عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
359

الحرجي كما ذهب اليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) لا نفي نفس الضرر أو الحرج و لا نفي الموضوع الضرري أو الحرجي فلا وجه لدعوى أنه لا يشمل الاحتياط العقلي أيضا؛ لانّ مفاد أدلة لا ضرر أو لا حرج هو نفي الحكم الموجب للضرر أو الحرج، و لا اشكال في أن وجوب الاحتياط و هو الجمع بين المحتملات و إن كان عقليا ناش من بقاء الحكم الشرعي الواقعي على حاله، فهو المنشأ للحرج أو الضرر؛ إذ الشي‏ء يسند الى اسبق العلل، فيكون المرتفع بادلة نفي الحرج و الضرر هو الحكم الشرعي الواقعي، فيرتفع وجوب الاحتياط بارتفاع موضوعه. (1)

و يشكل ذلك بانّ شمول لا ضرر و لا حرج بالاحتياط التام لا يوجب اشكالا بناء على أنّ المنفي هو نفس الضرر أو الحرج أو الموضوع الضرري أو الحرجي؛ لانّ المنفي حينئذ هو بعض موارد الضرر و الحرج أو الموضوع الضرري و الحرجي، هذا بخلاف ما اذا كان المنفي هو نفس الحكم الشرعي الذي يكون منشأ للاحتياط العقلي؛ فانه يوجب الاشكال و الايراد، و هو أن مقتضى أدلة نفي الحرج حينئذ هو رفع أصل التكليف الواقعي لا خصوص الاحتياط في بعض اطراف احتماله، فاذا رفع أصل التكليف، فلا يكون وجه لرعاية التكليف في شي‏ء من أطراف احتماله، فمرجع نفي العسر و الحرج حينئذ الى اهمال التكاليف الواقعية و عدم وجوبها، و هو مناف للمقدمة الثالثة.

و أجاب عنه في تسديد الأصول بأنّ الحق في الجواب أن يقال: إنّ التكليف و الحكم الواقعي هنا ليس حكما واحدا يجب بحكم العقل الاوّلي الاحتياط في أطراف احتماله، بل لا ريب أن هنا أحكاما متعددة، ثم أن من المعلوم أنّه لو كان في البين تكاليف متعددة يوجب امتثال جميعها عسرا و حرجا، فانّما يحكم بارتفاع عدة منها بمقدار يرتفع به العسر و الحرج.

غاية الأمر أنّه لو كان بينها ما يتعين رفعه عند دوران الامر بينه و بين غيره يحكم برفع هذا بخصوصه، و إلّا تخيّر المكلّف بين المعاملة مع كل منها شاء برفعه.

____________

(1) راجع مصباح الاصول: ج 2 ص 229.

360

ففي ما نحن فيه لما كان لا يجوز العقل في مقام الامتثال رفع اليد عن التكاليف المظنونة و الأخذ بغيرها فلا محالة يحكم برفع التكاليف الموجودة في الموارد المشكوكة و الموهومة، و تبقى الموارد المظنونة على ما هي عليها من القوة و التنجز، فيجب الاحتياط فيها.

فإن قلت: أن الحكم بنفي التكليف عن بعض أطراف العلم مع أن موجبه موجود مقارنا مع العلم بأصل التكليف يوجب عدم تنجز التكليف من رأس، كما قرر في مبحث العلم الاجمالي و حدوث الاضطرار مثلا الى طرف معين مقارنا لحصول العلم بالتكليف، فمآل أدلة نفي العسر و الحرج الى اهمال التكاليف و عدم التعرض لامتثالها من رأس، و هو باطل.

قلت: أن الاتكال في نفي التكليف في موارد الشك و الوهم الى أدلة نفي العسر و الحرج لا يتوقف على العلم بوجود تكليف في مواردهما، فانه يصح و يكفي أن يقال إنّه لو لم يكن بينها تكليف فلا ريب في أنّ المكلف لا يؤخذ بشي‏ء، و لو كان فلمكان ايجابه العسر و الحرج كان منفيا، و أما موارد الظن بالتكليف فلا يبعد دعوى العلم الاجمالي بوجود تكاليف عديدة بينها، فيجب القيام مقام امتثالها.

فما في كلمات بعض أهل التحقيق من انهدام اساس منجزية العلم الاجمالي بعد جريان أدلة نفي العسر و الحرج ممنوع. (1)

يرد عليه أيضا أنّ نفي التكليف فيما فرض وجوده في موارد الشك و الوهم لكونه موجبا للعسر و الحرج يستلزم عود الاشكال؛ فانّ مع نفي التكليف في موارد الشك و الوهم ينتفي العلم، فيتنجز التكليف من رأس؛ فانّ التكليف على فرض وجوده في موارد الشك و الوهم ينتفي مع كون موارد الشك و الوهم طرفا للعلم الاجمالي.

نعم لو فرض مع قطع النظر عن موارد الشك و الوهم حصول العلم الاجمالي بالتكليف في موارد الظن، فلا وجه لعدم تنجز التكليف في هذه الدائرة.

و لكنه لا يحتاج حينئذ في نفي التكليف في موارد الشك و الوهم الى ادلة نفي الحرج؛ فانّ‏

____________

(1) تسديد الاصول: ج 2 ص 114- 115.

361

الشك فيهما شك في الزائد على المقدار العلم الاجمالي، و هو محل البراءة من دون كلام.

فالأولى في نفي وجوب الاحتياط العسري هو الاتكال الى الوجهين الأولين؛ فان رفع الحكم العقلي بوجوب الموافقة القطعية لا يوجب رفع التكليف الواقعي و إن صح الحكم بنفي التكليف في موارد الشك و الوهم مع بقاء وجوب الاحتياط في موارد الظن؛ لبقاء وجود العلم الاجمالي بين خصوص موارد الظن، فلا تغفل.

أ- و أمّا عدم جواز الرجوع الى فتوى الغير فهو واضح ضرورة أنه لا يجوز ذلك إلّا للجاهل لا للفاضل الذي اعتقد خطأ المجتهد الذي يدعي انفتاح باب العلم أو العلمي، بل رجوعه اليه من قبيل رجوع العالم الى الجاهل.

ب- و هكذا لا مجال للرجوع الى القرعة في الشبهات الحكمية؛ لاختصاصها بالشبهات الموضوعية في الجملة، كما لا يخفى.

ج- و أمّا عدم جواز الرجوع الى الاصول العملية، فان كان الأصل مثبتا للتكليف و لم يكن من الاصول المحرزة كاصالة الاشتغال فلا مانع من الرجوع إليها؛ لعدم منافاتها مع العلم الاجمالي، بل هي مساعدة معه.

د- و إن كان الاصل مثبتا للتكليف و كان من الاصول المحرزة كالاستصحاب المثبت للتكليف فهو على قسمين:

أحدهما: ما إذا لم يعلم اجمالا بانتقاض الحالة السابقة فيه، كما اذا كان الكأسان نجسين و لم يعلم تطهير أحدهما فلا مانع من جريان استصحاب النجاسة و جواز الرجوع اليه، كما لا يخفى.

و ثانيهما: هو ما اذا علم اجمالا بالانتقاض، كما اذا كان الكأسان نجسين و علم بتطهير أحدهما، و حينئذ فان قلنا بأنّ المانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي هو لزوم المخالفة العملية فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام؛ لعدم لزوم المخالفة العملية مع فرض كون الاستصحاب مثبتا للتكليف.

362

و إن قلنا بأنّ المانع هو نفس العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة و لو لم يلزم المخالفة العملية، فلا يجري الاستصحاب المثبت للتكليف في المقام؛ للعلم بانتقاض الحالة السابقة في الجملة، كما هو المفروض.

و المقرر في محله أن الجملة الثانية في حديث لا تنقض و هو قوله (و لكن تنقضه بيقين آخر) تأكيد للجملة الاولى؛ لظهور الجملة الثانية في كون اليقين الآخر يقوم مقام الشك، و من المعلوم أنّ الذي يقوم مقام الشك هو اليقين التفصيلي، لا اليقين الاجمالي؛ لانه مشوب بالشك، و عليه فمقتضى دليل الاستصحاب هو عدم جواز نقض اليقين بالشك مطلقا سواء كان مقرونا بالعلم الاجمالي أولا، و مع الاطلاق المذكور يجري الاستصحاب مع العلم الاجمالي بالانتقاض أيضا، و لا يلزم من ذلك التناقض في مدلول دليل الاستصحاب؛ إذ العلم الاجمالي على الفرض المذكور ليس بناقض، و انّما الناقض هو اليقين التفصيلي، و المفروض أنّه مفقود في المقام.

هذا، مضافا الى ما أفاده في الكفاية من أنه لا مانع من جريان الاستصحاب حتى على القول بأنّ العلم الاجمالي بانتقاض الحالة السابقة بنفسه مانع عن جريان الاستصحاب و لو لم يلزم منه مخالفة عملية، بدعوى تناقض حرمة النقض في كل واحد من الاطراف بمقتضى قوله (لا تنقض) مع وجوب النقض في البعض كما هو قضية (و لكن تنقضه بيقين آخر)، و ذلك لأنّ الاستنباط تدريجي، و المجتهد لا يكون ملتفتا الى جميع الاطراف دفعة ليحصل له الشك الفعلي بالنسبة الى جميع الاطراف، و يكون جريان الاستصحاب في جميع الاطراف في عرض واحد موجبا للعلم الاجمالي بالانتقاض، و مع العلم الاجمالي بالانتقاض يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له.

و بالجملة فمع فرض صحة هذا القول ليس له صغرى في المقام مع عدم الالتفات الى جميع الاطراف. (1)

____________

(1) راجع الكفاية: ج 2 ص 121- 122.

363

و لكن يشكل ذلك بما في مصباح الاصول من أن الاستنباط و إن كان تدريجيا و المجتهد لا يكون ملتفتا الى جميع الشبهات التي هي مورد الاستصحاب دفعة، إلّا أنّه بعد الفراغ عن استنباط الجميع و جمعها في الرسالة مثلا يعلم اجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعض الموارد التي جرى فيها الاستصحاب، فليس له الافتاء بها. (1)

فالعمدة هو ما عرفت من أن العلم الاجمالي بالانتقاض لا يمنع عن جريان الاستصحاب؛ لانّ الناقض المذكور في دليل الاستصحاب هو العلم التفصيلي لا العلم الاجمالي، و عليه فلا مانع من الرجوع الى الأصول العملية المثبتة، فالقول بعدم جواز الرجوع الى الاصول العملية و لو كانت مثبتة غير سديد. اللّهمّ إلّا أن يقال: أن منظور الانسدادي من عدم الرجوع الى الاصول هي الاصول العملية النافية.

ه- و إن كان الأصول العملية نافية فالرجوع اليها ممنوع فيما اذا كان في الرجوع إليها محذور الخروج عن الدين أو الاهمال بالنسبة الى التكاليف الواقعية المعلومة، كما هو الظاهر لكثرة الاصول النافية، نعم لو لم يكن في الرجوع إليها محذور الخروج عن الدين و كان العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية منحلا مع العلم بموارد التفصيل بضميمة موارد جريان الاصول المثبتة للتكليف، فلا مانع من الرجوع الى الاصول النافية، و لكن ذلك مجرد فرض؛ لانّ موارد العلم الاجمالي أكثر من موارد المعلوم بالتفصيل و لو بضميمة موارد الاصول المثبتة، و معه فلا يجوز الرجوع الى الاصول النافية، للزوم المخالفة العملية مع العلم الاجمالي بالتكليف.

هذا، مضافا الى لزوم المناقضة من شمول (لا تنقض) عند من يجعل المانع هو المناقضة في المدلول.

و دعوى: عدم كون الشك فعليا إلّا في بعض أطرافه و كان بعض اطرافه الآخر غير ملتفت اليه فعلا اصلا كما هو حال المجتهد في مقام استنباط الأحكام، فلا يكاد يلزم المناقضة

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 228.

364

من جريان حديث (لا تنقض) في أطراف المعلوم بالاجمال؛ فانّ قضية (لا تنقض) ليس إلّا حرمة النقض في خصوص الطرف المشكوك، و ليس فيه علم بالانتقاض كي يلزم التناقض في مدلول دليله من شموله له. (1)

مندفعة: بما مر آنفا من أن الاستنباط و إن كان تدريجيا إلّا أنّ المفتي بعد الفراغ عن استنباط جميع ما في رسالته يعلم اجمالا بانتقاض الحالة السابقة في بعض موارد جريان الاستصحاب. و مقتضاه هو الكشف عن عدم شمول دليل الاستصحاب لتلك الموارد.

و كيف ما كان فلا يجوز الرجوع الى الاصول النافية مع لزوم المخالفة العملية من جريانها، مضافا الى لزوم المناقضة في مدلول دليل الاستصحاب بناء على أن الناقض أعم من العلم الاجمالي.

ربما يقال: أن عدم جواز الرجوع الى الاصول النافية صحيحة فيما اذا دار الامر بين المظنونات و المشكوكات و الموهومات، بخلاف ما اذا قلنا بأنّ دائرة الاحتياط بين المظنونات؛ فانه يجوز الرجوع في غيرها الى الاصول النافية.

و توضيح ذلك: أن بعد ما كانت موضوعات التكاليف في موارد الظن و الشك و الوهم بها مختلفة، ففي موارد الظن الشاملة للشهرات و الاجماعات المنقولة و أخبار الثقات و نحوها يحصل علم اجمالي بانطباق كثير من هذه الظنون على الواقع و وجود تكاليف الزامية فيها، و العقل يحكم بالاحتياط فيها.

و هذا بخلاف موارد الشك و الوهم في التكليف فلا علم اجمالا و لو بتكليف واحد فيها، فالعلم الاجمالي الكبير منحل بالعلم الاجمالي في خصوص دائرة المظنونات و الشك البدوي في غيرهما، و حينئذ العقل يحكم بالاحتياط في المظنونات و البراءة في غيرها، و لا يلزم حينئذ عسر و لا حرج.

و لازمه و إن كان الاحتياط في ظن التكليف لكنه لا من ناحية تمامية دليل الانسداد، بل‏

____________

(1) راجع الكفاية: ج 2 ص 122.

365

ببركة انحلال العلم الاجمالي الكبير و حكم العقل بالاحتياط في المظنونات‏ (1)، و يجوز حينئذ الرجوع الى الاصول النافية في غير دائرة المظنونات؛ لانّ الشك فيها شك بدوي، و لا يلزم من جريان الاصول النافية فيها خروج عن الدين أو مخالفة عملية؛ لعدم العلم بالتكليف في دائرة المشكوكات و الموهومات بعد انحلال المعلومات بالاجمال في دائرة المظنونات.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه لا دليل على انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف في الدائرة الكبيرة بمجرد احتمال انطباقه مع العلم الاجمالي في دائرة المظنونات التي لا دليل على اعتبارها؛ لمعارضة هذا الاحتمال باحتمال الانطباق و لو بالنسبة الى بعضها في طرف المشكوكات و الموهومات، فدعوى انطباق المعلوم بالاجمال على خصوص العلم الاجمالي في طرف المظنونات بحيث لا يحتمل انطباقه و لو بعضها على طرف الآخر من المشكوكات و الموهومات كما ترى؛ إذ لا ترجيح بينهما بعد عدم اعتبارهما، فتأمّل.

و أمّا المقدمة الخامسة فلا كلام بالنسبة اليها؛ لانّ كل مورد يدور الامر فيه بين ترجيح المرجوح على الراجح أو العكس يحكم العقلاء بلزوم ترجيح الراجح على المرجوح و قبح العكس، و هذه كبرى ثابتة عند العقل و العقلاء.

و حينئذ مع فرض تمامية مقدمات الانسداد و دوران الامر في المقام بين ترجيح الامتثال الظني و بين ترجيح الامتثال الشكي أو الوهمي فلا اشكال في تقديم ترجيح الامتثال الظني على الامتثال الشكي أو الوهمي للقاعدة المذكورة؛ إذ المفروض أنه لا طريقة للشارع في الامتثال غير طريقة العقلاء، و عليه فاللازم بعد الاخذ بالعلم التفصيلي و الاصول المثبتة هو الرجوع الى التكاليف المظنونة دون المشكوكة أو الموهومة، هذا اذا لزم من الاحتياط في جميع الاطراف عسر و حرج كما هو المفروض. و إلّا فاللازم هو الاحتياط التام في جميع الاطراف لبقاء العلم الاجمالي بالتكاليف.

و لكن الكلام في تمامية المقدمات المذكورة بالنسبة الى المقام.

____________

(1) راجع تسديد الاصول: ج 2 ص 116.

366

و قد عرفت في المقدمة الثانية أن العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة ينحل بالعلم الاجمالي في الدائرة الصغيرة، و هي دائرة الاخبار؛ إذ مع حجية الأخبار و العلم بوجود تكاليف فعلية بها بمقدار المعلوم بالاجمال لا يبقى علم بالتكليف في غيرها، فيجوز الرجوع فيه الى الاصول العملية النافية، فلا يدور الامر بين الامتثال الظني و الامتثال الشكي أو الوهمي حتى يلزم ترجيح الظني على غيره، بل اللازم هو الاخذ بمفاد الاخبار بعد ثبوت حجيتها، فمع عدم الدوران بين الراجح و المرجوح فلا مجال لتطبيق كبرى قبح ترجيح المرجوح على المقام، كما لا يخفى. هذا مضافا الى أن قبح ترجيح المرجوح على الراجح فيما اذا لم يكن المرجوح من ناحية اخرى ففي مثل المقام و أن كان الظن بالنسبة الى الاحتمال و الوهم راجحا و لكن ربما يكون المحتمل اقوى و اهم من الظنون بحسب الملاك بحيث يجب مراعاته فمجرد الدوران بين الظن و الشك لا يوجب ترجيح الظن على الشك بل يتوقف التقديم على اثبات ان المحتمل ليس باقوى و اهم من الظنون بحسب الملاك و إلّا فالمقدم هو المحتمل فلا ينتج المقدمات ترجيح الظن في مطلق موارد دوران الامر بين الظن و الشك، او الوهم. فالاولى هو اضافة مقدمة اخرى على المقدمات و هي أن المحتمل و المشكوك ليس بحسب الملاك اقوى و اهم من الظن فلا تغفل.

و بالجملة فمع ثبوت حجية الأخبار الآحاد و انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف الواقعية فيها لوفائها بها لا مجال لدليل الانسداد في المقام، كما لا يخفى.

نعم ربما تتم مقدمات دليل الانسداد في غير المقام من موارد الامتثال. كما اذا ترددت القبلة بين الجهات الاربعة و ظن بها في بعضها المعين و لم تقم بينة على طرف منها و لم يجر اصل محرز في طرف منهما و لم يمكن الاحتياط لضيق الوقت، فمع تنجز التكليف و عدم الانحلال و عدم امكان الاحتياط يتعين الاخذ بالظن؛ لقبح ترجيح المرجوح على الراجح في مقام الامتثال.

و هكذا يمكن التمسك بدليل الانسداد في الظنون الرجالية أو اللغوية و غيرهما إذا تمت المقدمات فيها، فتدبّر جيدا.

367

فتحصّل: أن الظن المطلق لا دليل على حجيته بعد كون المفروض هو انحلال العلم الاجمالي بالتكاليف الشرعية في دائرة الظنون الخاصة المعتبرة من الأخبار الآحاد؛ لعدم تمامية مقدمات الانسداد بالنسبة الى الظن المطلق، فلا تغفل.

368

الخلاصة

و لا يخفى أن الظنّ المطلق يكون في مقابل الظنّ الخاص كالظنّ الحاصل من الخبر أو ظهورات الألفاظ و الأدلّة التي مضت لحجّيّة الخبر من الآيات و الرّوايات و غيرهما دلّت على حجّيّة الظنّ الخبري بخلاف أدلّة المقام فإنّها تدلّ على اعتبار الظنّ المطلق و لا نظر لها إلى خصوص الظنّ الخبري.

ثمّ إنّ الأدلّة التي اقيمت على حجّيّة الظنّ المطلق على قسمين:

الأوّل: ما لا يختصّ بزمان الانسداد بل يشمل زمان الانفتاح و زمان إمكان تحصيل العلم أو العلمي بالأحكام الواقعية.

و الثاني: ما يختصّ بزمان انسداد باب العلم أو العلمي و هو الذي يعبّر عنه بالظنّ الانسدادي و لذا يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل:

في الوجوه التي ذكروها لحجّيّة الظنّ المطلق من دون اختصاص لها بزمان الانسداد و هي متعدّدة:

الوجه الأوّل:

أنّ في مخالفة المجتهد لما ظنّه من الحكم الوجوبي أو التّحريمي مظنّة للضرر و حيث إنّ دفع الضّرر لازم فالواجب حينئذ هو لزوم التبعيّة عما ظنّه من الحكم الإلزامي و هذا هو معنى الحجّيّة سواء كان زمان الانسداد أو زمان الانفتاح أورد عليه بأنّ الصغرى ممنوعة سواء كان المراد من الضّرر المظنون هو العقوبة أو المفسدة أمّا إذا كان المراد من الضرر المظنون هو العقوبة فلأنّ استحقاق العقوبة على الفعل أو الترك ليس ملازما للوجوب و التحريم بوجودهما الواقعي بل من آثار تنجيز التّكليف و لا ينجّز التّكليف إلّا بالوصول و الظنّ غير المعتبر لا يكون وصولا كيف و قد يتحقّق التحريم الواقعي و مع ذلك نقطع بعدم العقاب كالحرام و الواجب المجهولين جهلا بسيطا أو مركّبا بل استحقاق الثواب و العقاب إنّما هو على‏

369

تحقّق الإطاعة و المعصية اللّتين لا يتحقّقان إلّا بعد العلم بالوجوب و الحرمة أو الظنّ المعتبر بهما و الظنّ غير المعتبر ليس وصولا لهما و مع عدم الوصول يقبح العقاب عليه لأنّه عقاب بلا بيان نعم لو لم نقل باستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان كان احتمال العقوبة في فرض الظنّ الغير المعتبر بالحكم موجودا و لكنّه كما ترى.

كلام حول حقّ الطّاعة

ربما يقال إنّ حقّ الطّاعة للّه تعالى ثابت على عبيده و على هذا يحكم العقل بوجوب إطاعته و لو في موارد احتمال التّكليف و هذا الإدراك العقلي لا يختصّ بالتكاليف المعلومة بل هو موجود في المحتملات و المظنونات ما لم يرخص الشّارع في ترك التحفّظ و الاحتياط و عليه فالبراءة العقليّة لا أصل لها لأنّه إذا كان حقّ الطاعة يشمل التكاليف المشكوكة فهو بيان رفع البيان فلا يكون عقاب اللّه للمكلّف إذا خالفها قبيحا لأنّ المكلّف يفرط في حقّ مولاه بالمخالفة فيستحقّ العقوبة و مع عدم جريان قاعدة قبح العقاب فاحتمال العقوبة موجود و مع وجود احتمال العقوبة في المظنونات و المشكوكات يجب رفعه لقاعدة وجوب دفع الضّرر المحتمل أو المظنون و يتمّ البرهان.

و يمكن الجواب بأنّ كبرى لزوم إطاعة اللّه كسائر الكبريات العقليّة و النقليّة تتوقّف على إحراز الموضوع و بدونه لا تنتج الحكم بلزوم الإتيان بشي‏ء أو الترك فالمحتملات لا يحرز كونها إطاعة للمولى و مع عدم الإحراز فلا يترتّب عليها وجوب الإطاعة و احتمال العقوبة فيها ينتفي بقاعدة قبح العقاب بلا بيان بعد اختصاص حقّ الطّاعة بالتّكاليف المعلومة بالعلم الوجداني أو العلمي عند العقلاء.

و الشّارع لم يتّخذ في باب الامتثال طريقة غير طريقة العقلاء و لو لا ذلك لبيّنها و لو بيّنها لشاعت و لبانت في مثل هذه المسألة التي تكون مورد الابتلاء.

لا يقال إنّ مورد جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان عند العقلاء مختصّ بموارد إمكان‏

370

البيان و مع ذلك لم يتبيّن و أمّا إذا لم يمكن البيان كما إذا منع شخص أن يتكلّم المولى و نعلم بأنّ المولى أراد بيان وجوب شي‏ء أو حرمته ففي مثله لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و جميع الموارد المحتملة للتّكاليف تكون من هذا القبيل فإنّ المولى الشّرعي مع حدوث الموانع من الظّلمة و الكذبة لا يتمكّن من البيان فلا يجوز الأخذ بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في تلك الموارد لنفي العقوبة المحتملة عند العقلاء و معه فاحتمال العقوبة موجود و يتمّ البرهان بضميمة كبرى وجوب دفع الضرر المظنون أو المحتمل لأنّا نقول موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان ثلاثة أحدها: الموارد التي أمكن للمولى البيان و لم يبيّن و لا إشكال في جريان القاعدة فيها من دون فرق بين المولى الحقيقي و سائر الموالي.

و ثانيها: الموارد التي لا إشكال في عدم جريانها فيها و هي التي فرض العلم بوجود الإرادات الحتميّة للمولى مع عدم تمكّنه من البيان لوجود المانع و نحوه فإنّ العلم بالإرادة في حكم البيان و لا مورد للقاعدة مع البيان كما لا يخفى.

و ثالثها: الموارد التي يشكّ فيها أنّها من قبيل الأولى أو الثانية ففي هذه الموارد تجري القاعدة عند العقلاء إلّا في بعض مهامّ الامور إذ لا بيان و مع عدم البيان تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و دعوى العلم بالإرادة الحتميّة مع عدم التّمكن من البيان بعد العلم بحصول الموانع من الظّلمة و الكذبة مندفعة بأنّ المفروض هو الشكّ في الإرادة و الواقع بحسّ الموارد و مع الشكّ لا بيان كما لا يخفى.

و دعوى أنّه لا إشكال في أنّ العقلاء بما هم كذلك لا يتوقّفون في محتمل المطلوبيّة و لا يقتحمون في محتمل المبغوضيّة في مقاصدهم و أغراضهم في شي‏ء من الموارد و إذا كانوا كذلك في الامور الرّاجعة إليهم فبطريق أولى في الامور الراجعة إلى مواليهم لأنّهم يرون العبد فانيا في مقاصد الموالى و بمنزلة أعضائه و جوارحه بحيث يجب أن يكون مطلوبه مطلوب المولى و غرضه غرضه فإذا كان العبد في اموره بحيث ينبعث أو يرتدع باحتمال النفع و الضّرر

371

فيجب عليه بطريق أولى أن يرتدع بمجرّد احتمال كون هذا مطلوبا للمولى أو كون ذاك مبغوضا له و إذا كان هذا حكم العقلاء بما هم عقلاء فكيف يحكم العقل بقبح العقاب.

مندفعة بأنّه لو سلّمنا وجود البناء في الموارد المذكورة فلا يمكن الاستدلال به في مثل المقام بالأولوية لأنّ بناء الشّارع على الأخذ بالسهولة و هذا الفرق يمنع عن التعدّي عن موارد البناء المذكور إلى المقام بالأولويّة.

هذا مضافا إلى أنّ وجود البناء في الموارد التي شكّ في أصل الإرادة و التّكليف فيها غير ثابت سواء تمكّن عن البيان أو لم يتمكّن فلا تغفل.

الوجه الثّاني:

أنّه لو لم يأخذ بالظنّ لزم ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح و عليه فيجب الأخذ بالظنّ المطلق و هذا هو معنى حجّيّة الظنّ.

و اجيب عنه بالمنع عن الكبرى بدعوى أنّه ليس ترجيح المرجوح في جميع الموارد قبيحا لأنّ المرجوح قد يوافق الاحتياط فالأخذ به في هذا الصورة ليس قبيحا و فيه أنّ المرجوح المطابق للاحتياط ليس العمل به ترجيحا للمرجوح بل هو جمع في العمل بين الراجح و المرجوح مثلا إذا ظنّ عدم وجوب شي‏ء و كان وجوبه مرجوحا فحينئذ الإتيان به من باب الاحتياط ليس طرحا للراجح في العمل لأنّ الإتيان لا ينافي عدم الوجوب.

فالأولى هو أن يجاب عنه بمنع الصغرى فنقول إنّ الاستدلال بذلك إن كان في صورة الانفتاح كما هو محلّ الكلام في هذا المقام فلا دوران حينئذ لأنّ بعد قيام العلم أو العلمي بالنّسبة إلى الأحكام الواقعيّة فينحلّ العلم الإجمالي بالأحكام في موارد العلم و العلمي و لا علم بوجودها بين مورد الظنّ و بين طرفه من الشكّ و الوهم حتّى يقال لزم الأخذ بالظنّ لئلّا يلزم ترجيح المرجوح على الراجح و حينئذ فمع عدم العلم بوجود الأحكام الشرعيّة بني الظنّ و طرفه من الشكّ و الوهم يرجع إلى البراءة العقلية أو الشرعية في جميع الأطراف و لا يلزم من ترجيح المرجوح على الراجح لأنّ نسبة البراءة إلى جميع الأطراف متساوية.

372

و إن كان الاستدلال بذلك في صورة الانسداد و لزوم الأخذ بالظنّ أو طرفه من الشكّ و الوهم دار الأمر بين ترجيح الظنّ و ترجيح طرفه و لكنّه يتوقّف على تماميّة مقدّمات الانسداد و إلّا فلا تصل النوبة إلى الدوران بين ترجيح الراجح و ترجيح المرجوح لأنّ اللازم عليه في هذه الصورة هو أن يعمل بموارد الانحلال أو يعمل بالاحتياط في جميع الأطراف لقاعدة الاشتغال فتحصّل أنّه لا دليل على حجّيّة الظنّ المطلق في حال الانفتاح.

المقام الثّاني:

في دليل الانسداد و هذا الدّليل الذي استدلّ به على حجّيّة الظنّ المطلق في زمان الانسداد مركّب من عدّة مقدّمات يستقلّ العقل مع ثبوتها بكفاية الإطاعة الظنّية أو يستكشف بها مشروعيّة التبعيّة عن الظنّ في مقام الامتثال و هذه المقدّمات خمسة:

المقدّمة الاولى:

أنّه يعلم إجمالا بثبوت تكاليف كثيرة في الشريعة الإسلاميّة و أطراف هذا العلم الإجمالي لا يختصّ بموارد الأخبار.

المقدّمة الثانية:

أنّه ينسد باب العلم أو العلمي بالنّسبة إلى المعلوم بالإجمال.

المقدّمة الثالثة:

أنّه لا يجوز إجمال التكاليف و ترك التعرّض لامتثالها لتنجّزها بسبب العلم الإجمالي.

المقدّمة الرابعة:

أنّه لا مجال للرجوع إلى الوظائف المقرّرة للجاهل بالأحكام من الاحتياط التّام للزوم الاختلال أو العسر و الحرج و من الرجوع إلى فتوى الغير الذي يعتقد الانفتاح لمنافاته مع العلم بالانسداد و من الرّجوع إلى القرعة لعدم جواز الأخذ بها في الشّبهات الحكمية و من الرّجوع إلى الاصول العمليّة للزوم المخالفة العملية من جريانها إن كانت نافية و لغير ذلك.

المقدّمة الخامسة:

أنّ ترجيح المرجوح على الرّاجح قبيح.

373

فإذا تمّت المقدّمات المذكورة و دار الأمر بين الامتثال الظّنّي و الشكّي أو الوهمي لا يجوز التنازل إلى الشكّي أو الوهمي في مقام الامتثال لأنّه ترجيح المرجوح على الراجح و هو قبيح. هذا تمام الكلام في تقريب الاستدلال على حجّيّة الظنّ المطلق.

ملاحظات حول دليل الانسداد

أمّا المقدّمة الأولى فهي و إن كانت بديهيّة إلّا أنّ العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة ينحلّ بالعلم الإجمالي في الدائرة الصّغيرة و هي الأخبار و معه لا موجب للاحتياط إلّا في خصوص دائرة الأخبار و عليه فمع تماميّة سائر المقدّمات لم يثبت إلّا وجوب العمل بالظنون الحاصلة من الأخبار لا الظنّ المطلق.

و أمّا المقدّمة الثانية ففيها منع عدم وفاء الدّليل العلمي بمعظم الأحكام و إن انسدّ باب العلم و ذلك لما يحكم به الوجدان من عدم بقاء العلم الإجمالي بالأحكام بعد الأخذ بأخبار الثّقات و غيرها من يقينيّات و المعلومات التفصيليّة و قد مرّ أنّ الأخبار الواردة عن الثّقات حجّة و إن لم تفد الوثوق النوعي و هكذا عرفت حجّيّة الخبر الموثوق الصّدور و إن لم يكن رواتها من الثقات و من المعلوم أنّ أخبار الثقات و الأخبار الموثوق بها مع ضميمة اليقينيّات و المعلومات التفصيلية وافية بمعظم الفقه و معها ينحلّ العلم الإجمالي و لا مجال لمقدّمات الانسداد.

نعم لو قلنا بحجّيّة خصوص أخبار العدول أو خصوص ما يفيد الوثوق الفعلي أو الوثوق النّوعي لما حصل الانحلال و حينئذ يكون لمقدّمات الانسداد مجال.

و بالجملة يختلّ دليل الانسداد بمنع هذه المقدّمة و لا ثمرة للبحث عن سائر المقدّمات إلّا في المشابهات للمقام مع ثبوت المقدّمة الثانية فيها كدعوى الانسداد في ترجمة الرجال بعد وجود العلم الإجمالي بوجوب الأخذ برواياتهم و انسداد باب العلم و العلمي في ذلك الباب فيمكن الاعتماد على الظنّ الحاصل من التراجم بأحوال الرجال.

374

و أمّا المقدّمة الثّالثة فلا إشكال في تماميّتها لتنجّز التكاليف بسبب العلم الإجمالي و لا يجوز في مقام الامتثال الاقتصار على المعلوم بالتفصيل و إلّا لزم الخروج عن الدين.

و أمّا المقدّمة الرابعة فهي تامّة بالنّسبة إلى الاحتياط المخلّ بالنّظام لعدم رضا الشّارع بذلك و أمّا بالنّسبة إلى لزوم العسر و الحرج من الاحتياط فقد يمنع عدم وجوبه بدعوى عدم حكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على قاعدة الاحتياط إذا كان الاحتياط بحكم العقل لعدم العسر في متعلّق الحكم الشرعي و لا في نفس الحكم و إنّما العسر من ناحية الجمع بين محتملات التّكليف و هو لا يجب إلّا بحكم العقل و الحكم العقلي ليس بمنفي بقاعدة نفي العسر و الحرج.

و يمكن أن يقال إنّ المنفي نفس الحرج أو الضّرر من أيّ سبب حصل سواء كان منشأهما هو الحكم الشّرعي أو موضوعه أو الحكم العقلي الاقتضائي كوجوب الاحتياط و هذا هو الظّاهر من تعلّق النّفي بنفس الحرج أو الضرر إذ جعل المنفي و هو الضّرر أو الحرج عنوانا مشيرا إلى الضّارّ أو الموجب للحرج أو الحكم الشرعى خلاف الظّاهر لأنّ لفظ الضّرر أو الحرج اسم مصدر و ليس عنوانا لغيره كالضّارّ أو الحكم الشرعي العسري أو الضّرري حتّى يكون النفي راجعا إلى الفعل الضرري أو الحرجي أو الحكم الشرعي و عليه فتمّت هذه المقدّمة.

لا يقال لو كان المراد من نفي الضّرر أو الحرج هو نفي نفس الضرر أو الحرج تشريعا لكان مفاد لا ضرر و لا حرج هو نفي حرمة الضرر أو الحرج و هذا ممّا لم يلتزم به أحد.

و عليه فيدور الأمر بين أن يكون المراد من النفي هو النهي عن الإضرار و الضّرر بالغير أو النّفس كما هو الحال في مثل قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ‏ فإنّ المراد منه نهي المحرم عن هذه الامور حال الإحرام.

أو أن يكون المراد من النفي هو النفي التشريعي بمعنى نفي الحكم الضّرري أو الحرجي في الشريعة و هو الظاهر من أدلّة نفي الحرج و الضرر بقرينة ما في بعض الرّوايات من أنّه لا ضرر في الإسلام أو في الدين.

375

لانّا نقول إنّ دليل لا ضرر و لا حرج بقرينة كونهما في مقام الامتنان و إفادة سهولة الإسلام و الدين لا ينفيان الحرمة بل النفي فيهما هو التجويز و معناه أنّ الضرر أو الحرج لا يجوّزه الشّارع لا بالنّسبة إلى الغير و لا بالنّسبة إلى النفس و بهذا الاعتبار يفيد نفي نفس الضّرر أو الحرج و عليه تشريع تجويزهما من أيّ جهة كانت يستلزم نفي الموضوع الضّرري أو الحكم الشّرعي بل الاحتياط العقلي أيضا لأنّ الحكم العقلي في أطراف العلم الاجمالي اقتضائي و الحكم الاقتضائي قابل لأن يرفعه الشّارع و لا فرق في شموله للحكم العقلي بين المباني المذكورة من كون مفاد لا ضرر أو لا حرج نفي نفس الضّرر أو الحرج أو نفي الموضوع الضرري أو الحرجي أو نفس الحكم الشّرعي ثمّ قوله في الإسلام أو في الدّين لا يوجب تخصيص النّفي بالأحكام الشّرعية لأنّ الدين أو الإسلام ظرف النفي لا المنفي هذا مضافا إلى أنّ القيدين المذكورين لم يردا في الرّوايات المعتبرة.

و أمّا عدم جواز الرّجوع إلى فتوى الغير فهو واضح ضرورة أنّه لا يجوز ذلك إلّا للجاهل لا للفاضل الذي اعتقد خطأ المجتهد الذي يدّعي انفتاح باب العلم أو العلمي بل رجوعه إليه من قبيل رجوع العالم إلى الجاهل.

و أمّا الرّجوع إلى القرعة في الشّبهات الحكمية فلاختصاصها بالشّبهات الموضوعيّة في الجملة كما لا يخفى.

و أمّا عدم جواز الرّجوع إلى الاصول العمليّة فإن كان الأصل مثبتا للتكليف و لم يكن من الاصول المحرزة كأصالة الاشتغال فلا مانع من الرجوع إليها لعدم منافاتها مع العلم الإجمالي بل هي مساعدة معه.

و إن كان الأصل مثبتا و كان من الاصول المحرزة كاستصحاب المثبت للتكليف فهو على قسمين أحدهما ما إذا لم يعلم بانتقاض الحالة السابقة كما إذا كان الكأسان نجسين و لم يعلم تطهير أحدهما فلا مانع من جريان استصحاب النجاسة و جواز الرجوع إليه و ثانيهما ما إذا علم إجمالا بالانتقاض كما إذا كان الكأسان نجسين و علم بتطهير أحدهما و حينئذ فإن قلنا

376

بأنّ المانع من جريان الاستصحاب في أطراف العلم الاجمالي هو لزوم المخالفة العمليّة فلا مانع من جريان الاستصحاب في المقام لعدم لزوم المخالفة العمليّة مع فرض كون الاستصحاب مثبتا للتكليف و إن قلنا بأنّ المانع هو نفس العلم الإجمالي بانتقاض الحالة السّابقة و لو لم يلزم المخالفة العمليّة فلا يجري الاستصحاب للتكليف في المقام للعلم بانتقاض الحالة السابقة في الجملة و إن كان الاصول العمليّة نافية فالرّجوع إليها ممنوع فيما إذا كان في الرّجوع إليها محذور الخروج عن الدين أو الإهمال بالنّسبة إلى التكاليف الواقعيّة المعلومة كما هو الظّاهر لكثرة الاصول النافية.

و أمّا المقدّمة الخامسة فلا كلام بالنّسبة إليها لأنّ كلّ مورد يدور الأمر فيه بين ترجيح المرجوح على الراجح أو العكس يحكم العقلاء بلزوم ترجيح الراجح على المرجوح و قبح العكس و هذه كبرى ثابتة عند العقل و العقلاء.

و حينئذ مع فرض تماميّة المقدّمات المذكورة و دوران الأمر بين ترجيح الامتثال الظّني و بين ترجيح الامتثال الشكّي أو الوهمي فلا إشكال في تقديم ترجيح الامتثال الظنّي للقاعدة المذكورة و المفروض أنّه لا طريقة للشارع غير طريقة العقلاء و عليه فاللازم بعد الأخذ بالعلم التفصيلي و الاصول المثبتة هو الرجوع إلى التكاليف المظنونة دون المشكوكة أو الموهومة هذا إذا لزم من الاحتياط في جميع الأطراف عسر و حرج كما هو المفروض و إلّا فاللّازم هو الاحتياط التامّ في جميع الأطراف لبقاء العلم الإجمالي بالتّكاليف.

و لكن الكلام في تماميّة المقدّمات و قد عرفت في المقدّمة الثانيّة أنّ العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة ينحلّ بالعلم الإجمالي في الدائرة الصّغيرة و هي دائرة الأخبار إذ مع حجّيّة الأخبار و العلم بوجود تكاليف فعليّة فيها بمقدار المعلوم بالإجمال لا يبقى علم بالتكاليف في غيرها فيجوز الرّجوع فيه إلى الاصول العملية النافية فلا يدور الأمر بين الامتثال الظنيّ و الامتثال الشكّي أو الوهمي حتّى يجب ترجيح الظنّي على غيره.

بل اللازم حينئذ هو الأخذ بمفاد الأخبار بعد ثبوت حجّيتها و لا ينتج المقدّمات ترجيح‏

377

الظنّ في مطلق موارد دوران الأمر بين الظنّ و الشكّ أو الوهم و بالجملة فمع ثبوت حجّيّة الأخبار الآحاد و انحلال العلم الإجمالي بالتّكاليف الواقعيّة فيها لوفائها بها لا مجال لدليل الانسداد في المقام.

نعم ربّما تتمّ مقدّمات دليل الانسداد في غير المقام من موارد الامتثال كما إذا تردّدت القبلة بين الجهات الأربعة و ظنّ بها في بعضها المعيّن و لم تقم بيّنة على طرف منها و لم يجر أصل محرز في طرف منهما و لم يكن الاحتياط لضيق الوقت فمع تنجّز التّكليف و عدم الانحلال و عدم إمكان الاحتياط يتعيّن الأخذ بالظنّ لقبح ترجيح المرجوح على الرّاجح في مقام الامتثال.

فتحصّل أنّ الظنّ المطلق لا دليل على حجّيّته بعد كون المفروض هو انحلال العلم الإجمالي بالتكاليف الشّرعية في دائرة الظّنون الخاصّة المعتبرة من الأخبار الآحاد لعدم تماميّة مقدّمات الانسداد بالنّسبة إلى الظنّ المطلق فلا تغفل.

التنبيهات‏

التنبيه الأول: [أنه لا مجال لحجية الظن المطلق‏]

أنه لا مجال لحجية الظن المطلق لا عقلا و لا شرعا بعد ما عرفت من عدم تمامية مقدمات الانسداد؛ إذ العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة ينحل بأخبار الثقات بناء على حجية الأخبار، و معه لا مجال لحجية الظن المطلق، بل لو لم نقل بحجية الأخبار و لكن انحلّ العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة بالعلم الاجمالي في دائرة المظنونات وجب العمل بالمظنونات من باب كونها أطراف المعلوم بالاجمال، و مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط في الاطراف لا من باب حكم العقل بحجية الظن على تقرير الحكومة، و لا من باب كشف العقل عن حجية الظن شرعا. و هذا واضح بعد عدم تمامية مقدمات دليل الانسداد.

و أمّا اذا تمت مقدمات دليل الانسداد بأن لا ينحل العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة فهل يكون النتيجة هي حجية الظن المطلق أو لا تكون؟

378

فقد ذهب السيد المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) الى أنّ النتيجة حينئذ هي التبعيض في الاحتياط، لا حجية الظن عقلا و لا شرعا حيث قال (قدّس سرّه): و ملخّص ما ذكرناه في هذا البحث أن انسداد باب العلم و العلمي موقوف على عدم حجية الأخبار سندا و دلالة، و قد أثبتنا حجيتها سندا و دلالة، و باثبات حجيتها ينفتح باب العلمي و ينحل العلم الاجمالي، فلا مانع من الرجوع الى الاصول العملية في غير موارد قيام الأخبار.

و مع الغض عن ذلك و تسليم عدم حجية الأخبار كان مقتضى العلم الاجمالي هو الاحتياط و الأخذ بجميع الأخبار الموجودة في الكتب المعتبرة الدالة على التكليف؛ لانّ العلم الاجمالي الأول قد انحل بالعلم الثاني و الثاني بالثالث على ما تقدم بيانه، و هذا الاحتياط لا يوجب اختلال النظام و لا العسر و الحرج؛ فانّ جماعة من أصحابنا الأخباريين قد عملوا بجميع هذه الأخبار، و لم يرد عليهم الحرج و لا اختل عليهم النظام.

و على تقدير تسليم عدم انحلال العلم الاجمالي الأول بدعوى العلم بأنّ التكليف ازيد من موارد الأخبار لا بد من التبعيض في الاحتياط على نحو لا يكون مخلا بالنظام و لا موجبا للعسر و الحرج، فلو فرض ارتفاع المحذور بالغاء الموهومات وجب الاحتياط في المشكوكات و المظنونات، و اذا لم يرتفع المحذور بذلك يرفع اليد عن الاحتياط في جملة من المشكوكات و يحتاط في الباقي منها و في المظنونات، و هكذا الى حدّ يرتفع محذور الاختلال و الحرج، و يختلف ذلك باختلاف الاشخاص و الازمان و الحالات الطارئة على المكلف و الموارد، ففي الموارد المهمة التي علم اهتمام الشارع بها كالدماء و الاعراض و الاموال الخطيرة لا بد من الاحتياط حتى في الموهومات منها، و ترك الاحتياط في غيرها بما يرفع معه محذور الاختلال و الحرج.

فتحصّل: أن مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها عقيمة عن اثبات حجية الظن لا بنحو الحكومة؛ لما عرفت من عدم معقولية حجية الظن بحكم العقل، إذ العقل ليس بمشرع ليجعل الظن حجة، و انّما شأنه الادراك ليس إلّا، فالجعل و التشريع من وظائف المولى،

379

و العقل يدرك و يرى المكلف معذورا في مخالفة الواقع مع الاتيان بما يحصل معه الظن بالامتثال على تقدير تمامية المقدمات، و يراه غير معذور في مخالفة الواقع على تقدير ترك الامتثال الظني و الاقتصار بالامتثال الشكي أو الوهمي، و هذا هو معنى الحكومة. (1)

و لا بنحو الكشف؛ لتوقفه على قيام دليل على بطلان التبعيض في الاحتياط، و لم يقم، فتكون النتيجة التبعيض في الاحتياط، لا حجية الظن. (2)

و عليه فمقدمات دليل الانسداد على تقدير تماميتها لا تنتج حجية الظن بحكم العقل أو الشرع، نعم يرى العقل من أخذ بالظن في مقام الامتثال معذورا غير مستحق للعقاب على مخالفة الواقع، و من لم يأخذ بالظن في مقام الامتثال مستحقا للعقاب على مخالفة الواقع.

و الحكومة بهذا المعنى لا بد منه.

و لكن ذهب في نهاية الأفكار الى أنّ الحق هو تقرير دليل الانسداد على نحو الحكومة العقلية، بمعنى مثبتية الظن للتكليف عقلا الراجع الى تنزل الشارع من العلم الى الظن في مقام الاثبات، لا في مقام الاطاعة و الاسقاط.

و استدل لذلك بأنّ مسلك التبعيض يبتني على منجزية العلم الاجمالي و عدم انحلاله بكشف وجود منجز آخر في البين بمقدار الكفاية، و هي ممنوعة جدا؛ لقيام الاجماع و الضرورة على بطلان الخروج من الدين، و لو فرض عدم علم اجمالي رأسا أو فرض عدم منجزيته للتكليف؛ إذ بمثله يكشف عن وجود مرجع آخر في البين بمقدار الكفاية غير العلم الاجمالي موجب لانحلاله، و لذلك جعلنا هذا المحذور هو العمدة في المستند؛ لعدم جواز الاهمال، مضافا الى ما أوردنا عليه سابقا من لزوم سقوطه عن المنجزية أيضا بمقتضى الترخيص المطلق في طرف الموهومات بل المشكوكات من جهة الاضطرار أو الحرج و العسر المقارن للعلم الاجمالي، فبعد سقوط العلم الاجمالي يتعين تقرير الحكومة؛ إذ بعد

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2 ص 240.

(2) مصباح الاصول: ج 2 ص 233- 234.

380

انسداد باب العلم و العلمي و عدم ثبوت جعل من الشارع و لو بمثل ايجاب الاحتياط يحكم العقل بلزوم اتخاذ طريق في امتثال الأحكام بمقدار يرتفع به محذور الخروج عن الدين، و يتعين في الظن باعتبار كونه أقرب الى الواقع من الشك و الوهم، فيحكم بلزوم الأخذ به، و الرجوع فيما عداه الى البراءة. و مع حكم العقل بذلك لا مجال للكشف لاحتمال ايكال الشارع في حكمه بلزوم تعرض الأحكام الى هذا الحكم العقلي؛ إذ مع الاحتمال المزبور لا يبقى طريق لكشف جعل من الشارع في البين. (1)

و لا يخفى عليك أنه لا يبعد دعوى العلم الاجمالي بوجود تكاليف عديدة بين المظنونات مع قطع النظر عن العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة، و لذا قلنا بانحلال العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة بوجود العلم الاجمالي في دائرة المظنونات، و من المعلوم أن انحلال العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة أو عدم منجزيته لا يضر بوجود العلم الاجمالي في دائر المظنونات و منجزيته.

و عليه فمقتضى العلم الاجمالي في دائرة المظنونات هو وجوب الاحتياط التام في أطرافها لا من باب كون الظن مثبتا للحكم و لا من باب التبعيض في الاحتياط، بل من باب كون المظنونات هي أطراف المعلوم بالاجمال.

و دعوى: انحلال العلم الاجمالي في أطراف المظنونات بعنوان ما لولاه لزم الخروج عن الدين.

مندفعة: بأنّ الانحلال المذكور لو تم لا يوجب أن يكون الظن مثبتا للحكم، بل العنوان المذكور يكون في دائرة المظنونات، و اللازم في اتيان هذا العنوان هو الاحتياط في أطراف المظنونات حتى يمتثل. هذا، مضافا الى ما مر سابقا من أن الترخيص في بعض أطراف المعلوم بالاجمال لا يوجب سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز فيما اذا كانت التكاليف متعددة.

و عليه فلو لم نقل بانحلال العلم الاجمالي في الدائرة الكبيرة فلا محيص عن حكم العقل‏

____________

(1) نهاية الأفكار: ج 3 ص 161- 162.

381

بالتبعيض في الاحتياط دفعا لمحذور الاختلال أو العسر و الحرج، و العقل يحكم بمعذورية من أتى بالمظنونات و ترك الموهومات أو المشكوكات دفعا لمحذور الاختلال أو العسر و الحرج، و هو معنى الحكومة العقلية في مقام الامتثال، فالحكومة بهذا المعنى ثابتة. و أمّا بمعنى جعل الظن حجة عقلا أو شرعا فلا دليل له و لا تفيده مقدمات دليل الانسداد، فتدبّر جيدا.

و عليه يسقط كثير من المباحث المتفرعة على ثبوت حجية الظن بمقدمات الانسداد، منها: أنّ نتيجة دليل الانسداد هي حجية الظن بالواقع أو الظن بالطريق أو الأعم منهما.

التنبيه الثاني: [انّ دليل الانسداد على تقدير تمامية مقدماته مختص بالفروع‏]

انّ دليل الانسداد على تقدير تمامية مقدماته مختص بالفروع، و لا يجري في الاصول الاعتقادية؛ لعدم جواز الاكتفاء بالظن فيما يجب معرفته عقلا، إذ لا يصدق المعرفة على الظن، و هذا هو مقتضى ما قرّر في بحث القطع من أنّ الامارات لا تقوم مقام القطع إذا أخذ على نحو الصفتية

و لذا قال في الكفاية: لا بد من تحصيل العلم لو امكن، و مع العجز عنه كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضية المطلب مع قلة الاستعداد. (1)

و لقائل أن يقول: يجب على من لم يتمكن من المعرفة التفصيلية أن يعتقد بما هو الواقع بنحو الاجمال، فتأمّل. هذا كله بالنسبة الى الظن المتعلق بما تجب معرفته عقلا أو شرعا.

و أمّا اذا كان الظن متعلقا بالامور الدينية التي يجب التباني و عقد القلب عليها و التسليم و الانقياد لها كتفاصيل البرزخ و تفاصيل المعاد و نحو ذلك مما لا يجب تحصيل معرفتها، و انّما الواجب عقد القلب على تقدير اخبار النبي (صلى اللّه عليه و آله) بها.

فقد فصل السيد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) بين الظن الخاص و بين الظن العام حيث قال: فان كان الظن المتعلق بهذه الأمور من الظنون الخاصة الثابتة حجيتها بغير دليل الانسداد فهو حجة، بمعنى أنه لا مانع من الالتزام بمتعلقه و عقد القلب عليه؛ لانه ثابت بالتعبد الشرعي بلا فرق‏

____________

(1) الكفاية: 2 ج ص 156.

382

بين أن تكون الحجية بمعنى جعل الطريقية كما اخترناه أو بمعنى جعل المنجزية و المعذرية كما اختاره صاحب الكفاية (لان عقد القلب و التسليم من الواجبات التعبدية و يصح فيها التنجيز و التعذير).

و إن كان الظن من الظنون المطلقة الثابتة حجيتها بدليل الانسداد بناء على تمامية مقدمات الانسداد فلا يكون حجة، بمعنى عدم جواز الالتزام و عقد القلب بمتعلقه، لعدم تمامية مقدمات الانسداد في المقام، إذ منها عدم جواز الاحتياط لاستلزامه اختلال النظام أو عدم وجوبه لكونه حرجا على المكلف، و الاحتياط في هذا النوع من الامور الاعتقادية بمكان من الامكان بلا استلزام للاختلال و الحرج؛ إذ الالتزام بما هو الواقع و عقد القلب عليه على اجماله لا يستلزم الاختلال، و لا يكون حرجا على المكلّف.

و أمّا إذا كان الظنّ متعلّقا بالأمور التكوينية أو التاريخية فان لم يقم على اعتباره دليل خاص و هو الذي نعبر عنه بالظن المطلق فلا حجية له، كما هو الظاهر.

(و لعل وجه الظهور أن الامور التكوينية أو التاريخية أجنبية عن الأحكام و مقام الاطاعة و الامتثال، و عليه فالظن المتعلق بها خارج عن موضوع دليل الانسداد).

و أمّا إن كان من الظنون الخاصة، فان كانت الحجية بمعنى جعل غير العلم علما بالتعبد يكون الظن المذكور حجة باعتبار أثر واحد، و هو جواز الإخبار بمتعلقه؛ لأن جواز الإخبار عن الشي‏ء منوط بالعلم به، و قد علمنا به بالتعبد الشرعي.

و إن كانت الحجية بمعنى كونه منجزا و معذرا فلا يعقل ذلك إلّا فيما اذا كان لمؤداه أثر شرعي، و هو منتف في المقام؛ إذ لا يكون أثر شرعي للموجودات الخارجية و لا للقضايا التاريخية ليكون الظن منجزا و معذرا بالنسبة اليه.

و أما جواز الإخبار عن شي‏ء فهو من آثار العلم به، لا من آثار المعلوم بوجوده الواقعي؛ و لذا لا يجوز الإخبار عن شي‏ء مع عدم العلم به و لو كان ثابتا في الواقع.

و يتفرع عليه أنه لا يجوز الإخبار البتي بما في الروايات من الثواب على المستحبات أو الواجبات بأن نقول من صام من رجب مثلا كان له كذا، بل لا بد من نصب قرينة دالة على‏

383

أنه مروي عن الأئمة (عليهم السّلام) بأن نقول مثلا روي أنه من صام في رجب كان له كذا. (1)

هذا بخلاف ما اذا قلنا بأنّ الحجية بمعنى جعل غير العلم علما لجواز الاخبار البتي حينئذ بما في الروايات من الثواب و العقاب و الخواص و غير ذلك، كما جاز له ذلك إذا علم وجدانا بما فيها، كما لا يخفى.

التنبيه الثالث: [أنه لا اشكال في النهي عن القياس‏]

أنه لا اشكال في النهي عن القياس بناء على ما مر من عدم استفادة حجية الظن من مقدمات الانسداد على تقدير تماميتها؛ إذ لا منافاة بين عدم حجية الظن المطلق و النهي عن القياس، بل لا اشكال في النهي عن القياس أيضا مع القول بحجية الظن المطلق بدليل الانسداد بناء على الكشف؛ إذ للشارع أن يجعل الحجية لبعض الظنون دون البعض الآخر حسبما تقتضيه المصلحة، فمع احراز نهي الشارع عن القياس لا مجال لكشف العقل عن حجية الظن القياسي و أن كشف حجية الظن المطلق شرعا بدليل الانسداد.

و انّما الاشكال في وجه خروج الظن الحاصل من القياس عن عموم حجية الظن بدليل الانسداد بناء على الحكومة.

و تقرير الاشكال على المحكي عن الأمين الاسترابادي أنه كيف يجامع حكم العقل بكون الظن كالعلم مناطا للاطاعة و المعصية و يقبح على الآمر و المأمور التعدي عنه و مع ذلك يحصل الظن أو خصوص الاطمئنان من القياس و لا يجوز الشارع العمل به؟! فانّ المنع عن العمل بما يقتضيه العقل من الظن أو خصوص الاطمئنان لو فرض ممكنا جرى في غير القياس، فلا يكون العقل مستقلا؛ إذ لعله نهى عن امارة مثل ما نهى عن القياس و اختفى علينا، و لا دافع لهذا الاحتمال إلّا قبح ذلك على الشارع؛ إذ احتمال صدور ممكن بالذات عن الحكيم لا يرتفع إلّا بقبحه، و هذا من افراد ما اشتهر من أنّ الدليل العقلي لا يقبل التخصيص.

أورد عليه في الكفاية بقوله: و انت خبير بأنه لا وقع لهذا الاشكال بعد وضوح كون حكم‏

____________

(1) مصباح الاصول: ج 2، ص 235- 239.

384

العقل بذلك معلقا على عدم نصب الشارع طريقا و أصلا و عدم حكمه به فيما كان هناك منصوب و لو كان اصلا بداهة أن من مقدمات حكمه عدم وجود علم و لا علمي، فلا موضع لحكمه مع احدهما ... الى أن قال: فلا يكون نهيه عنه رفعا لحكمه عن موضوعه، بل به يرتفع موضوعه. (1)

التنبيه الرابع: [انّ ظهور الألفاظ حجة عند العقلاء]

انّ ظهور الألفاظ حجة عند العقلاء، و لا يرفع اليد عنه إذا حصل الظن غير المعتبر على خلافه؛ لعدم اختصاص دليل حجيته بما اذا لم يكن الظن غير المعتبر على خلافه، و عليه فلو كان اللفظ بنفسه ظاهرا في معنى و خالفه المشهور لا يسقط ظهور اللفظ عن الحجية مع احتمال أن يكون وجه المخالفة هو اجتهادهم و استنباطهم.

نعم اذا احرز أن وجه المخالفة مستند الى دلالة حاق اللفظ لا الى ظنونهم و اجتهاداتهم يستكشف بذلك أن اللفظ في ذلك العصر ظاهر في المعنى الذي فهموه و ما فهمنا منه في عصرنا خلاف الظاهر، فاللازم هو الأخذ بما فهمه المشهور.

و هكذا إذا أحرز أن مخالفتهم مع الظاهر مستند الى قيام دليل على التخصيص أو التقييد لا من ناحية الاجتهاد و الاستنباط، كما لعله كذلك في قاعدة القرعة لكل امر مشتبه مع وضوح معناها، فيؤخذ بما ذهب اليه المشهور؛ فانه يكشف عن المخصص أو المقيد، كما لا يخفى.

و بالجملة فالظن المستفاد من فتوى المشهور و إن لم يكن على اعتباره دليل ربما يكشف قطعيا عن الظهور من حاق اللفظ أو المقيد أو المخصص، فمع الكشف عن الظهور المستند الى حاق اللفظ أو وجود المقيد أو المخصص فاللازم هو الاتباع للظهور المستكشف أو المقيد أو المخصص؛ و لذا لا يعمل بعموم قاعدة القرعة، و لا منافاة بين أن لا يكون الشهرة الفتوائية حجة و مع ذلك تكشف عن الظهور المذكور أو وجود المقيد أو المخصص، فلا تغفل.

____________

(1) الكفاية: ج 2 ص 144.

385

التنبيه الخامس: [أن الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الأحكام على تقدير تماميتها]

أن الثابت بمقدمات دليل الانسداد في الأحكام على تقدير تماميتها و افادة حجية الظن في مقام اثبات التكليف أو اسقاطه هو حجية الظن في هذا المقام المنسد فيها باب العلم و العلمي، لا في مقام تطبيق المأمور به على المأتي به في الخارج، و عليه فيرجع الى الظن في مقام تعيين الحكم الكلي.

و أمّا بعد تعيين الحكم الكلي و حصول الشك في أن المأمور به ينطبق على المأتي به أولا فلا يجوز أن يعتمد على الظن المطلق، بل لا بد من أن يقطع بانطباق المأمور به على المأتي به بمقتضى أن الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.

نعم قد يجري دليل الانسداد في بعض الموضوعات الخارجية كموضوع الضرر أو العدالة أو النسب و نحوها مما لها أحكام كثيرة، فاذا كان باب العلم و العلمي فيها منسدا في الغالب بحيث لا يعلم به إلّا بعد الوقوع فيه كالضرر أو بحيث يترك الواجب كما في العدالة أو النسب و علم أن الشارع لا يرضى بذلك و لا يمكن الاحتياط عقلا أو شرعا أمكن دعوى جريان دليل الانسداد فيه و الاكتفاء بمجرد الظن في ترتب الأحكام.

إلّا انه لا حاجة اليه في مثل الضرر في بعض الموارد كالصوم؛ لاناطة الحكم فيه على خوف الضرر في الروايات، فلا تغفل.

التنبيه السادس: [أنه هل يكتفى في تعيين معنى موضوعات الاحكام الكلية بالظن الانسدادي‏]

أنه هل يكتفى في تعيين معنى موضوعات الاحكام الكلية بالظن الانسدادي أو لا يكتفى؟

ذهب بعض الى الأول قائلا بأنّ الأخذ بالظن في ناحية الموضوعات يرجع الى الأخذ بالظن في تعيين الحكم الكلي، فمع تمامية مقدمات الانسداد و افادة حجية الظن يجوز الرجوع اليه، و لكن المقدمات غير تامة بعد ما عرفت من جواز الرجوع في موارد الاستعمال أو تراكيب الكلمات الى أهل اللغة؛ لانهم خبراء ذلك، و معه لا تصل النوبة الى الاكتفاء بالظن الانسدادي.

386

اللّهمّ إلّا أن يقال: إن الرجوع الى الخبرة لا يخرج الراجع الى الخبرة عن الجهل، و عليه فالتقليد عن الراجع تقليد عن الجاهل. نعم يجوز له الاعتماد على الخبرة في عمل نفسه.

و لكن يمكن أن يقال: أن اللغويين متعددون، و حيث إنهم يشهدون على موارد الاستعمال و معاني التراكيب فالاعتماد عليهم اعتماد على البينة و الشهادة، فلا اشكال حينئذ في تقليد من اعتمد على الشهادة، فانه اعتمد على العلمي، فلو لم يكن المورد من موارد الشهادة فلا بد من أن يعتمد على الظن من باب الانسداد، فلا تغفل.

و يلحق به الظن الحاصل من توثيق أهل الرجال؛ فانّ الأخذ بالظن في ناحية رجال الأحاديث يرجع أيضا الى الأخذ بالظن في الحكم الشرعي، فمع تمامية مقدمات الانسداد يكون الظن المطلق حجة فيها أيضا و يصح أن يعتمد عليه.

و هذا أيضا مبني على تمامية المقدمات بأن يقال: إنّا مكلّفون بأخذ قول العدول و الثقات و تشخيص العدالة أو الوثاقة بتعديل العدلين بالنسبة الى جميع الرواة في عصرنا غير ميسور، فالامر يدور بين رفع التكليف و بين الاحتياط التام و بين الاكتفاء بالظن في تشخيصهما، و الأول ممنوع، و الثاني متعذر أو متعسر، فانحصر الامر في جواز الاكتفاء بالظن في تشخيص الثقة أو العدل، فيجوز الاعتماد على الظن المستفاد من توثيق أهل الرجال في الموارد التي لم يتحقق فيها شهادة العدلين، فتدبّر جيدا.

و دعوى: أن أكثر الأخبار تكون معمول بها عند المشهور و معظم الأصحاب، و معه لا حاجة الى الظن الرجالي، بل لا يلزم من الرجوع الى الاصول النافية فيما عداها محذور المخالفة مع العلم الاجمالي أو الخروج عن الدين، و عليه فلا يتم مقدمات الانسداد.

مندفعة: بالمنع عن كون أكثر الأخبار هي معمول بها؛ لعدم احراز استنادهم إليها، فتدبّر جيّدا.

387

الخلاصة التنبيهات‏

التّنبيه الأوّل:

أنّه لا مجال لحجّيّة الظنّ المطلق لا عقلا و لا شرعا بعد ما عرفت من عدم تماميّة مقدّمات الانسداد إذ العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة ينحلّ بأخبار الثّقات معه لا مجال لحجّيّة الظنّ المطلق بل لو لم نقل بحجّيّة أخبار الثّقات و لكن انحلّ العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة بالعلم الإجمالي في دائرة الصّغيرة و هي المظنونات وجب العمل بالمظنونات من باب كونها أطراف المعلوم بالإجمال و مقتضى العلم الإجمالي هو الاحتياط التّامّ في الأطراف لا من باب حكم العقل بحجّيّة الظنّ على تقرير الحكومة و لا من باب كشف العقل عن حجّيّة الظنّ شرعا هذا بناء على عدم تماميّة مقدّمات الانسداد.

و أنّ بناء على تماميّة المقدّمات و عدم انحلال العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة فهل يكون النتيجة هي حجّيّة الظنّ المطلق أو لا.

يمكن أن يقال إنّ النتيجة هي التبعيض في الاحتياط لا حجّيّة الظنّ عقلا و لا شرعا و ذلك لأنّ على تقدير تسليم عدم انحلال العلم الإجمالي الأوّل بدعوى كون العلم بالتّكليف أزيد من موارد الأخبار لا بدّ من التبعيض في الاحتياط على نحو لا يكون مخلا بالنظام و لا موجبا للعسر و الحرج فلو فرض ارتفاع المحذور بإلغاء الموهومات وجب الاحتياط في المشكوكات و المظنونات و إذا لم يرتفع المحذور بذلك يرفع اليد عن الاحتياط في جملة من المشكوكات و يحتاط في الباقي منها و في المظنونات و هكذا إلى حدّ يرتفع محذور الاختلال و الحرج و يختلف ذلك باختلاف الأشخاص و الأزمان و الحالات الطارئة على المكلّف و الموارد ففي الموارد المهمّة التي علم اهتمام الشّارع بها كالدّماء و الأعراض و الأموال الخطيرة لا بدّ من الاحتياط حتّى في الموهمات منها و ترك الاحتياط في غيرها بما يرفع معه محذور الاختلال و الحرج.

388

فتحصّل أنّ مقدّمات الانسداد على تقدير تماميّتها عقيمة عن إثبات حجّيّة الظنّ لا بنحو الحكومة لما عرفت من أنّ العقل ليس بمشرع ليجعل الظنّ حجّة و إنّما شأنه الإدراك ليس إلّا، فالجعل و التشريع من وظائف المولى. نعم العقل يدرك و يرى المكلّف معذورا في مخالفة الواقع مع الإتيان بما يحصل معه الظنّ بالامتثال على تقدير تماميّة المقدّمات و يراه غير معذور في مخالفة الواقع على تقدير ترك الامتثال الظنّي و الاقتصار بالامتثال الشكيّ أو الوهمي و الحكومة بهذا المعنى ممّا لا بدّ منه.

و لا بنحو الكشف لتوقّفه على قيام دليل على بطلان التّبعيض في الاحتياط و لم يقم و عليه فتكون النتيجة التبعيض في الاحتياط لا حجّيّة مطلق الظنّ.

و لكن ذهب بعض المحقّقين إلى أنّ الحقّ هو تقرير دليل الانسداد على نحو يفيد الحكومة العقلية بمعنى أنّ الظنّ مثبت للتكليف عقلا لا بمعنى المعذوريّة في مقام الامتثال و استدلّ لذلك بأنّ مسلك التبعيض مبني على منجّزيّة العلم الإجمالي و عدم انحلاله بكشف وجود منجّز آخر في البين بمقدار الكفاية و هي ممنوعة جدّا لقيام الإجماع و الضّرورة على بطلان الخروج من الدين و لو فرض عدم علم إجمالي رأسا أو فرض عدم منجّزيّته للتكليف.

إذ بمثله يكشف عن وجود مرجع آخر في البين بمقدار الكفاية غير العلم الإجمالي موجب لانحلاله و لذلك جعلنا هذا المحذور هو العمدة في المستند لعدم جواز الإهمال.

هذا مضافا إلى لزوم سقوطه عن المنجّزيّة أيضا بمقتضى التّرخيص المطلق في طرف الموهومات بل المشكوكات من جهة الاضطرار أو الحرج و العسر المقارن للعلم الإجمالي فبعد سقوط العلم الإجمالي يتعيّن تقرير الحكومة إذ بعد انسداد باب العلم و العلمي و عدم ثبوت جعل من الشّارع و لو بمثل ايجاب الاحتياط يحكم العقل بلزوم اتخاذ طريق في امتثال الأحكام بمقدار يرتفع به محذور الخروج عن الدين و يتعيّن في الظنّ باعتبار كونه أقرب إلى الواقع من الشكّ و الوهم فيحكم بلزوم الأخذ به و الرجوع فيما عداه إلى البراءة و مع حكم العقل بذلك لا مجال للكشف لاحتمال إيكال الشارع في حكمه بلزوم تعرّض الأحكام إلى‏

389

هذا الحكم العقلي إذ مع الاحتمال المزبور لا يبقى طريق لكشف جعل من الشّارع في البين.

و يمكن الجواب عنه بأنّه لا يبعد دعوى العلم الإجمالي بوجود التّكاليف عديدة بين المظنونات مع قطع النظر عن العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة و بهذا قلنا بانحلال العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة بوجود العلم الإجمالي في دائرة الصّغيرة و هي دائرة المظنونات و من المعلوم أنّ انحلال العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة أو عدم منجّزيّته لا يضرّ بوجود العلم الإجمالي في دائرة المظنونات و منجّزيّته و عليه فمقتضى بقاء العلم الإجمالي في دائرة المظنونات و منجّزيّته هو وجوب الاحتياط التامّ في أطرافها لا من باب كون الظنّ مثبتا للحكم و لا من باب التبعيض في الاحتياط بل من باب كون المظنونات هي أطراف المعلوم بالإجمال.

هذا مضافا إلى أنّ التّرخيص في بعض أطراف المعلوم بالإجمال لا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز فيما إذا كانت التكاليف متعدّدة.

و عليه فلو لم نقل بانحلال العلم الإجمالي في الدائرة الكبيرة فلا محيص عن حكم العقل بالتبعيض في الاحتياط دفعا لمحذور الاختلال أو العسر و الحرج و العقل يحكم بمعذوريّة من أتى بالمظنونات و ترك الموهومات أو المشكوكات دفعا لمحذور الاختلال أو العسر و الحرج و هذا هو معنى الحكومة العقليّة في مقام الامتثال فالحكومة بهذا المعنى ثابتة و أمّا بمعنى جعل الظنّ حجّة عقلا أو شرعا فلا دليل له و لا تفيده مقدّمات دليل الانسداد فتدبّر جيّدا.

التّنبيه الثّاني:

أنّ دليل الانسداد على تقدير تماميّة مقدّمات مختصّ بالفروع و لا يجري في الاصول الاعتقاديّة لعدم جواز الاكتفاء بالظنّ فيما يجب معرفته عقلا و هذا هو مقتضى ما عرفته في بحث القطع من أنّ الأمارات لا تقوم مقام القطع فيما أخذ القطع على نحو الصفتية فاللّازم في المسائل الاعتقادية هو تحصيل العلم لو أمكن و مع العجز عنه كان معذورا إن كان عن قصور لغفلة أو لغموضية المطلب مع قلّة الاستعداد.

390

التّنبيه الثّالث:

أنّه لا إشكال في النّهي عن القياس بناء على ما مرّ من عدم استفادة حجّيّة الظنّ من مقدّمات الانسداد على تقدير تماميّتها إذ لا منافاة بين عدم حجّيّة الظنّ المطلق و النّهي عن القياس.

بل لا إشكال أيضا في النّهي عن القياس مع استفادة حجّيّة الظنّ المطلق من مقدّمات الانسداد بناء على الكشف إذ للشارع أن يجعل الحجّيّة لبعض الظنون دون بعض حسبما تقتضيه المصلحة فمع إحراز نهي الشّارع عن القياس لا مجال لكشف العقل عن حجّيّة الظنّ القياسي و إن كشف حجّيّة الظنّ المطلق شرعا بدليل الانسداد.

و إنّما الإشكال في وجه خروج الظنّ الحاصل من القياس عن عموم حجّيّة الظنّ بدليل الانسداد على تقدير الحكومة و تقرير الإشكال على ما حكي عن الأسترآبادي أنّه كيف يجامع حكم العقل يكون الظنّ كالعلم مناطا للإطاعة و المعصية و يقبح على الآمر و المأمور التعدّي عنه و مع ذلك يحصل الظنّ أو خصوص الاطمئنان من القياس و الشّارع لا يجوز العمل به و الجواب عنه واضح و هو أنّ حكم العقل بذلك معلّقا على عدم نصب الشّارع طريقا واصلا و عدم حكمه به فيما كان هناك منصوب و لو كان أصلا بداهته أنّ من مقدّمات حكمه عدم وجود علم و لا علمي فلا موضوع لحكم العقل مع أحدهما فلا يكون نهي الشّارع عنه رفع لحكم العقل عن موضوعه بل به يرتفع موضوع الحكم العقلي كما لا يخفى.

التّنبيه الرّابع:

أنّ ظهور الألفاظ حجّة عند العقلاء و لا يرفع اليد عنه إذا حصل الظنّ غير المعتبر على خلافه و عليه فلو كان اللّفظ بنفسه ظاهرا في معنى و خالفه المشهور لا يسقط ظهوره عن الحجّيّة فيما إذا كان وجه المخالفة هو اجتهاداتهم لعدم حجّيّة اجتهاداتهم لغيرهم من المجتهدين.

هذا بخلاف ما إذا كان وجه المخالفة هو قيام دليل عندهم يدلّ على التّخصيص أو التّقييد

391

كما لعلّه كذلك في قاعدة القرعة لكلّ أمر مشتبه مع وضوح معناها فاللّازم حينئذ هو رفع اليد عن ظهور لفظ يخالفه المشهور فإنّ المتكشّف بالشّهرة حجّة لنا أيضا.

و بالجملة فالظنّ المستفاد من فتوى المشهور و إن لم يكن على اعتباره دليل لكنّه يكشف أحيانا كشفا قطعيا عن المقيّد أو المخصّص فمع هذا الكشف فاللّازم هو الاتّباع لما ذهب إليه المشهور و لا منافاة بين أن لا يكون الشهرة في نفسها حجّة و مع ذلك تكشف عن وجود المقيّد أو المخصّص فلا تغفل.

التّنبيه الخامس:

أنّ الثّابت بمقدّمات دليل الانسداد في الأحكام على تقدير تماميّتها و إفادة حجّيّة الظنّ في مقام إثبات التّكليف هو حجّيّة الظنّ المطلق في هذا المقام لانسداد باب العلم و العلمي لا في قوله تطبيق المأمور به على المأتي به في الخارج و عليه فيرجع إلى الظنّ المطلق في مقام تعيين الحكم الكلّي و أمّا بعد تعيين الحكم الكلّي و حصول الشكّ في أنّ المأمور به ينطبق على المأتيّ به أوّلا: فلا يجوز أن يعتمد على الظنّ المطلق بل لا بدّ من أن يقطع بالانطباق بمقتضى أنّ الاشتغال اليقيني بمقتضى الفراغ اليقيني.

نعم قد يجري دليل الانسداد في بعض الموضوعات الخارجية كموضوع الضّرر أو العدالة أو النّسب و نحوها ممّا لها أحكام كثيرة فإذا كان باب العلم و العلمي فيها منسدّا في الغالب بحيث لا يعلم به إلّا بعد الوقوع فيه كالضّرر أو بحيث يترك الواجب كما في العدالة أو النسب و علم أنّ الشّارع لا يرضى بذلك و لا يمكن الاحتياط عقلا أو شرعا أمكن دعوى جريان دليل الانسداد فيه و الاكتفاء بمجرّد الظنّ في ترتّب الأحكام إلّا أنّه لا حاجة إليه في مثل الضّرر في بعض الموارد كالصوم لإناطة جواز الإفطار على خوف الضّرر في الرّوايات.

التّنبيه السّادس:

أنّه هل يكتفي في تعيين معنى موضوعات الأحكام الكلّيّة بالظنّ الانسدادي أو لا.

و استدلّ للأوّل بأنّ الأخذ بالظنّ في ناحية الموضوعات يرجع إلى الأخذ بالظنّ في‏

392

تعيين الحكم الكلّي فمع تماميّة المقدّمات يجوز الرّجوع إليه إلّا أنّ المقدّمات غير تامّة لجواز الرّجوع في موارد الاستعمال أو تراكيب الكلمات إلى أهل اللّغة لأنّهم خبراء ذلك و معه لا تصل النّوبة إلى الاكتفاء بالظنّ الانسدادي في معنى الموضوعات.

اللّهمّ إلّا أن يقال: أنّ الرّجوع إلى الخبرة لا يخرج الرّاجع عن الجهل و لذا لا يجوز التّقليد عنه لأنّه جاهل و الرّجوع إليه رجوع الجاهل إلى الجاهل لا رجوع الجاهل إلى العالم نعم لو كان اللغويّون متعدّدين جاز الاعتماد على أقوالهم من جهة الشّهادة و عليه فلا إشكال في التّقليد عمّن اعتمد على الشّهادة.

فلو لم يكن المورد من موارد الشّهادة فلا إشكال حينئذ في جواز الاعتماد على الظنّ من باب الانسداد.

و يلحق به الظنّ الحاصل من توثيق أهل الرّجال فإنّ الأخذ بالظنّ في ناحية رجال الحديث يرجع أيضا إلى الأخذ بالظنّ في الحكم الشّرعي فمع تماميّة المقدّمات يكون الظنّ المطلق حجّة و يصحّ أن يعتمد عليه.

و المقدّمات تامّة. لأنّا مكلّفون على أخذ قول العدول و الثّقات و تشخيص هؤلاء العدول بتعديل العدلين بالنّسبة إلى جميع الرواة غير ميسور. و عليه فالأمر يدور بين رفع التّكليف و بين الاحتياط التامّ و بين الاكتفاء بالظنّ في تشخيصهما. و الأوّل ممنوع و الثّاني متعذّر أو متعسّر. فانحصر الأمر في جواز الاكتفاء بالظنّ في تشخيص الثّقة أو العدل. فيجوز الاعتماد على الظنّ المستفاد من توثيق أهل الرّجال في الموارد الّتي لم يتحقّق فيها شهادة العدلين و للّه الحمد أوّلا و آخرا.

393

المقصد السابع في الأصول العملية

394

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

395

و لا يخفى عليك أنّ مواضع الاصول العملية هي موارد الاشتباه و الشكوك الثابتة بسبب فقدان النص أو تعارض الدليلين أو إجمال الدليل، أو الاشتباه من ناحية الامور الخارجية، و الاصول العملية متضمنة لحكم تلك الشبهات.

ثم إنّ هذه الموارد من الشكوك إمّا يكون اليقين السابق فيها ملحوظا و إمّا لا يكون كذلك لعدم وجوده أو لعدم اعتباره (كما إذا كان الشك في المقتضي بناء القول بعدم جريان الاستصحاب فيه) و الأوّل مجرى الاستصحاب مطلقا سواء كان الشك في التكليف أو المكلّف به، و أمكن الاحتياط أو لم يمكن، و سواء كان الحكم المشكوك إلزاميا أو لم يكن كذلك، و الثاني أي ما لم يلحظ فيه اليقين السابق إمّا أن يكون الشك فيه في أصل التكليف و إمّا أن يكون الشك في المكلّف به مع العلم بأصل التكليف، فالأوّل مورد للبراءة و الثاني فإن أمكن الاحتياط فيه فهو مجرى قاعدة الاحتياط كما إذا دار الأمر بين القصر و الإتمام فيجمع بينهما، و إن لم يمكن الاحتياط فيه كما إذا علم بأصل الإلزام و التكليف و لكن دار الأمر بين المحذورين كالحرمة و الوجوب فهو مجرى قاعدة التخيير.

و لا فرق في ما ذكر بين أن يكون حكم تكليفيا أو وضعيا بناء على إمكان جعله مستقلا و لو في الجملة، كما سيأتي تفصيل ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى، ثم إنّه لا وجه لتخصيص الحكم بالإلزامي مع أنّ بعض الاصول يجري في غير الإلزامي أيضا، و هو يكفي في تعميم المجرى، و لو اختص بعض آخر بالإلزامي فالاستصحاب يجري في الحكم الاستحبابي و الكراهتي أيضا و إن اختصت البراءة بما فيه كلفة و الضيق و هما لا يكونان إلّا في الإلزامي كما لا يخفى.

396

فتحصل أنّ الكلام في الاصول العملية يعمّ في الاستصحاب و البراءة و الاحتياط أو الاشتغال و التخيير و محل البحث في هذا المقصد هو هذه الاصول العملية.

و لا ندّعي حصر القواعد المقرّرة للشاك فيما ذكر من الاصول الأربعة لوجود قواعد أخرى تكون من قواعد علم الاصول أيضا؛ كقاعدة أصالة الحلية و قاعدة أصالة الطهارة و غير ذلك من القواعد المقرّرة للشاك لتعيين الحكم الفرعي الكلي الفعلي.

قال السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه): إنّ عدم ذكر أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة في علم الاصول إنّما هو لعدم وقوع الخلاف فيها، فإنّها من الاصول الثابتة بلا خلاف فيها و لذا لم يتعرّضوا للبحث عنها في علم الاصول لا لكونها خارجة من علم الاصول و داخلة في علم الفقه على ما توهّم.

و خلاصة القول:

أنّ أصالة الطهارة عند الشك في النجاسة بمنزلة أصالة الحلّية عند الشك في الحرمة فكما أنّ البحث عن الثانية داخل في علم الاصول باعتبار ترتب تعيين الوظيفة الفعلية عليه، كذلك البحث عن الاولى أيضا داخل في علم الاصول لعين الملاك المذكور، غاية الأمر أنّ مفاد أصالة الحلية هو الحكم التكليفي، و مفاد أصالة الطهارة هو الحكم الوضعي، و مجرد ذلك لا يوجب الفرق بينهما من حيث كون البحث عن إحداهما داخلا و عن الأخرى خارجا عنه.

و أمّا ما ذكره صاحب الكفاية من أنّ الوجه لعدم التعرض لأصالة الطهارة في علم الاصول عدم اطرادها في جميع أبواب الفقه و اختصاصها بباب الطهارة فغير تام؛ لأنّ الميزان في كون المسألة اصولية هو أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي و لا يعتبر جريانها في جميع أبواب الفقه و إلّا لخرجت جملة من المباحث الاصولية عن علم الاصول؛ لعدم اطرادها في جميع أبواب الفقه كالبحث عن دلالة النهي عن العبادة على الفساد، فإنّه غير جار في غير العبادات من سائر أبواب الفقه. (1)

____________

(1) مصباح الاصول 2: 249- 250.

397

ثم لا يخفى عليك أنّ تمام الكلام في الاصول الأربعة يقع في مقامين:

أحدهما: في حكم الشك في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة، و هذا يعمّ الاصول الثلاثة من البراءة و الاحتياط و التخيير.

ثانيهما: في حكمه بملاحظة الحالة السابقة و هو منحصر في الاستصحاب.

المقام الأول:

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): إنّ الكلام في المقام الأول يقع في موضعين؛ لأن الشك إمّا في نفس التكليف، و هو النوع الخاص من الإلزام، و إن علم جنسه كالتكليف المردّد بين الوجوب و التحريم.

و إمّا في متعلق التكليف مع العلم بنفسه كما إذا علم وجوب شي‏ء و شك بين تعلّقه بالظهر أو الجمعة أو علم بفائتة و تردد بين الظهر و المغرب.

و الموضع الأول (أعني الشك في نوع التكليف مع العلم بجنسه) يقع الكلام فيه في مطالب لأنّ التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب، و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم، و إمّا تحريم مشتبه بالوجوب، و صور الاشتباه كثيرة، و هذا مبني على اختصاص التكليف بالإلزام أو اختصاص الخلاف في البراءة و الاحتياط به.

و لو فرض شموله للمستحب و المكروه يظهر حالهما من الواجب و الحرام فلا حاجة إلى تعميم العنوان.

أقسام الشكّ في التكليف‏

ثم جعل الشيخ الشك في التكليف على أقسام ثمانية، باعتبار أنّ الشبهة التكليفية تارة تكون وجوبية و اخرى تحريمية و منشأ الشك فيهما إمّا من ناحية فقدان النص أو إجمال النص أو تعارض النص، و هذه ستة و الشبهة تارة تكون موضوعية و منشأ الشك فيها هي‏

398

الأمور الخارجية، و الشبهة الموضوعية إمّا وجوبية و إمّا تحريمية فصارت الأقسام ثمانية.

ثم نعرض للبحث عن كل قسم مستقلا. (1)

أورد عليه السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) بأنّ الأقسام في الشك في التكليف غير منحصرة في ثمانية، إذ من موارد الشك في التكليف الذي يكون موردا للبراءة دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة، و عليه كانت الأقسام اثنا عشر لا ثمانية. (2)

حيث إنّ منشأ الشك في المزيد أي الإباحة أيضا أربعة و هي فقدان النص أو إجمال النص تعارض النص أو الأمور الخارجية كانت الأقسام اثنا عشر لا ثمانية.

ثم إنّ البحث عن كل قسم من الشبهة التحريمية أو الشبهة الوجوبية مستقلا مع أنّ ملاك جريان البراءة في جميع الأقسام واحد و هو عدم وصول التكليف إلى المكلّف غير لازم و مجرد اختصاص بعض الأدلة بالشبهة التحريمية أو اختصاص الخلاف ببعضها لا يوجب تكثير الأقسام كما ذهب إليه في الفرائد فالأولى هو ما صنعه صاحب الكفاية من تعميم البحث لمطلق الشك في التكليف سواء كان الشبهة تحريميه أو وجوبيّة و هو بعمومه يشمل لجميع أقسام الشك في التكليف و لذا تقتضي مسلك صاحب الكفاية في ضمن فصول و نقول بحول اللّه و قوته.

أصالة البراءة

الفصل الاول: فيما لو شك في وجوب شي‏ء أو شك في حرمة شي‏ء و لم تنهض عليه حجة و لا يخفى عليك أنّه يجوز الترك في الأوّل و الفعل في الثاني لقيام الأدلّة الشرعية و العقلية على جواز الترك و الفعل فيهما و كون الفاعل و التارك مأمونين من عقوبة المخالفة من دون فرق بين أن‏

____________

(1) فرائد الاصول، ص 192.

(2) مصباح الاصول، ج 2، ص 252.

399

يكون عدم نهوض الحجة لفقدان النص أو إجماله، بحيث يحتمل في النهي الكراهة و في الأمر الاستحباب أو تعارض النصّين فيما إذا لم يثبت بينهما ترجيح بناء على القول بالتوقف و التساقط في مسألة تعارض النصّين فيما لم يكن ترجيح في البين.

و أمّا بناء على التخيير كما هو المشهور فالحجة المعتبرة موجودة و التكليف واضح، و هو الأخذ بأحد النصّين و لا مجال للبراءة الشرعية و العقلية مع تمامية البيان كما لا يخفى.

و إليك أدلة البراءة في الشك في التكليف وجوبا كان أو حراما.

أدلة القائلين بالبراءة في الشك في التكليف‏

و استدل للبراءة في الشك في التكليف بالأدلة الأربعة.

و أمّا من الكتاب فبآيات منها قوله تعالى: مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. (1)

تقريب الاستدلال بالآية كما أفاده سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) هو ان يقال إنّ المتفاهم عرفا من الآية لأجل تعليق العذاب على بعث الرسول الذي هو مبلّغ لأحكامه تعالى و بمناسبة الحكم و الموضوع هو انّ بعث الرسول ليس له موضوعية في إنزال العقاب بل هو طريق لإيصال التكاليف على العباد و إتمام الحجة به عليهم و ليس المراد من بعث الرسول هو بعث نفس الرسول و إن لم يبلّغ احكامه فلو فرض أنّه تعالى بعث رسولا لكن لم يبلّغ الأحكام في شطر من الزمان لمصلحة أو جهة أخرى لا يصح ان يقال أنّه تعالى يعذّبهم لأنّه بعث الرسول و كذا لو بلّغ بعض الأحكام دون البعض يكون التعذيب بالنسبة إلى ما لم يبلّغ مخالفا للوعد في الآية.

و كذا لو بلّغ إلى بعض النّاس دون بعض لا يصح ان يقال إنّه يعذّب الجميع لأنّه بعث الرسول و كذا لو بلّغ جميع الأحكام في عصره ثم انقطع الوصول إلى الأعصار المتأخرة و هذا

____________

(1) الإسراء/ 15.

400

أو أشباهه يدل على أنّ الغاية لاستحقاق العذاب هو التبليغ الواصل و أنّ ذكر بعث الرسول مع انتخاب هذه الكلمة كناية عن إيصال الأحكام و إتمام الحجة و انّ التبليغ غير الواصل في حكم العدم و انّه لا يصح العذاب كما انّ وجود الرسول بين الامّة بلا تبليغ كذلك.

و على هذا فلو بحث المكلّف عن تكليفه و وظيفته بحثا أكيدا فلم يصل إلى ما هو حجة عليه من علم تفصيلي أو إجمالي و غيرهما من الحجج، فلا شك أنّه يكون مشمولا لقوله عزّ و جلّ: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا إلى أن قال: و إن شئت قلت: إنّ قوله تعالى:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ تنزيه للحق تعالى شأنه و هو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقامه الربوبي، و أنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر، فلذلك عبّر بقوله:

وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ دون أن يقول و ما عذّبنا أو ما أنزلنا العذاب، و ذلك للإشارة إلى أنّ هذا الأمر مناف لمقامه الأرفع و شأنه الأجلّ.

و بعبارة أوضح أنّ الآية مسوقة إمّا لإفادة أنّ التعذيب قبل البيان مناف لعدله و قسطه، أو مناف لرحمته و عطوفته و لطفه على العباد.

فلو أفاد الأول لدلّ على نفي الاستحقاق، و أنّ تعذيب العبد حين ذاك أمر قبيح مستنكر يستحيل صدوره منه، و لو أفاد الثاني لدل على نفي الفعلية و أنّ العذاب مرتفع، و إن لم يدل على نفي الاستحقاق. (1) و سيأتي قوة الأول و دعوى أنّ الآية راجعة إلى نفي التعذيب عن الأمم السالفة قبل بعث الرسل فيختصّ بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة (2) فلا ارتباط للآية الكريمة بالمقام فإنّ البحث في المقام عن العقوبة الاخروية دون العذاب الدنيوي.

مندفعة بما أفاده الشهيد الصدر (قدّس سرّه) من إمكان منع نظر الآية إلى العقوبات الدنيوية، بل سياقها سياق استعراض عدة قوانين للجزاء الاخروي، إذ وردت في سياق‏ لا تَزِرُ وازِرَةٌ

____________

(1) تهذيب الاصول 2: ص 139- 140.

(2) راجع فرائد الاصول: ص 193.

401

وِزْرَ أُخْرى‏ فإنّ هذا شأن عقوبات اللّه في الآخرة لا في الدنيا، و لا منشأ لدعوى النظر المذكور إلّا ورود التعبير بصيغة الماضي في قوله: وَ ما كُنَّا و هذا بنكتة إفادة الشأنيّة و المناسبة و لا يتعيّن أن يكون بلحاظ النظر إلى الزمان الماضي خاصة. (1)

هذا مضافا إلى ما أفاده سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) من أنّه لو فرض أنّ موردها ما ذكر، غير أنّ التعبير بقوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ حاك عن كونه سنّة جارية للّه عزّ شأنه من دون فرق بين السلف و الخلف، و لو لم نقل: إنّ ذلك مفاد الآية حسب المنطوق فلا أقلّ يفهم العرف من الآية و لو بإلغاء الخصوصية و مناسبة الحكم و الموضوع أن التعذيب قبل البيان لم يقع و لن يقع أبدا. (2)

و أضف إلى ذلك أنّ العذاب الدنيوي وقع في مقابل الذنوب، كما يدل عليه قوله تعالى بعد آية العذاب: وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً و من المعلوم أنّ العذاب الدنيوي أخفّ بالنسبة إلى العذاب الاخروي، فإذا كان الأخفّ منوطا بالبيان فكيف لا يكون الأشدّ كذلك؟

لا يقال: كما في الكفاية بأنّ نفي التعذيب قبل إتمام الحجة ببعث الرسول لعلّه كان منّة منه تعالى على عباده مع استحقاقهم لذلك. (3)

و معنى ذلك أنّ نفي التعذيب من باب المنّة و العفو لا ينافي تنجز التكليف في المشكوك، نعم لو دلّ قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ على نفي الاستحقاق لأمكن الاستدلال به فيما نحن فيه، إذ النزاع بين الأخباري و الاصولي إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشكوك و عدمه.

لأنّا نقول أوّلا: إنّ ظاهر هذا التركيب كما أفاد السيّد المحقق الخوئي و الشهيد الصدر (قدّس سرّه) أنّ ذلك هو الطريقة العامة للشارع التي لا يناسبه (و لا يليق به) غيرها كما يظهر من مراجعة

____________

(1) دروس علم الاصول الحلقة الثالثة: ص 38 و 39.

(2) تهذيب الاصول 2، ص 141.

(3) الكفاية 2، ص 167.

402

أمثال هذا التركيب عرفا، و هذا يفيد عدم الاستحقاق و يظهر ذلك من استقراء موارد استعمال هذه الجملة، أي ما كان أو ما كنّا كقوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ‏ و قوله عزّ و جلّ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ‏ و قوله تعالى: وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏ إذ جملة الفعل الماضي من هذه المادة منسلخة عن الزمان في هذه الموارد، فيكون المراد أنّ التعذيب قبل البيان لا يليق به تعالى و مع عدم لياقة التعذيب قبل البيان تدل الآية على عدم كون العبد مستحقّا للعقاب إذ مع فرض استحقاق العبد لا وجه لعدم كونه لائقا به تعالى. (1)

و ثانيا: كما أفاده سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) أنّ ذلك أوّل الكلام، إذ النزاع بين الاصولي و الأخباري أنّما هو في ثبوت المؤمّن و عدمه في ارتكاب الشبهات و أنّه هل يلزم الاحتياط أولا؟ و هذا هو مصبّ النزاع بين الطائفتين، و أمّا البحث عن الاستحقاق و عدمه فهو خارج عمّا يهمّ على كلا الفريقين. (2)

و أمّا ما أجاب به شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) عن الإيراد على الاستدلال بالآية من ناحية أنّ المنفي في الآية هو فعلية العقاب لا استحقاقه من أنّ الخصم و هو الأخباري يعترف بالملازمة بين نفي الفعلية و نفي الاستحقاق، فنفي الفعلية المستفادة من الآية كاف في إلزامه على نفي الاستحقاق، فقد أورد عليه في الكفاية بأنّ الاستدلال يكون حينئذ جدليا هذا مع وضوح منع اعتراف الخصم بذلك، ضرورة أنّ ما شك في وجوبه أو حرمته ليس عند الخصم بأعظم من معلوم الحكم، و من الواضح أنّه ربّما تنتفي فعلية العذاب في مورد العصيان اليقيني لإمكان تعقّبه بالتوبة أو الشفاعة أو التكفير مع ثبوت استحقاق العقوبة فلا ملازمة بين نفي العقوبة و نفي الاستحقاق في معلوم الحرمة، فكيف يمكن اعترافه بالملازمة بين نفي الفعلية و نفي استحقاق العقوبة في مشكوك الحرمة أو الوجوب فتدبر جيدا.

____________

(1) راجع مصباح الاصول 2: ص 256 دروس علم الاصول الحلقة الثالثة: 38.

(2) تهذيب الاصول 2: ص 141.

403

اللّهمّ إلّا أن يقال: بأنّ الاستدلال بالآية الكريمة من جهة تقدّمها على أخبار التثليث ليس استدلالا جدليا، إذ مع دلالة الآية الكريمة على نفي فعلية العقاب لا تشمله أخبار التثليث الدالة على الوقوع في العقاب، كما أفاد بعض الأعلام.

بقي شي‏ء و هو أنّ الآية ناظرة إلى نفي العذاب قبل بعث الرسول و لا ينفى العذاب بعد مجي‏ء الرسول و تبيّن الأحكام و عروض اختفاء التكاليف بما لا يرجع إلى الشارع، و أجاب عنه سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) بأنّ الميزان في العقوبة و استحقاقها (كما عرفت) هو الإبلاغ و الإيصال لا الإبلاغ و لو مع عدم الوصول. (1)

حاصله أنّ ملاحظة المعنى في العقوبة يوجب عدم اختصاص الآية بما ذكر من نفي العذاب قبل بعث الرسول، بل يعمّ المقام أيضا.

و لقد أفاد و أجاد سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) حيث قال و مما ذكرنا يظهر أنّ الآية أسدّ الأدلّة التي استدل بها للبراءة و أنّ ما أورد عليه من الإيرادات غير خال عن الضعف، نعم لا يستفاد من الآية أكثر مما يستفاد من حكم العقل الحاكم على قبح العقاب بلا بيان، فلو دلّ الدليل على لزوم الاحتياط أو التوقف لصار ذلك نفسه بيانا فيكون ذاك الدليل واردا على العقل، و ما تضمّنته الآية. (2)

و منها: قوله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (3)

بدعوى أنّ اسم الموصول في قوله: (ما آتيها) يشمل ذات التكليف بالإطلاق كما يشمل المال، فتدل الآية على أنّه تعالى لا يؤاخذ و لا يطلب عن العباد شيئا إلّا إذا آتاه و الإيتاء بالتكليف بإيصاله إلى المكلف، كما أنّ الإيتاء في المال بإعطائه و إقداره، و عليه فتدل الآية على نفي المؤاخذة بالنسبة إلى التكاليف إذا لم تكن واصلة، و هو المطلوب، و ليس المراد من‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: ص 146.

(2) تهذيب الاصول ج 2، ص 141- 142.

(3) الطلاق/ 7.

404

التكليف المشمول لإطلاق الموصول هو التكليف بمعناه المصدري حتى يكون المراد تكليف العباد بالتكليف بنحو المفعول المطلق، بل المراد من التكليف الذي يشمله الموصول هو ذات الحكم الشرعي كالواجب و الحرام و نحوهما، و عليه فذات التكليف هو كالمال مفعول به لا مفعول مطلق فيصير التكليف بالمعنى المذكور موضوعا للطلب و المؤاخذة كما أنّ المال موضوع لذلك، و مما ذكرناه يظهر أنّه لا يرد عليه ما أورده شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أنّه لو اريد من الموصول نفس الحكم و التكليف كان إيتائه عبارة عن الإعلام به، لكن إرادته بالخصوص ينافي مورد الآية و إرادة الأعمّ منه و من المورد تستلزم استعمال الموصول في معنيين إذ لا جامع بين تعلّق التكليف بنفس الحكم و الفعل المحكوم عليه فافهم. (1)

و مراده كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) أنّ إرادة الأعمّ من الموصول مع إسناد فعل واحد إليه غير ممكن في المقام، إذ لو اريد من الموصول نفس التكليف يكون بمنزلة المفعول المطلق، و لو اريد مع ذلك الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف يصير مفعولا به، و تعلّق الفعل بالمفعول المطلق سواء كان نوعيّا أم غيره يباين نحو تعلّقه بالمفعول به لعدم الجامع بين التكليف و المكلف به بنحو يتعلق التكليف بهما على وزان واحد و إن شئت قلت المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل، و المفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه و لا جامع بين الأمرين حتى يصح الإسناد. (2)

و ذلك لما عرفت من أنّ المراد من الموصول هو مفعول به لا الجامع بين المفعول به و المفعول المطلق حتى يقال: لا جامع بينهما؛ لعدم الحاجة إليه، إذ الموصول الذي يكون مفعولا به يشمل ذات الحكم الشرعي، و الحكم الشرعي يكون حينئذ مفعولا به، و الآية الكريمة تدلّ على نفي الطلب و المؤاخذة إلّا بالنسبة إلى ما آتاه و هو بإطلاقه يشمل المال و ذات الحكم و التكليف، و ليس المراد هو التكليف بالتكليف بالمعنى المصدري حتى يكون مفعولا

____________

(1) فرائد الاصول، ص 193.

(2) تهذيب الاصول 2، ص 143.

405

مطلقا و لعلّ إليه يؤول ما في دروس علم الاصول حيث قال: و هذا هو الجواب الصحيح، و حاصله أنّ مادة الفعل في الآية هي الكلفة بمعنى الإدانة و لا يراد بإطلاق اسم الموصول شموله لذلك، بل لذات الحكم الشرعي الذي هو موضوع للإدانة، فهو إذن مفعول به، فلا إشكال. (1)

هذا مضافا إلى إمكان أن يقال اللازم هو ملاحظة نفس معنى الموصول و هو الشي‏ء، و عليه فلا يوجب استعمال الموصول في معنيين، بل هو معنى واحد و هو الشي‏ء و ليس تطبيقه على المصاديق من باب استعماله في المصاديق حتى يلزم باعتبار ذلك استعمال لفظ الموصول في معنيين.

و أجاب عن إشكال الشيخ (قدّس سرّه) في نهاية الأفكار أيضا بأنّ إرادة الحكم من الموصول أنّما يقتضي كونه المفعول المطلق لو كان المراد من التكليف في الآية أيضا هو الحكم و إلّا ففي فرض كونه بمعناه اللغوي أعني الكلفة و المشقة فلا يتعيّن ذلك، فإنّه من الممكن حينئذ جعل الموصول عبارة عن المفعول به أو المفعول النشوي المعبر عنه في كلام بعض بالمفعول منه، و إرجاع النسبتين إلى نسبة واحدة إذ بذلك يتم الاستدلال بالآية على المطلوب، فإنّ معنى الآية على الأول أنّه سبحانه لا يوقع عباده في كلفة حكم إلّا الحكم الذي أوصله إليهم بخطابه، و على الثاني أنّه لا يوقع عباده في كلفة إلّا من قبل حكم أعلمه إيّاهم و أوصله إليهم بخطابه.

و حينئذ لو اريد من الموصول معناه الكلّي العام مع إفادة الخصوصيات المزبورة بتوسيط دال آخر خارجي لا يتوجّه على الاستدلال المزبور محذور من جهة كيفية تعلّق الفعل بالموصول لما عرفت من أنّ تعلّقه به حينئذ تعلّق واحد، و هو تعلّق الفعل بالمفعول به أو المفعول منه. (2)

أورد عليه في تسديد الاصول بأنّ هيئة المفعول به دالة على وقوع الفعل المتعدي عليه،

____________

(1) دروس في علم الاصول الحلقة الثالثة: ص 37.

(2) نهاية الأفكار ج 3: ص 203.

406

فلا بد و أن يكون معنى الفعل بحيث يطلب المفعول به، فتفسير مادة التكليف بالإيقاع في المشقة لا ينطبق على معناه الحقيقي؛ لأنّه لا يصح تعديته إلى الفعل المكلّف به بلا واسطة، بل بواسطة «من» و لأجله عبّر عنه بالمفعول منه مع أنّ مادة التكليف لا ريب في تعديتها إلى ذاك الفعل بلا واسطة، فلا محالة يكون التكليف مرادفا لمعنى التحميل بمشقة، فإنّه يصح أن يقال: إنّ الفعل مما حمل بمشقة على المكلف، و حينئذ فلا يصح إرادة المفعول به حقيقة من الموصول إلّا في خصوص الأفعال، و لا يعم الأحكام و التكاليف، اللّهمّ إلّا بالإسناد المجازي الذي مرّ ذكره. (1) هنا إشكال و هو أنّ مجرد إمكان إرادة الأعمّ من الموصول و الإيتاء لا ينفع لإثبات الظهور لو لم نقل بأنّ الظاهر حسب السياق هو أنّ المراد من الموصول هو الأمر الخارجي و من الإيتاء هو الإقدار و الإعطاء، فلا مجال للتمسّك بالآية لشمول المقام، فإنّه فرع إثبات ظهور الموصول في الأعم و ظهور الإيتاء في المعنى الجامع بين الإقدار و الإعلام، و هو غير ثابت.

و يمكن الجواب عنه اوّلا: بأنّ الإطلاق يكفي في إثبات عدم تقيد الموصول و الإيتاء بأحد الأمرين و معه لا وجه لاستعمال الموصول أو الإيتاء في بعض مصاديقه، بل الموصول و الإيتاء مستعملان في معناهما، و حيث لم يقيّدا بمصداق يشمل كل واحد من الأمرين فلا تغفل. هذا مضافا إلى إمكان الاعتضاد بخبر عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): أصلحك اللّه، هل جعل في الناس أداة ينالون بها المعرفة؟ قال:

لا (فقال)، قلت: فهل كلفوا المعرفة؟ قال: لا، على اللّه البيان لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها، و لا يكلف اللّه نفسا إلّا ما آتاها الحديث. (2) لدلالته على أنّ الموصول في قوله عزّ و جلّ (ما آتيها) يعمّ التكليف بالمعرفة أيضا، و عليه فالإيتاء أيضا أعم من الإقدار و الإعلام بقرينة هذه الرواية، و من المعلوم أنّ إرادة الأعم لا تنافي سياق الآية كما لا يخفى، و دعوى أنّ نفس‏

____________

(1) تسديد الاصول ج 2، ص 126.

(2) و الطريق إلى عبد الأعلى صحيح و نفس عبد الأعلى لم يوثق و لكن نقل الأجلّة يكفي للوثوق به. جامع الأحاديث، أبواب المقدمات، الباب الثامن، ح 10.

407

المعرفة باللّه غير مقدور قبل تعريف اللّه سبحانه و تعالى، فلا حاجة في دخولها في الآية الكريمة إلى إرادة الإعلام من الإيتاء في الآية، بل كانت المعرفة باللّه داخلة في الآية؛ لأنّها بدون تعريفه تعالى غير مقدورة و محتاجة إلى الإقدار. (1)

مندفعة بأنّ قوله (عليه السّلام): لا، على اللّه البيان يدلّ على أنّ المراد من قوله (ما آتيها) هو معنى يشمل البيان و الإعلام أيضا، و لا ينافي ذلك كون نفس البيان التفصيلي منه تعالى إقدارا، و يندرج فيه بهذا الاعتبار أيضا فتدبر.

فتحصل أنّ الآية الكريمة تدل بإطلاقها على أنّه تعالى لا يكلف نفسا إلّا بما اتاه و ما لم يؤته لا تكلف به، و مقتضى هذا الإطلاق أنّ ذوات الأحكام التي لم تعطها الشارع من الأحكام المسكوت عنها أو المختفية عنّا و غير الواصلة إلينا أيضا لا تكون موردا لتكليفه.

و المراد من نفي التكليف بالنسبة إليها هو نفي تنجيزها علينا، و عليه فلا منافاة بين نفيها و وجودها بحسب الواقع كما لا يخفى، ثم إنّ الآية الكريمة بناء على تماميّة دلالتها على أنّ اللّه تعالى لا يكلف أحدا إلّا بما اتاه المكلفين تكون معارضة مع أدلة الاحتياط الدالة على وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الحكم الواقعي غير الواصل، كما لا يخفى.

قال الشهيد الصدر (قدّس سرّه): ثم إنّ البراءة التي تستفاد من هذه الآية الكريمة إن كانت بمعنى نفي الكلفة بسبب التكليف غير المأتي فلا ينافيها ثبوت الكلفة بسبب وجوب الاحتياط، إذا لم يدل الدليل عليه، فلا تنفع في معارضة أدلة وجوب الاحتياط.

و ان كانت البراءة بمعنى نفي الكلفة في مورد التكليف غير المأتي فهي تنفي وجوب الاحتياط و تعارض مع ما يدعى من أدلته.

و الظاهر هو الحمل على الموردية لا السببية؛ لأنّ هذا هو المناسب بلحاظ الفعل و المال أيضا، فالاستدلال بالآية جيّد. (2)

____________

(1) فرائد الاصول: ص 193.

(2) دروس في علم الاصول، الحلقة الثالثة: 37.

408

و لا يخفى ما فيه، فإنّ التكليف بالاحتياط ليس تكليفا نفسيّا، بل تكليف طريقي بالنسبة إلى الواقع، و عليه ينافي نفي الكلفة، سبب التكليف غير المأتي مع وجوب الاحتياط، و لو على الوجه الأول فلا تغفل. ثمّ إنّ المراد من الإيتاء هو الإيتاء التكويني كما هو المناسب مع المال و الفعل. لا إيتاء الشارع بما هو الشارع، و عليه فلا يبعد دعوى شمول الآية للشبهات الموضوعية أيضا كما أفاد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) حيث قال: فالآية الكريمة لا تختص بالشبهات الحكمية من الوجوبية و التحريمية، بل تعم الشبهات الموضوعية لأنّ المراد من الإيتاء ليس هو إيتاء الشارع بما هو شارع ليختص بالشبهات الحكمية. (1)

____________

(1) دروس في علم الاصول الحلقة الثالثة: 37- 38.