملة فالاستدلال بالآية على حجية الرواية بما هي رواية مشكل. (1)

و ذلك لما عرفت من أن المراد من التفقه هو معناه اللغوي و هو الفهم و العلم، و هذا المعنى يصدق على الراوي العالم بمداليل الاخبار و أن لم يكن فقيها اصطلاحا. نعم هذا المعنى له عرض عريض يشمل الفقيه الاصطلاحي ايضا اذا انذر بما اجتهد كما يشمل المحدث اذا انذر بما دل عليه الخبر، و لا مانع من ذلك. و بالجملة فالآية تدل على حجية قول العالم بمفاد الخبر سواء كان مجتهدا أو لم يكن، فتدبّر جيّدا.

لا يقال: أن الآية الكريمة ليست ظاهرة في وجوب النفر حتى يترتب عليه وجوب التحذر؛ فان صدر الآية اعني قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً يعطي أن الغرض المسوق له الكلام هو النهي عن النفر العمومي و انه لا يسوغ للمؤمنين أن ينفروا كافة و ابقاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وحيدا فريدا، و على ذلك فيصير المآل من الآية هو النهي عن النفر العام لا ايجاب النفر للبعض، فالحث انما هو على لزوم التجزية و عدم النفر العام لا على نفر طائفة من كل فرقة للتفقه ... الى أن قال: و عدم الاكتفاء على الجملة الاولى يمكن أن يكون لدفع ما ربما ينقدح في الاذهان من بقاء سائر الطوائف على جهالتهم و عدم تفقههم في الدين، فقال عزّ شأنه: يكفي لذلك تفقه طائفة، فليست الآية في مقام بيان وجوب النفر، بل في مقام بيان لزوم التفرقة بين الطوائف، و قوله: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ‏ اخبار في مقام الانشاء و لو بقرينة شأن نزولها كما قال المفسرون، و ليس المراد بيان امر واضح؛ [إذ] لم يختلج ببال احد لزوم نفر جميع الناس في جميع الادوار الى طلب العلم و التفقه حتى لزم التنبيه به، إلّا أن يحمل‏

____________

(1) نهاية الاصول: ص 503- 504.

221

ذكره لصرف المقدمة لما بعده، و هو ايضا بعيد مخالف لشأن نزول الآية و قول المفسرين. (1)

لانا نقول: أوّلا: أن هذا المعنى اي النهي عن النفر العام للجهاد متفرع على أن الآية واردة في النفر للجهاد، و قد عرفت انه لا معين لذلك، و مجرد كون السورة و الآيات السابقة أو اللاحقة مرتبطة بالجهاد لا يكفي في تعيين هذا المعنى، بل لعل وجه ذكر هذه الآية في هذا الموضع هو تنبيه المسلمين بلزوم تعلم احكام الجهاد كما افاد بعض الاعلام. و كيف كان لا اجد رواية صحيحة تدل على أن المراد من قوله‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ‏ هو النهي عن النفر العام للجهاد، بل قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏، يشهد بكون الصدر في النفر للتفقه.

و ثانيا: أن لازم ما ذكر هو أن يكون قوله‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ دالّا على أن النفر للجهاد.

و عليه ففي قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏ احتمالان:

احدهما: لزوم تفقه الفرقة الباقية مع النبي (صلى اللّه عليه و آله) و تعلمهم للاحكام و الآداب منه (صلى اللّه عليه و آله)، فاذا رجعت الطائفة النافرة تنذرهم الفرقة الباقية ببيان ما نزل من الآيات في غيابهم و يعلّمونهم السنن و الفرائض التي تلقوها في غيابهم.

و ثانيهما: لزوم تفقه الفرقة النافرة في الدين بما رأت من آيات اللّه و حصل لهم بذلك بصيرة في الدين بظهور المسلمين و غلبتهم مع قلّتهم على المشركين و نصرتهم على اعدائهم و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم.

و كلاهما خلاف الظاهر:

اما الأوّل: فلما مرّ من أن الضمير في قوله ليتفقهوا و لينذروا راجع الى الطائفة النافرة، لا الفرقة الباقية؛ لانها اقرب اليه منها.

و أما الثاني: فهو و إن كان خاليا عن الاشكال المذكور؛ لانّ الضمير فيه راجع الى الفرقة

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2، ص 128- 129.

222

النافرة لا الباقية، و لكن لا يساعده ظهور كلمة التفقه في الدين؛ فان المستفاد منه هو عمومية التفقه بالنسبة الى مسائل الدين و الاسلام، و هو لا يحصل بتمامه في النفر للجهاد و إن لم يخل النفر للجهاد أحيانا عن الغلبة و النصرة و بعض التعليمات النازلة في سفر الجهاد، إلّا أن اطلاق التفقه في الدين انسب بالنفر لتعلم الأحكام و المعارف‏

و ثالثا: أن المستفاد من الروايات هو لزوم النفر للتعلم و عدم جواز ترك النفر لذلك كصحيحة يعقوب بن شعيب و يونس بن عبد الرحمن و محمّد بن مسلم: أ فيسع الناس اذا مات العالم أن لا يعرفوا الذي بعده؟! فقال: اما اهل هذه البلدة فلا- يعني المدينة- و أن غيرها من البلدان فبقدر مسيرهم، أن اللّه عزّ و جلّ يقول‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الى قوله‏ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏. (1)

هذا مضافا الى قوله (عليه السّلام) في خبر عبد اللّه بن المؤمن الانصاري: فأمرهم أن ينفروا الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و يختلفوا اليه فيتعلموا (2) و غير ذلك.

فتحصل أن النفر واجب للتعلم و التفقه و صدر الآية يدل على عدم تمكن جميع المؤمنين من النفر لتحصيل العلم فلا يجب عليهم النفر بالوجوب العيني بل اللازم عليهم هو النفر بنحو الوجوب الكفائى فالآية غير مرتبطة بالنفر للجهاد و مجرد ذكرها عقيب قوله تعالى و ما كان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه‏ (3) لا يكون قرينة على أن المراد من قوله و ما كان المؤمنون الآية هو النهى عن النفر العمومى للجهاد فتدبر جيدا.

و دعوى: أن معنى النفر يناسب الخروج الى الجهاد؛ لانه في الاصل بمعنى «جهيدن» كما في قوله تعالى‏ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ* فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ. (4)

مندفعة: بأنّ النفر و أن كان كذلك في الاصل، و لكن لا يكون كذلك في الاستعمالات‏

____________

(1) كنز الدقائق: ج 5 ص 572- 573.

(2) كنز الدقائق 5: 572- 573.

(3) التوبة/ 120.

(4) المدّثر/ 50 و 51.

223

العرفية عند نزول الآية و صدور الروايات. و الشاهد عليه هو تطبيق الآية الكريمة على النفر للتفقه في الدين في الروايات المستفيضة، مع أن المعنى المذكور غير ملحوظ فيه كما لا يخفى.

و هكذا لا مجال لدعوى غلبة استعمال مادة النفر في النفر الى الجهاد بحيث تمنع عن ارادة النفر للتفقه؛ و ذلك لمنع الغلبة أولا: و على تقدير تسليمها فالمنع عن ارادة النفر للتفقه صحيح ما لم يقترن بالقرينة، و يكفي في المقام قوله‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ لصرفه الى النفر للتفقه، هذا مضافا الى تطبيق الآية في الروايات المستفيضة على النفر للتفقه، فراجع.

لا يقال: أن الآية نزلت في المؤمنين حيث حلفوا على عدم التخلف عن غزوة يغزوها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و لا سرية حيث انه (صلى اللّه عليه و آله) اذا خرج الى الجهاد لا يتخلف عنه إلّا المنافقون، فانزل اللّه وحيا و اخبر بعيوب المنافقين و بيّن نفاقهم، و عليه فقوله‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، اخبار في مقام الانشاء، و يدل على النهي عن النفر العام.

لانا نقول: لا ارى دليلا صحيحا يدل على شأن النزول المذكور إلّا نسبة ذلك الى القيل أو بعض المرسلات عن الامام الباقر (عليه السّلام) كما في مجمع البيان. و من المعلوم انه لا اعتبار به، هذا مضافا الى أن مقتضى الروايات الكثيرة أن النفر في الآية الكريمة هو النفر للتفقه في الدين، و لازمه أن يكون المراد من النفر في قوله‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا هو النفر للتفقه أيضا. و عليه فالمراد من التفقه في قوله‏ وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا ليس هو انشاء النهي، بل هو اخبار عن عدم تمكن المؤمنين جميعا لهذا الواجب لما يلزم من اختلال النظام، فلهم عذر في عدم اقدامهم جميعا للنفر للتفقه، و لكن لا عذر لهم في عدم نفر طائفة منهم لهذا الواجب المهم، فيجب النفر على جماعة من كل قوم، فلا تغفل.

لا يقال: لو كان مفاد الآية وجوب التحذر عند الشك لا يدل ذلك على حجيّة قول المنذر لأنّ الحذر واجب فى الشبهة قبل الفحص فقول المنذر يوجب ابداء الاحتمال و بمجرد ذلك يحكم العقل الفحص فقول المنذر يوجب ابداء الاحتمال و بمجرد ذلك يحكم العقل على المكلف اما بالاحتياط او تعلم الحكم و بعبارة اخرى كل من الخوف و الحذر العملى واجب‏

224

عند الشك قبل الفحص و لو لم يكن قول المنذر حجة شرعا كما دلّ عليه اخبار عديدة مذكورة فى محالها (1)

لأنّا نقول: هذا الإشكال جار في كل أمارة من الأمارات فإنّ الاجتناب عن فعل محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب قبل الفحص واجب و مع ذلك أفادت أدلة الاعتبار حجّيتها و لا يكون الأمارات لغوا و الوجه فى ذلك أن بعد الفحص لا يحكم العقل بوجوب الاحتياط و التعلّم بخلاف الأمارات فإذا دلّت الأمارات بعد الفحص على حرمة شي‏ء أو وجوب شي‏ء وجوب الاجتناب عن فعل ما دلّت الأمارات على حرمته و عن ترك ما دلّت على وجوبه فلا تكون اعتبار الأمارات لغوا و هكذا الأمر فى المقام فإنّ بعد الفحص لا مجال لحكم العقل و في نفس الحال يدل الآية الكريمة على وجوب المتحذّر بقيام خبر العادل فلا يكون اعتبار الخبر الواحد لغوا كما لا يخفى.

و دعوى أن ظاهر الآية الكريمة مدخليته كون النافرين جماعة في وجوب النفر و وجوب الإنذار و وجوب الحذر و مع احتمال خصوصية هذا الظاهر فلا مجال لرفع اليد عنه و عليه فالآية اجنبية عن المدعى و لا ترتبط بإثبات حجّية قول المنذر الواحد عند الشك في قوله إنّه هل هو حكم اللّه الواقعي أولا لأنّ مفاد الآية هو وجوب نفر الجماعة بما هى الجماعة لا الفرد و أين ذلك بما نحن بصدده. (2)

مندفعة بأنّ لازم اعتبار الجماعة هو عدم وجوب الانذار لو نفر جماعة من فرقة ثم تفقهوا و لكن عرض لهم الموت و بقى فرد واحد منهم و عليه فلا يجب على هذا الفرد الإنذار و هو كما ترى هذا مضافا إلى أنّ مقام التعلّم و الإنذار ممّا لا توقّف لهما على الجماعة يشهد على أنّ المراد من الطائفة هو الاستغراق أعني كلّ فرد فرد منها لا الجماعة كما أنّه لم يعتبر في المنذر بفتح الذال أن يكون جماعة باعتبار لفظ القوم في الآية الكريمة.

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 137.

(2) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 134- 136.

225

فتحصّل أنّ النفر واجب للتعلم و التفقّه و الإنذار و صدر الآية الكريمة إخبار عن عدم تمكّن جميع المؤمنين لذلك فأوجب اللّه سبحانه و تعالى مع عدم تمكنهم للنفر المذكور جميعا على كل طائفة من كل فرقة بنحو الوجوب الكفائى ليتفقهوا و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم و يتحذّر قومهم بمجرد إنذارهم من دون تقييد التحذّر بحصول العلم كما لا يخفى.

قال السيد المحقق الخوئى (قدّس سرّه): و الانصاف أنّ دلالة هذه الآية على حجية الخبر أظهر و أتم من دلالة آية النبأ. (1)

و منها- اي من الآيات التي استدل بها لحجيّة الخبر- آية الكتمان، و هي قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏. (2)

بتقريب أن حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الاظهار، و إلّا لزم لغوية حرمة الكتمان و وجوب الاظهار.

أ لا ترى أنهم حكموا بحجية اخبار المرأة عن كونها حاملا و استدلوا عليه بقوله تعالى‏ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏.

و فيه: أوّلا- كما افاده المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه)- أن الآية الكريمة اجنبية عما نحن فيه؛ لان موردها ما كان فيه مقتضى القبول لو لا الكتمان؛ لقوله تعالى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ‏ فالكتمان حرام في قبال ابقاء الواضح و الظاهر على حاله، لا في مقابلة الايضاح و الاظهار، و ما هو نظير ما نحن فيه آية كتمان النساء ما خلق اللّه في ارحامهن، فالملازمة انما تجدي في مثلها، لا فيما نحن فيه. (3)

و لذلك قال في نهاية الافكار: أن سوق الآية انما هو في اصول العقائد ردا على اهل‏

____________

(1) مصباح الاصول 2/ 184.

(2) البقرة/ 159.

(3) نهاية الدراية: ج 2 ص 89.

226

الكتاب الذين اخفوا شواهد النبوة و بيناتها و كتموا علائم النبي (صلى اللّه عليه و آله) التي بيّنها اللّه سبحانه لهم في الكتب السالفة، فلا ترتبط بما نحن بصدده. (1)

و دعوى: أن الكتمان و أن كان هو اخفاء الحقيقة إلّا أنه الاخفاء النسبي لا المطلق، أي الابراز من ناحية المخبر لا مطلقا، فمن لا يكون قوله مفيدا للعلم لعدم وثاقته مثلا ايضا يصدق الكتمان على اخفائه للحقيقة. (2)

مندفعة: بأنّ الكلام ليس في معنى الكتمان، بل الكلام في أن مورد الآية الكريمة اجنبية عما نحن فيه كما افاده المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه)، فلا تغفل. فالآية مختصة بوجوب القبول للامور التى حرم كتمانها من الحق و البينات و القبول فيها موقوف على العلم بخلاف المقام.

و ثانيا: بأنّ الآية الكريمة لا تتعرّض لبيان حرمة الكتمان حتى يؤخذ بإطلاقها لكونها في مقام بيان ترتّب بعض آثار الكتمان و لذا قال سيّدنا الاستاذ المحقّق الداماد (قدّس سرّه) في محكي كلامه ليست الآية بصدد الإطلاق و بيان حرمة الكتمان بل هي بظاهرها تكون بصدد بيان ما يترتب على إخفاء الحق و كتمانه من اللعن و أمّا أنّه يحرم مطلقا أو في بعض الموارد فلا تعرض له فيها و بالجملة ليست الآية بصدد البيان من هذه الجهة فلا يصح الأخذ بالإطلاق و على هذا فمن المحتمل اختصاص وجوب الاظهار بما اذا كان هناك رجاء حصول العلم و وضوح الحق بإذاعته و إفشائه. (3)

ففيه ما عرفت من أن مورد الآية هو ما كان واضحا بنفسه من دون حاجة الى ايضاحه بكثرة الافشاء، كما لا يخفى.

و منها- أي من الآيات التي استدل بها لحجية الخبر-: قوله سبحانه و تعالى‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ‏

____________

(1) نهاية الافكار: ج 3 ص 130.

(2) مباحث الحجج: ج 1 ص 381- 382.

(3) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 139.

227

وَ الزُّبُرِ (1) بدعوى أن وجوب السؤال يستلزم وجوب القبول، و إلّا لغا وجوب السؤال، و اذا وجب قبول الجواب وجب قبول كلّ ما يصح أن يسأل عنه و يقع جوابا له؛ لان خصوصية المسبوقية بالسؤال لا دخل فيه قطعا، فاذا سئل الراوي الذي هو من اهل العلم عما سمعه عن الامام في خصوص الواقعة فاجاب باني سمعته يقول كذا وجب القبول بحكم الآية، فيجب قبول قوله ابتداء اني سمعت الامام يقول كذا؛ لان حجية قوله هو الذي اوجب السؤال عنه، لا أن وجوب السؤال اوجب قبول قوله، كما لا يخفى.

أورد عليه أوّلا: بان المراد من اهل الذكر بمقتضى السياق علماء اهل الكتاب، و عليه فالآية اجنبية عن حجية الخبر. (2)

و يمكن أن يقال: أن العبرة بعموم الوارد، و لا ينافيه خصوص المورد، و تطبيق اهل الذكر على علماء اهل الكتاب يكون من باب تطبيق الكلي على بعض مصاديقه، و ليس من باب استعمال الكلي في الفرد كما لا يخفى. و عليه فلا منافاة لدلالة السياق على أن مورد الآية هو علماء اهل الكتاب مع كلية الوارد و هو قوله‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ و يشهد لكلية الوارد تطبيق الآية على غير اهل الكتاب في الأخبار الدالة على أن المراد هم الأئمة المعصومون (عليهم السّلام) إذ اختصاص أهل الذكر بالأئمّة (عليهم السّلام) مقطوع العدم بلحاظ المورد كما سيأتى.

هذا مضافا إلى ما أفاده سيدنا الأستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) في محكي كلامه من أنّه إنّ أريد أن ظاهر الآية بقرينة المورد إرادة السؤال عن أهل الكتاب (فقط) فالذى يستفاد منها بالملازمة وجوب قبول قوله دون غيره ممن أقرّ بالشهادتين و هو ممنوع إذ لا يحتمل وجوب قبول قول أهل الكتاب و عدم وجوب قبول قول المقرّ بالشهادتين‏ (3)

و اورد عليه ثانيا: بان ظاهر النصوص المستفيضة أن اهل الذكر هم الأئمة (عليهم السّلام)، لا غير و

____________

(1) النحل/ 43 و 44.

(2) فرائد الاصول: ص 82.

(3) المحاضرات لسيدنا الأستاذ المحقق الداماد 2/ 142.

228

قد عقد في اصول الكافي بابا لذلك، و قد ارسله في المجمع عن علي (عليه السّلام). (1) فلا وجه للتمسك بها في حجية قول الرواة الثقاة.

و يمكن الجواب عنه ايضا بان تطبيق اهل الذكر على الائمة المعصومين (عليهم السّلام) من باب كونهم اكمل المصاديق، لا من باب حصر العنوان فيهم، و إلّا فلا يناسب مع مورد الآية، كما عرفت.

قال المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه): أن قصر مورد الآية على خصوص الأئمة (عليهم السّلام) لا يلائم مورد الآية كما لا يخفى على من راجعها و ظنّي- و اللّه اعلم- أن اهل الذكر في كل زمان بالنسبة الى ما يطلب السؤال عنه مختلف، فالسؤال عن كون النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يجب أن يكون ملكا و ملكا و انه لا يمتنع عليه الطعام و الشراب لا بد من أن يكون من غير النبي (صلى اللّه عليه و آله) و عترته (عليهم السّلام) لانهم محل الكلام، بل عن العلماء العارفين باحوال الانبياء السابقين، و السؤال عن مسائل الحلال و الحرام في هذه الشريعة المقدسة لا بد من أن ينتهي الى الأئمة (عليهم السّلام)؛ فانهم عيبة علم النبي (صلى اللّه عليه و آله) و حملة احكامه (صلى اللّه عليه و آله)، فالمصداق حيث انه في هذا الزمان منحصر فيهم من حيث لزوم انتهاء الأمر اليهم فلذا فسّر اهل الذكر بهم (عليهم السّلام)، و اللّه العالم. (2)

حاصله: أن عنوان اهل الذكر كلي و ينطبق على مصاديقه المختلفة بحسب اختلاف موارد الحاجة. قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) في محكى كلامه و بالجملة المراد من اهل الذكر في الآية مطلق من يعد من اهل العلم في زمانه و انما ورد من الأئمة (عليهم السّلام) أن مصداق هذا المفهوم الكلى في زماننا نحن فقط دون غيرنا فهو من قبيل انحصار الكلى في الفرد فتدبر جيدا. (3)

و أورد عليه ثالثا: كما في فرائد الاصول و الكفاية بان الظاهر من وجوب السؤال عند عدم العلم وجوب تحصيل العلم لا للتعبد بالجواب، كما يقال في العرف: سل أن كنت جاهلا.

____________

(1) فرائد الاصول: 82.

(2) نهاية الدراية: ج 2 ص 90.

(3) المحاضرات سيدنا الاستاذ المحقق الداماد 2/ 143.

229

و من المعلوم أن السؤال حينئذ طريق لحصول العلم. و يؤيده أن الآية واردة في اصول الدين و علامات النبي (صلى اللّه عليه و آله) التي لا يؤخذ فيها بالتعبد اجماعا. (1)

و يمكن الجواب عنه بما في نهاية الدراية بان الظاهر هو السؤال لكي يعلموا بالجواب لا بامر زائد على الجواب، فيكشف عن حجية الجواب؛ فانه على فرض الحجية يكون حجة قاطعة للعذر مصححة لاطلاق العلم عليه، و إلّا فلا.

نعم بين هذه الآية و الآيتين المتقدمتين فرق حيث انه لا امر بالجواب هنا حتى يتمسك باطلاقه لصورة عدم افادة العلم كما في ايجاب الانذار و حرمة الكتمان، فيمكن ايجاب السؤال الى أن يحصل العلم بالجواب و لو بجواب جماعة. (2)

و الانصاف هو عدم اطلاق الآية بعد عدم وجوب أمر بالجواب و امكان ارادة ايجاب السؤال و لو بالتكرار حتى يحصل العلم بسبب الاجوبة المتعددة، و لا دلالة للآية على حصول العلم بالجواب الاول حتى يكون ذلك تعبدا. و لذلك قال في الكفاية أن الظاهر من الآية ايجاب السؤال لتحصيل العلم، لا للتعبد. (3)

و اما الايراد على الاستدلال بالآية الكريمة بعد تسليم دلالتها على لزوم التعبد بالجواب بانه لا دلالة لها على التعبد بما يروي الرواة؛ بما هم رواة؛ لعدم اطلاق اهل الذكر و العلم عليهم، مع أن لصدق هذا العنوان مدخلية في الحكم، و عليه فتختصّ دلالة الآية بحجية فتوى اهل الفتوى.

ففيه أن عنوان اهل الذكر و الاطلاع من العناوين المشككة، و يصدق على الرواة ايضا؛ لصدق الذكر و العلم على معرفة الحلال و الحرام من دون اعمال نظر و رأي، و حيث لم يقيد عنوان اهل الذكر بمرتبة خاصة يعم تلك المعرفة ايضا، و لذلك يصدق عنوان اهل العلم و الذكر على العالمين بالفتاوى و المسائل من دون أن يكونوا مجتهدين، و الرواة كالعالمين بالمسائل الذين لا يكونون مجتهدين في زماننا هذا.

____________

(1) راجع فرائد الاصول: ص 82 و كفاية الاصول: ج 2 ص 95.

(2) نهاية الدراية: ج 2 ص 90.

(3) الكفاية: ص 95.

230

و دعوى: أن المراد من العلم هو خصوص الرأي و الاعتقاد، كما في منتقى الاصول. (1)

مندفعة: بأنه لا وجه لتخصيص العلم و الذكر بذلك.

كما أن دعوى أن اهل الذكر هم اهل القرآن، فلا يشمل الرواة و لا العالمين بالفتاوى.

مندفعة بان ذلك ينافي مورد الآية الكريمة؛ فان موردها هو اهل الكتاب، فانطباق اهل الذكر على اهل البيت و اهل القرآن لا يساوي كونه بمعناه، كما لا يخفى.

فتحصّل: أن الاستدلال بالآية الكريمة على وجوب التعبد بالجواب لا يخلو عن اشكال.

نعم ربما يقرب الاستدلال بالآية بأنها ارجاع و ارشاد الى طريقة معروفة عقلائية، و هي رجوع الجاهل بالشي‏ء الى العالم به و السؤال منه و العمل بما يقوله بما أن قوله طريق معتبر الى ما يعلمه و يخبر عنه، فهي متضمنة لحجية خبره و طريقيته. و من الواضح انه لا يعتبر و لا يشترط في هذه الطريقة العقلائية سوى أن يكون المسئول عالما بما يسأل عنه من دون فرق بين أن يكون الشي‏ء الذي يعلمه أمرا محسوسا أو غير محسوس و لا أن يكون عالما بهذا الشي‏ء فقط أو به و بغيره، بل هذه الطريقة جارية في كل شي‏ء لا يعلمه الانسان و كان من الناس من يعلمه فاذا كان له حاجة فعليه أن يسأل العالم و يتبع قوله بما أن قوله طريق اليه، و حينئذ فهذه الآية الشريفة دليل لفظي على امضاء الطريقة العقلائية و بناء العقلاء على طريقية الخبر الواحد. (2)

و لكن هذا التقريب يرجع الى الاستدلال ببناء العقلاء في حجية الاخبار، لا الاستدلال بالآيات من باب التعبد الذي هو محل البحث في المقام.

هذا، مضافا الى أن مورد الآية هو الشك في النبوة و المعتبر فيه هو تحصيل العلم القطعي، لا الظن النوعي الذي قد يقترن مع الشك الشخصي أو الظن على الخلاف كما في خبر الثقات عند العقلاء.

____________

(1) منتقى الاصول: ج 4 ص 292.

(2) تسديد الاصول: ج 2 ص 93 و 94.

231

و دعوى: أن الشبهات التي كانت حول النبوة عند نزول الآية الكريمة ممّا ينحسم أصله بالرجوع الى العالم و اهل الذكر و نفس جوابه.

مندفعة: بأن الشبهات مختلفة و لعل بعضها كذلك، و لكن الحكم بكون جميعها كذلك تحكم، كما لا يخفى.

2- و اما الأخبار فبطوائف:

الطائفة الاولى: [التي وردت في الخبرين المتعارضين و دلّت على الأخذ بالاعدل و الاصدق‏]

هي التي وردت في الخبرين المتعارضين و دلّت على الأخذ بالاعدل و الاصدق و المشهور و التخيير عند التساوي:

مثل مقبولة عمر بن حنظلة (1) عن الامام الصادق (عليه السّلام) حيث قال: الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما و اصدقهما في الحديث و اورعهما، و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر. قال:

فقلت: فانهما عدلان مرضيان عند اصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال:

ينظر الى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك؛ فان المجمع عليه لا ريب فيه ... الى أن قال: فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟

قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به الحديث.

و موردها و إن كان في الحكمين، إلّا أن ملاحظة جميع الرواية تشهد بأن المراد بيان المرجح للروايتين اللتين استند اليهما الحاكمان. (2)

و لا يخفى عليك أن مع التعارض لا وثوق بالصدور، و مع ذلك دلت المقبولة على أن الخبر لا يكون ساقطا. و منه يعلم أن التعبد به ليس من باب بناء العقلاء، و إلّا فلا يحصل الوثوق في الراجح بمجرد الأفضلية في صفات الراوي او المطابقة مع الكتاب أو المخالفة مع العامة، و مع‏

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1.

(2) فرائد الاصول: ص 84.

232

عدم الوثوق لا بناء خصوصا مع عدم وجود الرجحان، بل يحكمون حينئذ بالتساقط.

ثم أن هذا الخبر باعتبار قوله (خذ بأعدلهما) ظاهر في اعتبار العدالة. اللّهمّ إلّا أن يقال:

أن قوله في الذيل (فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ... الخ) يشهد على أن الملاك في حجية الاخبار هو نقل الثقات. و عليه فالاعدلية ملاك الترجيح في تقديم احد المتعارضين على الآخر، فلا تغفل.

و نحو هذه الرواية مرفوعة زرارة قال: يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما نأخذ؟ قال (عليه السّلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك ودع الشاذ النادر. قلت:

يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم. فقال: خذ بأعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك. فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان. فقال (عليه السّلام): انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم، قلت: ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين كيف اصنع؟ فقال: اذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط. فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع؟ فقال (عليه السّلام): اذن فتخير احدهما فتأخذ به و تدع الآخر. (1)

و لا يخفى ايضا أن مع كون طرفي المعارضة مشهورين لا وثوق بأحدهما من حيث الصدور و مع ذلك لا يكون الخبر ساقطا، بل يقدم الراجح من حيث الصفات على غيره، و ليس ذلك إلّا حجية تعبدية.

ثم أن دلالتها على اعتبار العدالة و عدمه مثل المقبولة. و مثل رواية ابن ابي الجهم المروية في الاحتجاج مرسلا عن الرضا (عليه السّلام) قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم ايهما الحق؟ قال: فاذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما اخذت. (2) و مثل خبر موسى بن اكيل عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سئل عن رجل يكون بينه و بين اخ له منازعة في حق فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما؟ قال: و كيف يختلفان؟ قال: حكم كل‏

____________

(1) المستدرك: الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 2.

(2) الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 40.

233

واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر الى اعدلهما و افقههما في دين اللّه فيمضي حكمه. (1)

و لا يذهب عليك ان مع التصريح بعدم العلم و الوثوق بالحق قال بحجية كل واحد من باب التخيير، و ليس ذلك إلّا حجية تعبدية.

اورد عليه بانه لا اطلاق لهذه الطائفة من الأخبار؛ لان السؤال عن الخبرين المتعارضين اللذين فرض السائل كل واحد منهما حجة يتعين العمل به لو لا التعارض، و لا نظر للسائل بالنسبة الى اعتبار خبر كل عدل، بل نظره الى حجية الخبر في حال التعارض.

يمكن أن يقال- كما افاد في نهاية الأفكار- أن هذه الأخبار ظاهرة الدلالة بالملازمة على حجية خبر الواحد في نفسه عند عدم ابتلائه بالمعارض. (2)

و الاولى أن يقال أن: هذه الطائفة من الاخبار تدل على مفروغية حجية الاخبار في نفسها، و إلّا لما سألوا عن صورة تعارضها، كما لا يخفى. قال في مصباح الاصول: الاخبار العلاجية تدل على أن حجية الاخبار في نفسها كانت مفروغا عنها عند الائمة (عليهم السّلام) و اصحابهم، و انما توقفوا عن العمل من جهة المعارضة فسألوا عن حكمها. و من الواضح انه ليس مورد الأخبار العلاجية الخبرين المقطوع صدورهما، لان المرجحات المذكورة فيها لا تناسب العلم بصدورهما، و أن الظاهر من مثل قوله (يأتي عنكم خبران متعارضان) كون السؤال عن مشكوكي الصدور، مضافا الى وقوع المعارضة بين مقطوعي الصدور بعيد في نفسه. (3)

و تعتضد تلك المفروغية المذكورة بما صرح به الشيخ في عدة الاصول من قوله: اني وجدت الفرقة المحقة مجمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم و دوّنوها في اصولهم لا يتناكرون ذلك و لا يتدافعونه، حتى أن واحدا منهم اذا افتى بشي‏ء لا يعرفونه‏

____________

(1) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي ح 45.

(2) نهاية الأفكار: ج 3 ص 132.

(3) مصباح الاصول: ج 2 ص 191- 292.

234

سألوه من اين قلت هذا، فاذا احالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور و كان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا و سلموا الامر في ذلك و قبلوا قوله، و هذه عادتهم و سجيتهم من عهد النبي (صلى اللّه عليه و آله) و من بعده من الأئمة (عليهم السّلام) و من زمن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) الذي انتشر العلم عنه و كثرت الرواية من جهته، فلو لا أن العمل بهذه الاخبار كان جائزا لما اجمعوا على ذلك و لا نكروه؛ لان اجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط و السهو. (1)

و مما ذكرناه يظهر ما في نهاية الاصول من أن التعارض كما يوجد في الخبرين غير المقطوعين كذلك ربما يوجد في المتواترين أو المحفوفين بما يوجب القطع بصدورهما، فصرف بيان العلاج للتعارض لا يدل على حجية الخبر الذي لم يقطع بصدوره. (2)

و ذلك لان حمل هذه الروايات على الصورة المذكورة بعيد جدا، فاذا عرفت أن المراد منها هو تعارض غير مقطوعى الصدور تكشف تلك الاخبار عن كون حجية غير المقطوع عند عدم المعارضة مفروغا عنها.

و ينقدح أيضا مما ذكرناه ما في مباحث الحجج حيث قال: يمكن ارادة الحجية القطعية كما اذا كان الخبر قطعي السند، و ليست هذه الطائفة من أخبار الترجيح و العلاج في مقام البيان من ناحية حجية اصل الخبر ليتمسك باطلاقها. (3)

و ذلك لما عرفت من أن فرض المعارضة ليس بين المقطوعين لبعد ذلك و ندرته، بل فرض المعارضة بين غير المقطوعين، و عليه تكشف الاخبار العلاجية عن كون حجية الاخبار غير المقطوعة مع قطع النظر عن المعارضة مفروغا عنها عند الأئمة (عليهم السّلام) و اصحابهم.

نعم يشكل التمسك بهذه الاخبار لاثبات أن الحجة المفروغ عنها هو خبر الثقة بعد ما عرفت من اعتبار الاعدلية.

يمكن الجواب عنه بان مقتضى امعان النظر فيها أن الملاك هو كون الراوى ثقة، و لا ينافيه‏

____________

(1) عدة الاصول: ص 337.

(2) نهاية الاصول: ص 509.

(3) مباحث الحجج: ج 1 ص 389.

235

اعتبار الاعدلية في تقديم احد المتعارضين على الآخر و يشهد له قوله في المقبولة (فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ... الحديث).

أو قوله في المرفوعة (فقلت: انهما عدلان مرضيان موثقان الحديث) اللّهمّ إلّا أن يقال:

أن المراد من الثقة و الموثق بعد ما عرفت من اعتبار الاعدلية هو العادل، فافهم.

الطائفة الثانية: [هي التي تدل على ارجاع آحاد الرواة الى اشخاص معينين من ثقات الرواة]

هي التي تدل على ارجاع آحاد الرواة الى اشخاص معينين من ثقات الرواة مثل قوله (عليه السّلام): اذا اردت الحديث فعليك بهذا الجالس، مشيرا الى زرارة (1) و فيه: انه يحتمل أن يكون المعتبر هو العدالة و أن ارجاعه (عليه السّلام) من جهة كون المجالس المذكور عادلا عنده.

و قوله (عليه السّلام): نعم في موثقة الحسن بن علي بن يقطين بعد ما قال الراوي ا فيونس بن عبد الرحمن ثقة نأخذ معالم ديننا عنه. (2) فان الظاهر منه أن قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند السائل و المسئول عنه فسأل عن وثاقة يونس ليترتب عليه اخذ المعالم منه.

و قوله (عليه السّلام): عليك بالاسدي، يعني أبا بصير. (3) و فيه: انه لعل ذلك لكون ابي بصير عادلا.

و قوله (عليه السّلام)- في جواب السائل فممن آخذ معالم ديني؟- من زكريا ابن آدم القمي المأمون على الدين و الدنيا (4)، و لكنه ظاهر في اعتبار العدالة.

و قوله (عليه السّلام): و اما ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) فلا يجوز لك أن تردّه. (5) و فيه: انه لعل ذلك لكونه عادلا.

و قوله لابن ابي يعفور بعد السؤال- عمن يرجع اليه اذا احتاج أو سئل عن مسألة- فما

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 19.

(2) جامع الاحاديث: ج 1 ص 226.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 15.

(4) الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 27.

(5) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 17.

236

يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فانه قد سمع ابي و كان عنده مرضيا وجيها. (1) و فيه: انه لعل ذلك لكونه عادلا، هذا مضافا الى توصيفه بكونه مرضيا عند الامام و وجيها عنده.

و قوله (عليه السّلام): ائت ابان بن تغلب، فانه قد سمع مني حديثا كثيرا، فما رواه لك فاروه عنّي. (2) و فيه: أنه لعل ذلك لكونه عادلا.

و قوله (عليه السّلام): في صحيحة احمد بن اسحاق: العمري ثقتي، فما ادّى اليك عني فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و اطع فانه الثقة المأمون.

و قوله (عليه السّلام): العمري و ابنه ثقتان، فما أدّيا اليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و اطعهما فانهما الثقتان المأمونان. (3)

قال شيخنا الأعظم: بعد نقل اكثر الروايات المذكورة: و هذه الطائفة أيضا مشتركة مع الطائفة الاولى في الدلالة على اعتبار خبر الثقة المأمون. (4)

أورد عليه بان المراد من الثقات في هذه الارجاعات هم الأشخاص الذين لا يكذبون، لكونهم على مرتبة عظيمة من التقوى و الجلالة حتى وثق بهم الامام (عليه السّلام)، فهذه الاخبار لا تدل على حجية خبر كل ثقة، بل تدل على ثقات اهل البيت و هم العدول. نعم لا بأس بالاخذ بمثل ما ورد في مثل يونس بعد سؤال الراوي عن كون يونس ثقة، فان المراد بالثقة هو الثقة عند الناس لا العدل.

اللّهمّ إلّا أن يقال: أن المراد من الثقة يختلف بحسب الموارد، و ليس المراد منه في مورد السؤال هو الصدق المخبري مع أن المورد من الفقهاء و السائل يريد أن يأخذ آرائه، بل المراد أنه مورد الاطمئنان لاخذ الآراء أو لا يكون كذلك.

و لكن الانصاف أن هذا المعنى بعيد، و الظاهر منه أن المراد من الثقة هو الثقة عند الناس‏

____________

(1) جامع الاحاديث: ج 1 ص 225.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 30.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 4.

(4) فرائد الاصول: ص 85.

237

أي صادق في إخباره بل لعله الظاهر من التعليل الوارد في صحيحة احمد بن اسحاق في مورد العمرى فانه الثقة المأمون.

الطائفة الثالثة: [الأخبار الدالة على وجوب الرجوع الى الرواة و الثقات و العلماء]

هي الأخبار الدالة على وجوب الرجوع الى الرواة و الثقات و العلماء، على وجه يظهر منها عدم الفرق بين فتاويهم بالنسبة الى اهل الاستفتاء و روايتهم بالنسبة الى اهل العمل بالرواية.

مثل قول الحجة (عجّل اللّه فرجه) لاسحاق بن يعقوب: و اما الحوادث الواقعة فارجعوا الى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم، و انا حجة اللّه. (1)

قال الشيخ الأعظم: لو سلم أن ظاهر الصدر الاختصاص بالرجوع في حكم الوقائع الى الرواة اعني الاستفتاء منهم، إلّا أن التعليل بانهم حجته يدل على وجوب قبول خبرهم‏ (2)؛ لان التعليل يعمم، و مقتضى التعميم هو وجوب قبول خبره أيضا كفتواه.

و لقائل أن يقول: أن جعل الحجية للرواة المجتهدين لا يدل على حجية نقل كل راو، فهو اخص من المدعى.

و مثل الرواية المحكية في العدة عن الصادق (عليه السّلام): اذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنّا فانظروا الى ما رووه عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به‏ (3)؛ لدلالتها على جواز الاخذ بروايات الشيعة، بل بروايات العامة عن ثقاتهم مع عدم وجود المعارض من رواية الخاصة.

و الظاهر من العدة انه اعتمد عليها حيث ذكر قول الامام باسمه مع انه لم يذكر في العدة غالبا شيئا من الروايات، هذا مضافا الى انه صرح بعده باعتماد الاصحاب عليها حيث قال:

و لاجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث و غياث ابن كلوب و نوح بن دراج و السكوني و غيرهم من العامة عن ائمتنا (عليهم السّلام) فيما لم ينكروه و لم يكن عندهم خلافه، فراجع.

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 9.

(2) فرائد الاصول: ص 85.

(3) عدة الاصول: ص 379.

238

و مثل ما رواه في الاحتجاج عن تفسير الامام العسكري (عليه السّلام) في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ‏ قال: هذه لقوم من اليهود: الى أن قال:

و قال رجل للصادق (عليه السّلام): اذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم، فكيف ذمّهم بتقليدهم و القبول من علمائهم، و هل عوام اليهود إلّا كعوامنا يقلدون علمائهم ... الى أن قال: فقال (عليه السّلام): بين عوامنا و علمائهم و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة، و تسوية من جهة اما من حيث الاستواء فان اللّه تعالى ذمّ عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذمّ عوامهم.

و أما من حيث افترقوا فان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح و اكل الحرام و الرشا و تغيير الاحكام عن وجهها بالشفاعات و النسابات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به اديانهم و أنهم اذا تعصّبوا ازالوا حقوق من تعصّبوا عليه و اعطوا ما لا يستحقه من تعصّبوا له من اموال غيرهم و ظلموهم من اجلهم ... الى أن قال:

فلذلك ذمّهم لما قلدوا من عرفوا و من علموا انه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه و لا العمل بما يؤدّيه اليهم عمن لا يشاهدوه (لم يشاهدوه) و وجب عليهم النظر بأنفسهم في امر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؛ اذ كانت دلائله أوضح من أن يخفى و اشهر من أن لا تظهر لهم.

و كذلك عوام ائمّتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها و اهلاك من يتعصبون عليه و أن كان لاصلاح امره مستحقا و بالترفرف بالبر و الاحسان على من تعصّبوا له و أن كان للاذلال و الاهانة مستحقا، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء فهو مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم.

فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم.

فاما من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا و لا كرامة، و انما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا اهل البيت لذلك؛ لان الفسقة يتحمّلون عنّا

239

فيحرفونه بأسره لجهلهم و يضعون الاشياء على غير وجوهها لقلة معرفتهم، و آخرون يتعمدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم الى نار جهنم الحديث. (1)

قال الشيخ الأعظم بعد نقل هذا الخبر: دل هذا الخبر الشريف اللائح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب و أن كان ظاهره اعتبار العدالة بل ما فوقها، لكن المستفاد من مجموعه أن المناط في التصديق هو التحرز عن الكذب، فافهم. (2)

و مثل ما عن ابي الحسن الثالث (عليه السّلام) فيما كتبه جوابا عن سؤال احمد بن حاتم بن ماهويه و اخيه عمن آخذ معالم ديني: فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسن في حبّنا و كل كثير القدم في امرنا، فانهما كافوكما أن شاء اللّه تعالى. (3) و لكن هذا العنوان غير عنوان الثقة فلا يشمل ما إذا لم يكن الثقة واجدا لهذا العنوان‏

و مثل قوله (عليه السّلام) لا تأخذنّ معالم دينك من غير شيعتنا، فانك أن تعدّيتهم اخذت دينك من الخائنين الذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا اماناتهم، انهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدلوه الحديث. (4)

بدعوى أن ظاهرهما و أن كان الفتوى، إلّا أن الانصاف شمولهما للرواية بعد التامل كما في سابقتهما، و المراد هو المنع عن قبول روايات غير الثقات منهم جمعا بينه و بين ما افاده الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في العدة و نقلناه آنفا.

و مثل ما عن الامام العسكري (عليه السّلام) في كتب بني فضال حيث قالوا ما نصنع بكتبهم و بيوتنا منها ملاء؟ قال: خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا. (5)

يعني لا اشكال في اخذ الرواية عنهم من جهة كونهم فطحية اذا كانوا من الثقات.

____________

(1) الوسائل: الباب 10 من أبواب صفات القاضي ح 20.

(2) فرائد الاصول: ص 86.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 45.

(4) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 42.

(5) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 13.

240

قال الشيخ (قدّس سرّه): دل بمورده على جواز الاخذ بكتب بني فضال و بعدم الفصل على كتب غيرهم من الثقات و رواياتهم.

و مثل ما ورد مستفيضا: حديث واحد في حلال و حرام تأخذه من صادق خير لك من الدنيا و ما فيها من ذهب و فضة، و في بعضها يأخذه صادق عن صادق‏ (1) بناء على أن المراد من الصادق هو الراوي الذي يصدق في خبره.

و مثل التوقيع المروي في رجال الكشي: و عن علي بن محمّد بن قتيبة عن احمد بن ابراهيم المراغي قال: ورد على القاسم بن العلاء و ذكر توقيعا شريفا فيه: فانه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا قد عرفوا بانا نفاوضهم سرّنا و نحمله اياه اليهم. (2)

و لكنه اخص من المدعى؛ فان ثقاتنا غير عنوان الثقة، هذا مضافا الى أن كون الراوي من اهل السرّ من خصيصة الاوحدي من العدول و الثقات.

و مثل مرفوعة الكناسي عن الصادق (عليه السّلام) في تفسير قوله عزّ ذكره‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏ قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء و ليس عندهم ما يتحملون به الينا، فيسمعون حديثنا و يقتبسون من علمنا، فيرحل قوم فوقهم و ينفقون اموالهم و يتعبون ابدانهم حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه اليهم، فيعيه هؤلاء، و يضيّعه هؤلاء، فاولئك الذين يجعل اللّه عزّ ذكره لهم مخرجا و يرزقهم من حيث لا يحتسبون. (3)

بدعوى انها دلت على جواز العمل بالخبر و أن نقله من يضيّعه و لا يعمل به‏ (4) بناء على حمله على الثقة جمعا بينه و بين ما اعتبر الوثوق في العمل بالخبر الواحد.

الطائفة الرابعة: [الأخبار الدالة على جواز العمل بخبر الواحد]

هي الأخبار الدالة على جواز العمل بخبر الواحد: مثل النبوي المستفيض بل المتواتر: من‏

____________

(1) جامع الاحاديث: ج 1 ص 223 و 253.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 40.

(3) جامع الأحاديث: ج 1 ص 238 ح 61.

(4) فرائد الاصول: ص 87.

241

حفظ من امتي اربعين حديثا مما يحتاجون اليه من امر دينهم بعثه اللّه فقيها عالما. (1)

قال شيخنا البهائي (قدّس سرّه) في أول أربعينه: أن دلالة هذا الخبر على حجية خبر الواحد لا يقصر عن دلالة آية النفر انتهى.

و لكنه لا يخلو عن اشكال، و هو أن وجه الدلالة هو الملازمة بين النقل و القبول التعبدي، و هو اول الكلام، و لعله مشروط بحصول العلم أو اتصاف الراوى بوصف العدالة.

و مثل الأخبار الواردة في الترغيب في الرواية و الحث عليها و ابلاغ ما في كتب الثقة كقوله (عليه السّلام) فيما الفه يونس: هذا ديني و دين آبائي، و هو الحق كله. (2) وجه الدلالة هو الملازمة بين كون ما كتبه الثقة حقا و بين القبول التعبدي.

و لكن يرد عليه بأن التصديق المذكور تصديق شخصي بنحو القضية الخارجية. (3) اللّهمّ إلّا أن يقال: بعد الغاء الخصوصية يكون في قوة القضية الحقيقية.

و كقوله (عليه السّلام): اكتب و بث علمك في اخوانك، فان مت فاورث (فورث) كتبك بنيك، فانه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون (فيه) إلّا بكتبهم. (4) وجه الدلالة واضح؛ لان مورد التوصية هو كتابة الواحد هذا مضافا الى التعبير عنه بالبث بالعلم و انه ارث و موجب للانس به.

و كقوله (عليه السّلام) اعرفوا منازل الرجال منا بقدر روايتهم عنا (5) و دلالته على حجية قول كل ثقة محل تأمل.

و كقوله (عليه السّلام): لكل رجل منا من يكذب عليه.

و قوله: ستكثر بعدي القالة، و أن من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار.

____________

(1) جامع الأحاديث: ج 1 ص 241 ح 68 الى 73.

(2) جامع الأحاديث: ج 1 ص 227.

(3) مباحث الحجج: ج 1 ص 285.

(4) جامع الأحاديث: ج 1 ص 235 ح 47.

(5) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 43.

242

بدعوى أن بناء المسلمين لو كان على الاقتصار على المتواترات لم يكثر القالة و الكذابة اذ الاحتفاف بالقرينة القطعية في غاية القلة.

قال الشيخ: يستفاد من مجموع هذه الأخبار رضا الأئمة (عليهم السّلام) بالعمل بالخبر و أن لم يفد القطع، و ادّعى في الوسائل تواتر الأخبار بالعمل بخبر الثقة إلّا أن القدر المتيقن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء و يقبحون التوقف فيه لاجل ذلك الاحتمال، كما دل عليه الفاظ الثقة و المأمون و الصادق و غيرها الواردة في الأخبار المتقدمة، و هي أيضا منصرف اطلاق غيرها بل و لو لم يكن الاخبار متواترة بالاصطلاح كفى كونها مفيدة للاطمئنان بحجية خبر الثقة و لو لم يكن عادلا.

و أما العدالة فاكثر الأخبار المتقدمة خالية عن اعتبارها، بل و في كثير منها التصريح بخلافه مثل رواية كتاب العدّة الآمرة بالاخذ بما روته الثقات عن علي (عليه السّلام) و ما ورد في كتب بني فضال و مرفوعة الكناسي.

نعم في غير واحد منها حصر المعتمد في أخذ معالم الدين في الشيعة، لكنه محمول على غير الثقة (أي الحصر محمول على غير الثقة من العامة، فلا ينافي الاعتماد على ثقاتهم، فالحصر اضافي بالنسبة الى غير ثقاتهم) أو الحصر محمول على أخذ الفتوى جمعا بينها و بين ما هو أكثر منها.

و في رواية بني فضال شهادة على هذا الجمع مع أن التعليل للنهي في ذيل الرواية بانهم ممن خانوا اللّه و رسوله يدل على انتفاء النهي عند انتفاء الخيانة المكشوف عنه بالوثاقة، فان غير الامامي الثقة مثل ابن فضال و ابن بكير ليسوا خائنين في نقل الرواية. (1)

و لا يخفى عليك أن دعوى التواتر بالنسبة الى خبر الثقة المذكورة مع أن جملة منها تدل على اعتبار العدالة أو يحتمل اعتبارها من جهة العدالة. كما ترى.

نعم يمكن تأييد ما ذهب اليه الشيخ (قدّس سرّه) من دعوى التواتر بأن بناء العامة على العمل بخبر

____________

(1) فرائد الاصول: ص 88.

243

الواحد و مع ذلك لم يردعهم الائمة (عليهم السّلام) عن ذلك مع انهم (عليهم السّلام) ردعوهم عن القياس و الاستحسان، و هو امر ثابت و يدل عليه بعض الأخبار.

منها: مرسلة داود بن فرقد عن رجل عن سعيد بن ابي الخطيب عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) في حديث انه قال لابن ابي ليلى: فبأي شي‏ء تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن علي و عن ابي بكر و عمر. قال: فبلغك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن عليا اقضاكم؟! قال: نعم. قال:

فكيف تقضي بغير قضاء علي (عليه السّلام) و قد بلغك هذا الحديث. (1) وجه الدلالة هو قول ابن ابي ليلى (بما بلغني) حيث أن مراده منه البلوغ بنحو الآحاد؛ لقلة التواتر جدا، و لم يردعه الامام (عليه السّلام) عن ذلك، بل نبّهه على خبر آخر وصل اليه. (2)

نعم لا إطلاق له حيث انه في مقام بيان لزوم القضاء بقضاء علي (عليه السّلام)، إلّا أن احتمال اشتراط العلم في البلوغ في اخبار العامة بعيد جيدا.

و منها: مرسلة شبيب بن أنس عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث أن أبا عبد اللّه (عليه السّلام) قال لابي حنيفة: يا أبا حنيفة اذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السنة كيف تصنع؟ فقال: اصلحك اللّه اقيس و اعمل فيه برأيي، فقال (عليه السّلام): يا أبا حنيفة أن أوّل من قاس ابليس. (3)

حيث أن قوله و لم تأت به الآثار و السنة يدل على انه عمل بالآثار و لم يردعه الامام 7 عن العمل به. (4)

و فيه ما تقدم و الجواب الجواب.

هذا مضافا الى امكان تأييد ما ذهب اليه الشيخ من دعوى التواتر أيضا بثبوت بناء اصحابنا على العمل بخبر الواحد، كما يدل عليه بعض الاخبار.

____________

(1) الوسائل: الباب 3 من أبواب صفات القاضي ح 9.

(2) راجع نهاية الاصول: ص 510

(3) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي ح 27.

(4) نهاية الاصول: ص 511- 512.

244

منها: مرسلة ابي جميلة البصري قال: كنت مع يونس ببغداد و انا امشي معه في السوق، ففتح صاحب الفقاع فقاعه فاصاب ثوب يونس، فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس، فقلت له: يا أبا محمّد أ لا تصلي. فقال: ليس اريد اصلي حتى ارجع الى البيت فاغسل هذا الخمر من ثوبي. فقلت له: هذا رأي رأيته أو شي‏ء ترويه؟ فقال: أخبرني هشام بن الحكم انه سأل أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الفقاع فقال: لا تشربه فانه خمر مجهول، فاذا اصاب ثوبك فاغسله‏ (1)؛ لدلالته على أن العمل بخبر الواحد كان معمولا عندهم.

و نحوها موثقة اسحاق بن عمار (2) و خبر علي بن حديد (3) و خبر معمر بن خلاد (4) و صحيح زرارة (5) و خبر سليم بن قيس. (6)

و الى غير ذلك من الاخبار الدالة على أن أصحابنا آخذون بخبر الواحد الثقة، و عليه فدعوى أن الاخبار الدالة على حجية خبر الواحد الثقة متواترة بالتواتر المعنوي ليست بمجازفة.

قال السيد المحقق البروجردي (قدّس سرّه)- بعد نقله كلام شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)- أن الأخبار التي ذكرها الشيخ لا تبلغ حد التواتر الاجمالي ... الى أن قال: يشكل حصول القطع بصدور واحد منها خصوصا بعد امكان المناقشة في دلالة بعضها، و لكن الذي يسهّل الخطب عدم انحصار الاخبار فيما ذكره بل هي كثيرة جدا، و يستفاد من جميعها أن العمل بالخبر الواحد كان مما استقرت عليه سيرة اصحاب النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام)، و كان بعضهم يحتج بذلك على غيره. و لا فرق في ذلك بين العامة و الخاصة، بل لم ينكر من العامة احد ذلك سوى المتكلمين‏

____________

(1) الكافي: ج 6 ص 423.

(2) الوسائل: الباب 46 من أبواب القراءة.

(3) الوسائل: الباب 25 من أبواب صلاة المسافر.

(4) الوسائل: الباب 18 من أبواب المواقيت.

(5) الوسائل: الباب 8 من أبواب المواقيت.

(6) الوسائل: الباب 14 من أبواب صفات القاضي.

245

منهم كالنظام و غيره، و لو كان العمل بالخبر أمرا منكرا لكان على الائمة (عليهم السّلام) تنبيه أصحابهم و ردعهم عنه كما ردعوا عن القياس.

و بالجملة فكثرة الأخبار بحد يحصل القطع منها بكون حجية الخبر امرا مفروغا عنه بين العامة و الخاصة في عصر النبي (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة (عليهم السّلام)، ثم نقل الأخبار التي اشرنا اليها آنفا. (1)

و الظاهر أن لفظ التواتر الاجمالي من سهو القلم، لانّ المدعى هو التواتر المعنوي لا الاجمالي، و هو حاصل بمجموع ما ذكره الشيخ (قدّس سرّه) كما اشار اليها في نهاية الاصول و ذكرناه بالتفصيل، كما لا يخفى.

ثم أن دعوى كون المتيقن من الروايات هو العدل لا الثقة، كما يشهد له الارجاع إلى الاعدل في المتعارضين في المقبولة، فانه حاك عن كون كل طرف من اطراف التعارض عدلا، هذا مضافا الى اعتبار عنوان (ثقاتنا) و عنوان (مرضيان) و عنوان (حجتي) و عنوان (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه) و عنوان (كلّ مسنّ في حبّنا) و عنوان (كل كثير القدم في امرنا) فانها ظاهرة فى اعتبار العدالة و فوقها.

مندفعة بانه يمكن دعوى عدم اعتبار وصف العدالة في الراوي في حجية روايته، بل المدار هو الوثوق المخبري في نقل الرواية بنحو يضعف فيه احتمال الكذب، و التعبير بالعدالة و نحوها من العناوين المذكورة من باب خصوصية مورد السؤال أو من باب علاج الأخبار المتعارضة، لا من باب دخالتها في حجية الخبر الواحد؛ و الدليل على ذلك هو عدم اعتبار الاصحاب في الأخذ أن يكون الراوي من أصحاب السرّ أو ممن يرضى الأئمة (عليهم السّلام) عنه أو أن يكون من الشيعة، كما صرح بذلك الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) في العدة من أن الطائفة عملت بما رواه حفص بن غياث و غياث بن كلوب و نوح بن دراج و السكوني و غيره من العامة الذين كانوا ينقلون الأخبار عن ائمتنا (عليهم السّلام).

و هو شاهد على أن المعيار في جواز الرجوع هو الوثوق بالناقل و لو كان عاميا، نعم‏

____________

(1) راجع نهاية الأصول: ص 509- 510.

246

لا ينافي ما ذكرناه تقدم الراوي الشيعي الثقة على الراوي العامي الثقة عند التعارض كما روى الشيخ في العدة ذلك عن الامام الصادق (عليه السّلام): انه اذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا الى ما رووه عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به‏ (1)، بل يكون ظاهر قوله بعد الرواية المذكورة: و لاجل ما قلنا عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث الخ أن الرواية المذكورة معمولا بها عند الاصحاب.

و يشهد أيضا على أن المعيار هو الوثوق بالراوي قوله (عليه السّلام): خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا.

و تجويز الامام (عليه السّلام) العمل بقول الثقة و أن كان المخبر ممن يضيع الخبر و لا يعمل به كما مرّ.

و التعليل الوارد في صحيحة احمد بن اسحاق بعد قوله العمري ثقتي فانه الثقة المأمون.

فانه يفيد الكبرى الكلي، و هي أن كل ثقة مأمون يسمع له، و هو معنى حجية خبر الثقة، و تطبيق هذا الكلي على مثل العمري الذي كان في مرتبة عالية من الوثاقة لا ينافي كون المعيار هو افادة الوثوق بالمخبر، و لا دخالة لما زاد عليه من المراتب العالية، و لا وجه لحمل الكبرى الكلي على أن المراد منه هو خصوص المورد، كما لا يحمل ذلك في امثاله و نظائره.

و لقد افاد و اجاد في نهاية الافكار حيث قال: و لا يخفى أن التواتر المدعى في تلك الاخبار و أن لم يكن لفظيا إلّا أنّه يكون معنويا؛ لوضوح كون الجميع بصدد بيان معنى واحد، و هو حجية قول الثقة و وجوب العمل على طبقه، بل و ظاهر بعضها هو كون وجوب العمل بخبر الثقة أمرا مركوزا عندهم بحيث كان من المسلمات عند أصحاب الأئمة (عليهم السّلام)، و لذلك وقع السؤال فيها عن الموضوع، و هو كون الراوي ثقة أو غير ثقة كما في خبر عبد العزيز المتقدم، و ربما يشهد لذلك أيضا تعليله (عليه السّلام) في خبر أحمد بن اسحاق بعد ما أرجع الى العمري و ابنه بقوله: انهما الثقتان المأمونان. و حينئذ فلا ينبغي الارتياب في حجية خبر الثقة و وجوب الأخذ به.

ثم أن الثقة في تلك الأخبار و أن كانت ظاهرة في العدالة بل اعلى درجتها، و لكن يمكن‏

____________

(1) عدة الاصول: ص 379.

247

دعوى عدم اعتبار وصف العدالة في الراوي في حجية روايته و أن مدار الحجية انما كان على حيث الوثوق في نقل الرواية بنحو يضعف فيه احتمال الكذب بحيث لا يعتني به العقلاء، و أن التعبير بالمأمونية في الدين و الدنيا انما هو من جهة كونه ملزوما للوثاقة في الحديث، لا من جهة مدخلية خصوصية المأمونية في الدين في الراوي في حجية روايته ... الى أن قال: و من ذلك ترى بناء الاصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- على العمل بالخبر الموثوق به و لو من غير الشيعة اذا علموا بان الراوي سديد في نقل الرواية و متحرز عن الكذب و كان ممن لا يطعن في روايته و أن كان مخطئا في اعتقاده و سالكا غير الطريقة المستقيمة التي سلكها الشيعة و الفرقة المحقة، كاخذهم بروايات حفص بن غياث و غياث بن كلوب و نوح بن دراج و غيرهم من العامة، و كذا اخذهم بأخبار جماعة من الفطحية و غيرها كعبد اللّه بن بكير و سماعة بن مهران و علي بن ابي حمزة البطائني اللعين الشقي و كتب بني فضال و غيرهم ممن عرف منهم كونهم موثقين في نقل الحديث.

و ناهيك في ذلك الحديث النبوي المعروف (على اليد ما اخذت) المستدل بها في أبواب المعاملات، مع أن من المعلوم انه لم يروه احد من رواتنا الامامية و لا كان موجودا في شي‏ء من جوامعنا، و انما هو مروي في كتب العامة بطرقهم المنتهية الى سمرة بن جندب الشقي عمن هو مثله، فان ذلك شاهد صدق لما ذكرنا من أن مدار الحجية عندهم على مجرد كون الخبر موثوق الصدور عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الائمة (عليهم السّلام) بنحو يضعف فيه احتمال الكذب ضعفا لا يعتني به العقلاء بنحو يعد المعتني به من الوسواسين، لا أن مدار الحجية عندهم على عدالة الراوي.

و حينئذ فلا اشكال في دلالة تلك الأخبار على حجية خبر الموثوق به صدورا أو مضمونا، كما يدل على الاول الترجيح بالشهرة و الشذوذ و بعدالة الراوي و وثاقته، و على الثاني الترجيح بموافقة الكتاب و مخالفة العامة. (1)

و لا يخفى عليك أن موثوق الصدور و أن كان حجة عند العقلاء و لم يردع عنه فى الشرع،

____________

(1) نهاية الافكار: ج 3 ص 134- 136.

248

و لكن المعيار المستفاد من الاخبار المذكورة هو أن يكون الراوي ثقة في حديثه، و هو الذي يعبر عنه بالوثوق المخبري.

تواتر ادلة اعتبار الخبر الواحد

ثم أن الظاهر من كلام صاحب الكفاية انه لم يثبت عنده التواتر المعنوي، و لذا ذهب الى التواتر الاجمالي حيث قال: تلك الأخبار و إن كانت طوائف كثيرة، إلّا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية الأخبار الآحاد بانها أخبار آحاد، فانها غير متفقة على لفظ و لا على معنى حتى تكون متواترة لفظا أو معنى، و لكنه مندفع بأنها و أن كانت كذلك، إلّا أنها متواترة اجمالا؛ ضرورة انه يعلم اجمالا بصدور بعضها منهم (عليهم السّلام)، و قضيته و أن كانت حجية خبر دل على حجية اخصّها مضمونا، إلّا أنه يتعدى عنه فيما اذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصية، و قد دل على حجية ما كان اعم، فافهم. (1)

و فيه انه يكفى الأخبار المذكورة في اثبات التواتر المعنوي، على أن قول الثقة مفروغ الحجية عند السائل و المسئول عنه و سيرة الاصحاب على العمل به و لو كان المخبر من العامة أو الذين أخطئوا في اعتقاداتهم من فرق الشيعة.

و لا ينافيه اعتبار الاعدلية في الأخبار العلاجية؛ لانها في مقام ترجيح احد المتعارضين على الآخر، فلا وجه للاستدلال بها على اعتبار العدالة في حجية الخبر، كما لا وجه للاستدلال بالاخبار الدالة على انه لا عذر فيما يرويه ثقاتنا على اعتبار كونه اماميا بعد تعليل الحجية بكونه الثقة المأمون في الأخبار، هذا مضافا الى أن حجية قول الثقات من العامة مما لا يقبل الانكار.

و مما ذكرناه يظهر ما في مصباح الاصول حيث جعل الأخبار متعارضة و قال: أن النسبة بين العادل و الموثوق به هي العموم من وجه؛ اذ قد يكون الراوي عادلا غير موثوق به لكثرة

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 97.

249

خطأه و سهوه، و قد يكون موثقا غير عادل بمعنى انه ضابط حافظ متحرز عن الكذب إلّا أنه فاسق من غير ناحية الكذب كما يوجد كثيرا، و قد يكون عادلا موثقا. و عليه فالقدر المتيقن منها هو الجامع للعدالة و الوثاقة، فبناء على التواتر الاجمالي لا يستفاد منها إلّا حجية الخبر الصحيح الاعلائي.

نعم ذكر صاحب الكفاية أن المتيقن من هذه الأخبار و أن كان هو خصوص الخبر الصحيح، إلّا أنه في جملتها خبر صحيح يدل على حجية الخبر الموثق، فثبت به حجية خبر الثقة و أن لم يكن عادلا. و ما ذكره متين، و لعل مراده من الخبر الصحيح الدال على حجية خبر الثقة قوله (عليه السّلام) (نعم) بعد ما قال السائل: ا فيونس بن عبد الرحمن ثقة ناخذ معالم ديننا عنه؛ فان ظاهره كون حجية خبر الثقة مفروغا عنها بين الامام و السائل و أن السؤال ناظر الى الصغرى فقط. (1)

و ذلك لما عرفت من أن مقتضى الامعان في الأخبار أن المراد من مجموعها هو اعتبار قول الثقة المأمون، فلا تعارض و لا منافاة بينها حتى نأخذ بالاخصّ مضمونا منها، لان عدم الدلالة على الاعم فى بعض الاخبار و سكوته لا يعد من المنافاة كما أن خصوصيات المورد لا دخالة لها فى ملاك الاعتبار و لا يوجب تقييد الكبرى الواردة فى حجية خبر الثقات بعنوان التعليل فتدبّر جيدا.

فالأظهر كما ذهب اليه الشيخ (قدّس سرّه) هو ثبوت التواتر المعنوي على اعتبار خبر الثقة المأمون، و عليه فدعوى منع التواتر المعنوي و الأخذ بالتواتر الاجمالي و الاخذ بالخبر الصحيح الاعلائي و الاستدلال به لحجية خبر كل الثقة المأمون تبعيد المسافة من دون موجب، كما لا يخفى.

كلام المحقق النائيني (قدّس سرّه)

حكي عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) انكار التواتر الاجمالي بدعوى انا لو وضعنا اليد على كل‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 194.

250

واحد من تلك الأخبار نراه محتملا للصدق و الكذب، فلا يكون هناك خبر مقطوع الصدور. (1)

و لا يخفى ما فيه فان مع تسليم عدم ثبوت التواتر المعنوي فلا وجه لانكار التواتر الاجمالي؛ و ذلك لان احتمال الصدق و الكذب بالنسبة الى كل فرد لا ينافي القطع بصدور الاخص مضمونا باعتبار المجموع أ لا ترى أنه اذا اخبر النفرات الكثيرة بدخالة شي‏ء في صحة معاملة أو عبادة أو بحدوث امر مع الاختلاف في النقل لم نعلم بخصوص كل واحد مع قطع النظر عن إخبار الآخرين، و لكن مع ملاحظة اخبار الآخرين نعلم بدخالة الاخص مضمونا فانه هو الذي اخبر عنه بخصوصه أو في ضمن المطلق، ففي المقام اذا اعتبر في بعض الأخبار العدالة و في بعضها الآخر الثقة و في ثالث الامامي و في رابع المأمون و هكذا قطعنا باعتبار خبر العدل الامامي المأمون بملاحظة مجموع الأخبار و أن لم نقطع باعتبار كل واحد واحد، كما لا يخفى.

قال في مصباح الاصول: و بالجملة التواتر الاجمالي مما لا مجال لانكاره؛ فان كثرة الأخبار المختلفة ربما تصل الى حد يقطع بصدور بعضها و أن لم يتميز بعينه، و الوجدان أقوى شاهد و أوضح دليل عليه، فانا نعلم وجدانا بصدور جملة من الأخبار الموجودة في كتاب الوسائل و لا نحتمل كذب الجميع. و اوضح منه أن نعلم بصدق بعض الاخبار المتحققة في هذه البلدة في يوم و ليلة فضلا عن الحكايات المسموعة في ايام و ليال عديدة.

فتحصّل: أن التواتر الاجمالي غير قابل للانكار، و مقتضاه هو الالتزام بحجية الاخص منها المشتمل على جميع الخصوصيات المذكورة في هذه الأخبار، فيحكم بحجية الخبر الواجد لجميع الخصوصيات باعتبار كونه القدر المتيقن من هذه الاخبار الدالة على الحجية. (2)

هذا و الذى ينبغى أن يقال انه لا معارض لاطلاق ما دل على اعتبار كون الراوى ثقة

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 193.

(2) مصباح الاصول: ج 2 ص 193.

251

لعدم وجود رواية تدل على اعتبار كونه اماميا او تدل على اعتبار العدالة لان ما يستدل به لاعتبار ما يكون مورد العموم التعليل الدال على اعتبار كون الراوى ثقة او يكون مخصوصا بباب علاج الاخبار المتعارضة اذ لا اطلاق له و اما كون الراوى مأمونا فهو ملازم مع كونه ثقة فلا وجه لانكار التواتر المعنوى فضلا عن التواتر الاجمالى نعم قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) فى محكى كلامه و لكن الذى يختلج بالبال أن التواتر الاصطلاحى و هو اخبار جماعة عديدة الذين يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب غير متحقق فى المقام بل فى جميع المقامات لانتهاء الامر بالاخرة الى اشخاص ثلاثة و فى التواتر لا بد من حفظ العدة المذكورة فى جميع المراتب نعم الذى يهون الامر انه و أن ليس هنا التواتر الاصطلاحى لما ذكر و لكن لا اشكال فى حصول الاطمئنان بصدق هؤلاء الاشخاص و عدم اقدام مثل الشيخ و الكلينى و الصدوق و اشباههم على تعمّد الكذب و الاطمينان علم عرفى و تتبع على حذو القطع الحقيقى و مجرد ذلك يكفى فى النتيجة المذكورة و أن كان التواتر مفقودا. (1)

و يمكن أن يقال أن الكتب الثلاثة مستندة الى ثلاثة اشخاص مذكورة بالتواتر و الكتب الثلاثة تنتهى الى اصول من اصحاب الائمة (عليهم السّلام) بالتواتر فلا وجه لانكار التواتر فتدبر.

كلام الشهيد السيّد الصدر (قدّس سرّه)

و مما ذكر يظهر ما في المحكي عن الشهيد السيد الصدر (قدّس سرّه) حيث ذهب الى انكار التواتر رأسا بدعوى عدم دلالة الاخبار على الحجية اصلا، و ما يتبقى منها بعد فرز ذلك لا يكاد يبلغ حدّ التواتر؛ اذ لا يزيد على خمسة عشر رواية، و قال: و فيما يلي نشير الى الطوائف المستدل بها على الحجية في مجموع الأخبار:

1- ما ورد بعنوان تصديق الامام لبعض الروايات بعينها على نحو القضية الخارجية مثل كتاب يوم و ليلة ليونس بن عبد الرحمن حيث قال الامام العسكري (عليه السّلام) بعد نظره فيه و تصفحه كله: هذا ديني و دين آبائي، و هو الحق كله.

____________

(1) المحاضرات سيدنا الاستاذ 2/ 150.

252

و واضح أن هذه الطائفة لا تدل على أكثر من التصديق الشخصي بنحو القضية الخارجية لبعض الروايات، و هذا غير الحجية. (1)

2- ما ورد بعنوان لزوم التسليم لما ورد عنهم و الانقياد له من قبيل رواية الحسن بن جهم قال: قلت للعبد الصالح هل يسعنا فيما ورد منكم إلّا التسليم لكم؟ فقال: لا و اللّه لا يسعكم إلّا التسليم لنا. و واضح عدم دلالتها أيضا؛ لانها تنظر الى ما هو قول المعصوم و صادر عنه و انه لا بد من التسليم و الانقياد لهم و عدم اعمال الذوق و الاجتهاد في مقابلهم، كما كان يفعل العامة. (2)

3- ما ورد بعنوان الحث على تحمل الحديث و نقله. و لا تدل هذه الطائفة إلّا من باب الملازمة، و قد عرفت عدم الملازمة بين الترغيب المذكور و وجوب القبول تعبدا.

4- ما ورد بعنوان الاحالة على اشخاص معينين. و لا يخفى أنها حوالة على اشخاص معينين، و لو سلم دلالتها على أن الاحالة اعم من الاحالة على القضية في أخذ الفتوى لا تدل على الحجية؛ لاحتمال ذلك باعتبار علم الامام (عليه السّلام) بان اولئك الاشخاص لا يكذبون لكونهم على مرتبة عظيمة من التقوى. (3)

5- ما امر فيها بنقل الحديث و تداوله، من قبيل رواية ابان بن تغلب عن ابي عبد اللّه، (عليه السّلام) قال: يا ابان اذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث، من شهد أن لا إله إلّا اللّه مخلصا وجب له الجنة. و هي لا تدل إلّا بتوهم الملازمة، و قد مر تفنيدها.

6- ما دل على الثناء على المحدثين و رواة أحاديث اهل البيت (عليهم السّلام) كقوله (عليه السّلام): اللّهمّ‏

____________

(1) و فيه أن المشهود من الاصول و الكتب هو أنها غير منحصرة فيما روى مؤلفوها بلا واسطة، و عليه فتصديق الكتاب مع كون جملة منها روايات مع الواسطة تدل على حجية الروايات المنقولة فيها أيضا. اللّهمّ إلّا أن يقال:

أن النظر في التصديق الى نفس المطالب لا الى ناقليها.

(2) يرد عليه أن ما يكون مورد نظر السائل و المسئول عنه هو قول المعصوم الذي ورد عنه سواء كان مع الواسطة أو بدونها.

(3) يمكن أن يقال: أن هذا الاحتمال منفي فيما اذا علل الارجاع بوجه عام ككونه ثقة مأمونا، كما لا يخفى.

253

ارحم خلفائي ثلاثا قيل: يا رسول اللّه و من خلفاؤك؟ قال: الذين يبلغون حديثي و سنتي ثم يعلّمونها أمتي.

و هي أيضا لا تدل على الحجية إلّا على الملازمة غير الصحيحة.

7- ما دل على أن انتفاع السامع للحديث قد يكون اكثر من انتفاع راويه. و فيه انها ليست في مقام بيان انه متى يثبت صدور الحديث عن المعصوم، و انما يتعرّض بعد الفراغ عن ثبوته الى أنه ربما يكون السامع أفضل فهما. و أين هذا من الحجية؟!

8- ما دلّ من الأحاديث على أن على رأس كل قرن يبعث اللّه من يحفظ هذا الدين و يحميه. و هي أيضا اجنبية عن الحجية التعبدية، بل تدل على الحجية الحقيقية و التمييز بين الحق و الباطل.

9- ما دل على الترغيب في حفظ الكتب كقوله (عليه السّلام): احفظوا بكتبكم، فانكم سوف تحتاجون اليها.

و الاستدلال بها مبني على دعوى الملازمة بين وجوب الحفظ و وجوب القبول و الحجية، و قد عرفت تفنيدها.

10- ما دل على التحذير من التحريف في نقل الحديث. و هي أيضا أجنبية عن المدعى.

11- ما دل على جواز نقل الحديث بالمعنى. و هي أيضا لا تدل إلّا على تحديد وظيفة الراوي في مقام النقل و تحمل الحديث.

12- ما دل على وجوب السماع عن صادق من قبيل رواية الفضل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من دان اللّه بغير سماع عن صادق الزمه اللّه التيه الى العناء الحديث. و واضح أن المراد من الصادق فيها الامام لا مطلق الثقة، و لهذا عبر عنه بمن دان اللّه، فالمراد من الصادق الصادق بقول مطلق. (1)

____________

(1) و يحتمل أن يكون المراد هو ما نقله الثقات عن الامام المعصوم، و هو يصدق على المنقول مع الواسطة ايضا. و في بعض النسخ: حديث واحد يأخذه صادق عن صادق. و المراد من الصادق هو الصادق في نقله، لا الصادق مطلقا.

254

13- ما دل على حجية نقل ثقات الامام كقوله (عليه السّلام): لا عذر لاحد من موالينا التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا قد عرفوا باننا نفاوضهم بسرنا و نحمله (اياه) اليهم، و عرفنا ما يكون من ذلك أن شاء اللّه.

و هي أيضا لا تدل على حجية خبر الثقة؛ لان الوارد فيه عنوان ثقاتنا، و عنوان ثقتي اخص من عنوان الثقة المطلق. (1)

14- ما دل على المنع من رفض الرواية لمجرد رأي و ذوق و استحسان.

و هي ايضا اجنبية عن المدعى؛ لانها تنهى عن اعمال الرأي و الاستحسان، و لا ينافي ذلك مع عدم حجية خبر الواحد.

15- ما دل على الترجيح عند التعارض بموافقة الكتاب و مخالفة العامة؛ بدعوى أن ذلك دليل على حجية الخبر في نفسه، و إلّا لما وقع تعارض بين حجتين.

و فيه يمكن ارادة الحجية القطعية كما اذا كان الخبر قطعي السند، و ليست هذه الأخبار في مقام البيان من ناحية حجية اصل الخبر ليتمسك باطلاقها. (2)

و هكذا يتضح أن هذه الطوائف لا دلالة في شي‏ء منها على المطلوب، و بعد افرازها لا تبقى لدينا اكثر من خمسة عشر رواية مما قد تتم على الحجية، و هو عدد لا يبلغ حد التواتر.

و لكن في خصوص المقام هناك بعض القرائن الكيفية التي قد توجب حصول الاطمئنان بصدور بعض هذه الروايات اذا ما لوحظت الى جانب الخصوصية الكمية، و الميزان هو الاطمئنان الشخصي بعدم تعمد شي‏ء من رواتها للكذب فيها لخصائص في سندها، و لو فرض عدم حصول ذلك منها فلا أقل من حصوله بها مع ضم الروايات الاخرى اليه، مثل ما روى الكليني عن محمّد بن عبد اللّه الحميري و محمّد بن يحيى العطار جميعا عن عبد اللّه بن‏

____________

(1) و لكن يتعدى عنه بعموم التعليل الوارد في ذيله أو غيره بمثل قوله: فانه الثقة المأمون.

(2) حمل الاخبار المتعارضة على قطعي الصدور حمل على فرد نادر، و هذه الأخبار و أن لم تكن في مقام البيان و لكن تدل على مفروغية حجية الخبر، فتدبّر.

255

جعفر الحميري قال: اجتمعت انا و الشيخ ابو عمرو عثمان بن سعيد عند احمد بن اسحاق، فغمزني أحمد بن اسحاق أن أسأله عن الخلف أي الحجة. فقلت له: يا أبا عمرو اني اريد أن أسألك عن شي‏ء و ما انا بشاك فيما اريد أن اسألك عنه ... الى أن قال الحميري: و قد أخبرني ابو علي احمد بن اسحاق عن ابي الحسن (عليه السّلام) قال: سألته و قلت: من اعامل أو عمن آخذ و قول من اقبل؟ فقال له: العمري ثقة، فما أدى اليك عني فعنّي يؤدي، و ما قال لك عني فعنّي يقول، فاسمع له و اطع، فانه الثقة المأمون.

و قال الحميري أيضا: و أخبرني أبو علي انه سئل أبا محمّد عن مثل ذلك، فقال: العمري و ابنه ثقتان، فما أدّيا اليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و اطعهما، فانهما الثقتان المأمونان الحديث.

الى أن قال: اما من حيث السند فهي مظنونة الصدق ظنّا شخصيا اطمئنانيا من ناحية عدم تعمد الكذب على الاقل بحيث نحتاج فقط الى ضمّ اصالة عدم الغفلة العقلائية، و لو فرض عدم حصول الظن الاطمئناني المذكور من تلك القرائن الخاصة لأمكن تكميل الظن المذكور بضم الروايات الاخرى.

و أن فرض التشكيك في كل ذلك و عدم حصول اطمئنان شخصي فلا اشكال في ان هذا السند من اعلى الاسانيد الذي أفراده كلهم اصحاء بالوجدان لا التعبد، فيكون هو القدر المتيقن من السيرة العقلائية الدالة على الحجية، و بذلك تثبت حجية تمام مفاده، فاذا كان مفاده حجية مطلق خبر الثقة اثبتنا به حجية مطلق خبر الثقة.

و اما من حيث الدلالة ففيها فقرتان يمكن الاستدلال بكل منهما:

الأولى: ما صدر من الامام أبي الحسن الثالث (عليه السّلام): العمري ثقة، فما ادى اليك فعني يؤدي، و ما قال لك فعنّي يقول، فاسمع له و اطع، فانه الثقة المأمون.

الثانية: ما صدر عن الامام العسكري في حق عثمان بن سعيد: العمري و ابنه ثقتان، فما ادّيا اليك عني فعنّي يؤديان، و ما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما و اطعهما، فانهما الثقتان المأمونان.

256

و صدر هذا الحديث و أن كان حوالة شخصية على العمري، فتكون نظير الحوالة على السيد عبد العظيم الحسني، و لا دلالة له على المطلوب، إلّا أن الاستدلال بذيلها حيث انه ورد فيه التعليل، و هو بمثابة كبرى كلية، و هي أن كل ثقة مأمون يسمع له، و هو معنى حجية خبر الثقة.

ثم تفريع التعليل على الصدر لا يضر بعموم التعليل المشير الى قاعدة كلية.

و القول بأن اللام تدل على الكمال كما في قولك انه الفقيه العالم فغاية ما يقتضيه التعليل هو التعدي الى الثقة المطلق اي من كان في غاية الوثاقة غير سديد؛ لان اللام للجنس و العهد، بل الجنس أيضا نوع عهد ذهني و منشأ استفادة الكمال مناسبة حمل اسم الجنس المعرف باللام على الشخص فانه حيث لا معهودية لشخص معين و وضوح عدم كونه الجنس بما هو جنس معهود ذهنا، فيشعر ذلك بوجود عناية ملحوظة في هذا الحمل، و لكن يمكن أن يكون العناية وضوح المصداقية للجنس و انطباقه عليه اثباتا، بل هذا هو المناسب في مقام التعيين.

و هكذا لا مجال لدعوى أن هذه الحوالة يحتمل في حقها أن تكون من باب الارجاع الى المقلد في مقام اخذ الفتوى لا الارجاع الى الراوي بقرينة قوله: و اطع.

لان وجوب الاطاعة لا يناسب عرفا بالنسبة الى المفتي أيضا و انما يناسب الحاكمية و الولاية، فلا بد و أن يحمل على الاطاعة في استماع الاخبار التي ينقلها عن الامام و لزوم تصديقه فيها، و مما يدل على ذلك أن المأمور هو احمد بن اسحاق الذي لم يكن من العوام بل من الخواص، فلا يناسب ارجاعه الى العمري في التقليد.

ثم ذكر في ختام البحث صحيحة عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد اللّه (عليه السّلام): انه ليس كل ساعة القاك يمكن القدوم و يجي‏ء الرجل من اصحابنا فيسألني و ليس عندي كل ما يسألني عنه؟ قال: فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي، فانه قد سمع أبي، و كان عنده مرضيا وجيها.

257

و هي من حيث السند صحيحة و من حيث الدلالة فالاستدلال بها لمكان قوله: (فما يمنعك) المشعر بالمفروغية عن كبرى مركوزة، و ليست هي إلّا حجية خبر الثقة. و هذه الاحالة ليست من الارجاع الى التقليد، لوضوح أن ابن أبي يعفور كان من أجلة الاصحاب، فليس الارجاع إلّا بملاك الإرجاع الى الأحاديث، كما أن المراد من التعليل بالوجاهة يراد به الوجاهة الدينية المساوقة مع الوثاقة في النقل.

و ذكر أيضا صحيحة يونس بن يعقوب قال: كنا عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: أما لكم من مفزع؟! أما لكم من مستراح تستريحون إليه؟! ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة.

و ذكر أيضا أن هناك روايات اخرى لا بأس بدلالتها أيضا على الحجية من قبيل رواية محمّد بن عيسى عن الرضا (عليه السّلام) قال: قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): جعلت فداك اني لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة أخذ عنه ما أحتاج اليه من معالم ديني؟! قال: نعم.

فانّ ظاهرها أن السائل يشير فيها الى الكبرى المركوزة و يطبقها على يونس بن عبد الرحمن و الامام يمضي ذلك و يأمره باتباعه و قبول قوله، إلّا أنّ هذه الرواية و غيرها مما يمكن أن يستدل بها على الحجية غير صحيحة السند، فتصلح لان تكون مؤيدة مكملة للرواية التي جعلناها محور كلامنا. (1)

و فيه مواقع للنظر:

أحدها: أنّ حصر طوائف الأخبار في المذكورات مع وجود أخبار أخرى ليس بصحيح، منها مثل ما ورد عن ابن أبي الجهم عن الرضا (عليه السّلام) قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين و لا نعلم أيهما الحق؟ قال: فاذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت. (2) و لا يخفى أنّ هذا ظاهر الدلالة على حجية خبر الثقة في نفسه عند عدم ابتلائه بالمعارض و أن حجيته‏

____________

(1) مباحث الحجج: ج 1 ص 384- 395.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي: ح 40.

258

مفروغ عنها بين السائل و المسئول عنه و محل الكلام يختصّ بصورة التعارض.

و منها مثل ما ورد في كتب بني فضال عن الامام العسكري (عليه السّلام) خذوا بما رووا، و ذروا ما رأوا. (1) و من المعلوم أنّ بني فضّال ليسوا بعادلين، لانحرافهم في العقيدة، و مع ذلك أمر بأخذ رواياتهم. و عليه فليس معنى الامر المذكور إلّا وجوب الأخذ برواياتهم عند احراز كونهم من الثقات.

و منها مثل ما ورد في تعليل النهي عن قبول روايات غير الشيعة من أنّ النهي من جهة الخيانة، و مقتضاه هو جواز القبول اذا انتفت الخيانة بالوثاقة.

روى علي بن سويد السائي قال: كتب اليّ أبو الحسن (عليه السّلام) و هو في السجن: و أماما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك، لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا، فانك أن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا اماناتهم، أنهم ائتمنوا على كتاب اللّه فحرفوه و بدلوه، فعليهم لعنة اللّه الحديث. (2) فانّ الرواية تدل على انتفاء النهي عند انتفاء الخيانة المكشوف عنه بالوثاقة.

و منها مثل خبر الكناسي عن الصادق (عليه السّلام) في تفسير قوله عزّ ذكره‏ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏ قال: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء، و ليس عندهم ما يتحملون به الينا، فيسمعون حديثنا و يقتبسون من علمنا، فيرحل قوم فوقهم و ينفقون اموالهم و يتعبون ابدانهم حتى يدخلوا علينا فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم فيعيه هؤلاء و يضيّعه هؤلاء، فاولئك الذين يجعل اللّه عزّ ذكره لهم مخرجا و يرزقهم من حيث لا يحتسبون. (3) بدعوى دلالته على جواز العمل بالخبر و أن نقله من يضيّعه و لا يعمل به.

و من المعلوم أنّ الوجه في جواز العمل بمثل روايته ليس إلّا كونه من الثقات.

و منها مثل ما ورد في تأييد و ترغيب نقل الاخبار مع الواسطة أو بدونها للآخرين مع‏

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 13.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 42.

(3) جامع الأحاديث: ج 1 ص 238.