عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
309

(فأخبره بما جاء عنكم و جاء عن فلان كذا) في الخبر مع الواسطة أيضا، و مع ذلك أمره بذلك بقوله أصنع كذا، و أيده بقوله (فاني كذا أصنع) فهو يدل على حجية الرواية مع الواسطة.

و كقول الامام الصادق (عليه السّلام): اذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا الى ما رووه عن علي (عليه السّلام) فاعملوا به. (1) و من المعلوم أنّ ما روته العامة عن مولانا علي (عليه السّلام) في زمان الامام الصادق (عليه السّلام) لا يكون بدون وسائط.

و كقول مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام): و أما الحوادث الواقعة فارجعوا الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه. (2) و من المعلوم أن رواية الحديث عن الأئمة (عليهم السّلام) في عصر الغيبة لا تكون إلّا مع الوسائط.

و كقول الامام العسكري (عليه السّلام) بالنسبة الى كتب بني فضال: خذوا بما رووا و ذروا ما رأوا، مع أنهم كانوا من الفطحية الذين لم ينقلوا عن الامام الصادق أو من قبله من آبائه (عليهم السّلام) في زمان الإمام العسكري (عليه السّلام) إلّا مع الوسائط.

و كقول ابن أبي ليلى للامام الصادق (عليه السّلام): اقضي بما بلغني عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و عن علي و عن أبي بكر و عمر. فقال الصادق (عليه السّلام): فبلغك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أن عليا أقضاكم؟ قال:

نعم. قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي (عليه السّلام)؟ و قد بلغك هذا، الحديث. (3) و غير خفي أن ما بلغه عن علي (عليه السّلام) في عصر الامام الصادق (عليه السّلام) لم يكن من دون وسائط، و مع ذلك أمر الامام (عليه السّلام) بالقضاء على طبقه.

و كقول الامام الصادق (عليه السّلام) لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة اذا ورد عليك شي‏ء ليس في كتاب اللّه و لم تأت به الآثار و السنة كيف تصنع؟ فقال: اصلحك اللّه أقيس و أعمل برأيي. فقال: يا أبا حنيفة إنّ أول من قاس ابليس. (4) و المستفاد منه أن العمل بالآثار المروية عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) عدة الاصول: ص 379.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب صفات القاضي، ح 9.

(3) الوسائل: الباب 3 من أبواب صفات القاضي: ح 9.

(4) الوسائل: الباب 6 من أبواب صفات القاضي: ح 27.

310

في عصر الامام الصادق (عليه السّلام) لم يكن موردا للنهي، مع أن الآثار المذكورة لم تكن من دون وسائط، الى غير ذلك من الروايات.

و ثالثا: بقيام السيرة القطعية من المتشرعة بل غيرهم على عدم الفرق بين الرواية مع الواسطة و بدونها، و عليه فدعوى انصراف خبر مسعدة بن صدقة عن مثل المقام ليست بمجازفة. و المفروض أنّه لا دليل عام أو مطلق يدل على لزوم قيام البيّنة. نعم ورد في موارد خاصة اعتبار قيام البيّنة، و لكن التعدي عنها الى مثل المقام مع احتمال الاختصاص بها غير صحيح، فلا يرفع اليد عن اعتبار الخبر و لو مع الواسطة، هذا كله تمام الكلام من جهة الاشكال الاثباتي.

و هنا اشكال ثبوتي بالنسبة الى الأخبار مع الواسطة لا بأس بالاشارة اليه، و هو أن معنى حجية الخبر هو وجوب ترتيب الأثر الشرعي على الخبر.

و عليه فالحكم بحجية الخبر مع الواسطة يتوقف على أمرين: أحدهما احراز نفس الخبر، و ثانيهما وجود أثر شرعي حتى يحكم بترتيبه عليه. و من المعلوم أن في المقام لا احراز للواسطة و لا لاثرها إلّا بنفس حجية الخبر، و لازم ذلك هو تقدم المتأخر، مضافا الى لزوم اتحاد الحكم و الموضوع.

و توضيح ذلك: أن الاشكال الثبوتي في المقام من نواح مختلفة:

الناحية الاولى: [أن فعلية كل حكم متوقفة على فعلية موضوعه‏]

أن فعلية كل حكم متوقفة على فعلية موضوعه، فلا بد من احراز الموضوع ليحرز فعلية الحكم، و في المقام الخبر المحرز لنا بالوجدان هو خبر الكليني (رحمه اللّه)، و مع الاحراز الوجداني لذلك يحكم بحجيته بمقتضى أدلة حجية الأخبار.

و أما خبر من يروي عنه الكليني ممن كان متقدما عليه و خبر المتقدم عليه ممن تقدم عليه من الرواة الى أن ينتهي الى الامام المعصوم (عليه السّلام) فهو غير محرز لنا بالوجدان و احرازه بنفس الحكم بحجية خبر الكليني، و الحكم عليه بنفس هذه الحجية يستلزم أن يكون الخبر

311

المحرز من ناحية هذه الحجية متقدما على نفس هذه الحجية مع أنه متأخّر عنها. فالحكم بالحجية في المقام مع هذه الخصوصية يوجب أن يتقدم المتأخر، و هو محال.

و الجواب عنه: أن الاشكال ناش من توهم كون الحكم بالحجية حكما شخصيا و القضية قضية خارجية، و أما اذا كان الحكم بنحو القضية الحقيقية كما أفاد في الكفاية و غيرها فلا يوجب الاشكال أصلا؛ فانّ الحكم بحجية خبر الكليني يوجب احراز خبر من يروي عنه الكليني، فبعد الاحراز يكون شمول القضية الحقيقية لفرد آخر منها، لا عين الفرد الثابت لخبر الكليني.

قال السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه): لا محذور في أن يكون ثبوت الحجية لخبر الكليني موجبا لاحراز خبر من يروي عنه الكليني، فيترتب عليه فرد آخر من الحجية، لا عين الحجية الثابتة لخبر الكليني التي بها احرز هذا الخبر، و هكذا الحال بالنسبة الى آخر سلسلة الرواة. (1)

الناحية الثانية: [أن الحكم بوجوب ترتيب أثر شرعي على المخبر به‏]

أن الحكم بوجوب ترتيب أثر شرعي على المخبر به و هو خبر من يروي عنه الكليني بنفس الحكم في خبر الكليني بوجوب التصديق يستلزم اتحاد الحكم و الموضوع؛ لأنّ كليهما أمر واحد. نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانيا فلا بأس في أن يكون بلحاظ نفس هذا الوجوب أيضا حيث إنّه صار أثرا بجعل آخر، فلا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع، بخلاف ما اذا لم يكن هناك إلّا جعل واحد.

و الجواب عنه واضح بعد ما عرفت من أن الحكم بالحجية و وجوب ترتيب الأثر و تصديق العادل ليس حكما شخصيا لموضوعات متعددة بنحو القضية الخارجية، بل هو الحكم بنحو القضية الحقيقية، و من المعلوم أن الحكم حينئذ متعدد بتعدد الافراد، و مع التعدد لا معنى للاتحاد؛ إذ الحكم بوجوب ترتيب ما للمخبر به و هو خبر من يروي عنه الكليني‏

____________

(1) مصباح الأصول: ج 2 ص 180.

312

ليس بنفس شخص الحكم في دليل حجية خبر الكليني بوجوب تصديق خبر العدل حتى يلزم منه الاتحاد، بل يكون بفرد آخر من أفراد القضية الحقيقية.

و بالجملة: فكما أن تعدد الانشاء يكفي في رفع الاشكال، فكذلك يرتفع الاشكال بالقضية الحقيقية التي تدل على تعدد الحكم بتعدد الموضوع. أ لا ترى أن القائل إذا قال كل خبر من صادق يشمل كل خبر صادر منه حتى هذا الخبر و هو كل خبر من صادق، و ليس ذلك إلّا لكون القضية حقيقية، كما لا يخفى.

الناحية الثالثة: [أن التعبّد بحجيّة الخبر يتوقف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا]

أن التعبّد بحجيّة الخبر يتوقف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا أو ذا أثر شرعي مع قطع النظر عن دليل حجية الخبر ليصح التعبّد بالخبر بلحاظه و وجه ذلك: أن التعبد بحجية الخبر فيما لم يكن للمخبر به حكما شرعيا و لا ذا أثر شرعي لغو محض، و لا ارتباط له بالشرع و الشارع. و عليه فدليل الحجية لا يشمل الأخبار مع الواسطة؛ لأنها ليست إلّا الخبر عن الخبر، و هذا الاشكال جار في أخبار جميع سلسلة الرواة، إلّا الخبر المنتهى الى قول المعصوم (عليه السّلام).

و يمكن الجواب عنه كما أفاد في الدرر بانّ جعل الحجية و الطريقية ليس معناه ترتيب الأثر على الخبر تعبدا، بل مفاد الحكم هنا جعل الخبر من حيث إنه مفيد للظن النوعي طريقا الى الواقع، فعلى هذا لو أخبر العادل بشي‏ء يكون ملازما لشي‏ء له أثر شرعا أما عادة أو عقلا أو بحسب العلم نأخذ به و نرتب على لازم المخبر به الأثر الشرعي المترتب عليه.

و السرّ في ذلك: أن الطريق الى احد المتلازمين طريق الى الآخر و إن لم يكن المخبر ملتفتا الى الملازمة، فحينئذ نقول: يكفي في حجية خبر العادل انتهاؤه الى أثر شرعي ... الى أن قال:

كما أن الطريق الى الحكم الشرعي العملي طريق اليه و يشمله أدلة الحجية، فكذلك الطريق الى طريق الحكم الشرعي أيضا طريق اليه فيشمله دليل الحجية، مضافا الى أن قضية (صدق العادل) بعد القطع بعدم كون المراد منها التصديق القلبي يجب أن يحمل على ايجاب العمل في الخارج، و ليس لقول المفيد المخبر بقول الشيخ أثر عملي أصلا، بل الاثر العملي‏

313

منحصر فيما ينتهي اليه هذه الأخبار، و هو قول الامام (عليه السّلام) يجب الصلاة مثلا، فيجب أن يكون قضية صدق العادل عند تعلقها بقول الشيخ ناظرة الى ذلك الأثر، و هو لا يصح إلّا بما ذكرناه. (1)

و بعبارة أخرى: معنى الحجية في خبر العادل هو اعتبار الكشف الظني النوعي الحاصل من قول العادل بقول المعصوم (عليه السّلام) سواء كان له واسطة أو لم يكن؛ فان الكشف الظني المذكور من لوازم المخبر به العادل، فمع اعتبار خبر العادل يكون لوازمه حجة أيضا كلوازم سائر الامارات.

و عليه فنفس خبر العادل كخبر الشيخ الطوسي عن خبر العادل كالشيخ المفيد الى أن ينتهي الى المعصوم (عليه السّلام) يكون موجبا للكشف الظني النوعي بقول المعصوم (عليه السّلام)، فيكون حجة، و لا حاجة في ذلك الى شمول أدلة التعبد للوسائط حتى يقال لا أثر للوسائط. و عليه فمع عدم الحاجة الى شمول أدلة التعبد للوسائط لا يلزم محذور توهم تقدم الشي‏ء المتأخّر أو اتحاد الموضوع و الحكم أيضا؛ لانهما يلزمان على تقدير التسليم لو احتيج الى التعبد بالوسائط، و المفروض هو عدم الحاجة اليه.

و دعوى منع حصول الظن بقول المعصوم من ناحية خبر العادل عن العادل الى المعصوم، مندفعة بأنّ الحجية المعتبرة هو الظن النوعي، و هو حاصل في المقام بلا ريب و أن لم تكن تلك الوسائط ثابتة بالوجدان أو بالتعبد؛ إذ قيام الخبر على الخبر الى أن ينتهي الى الامام قيام الطريق على الطريق، و هو استطراق ظني نوعي من قول العادل الى قول الامام (عليه السّلام)، فيشمله الادلة الدالة على حجية الخبر من دون حاجة الى ترتب الآثار الشرعية على الوسائط.

ثم لا يخفى عليك أن المحقق الاصفهاني قرّر مقالة الدرر بقوله: و هو أن بين الخبر من حيث انّه مفيد للظن نوعا و المخبر به ملازمة نوعية واقعية، و الطريق الى أحد المتلازمين طريق الى الآخر، فالخبر مع الواسطة كما أنه طريق الى الخبر بلا واسطة فكذلك طريق الى لازمه و هو

____________

(1) الدرر: ص 388- 389.

314

الأثر الشرعي أو الموضوع المرتب عليه الأثر، فيكون حال الخبر مع الواسطة من حيث الكشف عن الحكم الشرعي الذي هو لازم واقعي نوعي للخبر بلا واسطة كالخبر بلا واسطة من حيث الكشف المزبور، و الشارع جعل هذه الملازمة النوعية بمنزلة الملازمة القطعية، لا أنه جعل أصل الملازمة ليكون دليل التعبد مثبتا لهذه الملازمة، بل حال هذه الملازمة النوعية حال الملازمة العقلية و العادية من حيث عدم النظر لدليل التعبد إليها، و انّما شأن دليل التعبد تنزيل هذه الملازمة النوعية منزلة القطعية، و جعل الطريق الظني الى الأثر الشرعي بمنزلة الطريق القطعي.

ثم أورد عليه بأنّ التلازم بين شيئين لا يكون إلّا بعلية و معلولية أو المعلولية لثالث. و من البديهي أنّ الخبر ليس من مبادئ وجود المخبر به و لا المخبر به من مبادئ وجود الخبر و لا هما معلومان لعلة واحدة، بل لكل منهما علة مباينة لعلة الآخر، فلا ملازمة واقعية بين الخبر و المخبر به.

ثم أجاب عنه بقوله: و التحقيق أنّ الخبر بما هو خبر لا يكون له كشف تصديقي قطعي و لا ظني عن ثبوت المخبر به بالذات ... الى أن قال: فلا محالة إذا كان للخبر في مورد كشف تصديقي قطعي أو ظني فمن أجل ثبوت الملازمة العقلية أو العادية هناك.

فنقول: إذا فرض في المخبر عصمة أو ملكة رادعة فعلية تكون تلك العصمة أو الملكة علة لعدم التعمد بالكذب، و ربما تكون فيه حالة مقتضية لعدم تعمد الكذب مع قبول المانع. فاذا فرض عدم المانع وجد المعلول و إلّا فاقتضاء، فالملازمة الفعلية بين تلك الحالة مع فرض عدم المانع و بين عدم تعمّد الكذب موجودة و إلّا فالملازمة الاقتضائية ثابتة بينهما.

و عليه فالخبر الصادق الموجود بوجود علته و هي الارادة لأصل الخبر، و تلك الصفة المانعة عن الكذب لجهة صدقه تكشف من باب تضايف المضمون المطابق مع ما في اعتقاد المخبر عن ثبوت المخبر به في اعتقاد المخبر، و هذا هو الصدق المخبري، و بضميمة عدم الخطأ الموجود بوجود علته ينكشف مطابقة معتقد المخبر لما في متن الواقع و هو الصدق الخبري.

315

و منه تعرف أنّ الملازمة في مرتبة الكشف لاجل الملازمة الواقعية الحقيقية في مرتبة المنكشف و أن الخبر بأية ملاحظة يتصف بالكشف عن ثبوت المخبر به في اعتقاد المخبر.

فاذا قطع بالخبر الصادق للقطع بوجود علته فلا محالة يقطع من باب التضايف بثبوت المخبر به في اعتقاد المخبر.

و إذا ظنّ بوجود العلة للخبر الصادق سواء كانت العلة بجميع أجزائها مظنونة أو ببعضها فلا محالة يظن بالمعلول، فيظن بثبوت الحكم في اعتقاد المخبر. و عليه فاذا ظن من خبر محقق بصدور خبر متكفل للحكم مع احراز الحالة المقتضية لعدم الكذب و ظن بعدم المانع فلا محالة يظن بثبوت الحكم في اعتقاد المخبر. فهذا الخبر المحقق حيث إنه مفيد للظن بثبوت الحكم لمكان الظن بعلّته يعمّه دليل التعبّد من دون حاجة الى شموله للواسطة، فانه كنفس الواسطة مفيد للظن بالحكم غاية الامر أن الحكم هناك مطابق للمدلول المطابقي و هنا مدلول التزامي.

هذه غاية التقريب للجواب المزبور، انتهى.

حاصله: أن الطريق الى الطريق الى الحكم كنفس الطريق الى الحكم في كونه مشمولا لدليل التعبد بعد وجود الملازمة، و عليه فخبر محمّد بن مسلم عن خبر زرارة عن قول الامام كنفس خبر زرارة في كونه مشمولا لأدلّة التعبّد.

و لكن بعد اللتيا و التي أورد عليه بقوله بانّ لزوم قول الامام (عليه السّلام) لخبر زرارة عنه غير مفروض في خبر محمّد بن مسلم عن إخبار زرارة بقول الامام (عليه السّلام)؛ إذ خبر زرارة غير محقق وجدانا و هو واضح، و لا تعبدا؛ اذ المفروض عدم ترتب وجوب التصديق إلّا على الخبر بالالتزام عن قول الامام، و أصالة عدم الخطأ في خبر زرارة فرع تحققه، ففي الحقيقة ليس خبر محمّد بن مسلم خبرا عن قول الامام (عليه السّلام) إلّا على تقدير؛ فانّه خبر عن لازم أمر غير مفروض الثبوت لا وجدانا و لا تعبدا، و لا معنى لوجوب تصديق الخبر تحقيقا عن لازم على تقدير. (1)

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 82- 83.

316

و فيه: أنّه أن أراد بقوله (أنّ لزوم قول الامام (عليه السّلام) لخبر زرارة عنه غير مفروض في خبر محمّد بن مسلم) أن خبر محمّد بن مسلم عن خبر زرارة عن الامام لا يكشف عن قول الامام من باب التضايف ففيه منع؛ لما عرفت من وجود الكشف من باب التضايف في اعتقاد المخبر عن خبر زرارة. فمع خبر محمّد بن مسلم عن خبر زرارة عن قول الامام يكشف في اعتقاد المخبر عنه و هو محمّد بن مسلم عن وجود المخبر به و هو قول الامام و هذا الكشف فعلى و حاصل من خبر العادل و يشمله ادلة التعبد. و أن اراد بذلك أن نفس اللازم مترتب على خبر زرارة و ليس هو مخبر به بنفسه فهو صحيح و لكن لا يضرّ ذلك بعد كون اللازم مكشوفا بنفس المخبر به و هو خبر زرارة و هذا الكشف فعلى و معه يشمله ادلة التعبد و مسألة ترتيب الاثر الشرعي لا تكون من مقوّمات معنى الحجية و الطريقية بل المعيار هو الكشف عما يكون له اثر شرعي و هو حاصل في الخبر عن الخبر عن قول الامام، فتدبر.

و لقد أفاد و أجاد في توضيح ذلك في تسديد الاصول حيث قال: ليس في باب الطرق عند العقلاء سوى الطريقية بمعنى أن العقلاء كما يرون الشخص إذا قطع و علم بالواقع و اصلا الى الواقع فهكذا إذا قام عنده طريق معتبر يرونه و اصلا إليه، و طريقية الطريق و رسالته تنتهي و تختتم بمحض هذا الايصال، و مسألة ترتيب الأثر ليست من مقومات معنى الطريقية، بل لما كان الشخص بعد اداء الطريق و رسالته مثل ما اذا حصل له علم قطعي بالواقع واصلا للواقع فلا محالة إذا كان للواقع أثر شرعي يرتّبه عليه و إذا كان ذو الطريق أيضا طريقا فبعد الوصول اليه يتطرق به أيضا الى ما يخبر به و يصل الى ما أخبر به و هكذا الى أن يصل الى الواقع الذي هو حكم اللّه أو موضوعه. (1)

و دعوى: أنّ الملازمة ليست عقلية و لا عادية، و الملازمة الشرعية تحتاج الى الجعل، و ليس بين الادلة ما يتكفل ذلك. (2)

____________

(1) تسديد الاصول: ج 2 ص 85.

(2) تهذيب الأصول: ج 2 ص 125.

317

مندفعة: بما مر من أن الملازمة في مرتبة الكشف لأجل الملازمة الواقعية الحقيقية في مرتبة المنكشف، فمع القطع يحصل القطع بها، و مع الظن يحصل الظن بها، و الشارع امضاها كما اعتبرها العقلاء، فلا وجه لنفي الدليل لذلك، فكما أن الكشف حاصل في الخبر بلا واسطة فكذلك حاصل بالخبر مع الواسطة، و الكشف معتبر مطلقا.

لا يقال: أن خبر الشيخ لا عمل له و لا أثر عملي له و ليس جزء موضوع للعمل، نعم له أثر عملي بما هو موضوع من الموضوعات، و هو جواز انتساب الخبر الى المفيد، و هو يتوقف على تعدد المخبر كسائر الموضوعات، و أما وجوب صلاة الجمعة فليس مفاد خبر الشيخ حتى يكون اقامة الصلاة ترتيبا عمليا له؛ فانّ الشيخ لم يخبر عن وجوبها و إنّما أخبر عن إخبار المفيد، و لأجل ذلك يدور صدق قوله أو كذبه مدار إخبار المفيد له و عدم اخباره سواء كانت الصلاة واجبة أم لا. (1)

لأنا نقول: لا مجال لما ذكر بعد أن كان المفروض هو كون مفاد جعل الحجية هو جعل الخبر من حيث إنه مفيد للظن النوعي طريقا الى الواقع لا ترتيب الأثر تعبدا، و لم يدل دليل من آية أو رواية على لزوم كون مؤدى الامارة حكما شرعيا أو ذا أثر شرعي.

و عليه فلا منافاة بين جعل الحجية و الطريقية و عدم كون خبر الشيخ لا عمل له و لا أثر عملي له و ليس جزء موضوع للعمل؛ لكفاية الاستطراق في جعل الحجية و هو موجود، و لا دليل على اعتبار اثر عملي في جعل الحجية. نعم يعتبر عدم لغوية حجية الاستطراق، و هو حاصل بسبب انتهاء ذلك الى الحكم الشرعي، كما لا يخفى.

التنبيه الثامن: [يستدل على حجية الأخبار بالوجوه العقلية]

أنه ربما يستدل على حجية الأخبار بالوجوه العقلية.

منها: ما اعتمد عليه الشيخ الأنصاري سابقا، و هو انا نعلم اجمالا بصدور أكثر الأخبار أو كثير منها، و احتمال الجعل لا يكون في جميع الأخبار، و العلم بوجود الأخبار المكذوبة انّما

____________

(1) تهذيب الاصول: ج 2 ص 125.

318

ينافي دعوى القطع بصدور الكل أو دعوى الظن بصدور جميعها، و لا ينافي ذلك دعوى العلم الاجمالي بصدور أكثر الأخبار أو كثير منها خصوصا بعد تهذيب الأخبار، و عليه فدعوى العلم الاجمالي المذكور دعوى بديهية. فاذا ثبت العلم الاجمالي بوجود الاخبار الصادرة فيجب بحكم العقل الاحتياط بالعمل بكل خبر مع عدم المعارض و العمل بمظنون الصدور أو مظنون المطابقة للواقع مع وجود المعارض. (1)

ثم عدل الشيخ عما اعتمد عليه سابقا و أجاب عن ذلك بوجوه: أحسنها أنّ مقتضى هذا الدليل وجوب العمل بالخبر المقتضي للتكليف؛ لانه الذي يجب العمل به. و أمّا الأخبار الصادرة النافية للتكليف فلا يجب العمل بها. (2) نعم يجب الاذعان بمضمونها و إن لم تعرف بعينها. و كذلك لا يثبت به حجية الأخبار على وجه ينهض لصرف ظواهر الكتاب و السنة القطعية.

و الحاصل: أن معنى حجية الخبر كونه دليلا متّبعا في مخالفة الأصول العملية و الاصول اللفظية مطلقا، و هذا المعنى لا يثبت بالدليل المذكور كما لا يثبت باكثر ما سيأتي من الوجوه العقلية بل كلها، فانتظر. (3)

و لا يخفى عليك أن التحقيق كما ذهب اليه في مصباح الاصول هو التفصيل في الأصول اللفظية بين ما اذا كان مفاد العام أو المطلق حكما الزاميا و مفاد الخبر غير الزامي و بين عكسه، فان في الأول يحكم بتعين العمل بالعام أو المطلق و عدم جواز العمل بالخاص؛ إذ لا أثر للعلم الاجمالي فيما اذا لم يكن متعلقا بحكم الزامي، و عليه فيجب الأخذ بالعموم أو المطلق.

لا يقال: أن العلم الاجمالي بورود التخصيص في بعض العمومات يوجب سقوط اصالة العموم أو الاطلاق عن الحجية.

____________

(1) راجع فرائد الاصول: ص 102- 103.

(2) و ذلك لعدم الاثر للعلم الاجمالي فيما اذا لم يتعلق بحكم الزامي، مع عدم وجوب العمل في الأخبار النافية كيف يمكن أن يقال بانّ الاحتياط بالعمل بالأخبار واجب بحكم العقل.

(3) فرائد الاصول: ص 104.

319

لانا نقول: نعم، و لكن العلم الاجمالي بارادة العموم أو الاطلاق في بعضها يقتضي وجوب الاحتياط و العمل بجميع العمومات و المطلقات الدالة على التكاليف الالزامية، و الخاص المذكور لا يكون حجة ليكون موجبا لانحلال العلم الاجمالي المذكور، ففي هذا الفرض تظهر الثمرة بين القول بحجية الخبر فانه مقدم على العام أو المطلق و بين القول بوجوب العمل به من باب الاحتياط فانه غير مقدم عليهما، بل يجب العمل بالعموم أو المطلق، كما لا يخفى.

و يلحق به في ظهور الثمرة ما اذا كان مفاد كل من العام و الخاص حكما الزاميا بأن يكون مفاد العام وجوب اكرام العلماء و مفاد الخاص حرمة اكرام العالم الفاسق مثلا، فعلى القول بحجية الاخبار لا اشكال في تقديم الخاص على العمومات و تخصيصها به، و أما على القول بوجوب العمل بالأخبار الدالة على الخاص من باب الاحتياط فلا يمكن الاحتياط؛ فان العلم الاجمالي بارادة العموم من بعض العمومات يقتضي الاحتياط بالفعل و العلم الاجمالي بصدور جملة من المخصصات يقتضي الترك، فيكون المقام حينئذ نظير دوران الامر بين المحذورين، و العقل حينئذ يحكم بالتخيير بين الفعل و الترك، فيتضح الفرق بين القول بحجية الخبر و بين القول بوجوب العمل بالخبر من باب الاحتياط.

و أما إذا كان مفاد العام أو المطلق حكما ترخيصيا و مفاد الخاص حكما الزاميا و هو عكس الاول فلا فرق بين القول بحجيّة الخبر و بين القول بوجوب العمل بالخبر من باب الاحتياط؛ و ذلك لتعين العمل بالخاص في جميع الاطراف و لو كان العمل به من باب الاحتياط؛ إذ العلم الاجمالي بصدور جملة من المخصصات المشتملة على أحكام الزامية يوجب سقوط الاصول اللفظية عن الحجية، كما هو الحال في الاصول العملية؛ فانّ إجراءها في جميع الاطراف يستلزم المخالفة العملية القطعية و في بعضها ترجيح بلا مرجح، فلا مجال للقول بانّ العموم أو الاطلاق حجة في مدلوله و لا يرفع اليد عنهما إلّا بحجّة أقوى، و العلم الاجمالي بارادة العموم في بعض الموارد مما لا اثر له؛ اذ المفروض كون مفاد العموم حكما ترخيصيا، و قد تقدم أنه لا أثر للعلم الاجمالي فيما اذا لم يكن متعلقا بحكم الزامي. ففي هذا

320

الفرض لا تظهر ثمرة بين القول بحجية الخبر و القول بوجوب العمل به من باب الاحتياط. (1)

و عليه فما ذكره الشيخ من عدم جواز مخالفة الاصول اللفظية بالخبر بناء على الدليل المذكور صحيح بالنسبة الى غير الصورة الاخيرة من الصورتين المتقدمتين، و أما بالنسبة الى الصورة الاخيرة فلا يصحّ؛ لما عرفت من وجوب الاتباع عن الخبر الدال على الحكم الالزامي و تقديمه على العام أو المطلق الدال على الحكم الترخيصي، و ليس هذا إلّا هو معنى الحجية، و لا فرق في هذه الصورة بين القول بلزوم العمل بالخبر بالدليل النقلي و بين حجيته بالدليل العقلي؛ للزوم العمل به على كلا التقديرين في الصورة الأخيرة. هذا كلّه هو حكم الخبر بناء على لزوم العمل به بالدليل العقلي في قبال الاصول اللفظية.

و أما حكم الخبر في قبال الاصول العملية بناء على لزوم العمل بالخبر بالدليل العقلي.

فيمكن أن يقال: إن كانت الأخبار نافية و الاصول مثبتة فلا اشكال حينئذ في تقديم الاصول المثبتة؛ لوجود موضوعها و هو الشك بعد عدم حجية الخبر، هذا مضافا الى أنه لا يلزم عن جريان الاصول المثبتة مخالفة عملية، و أما اذا قلنا بحجية الاخبار فلا ريب في أن مع الاخبار لا يبقى موضوع الاصول المذكورة، كما لا يخفى.

و إن كانت الأخبار مثبتة أيضا في الفرض المذكور و كانا متوافقين فلا اشكال أيضا في جريان الأصول المذكورة على القول بوجوب الخبر من باب الاحتياط؛ لأنّ المانع من جريان الأصول أمران، و كلاهما مفقودان: أحدهما ارتفاع موضوع الأصل و هو الشك و هو مفقود لعدم العلم الوجداني و لعدم حجية الخبر على الفرض، و ثانيهما لزوم المخالفة العملية القطعية و المفروض كون الاصول مثبتة للتكليف كالأخبار، فلا يلزم من جريان الاصول المذكورة مخالفة عملية، فلا مانع من جريانها، هذا بخلاف ما اذا قلنا بحجية الخبر لارتفاع موضوع الاصول حينئذ، كما لا يخفى.

و أما إذا لم يكونا متوافقين كأن يكون مفاد الأخبار حرمة الجمعة أو وجوب الدعاء عند

____________

(1) راجع مصباح الاصول: ج 2 ص 210- 213.

321

رؤية الهلال و يكون مفاد الاصول هو العكس فمقتضى القاعدة هو التخيير؛ لدوران الأمر بين المحذورين، لانّ مخالفة الاصول مخالفة للشمول القطعي لحديث (لا تنقض) و طرح الاخبار يوجب مخالفة للعلم الإجمالي، و هذا بخلاف ما اذا قلنا بحجية الخبر فانّ مع الخبر لا يبقى موضوع للاصول، كما لا يخفى.

و إن كانت الأخبار نافية و الأصول نافية فلا مانع من جريان الأصول أيضا؛ لوجود موضوعها و عدم لزوم المخالفة العملية بناء على عدم حجية الخبر، و إلّا فلا يبقى موضوع للاصول المذكورة، كما لا يخفى.

و إن كانت الأخبار مثبتة و الاصول نافية فلا مجال لجريان الاصول فيما اذا حصل من جريانها العلم القطعي بمخالفتها مع الواقع المعلوم بالعلم الإجمالي، بخلاف ما اذا لم يحصل العلم المذكور، فالمسألة مبنية على جريان الاصول في بعض اطراف المعلوم بالاجمال و عدمه، هذا بخلاف ما اذا قلنا بحجية الخبر فانّ مع الخبر لا يبقى موضوع للاصول مطلقا، كما لا يخفى.

فالثمرة بين حجية الخبر و بين لزوم العمل بالخبر بالدليل العقلي واضحة؛ فإنّ مع حجيّة الخبر يقدم الخبر على الأصل في جميع الصور.

و بما ذكرناه يظهر صحة ما أفاد الشيخ (قدّس سرّه) من أن معنى حجية الخبر كونه دليلا متبعا في مخالفة الاصول العملية، و هذا المعنى لا يثبت بالدليل المذكور، فلا تغفل.

و منها: ما حكي عن صاحب الوافية من انّا نقطع ببقاء التكليف الى يوم القيامة سيما بالاصول الضرورية كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و المتاجر و الأنكحة و نحوها مع انّ جلّ اجزائها و شرائطها و موانعها انما يثبت بالخبر الغير القطعي بحيث نقطع بخروج حقايق هذه الامور عن كونها هذه الامور عند ترك العمل بالخبر الواحد.

و الجواب عنه هو الجواب عن الوجه الأول الذي اعتمد عليه الشيخ الأعظم سابقا، هذا مضافا الى أنّ اختصاص دائرة العلم الاجمالي بالأجزاء و الشرائط يوجب خروج الأخبار

322

الدالة على الواجبات أو المحرمات النفسية و الأخبار الدالة على الاستحباب و الكراهة و الاباحة عن الحجية، مع أنّ المدعى هو حجية جميع الأخبار، و عليه فالدليل أخص من المدعى.

التنبيه التاسع: [أنّ الأدلة الشرعية الدالة على حجية الخبر الواحد قاصرة الشمول بالنسبة الى الموضوعات‏]

أنّ الأدلة الشرعية الدالة على حجية الخبر الواحد قاصرة الشمول بالنسبة الى الموضوعات لاختصاصها بالأحكام و معالم الدين، نعم لا بأس بالتمسك ببناء العقلاء على حجية الخبر الواحد في الموضوعات أيضا؛ لعدم اختصاص البناء بموارد الأحكام، و المفروض هو عدم ثبوت ردع عن ذلك.

و يمكن أن يقال: يكفي في الردع الأخبار الواردة في اعتبار التعدد في الموضوعات، و هي متعددة.

منها: خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي اختك أو رضيعتك و الاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة. (1)

أورد عليه:

أوّلا: بأنها ضعيفة السند؛ لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صدقة.

و ثانيا: بأنه لم يثبت حقيقة شرعية للبينة في المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، بل هي لغة تشمل مطلق الحجة و لو كانت خبر العدل الواحد.

و ثالثا: بأنّه لو سلمنا ارادة البينة المصطلحة فالحصر المستفاد منه إنّما هو بالاضافة الى مورده مما ثبتت الحلية فيه بالامارة أو الاستصحاب، و أما غيره فالرواية أجنبية عنه، و إلّا لزم تخصيص الأكثر لثبوت الحرمة بالاستصحاب و الاقرار و حكم الحاكم. (2)

____________

(1) الوسائل: الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ح 4.

(2) دروس في فقه الشيعة: ج 1 ص 115.

323

و يمكن الجواب عن الاشكالات المذكورة على خبر مسعدة بانّ اعتماد الصدوق على كتاب مسعدة، مضافا الى ما ذهب اليه السيد المحقق البروجردي (رحمه اللّه) على المحكي من وحدته مع مسعدة بن زياد يكفي في وثاقة مسعدة، هذا مع وقوعه في اسناد كامل الزيارات، فتأمّل.

ثم أن البينة الاصطلاحية شائعة مع عصر الصادقين (عليهما السّلام) و حملها على البينة اللغوية لا موجب له.

و أما تخصيص الرواية بموردها فلا وجه له؛ لانّ العبرة بعموم الوارد لا بخصوصية المورد.

و دعوى لزوم تخصيص الأكثر لو لم تخصص بموردها مندفعة بأنّ التخصيص العنواني لا يستلزم ذلك، فافهم.

و عليه فالحصر في الرواية حصر حقيقي لا اضافي، و هو يصلح لردع السيرة العقلائية على حجية خبر الثقة في الموضوعات، و لكن بعد في النفس شي‏ء من ناحية ضعف السند و من جهة عدم تمامية الدلالة.

و منها: الأخبار الواردة في لزوم شهادة العدلين كخبر عبد اللّه بن سليمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الجبن قال: كل شي‏ء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه ميتة. (1) و مورده و إن كان الميتة، و لكن يمكن الغاء الخصوصية، إلّا أنّ الرواية ضعيفة بضعف بعض رواته.

و صحيحة منصور ابن حازم المروية في رؤية الهلال: فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنّهما رأياه فاقضه. (2)

و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أن عليا (عليه السّلام) كان يقول: لا أجيز في الهلال إلّا شهادة رجلين عدلين. (3)

و صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): لا يجوز شهادة النساء في الهلال، و لا يجوز إلّا بشهادة رجلين عدلين. (4)

____________

(1) الوسائل: الباب 61 من أبواب الاطعمة المباحة ح 2.

(2) الوسائل: الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان: ح 4.

(3) الوسائل: الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان ح 1.

(4) الوسائل: الباب 11 من أبواب أحكام شهر رمضان.

324

و غير ذلك من الأخبار ممّا دلّ على لزوم شهادة عدلين في ثبوت الهلال. و تقريب الاستدلال بها على عدم كفاية قول الثقة أنها دلت على اعتبار البينة، و لا خصوصية لمورد الهلال، فمع دلالة تلك الأخبار لا مجال للأخذ ببناء العقلاء.

و يمكن الجواب عنه بأنّه: لا اشكال في دلالتها على لزوم شهادة عدلين في ثبوت الهلال، و إنّما الكلام في أن هذه الأخبار مختصة بموردها أو يعم غيرها، و الغاء الخصوصية مشكل مع أنّ مورد هذه الروايات مما لا يحصل عادة الوثوق النوعي بشهادة واحد من الثقات أو العدول؛ لعدم رؤية الآخرين الذين في صدد الرؤية، فاعتبار شهادة العدلين في مثل هذه الموارد لا ينافي وجود بناء العقلاء في غيرها مما يحصل الوثوق النوعي بشهادة أحد من الثقات كإخبار الثقة بعزل الوكيل كما صرح بكفايته في خبر هشام بن سالم‏ (1) أو إخبار البائع الثقة باستبراء الامة كما في خبر حفص بن البختري‏ (2) أو إخبار الثقة بالوصية كما في خبر اسحاق بن عمار (3) أو إخبار الثقة بدخول الوقت كما في خبر ذريح‏ (4) و غير ذلك من الموارد.

و منها: خبر علقمة قال: قال الصادق (عليه السّلام): و قد قلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني عمن تقبل شهادته و من لا تقبل. فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته.

قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب؟ فقال: يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلّا شهادة الانبياء و الاوصياء (عليه السّلام)؛ لأنهم المعصومون دون سائر الخلائق.

فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر، و شهادته مقبولة و إن كان في نفسه مذنبا، و من اغتابه بما فيه فهو خارج من ولاية اللّه داخل في ولاية الشيطان. (5)

____________

(1) الوسائل: الباب 2 من أبواب كتاب الوكالة: ح 1.

(2) الوسائل: كتاب التجارة الباب 11 من أبواب بيع الحيوان: ح 2.

(3) الوسائل: الباب 97 من أبواب الوصايا: ح 1.

(4) الوسائل: الباب 3 من أبواب الاذان و الاقامة: ح 1.

(5) الوسائل: الباب 40 من أبواب الشهادات: ح 13.

325

بدعوى أنّ قوله (أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان) يدل على أنّ الخبر الواحد عن الذنب لا يثبت شيئا، و لا يضر بذلك دلالة الرواية على أنّ الاصل هو العدالة، مع أنّ مقتضى أكثر الاخبار عدم كفاية الأصل المذكور.

و اللازم هو حمل الرواية على أنّ المركوز في ذهن السائل من العدالة هو ما لا يحتمل في حقه ترك أوامر اللّه تعالى كما أفاد الفاضل الشعراني أو حملها على ما اذا كان له حسن الظاهر أو غير ذلك.

لانّ المقصود من الاستدلال هو هذه الفقرة، و لكن الرواية ضعيفة لضعف طرقها.

و منها: موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام): أنّ شهادة الأخ لاخيه تجوز إذا كان مرضيا و معه شاهد آخر. (1)

و لا يخفى عليك أن شهادة الأخ لأخيه لا تخلو عن مظنة الاتهام، و عليه فاعتبار التعدد في مثله لا يكون دليلا على ردع بناء العقلاء على خبر الثقة في الموضوعات، هذا مضافا الى أنّ اعتبار التعدد في مقام القضاء لا ينافي اعتبار خبر الثقة في سائر الموارد.

و منها: موثقة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي (عليهم السّلام): أنّه كان لا يجيز شهادة رجل على رجل إلّا شهادة رجلين على رجل‏ (2)، و هو صريح في عدم كفاية شهادة رجل واحد.

و لكن يمكن أن يقال: أن المقصود من الرواية بقرينة رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن أبيه عن علي (عليه السّلام): أنّه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حدّ (3) هو الشهادة على الشهادة، و لو سلم أن المراد هو الشهادة على شي‏ء فهو مختص بباب القضاء، و لا يشمل غيره.

و الحاصل: أن الروايات المذكورة محمولة على موارد خاصة كمورد القضاء أو مورد

____________

(1) الوسائل: الباب 40 من أبواب الشهادات: ح 19.

(2) الوسائل: الباب 44 من أبواب الشهادات: ح 2.

(3) الوسائل: الباب 45 من تلك الأبواب: ح 1.

326

الشهادة على الشهادة أو مورد لا يحصل الوثوق النوعي بخبره حتى عند عرف العقلاء.

و بعد حمل هذه الروايات على تلك الموارد فلا وجه لرفع اليد عن بناء العقلاء في موارد ثبوته؛ لوجود البناء و عدم ثبوت الردع و إن كان مقتضى الاحتياط هو مراعاة التعدد، كما لا يخفى.

التنبيه العاشر: [أن حجية الظن الخاص اما تكون بمعنى جعل غير العلم علما بالتعبد]

أن حجية الظن الخاص اما تكون بمعنى جعل غير العلم علما بالتعبد فمع هذا التعبد يجوز الاخبار عن الشي‏ء و لو لم يحصل العلم الوجداني به و يترتب على المخبر به آثاره الواقعي لقيام الحجة عليه و حينئذ تشمل حجية الخبر جميع الامور التكوينية و التاريخية كما سيأتى أن شاء اللّه تعالى في التنبيه الثاني من تنبيهات الانسداد. و اما تكون الحجية بمعنى كون الظنّ منجّزا و معذّرا، فيختصّ حجّية الظنّ الخاص بما اذا كان مؤدى الخبر اثرا شرعيا فلا تعمّ الامور التكوينية و التاريخية اذ لا مورد للمعذرية و المنجزيّة بالنسبة اليها و جواز الاخبار عن تلك الاشياء متفرع على العلم بها و المفروض عدم حصول العلم بها و لا يجوز الاخبار التى بما في الرواية من الثواب و العقاب بل اللازم ان يقال عند الأخبار بهما روى انّه من صام فى رجب كان له كذا.

و لذا قال السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) لا يجوز على مبنى من ذهب الى أن الحجية بمعنى جعل المنجز او المعذر الإخبار البتّى بما في الروايات من الثواب على المستحبات او الواجبات بل لا بد من نصب قرينة دالة على انه مروي عن الائمة (عليهم السّلام) بان يقال روى انّه من صام في رجب كان له كذا، راجع التنبيه الثاني من تنبيهات الانسداد.

و مما ذكرنا يظهر حكم ما اذا قلنا بان حجية الظن الخاص تكون بمعنى جعل المماثل اذ لا يصلح ذلك إلّا في دائرة الاحكام الشرعية، فلا تعمّ غيرها اذ لا حكم شرعي فيه حتى يجعل مماثله عند الاخبار به فتدبر جيدا.

327

الخلاصة التنبيهات‏

التّنبيه الأوّل:

أنّ اعتبار الأخبار من باب التعبّد لا الإرشاد إلى بناء العقلاء و اعتبار الوثوق و الاطمئنان النّوعي بمؤدّاه و لذا يجوز الأخذ بإطلاق الأخبار و لو لم يثبت إطلاق البناء.

و الشاهد لذلك وقوع التعبّد بالرّاجح من المتعارضين عند ترجيح أحدهما بإحدى المرجّحات مع أنّ المرجّحات المذكورة في الأخبار لا توجب الاطمئنان النوعي بالمؤدّى أو وقوع التعبّد بالتخيير عند عدم وجود المرجّحات مع أنّ البناء حينئذ على التساقط.

و هكذا يعتضد ذلك أيضا بوقوع التعبّد بالأخبار و لو مع كثرة الوسائط مع أنّه لا يحصل الاطمئنان أحيانا بسبب كثرة الوسائط أو بوقوع التعبّد بتقديم أخبار ثقات الشّيعة على أخبار ثقات العامّة عند اختلافهما مع أنّه لا فرق بينهما عند العقلاء كما لا يخفى.

كلّ ذلك شاهد على أنّ اعتبار الأخبار من باب الإمضاءات التعبّديّة لا الإرشاد المحض إلى بناء العقلاء.

إنّا لا نقول لا بناء من العقلاء على اعتبار أخبار الثّقات بل نقول لا وجه لحمل أدلة اعتبار الأخبار على الإرشاد بل هي تفيد التعبّد بالأخبار و المستفاد منها هو الأعم ممّا عليه بناء العقلاء و ممّا ذكر ينقدح أنّه لا وجه لحمل سيرة المسلمين أيضا على السّيرة العقلائيّة.

التّنبيه الثّاني:

أنّ ممّا استدلّ به لحجّيّة أخبار الثّقات هو استقرار سيرة المسلمين على استفادة الأحكام الشّرعيّة من أخبار الثّقات المتوسّطة بينهم و بين المعصوم (عليه السّلام) أو المجتهد و لا يعتنون باحتمال الخلاف.

اورد عليه أوّلا: بأنّه كيف يجتمع استقرار السّيرة المذكورة مع اختلاف جماعة من العلماء مثل السيّد و القاضي و ابن زهرة و الطّبرسي و ابن إدريس في جواز العمل بمطلق الخبر فإنّ هؤلاء العلماء و مقلّديهم يخالفون في العمل و مع مخالفتهم لا مجال لدعوى قيام سيرة المسلمين على العمل بالخبر الواحد.

328

اللّهمّ إلّا أن يقال: ما من سيرة إلّا تخالفها جماعة أ لا ترى أنّ السّيرة على رجوع الجاهل إلى العالم و من ذلك خالف فيه الأخباريّون فالملاك في تحقّق السّيرة هو قيام غالب النّاس بحيث يكشف عن رأي الشّارع و هو حاصل و إن خالفها جماعة فتدبّر.

و ثانيا: بأنّه لو سلّم اتّفاقهم على ذلك لم يحرز أنّهم اتّفقوا بما هم مسلمون أو بما هم عقلاء و لو لم يلتزموا بدين.

و يمكن الجواب عنه بأنّه لا موجب لإرجاع سيرة المسلمين إلى سيرة العقلاء بعد ما نرى من الاختلاف بينهما في جواز العمل و عدمه في بعض الأحوال كحال كثرة الوسائط أو حال التعارض و ترجيح أحدهما بالصّفات أو بالمخالفة مع العامّة أو بالموافقة مع الكتاب أو التخيير عند عدم المرجّحات فإنّ الاختلاف المزبور يشهد على أنّ سيرتهم ثابتة بما هم مسلمون لا بما هم عقلاء فتدبّر جيّدا.

و عليه فسيرة المسلمين كالأخبار في إفادة حجّيّة خبر الثقات مطلقا سواء حصل الاطمئنان النوعي أو لا.

نعم لا يبعد تقييدها بما دلّت عليه أخبارنا من تقديم الثّقة الإمامي على الثّقة العامي عند المخالفة.

و دعوى اختصاص السّيرة المذكورة بما إذا حصل الاطمئنان بحيث لا يعتني باحتمال الخلاف ممنوعة لوجدان السّيرة المتشرّعة على نقل الثّقات و لو لم يحصل الاطمئنان النّوعي إذ لا دلالة بين كون الرّاوي ثقة و أمينا و بين الوثوق بصدور ما أخبر به لاحتمال الخطأ و الاشتباه و تعمّد الكذب فيما إذا أحرز الوثاقة بقيام البيّنة أو بحسن الحال.

نعم يمكن الدعوى المذكورة في سيرة العقلاء فإنّها كما أفاد سيّدنا الاستاذ استقرّت على العمل بخبر الثّقة من جهة الوثوق به حيث بنقل الثّقة أو العادل تحصيل الوثوق غالب من قوله حيث لا يحتمل عرفا تعمّده للكذب في شخص هذا الخبر ففي الحقيقة العمل يكون على طبق الوثوق و الاطمئنان.

329

التّنبيه الثّالث:

أنّه لا يخفى عليك وقوع التعبّد بالخبر الواحد الثّقة بعد ما عرفت من الأخبار الكثيرة الدالّة على حجّيّة قول الثّقات.

و دعوى أنّ التعبّد في خبر الثّقة لا مجال له لأنّ وثاقة الشخص إمّا تحصل بالجزم بها من طريق المعاشرة أو بشهادة الإمام (عليه السّلام) بالوثاقة الموجبة للجزم به لعدم احتمال الخطأ فيها و في مثلها لا يتوقّف قبول قول الثّقة على التعبّد للجزم بصدقه بلا تردّد و حيث إنّ الإرجاعات الواردة في الأخبار من هذا القبيل فلا يستفاد منها التعبّد بل تتكفّل الإرشاد إلى وثاقته فيترتّب عليها القبول عقلا للجزم بصدقه لا تعبّدا فما نحتاج إلى التعبّد.

مندفعة بأنّ النصوص لا تنحصر في النّصوص التي هي إرجاعات المعصوم (عليه السّلام) و قد عرفت النصوص الدالّة على تقرير العامّة على العمل بما روى الثّقات عندهم عن علي (عليه السّلام).

كخبر شبيب بن أنس و داود بن فرقد و أيضا عرفت النّصوص الدالّة على اعتماد أصحابنا على نقل الثّقات و لم ينهوا عنه و النّصوص الدالّة على التوجّه النهي عن أخبار غير ثقات العامّة هو الخيانة و مقتضاها هو جواز النقل عنهم عند انتفاء الخيانة.

و الأخبار الدالّة على مفروغية كون خبر الثّقة في نفسه حجّة و إنّما السؤال عن حاله عند ابتلائه بالمعارض و إلى غير ذلك من الرّوايات الدالّة على حجّيّة خبر الثقات و لو لم نعاشرهم و لم يثبت توثيقهم بسبب قول الإمام المعصوم (عليه السّلام) هذا مضافا إلى أنّ بعض الإرجاعات معلّل بعنوان الكلّي من الثّقة المأمون و من المعلوم أنّ هذا العنوان الكلّي ليس ممّا أخبر عنه الإمام (عليه السّلام) بوثاقته حتّى لا يتوقّف قبوله على التعبّد لحصول الجزم به.

و أيضا أنّ الإرجاعات إلى الموثّقين بتوثيق الإمام لا يخصّص بمن سمع من الإمام (عليه السّلام) توثيقه بل الأمر كذلك لمن سمع من الواسطة و من المعلوم أن بعد وجود الواسطة قد لا يحصل القطع و الجزم بوثاقة الواسطة و مع عدم الجزم بها يمكن التعبّد.

و بالجملة لا مجال لإنكار التعبّد رأسا و جعل الأخبار إرشادا كما لا يخفى.

330

التّنبيه الرّابع:

أمّا الوثوق الفعلي بالصدور بمنزلة العلم بالصدور فكما أنّ العلم حجّة عقلا و لا يحتاج إلى الإمضاء فكذلك ما يقوم مقامه من الوثوق الفعلي ثمّ إنّ العلم و الوثوق الفعلي لا يكون مشمولا للآيات النّاهية عن العمل بالظنّ لخروج العلم أو الوثوق الفعلي عنها بالتخصّص.

و عليه فإذا وثقنا وثوقا فعليّا بصدور خبر و لو كان مرسلا أو مسندا بسند ضعيف فالخبر حجّة عقلا و يصلح للاستشهاد إليه للوثوق الفعلي.

و لعلّ من هذا الباب اعتماد الأصحاب على ما روي بسند صحيح عن أصحاب الإجماع لأنّ ذلك يكشف عن احتفاف رواياتهم بقرائن توجب الوثوق الفعلي لهم بصدورها و إن وقع في الطريق غير الثّقات أو كان الطّريق مرسلا أو مرفوعا.

هذا بناء على أنّ معنى اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم بمعنى تحقّق الإجماع على تصحيح المروي لا الرّاوي و حينئذ يكون الإجماع كاشفا عن احتفاف الرّاوي بامور توجب الوثوق الفعلي بوثاقته.

و أيضا يمكن أن يكون من هذا الباب اعتماد الأصحاب على المتون المنقولة في كتب علي بن بابويه و هداية الصّدوق و نهاية الشّيخ و غيرهم فإنّهم اطمأنوا بالاطمئنان الفعلي بصدورها بسبب عمل الأصحاب بها و حينئذ إن حصل لنا ذلك الاعتماد الفعلي فهو حجّة و لعلّ اعتماد جلّ الأصحاب أو كلّهم مع اختلاف مشاربهم و استعداداتهم حاك عن مقرونية المتون أو المروي بالقرائن المحسوسة التي تصلح لإيجاد الوثوق و الاطمئنان الفعلي لنا أيضا و إلّا لما أجمعوا عليه مع اختلاف مبانيهم.

التّنبيه الخامس:

أنّه لا يبعد دعوى أنّ الوثوق النوعي بالصّدور ممّا يصلح للاحتجاج عند العقلاء و إن لم يقرن بالوثوق الفعلي أو لم يكن الرّاوي ثقة و ذلك لأنّ الوثوق النوعي طريق عقلائي و لذا يصحّ احتجاج الموالي على عبيدهم بذلك و دعوى اختصاص الطريق العقلائي بخصوص‏

331

نقل الثّقات مندفعة لصحيحة الاحتجاج المذكور أ لا ترى أنّ الإنسان إذا اطمأن بأنّ سفر البحر و ركوب السّفينة لا يوجب الغرق لنفسه و ماله و حصل له هذا الاطمئنان من أخبار المخبرين يقدم على هذا السفر مع انّه محتمل مع ذلك للغرق و لكن يعامل معه معاملة المعدوم.

و هذا مرتكز في نفوسهم و الارتكاز يمنع عن خطور خلافه في ذهن نوع الأفراد و مع عدم خطور خلافه في الذهن لا يخطر ببالهم أنّ حجّيّة هذا الأمر الارتكازي موقوف على عدم منع المولى بل الاطمئنان المذكور حجّة فعليّة تنجيزيّة فلذا لو ورد من الشّارع النهي عن العمل بالظنّ ينصرف عندهم إلى غير الاطمئنان النوعي و يعاملون مع الاطمئنان المذكور معاملة العلم و إن كان غير علم.

و لو كان للشارع طريقة اخرى لزم عليه أن يبيّنها و يظهرها بالتّصريح و التّنصيص و حيث لم يرد شي‏ء في ذلك يكشف أنّ الشّارع اكتفى بطريقة معمولة عند النّاس.

و دعوى أنّ المسلم هو حجّيّة خبر الثّقة و إلّا فمجرّد الوثوق بصدوره إذا كان الرّاوي غير ثقة غير معلوم الحجّيّة لو لم يكن معلوم العدم أ ترى أنّه إذا حصل الثّقة بصدق الخبر من طريق الرّؤيا مثلا فهذا الخبر حجّة عند العقلاء كلّا و من الواضح أنّ موضوع الأخبار هو كون راوي الخبر ثقة و جعله طريقا إلى الثّقة بالصّدور لو كان فإنّما هو بإلغاء الخصوصيّة العقلائيّة و لا يوافق عليها العقلاء هنا بل هم يرون خبر الثّقة حجّة.

مندفعة بما عرفت من وجود البناء على حجّيّة الوثوق و الاطمئنان النّوعي بالصّدور من دون حاجة إلى إلغاء الخصوصيّة و الشّاهد عليه صحّة الاحتجاج المذكور و لا ملازمة بين وجود البناء على حجّيّة الوثوق النّوعي و الاطمئنان بالصدور في المرتكزات العرفيّة و بين حجّيّة الوثوق الحاصل بالرؤيا لأنّ الحجّيّة تابعة لوجود البناء فإذا علمنا به في المرتكزات دون الحاصل بالرؤيا اختصّت الحجّيّة بالمرتكزات العرفيّة كما لا يخفى.

التّنبيه السّادس:

في انجبار الخبر الضّعيف بعمل المشهور و لا يذهب عليك أنّ عمل الأصحاب بالخبر

332

الضعيف يوجب الوثوق بالصّدور كما أنّ إعراضهم عن العمل بالخبر و لو كان صحيحا يكشف عن اختلاله بشرط أن لا يكون الإعراض اجتهاديا و إلّا فلا يكشف عن شي‏ء كما لا يخفى.

و دعوى أنّ الخبر الضّعيف لا يكون حجّة في نفسه على الفرض و كذلك فتوى المشهور أو عملهم غير حجّة على الفرض و انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة لا يوجب الحجّيّة فإنّ انضمام العدم إلى العدم لا ينتج إلّا العدم.

و عمل المشهور ليس توثيقا عمليّا للمخبر حتّى يثبت بذلك كونه من الثّقات فيدخل في موضوع الحجّيّة لأنّ العمل مجمل لا يعلم وجهه فيحتمل أن يكون عملهم به كما ظهر لهم من صدق الخبر و مطابقته للواقع بحسب نظرهم و اجتهادهم لا لكون المخبر ثقة عندهم هذا بالنّسبة إلى الكبرى.

و أمّا الصّغرى و هي استناد المشهور إلى الخبر الضعيف في مقام العمل و الفتوى فإثباتها أشكل من إثبات الكبرى لأنّ القدماء لم يتعرّضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر الضّعيف فمن أين يستكشف عمل القدماء بخبر ضعيف و استنادهم غاية الأمر أنّا نجد فتوى منهم مطابقة لخبر ضعيف و مجرّد المطابقة لا يدلّ على أنّهم استندوا في هذه الفتوى إلى هذا الخبر إذ يحتمل كون الدّليل عندهم غيره فتحصّل أنّ القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور غير تامّ صغرى و كبرى.

مندفعة أوّلا: بأنّ انضمام غير الحجّة إلى غير الحجّة ربّما يكون موجبا للحجّيّة أ لا ترى في الخبر المتواتر أنّ كلّ خبر ليس في نفسه حجّة و لكن مع الانضمام و حصول التواتر يكون حجّة و الوجه في ذلك هو تراكم الاحتمالات إلى أن تصير ظنّا ثمّ مع تراكم الظّنون و حصول الاطمئنان أو العلم فالعلم و الاطمئنان حجّة.

و هكذا الأمر في المقام فالخبر و إن لم يكن في نفسه حجّة و لكن مع اقترانه بمثل عمل الأصحاب يحصل الاطمئنان بالصدور إذ الأصحاب لم يعملوا بما ليس بحجّة فعملهم‏

333

يكشف عن اقتران الخبر بما يوجب الاطمئنان بصدوره و عليه فلا مجال للمناقشة في الكبرى ثمّ دعوى عدم إحراز عمل الأصحاب مناقشة صغرويّة و هكذا احتمال كون عملهم اجتهاديّا و البحث بعد فرض الاستناد و العلم به و الكشف عن اقتران الخبر بالقرائن المحسوسة بحيث لو اطّلعنا عليه لوثقنا بالصدور كما وثقوا به.

و ثانيا: بأنّ الكلام في الوثوق بالصدور لا توثيق المخبر فالقول بأنّ العمل بخبر ضعيف لا يدلّ على توثيق المخبر أجنبيّ عن المقام.

و ثالثا: بأنّ المتون المفتى بها في عبارات بعض القدماء كعلي بن بابويه و الصدوق في الهداية و الشّيخ في النّهاية و غيرهم روايات و أخبار استندوا إليها في الفتاوى و يكفي في الوثوق بصدورها عملهم بها و الفتوى بها فلا وجه للقول بأنّ القدماء لم يتعرّضوا للاستدلال بالروايات في كتبهم ليعلم استنادهم إلى الخبر.

و رابعا: بأنّ مطابقة فتوى القدماء للخبر الضّعيف و إن لم تدلّ على استنادهم إلى خصوص الخبر الضعيف لاحتمال أن يكون الدّليل عندهم غيره و لكن تصلح للوثوق بصدور مضمون الخبر لأنّ القدماء لم يفتوا من دون دليل فإذا أجمعوا على الفتوى بشي‏ء يكشف ذلك عن وجود دليل تامّ الدّلالة على ذلك سواء كان هو الخبر الضّعيف أو غيره ممّا يكون مطابقا له في المضمون و على كلّ تقدير يحصل الوثوق بصدور مضمون الخبر و إن لم يعلم استنادهم إلى خصوص الخبر الضّعيف فلا تغفل.

فتحصّل أنّ القول بانجبار الخبر الضعيف بعمل المشهور أو فتاويهم تامّ كبرى و صغرى عند إحراز عملهم بالخبر الضعيف أو بما يطابقه في المضمون فتدبّر جيّدا.

و هكذا يتمّ القول بأنّ إعراض المشهور عن العمل بالخبر مع وضوح صحّته و تماميّة دلالته يوجب الوهن في الخبر و يكشف عن اختلال في الرّواية من ناحية الصّدور و إلّا فلا وجه لإعراضهم مع تماميّة السّند و الدلالة و لا فرق في ذلك بين الشهرة و الإجماع و اختصاص الوهن بإعراض الإجماع عن الخبر لا وجه له.

334

التّنبيه السّابع:

أنّه لا تفاوت في حجّيّة الآحاد من الأخبار بين المنقولة بالواسطة و بين المنقولة بلا واسطة في شمول أدلّة الاعتبار من السيرة و بناء العقلاء و الرّوايات الدالّة على حجّيّة الخبر الواحد و تخصيص الأدلّة بالمنقولة بلا واسطة لا وجه له.

و دعوى أنّ الخبر مع الواسطة خبر عن الموضوع لا الحكم الشّرعي الكلّي و المشهور عدم حجّيّة الخبر في الموضوعات بل لا بدّ فيها من قيام البيّنة إذ ليس في النّصوص الدالّة على اعتبار الخبر ما يدلّ على حجّيّة الخبر مع الواسطة.

و الأخبار التي بأيدينا كلّها من هذا القبيل لأنّها منقولة بالواسطة فالنّصوص الدالّة على اعتبار الأخبار لا تنفع في إثبات حجّيّتها.

و يشهد له خبر مسعدة بن صدقة الذي فيه: و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة بناء على أنّ المراد من البيّنة هي البيّنة الاصطلاحيّة.

مندفعة أوّلا: بأنّ مورد خبر مسعدة بن صدقة هي الموضوعات الصّرفة التي لا ارتباط لها مع الحكم بل هي مجرّد الموضوع و هذا بخلاف المقام فإنّ الخبر عن الخبر ينتهي إلى نقل الحكم و عليه فلا يكون المقام مشمولا لخبر مسعدة بن صدقة و لا أقل من الشكّ و معه فلا يرفع اليد عن عموم أدلّة اعتبار أخبار الآحاد بما هو مشكوك في مفهومه من جهة اختصاصه بمورده أو عدمه هذا مضافا إلى ما فيه من ضعف السّند.

و ثانيا: بأنّه لو سلّمنا شمول مثل خبر مسعدة بن صدقة للمقام فيقدّم أدلّة اعتبار الخبر لقوّة ظهورها في شمول الخبر مع الواسطة كقوله (عليه السّلام) «ائت أبان ابن تغلب فإنّه قد سمع منّي حديثا كثيرا فما رواه لك فأروه عنّي» و من المعلوم أنّ الأمر بالرّواية عن الرّواية من دون شرط يشمل الرّواية مع الواسطة أيضا هذا مضافا إلى أنّ قوله (عليه السّلام) «فأروه عنّي» يدلّ على الأمر بالرّواية عن الرّواية و هي الرّواية مع الواسطة، و كغيره من الرّوايات المتعدّدة المتضافرة الدالّة على جواز الرّواية و لو مع الواسطة أو تقرير الرّواية و لو مع الواسطة أو الرّواية مع الواسطة.

335

و ثالثا: بقيام السّيرة القطعيّة على عدم الفرق بين المنقولة بدون الواسطة و بين المنقولة مع الواسطة فتحصّل أنّه لا إشكال في شمول أدلّة الاعتبار للمنقولة مع الواسطة هذا بحسب مقام الإثبات.

و أمّا بحسب مقام الثّبوت فقد يشكل في ذلك إمّا بأنّ معنى حجّيّة الخبر هو وجوب التّصديق بمعنى لزوم ترتّب الأثر الشّرعي على الخبر و عليه فالحكم بحجّيّة الخبر مع الواسطة يتوقّف على أمرين: أحدهما إحراز نفس الخبر. و ثانيهما وجود أثر شرعي حتّى يحكم بترتّبه عليه و من المعلوم أنّ في المقام لا يحرز الواسطة و لا أثرها إلّا بنفس حجّيّة الخبر و لازم ذلك هو تقدّم المتأخّر مضافا إلى لزوم اتحاد الحكم و الموضوع.

و توضيح ذلك أنّ خبر الكليني محرز لنا بالوجدان و مع الإحراز المذكور يحكم بحجّيّته و وجوب تصديقه بالمعنى المذكور بمقتضى أدلّة حجّيّة الأخبار و أمّا خبر من يروي عنه الكليني ممّن كان متقدّما عليه و خبر المتقدّم عليه ممّن تقدّم عليه من الرواة إلى أن ينتهي إلى الإمام المعصوم (عليه السّلام) فهو غير محرز لنا بالوجدان و إحرازه بنفس الحكم بحجّيّة خبر الكليني و الحكم عليه بنفس هذه الحجّيّة يستلزم أن يكون الخبر المحرز من ناحية هذه الحجّيّة متقدّما على نفس هذه الحجّيّة مع أنّه متأخّر عنها فالحكم بالحجّيّة في المقام مع هذه الخصوصيّة يوجب أن يتقدّم المتأخّر و هو محال.

و يمكن الجواب عنه بأنّ الإشكال ناش من توهّم كون الحكم بالحجّيّة حكما شخصيّا و القضيّة قضيّة خارجيّة و أمّا إذا كان الحكم بالحجّيّة بنحو القضيّة الحقيقيّة فلا يلزم هذا الإشكال أصلا فإنّ الحكم بحجّيّة خبر الكليني يوجب إحراز خبر من يروي عنه الكليني فبعد الإحراز المذكور يشمل القضيّة الحقيقيّة لفرد آخر منها لا عين الفرد الثّابت بخبر الكليني.

و مع تعدّد الحكم بتعدّد الأفراد لا يلزم أيضا إشكال اتّحاد الحكم و الموضوع إذ الحكم يوجب ترتيب ما للمخبر به و هو خبر من يروي عنه الكليني ليس بنفس شخص الحكم في‏

336

دليل حجّيّة خبر الكليني بوجوب تصديق خبر العادل بل يكون بفرد آخر من أفراد القضيّة الحقيقيّة و قد يشكل ذلك إمّا بأنّ التعبّد بحجّيّة الخبر يتوقّف على أن يكون المخبر به بنفسه حكما شرعيا أو ذا أثر شرعي مع قطع النظر عن دليل حجّيّة الخبر ليصحّ التعبّد بالخبر بلحاظه و إلّا فالتعبّد بحجّيّة الخبر فيما لم يكن له حكم شرعي أو أثر شرعي لغو محض و لا ارتباط له بالشرع و مقتضى ذلك أنّ دليل الحجّيّة لا يشمل الأخبار مع الواسطة لأنّها ليست إلّا الخبر عن الخبر و هذا الإشكال يجري في أخبار جميع سلسلة الرّواة إلّا الخبر المنتهى إلى قول الإمام (عليه السّلام).

و يمكن الجواب بأنّ الطريق إلى أحد المتلازمين طريق إلى الآخر و إن لم يكن المخبر ملتفتا إلى الملازمة فحينئذ نقول يكفي في حجّيّة خبر العادل انتهاؤه إلى أثر شرعي فكما أنّ الطريق إلى الحكم الشّرعي العملي طريق إليه و يشمله أدلّة الحجّيّة فكذلك الطريق إلى طريق الحكم الشّرعي أيضا طريق إلى الحكم الشرعي و يشمله أدلّة الحجّيّة.

و عليه فنفس خبر العادل كخبر الشّيخ الطّوسي عن خبر العادل كالشّيخ المفيد إلى أن ينتهي إلى المعصوم (عليه السّلام) يكون موجبا لكشف الظنّ النوعي بقول المعصوم فتشمله أدلّة التعبّد.

فيكون حجّة و لا حاجة إلى شمول أدلّة التعبّد بنفس الوسائط حتّى يقال لا أثر للوسائط.

التّنبيه الثّامن:

أنّه ربّما يستدلّ على حجّيّة الخبر بالوجوه العقليّة.

منها أنّا نعلم إجمالا بصدور أكثر الأخبار أو كثير منها و احتمال الجعل لا يكون في جميع الأخبار فإذا ثبت العلم الإجمالي بوجود الأخبار الصّادرة فيجب الاحتياط بالعمل لكل خبر مع عدم المعارض و العمل بمظنون الصّدور أو مظنون المطابقة للواقع عنه وجود المعارض.

و فيه أنّ مقتضى هذا الدّليل هو وجوب العمل بالخبر المقتضي للتّكليف لأنّه الذي يجب العمل به و أمّا الأخبار النّافية للتّكليف فلا يجب العمل بها كما لا يخفى و أيضا معنى حجّيّة

337

الخبر كونه دليلا متّبعا في مخالفة الاصول العمليّة و الأصول اللفظيّة مطلقا و هذا لا يثبت بالدليل المذكور.

لا يقال إنّ العلم الإجمالي بورود التخصيص في بعض العمومات يوجب سقوط أصالة العموم أو الإطلاق عن الحجّيّة.

لأنّا نقول نعم و لكن العلم الإجمالي بإرادة العموم أو الإطلاق في بعض العمومات يقتضي وجوب الاحتياط بالعمل بجميع العمومات و المطلقات الدالّة على التّكاليف الإلزاميّة و الخاصّ المذكور لا يكون حجّة ليكون موجبا لانحلال العلم الإجمالي و حينئذ فالثمرة بين القول المذكور بالاحتياط من جهة العلم الإجمالي و بين القول بحجّيّة الخبر واضحة حيث إنّه إن قلنا بحجّيّة الخبر فهو مقدّم على العامّ أو المطلق و إن قلنا بوجوب العمل بالخبر من باب الاحتياط فالخبر ليس مقدّما على العامّ أو المطلق بل يجب العمل بالعموم أو المطلق كما لا يخفى.

و يظهر الثّمرة أيضا إذا كان مفاد كلّ من العامّ أو الخاصّ حكما إلزاميا بأن يكون مفاد العام وجوب إكرام العلماء و مفاد الخاص حرمة إكرام العالم الفاسق مثلا فعلى القول بحجّيّة الأخبار لا إشكال في تقديم الخاصّ على العمومات و تخصيصها به و على القول بوجوب العمل بالأخبار من باب الاحتياط فلا يمكن الاحتياط في الفروض و يكون المقام نظير دوران الأمر بين المحذورين و العقل يحكم حينئذ بالتّخيير.

هذا معنى الكلام في بيان الثّمرة بين حجّيّة الخبر و بين لزوم العمل بالخبر بالدّليل العقلي بالنّسبة إلى الاصول اللّفظية.

و أمّا بالنّسبة إلى الاصول العمليّة فإن كانت الأخبار نافية و الأصول مثبتة فلا إشكال في تقديم الاصول المثبتة لوجود موضوعها و هو الشكّ بعد عدم حجّيّة الخبر بخلاف ما إذا كان الخبر حجّة فإنّه مقدّم على الاصول المثبتة إذ لا يبقى موضوع الاصول المذكورة مع الخبر الحجّة كما لا يخفى و إن كانت الأخبار مثبتة و كانت متوافقة مع الاصول فلا إشكال أيضا في‏

338

جريان الاصول المذكورة على القول بوجوب الخبر من باب الاحتياط دون القول بحجّيّة الخبر فإنّه لا ورود لموضوع الاصول حينئذ بناء على المعروف.

و إذا لم يكونا متوافقين كأن يكون مفاد الأخبار حرمة الجمعة و مفاد الاصول هو العكس فمقتضى القاعدة هو التخيير لأنّ مخالفة الاصول مخالفة للشمول القطعي لحديث (لا تنقض) و طرح الأخبار يوجب مخالفة العلم الإجمالي بخلاف ما إذا قلنا بحجّيّة الخبر فإنّ مع الخبر لا يبقى موضوع للاصول.

و إن كانت الأخبار نافية و الاصول نافية فلا مانع من جريان الاصول لوجود موضوعها و لا يلزم من ذلك المخالفة العمليّة على عدم حجّيّة الخبر.

و إن كانت الأخبار مثبتة و الاصول نافية فالمسألة مبنيّة على جريان الاصول في بعض أطراف المعلوم بالإجمال و عدمه بخلاف ما إذا قلنا بحجّيّة الخبر فإنّ مع الخبر لا يبقى موضوع للاصول مطلقا.

فانقدح أنّ معنى حجّيّة الخبر كونه دليلا متّبعا في مخالفة الاصول العمليّة و هذا المعنى لا يثبت بلزوم العمل بالخبر بالدّليل العقلي.

التّنبيه التّاسع:

أنّ الأدلّة الشرعيّة الدالّة على حجّيّة الخبر الواحد قاصرة الشمول بالنّسبة إلى الموضوعات لاختصاصها بالأحكام و معالم الدّين.

نعم يمكن التمسّك ببناء العقلاء على حجّيّة الخبر الواحد في الموضوعات بعد عدم اختصاص بنائهم بموارد الأحكام و المفروض عدم ثبوت الردع عن ذلك البناء أشكل ذلك بأنّ البناء المذكور مردوع بمثل الأخبار الواردة في اعتبار التعدّد في الموضوعات و هذه الأخبار متعدّدة.

منها خبر مسعدة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثّوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة

339

و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع نفسه أو ضرع فبيع قهرا أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة.

بدعوى أنّه يدلّ على حصر حقيقي فيستفاد منه عدم حجّيّة الخبر الواحد في الموضوعات ما لم يتعدّد و يصدق عليه البيّنة.

أورد عليه أوّلا: بضعف السّند لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صدقة و إن حكي عن السيّد المحقّق البروجردي اتّحاده مع مسعدة بن زياد.

و ثانيا: بأنّه لم يثبت حقيقة شرعيّته للبيّنة و لعلّ المراد منها معناه اللغوي و هو الحجّة و هي تصدق على الخبر الواحد اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ البيّنة الاصطلاحيّة شائعة في عصر الصادقين (عليهما السّلام) و حملها على البيّنة اللغويّة لا موجب له.

و ثالثا: بأنّه لو سلّمنا إرادة البيّنة المصطلحة فالحصر المستفاد منها إنّما هو بالإضافة إلى موردها ممّا ثبتت الحلّيّة فيه بالأمارة أو الاستصحاب و أمّا غيره فالرّواية أجنبيّة عنه و إلّا لزم تخصيص الأكثر لثبوت الحرمة بالاستصحاب و الإقرار و حكم الحاكم اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ التّخصيص الأكثر لا يلزم إذا كان التّخصيص عنوانيّا.

فنتحصّل أنّه لم يثبت ردع عن بناء العقلاء.

و منها الأخبار الواردة في لزوم شهادة العدلين في الموارد الخاصّة كالميتة و رؤية الهلال بدعوى أنّها تدلّ على عدم كفاية قول الثّقة و حيث لا خصوصية لتلك الموارد فيستفاد منها عدم جواز الاكتفاء بقول الثّقة في جميع الموارد و لهذا يثبت الردع عن بناء العقلاء.

و اجيب عن ذلك بأنّ هذه الأخبار مختصّة بمواردها و إلغاء الخصوصيّة مشكل فاعتبار شهادة العدلين في مثل هذه الموارد لا ينافي وجود بناء العقلاء في غيرها ممّا يحصل الوثوق النّوعي بشهادة أحد من الثقات.

التّنبيه العاشر:

أنّ حجّيّة الظنّ الخاصّ إمّا تكون بمعنى جعل غير العلم علما بالتعبّد فمع هذا التعبّد يجوز

340

الإخبار عن الشي‏ء و لو لم يحصل العلم الوجداني به و يترتّب على المخبر به آثاره الواقعي لقيام الحجّة عليه و حينئذ تشمل حجّيّة الخبر جميع الأمور التكوينيّة و التاريخيّة كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في التّنبيه الثّاني من تنبيهات الانسداد.

و إمّا تكون الحجّيّة بمعنى كون الظنّ منجّزا و معذّرا فيختصّ حجّيّة الظنّ الخاصّ بما إذا كان مؤدّى الخبر أثرا شرعيّا فلا تعمّ الامور التكوينيّة و التاريخيّة إذ لا مورد للمعذّريّة و المنجّزيّة بالنّسبة إليها و جواز الإخبار عن تلك الأشياء متفرّع على العلم بها و المفروض عدم حصول العلم بها و لا يجوز الإخبار الّتي بما في الرّواية من الثواب و العقاب فاللّازم أن يقال عند الإخبار بهما روى أنّه من صام في رجب مثلا كان له كذا.

341

8- الظنّ المطلق‏

و لا يخفى عليك أن الظن المطلق يكون في مقابل الظن الخاص كخصوص الخبر أو خصوص ظهورات الالفاظ و نحوهما من الظنون الخاصة.

ثم إنّ الادلة التي أقاموها في المقام على حجية الظن المطلق لا تدل على حجية خصوص الظن الخبري و إن كان الخبر مطلقا أو قسم منه متيقن الثبوت من هذه الادلة التي لا تدل إلّا على حجية الظن في الجملة.

و بهذا يظهر الفرق بين الأدلة التي اقيمت في المقام و بين الادلة التي مضت لحجية الخبر من الآيات و الروايات؛ فإنها دلت على حجية خصوص الظن الخبري مثلا، بخلاف أدلة المقام فانها تقوم على اعتبار الظن المطلق، و لا نظر لها الى خصوص الظن الخبري و نحوه، كما هو واضح.

ثمّ إنّ الوجوه التي ذكروها في المقام لاثبات حجية الظن المطلق على قسمين:

الأول: ما لا يختص بزمان الانسداد، بل يشمل زمان الانفتاح و زمان امكان تحصيل العلم أو العلمي بالأحكام الواقعية.

و الثاني: ما يختص بزمان انسداد باب العلم أو العلمي، و هو الذي يعبر عنه بالظن الانسدادي، و لذا يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: [في الوجوه التي ذكروها لحجية الظن المطلق‏]

في الوجوه التي ذكروها لحجية الظن المطلق من دون اختصاص لها بزمان الانسداد، و هي متعددة:

الوجه الأوّل: [في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التحريمي‏]

أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التحريمي مظنّة للضرر، و حيث أن دفع الضرر لازم، فالواجب هو لزوم التبعية عما ظنه من الحكم المذكور، و هذا هو معنى الحجية.

و هذا الدليل مركب من الصغرى و الكبرى:

342

أما الصغرى و هي أن مخالفة المجتهد لما ظنّه مظنة للضرر فلأنّ الظن بالوجوب ظنّ باستحقاق العقوبة على الترك كما أنّ الظن بالحرمة ظن باستحقاق العقوبة على الفعل أو لأنّ الظنّ بالوجوب ظن بوجود المفسدة في الترك كما أن الظن بالحرمة ظنّ بالمفسدة في الفعل بناء على قول العدلية بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد.

و أمّا الكبرى و هو وجوب دفع الضرر فهو حكم الزامي عقلي يدركه كل عاقل بحيث لو تخلف عنه استحق العقوبة و المذمة، و لذا استدل به المتكلمون على وجوب شكر المنعم و وجوب النظر في المعجزة و لزوم استماع دعوى النبي أو الولي، كما لا يخفى.

أورد عليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) بأنّ الصغرى ممنوعة سواء كان المراد من الضرر المظنون هو العقوبة أو المفسدة.

أمّا إذا كان المراد من الضرر المظنون هو العقوبة فلانّ استحقاق العقاب على الفعل أو الترك كاستحقاق الثواب عليهما ليس ملازما للوجوب و التحريم الواقعيين، كيف و قد يتحقق التحريم و نقطع بعدم العقاب في الفعل كما في الحرام و الواجب المجهولين جهلا بسيطا أو مركبا، بل استحقاق الثواب و العقاب إنّما هو على تحقق الاطاعة و المعصية اللتين لا تتحققان إلّا بعد العلم بالوجوب و الحرمة أو الظنّ المعتبر بهما. (1)

و بعبارة أخرى: استحقاق العقاب من آثار تنجز التكليف لا من لوازم وجوده الواقعي، و لا يتنجز التكليف إلّا بالوصول، و مع عدم العلم الوجداني به أو الحجة المعتبرة لا وصول، و مع عدم الوصول لا تنجز للتكليف الواقعي، و مع عدم تنجز التكليف الواقعي لا عقاب على مخالفته؛ لأنه عقاب بلا بيان بحكم العقل، كما لا يخفى.

و الظن الغير المعتبر لا يوجب تنجيز التكليف الواقعي؛ لأنه ليس ببيان عند العقلاء، و لا يصل التكليف بالظن الغير المعتبر كما لا يصل بالشك، فلا ملازمة بين الظن الغير المعتبر بالتكليف و بين الظن بالعقاب؛ لما عرفت من أن استحقاق العقاب متفرع على تنجز

____________

(1) فرائد الاصول: ص 108.

343

التكليف، و هو لا يحصل عند العقلاء إلّا بالوصول، و هو لا يتحقق إلّا بالعلم أو قيام الظن المعتبر عليه، و المفروض هو العدم.

نعم لو لم نقل باستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان كان احتمال العقوبة في فرض الظن الغير المعتبر بالحكم موجودا، أو معه تجري قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل؛ و لذا قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): نعم لو ادعي أن دفع الضرر المشكوك لازم توجه فيما نحن فيه الحكم بلزوم الاحتراز في صورة الظن بناء على عدم ثبوت الدليل على نفي العقاب عند الظن، فيصير وجوده محتملا، فيجب دفعه. (1)

و هكذا قال صاحب الكفاية: إلّا أن يقال: أن العقل و إن لم يستقل بتنجزه بمجرد الظن الغير المعتبر بالحكم بحيث يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفته، إلّا أنّه لا يستقل أيضا بعدم استحقاقها معه، فيتحمل العقوبة حينئذ على المخالفة. و دعوى استقلاله بدفع الضرر المشكوك كالمظنون قريبة جدا لا سيّما اذا كان هو العقوبة الاخروية. (2)

و عليه فمع ضميمة هذه الصغرى مع الكبرى تفيد وجوب التبعية عما ظنه المجتهد من الحكم.

و لكن دعوى عدم استقلال العقل بعدم استحقاق العقوبة مع وجود الظن الغير المعتبر مع أن التكليف غير واصل بمجرد الظن الغير المعتبر، كما ترى. و لذا صرح الشيخ الأعظم بعد ما عرفت من عبارته بقوله: لكنه رجوع عن الاعتراف باستقلال العقل و قيام الاجماع على عدم المؤاخذة على الوجوب و التحريم المشكوكين. (3)

كلام حول حق الطاعة

ربما يقال: إنّ حق الطاعة للّه تعالى ثابت على عبيده، و على هذا الاساس يحكم العقل‏

____________

(1) فرائد الأصول: ص 109.

(2) الكفاية: ج 2 ص 110- 111.

(3) فرائد الاصول: ص 109.

344

بوجوب اطاعة اللّه و لو في موارد احتمال التكليف، فكما أن الانسان اذا علم بتكليف من اللّه كان من حق اللّه تعالى أن يمتثله، فكذلك اذا ظن بالتكليف أو احتمله كان من حق اللّه تعالى أيضا أن يأتي به و يمتثله حتى يؤدي اليه تعالى حقه. و هذا الادراك العقلي لا يختص بالتكاليف المعلومة، بل هو موجود في المحتملات و المظنونات ما لم يرخص الشارع في ترك التحفظ و الاحتياط. و عليه فالبراءة العقلية لا أصل لها؛ لانه اذا كان حق الطاعة يشمل التكاليف المشكوكة فهو بيان رفع البيان.

فلا يكون عقاب اللّه للمكلف اذا خالفها قبيحا؛ لانّ المخالف يفرط في حق مولاه بالمخالفة فيستحق العقوبة، و مع عدم جريان قاعدة قبح العقاب فاحتمال العقوبة موجود، و مع وجود احتمال العقوبة في المظنونات و المشكوكات يجب دفعه؛ لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل أو المظنون و يتم البرهان.

و يمكن الجواب عنه بانّ المعلوم من طريقه الشارع أنه لم يتخذ في باب الامتثال طريقة غير طريقة العقلاء. و لو لا ذلك لبيّن طريقة اخرى غير طريقتهم في اطاعة الموالي. و لو بينها لشاعت و لبانت في مثل هذه المسألة التي تكون مورد الابتلاء، و الطريق العقلائي في الاطاعة و الامتثال هو لزومهما عند احراز موضوعهما، بخلاف ما اذا لم يثبت موضوعهما، و عليه فاذا ثبت أن حق الطاعة في الموالي العرفية يختص بالتكاليف المعلومة فحق الطاعة في مورد اللّه سبحانه و تعالى أيضا كذلك.

و لا يوجب أو سعية حقه تعالى رفع اليد عن الطريقة العقلائية بعد عدم اتخاذ الشارع طريقه اخرى غير طريقة العقلاء في مقام الامتثال و من المعلوم أن كبرى لزوم اطاعة اللّه كسائر الكبريات النقلية و الشرعية تتوقف على احراز الموضوع، و بدونه لا تنتج الحكم بلزوم الاتيان بالشي‏ء أو الترك، فالمحتملات لا يحرز كونها اطاعة للمولى، و مع عدم الاحراز فلا يجب الاطاعة فيها، و احتمال العقوبة فيها ينتفي بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بعد اختصاص حق الطاعة بالتكاليف المعلومة بالعلم الوجداني أو العلمي عند العقلاء؛ اذ لا

345

مانع من جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في الموارد المشكوكة، و مع جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان ينتفي احتمال العقوبة، و مع انتفاء احتمال العقوبة يختل البرهان المذكور.

لا يقال: أن مورد جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان عند العقلاء مختص بما اذا امكن البيان و مع ذلك لم يبين، و أما اذا لم يمكن البيان كما اذا وضع مثلا شخص يده على فم المولى و منعه عن التكلم و احتملنا أن المولى أراد بيان وجوب كذا أو حرمة كذا فلا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و جميع الموارد المحتملة للتكاليف تكون من هذا القبيل، فان المولى مع حدوث الموانع من الظلمة و الكذبة لا يتمكن من البيان، فلا يجوز الأخذ بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في تلك الموارد لنفي العقوبة المحتملة عند العقلاء، و معه فاحتمال العقوبة موجود، و يتم البرهان بضميمة كبرى وجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل.

لانا نقول: موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان ثلاثة:

أحدها: الموارد التي أمكن للمولى البيان و لم يبين ففى هذه الصورة يقبح العقوبة من دون فرق في ذلك بين التكاليف الواردة من ناحية المولى الحقيقي و هو اللّه سبحانه و تعالى و بين التكاليف الواردة من الموالي العرفية.

و ثانيها: هى الموارد التي لا اشكال في عدم جريانها فيها و هي الموارد التي فرض العلم بوجود الارادات الحتمية فيها مع عدم تمكن المولى من البيان لوجود مانع يمنعه عن البيان أو لوجود الغفلة أو النوم عن الالتفات اليه حتى يأمر و ينهى. و قياس مقامنا بهذه الموارد مع وجود الشك في ارادة المولى و أن علمنا اجمالا بحدوث الموانع من الظلمة و الكذبة قياس مع الفارق اذ كل مورد يشك فيه لم يعلم بالارادة الحتميّة حتى تكون الارادة المعلومة بمنزلة البيان.

و ثالثها: هى الموارد التي يشك في أنّها من قبيل الموارد الاولى أو الثانية ففي هذه الموارد تجري القاعدة عند العقلاء إلّا في بعض مهام الامور خصوصا مع ما يترتب عليه من اختلال النظام و العسر و الحرج.

346

و عليه فدعوى عدم جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان في جميع الموارد المشكوكة بعد ما عرفت من أن الشارع لم يتخذ طريقة أخرى في الامتثال كما ترى.

فتحصّل: أنّ دعوى استقلال العقل بعدم المؤاخذة على الأحكام المشكوكة كما أفاد شيخنا الأعظم غير بعيدة، و معه لا يحرز الصغرى لوجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل.

قال المحقق العراقي (قدّس سرّه): إن كان المراد من الضرر المظنون هو الضرر الاخروي أي العقوبة فالصغرى ممنوعة، لعدم استلزام الظن بالتكليف للظن بالعقوبة على المخالفة مع حكم العقل الجزمي بقبح العقاب بلا بيان. (1)

و مما ذكرنا يظهر الكلام فيما قيل من أنه لو جاء احتمال العقاب و لو لاحتمال انّ العقلاء و العقل يرون الظن بمنزلة الشبهة البدوية قبل الفحص فالعقاب و إن لم يكن مظنونا بل محتملا، و لا محالة لا تتم صغرى هذا الدليل لانتفاء الظن بالفرض، إلّا أنّ مجرد احتماله كاف لوجوب دفعه كما في الكفاية.

و ذلك لما عرفت من أنّ مع جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو بناء العقلاء على عدم المؤاخذة في المحتملات من التكاليف أو البراءة الشرعية لا مورد لاحتمال العقاب، و مع عدم احتمال العقوبة لا مورد لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، كما لا يخفى. قال سيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه): و تنقيحه يستدعى رسم مقدمة هي أن العبد في مقام اطاعة المولى اما أن يشك في التكليف لكنه يعلم انه لو كان ثابتا في الواقع لما امكن ابلاغ المولى اياه المانع عقلى كالخوف و غيره او عادي كالتوهين لمقامه لو اراد طلب العبد و اعلامه مقاصده.

او يشك فيه و في وجود المانع عقليا او عاديا في الابلاغ و الاعلام او يشك فيه و يعلم بصدور بعض التكاليف من قبله لكنه عرض الاختفاء لبعض الاسباب الخارجية بحيث لم يكن للمولى في ذلك تقصير.

او يعلم بصدور التكاليف ايضا لكنه يشك فى أن هذا الموضوع هل من مصاديق‏

____________

(1) نهاية الافكار: ج 3 ص 144.

347

موضوع الحكم ام لا او يشك فيه و يعلم انه لو كان ثابتا فى الواقع ليس للمولى مانع عن اعلامه مطلقا.

اذا عرفت ما ذكرنا فنقول لا اشكال فى أن العقلاء بما هم كذلك لا يتوقفون فى محتمل المطلوبية و لا يقتحمون فى محتمل البغوضية فى مقاصدهم و اغراضهم فى شي‏ء من الموارد و اذا كانوا كذلك فى الامور الراجعة اليهم فبطريق اولى فى الامور الراجعة الى مواليهم لانهم يرون العبد فانيا فى مقاصد المولى و بمنزلة اعضائه و جوارحه بحيث يجب أن يكون مطلوبه مطلوب المولى و غرضه غرضه لا غرض نفسه و مطلوبه فاذا كان العبد فى اموره بحيث ينبعث او يرتدع باحتمال النفع و الضرر فيجب عليه بطريق اولى أن يرتدع بمجرد احتمال كون هذا مطلوبا للمولى او كون ذاك مبغوضا له و اذا كان هذا حكم العقلاء بما هم فكيف يحكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.

نعم لما يؤدى الاعتناء بمجرد الاحتمال في الموارد التى عرفت الى اختلال النظام و عدم نظم المعاش بنوا على الحكم بالعدم فيما لم يكن للمولى مانع لا عقلى و لا عادى عن اعلام مقاصده و لم يكن مانع ايضا عن وصوله الى العبد بعد صدوره عنه و حيث لم يردعهم المولى عن هذا البناء يحتجون عليه فيما اراد المولى ان يعاقبهم على ترك محتمل المطلوبية او فعل محتمل المبغوضية بانك لو اردت لكان عليك الاظهار و الاعلام و هذا البناء كبنائهم على حجية الظواهر لتنظيم امور المعاش فانه لولاه لكان الامر مؤديا الى الاختلال و الاغتشاش‏ (1)

و لقائل أن يقول لو سلمنا وجود بناء العقلاء على الاحتياط فى جميع الموارد المذكورة حتى مع عدم العلم بالتكليف مجرد احتماله فلا يمكن الاستدلال به للاولوية فى المقام لان بناء الشارع على الاخذ بالسهولة و مع هذا الفرق بين مولى الموالى و سائر العقلاء كيف يمكن التعدى عن مورد البناء الى المقام بالاولوية فلا تغفل.

____________

(1) المحاضرات 2/ 237- 238.

348

هذا مضافا الى أن وجود البناء على الاحتياط فيما اذا شك فى اصل التكليف و في وجود المانع عقليا او عاديا في الابلاغ و الاعلام او فيما اذا شك في التكليف و علم أن التكليف له لو كان ثابتا في الواقع لما امكن ابلاغ المولى اياه لمانع عقلى او عادى غير محرز.

كما انه لا بناء على الاحتياط فيما اذا شك في التكليف و علم انه لو كان ثابتا في الواقع ليس للمولى مانع عن اعلامه مطلقا و سيأتى أن شاء اللّه تعالى بقية الكلام في الموضعين من البراءة فانتظر

هذا تمام الكلام فيما اذا كان المراد من الضرر المظنون هو العقوبة فقد عرفت أن الصغرى ممنوعة، فيختل بذلك القياس المذكور لحجية الظن المطلق.

و أما اذا كان المراد من الضرر المظنون هو الظن بالالقاء في المفسدة أو الظن بتفويت المصلحة ففيه أيضا منع الصغرى كما في فرائد الاصول حيث قال: أن الضرر بهذا المعنى و إن كان مظنونا إلّا أن حكم الشارع قطعا أو ظنا بالرجوع في مورد الظن الى البراءة و الاستصحاب و ترخيصه لترك مراعاة الظن أوجب القطع أو الظن بتدارك ذلك الضرر المظنون، و إلّا كان ترخيص العمل على الأصل المخالف للظن القاء في المفسدة أو تفويت المصلحة.

و لذا وقع الاجماع على عدم وجوب مراعاة الظن بالوجوب أو الحرمة اذا حصل الظن من القياس و على جواز مخالفة الظن في الشبهات الموضوعية حتى يستبين التحريم أو تقوم به البيّنة. (1)

لا يقال: أن تدارك الضرر ممنوع؛ لامكان أن يكون ملاك جعل الحجية مصلحة عامة أو دفع مفسدة عامة راجعة الى أصل الشريعة لا الى اشخاص المكلفين، فهنا أيضا ربما كان مصلحة رفع التكليف الغير المعلوم في مثل البراءة الشرعية و الاستصحاب هي أن لا تكون الشريعة صعبة مضيقة حرجية لكي لا ينزجر ابناء النوع الانساني عنها و يدخلوا فيها

____________

(1) فرائد الاصول: ص 109- 110.

349

أفواجا، و هي مصلحة رفيعة لازمة الرعاية، و رعايتها لا تنافي وقوع المكلف في الضرر الدنيوي الذي هو من قبيل الملاكات.

لانا نقول: مع الغمض عن كون المفاسد و المصالح المظنونة أيضا من المصالح و المفاسد العامة إن تدارك الضرر أو المفسدة أو تفويت المصلحة كما يحصل بالمصلحة العائدة الى الشخص لأهمية المصلحة أيضا، فكذلك يحصل بالمصالح العامة الاجتماعية؛ لأنّ الشخص من جملة المجتمع و ينتفع بتلك المصالح ايضا، و لذا لا تأبى النفوس عن جعل الجهاد أو الخمس و الزكاة، مع أن هذه الأحكام لا تخلو عن الضرر النفسي أو المالي الشخصي، و لكن هذه الأضرار متداركة بالمصالح العامة العائدة الى المجتمع الذي يكون الشخص فردا منه، و هو كاف في خروج الموضوع الضرري عن موضوع الحكم العقلي بوجوب دفعه، كما لا يخفى.

هذا كله مضافا الى ما في الكفاية من قوله: و أمّا المفسدة فلانها و إن كان الظنّ بالتكليف يوجب الظن بالوقوع فيها لو خالفه، إلّا أنّها ليست بضرر على كل حال؛ ضرورة إن كل ما يوجب قبح الفعل من المفاسد لا يلزم أن يكون من الضرر على فاعله، بل ربما يوجب حزازة و منقصة في الفعل بحيث يذمّه عليه فاعله بلا ضرر عليه أصلا. و أمّا تفويت المصلحة فلا شبهة في أنه ليس فيه مضرة، بل ربما يكون في استيفائها المضرّة كما في الاحسان بالمال. (1)

فمع التدارك أو عدم ملازمة الظن بالتكليف للظن بالضرر فلا مجال لقاعدة دفع الضرر المظنون هاهنا اصلا؛ لعدم احراز موضوعها كما لا يخفى.

هذا كله مع الغمض عما يرد على الكبرى في هذا المقام فقد ذهب المحقق العراقي في نهاية الأفكار الى أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر الدنيوي ليس إلّا من باب الارشاد. (2) و من المعلوم أنّ معنى كونه ارشادا أنه لا يستتبع حكما شرعيا بحيث يترتب على مخالفته عقوبة

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 111.

(2) نهاية الافكار: ج 2 ص 144.

350

وراء الضرر الذي ارتكبه و وقع فيه. و عليه فلا يصلح للاستدلال بهذه الكبرى على وجوب التبعية عن الظن بحيث يترتب العقوبة على مخالفة الظن.

و لكن يمكن أن يقال: أن حمل حكم العقل في جميع الموارد على الارشاد مع أن بعض المضار و لو كانت دنيوية مما يحكم العقل بقبح ارتكابها كقتل الشخص نفسه محل تأمل و نظر، و لعل من هذه الموارد المفاسد المظنونة التي تحوط الانسان بسبب مخالفة الأحكام المظنونة الشاملة لجميع أموره و شئونه، و عليه فلا يصح حصر حكم العقل في الارشاد بالنسبة الى الضرر الدنيوي.

ثمّ إنّ المراد من حكم العقل هو الاذعان بقبح الاقدام على الضرر، و هذا الاذعان مما نجده بالوجدان بالنسبة الى بعض الظنون.

و دعوى: أنّ ملاك التقبيح هو بناء العقلاء و بناؤهم على مدح فاعل بعض الأفعال من جهة كونه ذا مصلحة عامة موجبة لانحفاظ النظام، كما أنّ ذم فاعل بعضها الآخر من جهة كونه ذا مفسدة مخلة بالنظام؛ و لذا توافقت آراء العقلاء الذين على عهدتهم حفظ النظام بايجاد موجباته و اعدام موانعه على مدح فاعل ما يحفظ به النظام و ذم فاعل ما يخل به. و الاقدام على الضرر الشخصي ليس كذلك، و عليه فلا يكون قاعدة دفع الضرر قاعدة عقلائية.

مندفعة: بأنّ حكم العقل بقبح فعل أو حسنه ليس من باب المشهورات العقلائية، بل هو حكم عقلي ناش من قبح الظلم و حسن العدل، و من المعلوم انهما لا يتوقفان على الاجتماع و آراء العقلاء، بل هو ثابت و لو في فرض كون الانسان وحيدا ليس معه غيره.

ثمّ أن المحقق الاصفهاني (قدّس سرّه) ذهب الى أن الضرر المظنون مما ينفر عنه كل ذي شعور، و مجرد ذلك لا يجدي في ترتب العقوبة على مخالفة المظنون. (1)

و لا يخفى ما فيه من أنّ ذلك لا ينافي أن يحكم به العقل أو الشرع أيضا في بعض أقسام الضرر كأكل الخبائث، فانّ النفوس متنفرة عنها و مع ذلك يحكم العقل أو الشرع بتركه لئلا

____________

(1) نهاية الدراية: ج 2 ص 96 و 192 و 304.

351

يرتكبه بعض النفوس بدواع أخر. و بالجملة أن العمدة هو منع الصغرى، و أما الكبرى فهي ثابتة في الجملة.

الوجه الثاني: [أنّه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح‏]

أنّه لو لم يؤخذ بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح، و هو قبيح، و عليه فيجب الأخذ بالظن المطلق، و هذا هو معنى حجية الظن.

ربما يجاب عنه بمنع الكبرى بدعوى أنه ليس ترجيح المرجوح على الراجح قبيحا؛ لأنّ المرجوح قد يوافق الاحتياط، فالأخذ بالمرجوح حينئذ حسن عقلا، و ليس بقبيح.

أجاب عنه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بأنّ المرجوح المطابق للاحتياط ليس العمل به ترجيحا للمرجوح، بل هو جمع في العمل بين الراجح و المرجوح، مثلا إذا ظنّ عدم وجوب شي‏ء و كان وجوبه مرجوحا فحينئذ الاتيان به من باب الاحتياط ليس طرحا للراجح في العمل؛ لأنّ الاتيان لا ينافي عدم الوجوب. (1)

فالأولى هو أن يجاب عنه بمنع الصغرى؛ إذ كبرى قبح ترجيح المرجوح على الراجح واضحة و لا مجال لإنكارها.

فنقول: انّ الاستدلال بذلك إن كان في صورة الانفتاح كما هو محلّ الكلام في هذا المقام فلا دوران حينئذ؛ لأنّ بعد قيام العلم أو العلمي بالنسبة الى الأحكام الواقعية ينحل العلم الاجمالي بالأحكام في موارد العلم و العلمي، و لا علم بوجودها بين مورد الظن و بين طرفه من الشك و الوهم حتى يقال لزم الأخذ بالظن لئلا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح، و حينئذ فمع عدم العلم بوجود الأحكام الشرعية بين الظن و طرفه من الشك و الوهم يرجع الى البراءة العقلية أو الشرعية في جميع الاطراف، و لا يلزم منه ترجيح المرجوح على الراجح؛ لان نسبة البراءة الى جميع الاطراف متساوية.

و إن كان الاستدلال بذلك في صورة الانسداد و لزوم الأخذ بالظن أو طرفه من الشك و الوهم دار الأمر بين ترجيح الظن و ترجيح طرفه، و لكنه يتوقف على تمامية مقدمات‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 110.

352

الانسداد، و هي فيما اذا ثبت التكليف و لم ينحل العلم الاجمالي و لم يمكن الاحتياط عقلا كصورة استلزام الاحتياط باختلال النظام أو شرعا كصورة استلزام الاحتياط للعسر و الحرج، و إلّا فمع الانحلال أو إمكان الاحتياط فلا تصل النوبة الى الدوران بين ترجيح الراجح و ترجيح المرجوح؛ لأنّ اللازم عليه أن يعمل بموارد الانحلال أو يعمل بالاحتياط في جميع الاطراف لقاعدة الاشتغال.

و بالجملة فاثبات الصغرى يحتاج الى تمامية مقدمات الانسداد، و هو خارج عن هذا المقام؛ لأنّ محل البحث هو ملاحظة الدليل لاثبات حجية الظن من دون الاختصاص بحال الانسداد.

و لقد أفاد و أجاد شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال في مقام تحليل الجواب و توضيحه: أن تسليم القبيح فيما اذا كان التكليف و غرض الشارع متعلقا بالواقع و لم يمكن الاحتياط، فانّ العقل قاطع بأنّ الغرض إذا تعلق بالذهاب الى بغداد و تردد الأمر بين الطرفين أحدهما مظنون الايصال و الآخر موهومه فترجيح الموهوم قبيح؛ لأنّه نقض للغرض.

و أمّا إذا لم يتعلق التكليف بالواقع أو تعلق به مع إمكان الاحتياط فلا يجب الأخذ بالراجح بل اللازم في الأول هو الأخذ بمقتضى البراءة و في الثاني الأخذ بمقتضى الاحتياط، فاثبات القبح موقوف على ابطال الرجوع الى البراءة في موارد الظن و عدم وجوب الاحتياط فيها، و معلوم أنّ العقل قاض حينئذ يقبح ترجيح المرجوح بل ترك ترجيح الراجح، فلا بد من ارجاع هذا الدليل الى دليل الانسداد الآتي المركب من بقاء التكليف و عدم جواز الرجوع الى البراءة و عدم لزوم الاحتياط و غير ذلك من المقدمات التي لا يتردد الأمر بين الأخذ بالراجح و الأخذ بالمرجوح إلّا بعد ابطالها. (1)

و تبعه في الكفاية حيث قال: لا يكاد يلزم من عدم الأخذ بالظن ترجيح المرجوح على الراجح إلّا فيما اذا كان الأخذ بالظن أو بطرفه لازما مع عدم امكان الجمع بينهما عقلا و عدم‏

____________

(1) فرائد الاصول: ص 111.

353

وجوبه شرعا ليدور الأمر بين ترجيحه و ترجيح طرفه، و لا يكاد يدور الامر بينهما إلّا بمقدمات دليل الانسداد، و إلّا كان اللازم هو الرجوع الى العلم أو العلمي أو الاحتياط أو البراءة أو غيرهما على حسب اختلاف الأشخاص أو الأحوال في اختلاف المقدمات. (1)

فتحصّل: أنه لا دليل على حجية الظن المطلق في حال الانفتاح.

المقام الثاني: [في دليل الانسداد]

في دليل الانسداد و هذا الدليل الذي استدل به على حجية الظن المطلق في زمان الانسداد مؤلف من عدة مقدمات يستقل العقل مع ثبوتها بكفاية الاطاعة الظنية أو يستكشف بها مشروعية التبعية عن الظن في مقام الامتثال، و هذه المقدمات خمسة:

المقدمة الأولى:

أنه يعلم اجمالا بثبوت تكاليف كثيرة في الشريعة الاسلامية بالنسبة الينا، و أطراف هذا العلم الإجمالي لا تختص بموارد الأخبار.

المقدمة الثانية:

أنه ينسد باب العلم أو العلمي بالنسبة الى معظم الأحكام الشرعية المعلومة بالاجمال لعدم كونهما بمقدارها.

المقدمة الثالثة:

أنه لا يجوز اهمال التكاليف المعلومة بالاجمال و ترك التعرض لامتثالها لتنجز التكاليف بالعلم الاجمالي.

المقدمة الرابعة:

أنّه لا مجال للرجوع الى الوظائف المقررة للجاهل بالأحكام من الاحتياط التام في جميع الاطراف؛ للزوم الاختلال أو العسر و الحرج، و من الرجوع الى فتوى الغير الذي يعتقد الانفتاح؛ لمنافاته مع العلم بالانسداد، و من الرجوع الى القرعة؛ لعدم جواز الأخذ بها في‏

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 112.

354

الشبهات الحكمية، و من الرجوع الى الاصول العملية المختلفة بحسب اختلاف المسائل كقاعدة الاشتغال و الاستصحاب و التخيير و البراءة.

المقدمة الخامسة: انّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، كما هو واضح.

فاذا تمت المقدمات المذكورة و دار الأمر بين الامتثال الظني و غيره من الشكي و الوهمي لا يجوز التنازل الى الامتثال الشكي و الوهمي في مقام الامتثال؛ لانه ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح، بل اللازم هو الأخذ بالامتثال الظني.

هذا تمام الكلام في الاستدلال الذي اقاموه على حجية الظن المطلق في زمان الانسداد، و لكن الاستدلال المذكور لا يتم لعدم ثبوت بعض مقدماتها.

ملاحظات حول دليل الانسداد

أمّا المقدمة الاولى فهي و إن كانت بديهية إلّا أنّ العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة ينحل بالعلم الاجمالي في الدائرة الصغيرة و هي الأخبار، و معه لا موجب للاحتياط إلّا في خصوص دائرة الأخبار، و مع اختصاص موارد الاحتياط بموارد الروايات فلو تمت المقدمات الأخرى لم يثبت إلّا وجوب العمل بالروايات لا حجية الظنّ المطلق، مع أن غرض الاستدلال بتلك المقدمات هو حجية الظن المطلق و لو لم يستفد من الأخبار، فلا تغفل.

و أمّا المقدمة الثانية ففيها منع عدم وفاء العلمي بمعظم الأحكام و أن انسدّ باب العلم؛ و ذلك لما يحكم به الوجدان من عدم بقاء العلم الاجمالي بالأحكام بعد الأخذ بأخبار الثقات و غيرها من اليقينيات و المعلومات التفصيلية، و قد مرّ أن أخبار الثقات حجة و إن لم تفد الوثوق النوعي، و هكذا عرفت حجية الخبر الموثوق الصدور و إن لم يكن رواتها ثقات. و من المعلوم أن أخبار الثقات مع الأخبار الموثوق بها مع ضميمة اليقينيات و المعلومات التفصيلية كانت وافية بمعظم الفقه، و معها ينحل العلم الاجمالي، و لا مجال معها لدعوى الانسداد، كما لا يخفى.

355

نعم من ذهب الى حجية خصوص أخبار العدول أو خصوص ما يفيد الوثوق الفعلي أو الوثوق النوعي- كما ذهب اليه في الفرائد- لا يتمكن من دعوى الانفتاح؛ لعدم كونها بمقدار معظم الأحكام.

و لعله لذا لم يجزم الشيخ في الفرائد بمنع هذه المقدمة حيث جعل ثبوتها معلقا على عدم ثبوت حجية الأدلة المتقدمة لحجية الخبر الواحد بمقدار يفي بضميمة الأدلة العلمية و باقي الظنون الخاصة باثبات معظم الأحكام الشرعية. (1)

و لقد أفاد و أجاد في الكفاية حيث قال: و أمّا المقدمة الثانية أمّا بالنسبة الى العلم فهي بالنسبة الى أمثال زماننا بيّنة وجدانية يعرف الانسداد كل من تعرض للاستنباط و الاجتهاد، و أمّا بالنسبة الى العلمي فالظاهر أنّها غير ثابتة؛ لما عرفت من نهوض الادلة على حجية خبر يوثق بصدقه و هو بحمد اللّه واف بمعظم الفقه لا سيّما بضميمة ما علم تفصيلا منها، كما لا يخفى. (2)

و عليه فيختل دليل الانسداد بمنع هذه المقدمة، و لا ثمرة للبحث عن سائر المقدمات إلّا في المشابهات للمقام مع ثبوت المقدمة الثانية فيها.

كدعوى الانسداد في ترجمة الرجال بعد وجود العلم الاجمالي بوجوب الأخذ برواياتهم و انسداد باب العلم و العلمي في ذلك، فيمكن الاعتماد على الظن الحاصل من التراجم باحوال الرجال، فتدبّر.

و أمّا المقدّمة الثالثة فلا اشكال في تماميتها لوضوح أنّ عدم التعرّض لامتثال معظم الأحكام المعلومة بالإجمال مما يقطع بعدم رضى الشارع به بالضرورة.

و ليس وجه ذلك كون العلم الاجمالي منجزا، و إلّا لزم جواز منع هذه المقدمة ممن لم يقل بكون العلم الاجمالي منجزا مطلقا أو في صورة جواز ارتكاب بعض الاطراف لكون‏

____________

(1) فرائد الأصول: ص 112.

(2) الكفاية: ج 2 ص 116.

356

الاحتياط عسريا أو في صورة وجوب الاقتحام لكون الاحتياط موجبا للاختلال، مع أنّه لم يتفوّه بذلك أحد.

فالوجه هو ما اشار إليه الشيخ (قدّس سرّه) من أنّ المقتصر على التدين بالمعلومات التارك للأحكام المجهولة جاعلا لها كالمعدومة يكاد يعدّ خارجا عن الدين، لقلة المعلومات التي أخذها و كثرة المجهولات التي أعرض عنها، و هذا أمر يقطع ببطلانه كل أحد بعد الالتفات الى كثرة المجهولات. (1)

و أمّا المقدمة الرابعة فهي بالنسبة الى الاحتياط الذي يوجب اختلال النظام تامة؛ إذ لا ريب في عدم وجوبه لعدم رضا الشارع بذلك، كما هو واضح.

و أمّا بالنسبة الى الاحتياط الذي يوجب العسر و الحرج فقد منع عدم وجوبه في الكفاية بدعوى عدم حكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط؛ لأنّ مفاد القاعدة المذكورة عنده هو نفي الحكم الشرعي العسري بلسان نفي الموضوع العسري، كما أنّ مفادها عند الشيخ هو نفي الحكم الشرعي العسري من أول الأمر، و عليه فلا حكومة لها على الاحتياط العسري إذا كان الاحتياط بحكم العقل؛ لعدم العسر في متعلق الحكم الشرعي من الصلاة أو الصوم أو الوضوء، كما لا عسر في نفس الحكم الشرعي، و انّما العسر من ناحية الجمع بين محتملات التكليف من باب الاحتياط، و من المعلوم أنّ الجمع المذكور لا يجب إلّا بحكم العقل، و المفروض أنّه غير منفي بالقاعدة المذكورة.

و فيه:

أوّلا: أنّ المنفي في قاعدة لا حرج و قاعدة لا ضرر ليس هو متعلق الحكم الشرعي أي الضار أو الموجب للحرج حتى يقال إنّ المنفي هو المتعلقات الشرعية فلا يرتبط بالاحتياط العقلي، و أيضا ليس المنفي هو الحكم العسري أو الضرري حتى يقال إنّ المنفي هو الحكم الشرعي فلا يرتبط بالاحتياط العقلي.

____________

(1) فرائد الاصول: ص 113.

357

بل المنفي فيما هو نفس الحرج أو الضرر من أي سبب حصل سواء كان منشأهما هو الحكم الشرعي أو موضوعه أو الحكم العقلي الاقتضائي كوجوب الاحتياط، و هذا هو الظاهر من تعلق النفي بنفس الحرج أو الضرر؛ إذ جعل المنفي و هو الضرر او الحرج عنوانا مشيرا الى الضار أو الموجب للحرج أو الحكم الشرعي خلاف الظاهر، لأنّ لفظ الضرر أو الحرج اسم مصدر، و ليس عنوانا لغيره كالضار أو الحكم الشرعي العسري أو الضرري حتى يكون النفي راجعا الى الفعل الضرري أو الحرجي أو الحكم الشرعي.

ثم إنّ النفي هو نفي تشريعي بالنسبة الى نفس الضرر أو الحرج، و ليس اخبارا عن عدمهما، و إلّا فهو خلاف الواقع، و المقصود من نفيهما هو نفي أسبابهما من تجويز الضرر و الاضرار و الحرج و الاحراج و الحكم الضرري و الحرجي و الاحتياط الضرري أو الحرجي، ففي الحقيقة هو نفي أسباب الضرر أو الحرج شرعا بنفي نفس الضرر و الحرج شرعا.

لا يقال: إنّه لو كان المراد من نفي الضرر أو الحرج هو نفي نفس الضرر أو الحرج تشريعا لكان مفاد لا ضرر و لا حرج هو نفي حرمة الضرر، كما هو الحال في مثل قوله (عليه السّلام): «لا ربا بين الوالد و الولد»؛ فانّ المراد نفي حرمة الربا بينهما، فلو كان المراد من قوله (عليه السّلام): «لا ضرر أو لا حرج» نفي الضرر تشريعا لكان معناه نفي حرمة الاضرار بالنفس لا الغير، و هذا مما لم يلتزم به أحد؛ فانّ حرمة الاضرار بالغير أو بالنفس في الجملة مما لا كلام فيه، فهذا المعنى مما لا يمكن الالتزام به في أدلة نفي الحرج و الضرر.

فيدور الأمر بين أن يكون المراد من النفي هو النهي عن الاضرار و الضرر بالغير أو النفس، كما هو الحال في مثل قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ‏ فانّ المراد منه هو نهي المحرم عن هذه الأمور.

أو أن يكون المراد من النفي هو النفي التشريعي، بمعنى نفي الحكم الضرري أو الحرجي في الشريعة، كما ذهب اليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، و هو الظاهر من أدلة نفي الحرج و الضرر بقرينة ما

358

في بعض الروايات من أنّه لا ضرر في الاسلام أو في الدين؛ فانه ظاهر في نفي تشريع الحكم الضرري في دين الاسلام، و كذا قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ ظاهر في نفي تشريع الحكم الحرجي. (1)

لانا نقول: أن دليل لا ضرر أو لا حرج بقرينة كونهما في مقام الامتنان و افادة سهولة الاسلام و الدين لا ينفيان الحرمة، بل المنفي فيهما هو التجويز، و معناه أن الضرر أو الحرج لا يجوزه الشارع لا بالنسبة الى الغير و لا بالنسبة الى النفس، و بهذا الاعتبار يفيد نفي نفس الضرر أو الحرج نفي تشريعهما و تجويزهما، و نفي تشريع الضرر أو الحرج من أي جهة كانت يستلزم نفي الموضوع الضرري أو الحكم الشرعي بل الاحتياط العقلي أيضا؛ لانّ الحكم العقلي في أطراف العلم الاجمالي اقتضائي، و الحكم الاقتضائي يصلح لان يرفعه الشارع، و عليه فلا يجوز الشارع الموافقة القطعية الموجبة للضرر أو الحرج.

ثم قوله (في الاسلام) أو (في الدين) في بعض الأخبار أو في الآية الكريمة لا يوجب تخصيص النفي بالأحكام الشرعية؛ لانّ الدين أو الاسلام هو ظرف النفي لا المنفي، و المقصود أنّ في دائرة الاسلام أو الدين لم يشرع الضرر أو الحرج من أي سبب كان.

هذا مضافا الى أنّ هذا القيد بالنسبة الى لا ضرر لم يرد في الروايات المعتبرة، كما لا يخفى.

و ثانيا: أنّه لو سلمنا أنّ مفاد لا ضرر أو لا حرج هو نفي الموضوع الضرري أو الحرجي كما ذهب اليه في الكفاية، لا نفي نفس الضرر أو الحرج كما قويناه فلا وجه لدعوى أنّه لا يشمل الاحتياط العقلي؛ لأنّه أيضا من الموضوعات، و حيث أن الحكم العقلي في أطراف المعلوم بالاجمال حكم اقتضائي و قابل لان يرفعه الشارع و ليس علة تامة كالعلم التفصيلي، فلا مانع من أن تشمله أدلة نفي الضرر أو الحرج لنفي وجوب الموافقة القطعية الموجبة للحرج أو الضرر بلسان نفي الموضوع الضرري أو الحرجي.

و ثالثا: أنّه لو سلمنا أنّ مفاد لا ضرر أو لا حرج هو نفي الحكم الشرعي الضرري أو

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 230.