عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
259

معلومية اكتفائهم بالنقل من دون تقييد ذلك بالعلم أو العدالة، كما ورد في موثقة معاذ بن مسلم النحوي عن ابي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: بلغني انك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم، و أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج اني اقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشي‏ء فاذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون، و يجي‏ء الرجل اعرفه بمودتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجي‏ء الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول جاء عن فلان كذا و جاء عن فلان كذا فادخل قولكم فيما بين ذلك؟ فقال لي: اصنع كذا، فاني كذا أصنع. (1) و من المعلوم أنّ قوله (ما جاء عنكم) يشمل الاخبار مع الواسطة و بدونها، و ليس مقيدا بالعلم. و الظاهر من الرواية أن السامع اكتفى به أيضا كما اكتفى به ناقله، و لا يضر بذلك التعبير بالافتاء مع أن المقصود منه هو نقل الخبر، كما لا يخفى.

منها مثل ما ورد في أنّ وسائط النقل بمنزلة القرى الظاهرة في قوله تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً كموثقة محمّد بن صالح الهمداني قال: كتبت الى صاحب الزمان (عليه السّلام): أن أهل بيتي يقرعوني بالحديث الذي روي عن آبائك (عليهم السّلام) أنهم قالوا خدّامنا و قوامنا شرار خلق اللّه، فكتب و يحكم ما تقرءون ما قال اللّه تعالى: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً، فنحن و اللّه القرى التي بارك فيها، و انتم القرى الظاهرة. (2)

و يؤيده ما رواه الطبرسي عن أبي جعفر (عليه السّلام) في حديث أنه قال للحسن البصري: نحن القرى التي بارك اللّه فيها، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ لمن اقر بفضلنا حيث أمرهم اللّه أن يأتونا فقال: وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً، و القرى الظاهرة الرسل و النقلة عنا الى شيعتنا و (فقهاء) شيعتنا الى شيعتنا الحديث. (3) و المستفاد منه هو التشويق و الترغيب الى ما هو الشائع عند الشيعة من نقل الأخبار عن الأئمة (عليهم السّلام) و الاعتماد عليها و الاكتفاء بها عند كون الرواة من ثقات الشيعة.

____________

(1) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 36.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي ح 46.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي: ح 47.

260

و منها مثل ما ورد في أن الاصحاب اعتمدوا على نقل الثقات و لم ينهوا عنه كخبر علي بن حديد قال: سألت الرضا (عليه السّلام) فقلت: أن أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصر و بعضهم يتمّ، و انا ممن يتمّ على رواية قد رواها أصحابنا في التمام و ذكرت عبد اللّه بن جندب أنه كان يتمّ؟ فقال: رحم اللّه ابن جندب، ثم قال لي: لا يكون الاتمام إلّا أن تجمع على اقامة عشرة أيام، و صل النوافل ما شئت. قال ابن حديد: و كان محبّتي أن تأمرني بالاتمام. (1) و من المعلوم أن الاعتماد على الرواية مع أنهم مختلفون في العمل لا يكون إلّا الاعتماد على نقل الثقات.

و كخبر اسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام): أن رجلين من أصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اختلفا في صلاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكتبا الى أبي بن كعب كم كانت لرسول اللّه من سكتة؟ قال:

كانت له سكتتان اذا فرغ من أمّ الكتاب (القرآن) و اذا فرغ من السورة. (2) و من المعلوم أن الرجوع الى ابي بن كعب رجوع الى من كانا وثقا به.

و كصحيحة زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن وقت صلاة الظهر في القيظ، فلم يجبني، فلما أن كان بعد ذلك قال لعمر بن سعيد بن هلال: أن زرارة سألني عن وقت صلاة الظهر في القيظ فلم أخبره فحرجت من ذلك، فاقرأه مني السلام، و قل له: اذا كان ظلك مثلك فصل الظهر، و اذا كان ظلك مثليك فصل العصر. (3)

و ليس عمر بن سعيد بن هلال من الاجلاء و المعاريف، بل هو من الثقات، و مع ذلك اكتفى الامام (عليه السّلام) بنقله و اعتمد زرارة عليه أيضا، و هو دليل على أن المعتبر هو نقل الثقات في جواز الاعتماد. و الى غير ذلك من الروايات من هذا القبيل.

و منها مثل ما ورد في مذمّة من لم يحفظ شيئا في نقل الحديث كخبر القاسم بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ذكر أبو الخطّاب فلعنه، ثم قال: انه لم يكن يحفظ شيئا حدثته أن‏

____________

(1) الوسائل: الباب 25 من أبواب صلاة المسافر: ح 33.

(2) الوسائل: الباب 46 من أبواب القراءة في الصلاة: ح 2.

(3) الوسائل: الباب 8 من أبواب المواقيت ح 13.

261

رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) غابت له الشمس في مكان كذا و كذا و صلّى المغرب بالشجرة و بينهما ستة أميال، فأخبرته بذلك في السفر فوضعه في الحضر. (1) يدل التعليل على أن عدم الحفظ و الضبط منشأ الايراد، و إلّا فلا ايراد على من كان ضابطا و موثقا.

و منها مثل ما ورد في أنّ بعض العامة ذكر منابع فتاواه للامام (عليه السّلام) و من جملتها الاخذ بالاخبار و الآثار المنقولة بنحو اخبار الآحاد و الاخذ بالقياس و الاستحسان، و لم ينه الامام عن الاخذ بالاخبار و الآثار في عين نهيه (عليه السّلام) عن العمل بالقياس و الاستحسان أو بقول من لا حجية لقوله و هذا شاهد على أن الاعتماد على نقل الثقات مورد امضاء الامام (عليه السّلام) كخبر داود بن فرقد عن رجل عن سعيد بن ابي الخطيب عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) في حديث أنه قال لابن ابي ليلى: فبأي شي‏ء تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن علي و عن أبي بكر و عن عمر. قال: فبلغك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن عليا اقضاكم؟ قال: نعم. قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي (عليه السّلام)؟! و قد بلغك هذا الحديث. (2) و من المعلوم أن مراده من البلوغ هو البلوغ بنحو الآحاد، لقلة التواتر جدا، و مع ذلك لم يردعه الامام (عليه السّلام) عن ذلك، بل نهاه عن العمل بما ورد عمن لا حجية لقوله، كما لا يخفى.

و كخبر شبيب بن انس عن بعض أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في حديث: أن أبا عبد اللّه (عليه السّلام) قال لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السنة كيف تصنع؟ فقال: أصلحك اللّه أقيس و أعمل فيه برأيي. فقال (عليه السّلام): يا أبا حنيفة أن أول من قاس ابليس. (3) حيث دل على أن العمل بالآثار و السنة المنقولة جائز بين العامة و الخاصة، و انما المنهي هو الاخذ بالقياس و الاستحسان.

و منها ما ورد في أن أصحابنا الامامية موظفون بالعمل بما روى ثقات العامة فيما اذا لم يخالفه نقل ثقات الخاصة، كما روى الشيخ الطوسي في العدّة عن الصادق (عليه السّلام): أنه اذا نزلت‏

____________

(1) الوسائل: الباب 18 من أبواب المواقيت: ح 17.

(2) الوسائل: الباب 3 من أبواب صفات القاضي: ح 9.

(3) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي: ح 27.

262

بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا الى ما رووه عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به. (1)

و الظاهر من العدّة أنّه اعتمد على هذه الرواية، بل مقتضى قوله «لاجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث و غياث ابن كلوب و نوح بن دراج و السكوني و غيرهم من العامة عن ائمتنا (عليهم السّلام) فيما لم ينكروه و لم يكن عندهم خلافه» أن الاصحاب اعتمدوا عليها و عملوا بها.

و منها ما ورد في كيفية وقوع المخالفة بين روايات أهل البيت (عليهم السّلام) و روايات ثقات العامة مثل موثقة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يتهمون بالكذب فيجي‏ء منكم خلافه. قال: أن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن. (2) هذا الحديث يدل على أن قول من لم يتهم بالكذب و كان مورد الاعتماد حجة بين السائل و المسئول عنه و انما يرفع اليد عنه عند المخالفة للنسخ.

و الحاصل: أن مع وجود هذه الروايات و تعددها لا وجه لحصر الروايات في خمسة عشر و انكار التواتر، فلا تغفل.

و ثانيها: أنه لا وجه لافراد بعض الروايات الدالة على حجية نقل الثقات عن مجموعة الأخبار كصحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور و يونس بن يعقوب الدالة على مفروغية حجية خبر الثقة.

و كخبر محمّد بن عيسى قال: وجدت الحسن بن علي بن يقطين بذلك أيضا قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السّلام): جعلت فداك اني لا أكاد أصل اليك أسألك عن كل ما احتاج اليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم ديني فقال: نعم. (3)

بل لا وجه لافراد صحيحة الحميري عن جملة الأخبار المذكورة الدالة على أن علة جواز الاعتماد هي الوثاقة و الامانة.

____________

(1) عدة الاصول: ص 379.

(2) الوسائل: الباب 9 من أبواب صفات القاضي: ح 4.

(3) جامع الأحاديث 1: ص 226.

263

و ثالثها: لا وجه للتشكيك في سند خبر محمّد بن عيسى بقوله انه غير صحيحة السند مع أن سند الاخبار لا يلاحظ في المتواترات.

و رابعها: أن الانصاف هو تواتر الأخبار الدالة على حجية خبر الثقات؛ لانّ مجموع الاخبار يكون بحد يحصل القطع بان خبر الثقات حجة عند العامة و الخاصة خصوصا أن التعليلات الواردة فيها تصلح لشرح المراد من بقية الأخبار التي لا يتضح أن الحجية من ناحية العدالة أو الوثاقة، فانّ مثل قوله (عليه السّلام) (فانّه الثقة المأمون) أو (فانهما الثقتان المأمونان) يدل على أن المعيار في الاعتماد هو الوثاقة و الامانة. عليه فالارجاعات الى الأشخاص الذين يكونون على مرتبة عظيمة ليست دالة على اعتبار الأزيد من الوثاقة و الامانة و أن كانوا في الدرجات العالية، و لو سلم عدم تمامية الأخبار لافادة التواتر المعنوي فلا وجه لانكار التواتر الاجمالي.

و بالجملة فمع وجود التواتر المعنوي يعتمد في حجية خبر الثقات على دلالة مجموع الاخبار بعد حمل بعضها على البعض، كما أن مع وجود التواتر الاجمالي يعتمد فيها على دلالة المقطوع منها و هو حجية خبر العدول كخبر الحميري و هو يدل على حجية خبر كل ثقة.

و كيف ما كان فلا تصل النوبة الى الاعتماد على الظن الشخصي الاطمئناني كما ذهب اليه الشهيد السيد الصدر (قدّس سرّه)، فلا تغفل.

264

الخلاصة

و البحث فيه يقع في جهات:

الجهة الأولى:

أنّ جماعة من القدماء كالسّيد و القاضي و ابن زهرة و ابن إدريس ذهبوا إلى عدم حجّيّة الخبر الواحد.

أدلّة المانعين:

و استدلّ المانعون بوجوه:

منها الآيات الدالّة على حرمة اتّباع غير العلم كقوله تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏ و حرمة القول بغير العلم كقوله عزّ و جلّ: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ‏ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏.

و الدالّة على عدم كفاية الظنّ كقوله تعالى: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً*.

و من المعلوم أنّ الخبر الواحد ليس بعلم و إسناده إلى اللّه قول بغير علم و بالأخرة ظنّ و الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.

و فيه أنّ أدلّة اعتبار الخبر الواحد قطعيّة و عليه لا يبقى مورد لهذه الآيات لورود أدلّة الاعتبار بالنّسبة إليها.

و بعبارة اخرى أنّ المراد من العلم في الآيات هو الحجّة و معنى الآيات هو المنع عن اتّباع غير الحجّة و عن القول بغير الحجّة و أنّ غير الحجة لا يغني من الحق شيئا و مع قيام أدلّة اعتبار الخبر الواحد يكون الخبر الواحد من مصاديق الحجّة فلا مورد بعد ذلك للآيات المذكورة فأدلّة الاعتبار واردة بالنّسبة إلى الآيات المذكورة و التعبير بالحكومة لا يخلو من الإشكال بعد كون المراد من العلم هو الحجّة و إن أبيت عن الورود أو الحكومة فلا خفاء في كون أدلّة اعتبار الخبر الواحد موجبة لتخصيص تلك الآيات قضاء لتقديم الخاصّ على العامّ.

و دعوى أنّ قوله عزّ و جلّ: إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* آب عن التخصيص‏

265

ممنوعة لأنّ الظنون مختلفة في غالبية الإصابة و عدمها فإذا كان بعضها كالخبر أغلب إصابة فلا مانع من تخصيصها بما كان أغلب إصابة.

و منها: الأخبار الكثيرة، و هي على طوائف:

الطّائفة الأولى:

الرّوايات الواردة في لزوم الموافقة مع الكتاب و السّنّة في حجّيّة الأخبار و جواز العمل بها كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه.

بدعوى أنّ المستفاد منها أنّ خبر الواحد ليس بنفسه حجّة.

يمكن الجواب عنه بأنّ الموافقة للكتاب أو السّنّة مذكورة من باب المثال لأمارة الصدق و من الجائز أنّ ما روته الثّقات أيضا من الأمارات و عليه فما من الحصر في امثال هذه الرّوايات اضافي و ملحوظ بالنّسبة إلى ما كان مخالفا للقرآن و السّنة و ليس في مقام حصر أمارة الصدق في الموافقة المذكورة.

الطّائفة الثّانية:

الرّوايات الدّالّة على المنع عن العمل بالخبر الذي لا يوافق الكتاب و السّنّة كقوله (عليه السّلام) كلّ شي‏ء مردود إلى الكتاب و السّنّة و كلّ حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف.

و الجواب أنّ المتفاهم العرفي من هذه الأخبار هو اشتراط عدم المخالفة فيندرج في الطّائفة الثّالثة الدّالّة على مردوديّة المخالف و لا كلام فيه و إنّما الكلام في المراد من المخالفة، و الظاهر أنّ المراد من المخالف للقرآن هو المناقض له و لا إشكال في مردوديّته.

و دعوى تعميم المخالفة لمثل مخالفة العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد لا يساعده العرف مع إمكان الجمع بينهما.

لا يقال إنّ الرّوايات المتباينة غير مقبول عند الأصحاب و لا يحتاج إلى النّهي عنه و عليه فليكن المراد من المخالفة هي مخالفة العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد لأنّا نقول إنّ خصماء أهل البيت (عليهم السّلام) كانوا يأخذون الاصول و يدسّون الأحاديث المخالفة فيها و لم يرووها حتّى لا يقبلها الأصحاب.

266

هذا مضافا إلى ضرورة صدور الأخبار المخالفة للقرآن بمخالفة العموم و الخصوص و الإطلاق و التقييد.

الطّائفة الرّابعة:

الأخبار الدالّة على اشتراط الأخذ بالأخبار بوجود شاهد من الكتاب و السّنّة كقول أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عند السّؤال عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به و منهم من لا نثق به إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب اللّه أو من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و إلّا فالذي جاءكم أولى به.

و فيه أنّ هذه الأخبار من الأخبار العلاجية عند تعارض الأخبار لترجيح بعض الأطراف على البعض و لا ارتباط لها بأصل حجّيّة الخبر الواحد بل المستفاد من أخبار العلاجية هو أنّ الحجّيّة الذّاتية مفروغ عنها.

أدلّة المثبتين‏

استدلّ المجوّزون للعمل بخبر الواحد بالأدلّة الأربعة.

1- أمّا الكتاب فبآيات:

منها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏.

و تقريب الاستدلال بوجوه:

الوجه الأوّل: هو الاستدلال بمفهوم الشرط بتقريب أنّه سبحانه و تعالى علّق وجوب التبيّن عن الخبر على مجي‏ء الفاسق فينتفى عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط و إذا لم يجب التثبّت عند مجي‏ء غير الفاسق فإذا يجب القبول و هو المطلوب أو الردّ و هو باطل.

أورد عليه بأنّ مفهوم الشرط عدم مجي‏ء الفاسق بالنبإ و عدم التبيّن هنا لأجل عدم‏

267

ما يتبيّن فالجملة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع كما في قول القائل إن رزقت ولدا فاختنه فكما لا مفهوم لقوله إن رزقت الخ فكذلك هي المقام لأنّه الانتفاء ليس إلّا لانتفاء الموضوع عقلا إذ مع عدم مجي‏ء الفاسق بالخبر لا خبر فاسق حتّى لزم التبيّن فيه.

و المعيار في الشرطية المحقّقة للموضوع موجود في الآية الكريمة و هو اتّحاد الموضوع في القضيّة مع شرط الجزاء.

و اجيب عنه بأنّ الموضوع في القضيّة هو النبأ الذي جي‏ء به و الواجب هو التبين و الشرط لوجوب التبيّن هو مجي‏ء الفاسق فالقضيّة حينئذ لا تكون مسوقة لبيان تحقّق الموضوع.

و عليه فالموضوع في القضيّة هو النبأ و الشرط للجزاء هو مجي‏ء الفاسق بالنبإ و بينهما مغايرة و لا اتّحاد فليس الشّرط محقّقا للموضوع بعد وجود المغايرة بين الموضوع في القضيّة و شرط الجزاء.

و نوقش فيه بأنّ الموضوع إن كان هو الفاسق و له حالتان لأنّ الفاسق قد يجي‏ء بالنبإ و قد لا يجي‏ء به و علّق وجوب التبيّن على مجيئه بالنبإ و يكون مفاد الكلام حينئذ أنّ الفاسق إن جاءكم بنبإ فتبيّنوا فلا دلالة للقضيّة على المفهوم لأنّ التبيّن متوقف على مجيئه بالنبإ عقلا فتكون للقضيّة مسوقة لبيان الموضوع إذ مع عدم مجيئه بالنبإ كان التبين منتفيا بانتفاء موضوعه.

و يمكن أن يقال إنّ الموضوع في الأحكام القانونيّة هو الطبيعة و حتّى تكون مقسما بين المنطوق و المفهوم و عليه فلا يكون الموضوع متّحدا مع الشرط بل هو أعمّ منه و مقتضاه هو كون الحكم المشروط مترتّبا على حصّة من الطبيعي فالجملة حينئذ تدلّ على المفهوم بالنّسبة إلى الحصص الأخرى فيما إذا انتفى الشرط ففي مثل السّلام ممّا له أحكام مختلفة إذا قيل إذا جاءكم مؤمن بسلام فأجيبوه كان ظاهره أنّه إن لم يجي‏ء مؤمن بسلام فلا يجب الجواب بالسّلام. و الوجه في ذلك أنّ السّلام ممّا له أحكام مختلفة و يستظهر من الجملة

268

الشّرطية أنّ الموضوع هو طبيعة السّلام و له أحكام مختلفة و ليس الموضوع هو السّلام الخاصّ الذي جاء به المؤمن حتّى تكون القضيّة مسوقة لبيان تحقّق الموضوع ففي الآية الكريمة يكون النبأ موضوعا طبيعيّا لا موضوعا خاصّا و قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يدلّ على حكم من أحكام هذه الطبيعة و عليه فحيث إنّ الموضوع محفوظ مع عدم الشرط و هو طبيعة النبأ تدلّ الجملة على المفهوم و هو أنّه إذا لم يجي‏ء فاسق بنبإ بل جاء به عادل فلا يجب التبيّن.

و دعوى أنّ الموضوع إن كان هو طبيعة النبأ فاللازم على تقدير الشرط وجوب التبيّن في طبيعة النبأ و إن كانت متحقّقة في ضمن خبر العادل و إن كان المراد أنّ الموضوع هو النّبأ الموجود الخارجي فيجب أن يكون التعبير بأداة الشرط باعتبار الترديد لأنّ النّبأ الخارجي ليس قابلا لأمرين.

مندفعة أوّلا: بالنقض بمثل قولهم العالم إن كان فقيها يجب إكرامه فإنّه لا يدلّ على وجوب إكرام طبيعة العالم و لو لم يكن فقيها.

و ثانياً بالحلّ و هو أنّ الموضوع على تقدير كونه طبيعيا ليس المراد منها الطبيعة المغلقة بنحو الجمع بين القيود بحيث يكون المراد منه الطبيعة المتحقّقة في ضمن نبأ العادل و الفاسق معا بل المراد هو اللابشرط القسمي أي طبيعي النبأ الغير الملحوظ معه نسبة إلى الفاسق و لا عدمها و إن كان هذا الطبيعي يتحصّص من قبل المحقّق عليه وجودا و عدما.

فيتحقّق هناك حصّتان إحداهما موضوع وجوب التبيّن و الاخرى موضوع عدم وجوب التبين و لا منافاة بين أن يكون الموضوع الحقيقي لكلّ حكم حصّة مخصوصة و أن يكون الموضوع في الكلام رعاية للتعليق المفيد لحكمين منطوقا و مفهوما نفس الطّبيعي الغير الملحوظ معه ما يوجب تحصّصه بحصّتين وجودا و عدما.

لا يقال إنّ الموضوع و إن كان ذات النبأ و طبيعته إلّا أنّ الموضوع في الأحكام هو الطّبيعي الموجود في الخارج و تكون الذات مأخوذة مفروضة الوجود و ليس الحال فيه كالمتعلّق.

269

و عليه فالنبأ الموجود و هو موضوع الحكم و هو لا يخلو للحال فيه إمّا أن يكون نبأ فاسق أو نبأ عادل و لا يقبل الانقسام إلى كلتا الحالتين.

و لا يمكن استفادة المفهوم منه لعدم قابليّته النبأ الموجود للانقسام إلى كلتا الحالتين و اللازم من ذلك هو استعمال الأداة الدّاخلة على مجي‏ء الفاسق في معنى الفرض و التقدير ينظر ما لو رأى المولى شبحا فقال لعبده إن كان زيدا فأكرمه فإنّ الشبح لا يقبل عروض الزيدية عليه تارة و العمروية أخرى بل هو إمّا زيد أو عمرو فالأداة تستعمل في معنى الفرض و التقدير لا في معنى الشّرطية إذ ليس هناك جامع بين الحالتين يتوارد عليه النفي و الإثبات كي يعلّق الإثبات على شي‏ء بل الشبح يدور بين المتباينين و ما نحن فيه من هذا القبيل و لا يمكن استفادة المفهوم منه لعدم قابليّة النبأ الموجود للانقسام إلى كلتا الحالتين.

لأنّا نقول أوّلا: إنّ ذلك منقوض بمثل العالم إن كان فقيها يجب تقليده فإنّ الموضوع فيه مفروض الوجود و مع ذلك يدلّ على المفهوم و ثانيا: أنّ ما ذكر من المناقشة مبني على كون القضيّة خارجيّة و اشتباه الموضوع الخارجي و المفروض خلافه لأنّ القضيّة حقيقيّة و الموضوع هو طبيعيّ النبأ و لا اشتباه في الخارج فإذا خصّص بعض الحصص الموجودة من الطبيعي بحكمه عند شرط كذا يدلّ بمفهومه على انتفاء هذا الحكم عن غير هذه الحصص من سائر حصص الطبيعة الموجودة و لا ريب في أنّ هذا مفهوم مستفاد من تعليق الحكم على حصّة من الطبيعة عند شرط كذا.

فتحصّل ممّا تقدّم أنّ الموضوع هو النبأ لا نبأ الفاسق لأنّ قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا في قوة أن يقال إنّ النبأ إن جاء الفاسق به يجب التبيّن فيه فإنّه لا فرق بين العبارتين أصلا و لا إشكال في المفهوم بناء على ثبوت المفهوم للقضايا الشّرطية و حجّيّته.

و دعوى عدم دلالة الآية على المفهوم من جهة أنّ النبأ لم يفرض في الآية موضوعا في المرتبة السابقة على تحقّق الشرطية و التعليق بل قد افترض مجموع مفاد الجملة الشرطية بافتراض واحد و من هنا لا يكون لها مفهوم.

270

مندفعة بأنّ العرف بمناسبة الحكم و الموضوع و كلّية القضايا الشرعية و عدم اختصاصها بالموارد الخاصّة يفهم أنّ الموضوع في مثل الآية الكريمة مقدّم رتبة على تحقّق الشرط كما مرّ أنّ العرف يستفيدون من قولهم إذا جاءكم المؤمن بسلام فأجبه أنّ الموضوع هو السّلام و مقدّم على الشرطية و لذا يفهمون منه المفهوم فكذلك في المقام هذا غاية ما يمكن أن يقال لو قيل في إثبات دلالة الآية الكريمة بمفهوم الشرط على حجّيّة خبر العادل فافهم.

الوجه الثّاني: [الاستدلال بمفهوم الوصف‏]

الاستدلال بمفهوم الوصف في الآية الكريمة و هو أنّ وجوب التبيّن معلّق على خبر الفاسق و عليه فذكر الفاسق يدلّ على دخالته في ثبوت حرمة العمل بدون التبيّن و المفهوم منه بمقتضى التعليق على الوصف أنّ العمل بخبر غير الفاسق لا يعتبر فيه التبيّن فلا يجب التبيّن عن خبر غير الفاسق و معنى ذلك هو حجّيّة خبر العادل.

و فيه أنّ التقريب المذكور فرع دلالة الوصف على المفهوم و هو ممنوع فإنّ دلالة الوصف على مدخليته في الحكم بنحو من الأنحاء و إن لم يكن لإنكارها سبيل و لكن لا دلالة له في دخالته في أصل الحكم و لا طريق إلى استظهار أنّه دخيل في أصل الحكم أو مرتبة من مراتبه.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الترديد في الأحكام التكليفيّة التي تكون ذا مراتب كالوجوب و الاستحباب و الحرمة و الكراهيّة و أمّا إذا كان الحكم من الأحكام الوضعيّة كالحجّيّة ممّا ليس لها مراتب فدخالة الوصف تكون حينئذ في أصل الحكم و مقتضاه هو دلالته على المفهوم.

و لكن ذلك لا يخلو عن المناقشة و هو أنّ دلالة الوصف على المفهوم منوطة باستفادة كون الوصف علّة منحصرة فمع عدم إحراز ذلك لا دلالة على المفهوم و لا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم ذا مراتب أو لا يكون.

مانعية التّعليل عن انعقاد المفهوم‏

لا يذهب عليك أنّه لو تمّ ما ذكر من دلالة الكريمة على المفهوم لا يخلو الاستدلال بها عن‏

271

إشكال آخر و هو أنّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن في كلّ خبر لا يؤمن عن الوقوع في النّدم من العمل به و إن كان المخبر عادلا و عليه فيكون التعليل معارضا مع المفهوم الدالّ على عدم لزوم التبيّن في خبر العادل و الترجيح مع ظهور التعليل.

و اجيب عنه أوّلا: بأنّ المفهوم أخصّ مطلق من عموم التعليل لأنّ الخبر المفيد للعلم خارج عن المفهوم و المنطوق و عليه يكون المفهوم منحصرا في الخبر المفيد لغير العلم من العادل و هو أخصّ من عموم التعليل الدالّ على وجوب التبيّن في الخبر مطلقا سواء كان عن عادل أو غير عادل و لو قدّم التعليل على مفهوم الشرط و حمل المفهوم على الخبر المفيد للعلم من العادل لزم لغويّة الشرط هذا مضافا إلى أنّ خبر العادل المفيد للعلم ليس محل الكلام و لزوم العمل به مفروغ عنه.

بل يمكن أن يقال لا منافاة و لا معارضة بين المفهوم و التعليل لأنّ التعليل يدلّ على المنع عن العمل بما يكون في معرض النّدامة و هو ما ليس بحجّة و من المعلوم أنّه لا ينافي الأخذ بالحجّة فإنّه ليس في معرض النّدامة و المفهوم يدلّ على حجّيّة خبر العادل و التعليل يدلّ على المنع عن العمل بغير الحجّة فمورد المفهوم خارج عن مورد التعليل خروجا تخصّصيّا كما لا يخفى.

و دعوى أنّ دلالة الشرطيّة على المفهوم مبتنية على ظهور الشرط في القضيّة في كونه علّة منحصرة بحيث ينتفي الحكم بانتفائه و أمّا إذا صرّح المتكلّم بالعلّة الحقيقيّة و كان التّعليل أعمّ من الشّرط أو كان غير الشرط فلا معنى لاستفادة العلّية فضلا عن انحصارها مثلا إذا قال قائل إن جاءك زيد فأكرمه ثمّ صرّح بأنّ العلّة إنّما هو علمه فنستكشف منه أنّ المجي‏ء ليس بعلّة و لا جزء منها.

مندفعة بما عرفت من عدم المنافاة بين التعليل و الشرط المذكور فإنّ مقتضاه هو أنّ التّعليل مؤكّد للشرط المذكور فإنّ العرضيّة للندامة من ناحية عدم الحجّيّة منحصرة في الشرط المذكور و هو نبأ الفاسق فليس التعليل مفيدا لأمر هو أعمّ من الشرط أو لأمر مغاير

272

للشرط المذكور حتّى ينافي علّيّة الشرط أو انحصارها و قياس الآية الكريمة بمثل قوله إن جاءك زيد فأكرمه ثمّ التصريح بأنّ العلّة إنّما هو علمه في غير محلّه. فإنّ مجي‏ء زيد غير العلم بخلاف المقام فإنّ نبأ الفاسق في قوله تعالى إن جاءكم فاسق بنبإ يشير إلى أنّ العلّة هو عدم إفادة خبر الفاسق العلم بمعنى الحجّة و هو غير مناف لما أفاده التعليل من أنّ الإقدام على ما ليس بحجة يكون في معرض الندامة بل هما متوافقان.

و لعلّ منشأ توهّم المنافاة بين المفهوم و التّعليل هو حمل الجهالة في قوله تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ على عدم العلم بالواقع بقرينة كون الجهالة مقابلة للتبيّن و هو بمعنى تحصيل العلم و إحراز الواقع و معلوم أنّ الجهالة بهذا المعنى مشترك بين خبري العادل و الفاسق و هو يوجب تعميم علّة التبيّن و يحصل المنافاة مع انحصار علّة التبيّن في خبر الفاسق فلا ينعقد ظهور المفهوم و لكن المنافاة فيما إذا اريد من الجهالة خصوص عدم العلم بالواقع و من التبيّن خصوص تحصيل العلم و إحراز الواقع و أمّا إذا قلنا إنّ المرتكز في الإخبارات و الإنباءات هو الاكتفاء بالحجّة فالتبيّن هو التفحّص عن حجّيّة الخبر و الجهالة في مقابلها و هو عدم التفحّص و الإقدام مع عدم إحراز الحجّة و من المعلوم أنّ الجهالة بهذا المعنى ليست مشتركة بين خبري العادل و الفاسق فلا منافاة مع التعليل و انحصار علّة التبيّن في خبر الفاسق.

و اجيب ثانيا: عن مانعيّة التعليل للمفهوم بحمل الجهالة على السفاهة و فعل ما لا يجوز فعله عند العقلاء مستشهدا بقوله عزّ و جلّ: فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ فإنّ النّدامة لا تكون إلّا على فعل سفهي لا يكون على طريقة العقلاء فلا يعمّ التعليل المذكور لمثل الاعتماد على خبر العادل.

اورد عليه أوّلا: بأنّ حمل الجهالة على السفاهة خلاف الظاهر من لفظ الجهالة.

و ثانيا: أنّ قوله تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ يساعد مع كون الجهالة بمعنى عدم الحجّة فإنّ العمل بالحجّة ممّا لا تترتّب عليه الندامة بخلاف العلم بما ليس بحجّة فلا

273

منافاة بين التّعليل و المفهوم من الآية و لا حاجة إلى حمل الجهالة على السّفاهة.

و اجيب ثالثا: عن مانعية التعليل مع المفهوم بأنّ المفهوم حاكم على التعليل فإنّه يحكم في خبر العادل بأنّه محرز و كاشف عن الواقع و علم في عالم التشريع فيخرج خبر العادل عن عموم التّعليل تعبّدا و لا يمكن أن يعارضه أصلا لكي يوجب عدم انعقاده.

اورد عليه بأنّ حكومة سائر الأدلّة على هذا التّعليل المشترك وجيهة و أمّا حكومة المفهوم المعلّل منطوقه بنحو يمنع عن اقتضاء المفهوم المثبت لحجّيّة خبر العادل حتّى يرتفع به الجهالة تنزيلا فهو دور واضح.

و ذلك لأنّ حكومة المفهوم متفرّعة على عدم شمول التعليل للمفهوم و المفروض أنّ عدم شمول التّعليل متوقّف على حكومة المفهوم و هو دور هذا مع الفحص عمّا في دعوى دلالة أدلّة الاعتبار على أنّ خبر العادل علم تشريعا.

و اجيب رابعا: عن مانعية التّعليل بأنّ خبر غير الفاسق الذي تدلّ الآية على حجّيّته حجّة، و طريق عند العقلاء أيضا و العقلاء يعبّرون عن جميع الطرق المعتبرة عندهم بالعلم سواء في ذلك الظّواهر و خبر الثّقات و غيرهما و يرون مفهوم العلم عاما للقطع الذي لا يحتمل الخلاف و لموارد قيام الطرق المعتبرة و إذا اعتبروا شيئا طريقا يرون قيام هذا الطريق على شي‏ء وصولا إلى الواقع لا بمعنى تنزيل شي‏ء منزلة آخر بل بمعنى واقع الوصول كما في القطع حرفا بحرف.

و حينئذ فالآية المباركة إذا القيت إليهم فهموا منها بمقتضى الشّرطية المذيلة بالتّعليل المذكور أنّ النبأ إذا لم يأت به الفاسق بل غير الفاسق فهو طريق موصل إلى الواقع ليعمل به من دون حاجة إلى التبيّن و لا يتصوّر فيه إصابة القوم بجهالة للوصول إلى الواقع فهو خارج عن مورد التعليل و يكون المفهوم بلا معارض.

يمكن أن يقال إنّ قطعيّة أدلّة الاعتبار لا توجب كون المعتبر داخلا في العلم و القطع و إن اطلق عليه العلم بمعنى الحجّة إذ احتمال الخلاف ليس موهونا في جميع موارد الظّواهر أخبار الثّقات.

274

و مع وجود احتمال الخلاف وجدانا كيف يقال إنّ هذه الطرق وصول واقعي فالصحيح في الجواب عن المانعية هو ما مرّ من أنّ التعليل لا يدلّ على عدم جواز الإقدام بغير العلم مطلقا بل مفاده هو ذلك فيما إذا كان الإقدام في معرض حصول النّدامة و احتمال ذلك منحصر فيما لم يكن الإقدام حجّة.

و عليه فالآية الكريمة بمفهومها تدلّ على حجّيّة خبر العادل و بتعليلها يدلّ على عدم جواز العمل بغير الحجّة فلا منافاة بين مفهومها و تعليلها.

و منها قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏.

و تقريبها بوجوه.

الوجه الأوّل:

أنّ سياق الآية يدلّ على مطلوبيّة الإنذار و الحذر و وجوبهما لظهور كلمة لو لا في التحضيض و لا حاجة في إثبات ذلك إلى بيان مفاد كلمة لعلهم و أنّ المراد منها هو مطلوبيّة مدخولها.

و بالجملة ظاهر صدر الآية أنّ ما أمر بالنّفر إليه بمثابة من الأهميّة بحيث لو لا لزوم مثل اختلال النّظام و نحوه لوجب على الجميع النفر إليه و لكن لزوم هذه الأمور منع من ايجاب النّفر على الجميع فعلى هذا لم لا يكون النفر لازما لبعضهم حتّى يرشدوا أنفسهم و غيرهم بسبب اطلاعهم على الدّين.

الوجه الثاني:

أنّ كلمة لعلّ بعد انسلاخها عن معنى الترجّي الحقيقي لعدم إمكانه في حقّه تعالى تدلّ على محبوبيّة التحذّر عند الإنذار فإذا ثبتت محبوبيّة التحذر ثبت وجوبه شرعا إذ لا معنى لندب التحذّر عن العقاب الأخروي مع قيام المقتضي للعقوبة إذ مع عدم المقتضي لها لا مطلوبيّة و لا حسن للتحذّر لعدم الموضوع له و المفروض ثبوت المطلوبيّة.

275

أورد عليه أوّلا: بأنّ التحذر يمكن أن يكون لرجاء إدراك الواقع و عدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة و التحذّر حينئذ حسن و ليس بواجب ما دام لم يقم حجّة على التّكليف.

و اجيب عنه بأنّ الإنذار و التحذّر بملاحظة ترتّب العقوبة أنسب من أن يكون بملاحظة المصالح و المفاسد إذا المتعارف في مقام الإنذار هو الحثّ على العمل بالاحكام بذكر ما يترتب على الفعل أو الترك من العقوبات الاخرويّة لا المصالح و المفاسد هذا مضافا إلى أنّ الإنذار لعموم النّاس لا للخواصّ و أرباب العقول حتّى يصحّ الإنذار باعتبار المصالح و المفاسد و عامّة النّاس لا يتوجّهون إلى المصالح و المفاسد المكنونة في الأحكام لأنّها من الامور الخفيّة الّتي لا يطّلعون عليها و لو بنحو الإجمال.

اورد عليه ثانيا: بأنا لو سلّمنا دلالة كلمة «لعلّ» على المطلوبيّة فالحذر المطلوب إن كان هو الحذر من العقاب المساوق مع وجوب التحذّر بلحاظه فهذا الفرض يساوق عرفا كون الإنذار بلحاظ العقاب أيضا لأنّ ظاهر الآية أنّ الحذر من نفس الشي‏ء المخوف المنذر به و هو يعني أنّ الإنذار فرض في طول العقاب و المنجّزيّة و مثله يكشف عن الحجّيّة.

و إن كان المراد الحذر من المخالفة للحكم الواقعي بعنوانها فمطلوبيّة هذا الحذر لا يلزم منها وجوبه لإمكان أن يكون مستحبا.

يمكن أن يقال إنّ التحذّر باعتبار العقاب لا باعتبار المخالفة للحكم الواقعي و المصالح و المفاسد و لكن منجّزيّة الإمارة أعني قول العادل كمنجّزيّة العلم فكما أنّ العلم بالحكم يوجب التنجّز بنفس العلم و يكون حجّة على الحكم فكذلك إخبار العادل بالوجوب أو الحرمة و ترتّب العقاب يوجب التنجّز لغير المخبر بنفس الإخبار و إن كان الحكم منجّزا على نفس المخبر قبل إخباره بسبب العلم به سابقا فلا منافاة بين أن يكون الحكم منجّزا على المخبر قبل إخباره و لا يكون منجّزا على السّامع قبل إخباره و يصير منجّزا عليه بنفس الإخبار و عليه فحيث إنّ المنجّزيّة بالنّسبة إلى السّامع تحصل بنفس الإخبار يكشف ذلك عن كون‏

276

إخبار العادل حجّة على السامع و بالإخبار يحصل التنجّز و الإنذار معا و المحال هو تنجّز الحكم بنفس الإنذار بالنّسبة إلى المخبر لا السّامع فلا تغفل.

الوجه الثّالث:

أنّ التحذّر غاية للإنذار الواجب لكونه غاية للنّفر الواجب كما تشهد له كلمة «لو لا» التحضيضيّة.

و عليه فإذا أوجب الإنذار وجب التحذّر إذ الغاية المترتّبة على فعل الواجب ممّا لا يرضى الآمر بانتفائه سواء كان من الأفعال المتعلّقة للتكليف أم لا كما في قولك توضّأ لتصلّي.

اورد عليه في الكفاية بعدم انحصار فائدة الإنذار بالتحذّر تعبّدا لعدم إطلاق يقتضي وجوبه على الإطلاق ضرورة أنّ الآية مسوقة لبيان وجوب النّفر لا لبيان غائية التحذّر و لعلّ وجوبه كان مشروطا بما إذا أفاد العلم و عليه فالآية تدلّ على وجوب التحذّر عند إحراز أنّ الإنذار بمعالم الدّين.

و يمكن الجواب عنه بأنّ التحذّر و إن لم يكن له في نفسه إطلاق نظرا إلى أنّ الآية غير مسوقة لبيان غائيّة الحذر بل لا يجاب النّفر إلّا أنّ إطلاقه يستكشف بإطلاق وجوب الإنذار ضرورة أنّ الإنذار واجب مطلقا من كلّ متفقه سواء أفاد إنذاره العلم للمنذر أم لا و حينئذ فلو كانت الفائدة منحصرة في التحذّر كان التحذّر واجبا مطلقا و إلّا لزم اللغويّة أحيانا.

و دعوى أنّ الفائدة غير منحصرة في التحذّر بل لإفشاء الحقّ و ظهوره بكثرة إنذار المنذرين فالغاية حينئذ تلازم العلم بما أنذروا به.

مندفعة بأنّ ظاهر الآية أنّ الغاية المترتّبة على الإنذار و الفائدة المترقّبة منه هي التحذّر لا إفشاء الحق و ظهوره.

فالمراد من الآية الكريمة و اللّه العالم لعلّهم يحذرون بالإنذار لا بإفشاء الحق بالإنذار كما أنّ ظاهرها هو التحذّر بما انذروا لا بالعلم بما انذروا به.

277

بل نفس وجوب الإنذار كاشف عن أنّ الإخبار بالعقاب المجهول إنذار و لا يكون ذلك إلّا إذا كان الإخبار بالعقاب حجّة و إلّا فالإخبار المحض لا يحدث للخوف و لو اقتضاء حتّى يكون مصداقا للانذار حتّى يجب شرعا و ممّا ذكر يظهر ما في كلام بعض أساتيذنا من أنّه لم يتبيّن أنّ الغاية هو التحذّر حتّى يتمسّك بإطلاقه لإثبات المطلوب لاحتمال أن يكون احتمال الحذر غاية حتّى يحصل العلم و ذلك لما عرفت من أنّ ترتّب التحذّر على نفس الإنذار لا يبقى مجالا لتقدير العلم و الإفشاء كما لا يخفى.

لا يقال احتمال وجود المانع في إيجاب الغاية على الغير يمنع عن الجزم بوجوب الغاية و هي التحذّر.

لأنّا نقول إنّ هذا الاحتمال غير سديد لوهنه بعد كون التحذّر مقصدا لوجوب ذي الغاية و عدم وجود مانع معقول فيه.

و دعوى أنّ هذه الآية مربوطة بباب الجهاد من جهة السّياق فإنّ سورة البراءة مرتبطة بالمشركين و الجهاد معهم و من المعلوم أن النّفر إلى الجهاد ليس للتّفقه و الإنذار نعم ربّما يترتّبان عليه بعنوان الفائدة كما إذا شاهد المجاهدون في سفر الجهاد آيات اللّه و ظهور أوليائه و غلبتهم على الكفّار بها للفرقة المتخلّفة الباقية في المدينة المنوّرة و عليه فالإنذار ليس غاية للنّفر الواجب حتّى تجب الغاية بوجوب ذيها و هو النفر بل الإنذار من قبيل الفائدة المترتّبة على النّفر إلى الجهاد أحيانا

مندفعة بأنه لا دليل على أنّ النفر للجهاد و مجرّد ذكر الآية المباركة في آيات الجهاد لا يدلّ على ذلك بل الظاهر من عنوان التّفقه و الإنذار مضافا إلى بعض الرّوايات هو كون النّفر ليس للجهاد.

و القول بأنّ النفر مختصّ بالجهاد و لكن أمر في الآية أيضا بتخلّف جمع ليتفقّهوا و ينذروا النّافرين عند رجوعهم عن الجهاد.

خلاف الظاهر فإنّ الضمير في قوله‏ «لِيَتَفَقَّهُوا» راجع إلى النافرين لا إلى الفرقة الباقية

278

فانحصر الأمر في اختصاص الآية المباركة بالنفر للتفقّه و المعنى أنّ المؤمنين ليسوا بأجمعهم أهلا للنّفر فلو لا نفر من كلّ فرقة و قبيلة منهم طائفة و المستفاد من ذلك أنّ المقتضي لنفر الجميع موجود بحيث لو لم يكن مانع عنه لأمروا جميعا بالنّفر و التّفقه و لكنّهم ليسوا أهلا لذلك لاختلال نظامهم و تفرّق أمر معاشهم و حينئذ فلم لا يجعلون الاحتياج إلى المطالب الدينيّة في عرض سائر احتياجاتهم فيوجّهون طائفة منهم إلى تحصيلها كما يتوجّه كلّ طائفة منهم إلى جهة من الجهات الاخرى المربوطة بأمر المعاش كالزراعة و التجارة و نحوهما فسياق الآية ينادي بأعلى صوته إلى مطلوبية الإنذار و الحذر و وجوبهما و هذا هو الظاهر من الآية و تشهد له أخبار كثيرة حيث استشهد الأئمّة (عليهم السّلام) بالآية لوجوب النفر للتفقّه و التعليم و التعلّم.

إن قلت: إنّ مقتضى ما ذكر هو اختصاص الآية بالنّفر للتفقّه و الإنذار المحقّق بقول العادل و إن لم يوجب اليقين و العلم و هذا لا يتناسب مع الرّوايات الواردة في استشهاد الإمام بالآية الكريمة على وجوب معرفة الإمام لأنّ الإمامة ممّا لا تثبت إلّا بالعلم و عليه فالاستناد بالآية لحجّيّة الدّليل الدّيني لا يفيد العلم كالخبر الواحد كما ترى.

قلت: لا مانع من شمول إطلاق التفقّه و الإنذار للمعرفة بالحقائق الاعتقادية و الإنذار بها أيضا لأنّ هذا الاعتقاد أيضا تفقّه و يكفي ذلك في وجوب الإنذار و هو يكفي في وجوب التحذّر من مخالفة هذا الاعتقاد و إن لم يحصل للمخاطب بنفس الإنذار قطع فإنّ التحذّر في الفقه بالعمل و هو محقّق بنفس إنذار عدل واحد و التحذّر في الاعتقادات بالاعتقاد و حصوله يحتاج إلى تكرار الإنذار و الاستماع حتّى يحصل العلم. و بالجملة يختلف التحذّر باختلاف موارد الإنذار و إطلاق الآية يعمّ جميع الموارد و تطبيق الآية على التّفقّه في الأحكام و التّفقّه في المعارف ممّا يشهد على إطلاقها كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الإنذار إمّا مطابقي و إمّا ضمني و كلاهما مشمولان للآية الكريمة و عليه فكلّ رواية تدلّ على حكم من الأحكام الإلزاميّة تدلّ بالدّلالة الضّمنيّة على العقاب و أمّا الأخبار التي‏

279

لا إنذار فيها لكون الحكم المذكور فيها غير إلزامي فهي مشمولة للآية الكريمة بعدم القول بالفصل في حجّيّة الأخبار.

و دعوى أنّ المأخوذ في الآية هو عنوان التفقّه و عليه فلا تشمل الآية فيما أنذر الرّاوي بعنوان أنّه أحد من الرّواة فتختصّ الآية بحجّيّة فتوى الفقيه للعامي و لا دلالة لها على حجّيّة خبر العامي مع أنّ الكلام فيها.

مندفعة بأنّ المراد منه من عنوان التفقّه في المقام ليس هو عنوان التفقّه الاصطلاحي بل المراد منه هو التفقه بمعناه اللغوي و هو الفهم و العلم و هو معلوم الحصول باستماع الرّوايات مع المعرفة بمفادها و إن كانت المعرفة مشكّكة و تختلف الرّواة فيها بحسب اختلاف استعداداتهم فإذا كان إخبار العادل في المنذرات حجّة يتعدّى منها إلى غيرها بإلغاء الخصوصيّة.

لا يقال إنّ الآية تكون في مقام النّهي عن النّفر العام كما يشهد له صدر الآية أعني قوله تعالى: وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً لا إيجاب النّفر للبعض حتّى يترتّب عليه وجوب التّحذر فالحثّ على لزوم التنجّزيّة و عدم النّفر العام لا على نفر طائفة من كل فرقة للتفقّه.

لأنّا نقول إنّ هذا المعنى أي النّهي عن النّفر العامّ للجهاد متفرّع على أنّ الآية واردة في النّفر للجهاد و قد عرفت أنّه لا معين لذلك و مجرّد كون السورة و الآيات السابقة و اللاحقة مرتبطة بالجهاد لا يكفي في تعيين هذا المعنى بل لعلّ وجه ذكر هذه الآية في هذا الموضع هو تنبيه المسلمين بلزوم تعلّم أحكام الجهاد.

و ليس في المقام رواية صحيحة تدلّ على أنّ النفر للجهاد بل الشواهد الدّاخلية في نفس الآية لا تساعد ذلك إذ الضمير في قوله ليتفقّهوا يرجع إلى النّافرين المذكورين في الصّدر فهو شاهد على أنّ المراد من الصّدر هو النّفر للتّفقّه هذا مضافا إلى أنّ لازم ذلك هو أن يكون المراد من قوله عزّ و جلّ بعد الصّدر فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ هو النّفر للجهاد

280

لا للتّفقّه و مقتضاه هو رجوع الضّمير في قوله ليتفقّهوا و لينذروا قومهم إلى الفرقة الباقية في المدينة مع النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فيدلّ على وجوب تعلّم الفقه و الأحكام عليهم على وجوب إنذارهم النّافرين بعد رجوعهم ببيان ما تعلّموا من النبي (صلى اللّه عليه و آله) في غيابهم و هو خلاف الظّاهر فإنّ الطائفة أقرب بالضمير من الفرقة و مقتضاة هو رجوع الضّمير إلى الطائفة النّافرة للتفقّه كما أنّ ارجاع الضمير إلى الفرقة النّافرة للجهاد و إرادة الشهود من التّفقّه بالنّسبة إلى ما رأوه في سفر الجهاد من الغلبة و النصرة و بعض التعليمات النازلة حال الحرب خلاف ظاهر إطلاق التّفقّه في الدين فإنّه أنسب بالرجوع إلى الفرقة النّافرة للتّفقه و التّفقه المطلقة لا يحصل بتمامه و كماله في النفر للجهاد و إن لم يخل النفر للجهاد عن تعلّم بعض الأحكام كما لا يخفى.

فتحصل أنّ النّفر واجب للتّعلم و التفقّه و صدر الآية الكريمة إخبار عن عدم تمكّن جميع المؤمنين من النّفر للتفقّه فمع عدم تمكّنهم للنفر المذكور أوجبه اللّه سبحانه و تعالى على كلّ طائفة من كلّ فرقة بنحو الوجوب الكفائي ليتفقّهوا و لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم و تحذّر قومهم بمجرّد إنذارهم من دون توقّف على شي‏ء آخر من العلم و هذا مساوق لحجّيّة قول المنذر.

لا يقال: إنّه لو كان مفاد الآية وجوب الحذر عند الشكّ لا يكون دليلا على حجّيّة قول المنذر لأنّ الحذر واجب في الشّبهة قبل الفحص بحكم العقل فقول المنذر إنّما ينتج في إبداء الاحتمال و بمجرّد ذلك يجب على المكلّف إمّا الاحتياط أو تعلّم الحكم و بعبارة اخرى كلّ من الخوف و الحذر العملي واجب عند الشكّ قبل الفحص و لو لم يكن قول المنذر حجّة شرعا كما دلّ عليه أخبار عديدة مذكورة في محالها.

لأنّا نقول إنّ الإشكال المذكور جار في كلّ أمارة فإنّ الاجتناب عن فعل محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب قبل الفحص واجب و مع ذلك أفادت أدلّة الاعتبار حجّيّة الأمارات و خاصية الأمارات تظهر بعد الفحص فإنّها إذا دلّت على حرمة شي‏ء أو وجوب شي‏ء

281

وجب اتّباعها و لو بعد الفحص فلا يكون اعتبارها لغوا إذ بعد الفحص لا يحكم العقل بوجوب الاحتياط و مفاد الأمارات هو وجوب الاتّباع عنها و أمّا دعوى أنّ ظاهر الآيات مدخليّة كون النافرين جماعة في وجوب النفر و وجوب الإنذار و الحذر و حيث يحتمل دخالة تلك الخصوصية في الحكم واقعا للمناسبة المذكورة لا يمكن رفع اليد عنه فلا طريق حينئذ إلى استظهار كون الجمع ملحوظا بنحو الاستغراق و على هذا كانت الآية أجنبية عن المدعى و لا ترتبط بإثبات حجّيّة قول المنذر عند الشكّ في قوله هل هو حكم اللّه الواقعي أو لا بل إنّما كان مفادها وجوب نفر جماعة ليتعلّموا أحكام اللّه الواقعيّة فينذروا قومهم بها لعلّهم يحذرون من عقاب مخالفة تلك الأحكام أو يحذرون عملا بإتيان واجب الدين و ترك محرمه و أين ذلك بما نحن بصدده فهي محل نظر لأنّ لازم اعتبار الجماعة هو عدم وجوب الإنذار إذا نفر جماعة و تفقّهوا ثمّ عرض لهم الموت و بقي واحد منهم و هو ممّا لا يلتزم به أحد هذا مضافا إلى أنّ مقام التعلّم و الإنذار قرينة على أنّ المراد من كلّ طائفة هو الاستغراق لا المجموع و الجماعة إذ التعلّم و التعليم و الإنذار لا يتقيّدان بالجميع و الجماعة كما لا يخفى.

و منها- أي من الآيات التي استدلّ بها لحجّيّة المخبر آية الكتمان و هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ‏.

بتقريب أنّ حرمة الكتمان تستلزم وجوب القبول عند الإظهار و إلّا لزم لغويّة تحريم الكتمان و وجوب الإظهار.

اورد عليه أوّلا: بأنّ موردها ما كان فيه مقتضى القبول لو لا الكتمان لقوله عزّ و جلّ:

مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ‏ فالكتمان حرام في قبال الواضح و الظّاهر على حاله كما يشهد له سوق الآية المباركة فإنّه في اصول الدين و العقائد ردّا على أهل الكتاب حيث أخفوا شواهد النّبوّة و البيّنات لا في قبال الإظهار و الملازمة المذكورة بين حرمة الكتمان و وجوب القبول عند الإظهار لا مورد لها في المقام إذ لا إظهار فيه نعم تجدي الملازمة المذكورة

282

في مثل قوله تبارك و تعالى: وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَ‏ فإنّ الإظهار فيه متصوّر فمورد الآية أجنبية عن المقام.

و ثانيا: بأنّ الآية الكريمة لا تتعرّض لبيان حرمة الكتمان حتّى يؤخذ بإطلاقها لأنّها في مقام بيان ترتّب بعض آثار الكتمان من اللعنة.

و منها- بأنّ من الآيات التي استدلّ بحجّيّة الخبر- قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ.

بدعوى أنّ وجوب السّؤال يستلزم وجوب القبول و إلّا لكان وجوب السّؤال لغوا و إذا وجب قبول الجواب وجب قبول كلّ ما يصحّ أن يسأل عنه و يقع جوابا له لعدم مدخليّة المسبوقيّة بالسؤال فكما أنّ جواب الرّاوي حين السّؤال واجب القبول فكذلك قوله ابتداء بأنّي سمعت الامام يقول كذا واجب القبول و الاتّباع.

أورد عليه أوّلا: بأنّ المراد من أهل الذّكر بمقتضى السياق علماء أهل الكتاب و عليه فالآية أجنبية عن حجّيّة الخبر.

اجيب عنه بأنّ العبرة بعموم الوارد لا خصوصية المورد و تطبيق أهل الذكر على علماء أهل الكتاب من باب تطبيق الكلّي على بعض مصاديقه و ليس من باب استعمال الكلّي في الفرد و عليه فلا منافاة بين كون المورد علماء أهل الكتاب و عدم اختصاص الوارد به.

و يشهد للكلّيّة المذكورة تطبيق الآية الكريمة على الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام) كما أنّ الآية لا تختصّ بالأئمّة (عليهم السّلام) لمنافاته مع مورد الآية و هو علماء أهل الكتاب فليس ذلك إلّا لكلّية الوارد.

هذا مضافا إلى أنّه لو اختص الآية الكريمة بالسؤال عن أهل الكتاب لزم وجوب قبول قول أهل الكتاب دون غيره ممّن أقرّ بالشهادتين و هو ممنوع إذ لا يحتمل ذلك كما لا يخفى.

نعم يشكل الاستدلال بالآية الكريمة من ناحية أنّه لا أمر بالجواب في الآية حتّى يؤخذ بإطلاقه لصورة عدم إفادة العلم كما في إيجاب الإنذار و حرمة الكتمان و عليه فالمراد من‏

283

الآية هو إيجاب السّؤال إلى أن يحصل العلم بالجواب و لو بجواب جماعة و لا دلالة للآية على حصول العلم بالجواب الأوّل حتّى يكون ذلك علما تعبّدا.

و أمّا ما قيل من أنّ عنوان أهل الذّكر و العلم لا يطلق على الرّواة بما هم رواة مع أنّ لصدق هذا العنوان مدخلية في الحكم ففيه أنّ عنوان أهل الذكر و الاطّلاع من العناوين المشكّكة و يصدق على الرّواة أيضا باعتبار معرفتهم بالحلال و الحرام و لو من دون إعمال نظر و رأي فتحصّل أنّ الاستدلال بالآية الكريمة على وجوب التعبّد بقول العادل مشكل.

و أمّا الأخبار فبطوائف‏

الطّائفة الأولى:

هي الّتي وردت في الخبرين المتعارضين و دلّت على الأخذ بالأعدل و الأصدق و المشهور و التخيير عند التّساوي مثل مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصّادق (عليه السّلام) حيث قال الحكم ما حكم به أعلمهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال فقلت فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه قال فقال ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ... إلى أن قال فإن كان الخبران عنكم مشهوران قد رواهما الثّقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السّنة و خالف العامّة فيؤخذ به الحديث.

و موردها و إن كان في الحكمين إلّا أنّ ملاحظة جميع الرّواية تشهد على أنّ المراد بيان المرجح للروايتين اللتين استند إليهما الحاكمان.

ثمّ إنّ هذا الخبر باعتبار قوله خذ بأعدلهما ظاهر في اعتبار العدالة في التعبّد بالخبر اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ قوله في الذيل فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثّقات عنكم ...

إلخ يشهد على أنّ الملاك في حجّيّة الخبر هو نقل الثقات و الأعدلية ملاك ترجيح أحد المتعارضين على الآخر.

284

ثمّ إنّ مع التعارض لا وثوق بالصّدور و مع ذلك دلّت المقبولة على أنّ الخبر لا يكون بالتعارض ساقطا التعبّد بالخبر.

و إلّا فمع التّعارض لا يحصل الوثوق في الصّدور في الراجح بمجرّد الأفضلية في صفات الرّاوي أو المطابقة مع الكتاب أو المخالفة مع العامّة و مع عدم الوثوق بالصّدور لا بناء من العقلاء و إن كان النّاقل عدلا أو ثقة بل يحكمون بالتّساقط.

و نحو هذه الرواية مرفوعة زرارة قال يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيّهما نأخذ؟ قال (عليه السّلام) يا زرارة خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشّاذ النّادر قلت يا سيّدي إنّهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال خذ بأعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك فقلت إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان فقال (عليه السّلام) انظر ما وافق منهما مذهب العامّة فاتركه و خذ بما خالفهم قلت ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين كيف أصنع؟ فقال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط فقلت إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف أصنع؟ فقال (عليه السّلام) إذن فتخيّر أحدهما فتأخذ به و تدع الآخر.

فإنّها مثل المقبولة في الدّلالة على أنّ الخبر لا يكون ساقطا عند التّعارض بل يقدّم الراجح من حيث الصفات و ساير المرجّحات و مع عدم الرجحان فالحكم هو التخيير و قد عرفت أنّ هذا هو حجّيّة تعبّديّة و ليس من باب بناء العقلاء.

اورد عليه بأنّه لا إطلاق لهذه الطّائفة من الأخبار لأنّ السؤال عن الخبرين المتعارضين اللذين فرض السّائل كلّ واحد منهما حجّة يتعيّن العمل به لو لا التّعارض و لا نظر للسّائل بالنّسبة إلى اعتبار خبر كلّ عدل أو ثقة بل نظره إلى حجّيّة الخبر في حال التّعارض.

و يمكن الجواب عنه بأنّ هذه الأخبار ظاهرة الدّلالة على مفروغيّة حجّيّة خبر الواحد في نفسه عند عدم ابتلائه بالمعارض و إلّا لما سألوا عن صورة تعارضها لأنّ هذا السؤال مناسب مع حجّيّة الخبر في نفسه و إنّما أشكل الأمر من جهة المعارضة فسألوا عن حكمهما عند التّعارض.

285

و دعوى أنّ التّعارض كما يوجد في الخبرين غير المقطوعين كذلك ربّما يوجد في المتواترين أو المحفوفين بما يوجب القطع بصدورهما و عليه فصرف بيان العلاج لا يدلّ على حجّيّة الخبر الذي لم يقطع بصدوره.

مندفعة بأنّ وقوع المعارضة بين مقطوعي الصّدور بعيد جدّا هذا مضافا إلى أنّ الظّاهر من مثل قوله (يأتي عنكم خبران متعارضان) كون السّؤال عن مشكوكي الصّدور فإذا لم يكن المراد من الأخبار العلاجية مقطوعي الصّدور تكشف الأخبار العلاجية عن مفروغيّة حجّيّة خبر العادل عند عدم المعارضة.

نعم يشكل التمسّك بهذه الأخبار لحجّيّة خبر الثّقة بعد اعتبار الأعدليّة فإنّ المستفاد منه أنّ المعتبر في حجّيّة الخبر هو كون الرّاوي عدلا حتّى يجعل الأعدليّة مرجّحة بينهما.

اللّهمّ إلّا أن يقال: يكفي قوله في المقبولة «فإن كان الخبران عنكم مشهوران قد رواهما الثّقات عنكم ... الحديث» للدّلالة على أنّ المعتبر هو كون الرّاوي ثقة و البحث في هذا المقام مع قطع النظر عن سائر الأخبار الدالّة على حجّيّة خبر الثّقة.

الطّائفة الثّانية:

هي التي تدلّ على إرجاع آحاد الرّواة إلى أشخاص معينين من ثقات الرّواة مثل قوله (عليه السّلام): إذا أردت الحديث فعليك بهذا الجالس مشيرا إلى زرارة و لكن هذه الرّواية لا تصلح للاستدلال لاحتمال أن يكون المعتبر هو العدالة و أرجع الرّاوي إليه لكونه عدلا.

و قوله (عليه السّلام): نعم في موثقة الحسن بن علي بن يقطين بعد ما قال الرّاوي أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة نأخذ معالم ديننا عنه.

فإنّ الظّاهر منه أنّ قبول قول الثّقة مفروغ عنه بين السّائل و المسئول عنه و إنّما الرّاوي سئل عن كون يونس ثقة ليترتّب عليه آثار ذلك و عدمه.

و قوله (عليه السّلام) في صحيحة أحمد بن اسحاق «العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي و ما قال لك عنّي فعنّي يقول فاسمع له و أطع فإنّه الثّقة المأمون».

286

إذ مقتضى التّعليل أنّ المعيار هو كون الرّاوي ثقة و مأمونا لأنّ المراد بالثّقة هو الثّقة عند النّاس و لذا قال الشّيخ الأعظم بعد نقل الأخبار المذكورة و غيرها و هذه الطّائفة أيضا مشتركة مع الطّائفة الأولى في الدلالة على اعتبار خبر الثّقة المأمون.

اورد عليه بأنّ المراد من الثقات في هذه الإرجاعات هم الأشخاص الذين لا يكذبون لكونهم على مرتبة عظيمة من التّقوى و الجلالة حتّى وثق به الإمام (عليه السّلام) فهذه الأخبار لا تدلّ على حجّيّة خبر كلّ ثقة بل تدلّ على حجّيّة خبر ثقات أهل البيت و هم العدول.

و يمكن الجواب بأنّه نعم و لكن يكفي ما ورد في مثل يونس بعد سؤال الرّاوي عن كون يونس ثقة منه (عليه السّلام) نعم في موثّقة الحسن بن علي بن يقطين للدلالة على كفاية الوثوق عند النّاس.

و حمل الثّقة في هذه الرّواية على غير الصّدق المخبري و إرادة كونه مورد الاطمئنان لأخذ الآراء بقرينة أنّ يونس من الفقهاء بعيد و الظّاهر منه هو الثّقة عند النّاس و هو الصادق في إخباره بل لعلّه الظّاهر من التعليل الوارد في صحيحة أحمد بن إسحاق في مورد العمري و هو قوله فإنّ الثّقة المأمون.

الطّائفة الثّالثة:

هي الأخبار الدالّة على وجوب الرّجوع إلى الرّواة و الثّقات و العلماء على وجه يظهر منها عدم الفرق بين روايتهم و فتاويهم في وجوب الرّجوع إليهم و الأخذ منهم.

مثل قول الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) لإسحاق بن يعقوب: و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه.

بدعوى أنّ ظاهر الصدر و إن كان هو الاختصاص بالرّجوع إليهم في أخذ حكم الوقائع و فتاويهم و لكن عموم التّعليل بأنّهم حجتي يقتضي قبول رواياتهم أيضا لأنّ التعليل معمّم اللّهمّ إلّا أن يقال: جعل الحجّيّة للأخصّ و هو الرواة المجتهدون لا يدلّ على جعل الحجّيّة لمطلق الرّواة فهو أخصّ من المدّعى.

و مثل الرّواية المحكية في العدّة عن الصّادق (عليه السّلام) إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما

287

روى عنّا فانظروا إلى ما رووه عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به و اعتمد الشيخ عليها و صرّح باعتماد الأصحاب عليها.

دلّت هذه الرّواية على جواز أخذ روايات الثّقات و لو من العامّة فيما إذا لم يكن معارض لروايات الثّقات من العامّة في رواياتنا.

و مثل ما رواه في الاحتجاج عن تفسير الإمام العسكري (عليه السّلام) ... فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه و ذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشّيعة لا كلّهم.

فأمّا من ركب من القبائح و الفواحش مراكب علماء العامّة فلا تقبلوا منهما عنّا شيئا و لا كرامة و إنما كثر التخليط فيما يتحمّل عنها أهل البيت لذلك لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا فيحرّفونه بأسره لجهلهم و يضحون الأشياء على غير وجوهها لقلّة معرفتهم و آخرون يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم.

و المستفاد من مجموع الرّواية أنّ المناط في تصديق الرواة و الفقهاء هو التحرّز عن الفسق و الكذب و إن كان ظاهر بعض فقراته هو اعتبار العدالة بل ما في فوقها و لكن العبرة بالمستفاد من مجموع الرّواية و مثل ما عن أبي الحسن الثّالث (عليه السّلام) فيما كتبه جوابا عن سؤال أحمد بن حاتم بن ماهوية و أخيه عمّن آخذ معالم ديني؟

فهمت ما ذكرتما في دينكما على كل مسنّ في حبّنا و كل كثير القدم في أمرنا فإنّهما كافيكما إن شاء اللّه تعالى. و لكن عنوان مسنّ في حبّنا و كثير القدم في أمرنا غير عنوان الثّقة فلا يشمل ما إذا لم يكن الثّقة واجدا لهذا العنوان و مثل قوله (عليه السّلام) لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا فإنّك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين الذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا أماناتهم إنّهم استؤمنوا على كتاب اللّه فحرّفوه و بدّلوه ... الحديث.

و الظّاهر منه و إن كان هو الفتوى و لكن الإنصاف شموله للرواية و المراد هو المنع عن قبول روايات غير الثقات منهم جمعا بينه و بين ما أفاده الشّيخ الطوسي (قدّس سرّه) في العدّة و نقلناه آنفا.

288

و مثل ما عن الإمام العسكري (عليه السّلام) بالنّسبة إلى كتب بني فضال حيث قالوا ما نصنع بكتبهم و بيوتنا منها ملاء قال خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا.

فإنّ المستفاد منه هو جواز أخذ الرّواية منهم إذا كانوا من الثّقات.

و مثل قوله (عليه السّلام) حديث واحد في حلال و حرام تأخذوه من صادق «يأخذه صادق عن صادق» خير لك من الدنيا و ما فيها من ذهب و فضّة. بناء على أنّ المراد من الصّادق هو الصدق المخبري.

و مثل ما ورد في التوقيع لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه ثقاتنا قد عرفوا بأنّا نفاوضهم سرنا و نحمله إيّاه إليهم.

و لكنّه أخصّ من المدّعى لأنّ ثقاتنا أخصّ من عنوان الثّقة و لو عند النّاس هذا مضافا إلى توصيف الثّقة بكونها من أهل السّرّ.

الطّائفة الرّابعة:

هي الأخبار الدالّة على جواز العمل بخبر الواحد كالنّبوي المستفيض بل المتواتر من حفظ من أمتي أربعين حديثا ممّا يحتاجون إليه من أمر دينهم بعثه اللّه فقيها عالما.

بدعوى أنّ دلالة هذا الخبر على حجّيّة خبر الواحد لا يقصر عن دلالة آية النفر و لكنّه لا يخلو عن إشكال و هو أنّه لا ملازمة بين النّقل و القبول تعبّدا لاحتمال أن يكون القبول مشروطا بحصول العلم أو الاطمئنان أو اتّصاف الرّاوي بوصف العدالة.

و كقوله (عليه السّلام) اكتب و بثّ علمك في إخوانك فإن متّ فاورث (فورث) كتبك بنيك فإنّه يأتي على النّاس زمان حرج لا يأنسون (فيه) إلّا بكتبهم.

وجه الدلالة واضح فإنّ مورد التّوصية هو كتابة الواحد هذا مضافا إلى التعبير عنه بالبثّ بالعلم و أنّه إرث و موجب للأنس به و كلّ ذلك ينادي بحجّيّة خبر الواحد و كقوله (عليه السّلام) ستكثر بعدي القالة و إنّ من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار.

بدعوى أنّ بناء المسلمين لو كان على الاقتصار على المتواترات لم يكثر القالة و الكذابة إذ الاحتفاف بالقرينة القطعيّة في غاية القلّة.

289

و بالجملة يستفاد من مجموع هذه الأخبار القطع برضا الأئمّة (عليهم السّلام) بالعمل بالخبر الواحد و إن لم يفد القطع ثمّ إنّ هذه الأخبار كثيرة إلى حدّ ادّعى في الوسائل تواترها.

و لكن القدر المتيقّن منها هو خبر الثّقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتنى به العقلاء و يقبحون التوقّف فيه لأجل هذا الاحتمال كما دلّ عليه لفظ الثّقة و المأمون و الصّادق و غيرها الواردة في الأخبار المتقدّمة و هي أيضا منصرف إطلاق غيرها.

بل و لو لم يكن الأخبار متواترة بالاصطلاح كفى كونها مفيدة للاطمئنان بحجّيّة خبر الثّقة و لو لم يكن عادلا هذا.

و أمّا العدالة فأكثر الأخبار المتقدّمة خالية عن اعتبارها بل في كثير منها التّصريح بخلافه مثل ما رواه الشيخ في كتاب العدّة في الأخذ بما روته الثقات عن على (عليه السّلام). و لو من رواة العامّة و ما ورد في كتب بني فضال، و مثل عموم التعليل في صحيحة أحمد بن اسحاق لقبول رواية العمري بأنّه الثّقة المأمون فإنّه يفيد الكبرى الكلّي و هي أنّ كلّ ثقة مأمون يسمع له و تطبيق هذه الكبرى على مثل العمري الذي كان في مرتبة عالية من الوثاقة و الجلالة لا ينافي كون المعيار هو إفادة الوثوق بالمخبر و لا دخالة لما زاد عليه من المراتب العالية لأنّ ما زاد من خصوصيّات المورد كما لا يخفى و غير ذلك من الأخبار.

و أمّا ما يظهر من الأخبار من حصر الذي يعتمد عليه في أخذ معالم الدين في طائفة الشيعة فهو بالنّسبة إلى غير الثّقة من العامّة فالحصر اضافي و يكون بالنّسبة إلى غير ثقاتهم فلا ينافي ما دلّ على جواز الأخذ من ثقاتهم فيما إذا لم يعارضه ما وصل إلينا من طرقنا.

هذا مضافا إلى أنّ بناء العامّة على العمل بخبر الواحد كان ذلك بمرأى و مسمع الأئمّة (عليهم السّلام) و مع ذلك لم يردعوا عنه كما دلّ عليه روايات:

منها مرسلة داود بن فرقد حيث قال الإمام الصادق (عليه السّلام) لابن أبي ليلى فبأيّ شي‏ء تقضي قال بما بلغني عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن علي و عن أبي بكر و عمر قال فبلغك عن رسول (صلى اللّه عليه و آله) أنّ عليا أقضاكم قال نعم قال فكيف تقضي بغير قضاء علي و قد بلغك هذا ... الحديث.

290

بدعوى أنّ قول ابن أبي ليلى بما بلغني يدل على أنّ مراده منه البلوغ بنحو الخبر الواحد لقلّة التواتر جدّا و لم يردعه الإمام (عليه السّلام) عن ذلك بل شبّهه بخبر آخر وصل إليه.

نعم يمكن الإشكال فيه بأنّه لا إطلاق له حيث إنّه في مقام بيان لزوم القضاء بقضاء علي (عليه السّلام) إلّا أنّ احتمال اشتراط العلم في البلوغ في أخبار العامّة بعيد جدّا بناء الأصحاب أيضا على ذلك كما يدلّ عليه الأخبار فمنها مرسلة شبيب و أبي جميلة البصري و موثّقة إسحاق بن عمّار و خبر علي بن حديد و خبر معمّر بن خلّاد و صحيحة زرارة و خبر سليم بن قيس و غير ذلك من الأخبار الحاكية على أنّ أصحابنا آخذون بخبر الواحد الثّقة و دعوى كون المتيقّن من الرّوايات هو اعتبار خبر العدل لا الثّقة كما يشهد له الارجاع إلى الأعدل في المتعارضين فإنّه حاك عن كون كلّ طرف من أطراف التعارض عدلا هذا مضافا إلى اعتبار عنوان (ثقاتنا) و عنوان (مرضيان) و عنوان (حجّتي) و عنوان (من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه) و عنوان (كلّ مسنّ في حبّنا) و عنوان (كل كثير القدم في أمرنا) فإنّها ظاهرة في اعتبار العدالة و فوقها.

مندفعة بأنّ اعتبار هذه العناوين ليس من جهة دخالتها في حجّيّة الرّواية بل من باب خصوصيّة مورد السّؤال أو من باب علاج الأخبار المتعارضة.

و الشاهد على ذلك عدم اعتبار الأصحاب في الأخذ بالرّوايات أن يكون الرّاوي من أصحاب السّر أو ممّن يرضى عنه الأئمّة (عليهم السّلام) أو أن يكون الرّاوي من الشيعة كما صرّح بذلك الشّيخ الطّوسي في العدّة حيث قال: إنّ الطائفة عملت بما رواه حفص بن غياث و غياث بن كلوب و نوح بن درّاج و السكوني و غيره من العامة الذين ينقلون الأخبار عن أئمّتنا (عليهم السّلام) فالمعيار في جواز الأخذ هو الوثوق بالناقل و لو كان عامّيا.

نعم يتقدّم رواية الشّيعي الثّقة على رواية العامّي الثّقة عند التّعارض كما رواه في العدّة عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنّا فانظروا إلى ما رووه (اي ما روته العامّة) عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به.

291

فتحصّل أنّ مقتضى امعان النّظر في الأخبار هو حجّيّة خبر الثّقات فلا مجازفة في دعوى تواترها بالتّواتر المعنوي بالنّسبة إلى حجّيّة خبر الثّقات ذهب في الكفاية إلى أنّ التّواتر في المقام إجمالي لأنّها غير مقتصر على لفظ أو على معنى حتّى تكون متواترة لفظا أو معنى.

و معنى التواتر الإجمالي هو العلم بصدور بعضها منهم و قضيّته و إن كانت حجّيّة خبر دلّ على حجّيّة أخصّها مضمونا إلّا أنّه يتعدّى عنه فيما إذا كان بينها ما كان بهذه الخصوصيّة و قد دلّ على حجّيّة ما كان أعمّ.

و قد عرفت كفاية الأخبار المذكورة في إثبات التّواتر المعنوي هذا مضافا إلى أنّ المستفاد من بعضها أنّ خبر الثّقة مفروغ الحجّيّة عند السائل و المسئول عنه و أيضا سيرة الأصحاب على العمل بخبر الثقات و لو كان المخبر من العامّة أو الذين أخطئوا في اعتقاداتهم من فرق الشّيعة.

ثمّ إنّ الأخبار التي دلّت على اعتبار الأعدلية لا تعارض مع الأخبار المذكورة لأنّها في مقام ترجيح أحد المتعارضين على الآخر فلا وجه لجعلها من أدلّة اعتبار العدالة في حجّيّة الخبر هذا مضافا إلى دلالة قوله في المقبولة: (فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثّقات عنكم ...) على أنّ الملاك في حجّيّة خبر الواحد هو كون الرّاوي ثقة كما أنّه لا وجه لجعل الأخبار الواردة في موارد العدول من الأخبار المعارضة بعد كونها معلّلة بكون الملاك في اعتبار أخبارهم هو كونهم من الثّقات المأمونين فلا تغفل.

و ينقدح ممّا ذكرنا أنّه لا وجه للقول بتعارض الأخبار و إنّ النّسبة بينها من العموم من وجه و الأخذ بالقدر المتيقّن منها و هو الجامع للعدالة و الوثاقة كما ذهب إليه في مصباح الاصول و ذلك لما عرفت من أنّ مقتضى الإمعان في الرّوايات أنّها غير متعارضة و لا منافاة فيها حتّى تأخذ بالأخص مضمونا و الأظهر هو ما ذهب إليه الشّيخ الأعظم (قدّس سرّه) من ثبوت التّواتر المعنوي على اعتبار خبر الثّقة المأمون.

و عليه فدعوى منع التّواتر المعنوي و الأخذ بالتّواتر الإجمالي و الأخذ بالخبر الصحيح‏

292

الأعلائي و الاستدلال به لحجّيّة خبر كلّ ثقة المأمون تبعيد المسافة من دون موجب.

ثمّ إنّ الظاهر هو من محكيّ المحقّق النائيني (قدّس سرّه) إنكار التّواتر الإجمالي بدعوى أنّا لو وضعنا اليد على كلّ واحد من تلك الأخبار نراه محتملا للصدق و الكذب فلا يكون هناك خبر مقطوع الصّدور.

و فيه أنّ مع تسليم عدم ثبوت التّواتر المعنوي فلا وجه لإنكار التّواتر الإجمالي و ذلك لأنّ احتمال الصّدق و الكذب بالنّسبة إلى كلّ فرد لا ينافي حصول القطع بصدور الأخصّ مضمونا باعتبار المجموع أ لا ترى أنّه إذا أخبر النّفرات الكثيرة بدخالة شي‏ء في صحّة معاملة أو عبادة أو بحدوث أمر مع الاختلاف في النقل لم نعلم بخصوص كلّ واحد مع قطع النّظر عن أخبار الآخرين و لكن مع ملاحظة أخبار الآخرين نعلم بدخالة الأخصّ مضمونا كما لا يخفى فإنّه هو الذي أخبر عنه بخصوصه أو في ضمن المطلق ففي المقام إذا فرضنا أنّ بعض الأخبار يدلّ على اعتبار العدالة و بعضها الآخر يدلّ على اعتبار الثّقة و ثالث يدلّ على اعتبار كونه إماميا و في رابع يدلّ على اعتبار كونه مأمونا حصل لنا القطع باعتبار الاخصّ مضمونا و هو خبر الثّقة العدل الإمامي المأمون بملاحظة مجموع الأخبار و إن لم نقطع باعتبار كلّ واحد واحد فلا مجال لإنكار التواتر الإجمالي و مقتضاه هو الالتزام بحجّيّة الأخصّ منها المشتمل على جميع الخصوصيّات المذكورة في هذه الأخبار.

إلّا أنّ الذي يقتضي الإنصاف هو عدم وجود خبر يدلّ على اعتبار كون الرّاوي إماميا و عدم وجود خبر يدل على اعتبار العدالة لأنّ ما يستدل به لاعتبارها يكون موردا بالنّسبة إلى عموم التعليل أو لا إطلاق له أو يكون مخصوصا بباب علاج الأخبار المتعارضة و أمّا اعتبار كونه مأمونا فهو ملازم مع كونه ثقة و عليه فلا معارض لإطلاق ما يدل على اعتبار كون الرّاوي ثقة.

و الرّوايات الدالّة على حجّيّة أخبار الثّقات كثيرة و دعوى تواترها بالتّواتر المعنوي ليست بمجازفة و ممّا ذكرنا يظهر ما في المحكي عن الشهيد الصدر من أنّ الرّوايات خمسة

293

عشر رواية و هي عدد لا يبلغ حد التّواتر و لكن في خصوص المقام هناك بعض القرائن الكيفيّة التي قد توجب حصول الاطمئنان الشخصي لصدور بعض هذه الرّوايات و إن فرض التشكيك في ذلك و عدم حصول اطمئنان شخصي فيكفي الاطمئنان النّوعي بالنّسبة إلى بعض الرّوايات و هي صحيحة الحميري و هي القدر المتيقّن من السّيرة العقلائية و ذلك لأنّ الرّوايات لا تنحصر في خمسة عشر رواية بل تزيد عليها بكثرة و عليه فلا وجه لإنكار التواتر رأسا و الاعتماد على الظنّ الشخصي الاطمئناني لأنّ مجموع الأخبار يكون بحدّ يحصل القطع بأنّ الثقات حجّة بل التعليلات الواردة في الأخبار تشرح الأخبار الاخرى الّتي لم تعلم منها أنّ المعيار هو العدالة أو الوثاقة كما لا يخفى.

التنبيهات‏

التنبيه الأول: [ارجاع الأخبار الى الارشاد]

إن ارجاع الأخبار الى الارشاد الى ما عليه بناء العقلاء و اعتبار الوثوق و الاطمئنان النوعي بمؤداه لا دليل له؛ إذ مجرد كون الشي‏ء مما عليه بناء العقلاء لا يجوز ذلك ما دام يمكن أن يتعبد الشارع بما عليه البناء بالامضاء مع التوسعة أو التضييق، كما في مثل المعاملات كقوله عزّ و جلّ‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم» و قوله (عليه السّلام):

الصلح جائز، و غير ذلك؛ فان هذه العبارات امضاءات لا ارشادات، و لذا يتمسك باطلاقها و لو لم يثبت اطلاق البناء.

و عليه فيجوز الاخذ بقول الثقات تعبدا و لو لم يحصل منه الاطمئنان النوعي. و يشهد لذلك وقوع التعبد في المقام بالراجح من المتعارضين عند ترجيح أحدهما بالاوصاف أو موافقة الكتاب أو مخالفة العامة، مع أن المرجحات المذكورة لا توجب الاطمئنان النوعي بالمؤدى، و أيضا يشهد لذلك التعبد بالتخيير عند عدم وجود المرجحات مع أن البناء على التساقط، و يعتضد ذلك أيضا بوقوع التعبد بالاخبار و لو مع كثرة الوسائط مع أنه لا يحصل‏

294

الاطمئنان احيانا بسبب كثرة الوسائط و يعتضد ذلك أيضا بوقوع التعبد بتقديم أخبار ثقات الشيعة على اخبار ثقات العامة عند اختلافهما مع أنه لا فرق بينهما عند العقلاء، كل ذلك شاهد على أن اعتبار الأخبار من باب الامضاءات لا الارشاد، و إلّا فلا مجال لهذه التصرفات التعبدية، كما لا يخفى.

و أيضا لو كانت حجية الأخبار من باب بناء العقلاء فلا حاجة الى إتعاب النفس في الاستدلال بالأخبار، بل يكفي فيها عدم الردع، كما هو الواضح.

ثم إنا لا نضايق من وجود بناء العقلاء على الاعتماد على أخبار الثقات، و لكن نقول لا وجه لحمل ادلة اعتبار الأخبار على الارشاد، بل اعتبار الأخبار من باب التعبد، و المستفاد منها هو الاعم مما عليه بناء العقلاء، كما عرفت.

و مما ذكر يظهر أنه لا وجه لحمل سيرة المسلمين أيضا على السيرة العقلائية مع اختلافهما في الموارد، و سيأتي توضيح ذلك إن شاء اللّه تعالى.

و لذا يشكل ما أفاده الشيخ (قدّس سرّه) من أن الانصاف أن الدال من الأخبار لم يدل إلّا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق و الاطمئنان بمؤداه، و هو الذي فسر به الصحيح في مصطلح القدماء، و المعيار فيه أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا بحيث لا يعتني به العقلاء، و لا يكون عندهم موجبا للتحير و التردد. (1)

و ذلك لما عرفت من دلالة الأخبار على لزوم العمل بقول الثقات تعبّدا من دون اعتبار حصول الوثوق النوعي و الاطمئنان بمؤداه. نعم يصح اعتبار الوثوق و الاطمئنان النوعي لو كانت الأخبار ارشادا الى بناء العقلاء، و لكن المفروض أنّ اعتبار الأخبار تعبد، و ليس بارشاد. نعم يصح اعتبار الوثوق النوعي و الاطمئنان بالمخبر؛ لانّ الثقة لا معنى لها إلّا ذلك، و أمّا الوثوق بمؤدى خبره فلا دليل له بعد ما عرفت من أن اعتبار الاخبار من باب التعبد.

و لقد أفاد بعض الاعلام حيث قال: أن الاخبار تفيد التعبد بلزوم العمل بقول العدول،

____________

(1) فرائد الاصول: ص 106.

295

و لكن يرد عليه انه لا وجه لتخصيص التعبد بقول العدول مع أن عنوان الثقة أعم منه، هذا مضافا الى أن لازمه هو القول بالانسداد؛ فان كثيرا من الموارد لا تكون الروات عدولا، كما لا يخفى. فمع اختصاص التعبد بالعدول يحصل الانسداد، و هو كما ترى.

فتحصّل: أن مفاد الاخبار هو اعتبار قول الثقة تعبدا لا الارشاد الى بناء العقلاء و اعتبار الوثوق النوعي بمؤدى الخبر، فلا تغفل.

التنبيه الثاني: [مما استدل به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لحجية أخبار الثقات‏]

أنّ مما استدل به الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لحجية أخبار الثقات هو استقرار سيرة المسلمين طرّا على استفادة الأحكام الشرعية من أخبار الثقات المتوسطة بينهم و بين الامام (عليه السّلام) أو المجتهد، أ ترى أنّ المقلدين يتوقفون في العمل بما يخبرهم الثقة عن المجتهد أو الزوجة تتوقف فيما يحكيها زوجها عن المجتهد في مسائل حيضها و ما يتعلق بها الى أنّ يعلموا من المجتهد تجويز العمل بالخبر الغير العلمي، و هذا مما لا شك فيه.

و دعوى حصول القطع لهم في جميع الموارد بعيدة عن الانصاف. نعم المتيقن من ذلك حصول الاطمئنان بحيث لا يعتنى باحتمال الخلاف. (1)

اورد عليه اولا بأنّه مع اختلاف بعض العلماء في المقام مثل السيد و القاضي و ابن زهرة و الطبرسي و ابن ادريس في جواز العمل بمطلق الخبر كيف يمكن دعوى قيام سيرة المسلمين على ذلك؛ فانهم و مقلديهم يخالفون في العمل، فلا يتحقق سيرة المسلمين طرا و إن لم يضر ذلك الاختلاف بقيام الاجماع الحدسي لامكان الحدس من اتفاق غيرهم.

اللّهمّ إلّا أن يقال: ما من سيرة إلّا تخالفها جماعة، أ لا ترى أن السيرة على رجوع الجاهل الى العالم و مع ذلك خالف الأخباريون في ذلك. و الملاك في حجية السيرة المتشرعية هي الكشف عن رأي الشارع أيضا و هو حاصل و أن خالفها جماعة، فتأمل.

و ثانيا كما في الكفاية بقوله: و لو سلّم اتفاقهم على ذلك لم يحرز أنهم اتفقوا بما هم‏

____________

(1) فرائد الاصول: 99- 100.

296

مسلمون و متدينون بهذا الدين أو بما هم عقلاء و لو لم يلزموا بدين كما هم لا يزالون يعملون بها في غير الأمور الدينية من الأمور العادية. (1)

و لكن يمكن الجواب عنه بما عرفت من أنه لا موجب لارجاع سيرة المسلمين الى سيرة العقلاء بعد ما نرى من الاختلاف بينهما في جواز العمل و عدمه في بعض الاحوال، كحال كثرة الوسائط أو حال التعارض و ترجيح أحدهما بالصفات أو بالمخالفة مع العامة أو بالموافقة مع الكتاب أو التخيير فيما اذا لم يكن مرجح؛ فان الاختلاف المزبور شاهد على أن سيرتهم ثابتة بما هم مسلمون لا بما هم عقلاء، فتدبّر.

و عليه فسيرة المسلمين كالأخبار في افادة حجية خبر الثقات مطلقا سواء حصل الاطمئنان النوعي أو لا. نعم لا يبعد تقييدها بما دلّت عليه أخبارنا من تقديم الثقة الامامي على الثقة العامي عند المخالفة.

نعم المستفاد من قول الشيخ (قدّس سرّه): نعم المتعين من ذلك حصول الاطمئنان بحيث لا يعتني باحتمال الخلاف هو اختصاص السيرة بمورد حصول الاطمئنان.

و قد عرفت امكان المنع عن ذلك؛ لوجدان السيرة المتشرعة على نقل الثقات و لو لم يحصل الاطمئنان النوعي؛ إذ لا ملازمة بين كون الراوي ثقة و أمينا و صادقا و بين الوثوق بصدور ما أخبر به، لاحتمال الخطأ و الاشتباه، بل لاحتمال تعمد الكذب فيما اذا كان احراز وثاقة الراوي بقيام البينة أو الاكتفاء بحسن الحال.

قال الشهيد الصدر (قدّس سرّه): لا اشكال في أنّ الروايات التي بأيدينا ليس رواتها كلهم من الاجلّاء الذين لا يحتمل في حقهم تعمد الكذب، كيف و في الرواة من ثبت كونه وضاعا و دجالا، كما شهد بذلك الائمة (عليهم السّلام) في حق بعضهم، و شهد بذلك النقادون من علماء الرجال و كبار الطائفة، بل أن بعض الرواة أيضا كان يتّهم بعضهم بعضا و يكذبه، و بين القسمين طائفة منهم كانوا وسطا بين الطائفتين و هم اكثر الرواة حيث لا يعهد أنهم على تلك المرتبة

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 98.

297

العالية من التقوى و الورع و الضبط و لكن لا يعرف في حقهم الوضع و الدس و الكذب.

و لا اشكال أن روايات مثل هذه الطائفة لم يكن يحصل منها العلم أو الاطمئنان، و الفقهاء و أصحاب الأئمة (عليهم السّلام) كانوا يواجهون هذه الروايات في أكثر المسائل الفقهية؛ لانّ الأحاديث هي أساس الفقه و عماده عند جميع المذاهب الفقهية الاسلامية، فلا بد لهم من موقف تجاهها، و لا يحتمل أن يكون موقفهم تجاهها الرفض من دون استعلام حالها عن الامام (عليه السّلام)؛ إذ كيف يمكن افتراض ذلك مع أن العمل بخبر الثقة إن لم يكن عقلائيا فلا أقل أنه ليس مرفوضا عقلائيا، فكيف يفرض عدم استعلام حال حجيته منهم مع كون الشبهة حكمية بل ام الشبهات التي يقوم عليها عماد الفقه، كما لا يحتمل أنهم رفضوها بعد استعلام حالها عن المعصومين (عليهم السّلام)؛ اذ كيف يمكن فرض ذلك مع عدم حصول رواية على المنع، بل ما وصل إمّا دال على الحجية أو مناسب معها قابل للحمل عليها، بل أساسا احتمال رفض العمل بهذه الأخبار غير وارد للقطع بعملهم بها ... الى أن قال: فانّ ذلك يكشف عن السنة المتمثلة في تقرير المعصوم لعمل أصحابه أو بيان موافق صادر منه اليهم.

و أما احتمال أنهم قد عملوا بها لحصول العلم أو الاطمئنان لهم فهو بعيد، بل مما يقطع بعدمه. (1)

ثمّ إنّ نفس انعقاد سيرة المتشرعة كما أفاد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) دليل قطعي على عدم شمول عمومات النهي عن اتّباع الظن للعمل بخبر الثقة. (2)

التنبيه الثالث: [لا يخفى وقوع التعبد بالخبر الواحد]

أنه لا يخفى وقوع التعبد بالخبر الواحد بعد ما عرفت من الأخبار الكثيرة الدالة على حجية قول الثقات، و لكن ربما يمنع ذلك و يقال: أن وثاقة الشخص بمعنى تحرزه من الكذب تارة تحرز بالوجدان بواسطة المعاشرة أو بواسطة شهادة من يطمأن بشهادته و إصابتها

____________

(1) مباحث الحجج: ج 1 ص 396- 397.

(2) مباحث الحجج: ج 1 ص 397.

298

للواقع، و اخرى تثبت بواسطة حسن الظاهر الذي جعل طريقا للعدالة شرعا، و ثالثة تثبت بشهادة البينة العادلة التي يجوز في حقها الاشتباه، و الصنف الأول يلازم الجزم بصدقه و تحقق المخبر به؛ لفرض أنه ممن يقطع بعدم كذبه، نعم قد يحتمل في حقه الاشتباه المنفي بأصالة عدم الغفلة.

و أما الصنفان الآخران فهما ممن يجوز في حقهما الكذب، إذ حسن الظاهر لا يلازم الوثاقة واقعا، و هكذا شهادة البينة بالنحو الذي عرفته، و عليه فالتعبد بالصدق و ايجاد التصديق الذي هو واقع حجية الخبر المبحوث انما يصح بالنسبة الى الصنفين الآخرين، لا بالنسبة الى الصنف الأول للاطمئنان بعدم كذبه كما هو الفرض، و عليه فلا معنى لحجية خبر الثقة بالمعنى الأول.

و من الواضح أنّ موضوع الإرجاع في رواياته من الصنف الأول، فانّ شهادة الامام (عليه السّلام) بالوثاقة لمن يرجع اليه تلازم القطع بوثاقته، لعدم جواز الاشتباه في حقه (عليه السّلام)، فيكون من قبيل تحصيل الجزم بالوثاقة من المعاشرة، و في مثل ذلك لا يتوقف قبول قوله على التعبد، بل يجزم بصدقه بلا تردد، فالنصوص المزبورة لا تتكفل التعبد بخبر زرارة أو غيره، بل تتكفل الارشاد الى وثاقته، فيترتب عليها القبول عقلا للجزم بصدقه لا تعبدا.

فما نحتاج فيه الى التعبد بخبره لا تتكفله النصوص المزبورة، و هكذا الحال في مثل «لا عذر لأحد ...»؛ لأنّ رواية الثقة مستلزمة للجزم، فلا يعذر تارك العمل بها عقلا، فهي لا تتكفل جعل الحجية لخبر الثقة؛ إذ لا معنى لذلك و لا محصل له، هذا. (1)

و يمكن أن يقال: أن اراد القائل بذلك أن النصوص منحصرة في الصنف الأول من الارجاع الى ثقاتهم ففيه ما لا يخفى؛ لما عرفت من دلالة النصوص على تقرير العامة في العمل بما روى الثقات عندهم عن علي (عليه السّلام) كخبر شبيب بن انس و داود بن فرقد، و أيضا عرفت دلالة النصوص على اعتماد اصحابنا على نقل الثقات، و لم ينهوا عنه.

و أيضا دل بعض الأخبار على أن وجه النهي عن أخبار غير ثقات العامة هو الخيانة، و مقتضى ذلك هو جواز النقل عنهم عند انتفاء الخيانة كما لا يخفى.

____________

(1) منتقى الاصول: ج 4 ص 295- 296.

299

و أيضا دل ما رواه ابن الجهم على أن خبر الثقة في نفسه حجة، و انما السؤال عن حاله عند ابتلائه بالمعارض.

و أيضا دل خبر الكناسي على جواز الاعتماد على نقل من ضيّع كلام الامام بعدم العمل به اذا كان موثقا في نقله، فراجع.

و أيضا دل موثق معاذ بن مسلم النحوي على ترغيب معاذ في نقل الأخبار عن الثقات للآخرين.

و الى غير ذلك من الأخبار الدالة على حجية خبر الثقات و لو لم نعاشرهم و لم يثبت توثيقهم بسبب قول الامام (عليه السّلام).

هذا مضافا الى أن بعض الارجاعات الى بعض ثقات الائمة معلّل بعنوان كلي، و من المعلوم أن هذا العنوان الكلي ليس مما أخبر عنه الامام بوثاقته حتى لا يتوقف قبوله على التعبد لحصول الجزم به من دون تردد، فلا وجه لمنع التعبد و انكاره رأسا.

و أيضا إنّ الارجاعات الى الموثقين بتوثيق الامام لا تختص بمن سمع من الامام (عليه السّلام) توثيقه، بل الامر كذلك لمن سمع ممن سمع من الامام (عليه السّلام)، فبعد الواسطة ربما لا يحصل معه الجزم بوثاقة الواسطة، و مع عدم الجزم بوثاقته يمكن التعبد، كما لا يخفى.

التنبيه الرابع: [الوثوق الفعلي بالصدور بمنزلة العلم بالصدور]

أنّ الوثوق الفعلي بالصدور بمنزلة العلم بالصدور، فكما أن العلم حجة عقلا و لا يحتاج الى الامضاء، فكذلك ما يقوم مقامه من الوثوق الفعلي.

و لا ينافي الوثوق المذكور الآيات الناهية عن العمل بالظن؛ لخروج الوثوق المذكور عنها بالتخصص، فلا تشمله الآيات الناهية.

و عليه فاذا وثقنا وثوقا فعليا بصدور خبر و لو كان مرسلا أو مسندا بسند ضعيف مردود فالخبر حجة عقلا يصلح للاستناد اليه؛ للوثوق و الاطمئنان الفعلي بصدوره، و لا يحتاج الى دلالة دليل على حجيته.

و لعل اعتماد الاصحاب على ما روي بسند صحيح عن أصحاب الاجماع من هذا الباب؛

300

لان ذلك يكشف عن احتفاف رواياتهم بقرائن توجب الوثوق الفعلي لهم بصدورها و أن وقعت في طريقهم الى الامام (عليه السّلام) غير الثقات أو المجاهيل أو كانت طرقهم اليه (عليه السّلام) هي المرسلات أو المرفوعات هذا بناء على أن معنى اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم بمعنى تحقق الاجماع على تصحيح المروى لا الراوى و إلّا فيكون ذلك كاشفا عن احتفاف الراوى بامور توجب الوثوق الفعلى بوثاقته.

و ايضا يمكن أن يكون اعتماد الأصحاب على المتون المنقولة في كتب علي بن بابويه و هداية الصدوق و نهاية الشيخ الطوسي و غيرهم أيضا من هذا الباب؛ فانهم اطمأنوا بالاطمئنان الفعلي بصدورها بعمل أمثال هؤلاء بها، و حينئذ فان حصل لنا أيضا ذلك الاعتماد فهو حجة، و لعل اعتماد جلّ الاصحاب أو كلهم مع اختلاف مشاربهم و استعداداتهم حاك عن مقرونية المتون أو المروي بالقرائن المحسوسة التي تصلح لايجاد الوثوق و الاطمئنان الفعلي لنا أيضا، و إلّا لما اجمعوا عليه بل اختلفوا.

فلا مورد لما ربما يقال من أن اعتمادهم على أصحاب الاجماع أو صاحب المتون لعله لا يوجب اعتمادنا عليهم.

لما عرفت من أن اعتماد الجل أو الكل يحكي عن المقرونية بما يكون قريبا بالحس بحيث لو اطلعنا عليه لوثقنا به كما أنهم وثقوا بذلك، نعم لو لم يحصل لنا ذلك الاعتماد فاعتمادهم ليس حجة لنا.

التنبيه الخامس: [لا يبعد دعوى أنّ الوثوق النوعي بالصدور مما يصلح للاحتجاج‏]

في أنه لا يبعد دعوى أنّ الوثوق النوعي بالصدور مما يصلح للاحتجاج عند العقلاء و إن لم يقرن بالوثوق الفعلي أو لم يكن الراوي ثقة؛ و ذلك لأنّ الوثوق النوعي طريق عقلائي. و لذا يصح احتجاج الموالى على عبيدهم بذلك.

و دعوى اختصاص الطريق العقلائي بخصوص نقل الثقات مندفعة بصحة الاحتجاج المذكور، كما لا يخفى.

301

و لقد أفاد و أجاد شيخنا الاستاذ الاراكي (قدّس سرّه) حيث قال: لا شك في استقرار طريقة العقلاء على العمل بالخبر المفيد للاطمئنان و لو لم يكن الناقل ثقة و لكن حصل الوثوق بالصدق من أجل امارة خارجية و جرت عادتهم على ذلك في امورهم العادية، و هذا ثابت في غير فرق المسلمين من أهل الملل، بل و من غيرهم ممن لا يتدين بدين كالدهري، فانه لو اطمأن الدهري بانّ سفر البحر و ركوب السفينة لا يوجب الغرق لنفسه و ماله و حصل له هذا الاطمئنان من أخبار المخبرين فهو يقدم على هذا السفر مع أنه محتمل مع ذلك للغرق و لكن لا يعتني به بل يعامل معاملة المعدوم.

و كذلك الحال في معاملة العبيد مع مواليهم، فلو حصل الاطمئنان للعبد بانّ مولاه أراد الركوب و أراد ركوبه معه في ركابه و حصل له ذلك بنقل ناقل مع وثوق الناقل أو ضميمة أمارة خارجية يركب بمجرد ذلك و يذهب الى مقرّ المولى، بحيث لو لم يركب و كان المولى مريدا واقعا لم يكن معذورا. و بالجملة فمجبولية العقلاء و اقتضاء فطرتهم ذلك في جميع امورهم مما لا يقبل الانكار. (1)

لا يقال: أن الآيات الناهية عن العمل بالظن تصلح للرادعية عن الوثوق النوعي، و بالجملة فنحن و أن كنّا نسلّم جريان بناء العقلاء على حجية الاطمئنان النوعي من الخبر، إلّا أن موضوع حجية بناء العقلاء مقيد بعدم ردع الشرع، فالادلة الناهية عن العمل بغير العلم الواردة من الشرع واردة على بناء العقلاء لكونها ردعا، فلا يبقى معها موضوع الحجية في بناء العقلاء.

لأنّا نقول- كما أفاد شيخنا الاستاذ الاراكي (قدّس سرّه)- أن المرتكزات العرفية تكون بحيث يغفل عن كون حجيتها مقيدة بعدم منع الشرع نوع النفوس، فالارتكاز مانع عن خطور خلافه في ذهن النوع، فالعبد كما يعامل مع مولاه في أحكامه و أوامره بالعمل فيها على الاطمئنان الحاصل من قول القائل على حسب فطرته كذلك هو باق على مقتضى هذه‏

____________

(1) اصول الفقه: ج 1 ص 616.

302

الفطرة لو صار عبدا لمولى آخر من دون أن يخطر بباله أن تكون طريقة هذا المولى في امتثال أوامره غير طريقة المولى السابق، فكذا الحال في معاملة العبيد مع الموالي الحقيقية، يعني لا يخطر ببال العامة أنه يريد منهم أمرا جديدا و طريقة مخترعة غير ما هم مجبولون عليه، فلا يرضى بالعمل بالاطمئنان من قول القائل، بل لا يرضى إلّا بترتيب الأثر على العلم.

و كذلك لا يخطر ببالهم أن حجية هذا الارتكازي موقوف على عدم منع المولى، فهم غافلون على هذا التقييد صغرى و كبرى، فالحاصل عندهم هو الحجية التنجيزية الاطلاقية، فلهذا لو ورد من الشارع النهي عن العمل بالظن ينصرف نظرهم الى غير هذا الاطمئنان، فيقطعون أنه بمنزلة العلم و إن كان غير علم. بل و يعمّمون الحكم المعلق على العلم بالنسبة الى هذا الاطمئنان، مثل عدم نقض اليقين إلّا باليقين، فالنقض بهذا الاطمئنان يكون في نظرهم نقضا باليقين.

و بالجملة: لا يدخل في ذهنهم من دليل مثبت للحكم على الظن هذا الفرد، و يدخل في ذهنهم من الدليل الدال على الحكم في العلم هذا الفرد؛ و السبب لذلك هو الارتكاز و المجبولية المانعة عن دخول مضاده في أذهانهم ... الى أن قال: هذا هو الحال في عامة الناس المتصفين بالغفلة عن تصور خلاف مرتكزهم.

و أمّا الملتفتون و هم الشاذ القليل من الناس فهذه الطريقة و إن كان ليست في نفسها حجة لهم؛ لاحتمالهم الخطأ في حقهم لعدم كونهم معصومين، و لكن يثبت الحجية عند تحقق الارتكاز عندهم أيضا بالبرهان.

و هو أن يقال: إنّه لو كان للشارع طريقة جديدة غير ما الناس مجبولون عليه و يكون خلافه مغفولا عندهم و النهي عن العمل بالظن على وجه العموم منصرفا عندهم عما ارتكز حجيته عندهم أو مخصصا قطعيا بغيره لكان يجب على الشارع التنصيص على اظهار أنه مريد منهم خلاف هذا الطريق المعمول، كما هو المشاهد في المرتكزات في الجاهلية التي خطّأها الشارع بالابلاغات الصريحة الاكيدة و الايعادات بأنواع العذاب؛ فان صرف‏

303

الاذهان عن ما ارتكز فيها لا يحصل بغير هذا الوجه. و لا يمكن الاكتفاء في تبليغه بعموم و اطلاق، فيلزم على تقدير الاكتفاء في بيانه بهما اغراء عامة الناس بالقبيح ... الى أن قال:

فعدم الرادع في مقام الاثبات يصير دليلا على عدمه في مقام الثبوت. (1)

و دعوى: أن المسلم هو حجية خبر الثقة، و إلّا فمجرد الوثوق بصدوره إذا كان الراوي غير ثقة غير معلوم الحجية لو لم يكن معلوم العدم، أ ترى أنّه إذا حصل الثقة بصدق الخبر من طريق الرؤيا مثلا فهذا الخبر حجة عند العقلاء كلّا! و من الواضح أنّ موضوع الأخبار هو كون راوي الخبر ثقة، و جعله طريقا الى الثقة بالصدور لو كان فانما هو بالغاء الخصوصية العقلائية، و لا يوافق عليها العقلاء هنا، بل هم يرون خبر الثقة حجة. (2)

مندفعة: بما عرفت من وجود البناء على حجية الوثوق و الاطمئنان النوعي بالصدور من دون حاجة الى الغاء الخصوصية في الأخبار، و يشهد له صحة الاحتجاجات المذكورة.

و لا ملازمة بين وجود البناء على حجية الوثوق النوعي و الاطمئنان بالصدور في المرتكزات العرفية و بين حجية الوثوق الحاصل بالرؤيا؛ لأنّ الحجية تابعة لوجود البناء، فاذا علمنا به في المرتكزات دون الحاصل بالرؤيا اختصت الحجية بالمرتكزات العرفية دون الرؤيا، فلا تغفل.

ثم لا فرق في حجيّة الوثوق النوعي بالصدور بين أسبابه من عمل المشهور و غيره؛ فان المعيار هو المسبب، و هو الوثوق النوعي، فلا ضير في انّ الشهرة العملية في نفسها ليست بحجة؛ فانها إذا أوجبت الوثوق النوعي بالصدور كان الوثوق النوعي حجة عقلائية، فيؤخذ بالوثوق النوعي، لا بالشهرة العملية، كما لا يخفى.

التنبيه السادس: في انجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور:

و لا يذهب عليك أن عمل الاصحاب بالخبر الضعيف يوجب الوثوق بالصدور، كما أن‏

____________

(1) اصول الفقه: ج 1 ص 620- 623.

(2) تسديد الاصول: ج 2 ص 98.

304

اعراضهم عن العمل بالخبر يكشف عن اختلاله بشرط أن لا يكون الاعراض اجتهاديا، و إلّا فلا يكشف عن شي‏ء، كما لا يخفى.

و لقد أفاد و أجاد المحقق النائيني (قدّس سرّه) فيما حكي عنه من أن الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور حجة بمقتضى منطوق آية النبأ؛ إذ مفاده حجية خبر الفاسق مع التبيّن، و عمل المشهور من التبين. (1)

و دعوى: أن الخبر الضعيف لا يكون حجة في نفسه على الفرض و كذلك عمل او فتوى المشهور غير حجة على الفرض أيضا، و انضمام غير الحجة الى غير الحجة لا يوجب الحجية؛ فانّ انضمام العدم الى العدم لا ينتج إلّا العدم.

و القول بانّ عمل المشهور بخبر ضعيف توثيق عملي للمخبر فيثبت به كونه ثقة فيدخل في موضوع الحجية، مدفوع بانّ العمل مجمل لا يعلم وجهه، فيحتمل أن يكون عملهم به لما ظهر لهم من صدق الخبر و مطابقته للواقع بحسب نظرهم و اجتهادهم لا لكون المخبر ثقة عندهم، فالعمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به، و لا سيما إذا لم يعملوا بخبر آخر من نفس هذا المخبر. هذا كله من حيث الكبرى و أن عمل المشهور موجب لانجبار ضعف الخبر أم لا.

و أمّا الصغرى- و هي استناد المشهور الى الخبر الضعيف في مقام العمل و الفتوى- فاثباتها اشكل من اثبات الكبرى؛ لانّ مراد القائلين بالانجبار هو الانجبار بعمل قدماء الأصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان المعصوم، و القدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم الى الخبر الضعيف، و انّما المذكور في كتبهم مجرد الفتوى، و المتعرض للاستدلال انّما هو الشيخ الطوسي (رحمه اللّه) في المبسوط و تبعه من تأخّر عنه في ذلك دون من تقدّمه من الأصحاب، فمن أين يستكشف عمل قدماء الأصحاب بخبر ضعيف و استنادهم اليه؟! غاية الامر أنا نجد فتوى منهم مطابقة لخبر ضعيف، و مجرد المطابقة لا يدل‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 201.

305

على أنّهم استندوا في هذه الفتوى الى هذا الخبر؛ إذ يحتمل كون الدليل عندهم غيره‏

فتحصّل: أن القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تام صغرى و كبرى. (1)

مندفعة:

أوّلا: بأنّ انضمام غير الحجّة الى غير الحجّة ربما يكون موجبا للحجية، كما في الخبر المتواتر، أ لا ترى أنّ كل خبر ليس في نفسه حجة و لكن مع التواتر يوجب الحجية. و الوجه في ذلك: أن كل خبر يفيد احتمالا بالنسبة الى المخبر به، فاذا تراكمت الاحتمالات صارت ظنا، و مع تراكم الظنون صارت اطمئنانا و علما، و العلم حجة، و لا ينافي ذلك مع أن كل خبر ليس في نفسه حجة.

و هكذا الأمر في المقام، فالخبر الضعيف لا يكون حجة، و لكن مع اقترانه بمثل عمل الاصحاب يحصل الاطمئنان بالصدور؛ إذ الأصحاب لم يعملوا بما ليس بحجة، فعملهم يكشف عن اقتران الخبر الضعيف بما يطمئن الانسان بصدوره، و عليه فالمناقشة في الكبرى لا مجال لها.

ثمّ دعوى أن عمل الاصحاب غير محرز، لاحتمال أن يكون العمل عمل بعض الاعيان مع اتباع الآخرين مناقشة صغروية، و البحث بعد احراز وجود عمل الاصحاب.

و هكذا احتمال كون عملهم اجتهاديا مناقشة صغروية؛ اذ البحث بعد احراز وجود عمل الأصحاب بالخبر مع اقترانه بأمور تكون قريبة من الحسّ بحيث لو اطلعنا عليه لوثقنا بالصدور كما وثقوا به.

و ثانيا: أنّ الكلام في الموثوق بالصدور لا توثيق المخبر، فقوله: إنّ العمل بخبر ضعيف لا يدل على توثيق المخبر به و لا سيما أنهم لم يعملوا بخبر آخر لنفس هذا المخبر، أجنبي عن محل الكلام.

و ثالثا: أنّ المتون المفتى بها في عبارات القدماء كعلي بن بابويه و الصدوق في الهداية

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 202.

306

و الشيخ الطوسي في النهاية و غيرهم روايات و أخبار استندوا اليها في الفتاوى، و يكفي في الوثوق بصدورها عملهم بها، و الفتوى بها فلا وجه لما يقال من أنّ القدماء لم يتعرضوا للاستدلال بالروايات و الأخبار في كتبهم ليعلم استنادهم الى الخبر الضعيف.

و رابعا: أنّ مطابقة فتوى القدماء للخبر الضعيف و أن لم تدل على استنادهم في هذه الفتوى الى خصوص هذا الخبر لاحتمال أن يكون الدليل عندهم غيره، و لكن تصلح تلك المطابقة للوثوق بصدور مضمون الخبر؛ لأنّ القدماء لم يفتوا من دون دليل، فاذا اجمعوا على الفتوى بشي‏ء يكشف ذلك عن وجود دليل تام الدلالة على ذلك سواء كان هو الخبر الضعيف أو غيره مما يكون مطابقا له في المضمون. و من المعلوم أنه كاف في الوثوق بصدور مضمون الخبر و إن لم يعلم استنادهم بخصوص الخبر الضعيف.

فتحصل: أن القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور او فتاويهم تام كبرى بل صغرى فيما إذا أحرزنا عملهم بالخبر الضعيف أو فتاواهم بما يطابقه في المضمون، فان الوثوق بالصدور حاصل في الفرض المزبور فالاستناد الى الخبر عند الاحراز أو مطابقة فتاوى الاصحاب معه يكفيان في جبر الخبر الضعيف، فلا تغفل.

ثمّ إنه اذا عرفت أنّ ضعف الخبر أو مضمونه يجبر بالاستناد أو المطابقة انقدح أن اعراض الأصحاب أو المشهور عن الخبر مع صحة السند و وضوح الدلالة يوجب وهن الخبر و إن كان في أعلى الدرجة من السند و الدلالة، كما صرحوا بأنه كلما ازداد الخبر صحة ازداد ضعفا و وهنا.

و دعوى: أنّه لا وجه لرفع اليد عن الخبر بمجرد اعراض المشهور عنه بعد كونه صحيحا أو موثقا و موردا لقيام السيرة و مشمولا لاطلاق الادلة اللفظية.

نعم إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل لنا العلم أو الاطمئنان بانّ هذا الخبر لم يصدر من المعصوم (عليه السّلام) أو صدر عن تقية فيسقط الخبر المذكور عن الحجية لا محالة، و لكنه خارج عن محل الكلام.

307

و أما اذا اختلف العلماء على قولين و ذهب المشهور منهم الى ما يخالف الخبر الصحيح أو الموثق و اعرضوا عنه و اختار غير المشهور منهم ما هو مطابق للخبر المذكور فلا دليل لرفع اليد عن الخبر الذي يكون حجة في نفسه لمجرد اعراض المشهور عنه. (1)

مندفعة: بانّ الكلام فيما اذا اعرض المشهور عن العمل بالخبر مع وضوح صحته و تماميّة دلالته من دون أن يكون الاعراض اجتهاديا. و من المعلوم أن مثله يوجب الوهن في الخبر؛ فانّ الاعراض المذكور يكشف عن اختلال في الرواية من ناحية جهة الصدور و نحوها، و إلّا فلا وجه لاعراضهم عنها مع صحة السند و تمامية الدلالة، كما لا يخفى. نعم يصح أن يقال كثيرا ما لم نحرز الاعراض المذكور، و لكنّه مناقشة في الصغرى، كما لا يخفى.

التنبيه السابع: [الأخبار المنقولة بالواسطة أو الوسائط كالأخبار المنقولة]

أن الأخبار المنقولة بالواسطة أو الوسائط كالأخبار المنقولة بلا واسطة مشمولة لادلة الاعتبار من السيرة القطعية المتشرعية و بناء العقلاء و الأخبار المطلقة الدالة على حجية الخبر الواحد.

و تخصيص الادلة بالأخبار المنقولة بلا واسطة ينافيه السيرة القطعية المتشرعية و بناء العقلاء و اطلاق الأخبار.

و دعوى: أن الخبر مع الواسطة خبر عن الموضوع، و المشهور على أنّ خبر الواحد ليس حجة في الموضوعات بل لا بد فيها من قيام البيّنة، و لعل ذلك لاستنادهم الى خبر مسعدة بن صدقة الذي فيه: و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة (بناء على أن المراد من البيّنة هي البيّنة الاصطلاحية).

و عليه فالخبر عن الخبر لا يكون حجة؛ لانه خبر عن الموضوع لا الحكم الشرعي الكلي، و ليس في هذه النصوص ما يدل على حجية الخبر عن الواسطة؛ إذ كلها ظاهرة في حجية الخبر عن الحكم رأسا، كما لا يخفى.

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 203.

308

و عليه فالخبر الواحد عن الواسطة لا يكون حجة بمقتضى التزام المشهور بعدم حجية خبر الواحد عن الموضوع، و الأخبار التي بأيدينا كلها من هذا القبيل، فلا تنفع هذه النصوص في اثبات حجيتها لو سلمت دلالتها على الحجية في حد نفسها. (1)

مندفعة:

أوّلا: بأنّ مع الغمض عن ضعف سنده مورد خبر مسعدة بن صدقة هي الموضوعات الصرفة التي لا ارتباط لها مع الحكم بل هي مجرد الموضوع، و هذا بخلاف المقام فانّ الخبر عن الخبر ينتهي الى نقل الحكم، و عليه فلا يكون المقام مشمولا لخبر مسعدة بن صدقة، و لا أقل من الشك، و معه فلا يرفع اليد عن عموم الادلة بما هو مشكوك في مفهومه من جهة اختصاصه بمورده أو عدمه.

و ثانيا: بأنه لو سلمنا شمول خبر مسعدة بن صدقة للمقام فمقتضى أدلة اعتبار الخبر هو رفع اليد عن خبر مسعدة بن صدقة؛ لقوة ظهور ادلّة الاعتبار في شمول الخبر مع الواسطة كقوله (عليه السّلام): ائت أبان بن تغلب فانه قد سمع مني حديثا كثيرا، فما رواه لك فاروه عنّي. (2) و من المعلوم أنّ الأمر بالرواية عن الرواية من دون شرط. هذا مضافا الى أن قوله (عليه السّلام) «فارده عنى» يدل على الامر بالرواية عن الرواية و هى الرواية مع الواسطة كما لا يخفى.

و كقوله (عليه السّلام): اصنع كذا فاني كذا أصنع في موثقة معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: بلغني انك تقعد في الجامع فتفتي الناس؟ قلت: نعم و اردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج، اني اقعد في المسجد فيجي‏ء الرجل فيسألني عن الشي‏ء، فاذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون، و يجي‏ء الرجل أعرفه بمودتكم و حبّكم فأخبره بما جاء عنكم، و يجي‏ء الرجل لا أعرفه و لا أدري من هو فأقول جاء عن فلان كذا و جاء عن فلان كذا، فادخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: اصنع كذا فاني كذا أصنع‏ (3)؛ لظهور قول السائل‏

____________

(1) منتقى الاصول: ج 4 ص 296- 297.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 30.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 36.