عمدة الأصول‏ - ج5

- السيد محسن الخرازي المزيد...
678 /
409

الخلاصة المقصد السابع في الاصول العملية

و لا يخفى أنّ مواضع الاصول العمليّة هي موارد الاشتباه سواء كان الاشتباه من ناحية فقدان النصّ أو تعارض النصوص أو إجمال الدليل أو من ناحية الامور الخارجية.

ثمّ إمّا يكون اليقين السابق في تلك الموارد ملحوظا و إمّا لا يكون كذلك و الأوّل مجرى الاستصحاب مطلقا و الثاني إمّا يكون الشكّ فيه في أصل التكليف و إمّا أن يكون الشكّ في المكلّف به مع العلم بأصل التكليف فالأوّل مورد البراءة و الثاني إن أمكن الاحتياط فيه فهو مجرى قاعدة الاحتياط و إن لم يمكن الاحتياط فيه كدوران الأمر بين المحذورين فهو مجرى قاعدة التخيير.

فتحصّل أنّ الكلام في الأصول العمليّة ليعمّ الاستصحاب و البراءة و الاحتياط و التخيير.

و يقع الكلام في مقامين أحدهما في حكم الشكّ في الحكم الواقعي من دون ملاحظة الحالة السابقة و هذا يعمّ البراءة و الاحتياط و التخيير.

و ثانيهما في حكم الشكّ بملاحظة الحالة السابقة و هو منحصر في الاستصحاب.

المقام الأوّل:

قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه): إنّ الشكّ في المقام الأوّل إمّا في نوع التكليف مع العلم بجنسه كما إذا تردّد شي‏ء بين الوجوب و التحريم.

و إمّا في متعلّق التكليف مع العلم بنفسه كما إذا علم الوجوب و تردّد بين الظهر و الجمعة.

و الأول و هو التكليف المشكوك فيه إمّا تحريم مشتبه بغير الوجوب و إمّا وجوب مشتبه بغير التحريم و إمّا تحريم مشتبه بالوجوب، هذه عمدة الصور و إلّا فصور الاشتباه كثيرة.

أقسام الشكّ في التكليف‏

جعل الشيخ الشكّ في التكليف على أقسام ثمانية لأنّ الشبهة التكليفية تارة وجوبية و

410

اخرى تحريمية و منشأ الشكّ فيهما إمّا فقدان النصّ أو إجماله أو تعارضه و الشبهة تارة موضوعية و هي إمّا وجوبيّة و إمّا تحريميّة و منشأ الشكّ فيهما هي الامور الخارجيّة و عليه فصارت الأقسام ثمانية.

ثمّ إنّه إن زدنا طرفا آخر كالإباحة و دار الأمر بين الوجوب و الحرمة و الإباحة كانت الأقسام اثنى عشر لا ثمانية لأنّ منشأ الشكّ في المزيد أي الإباحة أربعة و هي فقدان النص أو إجماله أو تعارضه أو الامور الخارجيّة ثمّ إنّ البحث عن كلّ قسم مستقلا غير لازم لوحدة الملاك في جميع الأقسام و هو عدم وصول التكليف و هو يقتضي البراءة و لذا نقتفي طريق الكفاية فإنّه عمّ البحث لمطلق الشكّ في التكليف و عده عمّا ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) من البحث عن كلّ واحد من الأقسام المذكورة فتدبّر.

أصالة البراءة

الفصل الأوّل أنّه إذا شكّ في وجوب شي‏ء و لا حجّة عليه جاز له الترك و إذا شكّ في حرمة شي‏ء و لا حجّة عليها جاز له ارتكابه و ذلك لقيام الأدلّة العقليّة و الشرعيّة على جواز الترك و الفعل فيهما.

و لا فرق فيما ذكر بين أن يكون عدم قيام الحجّة من جهة فقدان النصّ أو إجماله أو تعارض النصين بناء على التوقف و التساقط في تعارض النصّين فيما لم يكن بينهما ترجيح.

و أمّا مع القول بالتخيير عند تعارض النصّين فلا مجال للبراءة لتماميّة البيان و هو الدليل الدالّ على التخيير.

أدلّة القائلين بالبراءة في الشكّ في التكليف‏

و استدل لها في الشكّ في التكليف بالأدلّة الأربعة:

أمّا من الكتاب فبآيات:

411

منها قوله تعالى‏ مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1)

و تقريب الاستدلال بالآية الكريمة أنّ قوله تعالى‏ مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا نزيه للحق المتعال و هو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقامه الربوبي و أنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر لأن التعذيب في هذه الصورة قبيح مستنكر يستحيل صدوره منه.

و ظاهر هذا التركيب أي و ما كنّا معذّبين أنّ ذلك هو الطريقة العامّة للشارع التى لا يناسبه و لا يليق به غيرها كما يظهر من مراجعة أمثال هذا التركيب عرفا و هو يفيد عدم الاستحقاق و يظهر ذلك من استقراء موارد استعمال هذه الجملة أي «ما كان» أو «ما كنّا» كقوله تعالى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2) و قوله عزّ و جلّ‏ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‏ و قوله تعالى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ‏. (3)

إذ جملة الفعل الماضي من هذه المادة منسلخة عن الزمان في هذه الموارد فيكون المراد أنّ التعذيب قبل البيان لا يليق به و مع عدم لياقة التعذيب قبل البيان تدلّ الآية في المقام على عدم كون العبد مستحقا للعقاب إذ مع فرض استحقاق العبد لا وجه لعدم كونه لائقا به تعالى.

و هنا إشكالات حول الاستدلال بالآية و لكنّها مندفعة نعم لا يستفاد من الآية أكثر ممّا

____________

(1) الاسراء/ 15.

(2) توبه/ 115.

(3) انفال/ 33.

412

يستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان فلو دلّ الدليل على لزوم الاحتياط أو التوقّف لصار ذلك نفسه بيانا و واردا على الآية كما على الحكم العقلي فتدبر جيدا.

و منها: قوله تعالى‏ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً. (1)

بدعوى أن اسم الموصول في قوله عزّ و جلّ‏ ما آتاها يشمل ذات التكليف بالإطلاق كما يشمل ذات المال و عليه فتدل الآية على أنّه تعالى لا يؤاخذ و لا يطالب شيئا إلّا إذا آتاه و الإيتاء في التكليف بإيصاله إلى المكلّف كما أنّ الإيتاء في المال بإعطائه و إقداره فالآية الكريمة تنفي المؤاخذة بالنسبة إلى التكاليف إذا لم تكن واصلة و هذا هو المطلوب و بعبارة اخرى أنّ إطلاق الموصول يكفي في إثبات عدم تقيّده بالأمر الخارجي كما أنّ إطلاق الإيتاء يمنع عن تخصيصه بالإعطاء فالموصول يشمل ذات الحكم الاعتبارى كما يشمل الأمر الخارجي و الإيتاء يشمل الإعلام كما يشمل الإعطاء و يشهد على ذلك خبر عبد الأعلى مولى آل سام عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال قلت لأبى عبد اللّه (عليه السّلام) أصلحك اللّه هل جعل في الناس أداه ينالون بها المعرفة قال لا (فقال) قلت فهل كلّفوا المعرفة قال لا على اللّه البيان لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها و لا يكلّف اللّه نفسا إلّا ما آتاها الحديث فإنّه يدلّ على أنّ الموصول في قوله تعالى ما آتاها يعمّ التكليف بالمعرفة أيضا و عليه فالإيتاء أعمّ من الإقدار و الإعلام بقرينة هذه الرواية لأنّ قوله (عليه السّلام) لا على اللّه البيان يدلّ على أنّ المراد. من قوله‏ «ما آتاها» هو معنى يشمل البيان و الإعلام أيضا. و الحاصل أنّ مع إطلاق الموصول و الإيتاء ينطبق الآية الكريمة على المقام بلا كلام.

____________

(1) الطلاق/ 7.

413

حديث الرفع‏

أمّا من السنة فبروايات:

منها ما رواه الصدوق في الخصال: حدثنا محمّد بن أحمد بن يحيى العطار رحمهم اللّه قال:

حدثنا سعد بن عبد اللّه عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة. (1)

و لا يخفى عليك أنّ هذه الرواية رواها الصدوق في التوحيد عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمة اللّه. (2)

أورد عليه في مباحث الحجج بأنّ صاحب الوسائل نقل في كتاب الجهاد الحديث المشتمل على هذه الفقرة (ما لا يعلمون) عن كتابي الخصال و التوحيد للصدوق عن أحمد بن محمّد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أنّه قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): رفع عن امتي تسعة ... الخ و أحد التسعة ما لا يعلمون و نقطة الضعف في هذا السند هو أحمد بن محمّد بن يحيى العطار، فبالرغم من أنّه شيخ الصدوق لم يثبت توثيقه. (3)

و فيه أوّلا: أنّ الظاهر أنّه لم يلتفت إلى أنّ الصدوق نقل الحديث بتمامه في الخصال عن محمّد بن يحيى العطار، و هو موثّق.

و ثانيا: أنّ كونه من شيوخ الصدوق يكفي في وثاقته؛ لأن جلالة مثل الصدوق تمنع عن التلمّذ عند غير الثقة لتعلّم معالم الدين، هذا مضافا إلى الترحمة عليه فإنّه حاك عن حسن حاله عنده.

____________

(1) الخصال، باب التسعة، ح 9- جامع الأحاديث، أبواب المقدمات، الباب الثامن، ح 3.

(2) التوحيد: 353، باب 56، باب الاستطاعة، ح 24.

(3) مباحث الحجج 2: 58.

414

و ثالثا: أنّ وثاقته يؤيد بتصحيح بعض طرق الشيخ في الكتابين كطريق الحسين بن سعيد و محمّد بن على بن محبوب و علي بن جعفر عن مثل العلامة مع أنّه فيها.

و رابعا: أنّ المحكي عن الوجيزة أنّه من مشايخ الإجازة و حكم الأصحاب بصحّة حديثه فإنه يحكي عن وثاقته.

و خامسا: أنّ المحكي عن الشهيد و الشيخ البهائي في المشرق و صاحب المنتقى و المحقق الداماد انّه ثقة و هذه الأقوال تصلح لتأييد وثاقته.

هذا مضافا إلى أنّ تلك الفقرة معمول بها عند الأصحاب فلا وجه للتشكيك السندي في الرواية.

ثم إنّ تقريب الاستدلال بالرواية أنّ الحديث يدل على رفع الإلزامات المجهولة عن الأمة في مرحلة الظاهر، و مع رفع هذه الإلزامات و الترخيص الظاهري لا مجال لوجوب الاحتياط و مع عدم وجوب الاحتياط لا مجال للمؤاخذة و العقاب.

و توضيح ذلك يتوقف على تقديم امور:

الأمر الأول: [أنّ قاعدة الاشتراك بين العالم و الجاهل في الأحكام الشرعية من ضروريات مذهب الإمامية]

أنّ قاعدة الاشتراك بين العالم و الجاهل في الأحكام الشرعية من ضروريات مذهب الإمامية، و هي تصلح للقرينية على أنّ المرفوع ليس هو الحكم الواقعي بوجوده الواقعي و إلّا لزم أن يكون الحكم الواقعي مختصا بالعالمين و هو ينافي قاعدة الاشتراك و حسن الاحتياط إذ مع رفع الحكم الواقعي بمجرد الجهل به لا واقع حتى يحسن الاحتياط للنيل إليه فاذا عرفت ذلك فالمرفوع هو الحكم الواقعي في مرتبة الظاهر لا بوجوده الواقعي و عليه فالحكم الواقعي بوجوده الواقعي ليس بمرفوع بل هو باق على ما هو عليه و لكن في مرحلة الظاهر هو مرفوع و الرفع المذكور لا ينافي مع قاعدة الاشتراك و حسن الاحتياط.

و الحاصل أنّ رفع الحكم هو رفع الحكم الواقعي الإلزامي المجهول في مرتبة الظاهر و معناه هو الترخيص في تركه و لذا ينافيه وجوب الاحتياط بالنسبة إلى الحكم المجهول بعد هذا الترخيص كما لا يخفى.

415

الأمر الثاني: [صحّة إسناد الرفع إلى نفس الحكم‏]

أنّ بعد ما عرفت من صحّة إسناد الرفع إلى نفس الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر لا وجه لإسناد الرفع إلى وجوب الاحتياط كما يظهر من كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) حيث قال معنى رفع أثر التحريم فيما لا يعلمون عدم إيجاب الاحتياط و التحفّظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب إذا أفضى ترك التحفظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي إلى أن قال و الحاصل أنّ المرتفع فيما لا يعلمون و أشباهه مما لا يشمله أدلة التكليف هو إيجاب التحفظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه فالمرتفع أولا و بالذات أمر مجعول فيرتب عليه ارتفاع أمر غير مجعول. (1)

و لذلك قال السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه): انّ قول الشيخ الأعظم من أنّ المرفوع هو وجوب الاحتياط خلاف ظاهر الحديث فإنّ ظاهره أنّ المرفوع هو نفس ما لا يعلم و هو الحكم الواقعي لا وجوب الاحتياط و بعد كون الحكم بنفسه قابلا للرفع في مرحلة الظاهر لا وجه لارتكاب خلاف الظاهر و حمل الحديث على رفع إيجاب الاحتياط.

نعم عدم وجوب الاحتياط من لوازم رفع الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر لأنّ الأحكام كما أنّها متضادّة في الواقع كذلك متضادّة في مقام الظاهر فكما أنّ عدم الإلزام في الواقع يستلزم الترخيص بالمعنى الأعم كذلك رفع الإلزام في الظاهر يستلزم الترخيص ظاهرا و لا يعقل وجوب الاحتياط بعد فرض الترخيص. (2)

الأمر الثالث: [المرفوع كما عرفت هو نفس الحكم المجهول‏]

أنّ المرفوع كما عرفت هو نفس الحكم المجهول في مرحلة الظاهر و عليه فتقدير المؤاخذة أو الأثر المناسب أو جميع الآثار خلاف الظاهر و لكن ذهب جماعة إلى أنّ التقديرات المذكورة من جهة دلالة الاقتضاء بدعوى أنّ مع عدم إمكان نسبة الرفع إلى نفس ما

____________

(1) فرائد الاصول: 197.

(2) مصباح الاصول 2: 258.

416

لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما استكرهوا و ما اضطروا إليه إلخ ... لكونها من الأمور الواقعية و التكوينية. لا بد من أن يكون المرفوع إمّا جميع الآثار في كل واحد من التسعة و هو الأقرب اعتبار إلى المعنى الحقيقي لأنّ نفي جميع الآثار أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة الممتنع بالفرض و إما أن يكون في كل منها ما هو الأثر المناسب أو أن يكون هو المؤاخذة في الكل و قال الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) عند ذكر تقدير المؤاخذة و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني أيضا لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد فإذا أريد من الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما اضطروا المؤاخذة على أنفسها كان الظاهر فيما لا يعلمون ذلك أيضا.

نعم يظهر من بعض الأخبار الصحيحة عدم اختصاص الموضوع عن الأمة بخصوص المؤاخذة فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطي جميعا عن أبي الحسن في الرجل يستحلف (أي يستكره) على الدين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك فقال (عليه السّلام): لا، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) رفع عن أمتي ما أكرهوا عليه و ما لم يطيقوا و ما أخطئوا الخبر ... فإنّ الحلف بالطلاق و العتق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار إلّا أنّ استشهاد الإمام (عليه السّلام) على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة لكنّ النبوي المحكي في كلام الإمام مختص بثلاثة من التسعة فلعلّ نفي جميع الآثار مختص بها فتأمل الخ. (1)

و يمكن أن يقال: إنّ لزوم التقدير بنحو من الأنحاء المذكورة بدلالة الاقتضاء متفرع على عدم إمكان إسناد الرفع إلى نفس ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما استكرهوا و غيره و المفروض هو إمكان الإسناد إلى نفس هذه الامور لأنّ المقصود من الرفع ليس هو الإخبار عن عدم وجوده فإنّه خلاف الوجدان ضرورة وجود ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما استكرهوا و غير ذلك هذا مضافا إلى أنّ قاعدة الاشتراك تمنع رفع ما لا يعلمون من الأحكام واقعا.

____________

(1) فرائد الاصول: 195- 196.

417

بل المراد من الرفع هو الرفع التشريعي كالنفي التشريعي فكما أنّ نفس الضرر في مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله) لا ضرر و لا ضرار منفي بالنفي التشريعي بمعنى أنّ الضرر من أي جهة و سبب كان محكوم بالنفي شرعا و هو يرجع في الحقيقة إلى نفي أسباب الضرر من الحكم الضرري أو تجويز الضرر أو غير ذلك مما يرتبط بنحو بالشارع.

فكذلك الرفع التشريعي يدل على أنّ نفس ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما استكرهوا و غيره محكوم بالرفع شرعا و هو يرجع إلى رفع تنجيز الأحكام الموجودة المجهولة و أحكام ما ينطبق عليه العناوين الأخر مما لا يطيقون و ما استكرهوا و غير ذلك و بالجملة معنى الرفع التشريعي عبارة عن عدم اعتبار الشارع شيئا من مصاديق ما لا يعلمون و غيره تكوينا في عالم التشريع و مقتضاه هو رفع تنجيز أحكام هذه الأمور.

قال السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه): و أمّا إن أريد بالرفع الرفع التشريعي بمعنى عدم كون الفعل موردا للاعتبار الشرعي و بعبارة أخرى الرفع التشريعي عبارة عن عدم اعتبار الشارع شيئا من مصاديق ما هو من مصاديقه تكوينا كما في جملة من موارد الحكومة كقوله لا ربا بين الوالد و الولد فكان إسناد الرفع إلى التسعة حقيقيا بلا فرق بين أن يراد من الموصول في ما لا يعلمون الحكم أو الفعل الخارجي. (1)

لا يقال: إنّ التقدير و إن كان منفيا بأصالة عدم التقدير و محتاجا إلى عناية و لكن لا ترجيح لتوجيه الرفع إلى الوجود التشريعي أيضا لأنه أيضا يحتاج إلى عناية.

لأنّا نقول كما أفاد السيّد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بأنّ هذه عناية يقتضيها نفس ظهور حال الشارع في أنّ الرفع صادر منه بما هو شارع و بما هو إنشاء لا إخبار بخلاف عناية التقدير فإنّها خلاف الأصل حتى في كلام الشارع بما هو مستعمل. (2)

و التحقيق أنّ الرفع في المقام لا يحتاج إلى ادعاء و عناية أصلا فإنّ الرفع رفع عن الامّة

____________

(1) مصباح الاصول 2: 261.

(2) دروس في علم الاصول، الحلقة الثالثة: 44- 45.

418

كما يدل عليه قوله (صلى اللّه عليه و آله) في الصدر رفع عن أمّتي التسعة إلخ ... لا الرفع المطلق و لعله هو منشأ الفرق بين الرفع التشريعي في المقام و النفي التشريعي في لا ضرر و لا ضرار فإنّ النفي في الثاني مطلق بخلاف الرفع في المقام فإنّه رفع عن الأمة و عليه فما يتوجه إلى الأمة و الأشخاص هو الأحكام سواء كانت تلك الأحكام أحكام مجهولة أو أحكام ما استكرهوا عليه أو ما اضطروا إليه أو ما لا يطيقون أو أحكام موارد الخطأ و النسيان و حديث الرفع يدل على رفع ثقل هذه الأحكام عن الأمّة و هو لزومها و تنجيزها.

و لقد أفاد و أجاد في تسديد الاصول حيث قال إنّ تعبير الحديث هو رفع التسعة عن الامة و رفع شي‏ء عن الأشخاص ظاهر عرفا في نفي الإلزام به عنه و هو معناه العرفي بلا أيّ تأويل و خلاف ظاهر إلى أن قال و قد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا مجال للجواب عن الإشكال بأنّ نسبة الرفع إلى التسعة مبنية على الادّعاء و من قبيل المجاز العقلي و لا حاجة إلى التقدير و ذلك أنّ الظاهر عرفا من قولنا (رفع عنك كذا) هو نفي الإلزام به عنك و نفي تحميله عنك و هو لا يحتاج إلى تقدير إلى أن قال و بالجملة فرق بين الرفع أو النفي المطلق و بين الرفع عن الاشخاص. (1)

فتحصّل أنّ إسناد الرفع إلى ما لا يعلمون و سائر الفقرات إسناد حقيقي و معه فلا حاجة إلى عناية و تقدير لأنّ المرفوع في جميع الفقرات هو الإلزام الشرعي في مرحلة الجهل و الإكراه و الاضطرار و النسيان و الخطأ و نحوها و تقدير المؤاخذة أو الأثر المناسب أو جميع الآثار مخالف لأصالة عدم التقدير و لا موجب للذهاب إليه مع إمكان إسناد الرفع إلى نفس ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و غيرهما من الإلزامات عن الامة المرحومة في مرحلة الظاهر فتدبر جيدا.

و مما ذكر يظهر ما في الكفاية حيث فصّل بين ما لا يعلمون و غيره من الفقرات حيث قال لا يخفى عدم الحاجة إلى تقدير المؤاخذة و لا غيرها من الآثار الشرعية فيما لا يعلمون‏

____________

(1) تسديد الاصول 2، 130.

419

فإنّ ما لا يعلم من التكليف مطلقا كان في الشبهة الحكمية أو الموضوعية بنفسه قابل للرفع و الوضع شرعا و إن كان في غيره لا بد من تقدير الآثار أو المجاز في إسناد الرفع إليه فإنّه ليس ما اضطروا و ما استكرهوا إلى آخر التسعة بمرفوع حقيقة. (1)

و ذلك لما عرفت من أنّ الظاهر من رفع ما اضطروا أو ما استكرهوا و غيرهما بقيد عن الامة هو رفع الإلزام عنهم في هذه الموارد. هذا مقتضي اضافة الرفع إلى ذمّة الأمّة ففي هذه الموارد أيضا رفع الإلزام و التنجيز و عليه فلا حاجة إلى تقدير الآثار كما لا حاجة إلى المجاز في الإسناد بعد دلالة المقام على أنّ المرفوع في جميع الموارد المذكورة هو نفس الإلزامات و الأحكام فتدبر جيدا.

إذا عرفت هذه الأمور فقد اتضح دلالة الحديث الشريف على أنّ الإلزامات المجهولة الموجودة في الواقع مرفوعة عن الامّة المرحومة في مرحلة الظاهر و الموارد المذكورة و إن كانت موجودة في الواقع و معنى رفعها هو رفع ثقلها عنهم في مرحلة الظاهر و لا منافاة بين الإلزام الواقعي و الترخيص الظاهري لما تقدم من إمكان الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري و لازم رفع الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر هو عدم وجوب الاحتياط فمع عدم وجوب الاحتياط لا مجال للعقاب و المؤاخذة و عليه فحديث الرفع ينافي وجوب الاحتياط.

ثم إنّ ما لا يعلمون لا يختص بالشبهات الموضوعية بل يعم الشبهات الحكمية لإطلاق الموصول كما لا يخفى. و قد أورد عليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بأنّ الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون بقرينة أخواتها هو الموضوع أعني فعل المكلف الغير المعلوم كالفعل الذي لا يعلم أنّه شرب الخمر أو شرب الخلّ و غير ذلك من الشبهات الموضوعية فلا يشمل الحكم الغير المعلوم. (2)

و يمكن الجواب عنه كما أفاد في الدّرر بأنّ عدم تحقق الاضطرار في الأحكام و كذا الإكراه لا يوجب التخصيص في قوله (عليه السّلام) «ما لا يعلمون» و لا يقتضي السياق ذلك فإنّ عموم‏

____________

(1) الكفاية 2: 174.

(2) فرائد الاصول: 195.

420

الموصول إنّما يكون بملاحظة سعة متعلقه و ضيقه فقوله (صلى اللّه عليه و آله): «ما اضطروا إليه» اريد منه كل ما اضطر إليه في الخارج غاية الأمر لم يتحقق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم فيقتضي اتّحاد السياق أن يراد من قوله (صلى اللّه عليه و آله) «ما لا يعلمون» أيضا كل فرد من أفراد هذا العنوان أ لا ترى أنّه إذا قيل «ما يؤكل و ما يرى» في قضية واحدة لا يوجب انحصار أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيص الثاني أيضا بذلك البعض و هذا واضح جدا. (1)

و قال شيخنا الاستاذ الأراكي (قدّس سرّه): إنّ الموصول بمقدار عموم صلته قد عمّ و لم يشذ عنه شي‏ء من أفراد الصلة و على هذا فقضيّة وحدة السياق ان يكون الحال في ما لا يعلمون أيضا كذلك. (2)

و أوضح ذلك السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) حيث قال إنّ الموصول في جميع الفقرات مستعمل في معنى واحد و هو معناه الحقيقي المبهم المرادف للشي‏ء و لذا يقال إنّ الموصول من المبهمات و تعريفه إنّما بالصلة فكأنّه (صلى اللّه عليه و آله) قال رفع الشي‏ء الذي لا يعلم و الشي‏ء الذي لا يطيقون و الشي‏ء المضطر إليه و هكذا فلم يستعمل الموصول في جميع الفقرات إلّا في معنى واحد غاية الأمر أنّ الشي‏ء المضطر إليه لا ينطبق خارجا إلّا على الأفعال الخارجية و كذا الشي‏ء المكره عليه بخلاف الشي‏ء المجهول فإنّه ينطبق على الحكم أيضا و الاختلاف في الانطباق من باب الاتفاق من جهة اختلاف الصلة لا يوجب اختلاف المعنى الذي استعمل فيه الموصول كي يضرّ بوحدة السياق فإنّ المستعمل فيه في قولنا ما ترك زيد فهو لوارثه و ما ترك عمرو فهو لوارثه و ما ترك خالد فهو لوارثه شي‏ء واحد فوحدة السياق محفوظة و لو كان هذا المفهوم منطبقا على الدار في الجملة الأولى و على العقار في الثانية و على الأشجار في الثالثة فلا شهادة لوحدة السياق على أنّ متروكات الجميع منطبقة على جنس واحد و المقام من هذا القبيل بعينه. (3)

____________

(1) الدرر: 441.

(2) اصول الفقه 3: 602.

(3) مصباح الاصول 2: 260.

421

فتحصّل أنّ المرفوع فيما لا يعلمون لا يختص بالشبهات الموضوعية بل يعم الشبهات الحكمية و لا يضرّه اختصاص سائر الفقرات بالشبهات الموضوعية كما أنّ ما لا يعلمون يعمّ الواجبات و المحرمات المجهولة و التكليفيات و الوضعيات و لا وجه لتخصيصه لبعضها كما لا يخفى.

ربما يقال إنّ الحكم هو فعل صادر عن المولى و ليس بفعل العباد فلا معنى لكون فعل اللّه تعالى ثقيلا على العباد فالثقيل هو فعل العباد لا مجرد إنشاء الوجوب الصادر من مولى الموالي و عليه فلا بد من أن يراد من الموصول في جميع الفقرات هو الفعل لا الحكم و يمكن الجواب عنه بأنّ الثقل و إن كان في الفعل و لكن يسند عرفا إلى الحكم من باب إسناد ما للمسبب إلى السبب و الشاهد عليه هو تسمية الحكم بالتكليف مع أنّ ما يوجب الكلفة حقيقة هو الفعل و ليس ذلك إلّا من باب سببية الحكم للكلفة فيصح أن يكون المرفوع في جميع الفقرات هو الحكم سواء كانت الشبهة موضوعية أو الحكمية.

قال في مصباح الاصول إنّ الثقل و إن كان في متعلق التكليف لا في نفسه إلّا أنّه صحّ إسناد الرفع إلى السبب بلا عناية و صحّ إسناده إلى الأثر المترتب عليه فصحّ ان يقال رفع الإلزام أو رفع المؤاخذة فلا مانع من إسناد الرفع إلى الحكم باعتبار كونه سببا لوقوع المكلف في كلفة و ثقل. (1)

تنبيهات حديث الرفع‏

التنبيه الأول: [حديث الرفع رفع الثقل عن الامة]

أنّ الرفع في حديث الرفع حيث إنّه رفع عن الامة يكون ظاهرا في رفع الثقل عنهم و رفع الثقل مما يصلح للامتنان و السبب في هذا الرفع هو العناوين العارضة المذكورة في الحديث من الجهل و الخطأ و النسيان و الإكراه و الاضطرار و عدم الطاقة و المرفوع هو الأحكام الثابتة في موارد عروض هذه العناوين.

____________

(1) مصباح الاصول 2: 262.

422

و أمّا أحكام نفس هذه العناوين كوجوب سجدتي السهو و دية الخطأ و غير ذلك مما يترتب على نفس هذه الأمور فليست مرتفعة أصلا كما لا يخفى و عليه فالمراد من رفع الخطأ و النسيان مثلا هو رفع أحكام ما أخطئوا أو نسوا فيه لا رفع حكم الخطأ و النسيان ثم إنّ رفع الحكم بواسطة عروض هذه الأمور حيث كان امتنانيا يختص برفع كل حكم ثقيل على الأمة و لا يشمل ما لا يكون كذلك و يتفرع عليه الفرق بين فعل حرام اضطر إليه و معاملة اضطر إليها و لذا حكموا بجريان حديث الرفع في الأول دون الثاني و الوجه في ذلك أنّ رفع الحرمة في الأول امتناني دون رفع الصحة في الثاني فإنّ صحته ليست بثقيلة بل الأمر بالعكس هذا بخلاف بيع المكره فإنّ صحته ثقيلة عليه و رفع نفوذه و صحته امتناني و هكذا مقتضى كون الامتنان على الامّة أنّه لو اضطر إلى إتلاف مال الغير لا يرتفع به ضمان الإتلاف لأنّ الرفع خلاف الامتنان بالنسبة إلى المالك كما لا يخفى. لا يقال: إنّ الامتنان نكتة الحكم لا علته و عليه فلم لم يؤخذ بإطلاق حديث الرفع في غير موارد الامتنان.

لأنّا نقول إنّ ظهور الحديث في الامتنان ظهور لفظي يقتضيه ظهور الرفع عن الامة الدال على رفع الثقل عنهم و عليه فليس الامتنان مستفادا من غير الظهور اللفظي حتى يقال إنّ الامتنان حكمة الحكم لا علته بل لا يشمل حديث الرفع غير موارد الامتنان أخذا بظهور الكلام فيه فلا تغفل و مما ذكر يظهر أنّ رفع التسعة عن الامة لا يقاس برفع الضرر و الضرار فإنّ الرّفع في حديث لا ضرر و لا ضرار رفع مطلق و الامتنان فيه نكتة الحكم فيجي‏ء فيه حديث شموله و عمومه بالنسبة إلى الموارد التي لا امتنان فيه و عدمه.

هذا بخلاف رفع التسعة عن الامة لما عرفت من ظهور الرفع عن الامة في رفع الثقل عنهم و هو امتنان.

و لذلك لا يشمل حديث الرفع الموارد الّتي لا امتنان في رفعها و لعلّ من هذه الموارد الشرائط الراجعة إلى أصل التكليف لأنّ رفعها يوجب وضع التكليف و هو خلاف الإرفاق.

423

قال المحقق العراقي (قدّس سرّه): و مما ذكرنا من ورود الحديث في مقام الامتنان على الامة يظهر اختصاص المرفوع أيضا بالآثار التي لا يلزم من رفعها خلاف الإرفاق على المكلف فما لا يكون كذلك لا يشمله حديث الرفع كما في الشرائط الراجعة إلى أصل التكليف كالاستطاعة بالنسبة إلى الحج و نحوها حيث لا يجري فيها حديث الرفع لاقتضاء رفع الشرطية فيها بوضع التكليف على المكلف و هو خلاف الإرفاق في حقه بخلاف شرائط الواجب فإنّه يجري فيها حديث الرفع كما سنشير إليها. (1)

التنبيه الثاني: [حديث الرفع إزالة الشي‏ء عن الوجود]

أنّ الرفع في الحديث ظاهر في معناه و هو إزالة الشي‏ء عن صفحة الوجود بعد تحصله و تفسيره بالدفع خلاف الظاهر و لا موجب لذلك فيما إذا أمكن إرادة معناه و الرفع إذا أسند إلى الحكم مع قاعدة الاشتراك و عموم القانون مستعمل في معناه و يكون بمعنى إزالة لزومه في مرحلة الظاهر و قد عرفت أنّ رفع الأحكام المجهولة رفع إلزامها و هكذا في سائر الفقرات فإنّ رفع حكم مورد ما استكرهوا أو رفع حكم مورد الخطأ و النسيان مثلا هو رفع لزوم أحكام مواردها لا يقال: إنّ الخطاب لا يشمل الناسي و العاجز و نحوهما فليكن الرفع بالنسبة إليهم بمعنى الدفع لا الرفع.

لأنّا نقول نمنع ذلك بل هو بمعنى الرفع لشمول الخطابات إيّاهم بحسب الإرادة الاستعمالية لهذه الأحوال فالرفع في الموارد المذكورة يدل على رفع الأحكام الشاملة لهم بحسب الإرادة الاستعمالية نعم الرفع دفع بالنسبة إلى الإرادة الجدية كما لا يخفى.

لا يقال: إنّ الحسد و الطيرة و الوسوسة لا حكم لها حتى يكون الرفع بالنسبة إليها مستعملا في معناه بل اللازم أن يكون بمعنى الدفع في هذه الفقرات لأنا نقول: كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) انّ الفقرات الثلاث أيضا فعل من الأفعال القلبية و لأجل ذلك تقع موردا للتكليف فإنّ تمنّي زوال النعمة عن الغير فعل قلبي محرّم و قس عليه الوسوسة و الطيرة

____________

(1) نهاية الأفكار 3: 212.

424

فإنّهما من الأفعال الجوانحية و المصحح لاستعمال الرفع فيها كونها محكومة بالأحكام في الشرائع السابقة و هذه الأحكام ظاهرة في الدوام و البقاء بحسب الإرادة الاستعمالية فإطلاق الرفع باعتبار عمومات توهم بقاء حكمها في عامة الأزمنة فتدبر جيدا. (1)

و مما ذكر يظهر ما في الدّرر حيث ذهب إلى أنّ الرفع في الحديث ليس بمعناه الحقيقي معلّلا بأنّه غير واقع في بعض العناوين المذكورة قطعا بل معناه هو الدفع أو الأعم منه و من الرفع. (2)

و لكنّك عرفت إمكان أن يكون الرفع بمعناه الحقيقي في المقام لأنّه مسبوق بوجود حكم بنحو من الأنحاء و لو في مرحلة الإطلاق أو العموم الاستعمالي ثم لا يذهب عليك أنّه لا حاجة إلى ادعاء الوجود حتى يصدق الرفع بل يكفيه وجوده الواقعي أو وجوده بنحو ضرب القانون أو وجوده في الشرائع السابقة و مما ذكر يظهر ما في نهاية الأفكار حيث ذهب إلى لزوم اعتبار وجود الشي‏ء سابقا على الرفع عند وجود مقتضيه و لذلك قال لا مانع من إبقاء الرفع في الحديث الشريف على ظهوره في الرفع الحقيقي في جميع الأمور التسعة حيث إنّه يكفي في صحة إطلاق الرفع فيها مجرد اعتبار وجود الشي‏ء سابقا على الرفع عند وجود مقتضيه بلا حاجة إلى جعل الرفع في الحديث بمعنى الدفع. (3)

و ذلك لما عرفت من كفاية الوجود الإطلاقي و الاستعمالي و لا حاجة معه إلى اعتبار وجود الشي‏ء سابقا.

لا يقال: إنّ رفع الحكم لا يساعد جميع الفقرات لأنّ من جملتها هو الحسد و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق و هذه الأمور خصوصا الحسد ليست باختيارية حتى يكون لها حكم و عليه فلا يصح تعلّق الرفع بها باعتبار حكمها.

لأنّا نقول إنّ هذه الأمور و إن كانت بنفسها غير اختيارية و لكنها باعتبار مباديها كانت‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 152- 154.

(2) الدرر: 444.

(3) نهاية الأفكار 3: 209.

425

اختيارية لإمكان التحرز عنها باختيار مبادي أضدادها و عليه يصح تعلّق الحكم بها باعتبار اختيارية مباديها.

التنبيه الثالث: [لا إشكال في قبح مؤاخذة الناسي و ...]

أنّه لا إشكال في قبح مؤاخذة الناسي و العاجز و المخطي بحكم العقل و على هذا يرد على الرواية المذكورة أمران: أحدهما أنّ رفع الحكم عن هؤلاء لا يختص بالأمة المرحومة لأنّ القبيح قبيح في كل زمان.

و ثانيهما أنّ الرواية ظاهرة في الامتنان مع أنّه لا منّة في رفع ما هو قبيح عند العقل و فيه منع استقلال العقل بقبح مؤاخذة الناسي و المخطي مع كون أضداد مبادي هذه الأمور تحت الاختيار و ترك التحفظ فيها فإذا لم يكن المؤاخذة في هذه الصورة قبيحة أمكن تصور الامتنان عند رفع المؤاخذة عند النسيان و الخطأ كما لا يخفى.

قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): إنّ الذي يهوّن الأمر في الرواية جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا فإنّ موارد الإشكال فيها و هي الخطأ و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطروا إليه هي بعينها ما استوهبها النبي (صلى اللّه عليه و آله) من ربه جلّ ذكره ليلة المعراج على ما حكاه اللّه تعالى عنه (صلى اللّه عليه و آله) في القرآن بقوله تعالى: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا الآية و الذي يحسم أصل الإشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الأمور بقول مطلق فإنّ الخطأ و النسيان الصادر من ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليها و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط و كذا في التكليف الشاق الناشئ عن اختيار المكلف و المراد بما لا يطاق في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران في الهواء و أمّا في الآية فلا يبعد ان يراد به العذاب و العقوبة فمعنى لا تحملنا ما لا طاقتنا به لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة. (1)

التنبيه الرابع: [لا فرق بين أن يكون متعلق الحكم هو الفعل أو الترك‏]

في أنّه لا فرق بين أن يكون متعلق الحكم هو الفعل أو الترك إذ أيّ واحد منهما فله حكم و

____________

(1) فرائد الاصول: 196.

426

أثر و قابل للرفع فلو نذر أن يشرب من ماء الفرات فاكره على الترك فترك الشرب بعد ما تعلّق النذر على الشرب له حكم و هو الحرمة لأنّه حنث و له كفّارة فقوله (صلى اللّه عليه و آله) رفع ما اكرهوا عليه يدل على رفع حكم الترك المذكور من الحرمة و الكفارة فلا وجه لتخصيص المرفوع بحكم الأمور الوجودية.

و حكم الترك كحكم الفعل أمر حقيقي قابل للرفع و الرفع فيه أيضا حقيقي لا ادعائي بعد ما عرفت من أنّ الرفع هو رفع حكم ثقيل عن الامة و عليه فالجواب عمّن خصص المرفوع بالامور الوجودية بأنّ التحقيق أنّه لا مانع من تعلّق الرفع بالامور العدمية إذ الرفع رفع ادعائي لا حقيقي و المصحح له ليس إلّا آثار ذلك العدم و أحكامها كما أنّ المصحح لرفع الأمور الوجودية هو آثارها و أحكامها (1) لا يخلو عن إشكال و ذلك لما عرفت من ممنوعية الادعاء الوجودية هو آثارها و أحكامها (1) لا يخلو عن إشكال و ذلك لما عرفت من ممنوعية الادعاء لأنّ حكم الترك كحكم الفعل حكم حقيقي و هو قابل للرفع من دون حاجة إلى ادعاء و رفعه رفع حقيقي بمعنى رفع ثقل الحكم عن الامة كما لا يخفى ثم إذا عرفت أنّ حديث الرفع يشمل حكم الفعل و الترك اتّضح حكم ما إذا اكره على ترك الصلاة في جميع الوقت فإنّ تركها مصداق لما اكرهوا عليه و هو كما في تسديد الاصول ثقيل على المكلف فإنّه مخالفة للواجب موجبة للتعزير الدنيوي و العقاب الأخروي و للقضاء خارج الوقت و كل ذلك ثقل على المكلف أوجبه عليه إكراه المكره على الترك فيرفع هذا الأمر الثقيل بجميع ثقله على المكلف أوجبه عليه إكراه المكره بالكسر على الترك فيرفع هذا الأمر الثقيل بجميع ثقله عن عاتقه بحيث لا يكون على عاتقه من الثقل أثر أصلا فإطلاقه و مقتضى رفعه بالمرة أن لا يستحق تعزير الدنيا و لا عذاب الآخرة و لا القضاء خارج الوقت.

نعم لو أكرهه على ترك الصلاة في وقت الفضيلة مثلا فلا يترتب من تركها أمر عليه ثقيل فإنّ وجوب الإتيان بها في بقية الوقت مما يقتضيه نفس التكليف بالواجب و الموسّع لا أنّه‏

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 159.

427

أمر جديد أتى من ناحية الإكراه و فوت الفضل ليس إلّا فوات النفع لا تحميل ثقل و ضرر. (1)

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه ينافي ما رواه في الكافي بسنده عن رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال دخلت على أبي العباس بالحيرة فقال يا أبا عبد اللّه ما تقول في الصيام اليوم فقلت ذاك إلى الإمام إن صمت صمنا و إن أفطرت أفطرنا فقال يا غلام عليّ بالمائدة فأكلت معه و انا أعلم و اللّه انّه يوم من شهر رمضان فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللّه انتهى بناء على أنّ التقيّة نوع من الإكراه و وجه المنافاة أنّ هذه الرواية تدل على لزوم القضاء مع الإكراه على ترك الصوم.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الموضوع لوجوب القضاء ليس هو الترك بل هو الفوت و هو مسبب عن الترك و حديث الرفع مختص بما يكون فعلا مباشريّا للمكلف سلبا أو إيجابا لا ما يكون مترتبا عليه و بناء على هذا فلو اكره على ترك الصلاة في جميع الوقت لا يدل حديث الرفع إلّا على رفع التعزير و العقوبة و أمّا القضاء فهو مترتب على عنوان الفوت و ليس هو فعلا مباشريا للمكلف و أصل البراءة لا يثبت العنوان و مما ذكر يظهر وجه لزوم القضاء على من نسي الصلاة في تمام الوقت فتدبر.

و لكن لقائل أن يقول أنّ الرواية ضعيفة، هذا مضافا إلى أنّ موضوعها مختصّ بالصوم على أنّها لا تدلّ على وجوب القضاء و لعل القضاء ليس بواجب لأنّ الفعل أعمّ من الوجوب فتدبّر.

تفصيل: و لا يذهب عليك أنّ المحكي عن المحقق النائيني (قدّس سرّه) أن يكون المرفوع في حديث الرفع شاغلا لصفحة الوجود فإنّه بذلك يمتاز الرفع عن الدفع فإنّ الدفع هو المنع عن تقرر الشي‏ء و الرفع هو المنع عن بقاء الوجود إلى أن قال فاعلم أنّ الظاهر الأوّلي و إن كان رفع نفس صفة النسيان إلّا أنّه لا يمكن الأخذ بهذا الظهور فإنه مضافا إلى أنّ النسيان ليس من الأمور التشريعية بنفسه و ليس له أثر شرعا كي يكون رفعه بلحاظ رفع أثره يلزم من ذلك‏

____________

(1) تسديد الاصول 2: 137.

428

ترتيب آثار الصدور العمدي على الفعل الصادر عن النسيان و هو كما ترى خلاف الامتنان فلا محيص من رفع اليد عما يقتضيه الظاهر الأوّلي بجعل النسيان بمعنى المنسي فيكون المرفوع نفس الفعل الصادر عن المكلف نسيانا بأن يفرض عدم وقوع الفعل منه و خلو صفحة الوجود عنه و على هذا يختص الحديث بالمحرمات و لا يشمل الواجبات لأنه لو فرض الإتيان بواجب عن نسيان فرفعه عبارة عن إعدامه و فرض عدم صدوره و هو ينافي الامتنان و لو فرض تركه عن نسيان فليس في البين شي‏ء شاغل لصفحة الوجود كي يمكن رفعه و بذلك يظهر فساد توهم دلالة قوله رفع النسيان على سقوط الجزئية و وقوع الطلب فيما عداه.

و قد أورد عليه سيدنا الاستاذ المحقق الدّاماد (قدّس سرّه): في محكي كلامه بأن المرفوع نفس الخطأ و النسيان و يكون رفعهما مع أنهما قد يقعان كثيرا ما كناية عن فرض عدم صدور ما صدر عن المكلف عن نسيان أو خطأ عنه و بعبارة أوضح أنه لما كان المكلف المتشرّع بأحكام اللّه المبالي بدينه و فرائضه بحيث إذا لم يعرض له الخطأ و النسيان لكان آتيا بالواجبات و تاركا للمحرمات فإذا جعل الشارع خطأه أو نسيانه بمنزلة العدم فكأنّه فرضه آتيا بالواجب الذي ترك عن خطأ أو نسيان و تاركا للمحرم الذي أتى به عنه و قد عرفت سابقا انصراف الحديث المبارك عن السهو و النسيان الذي نشأ عن عدم المبالاة بالدين و عدم التقيد بأحكام اللّه و فرائضه و على هذا نقول و إن كان ظاهر الرفع في قبال الدفع جعل الموجود بمنزلة المعدوم إلّا أن المرفوع نفس صفة النسيان و الخطأ الموجودين ادعاء باعتبار رفع الفعل أو الترك الصادر عن المكلف عن نسيان و خطأ و جعله بمنزلة العدم.

و على هذا فكما انه يستفاد من الحديث الرفع في بعض الأحيان فكذلك يستفاد منه الوضع في بعضها الآخر إلى أن قال فنقول و به نستعين معنى رفع الخطأ و النسيان رفع كل ما كان عن خطأ و نسيان بادعاء رفع الأثر عنه شرعا سواء كان الفعل أو الترك و سواء كان بنفسه منسيّا أو كان منشؤه النسيان فيرد على المحقق المذكور أوّلا: أنه لا موجب لاختصاص‏

429

الحديث بالامور الوجودية و ثانيا: أنه لا موجب للقول بأنّ المرفوع بعد ما لم يمكن أن يكون نفس النسيان هو المنسي فانه على ما ذكر يشمل كل ما كان عن نسيان و ناشئا عنه و لو لم يكن بنفسه منسيّا فتدبر و لا تغفل. (1)

و مما ذكرنا يظهر النظر في ما أفاده السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه) حيث قال إنّ المرفوع لا بد أن يكون أحد الأمرين إمّا الحكم المتعلق بالشي‏ء أو الحكم المترتب على الشي‏ء بحيث يكون هذا الشي‏ء الذي تعلّق به النسيان أو الإكراه أو غيرهما موضوعا بالإضافة إليه فمعنى رفعه في عالم التشريع عدم كونه متعلقا للحكم الثابت له في حد نفسه أو عدم كونه موضوعا للحكم المترتب عليه في حد نفسه فبحسب النتيجة يفرض وجوده كالعدم و كأنّه لم يكن فإذا اضطر أو نسي أو أكره على شرب الخمر مثلا فمعنى رفعه أن هذا الشرب لا يكون متعلقا للحرمة الثابتة له في حد نفسه كما أنه لا يكون موضوعا للحكم الآخر المترتب عليه كوجوب الحد فهو أيضا مرفوع عنه فيكون ذلك تخصيصا في أدلة الأحكام الأوليّة و موجبا لاختصاصها بغير هذه الموارد المذكورة في الحديث و أما لو فرضنا أن الموضوع للحكم شي‏ء آخر غاية الأمر أنه ملازم بحسب الوجود مع متعلق الاضطرار و الإكراه و نحوهما فلا يكاد يرتفع الحكم عن ذلك الموضوع بحديث الرفع فلو فرضنا أنه مضطر أو مكره على التكلم في الصلاة فغايته أنّ حرمة القطع على تقدير القول بها مرفوعة و أمّا وجوب الإعادة أو القضاء المترتب على عدم الإتيان بالمأمور به الذي هو لازم التكلم فلا يتكفل الحديث لرفعه بوجه فإنه حكم مترتب على موضوع آخر لا ربط له بمتعلق الإكراه أو الاضطرار و إن كانا متقارنين بحسب الوجود الخارجي. (2)

و لذا قال في مثل قوله (عليه السّلام) في صحيحة عبد الصمد الواردة فيمن لبس المخيط حال الإحرام جاهلا أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه. (3)

____________

(1) المحاضرات لسيدنا الاستاذ المحقق الداماد (قدّس سرّه) 2: 423- 426.

(2) مستند العروة 1: 255- 256.

(3) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام ح 3.

430

ان المنفي في ظرف الجهل إنّما هو الأثر المترتب على الفعل و إنّه ليس عليه شي‏ء من ناحية فعله الصادر عن جهل لا ما يترتب على الترك و من المعلوم أنّ الأثر المترتب على الفعل أعني الإفطار إنّما هو الكفارة فقط فهي المنفي و أما القضاء فليس هو من آثار الفعل و انما هو من آثار ترك الصوم و عدم الإتيان به في ظرفه على وجهه فهو أثر العدم لا الوجود نعم لأجل الملازمة بين الأمرين أعني الإفطار و ترك الصوم الناشئة من كون الصوم و الإفطار ضدين لا ثالث لهما صح إسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازا. (1)

و ذلك لما عرفت من أنّ الرفع كناية عن فرض عدم صدور ما صدر عن المكلف نسيانا أو خطأ فمع هذا الفرض يرجع الرفع إلى جعل الشارع خطأه أو نسيانه أو اضطراره بمنزلة العدم فكأنّه فرضه آتيا بالواجب الذي تركه خطأ أو نسيانا و تاركا للمحرم الذي اتى به عن نسيان أو خطأ أو نحوهما و عليه فمعنى الرفع رفع كل ما كان عن خطأ و نسيان بادعاء رفع الأثر عنه شرعا سواء كان الفعل أو الترك و سواء كان بنفسه منسيّا أو كان منشؤه النسيان و عليه فلا وجه لتخصيص الحديث بالموجودات و هكذا لا وجه لجعل المرفوع مخصوصا بنفس المنسي بعد عدم إمكان أن يكون المرفوع هو نفس النسيان لشمول الرفع لما يكون ناشئا عن النسيان و لو لم يكن بنفسه منسيّا فيعلم مما ذكر أنّه لا يختص المرفوع بالحكم المتعلق بالشي‏ء أو الحكم المترتب على الشي‏ء بل يشمل ما يكون ناشئا عن الخطأ و النسيان و مرتبطا بهما بنحو من الأنحاء لأنه هو مقتضى فرض النسيان أو الخطأ الموجود بمنزلة العدم من دون تقييد و تخصيص و هكذا كان الأمر بالنسبة إلى صحيحة عبد الصمد فإن رفع المجهول يعم ما كان بنفسه مجهولا أو كان ناشئا عن الجهل فيدلّ على نفي القضاء و الكفارة كليهما نعم يمكن استفادة الاختصاص بنفي الكفّارة في خصوص هذه الصحيحة بقرينة الحكم بالبطلان و لزوم الإعادة أو القضاء في موارد من أفعال الحجّ كترك الوقوفين جهلا أو الطواف من بين حجر اسماعيل و نحوهما فتدبر جيدا.

____________

(1) مستند العروة 1: 254.

431

التنبيه الخامس: [لو نسي شرطا أو جزءا من المأمور به‏]

انه لو نسي شرطا أو جزءا من المأمور به هل يمكن تصحيح المأتي به بحديث الرفع أو لا يمكن.

ذهب بعض الأعاظم إلى الثاني معلّلا بأنّ الحديث لا يشمل الأمور العدمية لأنه لا محل لورود الرفع على الجزء و الشرط المنسيين لخلو صفحة الوجود عنهما فلا يمكن أن يتعلق الرفع بهما هذا مضافا إلى أنّ الأثر المترتب على الجزء و الشرط ليس إلّا الإجزاء و صحة العبادة و هما ليسا من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع و الرفع بل من الآثار العقلية لأن موافقة المأتي به مع المأمور به أو مخالفته معه من الأمور الواقعية و لا دخل للشرع فيهما حتى يشملهما حديث الرفع.

و يمكن الجواب عنه بأنّ: ما هو متعلّق الرفع هو حكم الجزء و الجزئية فإنه ثقيل على المكلف فلا يجب عليه الإعادة بعد شمول حديث الرفع لهما و أمّا موافقة المأتي به مع المأمور به أو مخالفته معه فهما مترتبان على بقاء الجزاء أو الشرط على الجزئية و الشرطية و عدم بقائهما في حال النسيان و عليه فمع كونهما متفرعان و مترتبان على بقاء الجزئية أو الشرطية و عدمه فيد الجعل تنالهما أيضا باعتبار منشأهما كما لا يخفى فإذا عرفت ذلك فالأقوى هو إمكان تصحيح المأتي به لأنّ حديث الرفع حاكم على أدلة المركبات أو على أدلة اعتبار الأجزاء و الشرائط و بعد الحكومة تصير النتيجة اختصاص الأجزاء و الشرائط بغير حال النسيان و يكون تمام المأمور به في حق المكلف عامة الأجزاء و الشرائط غير المنسية منها و عليه فالمأتي به حال النسيان موافق للمامور به و مع المطابقة يصح المأتي به كما لا يخفى.

و القول بحكومتها في حال نسيان الحكم (الجزئية) لا في حال نسيان نفس الجزء و الشرط تحكم محض بعد القول بتعلق الرفع بنفس ما نسوا أي المنسي على نحو الإطلاق. (1)

ثم إنّ مقتضى ما عرفت من إمكان تصحيح المأتي به بحديث الرفع هو عدم الفرق بين‏

____________

(1) راجع تهذيب الاصول 2: 161.

432

كون النسيان مستوعبا لجميع الوقت و عدمه إذ الحديث يدل على رفع الثقل عنهم و مقتضى ذلك هو عدم وجوب الإعادة في الوقت فضلا عن وجوب القضاء خارج الوقت إذ مع رفع الثقل فالمأتي به هو الموافق للمأمور به و مع موافقة المأمور به يسقط الأمر المتعلق بالمأمور به و لا يبقى أمر حتى يجب إعادته بل ذهب في تسديد الاصول إلى أنّ مقتضى حديث الرفع انّه لو نسى التشهد مثلا و قام و تذكر قبل ركوع الركعة التالية فبما ان تدارك التشهد يوجب إعادة ما أتى به من تسبيحاته الأربع في هذه الركعة فهو ثقل قد لزمه من نسيانه فمقتضى الحديث رفع هذا الثقيل بثقله عنه. (1)

نعم لو دل دليل خاص على لزوم الإعادة فيخصص حديث الرفع به و بالجملة فلا وجه لرفع اليد عن إطلاق حديث الرفع ما لم يرد دليل خاص على خلافه و دعوى اختصاص المنسي بنسيان المركب الواجب النفسي و هو لا يشمل النسيان غير المستوعب فضلا عن النسيان في أثناء الصلاة مندفعة بأنه لا وجه للاختصاص المذكور بعد إطلاق المنسي و وجود ملاك جريانه و هو تحميل أمر عليه بسبب النسيان و هو موجود فيما إذا تذكر في أثناء المركب مثل الصلاة فضلا عما بعدها و لو لم يكن مستوعبا كما لا يخفى هذا كله بالنسبة إلى العبادات.

و مما ذكر يظهر الكلام في النسيان في ناحية الأسباب و المعاملات و هو كما أفاد سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) أنّ النسيان مثلا إن تعلّق بأصل السبب أو بشرط من شرائطه العقلائية التي بها قوام العقد عرفا كإرادة تحقق معناه فلا ريب في بطلان المعاملة إذ ليس هنا عقد عرفي حتى يتصف بالصحة ظاهرا و إن تعلّق النسيان بشرط من شرائط الشرعية ككونه عربيا أو تقدم الإيجاب على القبول و نحو ذلك فلا إشكال في إمكان تصحيح العقد المذكور بحديث الرفع فإنّ الموضوع أعني نفس العقد محقق قطعا في نظر العرف غير أنه فاقد للشرط الشرعي فلو قلنا بحكومة الحديث على الشرائط بمعنى رفع شرطية العربية أو تقدمه على القبول في هذه الحالة يصير العقد الصادر من العاقد عقدا مؤثرا في نظر الشارع أيضا و النسيان و إن‏

____________

(1) تسديد الاصول 2: 138.

433

تعلّق بإيجاد الشرط لا بشرطيّته لكن لا قصور في شمول الحديث لذلك لأن معنى رفع الشرط المنسي رفع شرطيته في هذا الحال و الاكتفاء بالمجرد منه ثم إنّ النسيان لم يتعلّق بالفارسي من العقد بل تعلّق بالشرط أعني العربية فرفعه رفع لشرطيته في المقام و رفع الشرطية عين القول بكون ما صدر سببا تاما. (1)

التنبيه السادس: [لا اختصاص لحديث الرفع بالأحكام التكليفية]

انّه لا اختصاص لحديث الرفع بالأحكام التكليفية بل يعم الأحكام الوضعية و لا اختصاص في الوضعية بالجزئية و الشرطية بل يشمل المانعية أيضا فكما أنّ حديث الرفع يرفع الحرمة و الوجوب فكذلك يرفع المانعية كالمفطرية و مقتضى ذلك أنّه لو أكره الصائم على مفطر و لو لم يكن الإكراه بحيث خرج عن اختياره فهو إكراه على إيجاد المفطر و المانع و هو لا يبطل الصوم.

كما هو الظاهر من المحقق في موضع من الشرائع حيث قال في كتاب الصوم لو كان (تناول المفطر) سهوا لم يفسد سواء كان الصوم واجبا أو ندبا و كذا لو أكره على الإفطار أو وجر في حلقه انتهى و نسبه في الجواهر إلى الأكثر نعم تردد المحقق في موضع آخر من الشرائع حيث قال: و لو وجر في حلقه أو أكره إكراها يرتفع معه الاختيار لم يفسد صومه و لو خوّف فأفطر وجب القضاء على تردد و لا كفّارة (2) و كيف كان فقد استدل له بحديث الرفع.

و قد أورد عليه أوّلا: بأنّ حديث الرفع مختص بالمؤاخذة و جوابه ظاهر بعد ما عرفت من أنّ المرفوع هو مطلق الحكم تكليفا كان أو وضعيا استقلاليا كان أو غير استقلالي.

و ثانيا: بأنّ الأمر بالصوم قد تعلّق بمجموع التروك من أول الفجر إلى الغروب و ليس كل واحد من هذه التروك متعلقا لأمر استقلالي بل الجميع تابع للأمر النفسي الوحداني المتعلق بالمركب إن ثبت ثبت الكل و إلّا فلا فإنّ الأوامر الضمنية متلازمة ثبوتا و سقوطا

____________

(1) تهذيب الاصول 2: 166.

(2) راجع الجواهر 16: 258- 267.

434

بمقتضى فرض الارتباطية الملحوظة بينها كما في أجزاء الصلاة و غيرها من سائر الواجبات فإذا تعلّق الإكراه بواحد من تلك الأجزاء فمعنى رفع الأمر به رفع الأمر النفسي المتعلق بالمجموع المركب لعدم تمكنه حينئذ من امتثال الأمر بالاجتناب عن مجموع هذه الأمور فإذا سقط ذلك الأمر بحديث الرفع فتعلق الأمر حينئذ بغيره بحيث يكون الباقي مأمورا به كي تكون النتيجة سقوط المفطرية عن خصوص هذا الفعل يحتاج إلى دليل و من المعلوم أنّ الحديث لا يتكفل بإثباته فإنّ شأنه الرفع لا الوضع فهو لا يتكفّل بنفي المفطرية عن الفعل الصادر عن إكراه لينتج كون الباقي مأمورا به و مجزيا كما هو الحال في الصلاة فلو أكره على التكلم فيها فمعناه أنّه في هذا الأمر غير مأمور بالإتيان بالمقيد بعدم التكلم و أما الأمر بالباقي فلا.

و القضاء من آثار ترك المأمور به و عدم الإتيان به في ظرفه اللازم لفعل المفطر فلا مجال حينئذ للتمسك بالحديث لأن المكره عليه هو الفعل و ليس القضاء من آثاره فإطلاق دليل القضاء على من فات عنه الواجب في وقته هو المحكّم فالتفرقة بين الكفارة و القضاء واضحة. (1)

يمكن أن يقال بأنّ: المفطرية من الأحكام المجعولة لمثل الأكل و مقتضى إطلاق رفع ما أكرهوا عليه هو رفع المفطرية أيضا بالإكراه و حيث انّ حديث الرفع حاكم بالنسبة إلى الأدلة الأولية يوجب تخصيص المفطرية بحال غير الإكراه و مقتضى ذلك هو عدم سقوط الأمر بالمجموع من التروك في باب الصوم و مع عدم سقوط الأمر المذكور فالمأتي به موافق للمأمور به و مع الموافقة لا مجال لدعوى الملازمة بين ترك المأمور به و لزوم القضاء لعدم تحقق موضوعه و هو ترك المأمور به كما لا يخفى و دعوى أنّ الموافقة و المخالفة و الصحة و الفساد ليستا من الأمور الجعليّة حتى تكونا قابلتين للرفع و الوضع.

مندفعة بأن الموافقة و المخالفة للمأمور به و إن لم تكونا مجعولتين و لكنهما قابلتان للرفع و

____________

(1) مستند العروة 1: 258.

435

الوضع بسبب إمكان وضع منشأهما و رفعه و من المعلوم أنّ رفع المفطرية في حال الإكراه بحديث الرفع موجب لموافقة المأتي به مع المأمور به بعد اختصاصه بغير حال الإكراه جمعا بين حديث الرفع الحاكم و الأدلة الأوليّة و القضاء من آثار الفوت الحاصل بترك المأمور به و المفروض مع حكومة حديث الرفع هو عدم تحقق ترك المأمور به الملازم لحصول الفوت المترتب عليه القضاء كما لا يخفى و بعبارة أخرى أنّ الأدلة الأولية مع حديث الرفع الذي يكون حاكما و شارحا كدليل واحد يدل على لزوم التروك في غير حال الإكراه و نحوه فالأمر النفسي بعد ورود حديث الرفع يكون متقيّدا بغير حال الإكراه و لا مجال لدعوى سقوط الأمر النفسي بعروض الإكراه.

هذا مضافا إلى ما أفاده في جامع المدارك من أنّ لازم ما ذكر هو عدم جواز التمسك بحديث لا تعاد إلّا من خمس فانّ مقتضاه هو صحة الصلاة الفاقدة لبعض الأجزاء أو بعض الشرائط مع عدم موافقة المأتي به المذكور للمأمور به و هكذا عدم جواز التمسك بحديث الرفع في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيّين إذ مع الشك في أنّ الواجب المركب هو الأقل أو الأكثر يقال بالبراءة و عدم وجوب مشكوك الجزئية أو الشرطية و مقتضاها هو صحة الصلاة الفاقدة للجزئية أو الشرطية (مع أن الفاقدة ليست بموافقة للمأمور به و هو الأكثر) و الحل أنّ اللزوم المذكور من جهة الأمر و حيث إنّ الأمر بيد الشارع و يكون قابلا للرفع و الوضع لا مجال للاستشكال من هذه الجهة و إلّا لما أمكن القول بالصحة في الموارد الخاصة كالحكم بالصحة في التمام في محل القصر و الجهر في موضع الاخفات أو العكس. (1)

لا يقال: ليس الإكراه على ترك جزء أو شرط من العبادات إلّا كما لو أكره في باب المعاملات على ترك شي‏ء من الأجزاء أو الشرائط المعتبرة في صحتها مثل القبض أو الإشهاد في الطلاق فكما لا يدل حديث الرفع على نفي اعتبار هذه الأمور في حال الإكراه في‏

____________

(1) جامع المدارك 2: 162- 164.

436

صحّة المعاملات فكذلك في العبادات‏ (1)، لأنا نقول فرق واضح بين المقام و هو باب العبادات و بين المعاملات فإنّ مقتضى كون حديث الرفع مختصا بمورد الامتنان هو رفع ثقل لزوم المعاملة و نفوذها بسبب الإكراه لأنّ اللزوم و النفوذ خلاف الامتنان و لذا يحكم ببطلان المعاملة عن إكراه هذا بخلاف باب العبادات فإنّ الحكم بلزوم الإعادة و القضاء خلاف الامتنان فاللازم هو الحكم بصحّة العبادة و عليه فالفارق هو اختلاف الموارد في الامتنان و عدمه.

نعم استشكل في جامع المدارك في التمسك بالحديث في الإكراه من ناحية أخرى و هي أنّ العمل بحديث الرفع في كثير من أمثال المقام غير معهود بل لعل العمل بها يستلزم فقها جديدا إلى أن قال و بالجملة فالمسألة محل إشكال‏ (2)

يمكن أن يقال إنّ خروج بعض الموارد عن حديث الرفع بالتخصص أو الانصراف أو التخصيص يمنع عن لزوم الفقه الجديد بالأخذ بحديث الرفع في بقية الموارد و قد استدل بالحديث في الناصريات على ما حكاه سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) حيث قال و في الناصريات دليلنا على أنّ كلام الناسي لا يبطل الصلاة بعد الإجماع المتقدم ما روي عنه (صلى اللّه عليه و آله) رفع عن أمتي النسيان و ما استكرهوا عليه و لم يرد رفع الفعل لأن ذلك لا يرفع و إنّما أراد رفع الحكم و ذلك عام في جميع الأحكام إلّا ما قام عليه دليل و يقرب منه كلام ابن زهرة في الغنية و تبعهما العلامة و الأردبيلي في مواضع و قد نقل الشيخ الأعظم في مسألة ترك غسل موضع النجو من المحقق في المعتبر انه تمسك بالحديث لنفي الإعادة في مسألة ناسي النجاسة و قد تمسك الشيخ الأعظم و غيره في مواضع بحديث الرفع لتصحيح الصلاة فراجع. (3)

فتحصل أنه يجوز الأخذ بعموم حديث الرفع في الأحكام الوضعية كالتكليفية من دون فرق بين الإكراه و بين غيره ما لم تقم قرينة على الاختصاص أو التخصص.

____________

(1) مصباح الفقيه 14: 462.

(2) جامع المدارك 2: 164.

(3) تهذيب الاصول: 2: 164.

437

بقي شي‏ء و هو أنه يخطر بالبال عدم العمل بإطلاق حديث الرفع و أما نسبة العمل إلى الأكثر فلا تكفي مع احتمال أن يكون مرادهم من الإكراه هو الرافع للاختيار لا مطلق الإكراه فليتأمّل.

التنبيه السابع: [جواز التمسك بالاكراه لرفع مانعية المانع‏]

انّه لا يذهب عليك انّه ربما يفصل في الإكراه بين الإكراه على إيجاد المانع و بين الإكراه على ترك الجزء و الشرط بأنّه لو تعلّق الإكراه على ايجاد مانع شرعي فإن كان العاقد مضطرا اضطرارا عاديا أو شرعيا لإيجاد العقد و المكره يكرهه على إيجاد المانع فالظاهر جواز التمسك به لرفع مانعيّة المانع في هذا الظرف و إن لم يكن مضطرا للعقد فالظاهر عدم صحة التمسك لعدم صدق الإكراه (مع إمكان التفصي عنه) و لو تعلّق الإكراه على ترك الجزء و الشرط فإذا كان مضطرا في أصل العقد عادة أو شرعا فمحصل المختار فيه عدم جريان الحديث لرفعهما في هذه الحالة لأن الإكراه قد تعلّق بترك الجزء و الشرط و ليس للترك بما هو هو أثر شرعي قابل للرفع غير البطلان و وجوب الإعادة و هو ليس أثرا شرعيا بل من الأمور العقلية الواضحة فإنّ ما يرجع إلى الشارع ليس إلّا جعل الجزئية و الشرطية تبعا أو استقلالا و أما إيجاب الإعادة و القضاء بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به فإنما هو أمر عقلي يدركه هو عند التطبيق.

و توهم إنّ مرجع الرفع عند الإكراه على ترك جزء أو شرط إلى رفع جزئيته و شرطيته في هذه الحالة مدفوع بأنّ المرفوع لا بد و ان يكون ما هو متعلق العنوان و لو باعتبار أنه أثر لما تعلّق به العنوان كالجزئية عند تعلّق النسيان بنفس الجزء و أمّا المقام فلم يتعلّق الاكراه إلّا بنفس ترك الجزء و الشرط و الجزئية ليست من آثار نفس الترك نعم لو كان لنفس الترك أثر شرعي يرتفع أثره الشرعي عند الإكراه. و وجوب الإعادة ليس أثرا شرعيا في حد نفسه و لا أثرا مجعولا لبقاء الأمر الأول بل هو أمر عقلي منتزع يحكم به إذا أدرك مناط حكمه و ما يرى في الأخبار من الأمر بالإعادة فإنما هو إرشاد إلى فساد المأتي به و بطلانه و يشهد على‏

438

ذلك أنّ التارك للإعادة لا يستحق إلّا عقابا واحدا لأجل عدم الإتيان بالمأمور به لا لترك إعادته و احتمال العقابين كاحتمال انقلاب التكليف إلى وجوب الإعادة باطل بالضرورة فتلخص من جميع ما ذكر أنّ الإكراه إن تعلّق بإيجاد المانع (الشرعي) فيمكن أن يتمسك بحديث الرفع لتصحيح الماتي به و أمّا إذا تعلّق بترك الجزء و الشرط فلا كما ظهر الفرق بين نسيان الجزء و الشرط و بين تركهما لأجل الإكراه. (1)

يمكن أن يقال: إنّ هذا التفصيل ناش من لزوم تقدير الأثر في حديث الرفع و أمّا على ما عرفت من عدم الحاجة إلى التقدير فلا وجه له لأنّ مفاده أنّ الإلزامات المجهولة أو المنسية أو المكره عليها أو المضطر إليها رفعت ثقلها بعروض هذه الطواري و من المعلوم أنّ التدارك و الإعادة ثقيل على المكلفين و هما من لوازم بقاء الإلزامات المذكورة و مقتضى حديث الرفع هو رفع ثقل هذه الإلزامات برفعها بقاء و معنى ذلك عدم وجوب التدارك و الإعادة من دون فرق بين النسيان و الإكراه و من دون تفاوت بين كون الإكراه على ترك الجزء و الشرط و بين الإكراه على إيجاد المانع إذ الحديث يعم جميع الموارد المذكورة. و لا نحتاج إلى وجود الأثر الشرعي حتى يقال إنّ وجوب الإعادة ليس أثرا شرعيا في حد نفسه و لا أثرا مجعولا لبقاء الأمر الأول بل هو أمر عقلي منتزع يحكم به إذا أدرك مناط حكمه.

و ذلك لما عرفت من أنّ حديث الرفع يدل على رفع ثقل الأحكام الأولية و بقاء تلك الأحكام بحيث يجب التدارك و الإعادة و مع رفع هذه الأحكام لا مجال للإعادة و التدارك كما لا يخفى فالأقوى بناء على جواز الأخذ بعموم حديث الرفع هو عدم الفرق بين الإكراه على إيجاد المانع الشرعي و بين الإكراه على ترك الجزء و الشرط فكما أنّه يجوز التمسك بحديث الرفع في الأول فكذلك يجوز في الثاني فتدبر جيدا.

التنبيه الثامن: [المرفوع بحديث الرفع كما مر هو الحكم المتعلق بالموضوع لا الموضوع‏]

أنّ المرفوع بحديث الرفع كما مر هو الحكم المتعلق بالموضوع لا الموضوع و عليه فمثل‏

____________

(1) راجع تهذيب الاصول 2: 167- 168.

439

النجاسة مما له واقعية خارجية تكوينية ليست مرفوعة بل هي حاصلة بنفس أسبابها التكوينية كالملاقاة مع النجس لأنّها من الموضوعات الخارجية و لا دخل لفعل الإنسان فيها و عليه فإذا ابتلي الإنسان بعدم ترتيب آثار النجاسة بسبب الجهل أو الاضطرار أو الخطأ و النسيان و غير ذلك فحديث الرفع لا يدل على رفع نفس النجاسة بل يدل على رفع أحكام النجاسة ما دامت العناوين المذكورة موجودة و لذا لو صلى في النجس خطأ أو نسيانا أو جهلا أو اضطرارا أو إكراها فحديث الرفع يدل على رفع حكمه و ثقله فيحكم بصحة صلاته فيه لا رفع تنجس الملاقي كما لا يخفى.

إن قلت: مقتضى أن يكون مفهوم حديث الرفع هو رفع الأحكام المتعلقة بالموضوعات دون نفسها هو ارتفاع الحكم بتنجس جسم الملاقي للنجاسة في حال عروض النسيان أو الاضطرار أو الجهل لأن التنجس أيضا من الأحكام و عليه فلو لاقى يده أو لباسه النجس فتذكر و التفت كان مقتضى الحديث هو رفع الحكم بالتنجس فلو أراد بعد الالتفات، الصلاة في لباسه النجس و نحوه كان مقتضى حديث الرفع هو الحكم بصحة صلاته و لو بعد التفاته بملاقاة لباسه أو يده مع النجاسة و هو مما لم يلتزم به أحد و يلزم منه فقه جديد.

قلت: اجيب عن ذلك باجوبة:

منها: ان تنجس شي‏ء بالملاقاة لم يترتب على الملاقاة بما هو فعل من أفعال المكلف بل هو مترتب على الملاقاة بما هي هى من الموضوعات الخارجية إذ النجاسة قذارة خارجية تكوينية أو سياسية و عليه فالابتلاء بها و إن كان بسبب الخطأ و النسيان أو الجهل أو الاضطرار و نحوها لا يوجب أن يحكم عليها برفع نفسها بحديث الرفع و الحكم بصحة صلاته و لو بعد الالتفات إلى النجاسة لأنّ مثل هذا المورد خارج تخصّصا.

قال السيّد المحقق الخوئي (قدّس سرّه): إنّ المعتبر أن يكون الحكم مترتبا على فعل المكلف بما هو فعل المكلف فلا يرفع به مثل النجاسة المترتبة على عنوان الملاقاة فإذا لاقى جسم طاهر بدن الإنسان المتنجس اضطرار أو إكراها لا يمكن الحكم بارتفاع تنجس هذا الجسم الملاقي‏

440

لحديث الرفع لان تنجس الملاقي لم يترتب على الملاقاة بما هو فعل المكلف بل هو مترتب على نفس الملاقاة و إن فرض تحقّقها بلا استناد إلى المكلف فلا وجه لما أفاده المحقق النائيني (قدّس سرّه) من أن ذلك خارج عن حديث الرفع بالإجماع. (1)

و هذا الجواب تام بالنسبة إلى مسألة ملاقاة النجاسة في الأحوال المذكورة و لكن يرد عليه ما أورد عليه في مباحث الحجج بقوله و هذا الجواب لا بأس به لو لا أنّه لا يرفع الإشكال نهائيا فإنه يفيد في مثال الملاقاة مع أنّ هناك ما يكون فعلا للمكلف و موضوعا لآثار تحميلية و مع ذلك لا ترتفع تلك الآثار بالحديث كالإتلاف نسيانا لمال الغير في مورد لا يكون تلفه موجبا للضمان فإنه فعل للمكلف و بما هو كذلك يقع موضوعا للضمان.

و كمسّ الميت فإنه فعل للمكلف و ليس كالملاقاة التي قد تقع بين شيئين بلا نسبة إلى المكلف فهل يقال بشمول الحديث لرفع الضمان في الأول و وجوب الغسل في الثاني إذا وقعا بأحد العناوين التسعة. (2)

و عليه فلا يكفي في الجواب إن يقال إنّ المعتبر أن يكون الحكم مترتبا على فعل المكلف فإنّ مثل الإتلاف و مسّ الميت هو فعل المكلف و مع ذلك لا يشمله حديث الرفع. اللّهمّ إلّا أن نقول: بالتخصيص في هذه الموارد.

و منها: ما أفاده الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بقوله و الذي ينبغي أن يقال إنّ المعذرية المستفادة من الحديث للعناوين المذكورة فيها طعم إمضاء المعذرية العرفية العقلائية المركوزة في مثل هذه العناوين فليست تأسيسية محضة بل ملاكها مركوز لدى العرف و من الواضح أنّ تلك المعذرية إنّما هو فيما إذا كان الحكم التحميلي المرتب على الموضوع مما يكون للاختيار و العمد دخل في ترتيبه سواء كان فعلا مباشرا للمكلف أو تسبيبا.

و كون الاختيار و العمد دخيلا في ترتب الحكم يستفاد إمّا من كون الفعل متعلقا للحكم‏

____________

(1) مصباح الاصول 2: 269.

(2) مباحث الحجج 2: 55.

441

الشرعي التكليفي حيث يشترط فيه الاختيار لا محالة و من هنا متى ما انطبق أحد العناوين المذكورة على متعلق حكم تكليفي تحميلي ارتفع (فمثل الصلاة الذي هو متعلق للوجوب و هو حكم تكليفي يكون العمد و الاختيار دخيلا في ترتب الوجوب عليه).

و إمّا من وقوع الفعل موضوعا لا متعلقا إلّا أنّه بنفسه يكون متضمنا للقصد و الاختيار كما في الأفعال الإنشائية كالمعاملات (فمثل عقد البيع موضوع لوجوب الوفاء و العقد يكون تابعا للقصد و الاختيار كما لا يخفى).

و إمّا من وقوع الفعل موضوعا لحكم تكليفي تحميلي يستظهر من دليل ترتيبه إنّه إنّما رتب عقوبة و مجازاة مما يكون ظاهرا في دخل الاختيار و العمد في ترتيبه كما في ترتيب الكفارة على الإفطار فيرتفع بالإكراه مثلا.

و شي‏ء من ذلك غير صادق على مثل النجاسة بالملاقاة أو الجنابة بموجبها أو الضمان بالإتلاف أو الغسل بمسّ الميت. (1)

و لقد أفاد و أجاد و لكن الإتلاف خارج عن مورد حديث الرفع من جهة كون الحديث للامتنان المعلوم أنّ رفع الضمان ليس كذلك فتدبر جيدا و كيف ما كان فتحصّل إنّ المرفوع هي أحكام أفعال يكون للاختيار و العمد دخل فيها و أما ما لا دخل لهما فيها كالنجاسة بالملاقاة أو الجنابة بموجبها أو الضمان بالإتلاف فلا يشملها حديث الرفع.

و بالجملة إنّ اللازم في تطبيق حديث الرفع أمور!

أحدها: أن يكون المرفوع هو الحكم لا الموضوع و الفعل و لا فرق في الحكم بين أن يكون تكليفيا أو وضعيا.

و ثانيها: أن يكون لفعل المكلف دخل في ترتب الحكم.

و ثالثها: أن يكون للاختيار دخل في موضوع الحكم أو متعلقه فالمرفوع هو حكم فعل أو ترك من الأفعال أو التروك الاختيارية للمكلف لا حكم وجود شي‏ء أو عدمه من دون دخل لفعل المكلف و تركه أو اختياره فيه.

____________

(1) مباحث الحجج 2: 55.

442

و رابعها: أن يكون رفع الحكم امتنانا على الامة فما لا امتنان فيه بالنسبة إلى الامة كرفع الضمانات عند عروض بعض العناوين المذكورة لا يشمله حديث الرفع.

التنبيه التاسع: [إذا شك في مانعية شي‏ء للصلاة إلى التفصيل بين الشبهة الحكمية و الموضوعية]

إنّه ذهب شيخ مشايخنا في الدرر فيما إذا شك في مانعية شي‏ء للصلاة إلى التفصيل بين الشبهة الحكمية و الموضوعية في الأجزاء و عدمه.

حيث قال لو شك في مانعية شي‏ء للصلاة فالحديث بناء على حمله على تمام الآثار ينفع لصحة صلاته ما دام شاكا و إذا قطع بكونه مانعا يجب عليه إعادة تلك الصلاة في الوقت و قضاؤها في خارجه كما هو مقتضى القاعدة في الأحكام الظاهرية و أما لو شك في انطباق عنوان ما هو مانع على شي‏ء فلا يبعد ان يقال بالاجزاء و إن علم بعد الفعل بالانطباق كما لو صلى مع لباس شك في أنه مأكول اللحم أو غيره مثلا إذ مقتضى رفع الآثار عن هذا المشكوك تخصيص المانع بما علم أنه من غير الماكول و لا يمكن هذا القول في الأول إذ يستحيل تخصيص المانع بما إذا علم مانعيته فتدبر جيدا. (1)

و أجاب عنه سيدنا الإمام المجاهد (قدّس سرّه) بأنّ المستحيل إنّما هو جعل المانعية ابتداء في حق العالم بالمانعية لاستلزامه الدور و أمّا جعلها ابتداء بنحو الإطلاق ثم إخراج ما هو مشكوك مانعيته ببركة حديث الرفع بأن يرفع فعلية مانعيته في ظرف مخصوص فليس بمستحيل بل واقع شائع.

و أمّا الاكتفاء بما أتى به المكلف و سقوط الإعادة و القضاء فقد مرّ بحثه تفصيلا و خلاصته إنّ حكومة الحديث على الأدلة الأولية يقتصر قصر المانعية على غير هذه الصورة التي يوجد فيها إحدى العناوين المذكورة في الحديث و عليه فالآتي بالمأمور به مع المانع آت لما هو تمام المأمور به و لازمه سقوط الأمر و انتفاء القضاء. (2)

____________

(1) الدرر: 445- 446.

(2) تهذيب الاصول 2: 172.

443

و لا يخفى عليك بعد ما عرفت من أنّ حديث الرفع كما يجري في المانعية فكذلك يجري في الشرطية و الجزئية انّه لا وجه لتخصيص البحث بالمانعية كما يظهر من تهذيب الاصول بل يجري البحث المذكور في الشرطية و الجزئية حرفا بحرف فلا وجه للتفصيل مطلقا سواء كان في المانعية أو غيرها و بقية الكلام في محله.

أمّا من السنّة فبروايات.

444

الخلاصة حديث رفع ما لا يعلمون‏

منها: صحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «رفع عن أمّتى تسعة الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة»

بدعوى أنّ الحديث يدل على رفع الإلزامات المجهولة عن الأمّة في مرحلة الظاهر و مع الرفع و الترخيص الظاهري لا مجال لوجوب الاحتياط و مع عدم وجوب الاحتياط لا مورد للمؤاخذة و العقاب.

و توضيح ذلك يتوقّف على تقديم امور:

الأمر الأوّل:

أنّ قاعدة الاشتراك بين العالم و الجاهل في الأحكام تصلح للقرينيّة على أنّ المرفوع ليس هو الحكم الواقعي بوجوده الواقعي و إلّا لزم أن يكون الحكم الواقعي مختصّا بالعالمين و هو ينافي قاعدة الاشتراك و حسن الاحتياط.

و عليه فالمرفوع هو الحكم الواقعي في مرتبة الظاهر لا بوجوده الواقعي و معناه هو الترخيص في تركه و هو لا يساعد مع وجوب الاحتياط.

الأمر الثاني:

أنّ بعد ما عرفت من أنّ الرفع مسند إلى نفس الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر لا وجه لإسناد الرفع إلى وجوب الاحتياط كما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) مع أنّه خلاف الظاهر.

نعم عدم وجوب الاحتياط من لوازم رفع الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر.

الأمر الثالث:

أنّ المرفوع إذا عرفت أنّه نفس الحكم المجهول في مرحلة الظاهر فتقدير المؤاخذة أو الأثر المناسب أو جميع الآثار خلاف الظاهر لأنّ التقدير بأحد الأنحاء المذكورة بدلالة الاقتضاء

445

متفرّع على عدم إمكان إسناد الرفع إلى نفس ما لا يعلمون و غيره و مع وضوح إمكانه فالمرفوع هو الحكم الواقعي في مرحلة الظاهر شرعا كنفي الضرر في حديث لا ضرر فإنّه أيضا نفي تشريعي بمعنى أنّ الضرر من أيّ جهة كان محكوم بالنفي شرعا و مقتضى رفع الحكم شرعا هو رفع تنجيزه.

و التحقيق أنّ الرفع في المقام لا يحتاج إلى ادّعاء و عناية أصلا فإنّ الرفع رفع عن الأمّة و معنى رفع الأحكام عن الأمّة رفع ثقلها عنهم و ثقلها هو لزومها و تنجيزها و إسناد رفع إلى اللزوم و التنجيز حقيقي و لا يحتاج فيه إلى العناية و الادّعاء و هكذا الأمر بالنسبة إلى ساير الفقرات من الرواية أي رفع ما اضطرّوا إليه و ما استكرهوا و غيرهما مع قيد عن الأمّة.

إذا عرفت هذه الامور فاتّضح أنّ حديث الرفع يدلّ على أنّ الإلزامات المجهولة الموجودة في الواقع مرفوعة عن الأمّة في مرحلة الظاهر.

و معنى رفعها هو رفع ثقلها و لا منافاة بين وجود إلزام واقعا و بين الترخيص الظاهري لإمكان الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري بذلك و مع رفع الحكم في مرحلة الظاهر لا يجب الاحتياط و مع عدم وجوب الاحتياط لا مجال للعقاب و المؤاخذة.

ثمّ إنّ حديث الرفع لا يختصّ بالشبهات الموضوعية بل يعمّ الشبهات الحكمية لإطلاق الموصول في رفع ما لا يعلمون.

و دعوى أنّ أخوات فقرة رفع ما لا يعلمون يمكن أن تكون قرينة لاختصاص رفع ما لا يعلمون بالشبهات الموضوعيّة لأنّ رفع ما اضطرّوا إليه أو رفع ما استكرهوا عليه لا يشمل غير الشبهات الموضوعية.

مندفعة بأنّ عموم الموصول إنّما يكون بملاحظة سعة متعلقه و ضيقه فقوله (صلى اللّه عليه و آله) «ما اضطرّوا إليه» اريد منه كل ما اضطرّ إليه في الخارج غاية الأمر لم يتحقّق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم فيقتضى اتحاد السياق أن يراد من قوله (صلى اللّه عليه و آله) «ما لا يعلمون» أيضا كل فرد من أفراد هذا العنوان أ لا ترى أنّه إذا قيل ما يؤكل و ما يرى في قضية واحدة لا يوجب انحصار الأوّل في بعض الأشياء تخصيص الثاني به.

446

تنبيهات حديث الرفع التنبيه الأوّل:

أنّ الرفع في حديث الرفع حيث إنّه رفع عن الأمّة يكون ظاهرا في رفع الثقل عن الأمّة و من المعلوم أنّ رفع الثقل عن الأمّة ممّا يصلح للامتنان عليهم.

و السبب في هذا الرفع هي العناوين العارضة المذكورة في الحديث من الجهل و الخطأ و النسيان و الإكراه و الاضطرار و عدم الطاقة و المرفوع هي الأحكام الثابتة في موارد عروض هذه العناوين و أمّا أحكام نفس هذه العناوين كوجوب سجدتى السهو و غيره ممّا يترتب على نفس هذه العناوين فليست مرتفعة أصلا.

و عليه فالمراد من رفع الخطأ و النسيان مثلا هو رفع أحكام ما أخطئوا أو نسوا فيه لا رفع حكم الخطأ و النسيان.

ثمّ إنّ الرفع حيث يختصّ برفع كلّ حكم ثقيل على الأمّة لا يشمل ما لا يكون رفعه رفع الثقيل و هذا هو وجه الفرق بين فعل حرام اضطرّ إليه و بين معاملة اضطرّ إليها فإنّ حديث الرفع يجري في الأوّل دون الثاني لأنّ رفع الحرمة في الاوّل امتنانى دون رفع الصحّة في الثاني لأنّ صحّة الثاني ليست بثقيلة بل الأمر بالعكس بخلاف بيع المكره فإنّ صحّته ثقيلة عليه و رفع صحته يكون امتنانيا لا يقال: إنّ الامتنان نكتة الحكم لا علّته و عليه فلم لم يؤخذ بإطلاق حديث الرفع في غير موارد الامتنان.

لأنّا نقول إنّ تقييد رفع التسعة بقوله عن الأمة ظاهر في رفع الثقل عنهم و هو امتنان بظاهر الكلام و لذلك لا يشمل حديث الرفع غير موارد الامتنان.

هذا بخلاف حديث لا ضرر فإنّ الامتنان فيه من باب نكتة الحكم لا الظهور اللفظي و لذا يقع البحث عن شموله بالنسبة إلى موارد الامتنان فيها و عدم شموله.

و يتضرّع عليه اختصاص المرفوع بالآثار التى لا يلزم من رفعها خلاف الإرفاق و الامتنان على المكلّف و عليه فلا يجرى إذا شكّ في شرط في أصل التكليف كالاستطاعة في‏

447

الحج لأنّ رفعه يقتضي وضع التكليف الثقيل على المكلّف و هو خلاف الإرفاق بخلاف إذا شكّ في شرائط الواجب فإنّ رفعه فيها يوجب الإرفاق كما لا يخفى.

التنبيه الثاني:

أنّ الرفع في حديث الرفع ظاهر في معناه و هو إزالة الشي‏ء عن صفحة الوجود بعد حصوله و تفسيره بالدفع خلاف الظاهر و حيث إنّ الحكم مع قاعدة الاشتراك بين العالم و الجاهل لا يمكن رفعه فالرفع متعلّق بإلزامه في مرحلة الظاهر و هكذا الأمر في سائر الفقرات فإنّ الرفع متعلّق بإلزام أحكام مواردها.

لا يقال: إنّ الخطاب لا يشمل الناسي و العاجز و نحوهما فلا بدّ أن يكون الرفع بالنسبة إليهم بمعنى الدفع لا الرفع.

لأنا نقول: نمنع ذلك بل الرفع في الموارد المذكورة بمعنى الرفع أيضا لأنّ الخطابات شاملة لهم بحسب الإرادة الاستعمالية و هذه الخطابات قابلة للرفع و إن كان الرفع بالنسبة إلى الإرادة الجديّة دفعا.

لا يقال: إنّ الحسد و الطيرة و الوسوسة لا حكم لها حتى يكون الرفع بالنسبة إليها مستعملا في معناه بل اللازم أن يكون الرفع فيها، بمعنى الدفع.

لأنا نقول: نمنع ذلك بل الرفع في الموارد المذكورة بمعنى الرفع ايضا لأنّ الخطابات شاملة لهم بحسب الإرادة الاستعمالية و هذه الخطابات قابلة للرفع و إن كان الرفع بالنسبة إلى الإرادة الجديّة دفعا.

لا يقال: إنّ الحسد و الطيرة و الوسوسة لا حكم لها حتى يكون الرفع بالنسبة إليها مستعملا في معناه بل اللازم أن يكون الرفع فيها بمعنى الدفع.

لأنّا نقول إنّ الفقرات الثلاثة من الأفعال القلبية و بهذا الاعتبار يمكن تعلّق الحرمة بها فالحسد بمعنى تمنّي زوال النعمة عن الغير فعل من الأفعال القلبية و يمكن الحكم بحرمته و هكذا الوسوسة و الطيرة و الشاهد عليه كون هذه الأفعال محكومة بالأحكام في الشرائع‏

448

السابقة و مقتضى عمومها بحسب الزمان أن يكون حكمها باقيا في عامة الأزمنة و بحسب هذا الاعتبار يكون الرفع بالنسبة إليها بمعناه الحقيقي أي الإزالة.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ مع وجود الإطلاقي و الاستعمالي لا حاجة إلى اعتبار الوجود سابقا ليكون الرفع بمعناه الحقيقي كما لا يخفى.

لا يقال: إنّ الحسد و الطيرة و الوسوسة في التفكر في الخلق ليست اختيارية حتى يكون لها أحكام.

لأنّا نقول إنّ هذه الامور و إن كانت بنفسها غير اختيارية و لكنّها باعتبار مباديها كانت تحت الاختيار لإمكان التحرّز عنها باختيار مبادي أضدادها فلا مانع من أن يتعلّق بها أحكام بهذا الاعتبار.

التنبيه الثالث:

أنّه لا إشكال في قبح مؤاخذة الناسي و العاجز و المخطي بحكم العقل و على هذا يرد على الرواية أمران أحدهما أنّ هذا لا يختصّ بالأمة المرحومة لأنّ الحكم العقلي لا يختصّ بزمان دون زمان.

و ثانيهما أنّ الرواية ظاهرة في الامتنان مع أنّه لا منّة في رفع ما هو قبيح عند العقل.

يمكن أن يقال: إنّا نمنع استقلال العقل بقبح المؤاخذة في الناسي و المخطي مع كون مبادي أضدادهما تحت الاختيار فإنّ مع شرك التحفظ لا يقبح المؤاخذة فإذا لم تكن المؤاخذة قبيحة أمكن تصور الامتنان عند رفع الإلزام و المؤاخذة عند النسيان و الخطأ.

و هكذا العقل لا يستقلّ بقبح المؤاخذة فيما لا يتحمل عادة لا فيما لا يقدر عليه أصلا فرفع المؤاخذة فيما لا يتحمّل عادة ممكن و يكون امتنانيا.

التنبيه الرابع:

أنّه لا فرق بين أن يكون متعلّق الحكم هو الفعل أو الترك اذ أيّ واحد منهما فله حكم و أثر ثقيل يكون قابلا للرفع و عليه فلو نذر شرب ماء الفرات فأكره على الترك فالإكراه‏

449

موجب لرفع حكم الترك و هو الحنث من الكفارة فلا وجه لتخصيص المرفوع بآثار الأمور الوجودية لأنّ حكم الترك كحكم الفعل حكم حقيقي ثقيل و قابل للرفع ثمّ إنّ المرفوع في مثل رفع النسيان و الخطأ نفس النسيان و نفس الخطأ و يؤول نفيهما مع أنّهما قد يقعان كثيرا كناية عن فرض عدم صدورهما و جعل خطأه و نسيانه بمنزلة العدم فكأنّه فرضه أتيا بالواجب و تاركا للمحرم فيما إذا اترك الواجب أو أتى نسيان أو خطأ و على هذا نقول و إن كان ظاهر الرفع في قبال الدفع هو جعل الموجود بمنزلة المعدوم إلّا أنّ المرفوع يكون نفس صفة النسيان و الخطأ الموجودين إدّعاء باعتبار رفع الفعل أو الشرك الصادر عن المكلف عن نسيان و خطأ و جعله بمنزلة العدم.

و عليه فكما يستفاد من الحديث الرفع في بعض الأحيان فكذلك يستفاد منه الوضع في بعضها الآخر فلا موجب لاختصاص الحديث برفع الأمور الوجودية.

ثمّ لا يذهب عليك أنّه لا وجه لجعل المرفوع بنفس المنسي بعد عدم إمكان أن يكون المرفوع هو نفس النسيان لشمول نفي النسيان لكلّ ما يكون ناشئا عن النسيان و لو لم يكن بنفسه منسيّا.

فمن هذا يعلم أنّه لا يختصّ المرفوع بالحكم المتعلق بالشي‏ء أو الحكم الترتب على الشي‏ء بل يشمل ما يكون ناشئا عن الخطأ و النسيان و مرتبطا بهما بنحو من الأنحاء لأنّ ذلك هو مقتضى فرض النسيان أو الخطأ الموجود بمنزلة العدم من دون تقييد و تخصيص فلو فرض أحد يضطر أو يكره على التكلم في الصلاة فحرمة القطع مرفوعة بالاضطرار أو الإكراه بل يرتفع لازم التكلم من الإعادة و الفضاء المترتبين على عدم الإتيان بالمأمور به أيضا لأنّ منشأهما هو الاضطرار أو الإكراه فإذا ارتفع الاضطرار أو الإكراه ارتفع لوازمهما أيضا لأنّ منشأهما هو الاضطرار أو الإكراه فإذا ارتفع الاضطرار أو الإكراه ارتفع لوازمهما أيضا.

التنبيه الخامس:

أنّه لو نسي شرطا أو جزءا من المأمور به هل يمكن تصحيح المأتي به بحديث الرفع أولا:

ذهب بعض الأعاظم إلى الثاني مستدلّا بأنّ الحديث لا يشمل الامور العدمية يمكن الجواب‏

450

عنه كما مرّ بأنّه لا وجه لتخصيص المرفوع بآثار الامور الوجودية لأنّ حكم الترك كحكم الفعل ثقيل و قابل للرفع فإعادة الواجب أو قضائه من ناحية نسيان الجزء أو الشرط ثقيل و يكون مرفوعا.

و عليه فحديث الرفع حاكم على أدلّة المركّبات أو على أدلّة اعتبار الأجزاء و الشرائط و مقتضاه هو اختصاص الأجزاء و الشرائط بغير حال النسيان و يكون تمام الأمور به في حق المكلّف عامة الأجزاء و الشرائط غير المنسية و عليه فالمأتى به حال النسيان موافق للمأمور به و مع المطابقة يصح المأتي به كما لا يخفى.

ثمّ إنّ مقتضى ما عرفت من إمكان تصحيح المأتي به بحديث الرفع هو عدم الفرق بين كون النسيان مستوعبا لجميع الوقت و عدمه إذ مع شمول حديث الرفع يكون المأتي به موافقا للمأمور به و نتيجة ذلك هو سقوط الأمر المتعلق بالمأمور به فلا يبقى أمر حتى يجب إعادته فضلا عن قضائه نعم لو دلّ دليل خاصّ على لزوم الإعادة لزم تخصيص حديث الرفع. هذا كلّه بالنسبة إلى العبادات و أمّا المعاملات فيمكن أن يقال: إنّ النسيان مثلا إن تعلّق بالسبب المقوّم أو الشرط المقوّم ممّا يكون قوام العقد به عرفا كإرادة تحقّق معناه فلا ريب في بطلان المعاملة إذ ليس هنا عقد عرفا حتى يتّصف بالصحّة ظاهرا.

و إن تعلّق بشرط من الشرائط الشرعيّة لكون العقد عربيا فلا إشكال في إمكان تصحيحه بحديث الرفع فإنّ العقد محقّق قطعا في نظر العرف فمع حكومة حديث الرفع و سقوط الشرط المذكور عن الشرطية يصير العقد الصادر عقدا مؤثّرا فلا تغفل.

التنبيه السادس:

أنّه لا اختصاص لحديث الرفع بالأحكام التكليفية بل يعمّ الأحكام الوضعيّة فكما أنّ حديث الرفع يرفع الحرمة و الوجوب فكذلك يرفع المفطريّة و نحوهما و عليه فلو أكره على إيجاد المفطر فلا يوجب بطلان الصوم و ذلك لأنّ المفطريّة من الأحكام المجعولة لمثل الأكل و مقتضى إطلاق رفع ما استكرهوا عليه هو رفع المفطرية بالإكراه و حيث إنّ حديث الرفع‏

451

حاكم بالنسبة إلى الأدلة الاوّلية يوجب ذلك تخصيص المفطرية بحال غير الإكراه و عليه فلا يسقط الأمر المتعلّق بالمجموع من التروك في باب الصوم و مع عدم السقوط فالمأتي به موافق للمأمور به و مع الموافقة لا مجال لدعوى الملازمة بين ترك المأمور به و لزوم القضاء لعدم تحقّق موضوعه و هو ترك المأمور به.

لا يقال: إنّ الموافقة و المخالفة و الصحّة و الفساد ليست من الأمور الجعليّة حتى تكونا قابلتين للرفع و الوضع.

لأنّا نقول إنّ الموافقة و المخالفة للمأمور به و إن لم تكونا مجعولتين و لكنّهما قابلتان للرفع و الوضع بسبب إمكان وضع منشأهما و رفعه.

و دعوى أنّ الإكراه في العبادات كالإكراه في المعاملات فكما أنّ الإكراه في المعاملات في الأجزاء أو الشرائط يوجب البطلان فكذلك في العبادات.

مندفعة بوضوح الفرق بينهما فإنّ مقتضى كون حديث الرفع مختصّا بموارد الامتنان هو رفع ثقل لزوم المعاملة و نفوذها بسبب الإكراه لأنّ اللزوم خلاف الامتنان و لذا يحكم ببطلان المعاملات إذا أكره عليها. هذا بخلاف باب العبادات فإنّ الحكم بلزوم الإعادة أو القضاء عند الإكراه خلاف الامتنان فالفارق هو اختلاف الموارد في الامتنان و عدمه.

فتحصّل أنّه يجوز الأخذ بعموم الحديث في الأحكام الوضعية أيضا ما لم تكن قرينة على الاختصاص أو التخصيص و لكنه محلّ تأمّل لعدم ثبوت العمل بإطلاق حديث الرفع.

التنبيه السابع:

أنّه ربّما يفصل بين الإكراه على إيجاد المانع الشرعي و بين الإكراه على ترك الجزء أو الشرط بأنّه لو تعلّق الإكراه على إيجاد مانع شرعي فإن كان العاقد مضطرا اضطرارا عاديا أو شرعيا لإيجاد العقد و المكره يكرهه على إيجاد المانع فالظاهر جواز التمسّك به لرفع مانعية المانع في هذا الظرف و إن لم يكن مضطرا للعقد فالظاهر عدم صحّة التمسّك لعدم صدق الإكراه مع إمكان التفصّي عنه.

452

و لو تعلّق الإكراه على ترك الجزء و الشرط فإن كان مضطرا في أصل العقد عادة أو شرعا فمحصّل المختار فيه عدم جريان الحديث لرفعهما في هذه الحالة لأنّ الإكراه قد تعلّق بترك الجزء أو الشرط و ليس للترك بما هو أثر شرعي قابل للرفع غير البطلان و وجوب الإعادة و هو ليس أثرا شرعيا بل من الامور العقليّة فإنّ ما يرجع إلى الشارع ليس إلّا جعل الجزئية أو الشرطية تبعا أو استقلالا و أمّا إيجاب الإعادة و القضاء بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به فإنّما هو أمر عقلي يدركه هو عند التطبيق و عدمه.

و يمكن الجواب بأنّ منشأ هذا التفصيل هو زعم لزوم تقدير الأثر في حديث الرفع و أمّا على ما عرفت من عدم الحاجة إلى التقدير فلا وجه له لأنّ مفاد حديث الرفع أنّ الإلزامات المجهولة أو المنسية أو المكره عليها أو المضطر إليها رفعت ثقلها بعروض هذه الطواري و من المعلوم أنّ التدارك و الإعادة ثقيل على المكلّفين و هما من لوازم بقاء الإلزامات المذكورة و مقتضى حديث الرفع هو رفع ثقل هذه الإلزامات به منها بقاء و معنى ذلك عدم وجوب التدارك و الإعادة من دون فرق بين النسيان و الإكراه و من دون تفاوت بين كون الإكراه على ترك الجزء أو الشرط و بين الإكراه على إيجاد المانع إذ الحديث يعمّ الجميع.

و لا حاجة إلى تقدير الأثر الشرعي حتى يقال إنّ وجوب الإعادة ليس أثرا شرعيّا في حدّ نفسه و لا أثرا مجعولا لبقاء الأمر الأوّل بل هو أمر عقلي منتزع يحكم به إذا أدرك مناط حكمه و إن أمكن الجواب عنه بكفاية كون وضع منشئه و رفعه بيد الشارع فالأقوى هو عموم حديث الرفع و عدم صحة التفصيل المذكور فلا تغفل.

التنبيه الثامن:

أنّ المرفوع في حديث الرفع هي أحكام الأفعال التى يكون للاختيار و العمد دخل فيها و أمّا ما لا دخل لهما فيها فلا يشمله حديث الرفع.

و عليه فلا يرفع حديث الرفع مثل النجاسة الحاصلة بالملاقاة حال الجهل أو الإكراه أو الاضطرار و إن قلنا بأنّ التنجّس من الأحكام لعدم مدخلية الاختيار و العمد في الحكم‏

453

بالنجاسة بل هي حاصلة بالملاقاة و هي من الأمور الواقعية الخارجية التكوينية و لا دخل لفعل الانسان فيها.

و إنّما حديث الرفع يرفع أحكام أفعال النجاسة ما دامت العناوين المذكورة موجودة و لذا لو صلى في النجس خطأ أو نسيانا أو جهلا أو اضطرارا أو إكراها فحديث الرفع يدلّ على رفع حكمه و ثقله فيحكم بصحّة صلاته فيه لا رفع تنجس الملاقي كما لا يخفى.

و قد أورد عليه بأنّ ما ذكروا إن كان تامّا بالنسبة إلى مثل النجاسة و لكن لا يتم بالنسبة إلى إتلاف مال الغير نسيانا فإنّ الإتلاف فعل للمكلّف و مقتضى ما ذكر أن يكون الحكم بالضمان مرفوعا عند النسيان و مع ذلك محكوم بالضمان و هكذا مسّ الميّت فإنّه فعل للمكلّف و ليس كالملاقاة التى تقع بين شيئين من دون استناد إلى المكلّف و مقتضى شمول حديث الرفع هو عدم وجوب الغسل مع أنّ المعلوم خلافه.

اللّهمّ إلّا أن يقال: بالتخصيص او التخصّص حيث أنّ في مثل الضمان بالإتلاف أو الغسل بمسّ الميت لم يعتبر فيه الاختيار و العمد و الكلام فيما إذا اعتبرا فيه فتدبّر جيّدا.

فتحصّل إلى حدّ الآن انّ اللازم في تطبيق حديث الرفع أمور:

أحدها: أن يكون المرفوع هو الحكم لا الموضوع و الفعل و لا فرق في الحكم بين أن يكون تكليفيا أو وضعيّا

و ثانيها: أن يكون لفعل المكلف دخل في ترتّب الحكم.

و ثالثها: أن يكون للاختيار دخل في موضوع الحكم أو متعلقه فالمرفوع هو حكم فعل أو ترك من الأفعال أو التروك الاختيارية للمكلّف لا حكم وجود شي‏ء أو عدمه من دون دخل لفعل المكلف و تركه أو اختياره فيه.

و رابعها: أن يكون رفع الحكم امتنانا على الأمّة فما لا امتنان فيه بالنسبة إلى الأمة كرفع الضمانات عند عروض بعض هذه العناوين لا يشمله حديث الرفع.

التنبيه التاسع:

انّه ربما يفصل في الشكّ في المانعية بين الشبهة الحكمية و الموضوعية في الإجزاء و عدمه‏

454

فلو شك في مانعية شي‏ء للصلاة فحديث الرفع يدل على صحة صلاته ما دام شاكّا و أمّا إذا قطع بكونه مانعا وجب عليه إعادتها في الوقت و قضاؤها في خارجه كما هو مقتضى القاعدة في الأحكام الظاهرية.

هذا بخلاف الشكّ في انطباق عنوان ما هو مانع على شي‏ء فإنّه لا يبعد أن يقال بالإجزاء و إن علم بعد العمل بالانطباق كما لو صلّى مع لباس شك في أنّه مأكول اللحم صحّ صلاته لأنّ مقتضى رفع الآثار عن هذا المشكوك هو تخصيص المانع بصورة العلم و لا يمكن هذا القول في الشبهة الحكمية لاستحالة تخصيص المانع بصورة العلم بالمانعية.

و أجيب عنه بأنّ المستحيل إنّما هو جعل المانعية ابتداء في حق العالم بها لاستلزامه الدور و أمّا جعلها ابتداء بنحو الإطلاق ثمّ إخراج ما هو مشكوك المانعية بضميمة حديث الرفع بأن يرفع فعلته مانعية في حال من الأحوال فليس بمستحيل فمع حكومة حديث الرفع تخصيص المانعية على غير هذه الصورة التى يوجد فيها إحدى العناوين المذكورة في الحديث و عليه فالآتي بالمأمور به مع المانع آت لما هو موافق للمأمور به و لازمه سقوط الأمّة و انتفاء الإعادة و القضاء و هكذا الكلام في الشرطية و الجزئية إذ لا وجه لتخصيص البحث بالمانعية.

455

حديث الحجب‏

و منها: أي من السنة التى استدل بها على البراءة هو حديث الحجب.

رواه الصدوق بسند صحيح في التوحيد عن أبى زكريا بن يحيى عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و رواه الكلينى بهذا السند في الكافي عن أبى عبد اللّه (عليه السّلام) قال ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم.

بدعوى أنّ ظاهر الحديث هو ثبوت الحكم في الواقع و أنّ الحجب يتعلّق بالعلم به و عليه فيدل قوله (عليه السّلام) فهو موضوع عنهم على رفع التكليف بالنسبة إلى ما في الواقع ممّا لم يعلم به إرفاقا و تسهيلا مع أنّه لو لا الحجب لوجب الاحتياط.

فالحجب و عدم العلم و المعرفة بالأحكام الواقعية يوجب على تأثير التكاليف المجهولة في صحة الاحتجاج بها و جواز العقوبة بالنسبة إليها و لا فرق في رفع التكليف بين أن بيّنها اللّه تعالى و لم يصل إلينا أو سكت عن بيانه لأنّ كل ذلك حجب علمها عن العباد.

و دعوى اختصاص الحجب بخصوص ما سكت عنه مندفعة لأنّ الحجب يصدق على ما بيّنها و لم يصل لإمكان تجديد البيان و لم يفعل.

كما لا وجه لتخصيصه بالشبهات الحكمية دون الموضوعية لأنّ اللّه تعالى قادر على إعطائه مقدمات العلم الوجداني لعباده فمع عدم الإعطاء صحّ إسناد الحجب إليه تعالى لا يقال: إنّ الرواية ضعيفة من ناحية أنّ أبا الحسن زكريا بن يحيى المذكور في سندها مشترك بين التميمي و الواسطي الثقتين اللذين لهما كتابان كما نص عليه النجاشي و بين غيرهما من الحضرمي و الكلابي و النهدى المجهولين و من المعلوم أنّ مع الاشتراك لا يثبت وثاقة الراوي لأنّا نقول إنّ ذلك ليس بشي‏ء مع نقل مثل داود بن فرقد عنه مع أنّه بلغ من الجلالة إلى أن روى عنه صفوان و البزنظي و ابن أبي عمير فنقله قرينة على أنّ المراد منه هو الثقة الذى له الكتاب و بذلك يتميز عن غيره ممن ليس له الكتاب و من المعلوم أنّ وجود الكتاب و نقل جماعة عنه من شواهد الوثاقة هذا مضافا إلى ما قيل من عدم تكنية غير الثقتين بأبي الحسن اللّهمّ‏

456

إلّا أن يقال: إنّ التميمي و الواسطي أيضا لم يثبت تكنيتهما بأبى الحسن و معه يحتمل أن يكون المكنّى غير المذكورين مطلقا أو مردّدا بين المذكورين فيبقى الاشتراك و الجهالة فتأمّل. هذا مضافا إلى أنّ مضمون الخبر معتضد بالروايات المتعدّدة الدالة على رفع التكليف الفعلي عند عدم المعرفة بها منها معتبرة بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال ليس للّه على خلقه أن يعرفوا و للخلق على اللّه أن يعرفهم و للّه على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا. لدلالته على رفع التكليف بالنسبة إلى الأحكام الواقعية الفعلية التى لم يعرفها اللّه تعالى‏

و منها: معتبرة عبد الأعلى بن أعين قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء قال لا و هي تدل على عدم وجوب الاحتياط لرفع الحكم الفعلي فيعارض ما يدل على وجوب الاحتياط و إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أنّ الجهل بالأحكام الواقعية العقلية و عدم معرفتها يوجب رفعها و عدم التكليف بها فعلا.

457

الخلاصة حديث الحجب‏

و منها: أي من السنة التي استدل بها على البراءة حديث الحجب.

روى الصدوق عليه الرحمة في التوحيد قال حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار (رضي اللّه عنه) عن أبيه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم. (1)

و رواه في الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن فضال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال ما حجب اللّه عن العباد فهو موضوع عنهم. (2)

و قد أورد عليه من جهة السند من أنّ أبا الحسن زكريا بن يحيى المذكور في السند مشترك بين التميمي و الواسطي الثقتين و بين الحضرمي و الكلابي و النهدي و النصراني الأب المجهولين و إن ذكر صاحب جامع الرواة هذه الرواية ذيل ترجمة الواسطي الثقة إلّا أنّه لا حجة فيه فالرواية ليس فيها حجة. (3)

يمكن أن يقال إنّ زكريا بن يحيى المكنى بأبي الحسن غير النصراني و الحضرمي و الكلابي و النهدي لعدم تكنيتهم بأبي الحسن و عليه فليس المكنى بأبي الحسن غير التميمي و الواسطي و المفروض أنّهما ثقتان.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الثقتين أيضا لم يثبت تكنيتهما بأبي الحسن أيضا و معه إمّا هو غير المذكورين مطلقا أو محتمل بينهم فيبقى الاشتراك و الجهالة.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنه ذكّار بن يحيى و ذكره النجاشي مع كنيته و هو ثقة فتأمّل هذا

____________

(1) كتاب التوحيد باب 64 باب التعريف و البيان و الحجة و الهداية، ح 9.

(2) الكافي 1: 164 باب حجج اللّه على خلقه ح 3.

(3) تسديد الاصول 2: 142.

458

مضافا إلى أنّ التميمى و الواسطي لهما كتابان كما نص عليه النجاشي و غيرهما ليس له كتاب و لعلّ هذا قرينة على أنّ من روى عنه مثل داود بن فرقد الذي بلغ من الجلالة إلى أن روى عنه صفوان و أحمد بن أبي نصر البزنطي و ابن أبي عمير هو من له كتاب و هو كما نص النجاشي عليه هو التميمي و الواسطي الثقتين و عليه فيتميّزان عن غيرهما بنقل مثل داود بن فرقد فتدبر.

هذا مضافا إلى أنّ مضمون الخبر المذكور معتضد بالروايات المتعددة الأخرى.

منها: معتبرة بريد بن معاوية عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال ليس للّه على خلقه أن يعرفوا و للخلق على اللّه أن يعرفهم و للّه على الخلق إذا عرفهم ان يقبلوا (1) بدعوى دلالتها على رفع التكليف بالنسبة إلى الأحكام الواقعية فالتكليف بالقبول يتوقف على المعرفة فإذا كان المكلف جاهلا بالأحكام الواقعية فلا تكليف فيعارض ما يدل على وجوب الاحتياط و منها معتبرة عبد الأعلى بن أعين قال سالت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) من لم يعرف شيئا هل عليه شي‏ء قال لا. (2) بدعوى شموله الجاهل المركب و البسيط كما يشمل الغافل فنفي العقوبة و الكلفة من ناحيته ما لم يعرفه من الأحكام الواقعية بقوله «لا» يدل على عدم وجوب الاحتياط و يتعدى منه إلى الجاهل ببعض الأحكام بعد الفحص لعدم الفصل بينهما فتعارض ما يدل على وجوب الاحتياط.

و منها: معتبرة حمزة بن الطيار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال قال لي أكتب فأملى عليّ انّ من قولنا انّ اللّه يحتج على العباد بما آتاهم و عرّفهم، الحديث‏ (3) بدعوى أنّه يدل على نفي العقوبة على مخالفة الأحكام المجهولة غير الواصلة إلى المكلف بناء على ظهوره في إيتاء الأحكام الواقعية بعناوينها الأولية و معرفتها كذلك فيعارض حينئذ ما دلّ على وجوب الاحتياط و إلّا فإن كان الإيتاء أعمّ من الأحكام الظاهرية فلا تقاوم أدلة الاحتياط و ممّا ذكر يظهر وجه الاستدلال بالأخبار الآتية أيضا.

____________

(1) الكافي 1: 164 باب حجج اللّه على خلقه، ح 1.

(2) الكافي 1: 164 باب حجج اللّه على خلقه ح 2.

(3) الكافي 1: 164 باب حجج اللّه على خلقه ح 4.