فرائد الأصول - ج4

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
352 /
55

و يظهر ما فيه ممّا ذكرنا سابقا (1)؛ فإنّا لو بنينا على أنّ حجّيّة البيّنة من باب الطريقيّة، فاللازم مع التعارض التوقّف و الرجوع إلى ما يقتضيه الاصول في ذلك المورد: من التحالف، أو القرعة، أو غير ذلك.

و لو بني على حجّيّتها من باب السببيّة و الموضوعيّة، فقد ذكرنا:

أنّه لا وجه للترجيح بمجرّد أقربيّة أحدهما إلى الواقع؛ لعدم تفاوت الراجح و المرجوح في الدخول فيما دلّ على كون البيّنة سببا للحكم على طبقها، و تمانعهما مستند إلى مجرّد سببيّة كلّ منهما، كما هو المفروض.

فجعل أحدهما مانعا دون الآخر لا يحتمله العقل.

[حمل أخبار الترجيح على الاستحباب في كلام السيّد الصدر:]

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الصدر- الشارح للوافية- الرجوع في المتعارضين من الأخبار إلى التخيير أو التوقّف‏ (2) و الاحتياط، و حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، حيث قال- بعد إيراد إشكالات على العمل بظاهر الأخبار-:

«إنّ الجواب عن الكلّ ما أشرنا إليه: من أنّ الأصل التوقّف في الفتوى و التخيير في العمل إن لم يحصل من دليل آخر العلم بعدم مطابقة أحد الخبرين للواقع، و أنّ الترجيح هو الفضل و الأولى» (3).

[المناقشة في ما أفاده السيّد الصدر:]

و لا يخفى بعده عن مدلول أخبار الترجيح. و كيف يحمل الأمر بالأخذ بما يخالف‏ (4) العامّة و طرح ما وافقهم على الاستحباب، خصوصا

____________

(1) راجع الصفحة 38.

(2) كذا في النسخ، و المناسب: «و التوقّف»، كما هو مفاد كلام السيّد الصدر.

(3) شرح الوافية (مخطوط): 500.

(4) كذا في (ص)، و في غيرها: «بمخالف».

56

مع التعليل ب «أنّ الرشد في خلافهم»، و «أنّ قولهم في المسائل مبنيّ على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما يسمعونه منه». و كذا الأمر بطرح الشاذّ النادر، و بعدم الاعتناء و الالتفات إلى حكم غير الأعدل و الأفقه من الحكمين.

مع أنّ في سياق تلك المرجّحات موافقة الكتاب و السنّة و مخالفتهما، و لا يمكن حمله على الاستحباب، فلو حمل غيره عليه لزم التفكيك، فتأمّل.

و كيف كان، فلا شكّ أنّ التفصّي عن الإشكالات الداعية له إلى ذلك، أهون من هذا الحمل‏ (1).

ثمّ لو سلّمنا دوران الأمر بين تقييد أخبار التخيير و بين حمل أخبار الترجيح على الاستحباب، فلو لم يكن الأوّل أقوى وجب التوقّف، فيجب العمل بالترجيح؛ لما عرفت‏ (2): من أنّ حكم الشارع بأحد المتعارضين إذا كان مردّدا بين التخيير و التعيين وجب التزام ما احتمل تعيينه.

____________

(1) في (ر)، (ه) و (ص) زيادة: «لما عرفت من عدم جواز الحمل على الاستحباب».

(2) راجع الصفحة 50.

57

المقام الثاني [: في ذكر الأخبار العلاجيّة:]

في ذكر الأخبار الواردة في أحكام المتعارضين، و هي أخبار:

[1- مقبولة عمر بن حنظلة]

الأوّل: ما رواه المشايخ الثلاثة (1) بإسنادهم عن‏ (2) عمر بن حنظلة:

«قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا، يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة، أ يحلّ ذلك؟

قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذه سحتا و إن كان حقّه ثابتا؛ لأنّه أخذ (3) بحكم الطاغوت، و إنّما أمر اللّه أن يكفر به. قال اللّه تعالى:

يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏ (4).

قلت: فكيف يصنعان؟

قال: ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل‏ (5) منه، فإنّما بحكم اللّه‏

____________

(1) و هم الكليني و الصدوق و الشيخ (قدّس اللّه أسرارهم).

(2) في (ر) بدل «عن»: «إلى».

(3) في (ص) و (ظ) و الكافي: «أخذه».

(4) النساء: 60.

(5) في المصادر: «فلم يقبله».

58

استخفّ و علينا قد ردّ، و الرادّ علينا الرادّ على اللّه، و هو على حدّ الشرك باللّه.

قلت: فإن كان كلّ رجل يختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما، فاختلفا في ما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟

قال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما. و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر.

قلت: فإنّهما عدلان مرضيّان عند أصحابنا، لا يفضل واحد منهما على الآخر؟

قال: ينظر إلى ما كان من روايتهم‏ (1) عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما (2) و يترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و إنّما الامور ثلاثة: أمر بيّن رشده فيتّبع، و أمر بيّن غيّه فيجتنب، و أمر مشكل يردّ حكمه إلى اللّه‏ (3). قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من أخذ بالشبهات وقع في المحرّمات‏ (4) و هلك من حيث لا يعلم.

قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين، قد رواهما الثّقات عنكم؟

____________

(1) كذا في النسخ و الكافي، و في سائر المصادر: «روايتهما».

(2) في المصادر: «من حكمنا».

(3) في التهذيب و الفقيه زيادة: «عزّ و جلّ» و في الكافي زيادة: «و إلى رسوله»، و في التهذيب: «و إلى الرسول».

(4) في المصادر: «ارتكب المحرّمات».

59

قال: ينظر، فما (1) وافق حكمه حكم الكتاب و السنّة و خالف العامّة فيؤخذ به، و يترك ما خالف الكتاب و السنّة و وافق العامّة.

قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة، فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة و الآخر مخالفا (2)، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد.

فقلت‏ (3): جعلت فداك، فإن وافقهم‏ (4) الخبران جميعا.

قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكّامهم و قضاتهم، فيترك و يؤخذ بالآخر.

قلت: فإن وافق حكّامهم الخبرين جميعا.

قال: إذا كان كذلك‏ (5) فأرجه‏ (6) حتّى تلقى إمامك؛ فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (7).

[ظهور المقبولة في وجوب الترجيح بالمرجّحات:]

و هذه الرواية الشريفة و إن لم تخل عن الإشكال بل الإشكالات‏

____________

(1) في التهذيب: «فيما».

(2) في الفقيه زيادة: «لها»، و في غيره: «لهم».

(3) في (ظ) و التهذيب و الفقيه: «قلت».

(4) في (ت)، (ر)، (ه) و نسخة بدل (ص): «وافقها»، و في المصادر: «وافقهما».

(5) كذا في (ص) و (ظ) و الفقيه، و في غيرها: «ذلك».

(6) في الوسائل: «فأرجئه».

(7) الكافي 1: 67 و 68، الحديث 10، و التهذيب 6: 301، و 302، الحديث 845، و الفقيه 3: 8- 11، الحديث 3233، و الوسائل 18: 75 و 76، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث الأوّل.

60

- من حيث ظهور صدرها في التحكيم لأجل فصل الخصومة و قطع المنازعة، فلا يناسبها التعدّد، و لا غفلة كلّ من الحكمين عن المعارض الواضح لمدرك حكمه، و لا اجتهاد المترافعين و تحرّيهما في ترجيح مستند أحد الحكمين على الآخر، و لا جواز الحكم من أحدهما بعد حكم الآخر مع بعد فرض وقوعهما دفعة، مع أنّ الظاهر حينئذ تساقطهما و الحاجة إلى حكم ثالث- ظاهرة بل صريحة في وجوب الترجيح بهذه المرجّحات بين الأخبار المتعارضة (1)، فإنّ تلك الإشكالات لا تدفع هذا الظهور، بل الصراحة.

[بعض الإشكالات في ترتّب المرجّحات في المقبولة:]

نعم يرد عليه بعض الإشكالات في ترتّب المرجّحات؛ فإنّ ظاهر الرواية تقديم الترجيح من حيث صفات الراوي على الترجيح بالشهرة و الشذوذ، مع أنّ عمل العلماء قديما و حديثا على العكس- على ما يدلّ عليه المرفوعة الآتية (2)- فإنّهم‏ (3) لا ينظرون عند تعارض المشهور و الشاذّ إلى صفات الراوي أصلا.

اللهمّ إلّا أن يمنع ذلك؛ فإنّ الراوي إذا فرض كونه أفقه و أصدق و أورع، لم يبعد ترجيح روايته- و إن انفرد بها- على الرواية المشهورة بين الرواة؛ لكشف اختياره إيّاها مع فقهه و ورعه عن اطّلاعه على قدح في الرواية المشهورة- مثل صدورها تقيّة- أو تأويل لم يطّلع عليه غيره؛ لكمال فقاهته و تنبّهه لدقائق الامور و جهات الصدور. نعم، مجرّد

____________

(1) في غير (ت) و (ر) بدل «الأخبار المتعارضة»: «المتعارضين».

(2) تأتي في الصفحة 62.

(3) في (ر) و نسخة بدل (ص): «فإنّ العلماء».

61

أصدقيّة الراوي و أورعيّته لا يوجب ذلك، ما لم ينضمّ إليهما الأفقهيّة.

هذا، و لكنّ الرواية مطلقة، فتشمل الخبر المشهور روايته بين الأصحاب حتّى بين من هو أفقه من هذا المتفرّد برواية الشاذّ، و إن كان هو أفقه من صاحبه المرضيّ بحكومته. مع أنّ أفقهيّة الحاكم بإحدى الروايتين لا تستلزم أفقهيّة جميع رواتها، فقد يكون من عداه مفضولا بالنسبة إلى رواة الاخرى، إلّا أن ينزّل الرواية على غير هاتين الصورتين.

[عدم قدح هذه الإشكالات في ظهور المقبولة:]

و بالجملة: فهذا الإشكال‏ (1) أيضا لا يقدح في ظهور الرواية بل صراحتها في وجوب الترجيح بصفات الراوي، و بالشهرة من حيث الرواية، و بموافقة الكتاب و السنّة (2)، و مخالفة العامّة.

نعم، المذكور في الرواية الترجيح باجتماع صفات الراوي من العدالة و الفقاهة و الصداقة و الورع.

لكنّ الظاهر إرادة بيان جواز الترجيح بكلّ منها؛ و لذا (3) لم يسأل الراوي عن صورة وجود بعض الصفات دون بعض، أو تعارض الصفات بعضها مع بعض، بل ذكر في السؤال أنّهما معا عدلان مرضيّان لا يفضل أحدهما على صاحبه، فقد فهم أنّ الترجيح بمطلق التفاضل.

و كذا يوجّه الجمع بين موافقة الكتاب و السنّة و مخالفة العامّة، مع كفاية واحدة منها إجماعا.

____________

(1) لم ترد «الإشكال» في (ت).

(2) «و السنّة» من (ت).

(3) لم ترد «لذا» في (ص).

62

[2- مرفوعة زرارة:]

الثاني: ما رواه ابن أبي جمهور الأحسائي- في عوالي اللآلي- عن العلّامة مرفوعا إلى زرارة:

«قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، فقلت: جعلت فداك، يأتي عنكم الخبران و الحديثان‏ (1) المتعارضان فبأيّهما آخذ؟

فقال: يا زرارة، خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذّ النادر.

فقلت: يا سيّدي، إنّهما معا مشهوران‏ (2) مأثوران عنكم.

فقال: خذ بما يقول أعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك.

فقلت: إنّهما معا عدلان مرضيّان موثّقان.

فقال: انظر ما وافق منهما (3) العامّة، فاتركه و خذ بما خالف‏ (4)؛ فإنّ الحقّ فيما خالفهم.

قلت: ربما كانا موافقين لهم أو مخالفين، فكيف أصنع؟

قال: إذن فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك الآخر.

قلت: إنّهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له، فكيف أصنع؟

فقال: إذن فتخيّر أحدهما، فتأخذ به و تدع الآخر» (5).

____________

(1) في المصدر: «أو الحديثان».

(2) في المصدر زيادة: «مرويّان».

(3) في المصدر زيادة: «مذهب».

(4) في المصدر: «خالفهم».

(5) عوالي اللآلي 4: 133، الحديث 229، و المستدرك 17: 303، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2.

63

[3- رواية الصدوق:]

الثالث: ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل، قال فيه:

«فما ورد عليكم من حديثين مختلفين فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما كان في كتاب اللّه موجودا حلالا أو حراما فاتّبعوا ما وافق الكتاب، و ما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فما كان في السنة موجودا منهيا عنه نهي حرام أو مأمورا به عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمر إلزام، فاتّبعوا ما وافق نهي النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمره، و ما كان في السنّة نهي إعافة أو كراهة ثمّ كان الخبر (1) خلافه، فذلك رخصة في ما عافه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كرهه و لم يحرّمه، فذلك الذي يسع الأخذ بهما جميعا، و (2) بأيّهما شئت وسعك الاختيار من باب التسليم و الاتّباع و الردّ إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و ما لم تجدوه في شي‏ء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه، فنحن أولى بذلك، و لا تقولوا فيه بآرائكم، و عليكم بالكفّ و التثبّت و الوقوف، و أنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا» (3).

[4- رواية القطب الراوندي:]

الرابع: ما عن رسالة القطب الراوندي‏ (4) بسنده الصحيح عن‏

____________

(1) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام): «الخبر الآخر»، و في الوسائل: «الخبر الأخير».

(2) في (ت) و (ه) و عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بدل «و»: «أو».

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2: 21، و الوسائل 18: 82، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 21.

(4) لم نعثر على هذه الرسالة، و هي رسالة صنّفها في بيان أحوال أحاديث أصحابنا و إثبات صحّتها.

64

الصادق (عليه السلام):

«إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فذروه‏ (1)، فإن لم تجدوهما في كتاب اللّه فاعرضوهما على أخبار العامّة، فما وافق أخبارهم فذروه، و ما خالف أخبارهم فخذوه» (2).

[5- رواية الحسين بن السرّي:]

الخامس: ما بسنده أيضا عن الحسين بن السرّي:

قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

«إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم» (3).

[6- رواية الحسن بن الجهم:]

السادس: ما بسنده أيضا عن الحسن بن الجهم في حديث:

«قلت له- يعني العبد الصالح (عليه السلام)-: يروى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) شي‏ء و يروى عنه أيضا خلاف ذلك، فبأيّهما نأخذ؟

قال: خذ بما خالف القوم، و ما وافق القوم فاجتنبه» (4).

[7- رواية محمد بن عبد اللّه:]

السابع: ما بسنده أيضا عن محمد بن عبد اللّه:

«قال: قلت للرضا (عليه السلام): كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟

قال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان، فانظروا ما خالف منهما

____________

(1) في المصدر: «فردّوه».

(2) الوسائل 18: 84 و 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 29.

(3) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 30.

(4) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 31.

65

العامّة فخذوه، و انظروا ما يوافق أخبارهم فذروه» (1).

[8- رواية سماعة بن مهران:]

الثامن: ما عن الاحتجاج بسنده عن سماعة بن مهران:

«قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به و الآخر ينهانا.

قال: لا تعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأل‏ (2).

قلت: لا بدّ أن نعمل بواحد منهما.

قال: خذ بما فيه خلاف العامّة» (3).

[9- رواية المعلّى بن خنيس:]

التاسع: ما عن الكافي بسنده عن المعلّى بن خنيس:

«قال: قلت لأبي عبد اللّه: (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أوّلكم و حديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟

قال: خذوا به حتّى يبلغكم عن الحيّ، فإن بلغكم عن الحيّ فخذوا بقوله.

قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّا و اللّه لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم» (4).

____________

(1) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 34، و فيه بدل «فذروه»: «فدعوه».

(2) في المصدر: «فتسأله».

(3) الاحتجاج 2: 109، و الوسائل 18: 88، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 42.

(4) الكافي 1: 67، الحديث 9، و الوسائل 18: 78، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.

66

[10- رواية الحسين بن المختار:]

العاشر: ما عنه بسنده إلى الحسين بن المختار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: أ رأيتك لو حدّثتك بحديث العام ثمّ جئتني من قابل فحدّثتك بخلافه، بأيّهما كنت تأخذ؟

قال: قلت: كنت آخذ بالأخير.

فقال لي: رحمك اللّه‏ (1)».

[11- رواية أبي عمرو الكناني:]

الحادي عشر: ما عنه بسنده الصحيح- ظاهرا- عن أبي عمرو الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا عمرو، أ رأيتك لو حدّثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثمّ جئت بعد ذلك تسألني عنه، فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك، بأيّهما كنت تأخذ؟

قلت: بأحدثهما و أدع الآخر.

قال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبي اللّه إلّا أن يعبد سرّا، أما و اللّه، لئن فعلتم ذلك، إنّه لخير لي و لكم، أبي اللّه لنا (2) في دينه إلّا التقيّة» (3).

____________

(1) الكافي 1: 67، الحديث 8، و الوسائل 18: 77، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 7.

(2) في الكافي زيادة: «و لكم».

(3) الكافي 2: 218، الحديث 7، و الوسائل 18: 79، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 17، مع اختلاف يسير.

67

[12- رواية محمد بن مسلم:]

الثاني عشر: ما عنه بسنده الموثّق عن محمّد بن مسلم:

«قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان و فلان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لا يتّهمون بالكذب، فيجي‏ء منكم خلافه؟

قال: إنّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن» (1).

[13- رواية أبي حيّون:]

الثالث عشر: ما بسنده‏ (2)- الحسن- عن أبي حيّون مولى الرضا (عليه السلام) عنه‏ (3):

«إنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن، و متشابها كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها، فتضلّوا» (4).

[14- رواية داود بن فرقد:]

الرابع عشر: ما عن معاني الأخبار بسنده عن داود بن فرقد:

«قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أنتم أفقه الناس إذا عرفتم‏

____________

(1) الكافي 1: 64، الحديث 2، و الوسائل 18: 77، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.

(2) لم يرد هذا الحديث في الكافي، بل رواه الصدوق (قدّس سرّه‏) بسنده عن أبي حيّون.

(3) «عنه» من (ص)، و في الوسائل: «عن الرضا (عليه السلام)»، و لم يرد في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) شي‏ء منهما.

(4) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1: 290، و الوسائل 18: 82، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22.

68

معاني كلامنا، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا يكذب» (1).

و في هاتين الروايتين الأخيرتين دلالة على وجوب الترجيح بحسب قوّة الدلالة.

هذا ما وقفنا عليه من الأخبار الدالّة على التراجيح.

[علاج التعارض المتوهّم بين الأخبار العلاجيّة] (2)

إذا عرفت ما تلوناه عليك‏ (3)، فلا يخفى عليك أنّ ظواهرها متعارضة، فلا بدّ من‏ (4) علاج ذلك.

و الكلام في ذلك يقع في مواضع:

الأوّل: في علاج تعارض مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة؛ حيث إنّ الاولى صريحة في تقديم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة، و الثانية بالعكس. و هي و إن كانت ضعيفة السند إلّا أنّها موافقة لسيرة العلماء في باب الترجيح؛ فإنّ طريقتهم مستمرّة على‏

____________

(1) معاني الأخبار: 1، و الوسائل 18: 27، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

(2) العنوان منّا.

(3) في (ص) زيادة: «من الأخبار».

(4) في (ه) زيادة: «التكلّم في».

69

تقديم المشهور على الشاذّ. و المقبولة و إن كانت مشهورة بين العلماء حتّى سمّيت مقبولة، إلّا أنّ عملهم على طبق المرفوعة و إن كانت شاذّة من حيث الرواية؛ حيث لم يوجد (1) مرويّة في شي‏ء من جوامع الأخبار المعروفة، و لم يحكها إلّا ابن أبي جمهور عن العلّامة مرفوعة إلى زرارة.

إلّا أن يقال: إنّ المرفوعة تدلّ على تقديم المشهور رواية على غيره، و هي هنا المقبولة. و لا دليل على الترجيح بالشهرة العمليّة.

مع أنّا نمنع أنّ عمل المشهور على تقديم الخبر المشهور رواية على غيره إذا كان الغير أصحّ منه من حيث صفات الراوي، خصوصا صفة الأفقهيّة.

و يمكن أن يقال: إنّ السؤال لمّا كان عن الحكمين كان الترجيح فيهما من حيث الصفات، فقال (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما ... الخ» مع أنّ السائل ذكر: «أنّهما اختلفا في حديثكم»؛ و من هنا اتفق الفقهاء على عدم الترجيح بين الحكّام إلّا بالفقاهة و الورع، فالمقبولة نظير رواية داود بن الحصين الواردة في اختلاف الحكمين، من دون تعرّض الراوي لكون منشأ اختلافهما الاختلاف في الروايات، حيث قال (عليه السلام): «ينظر إلى أفقههما و أعلمهما (2) و أورعهما فينفذ حكمه» (3)، و حينئذ فيكون الصفات من مرجّحات الحكمين.

نعم، لمّا فرض الراوي تساويهما أرجعه الإمام (عليه السلام) إلى ملاحظة

____________

(1) كذا في النسخ، و المناسب: «لم توجد».

(2) في المصدر زيادة: «بأحاديثنا».

(3) الوسائل 18: 80، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.

70

الترجيح في مستنديهما، و أمره بالاجتهاد و العمل في الواقعة على طبق الراجح من الخبرين مع إلغاء حكومة الحكمين كليهما، فأوّل المرجّحات الخبريّة هي الشهرة بين الأصحاب فينطبق على المرفوعة.

نعم قد يورد على هذا الوجه: أنّ اللازم على قواعد الفقهاء الرجوع مع تساوي الحاكمين إلى اختيار المدّعي.

و يمكن التفصّي عنه: بمنع جريان هذا الحكم في قاضي التحكيم.

و كيف كان، فهذا التوجيه غير بعيد.

الثاني: أنّ الحديث الثامن- و هي رواية الاحتجاج عن سماعة- يدلّ على وجوب التوقّف أوّلا، ثمّ مع عدم إمكانه يرجع إلى الترجيح بموافقة العامّة و مخالفتهم، و أخبار التوقّف- على ما عرفت و ستعرف‏ (1)- محمولة على صورة التمكّن من العلم، فتدلّ الرواية على أنّ الترجيح بمخالفة العامّة- بل غيرها من المرجّحات- إنّما يرجع إليها بعد العجز عن تحصيل العلم في الواقعة بالرجوع إلى الإمام (عليه السلام)، كما ذهب إليه بعض‏ (2).

و هذا خلاف ظاهر الأخبار الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات ابتداء بقول مطلق- بل بعضها صريح في ذلك- حتّى مع التمكّن من العلم، كالمقبولة الآمرة بالرجوع إلى المرجّحات ثمّ بالإرجاء حتّى يلقى الإمام (عليه السلام)، فيكون وجوب الرجوع إلى الإمام بعد فقد المرجّحات.

____________

(1) انظر الصفحة 40 و 158.

(2) هو المحدّث البحراني في الحدائق 1: 99- 100.

71

و الظاهر لزوم طرحها؛ لمعارضتها بالمقبولة الراجحة عليها، فيبقى إطلاقات الترجيح سليمة.

الثالث: أنّ مقتضى القاعدة تقييد إطلاق ما اقتصر فيها على بعض المرجّحات بالمقبولة، إلّا أنّه قد يستبعد ذلك؛ لورود تلك المطلقات في مقام الحاجة، فلا بدّ من جعل المقبولة كاشفة عن قرينة متّصلة فهم منها الإمام (عليه السلام) أنّ مراد الراوي تساوي الروايتين من سائر الجهات، كما يحمل إطلاق أخبار التخيير على ذلك.

الرابع: أنّ الحديث الثاني عشر الدالّ على نسخ الحديث بالحديث، على تقدير شموله للروايات الإماميّة- بناء على القول بكشفهم (عليهم السلام) عن الناسخ الذي أودعه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عندهم- هل هو مقدّم على باقي الترجيحات أو مؤخّر؟ وجهان:

من أنّ النسخ من جهات التصرّف في الظاهر (1)؛ لأنّه من تخصيص الأزمان؛ و لذا ذكروه في تعارض الأحوال، و قد مرّ و سيجي‏ء (2) تقديم الجمع بهذا النحو على الترجيحات الأخر.

و من أنّ النسخ على فرض ثبوته في غاية القلّة، فلا يعتنى به في مقام الجمع، و لا يحكم به العرف، فلا بدّ من الرجوع إلى المرجّحات الأخر، كما إذا امتنع الجمع. و سيجي‏ء بعض الكلام في ذلك‏ (3).

____________

(1) لم ترد «في الظاهر» في (ت).

(2) انظر الصفحة 19 و 81.

(3) انظر الصفحة 94- 95.

72

الخامس: أنّ الروايتين الأخيرتين ظاهرتان في وجوب الجمع بين الأقوال الصادرة عن الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، بردّ المتشابه إلى المحكم.

و المراد بالمتشابه- بقرينة قوله: «و لا تتّبعوا متشابهها فتضلّوا»- هو الظاهر الذي اريد منه خلافه؛ إذ المتشابه إمّا المجمل و إمّا المؤوّل، و لا معنى للنهي عن اتّباع المجمل، فالمراد إرجاع الظاهر إلى النصّ أو إلى الأظهر.

و هذا المعنى لمّا كان مركوزا في أذهان أهل اللسان، و لم يحتج إلى البيان في الكلام المعلوم الصدور عنهم، فلا يبعد إرادة ما يقع من ذلك في الكلمات المحكيّة عنهم بإسناد الثقات، التي تنزّل منزلة المعلوم الصدور.

فالمراد أنّه لا يجوز المبادرة إلى طرح الخبر المنافي لخبر آخر و لو كان الآخر أرجح منه، إذا أمكن ردّ المتشابه منهما إلى المحكم‏ (1)، و أنّ الفقيه من تأمّل في أطراف الكلمات المحكيّة عنهم، و لم يبادر إلى طرحها لمعارضتها بما هو أرجح منها.

و الغرض من الروايتين الحثّ على الاجتهاد و استفراغ الوسع في معاني الروايات، و عدم المبادرة إلى طرح الخبر بمجرّد مرجّح لغيره عليه.

____________

(1) في (ر)، (ص) و (ظ) بدل «المحكم»: «محكم الآخر».

73

المقام الثالث [: في عدم جواز الاقتصار على المرجّحات المنصوصة]

في عدم جواز الاقتصار على المرجّحات المنصوصة.

[حاصل ما يستفاد من أخبار الترجيح:]

فنقول: اعلم أنّ حاصل ما يستفاد من مجموع الأخبار- بعد الفراغ عن تقديم الجمع المقبول على الطرح، و بعد ما ذكرنا من أنّ الترجيح بالأعدليّة و أخواتها إنّما هو بين الحكمين مع قطع النظر عن ملاحظة مستندهما-: هو أنّ الترجيح أوّلا بالشهرة و الشذوذ، ثمّ بالأعدليّة و الأوثقيّة، ثمّ بمخالفة العامّة، ثمّ بمخالفة ميل الحكّام.

و أمّا الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة فهو من باب اعتضاد أحد الخبرين بدليل قطعيّ الصدور، و لا إشكال في وجوب الأخذ به، و كذا الترجيح بموافقة الأصل.

و لأجل ما ذكر لم يذكر ثقة الإسلام، (رضوان اللّه عليه)، في مقام الترجيح- في ديباجة الكافي- سوى ما ذكر، فقال:

اعلم يا أخي- أرشدك اللّه- أنّه لا يسع أحدا تمييز شي‏ء ممّا اختلف الرواية فيه من العلماء (عليهم السلام) برأيه، إلّا على ما أطلقه العالم (عليه السلام) بقوله: «اعرضوهما (1) على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه عزّ و جلّ فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فردّوه»، و قوله (عليه السلام): «دعوا ما وافق القوم، فإنّ الرشد في خلافهم»، و قوله (عليه السلام): «خذوا بالمجمع عليه، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». و نحن لا نعرف من جميع ذلك إلّا أقلّه، و لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع من ردّ علم ذلك كلّه إلى‏

____________

(1) في المصدر: «اعرضوها».

74

العالم (عليه السلام)، و قبول ما وسع من الأمر فيه بقوله: «بأيّهما أخذتم من باب التسليم وسعكم» (1)، انتهى.

و لعلّه ترك الترجيح بالأعدليّة و الأوثقيّة؛ لأنّ الترجيح بذلك مركوز في أذهان الناس، غير محتاج إلى التوقيف.

و حكي عن بعض الأخباريّين‏ (2): أنّ وجه إهمال هذا المرجّح كون أخبار كتابه كلّها صحيحة.

و قوله: «و لا نعلم من ذلك إلّا أقلّه»، إشارة إلى أنّ العلم بمخالفة الرواية للعامّة في زمن صدورها أو كونها مجمعا عليها قليل، و التعويل على الظنّ بذلك عار عن الدليل.

و قوله: «لا نجد شيئا أحوط و لا أوسع ... الخ»، أمّا أوسعيّة التخيير فواضح، و أمّا وجه كونه أحوط، مع أنّ الأحوط التوقّف و الاحتياط في العمل، فلا يبعد أن يكون من جهة أنّ في ذلك ترك العمل بالظنون التي لم يثبت الترجيح بها، و الإفتاء بكون مضمونها هو حكم اللّه لا غير، و تقييد إطلاقات التخيير و التوسعة من دون نصّ مقيّد. و لذا طعن غير واحد من الأخباريّين على رؤساء المذهب- مثل المحقّق و العلّامة- بأنّهم يعتمدون في الترجيحات على امور اعتمدها العامّة في كتبهم، ممّا ليس في النصوص منه عين و لا أثر.

قال المحدّث البحراني (قدّس سرّه‏) في هذا المقام من مقدّمات الحدائق:

إنّه قد ذكر علماء الاصول من الترجيحات في هذا المقام ما لا يرجع أكثرها إلى محصول، و المعتمد عندنا ما ورد من أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)،

____________

(1) الكافي 1: 8.

(2) حكاه المحدّث البحراني عن بعض مشايخه في الحدائق 1: 97.

75

من الأخبار المشتملة على وجوه الترجيحات‏ (1)، انتهى.

أقول: قد عرفت‏ (2) أنّ الأصل- بعد ورود التكليف الشرعيّ بالعمل بأحد المتعارضين- هو العمل بما يحتمل أن يكون مرجّحا في نظر الشارع؛ لأنّ جواز العمل بالمرجوح مشكوك حينئذ.

نعم، لو كان المرجع بعد التكافؤ هو التوقّف و الاحتياط، كان الأصل عدم الترجيح إلّا بما علم كونه مرجّحا. لكن عرفت أنّ المختار مع التكافؤ هو التخيير (3)، فالأصل هو العمل بالراجح.

إلّا أن يقال: إنّ إطلاقات التخيير حاكمة على هذا الأصل، فلا بدّ للمتعدّي من المرجّحات الخاصّة المنصوصة من أحد أمرين: إمّا أن يستنبط من النصوص- و لو بمعونة الفتاوى- وجوب العمل بكلّ مزيّة توجب أقربيّة ذيها إلى الواقع، و إمّا أن يستظهر من إطلاقات التخيير الاختصاص بصورة التكافؤ من جميع الوجوه.

[عدم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة:]

و الحقّ: أنّ تدقيق النظر في أخبار الترجيح يقتضي التزام الأوّل، كما أنّ التأمّل الصادق في أخبار التخيير يقتضي التزام الثاني؛ و لذا ذهب جمهور المجتهدين إلى عدم الاقتصار على المرجّحات الخاصّة (4)، بل‏

____________

(1) الحدائق 1: 90.

(2) راجع الصفحة 53.

(3) راجع الصفحة 39.

(4) انظر المعارج: 154- 155، و نهاية الوصول (مخطوط): 421، و الفوائد الحائريّة: 207- 214 و 221، و الفصول: 442، و القوانين 2: 293، و مفاتيح الاصول: 688.

76

ادّعى بعضهم‏ (1) ظهور الإجماع و عدم ظهور الخلاف على وجوب العمل بالراجح من الدليلين، بعد أن حكى الإجماع عليه عن جماعة.

و كيف كان، فما يمكن استفادة هذا المطلب منه فقرات من الروايات:

منها: الترجيح بالأصدقيّة في المقبولة و بالأوثقيّة في المرفوعة؛ فإنّ اعتبار هاتين الصفتين ليس إلّا لترجيح الأقرب إلى مطابقة الواقع- في نظر الناظر في المتعارضين- من حيث إنّه أقرب، من غير مدخليّة خصوصيّة سبب، و ليستا كالأعدليّة و الأفقهيّة تحتملان اعتبار الأقربيّة الحاصلة من السبب الخاصّ.

و حينئذ، فنقول: إذا كان أحد الراويين أضبط من الآخر أو أعرف بنقل الحديث بالمعنى أو شبه ذلك، فيكون أصدق و أوثق من الراوي الآخر، و نتعدّى من صفات الراوي المرجّحة (2) إلى صفات الرواية الموجبة لأقربيّة صدورها؛ لأنّ أصدقيّة الراوي و أوثقيّته لم تعتبر في الراوي إلّا من حيث حصول صفة الصدق و الوثاقة في الرواية، فإذا كان أحد الخبرين منقولا باللفظ و الآخر منقولا بالمعنى كان الأوّل أقرب إلى الصدق و أولى بالوثوق.

و يؤيّد ما ذكرنا: أنّ الراوي بعد سماع الترجيح بمجموع الصفات لم يسأل عن صورة وجود بعضها و تخالفها في الراويين‏ (3)، و إنّما سأل عن‏

____________

(1) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 686 و 688.

(2) لم ترد «المرجّحة» في (ظ).

(3) في (ص)، (ظ) و (ر): «الروايتين».

77

حكم صورة تساوي الراويين في الصفات المذكورة و غيرها، حتّى قال:

«لا يفضل أحدهما على صاحبه»، يعني: بمزيّة من المزايا أصلا، فلو لا فهمه أنّ كلّ واحد من هذه الصفات و ما يشبهها مزيّة مستقلّة، لم يكن وقع للسؤال عن صورة عدم المزيّة فيهما رأسا، بل ناسبه السؤال عن حكم عدم اجتماع الصفات، فافهم.

و منها: تعليله (عليه السلام) الأخذ بالمشهور بقوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه». توضيح ذلك:

أنّ معنى كون الرواية مشهورة كونها معروفة عند الكلّ، كما يدلّ عليه فرض السائل كليهما مشهورين، و المراد بالشاذّ ما لا يعرفه إلّا القليل، و لا ريب أنّ المشهور بهذا المعنى ليس قطعيّا من جميع الجهات‏ (1)- قطعيّ المتن و الدلالة- حتّى يصير ممّا لا ريب فيه، و إلّا لم يمكن فرضهما مشهورين، و لا الرجوع إلى صفات الراوي قبل ملاحظة الشهرة، و لا الحكم بالرجوع مع شهرتهما إلى المرجّحات الأخر، فالمراد بنفي الريب نفيه بالإضافة إلى الشاذّ، و معناه: أنّ الريب المحتمل في الشاذّ غير محتمل فيه، فيصير حاصل التعليل ترجيح المشهور على الشاذّ بأنّ في الشاذّ احتمالا لا يوجد في المشهور، و مقتضى التعدّي عن مورد النصّ في العلّة وجوب الترجيح بكلّ ما يوجب كون أحد الخبرين أقلّ احتمالا لمخالفة الواقع.

و منها: تعليلهم (عليهم السلام) لتقديم الخبر المخالف للعامّة ب: «أنّ الحقّ و الرشد في خلافهم»، و «أنّ ما وافقهم فيه التقيّة»؛ فإنّ هذه كلّها

____________

(1) لم ترد «قطعيّا من جميع الجهات» في (ظ)، و شطب عليها في (ت).

78

قضايا غالبيّة لا دائميّة، فيدلّ- بحكم التعليل- على وجوب ترجيح كلّ ما كان معه أمارة الحقّ و الرشد، و ترك ما فيه مظنّة خلاف الحقّ و الصواب.

بل الإنصاف: أنّ مقتضى هذا التعليل كسابقه وجوب الترجيح بما هو أبعد عن الباطل من الآخر، و إن لم يكن عليه أمارة المطابقة، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام): «ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين‏ (1)، فقسهما على كتاب اللّه و أحاديثنا، فإن أشبهها فهو حقّ، و إن لم يشبهها فهو باطل» (2)؛ فإنّه لا توجيه لهاتين القضيّتين إلّا ما ذكرنا: من إرادة الأبعديّة عن الباطل و الأقربيّة إليه.

و منها: قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (3)، دلّ على أنّه إذا دار الأمر بين أمرين في أحدهما ريب ليس في الآخر ذلك الريب يجب الأخذ به، و ليس المراد نفي مطلق الريب، كما لا يخفى.

و حينئذ فإذا فرض أحد المتعارضين منقولا باللفظ (4) و الآخر بالمعنى وجب الأخذ بالأوّل؛ لأنّ احتمال الخطأ في النقل بالمعنى منفيّ فيه. و كذا إذا كان أحدهما أعلى سندا لقلّة الوسائط. إلى غير ذلك من المرجّحات النافية للاحتمال الغير المنفيّ في طرف المرجوح.

____________

(1) في المصدر بدل «ما جاءكم عنّا من حديثين مختلفين»: «إذا جاءك الحديثان المختلفان».

(2) الوسائل 18: 89، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 48.

(3) الوسائل 18: 122، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 38.

(4) في غير (ص): «بلفظه».

79

المقام الرابع: في بيان المرجّحات.

[أصناف المرجّحات:]

و هي على قسمين:

أحدهما: ما يكون داخليّا، و هي كلّ مزيّة غير مستقلّة في نفسها، بل متقوّمة بما فيه.

و ثانيهما: ما يكون خارجيّا، بأن يكون أمرا مستقلا بنفسه و لو لم يكن هناك خبر، سواء كان معتبرا كالأصل و الكتاب، أو غير معتبر في نفسه‏ (1) كالشهرة و نحوها.

ثمّ المستقلّ‏ (2): إمّا أن يكون مؤثّرا في أقربيّة أحد الخبرين إلى الواقع كالكتاب، و الأصل بناء على إفادته الظنّ، أو غير مؤثّر ككون الحرمة أولى بالأخذ من الوجوب، و الأصل بناء على كونه من باب التعبّد الظاهريّ.

و جعل المستقلّ‏ (3) مطلقا- خصوصا ما لا يؤثّر في الخبر- من المرجّحات لا يخلو عن مسامحة.

____________

(1) لم ترد «في نفسه» في (ظ).

(2) في (ه) و نسخة بدل (ت) و (ص) بدل «المستقلّ»: «المعتبر».

(3) في (ص) و نسخة بدل (ت) و (ه) بدل «المستقلّ»: «المعتبر».

80

[المرجحات الداخليّة]

(1) أمّا الداخلي، فهو على أقسام؛ لأنّه:

إمّا أن يكون راجعا إلى الصدور، فيفيد المرجّح كون الخبر أقرب إلى الصدور و أبعد عن الكذب، سواء كان راجعا إلى سنده كصفات الراوي، أو إلى متنه كالأفصحيّة. و هذا لا يكون إلّا في أخبار الآحاد.

و إمّا أن يكون راجعا إلى وجه الصدور، ككون أحدهما مخالفا للعامّة أو لعمل سلطان الجور أو قاضي الجور، بناء على احتمال كون مثل هذا الخبر صادرا لأجل التقيّة.

و إمّا أن يكون راجعا إلى مضمونه، كالمنقول باللفظ بالنسبة إلى المنقول بالمعنى؛ إذ يحتمل الاشتباه في التعبير، فيكون مضمون المنقول باللفظ أقرب إلى الواقع، و (2) كمخالفة العامّة بناء على أنّ الوجه في الترجيح بها ما في أكثر الروايات: من «أنّ خلافهم أقرب إلى الحقّ» (3)، و كالترجيح بشهرة الرواية و نحوها.

[تأخّر المرجّحات الداخليّة عن الترجيح بالدلالة و الاستدلال عليه:]

و هذه الأنواع الثلاثة كلّها متأخّرة عن الترجيح باعتبار قوّة الدلالة، فإنّ الأقوى دلالة مقدّم على ما كان أصحّ سندا و موافقا للكتاب و مشهور الرواية بين الأصحاب؛ لأنّ صفات الرواية لا تزيده‏

____________

(1) العنوان منّا.

(2) لم ترد «كالمنقول- إلى- إلى الواقع و» في (ظ).

(3) لم ترد «و كمخالفة- إلى- إلى الحقّ» في (ر) و (ص).

81

على المتواتر، و موافقة الكتاب لا تجعله أعلى من الكتاب، و قد تقرّر في محلّه تخصيص الكتاب و المتواتر بأخبار الآحاد.

فكلّما رجع التعارض إلى تعارض الظاهر و الأظهر، فلا ينبغي الارتياب في عدم ملاحظة المرجّحات الأخر.

و السرّ في ذلك ما أشرنا إليه سابقا (1): من أنّ مصبّ الترجيح بها هو ما إذا لم يمكن الجمع بوجه عرفيّ يجري في كلامين مقطوعي الصدور على غير جهة التقيّة (2)، بل في جزءي كلام واحد لمتكلّم واحد.

و بتقرير آخر: إذا أمكن فرض صدور الكلامين على غير جهة التقيّة (3)، و صيرورتهما كالكلام الواحد- على ما هو مقتضى دليل وجوب التعبّد بصدور الخبرين- فيدخل في قوله (عليه السلام): «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا ...» إلى آخر الرواية المتقدّمة (4)، و قوله (عليه السلام): «إنّ في كلامنا محكما و متشابها فردّوا متشابهها إلى محكمها» (5)، و لا يدخل ذلك في مورد السؤال عن علاج المتعارضين، بل مورد السؤال عن العلاج مختصّ بما إذا كان المتعارضان لو فرض صدورهما، بل اقترانهما، تحيّر السائل فيهما، و لم يظهر المراد منهما إلّا ببيان آخر لأحدهما أو لكليهما. نعم، قد يقع الكلام في ترجيح بعض الظواهر على بعض و تعيين‏

____________

(1) راجع الصفحة 19 و 71.

(2) شطب على «غير جهة التقيّة» في (ت).

(3) لم ترد «بل في جزئي- إلى- جهة التقيّة» في (ظ).

(4) تقدّمت في الصفحة 67.

(5) الوسائل 18: 82، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22.

82

الأظهر، و هذا خارج عمّا نحن فيه.

و ما ذكرناه كأنّه‏ (1) ممّا لا خلاف فيه- كما استظهره بعض مشايخنا المعاصرين‏ (2)-، و يشهد له ما يظهر من مذاهبهم في الاصول و طريقتهم في الفروع‏ (3).

نعم قد يظهر من عبارة الشيخ (قدّس سرّه‏) في الاستبصار خلاف ذلك، بل يظهر منه أنّ الترجيح بالمرجّحات يلاحظ بين النصّ و الظاهر، فضلا عن الظاهر و الأظهر؛ فإنّه (قدّس سرّه‏) بعد ما (4) ذكر حكم الخبر الخالي عمّا يعارضه، قال:

و إن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين، فيعمل على أعدل الرواة في الطريقين.

و إن كانا سواء في العدالة عمل على أكثر الرواة عددا.

و إن كانا متساويين في العدالة و العدد و كانا عاريين عن جميع القرائن التي ذكرناها نظر:

فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه و ضرب من التأويل، كان العمل به أولى من العمل بالآخر

____________

(1) لم ترد «كأنّه» في (ر) و (ه).

(2) هو السيد المجاهد في مفاتيح الاصول: 699 و 704.

(3) في (ظ) بدل «كما استظهر- إلى- في الفروع»: «كما يظهر من مذاهبهم في الاصول و طريقتهم في الفروع، كما استظهر بعض مشايخنا المعاصرين»، انظر الفصول: 440- 441، و القوانين 1: 304.

(4) «ما» من (ص).

83

الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الخبر الآخر؛ لأنّه يكون العامل به عاملا بالخبرين معا.

و إن كان الخبران يمكن العمل بكلّ منهما و حمل الآخر على بعض الوجوه من التأويل، و كان لأحد التأويلين خبر يعضده أو يشهد به على بعض الوجوه- صريحا أو تلويحا، لفظا أو دليلا- و كان الآخر عاريا عن ذلك، كان العمل به أولى من العمل بما لا يشهد له شي‏ء من الأخبار. و إذا لم يشهد لأحد التأويلين خبر آخر و كانا (1) متحاذيين‏ (2)، كان العامل مخيّرا في العمل بأيّهما شاء (3)، انتهى موضع الحاجة.

و قال في العدّة:

و أمّا الأخبار إذا تعارضت و تقابلت، فإنّه يحتاج في العمل ببعضها إلى ترجيح، و الترجيح يكون بأشياء، منها: أن يكون أحد الخبرين موافقا للكتاب أو السنّة المقطوع بها و الآخر مخالفا لهما؛ فإنّه يجب العمل بما وافقهما و ترك العمل بما خالفهما، و كذلك إن وافق أحدهما إجماع الفرقة المحقّة و الآخر يخالفه وجب العمل بما يوافقه و ترك ما يخالفهم.

فإن لم يكن مع أحد الخبرين شي‏ء من ذلك و كانت فتيا الطائفة مختلفة نظر في حال رواتهما: فإن كان إحدى الروايتين راويها عدلا وجب العمل بها و ترك العمل بما لم يروه العدل، و سنبيّن القول في العدالة المرعيّة في هذا الباب. فإن كان رواتهما جميعا عدلين نظر في أكثرهما

____________

(1) في (ت) و (ه) و المصدر: «و كان».

(2) في المصدر: «متحاذيا».

(3) الاستبصار 1: 4.

84

رواة و عمل به و ترك العمل بقليل الرواة. فإن كان رواتهما متساويين في العدد و العدالة عمل بأبعدهما من قول العامّة و ترك العمل بما يوافقهم.

و إن كان الخبران موافقين للعامّة أو مخالفين لهم نظر في حالهما: فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على وجه من الوجوه و ضرب من التأويل و إذا عمل بالخبر الآخر لا يمكن العمل بهذا الخبر، وجب العمل بالخبر الذي يمكن مع العمل به العمل بالخبر الآخر؛ لأنّ الخبرين جميعا منقولان مجمع على نقلهما، و ليس هنا قرينة تدلّ على صحّة أحدهما، و لا ما يرجّح أحدهما على الآخر، فينبغي أن يعمل بهما إذا أمكن، و لا يعمل بالخبر الذي إذا عمل به وجب اطّراح العمل بالآخر. و إن لم يمكن العمل بهما جميعا لتضادّهما و تنافيهما، أو أمكن‏ (1) حمل كلّ واحد منهما على ما يوافق الآخر على وجه، كان الإنسان مخيّرا في العمل بأيّهما شاء (2)، انتهى.

و هذا كلّه كما ترى، يشمل حتّى تعارض العامّ و الخاصّ مع الاتّفاق فيه على الأخذ بالنصّ.

و قد صرّح في العدّة- في باب بناء العامّ على الخاصّ-: بأنّ الرجوع إلى الترجيح و التخيير إنّما هو في تعارض العامّين دون العامّ و الخاصّ، بل لم يجعلهما من المتعارضين أصلا. و استدلّ على العمل بالخاصّ بما حاصله: أنّ العمل بالخاصّ ليس طرحا للعامّ، بل حمل له على ما يمكن أن يريده الحكيم، و أنّ العمل بالترجيح و التخيير فرع‏

____________

(1) في المصدر: «و أمكن».

(2) العدّة 1: 147- 148.

85

التعارض الذي لا يجري فيه الجمع‏ (1).

و هو مناقض صريح لما ذكره هنا: من أنّ الجمع من جهة عدم ما يرجّح أحدهما على الآخر (2).

و قد يظهر ما في العدّة من كلام بعض المحدّثين‏ (3)، حيث أنكر حمل الخبر الظاهر في الوجوب أو التحريم على الاستحباب أو الكراهة لمعارضة خبر الرخصة (4)، زاعما أنّه طريق جمع لا إشارة إليه في أخبار الباب، بل ظاهرها تعيّن الرجوع إلى المرجّحات المقرّرة.

و ربما يلوح هذا أيضا من كلام المحقّق القمّي، في باب بناء العامّ على الخاصّ، فإنّه بعد ما حكم بوجوب البناء، قال:

و قد يستشكل: بأنّ الأخبار قد وردت في تقديم ما هو مخالف للعامّة أو موافق للكتاب و نحو ذلك، و هو يقتضي تقديم العامّ لو كان هو الموافق للكتاب أو المخالف للعامّة أو نحو ذلك.

و فيه: أنّ البحث منعقد لملاحظة العامّ و الخاصّ من حيث العموم و الخصوص، لا بالنظر إلى المرجّحات الخارجيّة، إذ قد يصير التجوّز في الخاصّ أولى من التخصيص في العامّ من جهة مرجّح خارجيّ، و هو خارج عن المتنازع‏ (5)، انتهى.

____________

(1) انظر العدّة 1: 393- 395.

(2) في (ظ) زيادة: «لكونهما سواء في صفات الراوي».

(3) هو المحدّث البحراني في الحدائق 1: 108- 109.

(4) في (ظ) زيادة: «الذي هو الأظهر».

(5) القوانين 1: 315- 316.

86

و التحقيق: أنّ هذا كلّه خلاف ما يقتضيه الدليل؛ لأنّ الأصل في الخبرين الصدق و الحكم بصدورهما فيفرضان كالمتواترين، و لا مانع عن فرض صدورهما حتّى يحصل التعارض؛ و لهذا لا يطرح الخبر الواحد الخاصّ بمعارضة العامّ المتواتر.

[مرجع التعارض بين النصّ و الظاهر:]

و إن شئت قلت: إنّ مرجع التعارض بين النصّ و الظاهر إلى التعارض بين أصالة الحقيقة في الظاهر و دليل حجيّة النصّ، و من المعلوم ارتفاع الأصل بالدليل. و كذا الكلام في الظاهر و الأظهر؛ فإنّ دليل حجيّة الأظهر يجعله قرينة صارفة عن إرادة الظاهر، و لا يمكن طرحه لأجل أصالة الظهور، و لا طرح ظهوره لظهور الظاهر، فتعيّن العمل به و تأويل الظاهر به‏ (1). و قد تقدّم في إبطال الجمع بين الدليلين ما يوضح ذلك‏ (2).

[الإشكال في الظاهرين اللذين يمكن رفع المنافاة بينهما بالتصرّف في كلّ واحد منهما]

نعم، يبقى الإشكال في الظاهرين اللذين يمكن التصرّف في كلّ واحد منهما بما يرفع منافاته لظاهر الآخر، فيدور الأمر بين الترجيح من حيث السند و طرح المرجوح، و بين الحكم بصدورهما و إرادة خلاف الظاهر في أحدهما.

فعلى ما ذكرنا- من أنّ دليل حجّيّة المعارض لا يجوز طرحه لأجل أصالة الظهور في صاحبه، بل الأمر بالعكس؛ لأنّ الأصل لا يزاحم الدليل- يجب الحكم في المقام بالإجمال؛ لتكافؤ أصالتي الحقيقة في كلّ منهما، مع العلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر من أحدهما،

____________

(1) في (ت) و (ه) بدل «به»: «منهما».

(2) راجع الصفحة 25- 26.

87

فيتساقط الظهوران من الطرفين، فيصيران مجملين بالنسبة إلى مورد التعارض، فهما كظاهري مقطوعي الصدور، أو ككلام واحد تصادم فيه ظاهران.

و يشكل بصدق التعارض بينهما عرفا و دخولهما في الأخبار العلاجيّة؛ إذ تخصيصها بخصوص المتعارضين اللذين لا يمكن الجمع بينهما إلّا بإخراج كليهما عن ظاهرهما خلاف الظاهر، مع أنّه لا محصّل للحكم بصدور الخبرين و التعبّد بكليهما؛ لأجل أن يكون كلّ منهما سببا لإجمال الآخر، و يتوقّف في العمل بهما فيرجع إلى الأصل؛ إذ لا يترتّب حينئذ ثمرة على الأمر بالعمل بهما. نعم، كلاهما دليل واحد على نفي الثالث، كما في المتباينين.

و هذا هو المتعيّن؛ و لذا استقرّت طريقة العلماء على ملاحظة المرجّحات السنديّة في مثل ذلك، إلّا أنّ اللازم من ذلك وجوب التخيير بينهما عند فقد المرجّحات، كما هو ظاهر آخر عبارتي العدّة و الاستبصار المتقدّمتين. كما أنّ اللازم على الأوّل التوقّف من أوّل الأمر و الرجوع إلى الأصل إن لم يكن مخالفا لهما، و إلّا فالتخيير من جهة العقل، بناء على القول به في دوران الأمر بين احتمالين مخالفين للأصل، كالوجوب و الحرمة.

و قد أشرنا سابقا إلى أنّه قد يفصّل في المسألة (1):

بين ما إذا كان لكلّ من المتعارضين مورد سليم عن التعارض، كما في العامّين من وجه؛ حيث إنّ الرجوع إلى المرجّحات السنديّة

____________

(1) راجع الصفحة 28.

88

فيهما على الإطلاق، يوجب طرح الخبر المرجوح في مادّة الافتراق و لا وجه له، و الاقتصار في الترجيح بها على‏ (1) خصوص مادّة الاجتماع التي هي محلّ المعارضة و طرح المرجوح بالنسبة إليها مع العمل به في مادّة الافتراق، بعيد عن ظاهر الأخبار العلاجيّة.

و بين ما إذا لم يكن لهما مورد سليم، مثل قوله: «اغتسل للجمعة» الظاهر في الوجوب، و قوله: «ينبغي غسل الجمعة» الظاهر في الاستحباب، فيطرح الخبر المرجوح رأسا لأجل بعض المرجّحات.

لكنّ الاستبعاد المذكور في الأخبار العلاجيّة إنّما هو من جهة أنّ بناء العرف في العمل بأخبارهم من حيث الظنّ بالصدور، فلا يمكن التبعيض‏ (2) في صدور العامّين من وجه من حيث مادّتي الافتراق و الاجتماع‏ (3).

و أمّا إذا تعبّدنا الشارع بصدور الخبر الجامع للشرائط، فلا مانع من تعبّده ببعض مضمون الخبر دون بعض.

و كيف كان فترك التفصيل أوجه منه، و هو أوجه من إطلاق إهمال المرجّحات.

و أمّا ما ذكرنا في وجهه: من عدم جواز طرح دليل حجّيّة أحد الخبرين لأصالة الظهور في‏ (4) الآخر، فهو إنّما يحسن إذا كان ذلك الخبر

____________

(1) في غير (ت) بدل «على»: «في».

(2) في غير (ظ): «التبعّض».

(3) في (ص)، (ه) و (ر) زيادة: «كما أشرنا سابقا إلى أنّ الخبرين المتعارضين من هذا القبيل».

(4) في غير (ص) بدل «الظهور في»: «ظهور».

89

بنفسه قرينة على إرادة (1) خلاف الظاهر في الآخر، و أمّا إذا كان محتاجا إلى دليل ثالث يوجب صرف أحدهما، فحكمهما حكم الظاهرين المحتاجين في الجمع بينهما إلى شاهدين، في أنّ العمل بكليهما مع تعارض ظاهريهما يعدّ (2) غير ممكن، فلا بدّ من طرح أحدهما معيّنا؛ للترجيح، أو غير معيّن؛ للتخيير. و لا يقاس حالهما على حال مقطوعي الصدور في الالتجاء إلى الجمع بينهما، كما أشرنا (3) إلى دفع ذلك عند الكلام في أولويّة (4) الجمع على الطرح، و المسألة محلّ إشكال.

[تقديم النصّ على الظاهر خارج عن مسألة الترجيح:]

و قد تلخّص ممّا ذكرنا: أنّ تقديم النصّ على الظاهر خارج عن مسألة الترجيح بحسب الدلالة؛ إذ الظاهر لا يعارض النصّ حتّى يرجّح النصّ عليه. نعم، النصّ الظنّي السند يعارض دليل سنده لدليل حجّية الظهور، لكنّه حاكم على دليل اعتبار الظاهر.

[انحصار الترجيح بالدلالة في تعارض الأظهر و الظاهر]

فينحصر الترجيح بحسب الدلالة في تعارض الظاهر و الأظهر؛ نظرا إلى احتمال خلاف الظاهر في كلّ منهما بملاحظة نفسه، غاية الأمر ترجيح الأظهر.

و لا فرق في الظاهر و النصّ بين العامّ و الخاصّ المطلقين إذا فرض عدم احتمال في الخاصّ يبقى معه ظهور العامّ- و إلّا دخل‏ (5) في تعارض‏

____________

(1) «إرادة» من (ص).

(2) في (ظ) و نسخة بدل (ص) بدل «يعدّ»: «بعد».

(3) راجع الصفحة 22.

(4) في (ظ) بدل «أولويّة»: «أدلّة تقديم».

(5) كذا في (ظ)، و في (ر) بدل «و إلّا دخل»: «و يدخل»، و في (ت)، (ه) و (ص) بدلها: «لئلّا يدخل».

90

الظاهرين أو تعارض الظاهر و الأظهر- و بين ما يكون التوجيه فيه قريبا، و بين ما يكون التوجيه فيه بعيدا (1)، مثل: صيغة الوجوب مع دليل نفي البأس عن الترك؛ لأنّ العبرة بوجود احتمال في أحد الدليلين لا يحتمل ذلك في الآخر و إن كان ذلك الاحتمال بعيدا في الغاية؛ لأنّ مقتضى الجمع بين العامّ و الخاصّ بعينه موجود فيه.

و قد يظهر خلاف ما ذكرنا في حكم النصّ و الظاهر من بعض الأصحاب في كتبهم الاستدلاليّة، مثل: حمل الخاصّ المطلق على التقيّة لموافقته لمذهب العامّة:

منها: ما يظهر من الشيخ (رحمه اللّه) في مسألة «من زاد في صلاته ركعة»، حيث حمل ما ورد في صحّة صلاة من جلس في الرابعة بقدر التشهّد على التقيّة، و عمل على عمومات إبطال الزيادة (2)، و تبعه بعض متأخّري المتأخّرين‏ (3). لكنّ الشيخ (رحمه اللّه) كأنّه بنى على ما تقدّم عن العدّة و الاستبصار (4)- من ملاحظة المرجّحات قبل حمل أحد الخبرين على الآخر- أو على استفادة التقيّة من قرائن أخر غير موافقة مذهب العامّة.

____________

(1) لم ترد «و بين ما يكون التوجيه فيه قريبا- إلى- بعيدا» في (ظ)، و ورد بدلها في (ع): «و بين ما يكون التوجيه فيه آبيا، مثل ...»، و في (آ): «و بين مثل ...»، و في (ن) لم ترد «و بين ما يكون التوجيه فيه قريبا».

(2) الخلاف: 451- 453.

(3) كالعلّامة المجلسي في البحار 88: 204، و المحدّث البحراني في الحدائق 9:

117، و احتمله في الرياض 4: 209.

(4) راجع الصفحة 82- 84.

91

و منها: ما تقدّم عن بعض المحدّثين‏ (1)، من مؤاخذة حمل الأمر و النهي على الاستحباب و الكراهة.

و قد يظهر من بعض‏ (2) الفرق بين العامّ و الخاصّ و الظاهر في الوجوب و النصّ‏ (3) في الاستحباب و ما يتلوهما في قرب التوجيه، و بين غيرهما ممّا كان تأويل الظاهر فيه بعيدا، حيث إنّه‏ (4)- بعد نفي الإشكال عن الجمع بين العامّ و الخاصّ و الظاهر في الوجوب و النصّ‏ (5) في الاستحباب- استشكل الجمع في مثل ما إذا دلّ دليل على أنّ القبلة أو مسّ باطن الفرج لا ينقض الوضوء، و دلّ دليل آخر على أنّ الوضوء يعاد منهما، و قال:

«إنّ الحكم بعدم وجوب الوضوء في المقام مستند إلى النصّ المذكور، و أمّا الحكم باستحباب الوضوء فليس له مستند ظاهر، لأنّ تأويل كلامهم لم يثبت حجّيته إلّا إذا فهم من الخارج إرادته، و الفتوى و العمل به محتاج إلى مستند شرعيّ، و مجرّد أولويّة الجمع غير صالح» (6).

أقول- بعد ما ذكرنا من أنّ الدليل الدالّ على وجوب الجمع بين العامّ و الخاصّ و شبهه‏ (7) بعينه جار فيما نحن فيه، و ليس الوجه في الجمع‏

____________

(1) راجع الصفحة 85.

(2) هو الوحيد البهبهاني، كما سيأتي.

(3) في (ظ) و نسختي بدل (ت) و (ه) بدل «النصّ»: «الصريح».

(4) كذا في (ت)، و في غيرها بدل «إنّه»: «قال».

(5) في (ظ)، (ت) و (ه) بدل «النصّ»: «الصريح».

(6) الرسائل الاصوليّة: 480- 481.

(7) لم ترد «و شبهه» في (ظ).

92

شيوع التخصيص، بل المدار على احتمال موجود في أحد الدليلين مفقود في الآخر (1)، مع أنّ حمل ظاهر وجوب إعادة الوضوء على الاستحباب أيضا شايع على ما اعترف به سابقا-: ليت شعري ما الذي أراد بقوله: تأويل كلامهم لم يثبت حجّيّته إلّا إذا فهم من الخارج إرادته؟

فإن بنى على طرح ما دلّ على وجوب إعادة الوضوء و عدم البناء على أنّه كلامهم (عليهم السلام)، فأين كلامهم‏ (2) حتّى يمنع من تأويله إلّا بدليل؟! و هل‏ (3) هو إلّا طرح السند لأجل الفرار عن تأويله؟! و هو غير معقول.

و إن بنى على عدم طرحه و على التعبّد بصدوره ثمّ حمله على التقيّة، فهذا أيضا قريب من الأوّل؛ إذ لا دليل على وجوب التعبّد بخبر يتعيّن حمله على التقيّة على تقدير الصدور، بل لا معنى لوجوب التعبّد به؛ إذ لا أثر في العمل يترتّب عليه.

و بالجملة: إنّ الخبر الظنّي إذا دار الأمر بين طرح سنده، و حمله، و تأويله، فلا ينبغي التأمّل في أنّ المتعيّن تأويله و وجوب العمل على طبق التأويل، و لا معنى لطرحه أو الحكم بصدوره تقيّة فرارا عن تأويله. و سيجي‏ء زيادة توضيح ذلك إن شاء اللّه‏ (4).

____________

(1) في (ه) زيادة: «كما مرّ».

(2) لم ترد «فأين كلامهم» في (ظ).

(3) في (ت) بدل «و هل»: «و ليس»، و في (ه) بدلها: «فليس»، و في (ظ):

«فهل».

(4) انظر الصفحة 137.

93

[المرجّحات في الدلالة] (1)

فلنرجع إلى ما كنّا فيه من بيان المرجّحات في الدلالة، و مرجعها إلى ترجيح الأظهر على الظاهر.

[الأظهريّة قد تكون بملاحظة خصوص المتعارضين و قد تكون بملاحظة نوعهما]

و الأظهريّة قد تكون بملاحظة خصوص المتعارضين من جهة القرائن الشخصيّة، و هذا لا يدخل تحت ضابطة.

و قد تكون بملاحظة نوع المتعارضين، كأن يكون أحدهما ظاهرا في العموم و الآخر جملة شرطيّة ظاهرة في المفهوم، فيتعارضان‏ (2)، فيقع الكلام في ترجيح المفهوم على العموم. و كتعارض التخصيص و النسخ في بعض أفراد العامّ و الخاصّ، و التخصيص و التقييد.

و قد تكون باعتبار الصنف، كترجيح أحد العامّين أو المطلقين على الآخر لبعد التخصيص أو التقييد فيه.

[المرجّحات النوعيّة لظاهر أحد المتعارضين:]

و لنشر إلى جملة من هذه المرجّحات النوعيّة لظاهر أحد المتعارضين في مسائل:

[ترجيح التخصيص على النسخ:]

منها: لا إشكال في تقديم ظهور الحكم الملقى من الشارع في مقام‏

____________

(1) العنوان منّا.

(2) في (ت) و (ه) زيادة: «كتعارض مفهوم: (إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شي‏ء) و منطوق عموم: (خلق اللّه الماء طهورا)». الوسائل 1: 117، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 2، و 1: 101، الباب الأوّل من أبواب الماء المطلق، الحديث 9.

94

التشريع في استمراره باستمرار الشريعة، على ظهور العامّ في العموم الأفراديّ، و يعبّر عن ذلك بأنّ التخصيص أولى من النسخ، من غير فرق بين أن يكون احتمال المنسوخيّة في العامّ أو في الخاصّ. و المعروف تعليل ذلك بشيوع التخصيص و ندرة النسخ.

و قد وقع الخلاف في بعض الصور، و تمام ذلك في بحث العامّ و الخاصّ من مباحث الألفاظ.

و كيف كان، فلا إشكال في أنّ احتمال التخصيص مشروط بعدم ورود الخاصّ بعد حضور وقت العمل بالعامّ، كما أنّ احتمال النسخ مشروط بورود الناسخ بعد الحضور.

فالخاصّ الوارد بعد حضور وقت العمل بالعامّ يتعيّن فيه النسخ، و أمّا ارتكاب كون الخاصّ كاشفا عن قرينة كانت مع العامّ و اختفت فهو خلاف الأصل. و الكلام في علاج المتعارضين من دون التزام وجود شي‏ء زائد عليهما.

نعم، لو كان هناك دليل على امتناع النسخ وجب المصير إلى التخصيص مع التزام اختفاء القرينة حين العمل، أو جواز إرادة خلاف الظاهر من المخاطبين واقعا مع مخاطبتهم بالظاهر الموجبة لعملهم بظهوره، و بعبارة اخرى: تكليفهم ظاهرا هو العمل بالعموم.

[الإشكال في تخصيص العمومات المتقدّمة بالمخصّصات المتأخّرة:]

و من هنا يقع الإشكال في تخصيص العمومات المتقدّمة في كلام النبيّ أو الوصيّ أو بعض الأئمّة (عليهم السلام) بالمخصّصات الواردة بعد ذلك بمدّة عن باقي الأئمّة (عليهم السلام)؛ فإنّه لا بدّ أن يرتكب فيها النسخ، أو كشف الخاصّ عن قرينة مع العامّ مختفية، أو كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا.

95

أمّا النسخ- فبعد توجيه وقوعه بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بإرادة كشف ما بيّنه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للوصيّ (عليه السلام) عن غاية الحكم الأوّل و ابتداء الحكم الثاني- مدفوع: بأنّ غلبة هذا النحو (1) من التخصيصات يأبى عن حملها على ذلك، مع أنّ الحمل على النسخ يوجب طرح ظهور كلا الخبرين في كون مضمونهما حكما مستمرّا من أوّل الشريعة إلى آخرها، إلّا أن يفرض المتقدّم ظاهرا في الاستمرار، و المتأخّر غير ظاهر بالنسبة إلى ما قبل صدوره، فحينئذ يوجب طرح ظهور المتقدّم لا المتأخّر، كما لا يخفى‏ (2). و هذا لم‏ (3) يحصل في كثير من الموارد بل أكثرها.

و أمّا اختفاء المخصّصات، فيبعّده بل يحيله- عادة- عموم البلوى بها من حيث العلم و العمل، مع إمكان دعوى العلم بعدم علم أهل العصر المتقدّم و عملهم بها، بل المعلوم جهلهم بها.

[الأوجه في دفع الإشكال:]

فالأوجه هو الاحتمال الثالث، فكما أنّ رفع مقتضى البراءة العقليّة ببيان التكليف كان على التدريج- كما يظهر من الأخبار و الآثار- مع اشتراك الكلّ في الأحكام الواقعيّة، فكذلك ورود التقييد و التخصيص للعمومات و المطلقات، فيجوز أن يكون الحكم الظاهريّ للسابقين الترخيص في ترك بعض الواجبات و فعل بعض المحرّمات الذي يقتضيه العمل بالعمومات، و إن كان المراد منها الخصوص الذي هو الحكم المشترك.

____________

(1) في (ظ) زيادة: «و هو كون المخاطبين بالعامّ تكليفهم ظاهرا العمل بالعموم المراد به الخصوص واقعا».

(2) لم ترد «فحينئذ- إلى- كما لا يخفى» في (ظ).

(3) في غير (ص) بدل «لم»: «لا».

96

و دعوى: الفرق بين إخفاء (1) التكليف الفعليّ و إبقاء المكلّف على ما كان عليه من الفعل و الترك بمقتضى البراءة العقليّة، و بين إنشاء الرخصة له في فعل الحرام و ترك الواجب، ممنوعة.

غاية الأمر أنّ الأوّل من قبيل عدم البيان، و الثاني من قبيل بيان العدم، و لا قبح فيه بعد فرض المصلحة، مع أنّ بيان العدم قد يدّعى وجوده في الكلّ، بمثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في خطبة الغدير في حجّة الوداع:

«معاشر الناس ما من شي‏ء يقرّبكم إلى الجنّة و يباعدكم عن النار إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شي‏ء يقرّبكم من النار و يباعدكم من الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه» (2).

بل يجوز أن يكون مضمون العموم و الإطلاق هو الحكم الإلزاميّ و إخفاء (3) القرينة المتضمّنة لنفي الإلزام، فيكون التكليف حينئذ لمصلحة فيه لا في المكلّف به.

فالحاصل: أنّ المستفاد من التتبّع في الأخبار و الظاهر من خلوّ العمومات و المطلقات عن القرينة، أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جعل الوصيّ (عليه السلام) مبيّنا لجميع ما أطلقه و اطلق في كتاب اللّه، و أودعه علم ذلك و غيره.

و كذلك الوصيّ بالنسبة إلى من بعده من الأوصياء (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فبيّنوا ما رأوا فيه المصلحة، و أخفوا ما رأوا المصلحة في إخفائه.

____________

(1) في (ظ) و (ه) و نسخة بدل (ت) بدل «إخفاء»: «إمضاء».

(2) الوسائل 12: 27، الباب 12 من أبواب مقدّمات التجارة، الحديث 2.

(3) في غير (ت) و (ر): «اختفاء».

97

فإن قلت: اللازم من ذلك عدم جواز التمسّك بأصالة عدم التخصيص في العمومات- بناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين أو فرض الخطاب في غير الكتاب- إذ لا يلزم من عدم المخصّص لها في الواقع إرادة العموم؛ لأنّ المفروض حينئذ جواز تأخير المخصّص عن وقت العمل بالخطاب.

قلت: المستند في إثبات أصالة الحقيقة بأصالة عدم القرينة قبح الخطاب بالظاهر المجرّد و إرادة خلافه، بضميمة أنّ الأصل الذي استقرّ عليه طريقة التخاطب هو أنّ المتكلّم لا يلقي الكلام إلّا لأجل إرادة تفهيم معناه الحقيقيّ أو المجازيّ، فإذا لم ينصب قرينة على إرادة تفهيم‏ (1) المجاز تعيّن إرادة الحقيقة فعلا، و حينئذ فإن اطّلعنا على التخصيص المتأخّر كان هذا كاشفا عن مخالفة المتكلّم لهذا الأصل لنكتة، و أمّا إذا لم نطّلع عليه و نفيناه بالأصل فاللازم الحكم بإرادة تفهيم‏ (2) الظاهر فعلا (3) من المخاطبين، فيشترك الغائبون معهم.

[ترجيح التقييد على التخصيص عند تعارض الإطلاق و العموم:]

و منها: تعارض الإطلاق و العموم، فيتعارض تقييد المطلق و تخصيص العامّ.

و لا إشكال في ترجيح التقييد، على ما حقّقه سلطان العلماء (4):

____________

(1) لم ترد «تفهيم» في (ظ).

(2) شطب على «تفهيم» في (ت).

(3) لم ترد «فعلا» في (ظ).

(4) حقّقه سلطان العلماء (قدّس سرّه‏) في حاشيته على المعالم في مباحث المطلق و المقيّد، انظر معالم الاصول (الطبعة الحجريّة) الصفحة 155، الحاشية المبدوّة بقوله:

الجمع بين الدليلين ... الخ.

98

من كونه حقيقة؛ لأنّ الحكم بالإطلاق من حيث عدم البيان، و العامّ بيان، فعدم البيان للتقييد جزء من مقتضي الإطلاق، و البيان للتخصيص مانع عن اقتضاء العامّ للعموم، فإذا دفعنا المانع عن العموم بالأصل، و المفروض وجود المقتضي له، ثبت بيان التقييد و ارتفع المقتضي للإطلاق، فالمطلق دليل تعليقي و العامّ دليل تنجيزي، و العمل بالتعليقيّ موقوف على طرح التنجيزيّ؛ لتوقّف موضوعه على عدمه، فلو كان طرح التنجيزيّ متوقّفا على العمل بالتعليقيّ و مسبّبا عنه لزم الدور، بل هو يتوقّف على حجّة اخرى راجحة عليه‏ (1).

و أمّا على القول بكونه مجازا، فالمعروف في وجه تقديم التقييد كونه أغلب من التخصيص. و فيه تأمّل‏ (2).

[تقديم التخصيص عند تعارض العموم مع غير الإطلاق:]

نعم، إذا استفيد العموم الشموليّ من دليل الحكمة كانت الإفادة غير مستندة إلى الوضع، كمذهب السلطان في العموم البدليّ‏ (3).

و ممّا ذكرنا يظهر حال التقييد مع سائر المجازات.

و منها: تعارض العموم مع غير الإطلاق من الظواهر. و الظاهر المعروف تقديم التخصيص لغلبته و شيوعه‏ (4).

____________

(1) لم ترد «و العمل- إلى- راجحة عليه» في (ظ).

(2) في أوثق الوسائل: 615، و حاشية نسخة (خ) زيادة من المصنّف، و هي كما يلي: «وجه التأمّل: أنّ الكلام في التقييد بالمنفصل، و لا نسلّم كونه أغلب. نعم، دلالة ألفاظ العموم أقوى من دلالة المطلق و لو قلنا إنّها بالوضع».

(3) راجع الهامش (4) في الصفحة السابقة.

(4) في غير (ص) و (ظ): «لغلبة شيوعه».

99

و قد يتأمّل في بعضها، مثل ظهور الصيغة في الوجوب؛ فإنّ استعمالها في الاستحباب شايع أيضا، بل قيل بكونه مجازا مشهورا (1)، و لم يقل ذلك في العامّ المخصّص، فتأمّل.

[تقديم الجملة الغائيّة على الشرطيّة، و الشرطيّة على الوصفيّة:]

و منها: تعارض ظهور بعض ذوات المفهوم من الجمل مع بعض.

و الظاهر تقديم الجملة الغائيّة على الشرطيّة، و الشرطيّة على الوصفيّة.

[ترجيح كلّ الاحتمالات على النسخ:]

و منها: تعارض ظهور الكلام في استمرار الحكم مع غيره من الظهورات، فيدور الأمر بين النسخ و ارتكاب خلاف ظاهر آخر.

و المعروف ترجيح الكلّ على النسخ؛ لغلبتها بالنسبة إليه.

و قد يستدلّ على ذلك بقولهم (عليهم السلام): «حلال محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حلال إلى يوم القيامة، و حرامه حرام إلى يوم القيامة» (2).

و فيه: أنّ الظاهر سوقه لبيان استمرار أحكام محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نوعا من قبل اللّه جلّ ذكره إلى يوم القيامة في مقابل نسخها بدين آخر، لا بيان استمرار أحكامه الشخصيّة إلّا ما خرج بالدليل، فالمراد أنّ حلاله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حلال من قبل اللّه جلّ ذكره إلى يوم القيامة، لا أنّ الحلال من قبله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حلال من قبله إلى يوم القيامة، ليكون المراد استمرار حليّته.

و أضعف من ذلك التمسّك باستصحاب عدم النسخ في المقام؛ لأنّ الكلام في قوّة أحد الظاهرين و ضعف الآخر، فلا وجه لملاحظة الاصول‏

____________

(1) انظر المعالم: 53، و هداية المسترشدين: 152.

(2) الكافي 1: 58، الحديث 19، و الوسائل 18: 124، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 47.

100

العمليّة في هذا المقام، مع أنّا إذا فرضنا عامّا متقدّما و خاصّا متأخّرا، فالشكّ في تكليف المتقدّمين بالعامّ و عدم تكليفهم، فاستصحاب الحكم السابق لا معنى له، فيبقى ظهور الكلام في عدم النسخ معارضا بظهوره في العموم. نعم، لا يجري في مثل العامّ المتأخّر عن الخاصّ‏ (1).

ثمّ إنّ هذا التعارض إنّما هو مع عدم ظهور الخاصّ في ثبوت حكمه في الشريعة ابتداء، و إلّا تعيّن التخصيص.

[تقديم الحقيقة على المجاز و المناقشة فيه:]

و منها: ظهور اللفظ في المعنى الحقيقي مع ظهوره مع القرينة في المعنى المجازيّ؛ و عبّروا عنه بتقديم الحقيقة على المجاز، و رجّحوها عليه.

فإن أرادوا أنّه إذا دار الأمر بين طرح الوضع اللفظيّ بإرادة المعنى المجازيّ و بين طرح مقتضى القرينة في الظهور المجازيّ بإرادة المعنى الحقيقيّ، فلا أعرف له وجها؛ لأنّ ظهور اللفظ في المعنى المجازيّ إن كان مستندا إلى قرينة لفظيّة فظهوره مستند إلى الوضع، و إن استند إلى حال أو قرينة منفصلة قطعيّة فلا يقصر عن الوضع، و إن كان ظنّا معتبرا فينبغي تقديمه على الظهور اللفظيّ المعارض، كما يقدّم على ظهور اللفظ (2) المقرون به، إلّا أن يفرض ظهوره ضعيفا يقوى عليه‏ (3) ظهور الدليل المعارض، فيدور الأمر بين ظاهرين أحدهما أقوى من الآخر.

____________

(1) لم ترد «نعم- إلى- عن الخاصّ» في (ظ)، و في غير (ص) وردت بعد عبارة «ثمّ إنّ هذا التعارض- إلى- التخصيص».

(2) لم ترد «المعارض كما يقدّم على ظهور اللفظ» في (ت).

(3) في غير (ص) زيادة: «بخلاف».

101

و إن أرادوا به معنى آخر فلا بدّ من التأمّل فيه‏ (1).

هذا بعض الكلام في تعارض النوعين المختلفين من الظهور.

[تعارض الصنفين المختلفين في الظهور:]

و أمّا الصنفان المختلفان من نوع واحد، فالمجاز الراجح الشائع مقدّم على غيره؛ و لذا يحمل الأسد في «أسد يرمي» على الرجل الشجاع دون الرجل الأبخر، و يحمل الأمر المصروف عن الوجوب على الاستحباب دون الإباحة.

و أمّا تقديم بعض أفراد التخصيص على بعض:

فقد يكون بقوّة عموم أحد العامّين على الآخر، إمّا بنفسه‏ (2) كتقديم الجمع المحلّى باللّام على المفرد المعرّف و نحو ذلك، و إمّا بملاحظة المقام، فإنّ العامّ المسوق لبيان الضابط أقوى من غيره، و نحو ذلك.

و قد يكون لقرب أحد التخصيصين‏ (3) و بعد الآخر، كما يقال: إنّ‏ (4) الأقلّ أفرادا مقدّم على غيره، فإنّ العرف يقدّم عموم «يجوز أكل كلّ رمّان» على عموم النهي عن أكل كلّ حامض؛ لأنّه أقلّ أفرادا، فيكون أشبه بالنصّ. و كما إذا كان التخصيص في أحدهما تخصيصا لكثير من الأفراد، بخلاف الآخر.

____________

(1) لم ترد «و منها- إلى- التأمّل فيه» في (ظ).

(2) في غير (ت): «لنفسه».

(3) في (ر) و (ص) و نسخة بدل (ت): «المخصّصين».

(4) في (ه) زيادة: «تخصيص».

102

[بيان انقلاب النسبة] (1)

بقي في المقام شي‏ء:

و هو أنّ ما ذكرنا من حكم التعارض- من أنّ النصّ يحكّم على الظاهر، و الأظهر على الظاهر (2)- لا إشكال في تحصيله في المتعارضين،

[التعارض بين أزيد من دليلين:]

و أمّا إذا كان التعارض بين أزيد من دليلين، فقد يصعب تحصيل ذلك؛ إذ قد (3) يختلف حال التعارض بين اثنين منها بملاحظة أحدهما مع الثالث.

مثلا: قد يكون النسبة بين الاثنين العموم و الخصوص من وجه، و ينقلب بعد تلك الملاحظة إلى العموم المطلق أو بالعكس أو إلى التباين.

و قد وقع التوهّم في بعض المقامات، فنقول توضيحا لذلك:

إنّ النسبة بين المتعارضات المذكورة:

[إذا كانت النسبة بين المتعارضات واحدة:]

إن كانت نسبة واحدة فحكمها حكم المتعارضين:

[لو كانت النسبة العموم من وجه:]

فإن كانت النسبة العموم من وجه وجب الرجوع إلى المرجّحات، مثل قوله: «يجب إكرام العلماء» و «يحرم إكرام الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فيتعارض الكلّ في مادّة الاجتماع.

[لو كانت النسبة عموما مطلقا:]

و إن كانت النسبة عموما مطلقا، فإن لم يلزم محذور من تخصيص العامّ بهما خصّص بهما، مثل المثال الآتي. و إن لزم محذور، مثل قوله:

____________

(1) العنوان منّا.

(2) لم ترد «و الأظهر على الظاهر» في (ظ).

(3) «قد» من (ص).

103

«يجب إكرام العلماء» و «يحرم إكرام فسّاق العلماء» و «يكره إكرام عدول العلماء» فإنّ اللازم من تخصيص العامّ بهما بقاؤه بلا مورد، فحكم ذلك كالمتباينين، لأنّ مجموع الخاصّين مباين للعامّ.

و قد توهّم بعض من عاصرناه‏ (1)، فلاحظ العامّ بعد تخصيصه ببعض الأفراد بإجماع و نحوه مع الخاصّ المطلق الآخر، فإذا ورد «أكرم العلماء»، و دلّ من الخارج دليل على عدم وجوب إكرام فسّاق العلماء، و ورد أيضا «لا تكرم النحويّين» كانت النسبة على هذا بينه و بين العامّ- بعد إخراج الفسّاق- عموما من وجه.

و لا أظنّ يلتزم بذلك فيما إذا كان الخاصّان دليلين لفظيّين؛ إذ لا وجه لسبق ملاحظة العامّ مع أحدهما على ملاحظته مع الآخر.

و إنّما يتوهّم ذلك في العامّ المخصّص بالإجماع أو العقل؛ لزعم أنّ المخصّص المذكور يكون كالمتّصل، فكأنّ العامّ استعمل فيما عدا ذلك الفرد المخرج، و التعارض إنّما يلاحظ بين ما استعمل فيه لفظ كلّ من الدليلين، لا بين ما وضع له اللفظ و إن علم عدم استعماله فيه‏ (2)، فكأنّ المراد بالعلماء في المثال المذكور عدولهم، و النسبة بينه و بين النحويّين عموم من وجه.

و يندفع: بأنّ التنافي في المتعارضين إنّما يكون بين ظاهري الدليلين، و ظهور الظاهر إمّا أن يستند إلى وضعه، و إمّا أن يستند إلى‏

____________

(1) هو الفاضل النراقي في مناهج الأحكام: 317، و عوائد الأيّام: 349- 353.

(2) «فيه» من (ص).

104

قرينة المراد. و كيف كان، فلا بدّ من إحرازه حين التعارض و قبل علاجه؛ إذ العلاج راجع إلى دفع المانع، لا إلى إحراز المقتضي. و العامّ المذكور- بعد ملاحظة تخصيصه بذلك الدليل العقليّ- إن لوحظ بالنسبة إلى وضعه للعموم مع قطع النظر عن تخصيصه بذلك الدليل، فالدليل المذكور و المخصّص اللفظيّ سواء في المانعيّة عن ظهوره في العموم، فيرفع اليد عن الموضوع له بهما، و إن لوحظ بالنسبة إلى المراد (1) منه بعد التخصيص بذلك الدليل، فلا ظهور له في إرادة العموم باستثناء ما خرج بذلك الدليل، إلّا بعد إثبات كونه تمام الباقي‏ (2)، و هو غير معلوم، إلّا بعد نفي احتمال مخصّص آخر و لو بأصالة عدمه، و إلّا فهو مجمل مردّد بين تمام الباقي‏ (3) و بعضه؛ لأنّ الدليل المذكور قرينة صارفة عن العموم لا معيّنة لتمام الباقي. و أصالة عدم المخصّص الآخر في المقام غير جارية مع وجود المخصّص اللفظيّ، فلا ظهور له في تمام الباقي حتّى يكون النسبة بينه و بين المخصّص اللفظي‏ (4) عموما من وجه.

و بعبارة أوضح: تعارض «العلماء» بعد إخراج «فسّاقهم» مع «النحويّين»، إن كان قبل علاج دليل «النحويين» و رفع‏ (5) مانعيّته، فلا ظهور له حتّى يلاحظ النسبة بين ظاهرين؛ لأنّ ظهوره يتوقّف على‏

____________

(1) في (ظ) بدل «المراد»: «الباقي».

(2) في غير (ت) و (ه) بدل «الباقي»: «المراد».

(3) في (ر)، (ص) و (ظ) بدل «الباقي»: «المراد».

(4) لم ترد «اللفظي» في (ظ).

(5) في (ت) و (ظ) بدل «رفع»: «دفع».