فرائد الأصول - ج4

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
352 /
105

علاجه و رفع‏ (1) تخصيصه ب «لا تكرم النحويّين»، و إن كان بعد علاجه و دفعه فلا دافع له، بل هو كالدليل الخارجيّ المذكور دافع‏ (2) عن مقتضى وضع العموم.

نعم، لو كان المخصّص متصلا بالعامّ من قبيل: الصفة، و الشرط، و بدل البعض- كما في: «أكرم العلماء العدول»، أو «إن كانوا عدولا»، أو «عدولهم»- صحّت ملاحظة النسبة بين هذا التركيب الظاهر في تمام الباقي و بين المخصّص اللفظيّ المذكور و إن قلنا بكون العامّ المخصّص بالمتّصل مجازا، إلّا أنّه يصير حينئذ من قبيل «أسد يرمى»، فلو ورد مخصّص منفصل آخر كان مانعا لهذا الظهور.

و هذا بخلاف العامّ المخصّص بالمنفصل، فإنّه لا يحكم بمجرّد وجدان مخصّص منفصل بظهوره في تمام الباقي، إلّا بعد إحراز عدم مخصّص آخر.

فالعامّ المخصّص بالمنفصل لا ظهور له في المراد (3) منه، بل هو قبل إحراز جميع المخصّصات مجمل مردّد بين تمام الباقي و بعضه، و بعده يتعيّن إرادة الباقي بعد جميع ما ورد عليه من التخصيص.

أمّا المخصّص بالمتّصل، فلمّا كان ظهوره مستندا إلى وضع الكلام التركيبيّ على القول بكونه حقيقة، أو وضع لفظ القرينة بناء على كون لفظ العامّ مجازا، صحّ اتّصاف الكلام بالظهور، لاحتمال إرادة خلاف ما

____________

(1) في (ت) و (ظ) بدل «رفع»: «دفع».

(2) في (ظ): «مانع»، و في (ص): «رافع».

(3) في (ظ) بدل «المراد»: «الباقي».

106

وضع له التركيب أو لفظ القرينة.

و الظاهر أنّ التخصيص بالاستثناء من قبيل المتّصل؛ لأنّ مجموع الكلام ظاهر في تمام الباقي؛ و لذا يفيد الحصر. فإذا قال: «لا تكرم العلماء إلّا العدول»، ثمّ قال: «أكرم النحويّين» فالنسبة عموم من وجه؛ لأنّ إخراج غير العادل من النحويين مخالف لظاهر الكلام الأوّل.

و من هنا يصحّ أن يقال: إنّ النسبة بين قوله: «ليس في العارية ضمان إلّا الدينار و الدرهم»، و بين ما دلّ على «ضمان الذهب و الفضّة» عموم من وجه- كما قوّاه غير واحد من متأخّري المتأخّرين‏ (1)- فيرجّح الأوّل؛ لأنّ دلالته بالعموم و دلالة الثاني بالإطلاق، أو يرجع إلى عمومات نفي الضمان.

خلافا لما ذكره بعضهم‏ (2): من أنّ تخصيص العموم بالدرهم و الدينار لا ينافي تخصيصه أيضا بمطلق الذهب و الفضّة.

[كلام صاحب المسالك في ضمان عارية الذهب و الفضّة:]

و ذكره صاحب المسالك، و أطال الكلام في توضيح ذلك، فقال ما لفظه:

لا خلاف في ضمانهما- يعني الدراهم و الدنانير- عندنا، و إنّما الخلاف في غيرهما من الذهب و الفضّة كالحلّي المصوغة، فإنّ مقتضى‏

____________

(1) مثل المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام: 135، و تبعه صاحب الرياض في الرياض (الطبعة الحجرية) 1: 625.

(2) ذكره المحقّق الثاني في جامع المقاصد 6: 78- 80، و أوضحه صاحب المسالك كما سيأتي، و تبعهما السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 6: 70- 72، و صاحب الجواهر في الجواهر 27: 184- 187.

107

الخبر الأوّل‏ (1) و نحوه دخولها، و مقتضى تخصيص الثاني‏ (2) بالدراهم و الدنانير خروجها.

فمن الأصحاب‏ (3) من نظر إلى أنّ الذهب و الفضّة مخصّصان من عدم الضمان مطلقا، و لا منافاة بينهما و بين الدراهم و الدنانير؛ لأنّهما بعض أفرادهما، و يستثنى الجميع، و يثبت الضمان في مطلق الجنسين.

و منهم‏ (4) من التفت إلى أنّ الذهب و الفضّة مطلقان أو عامّان- بحسب إفادة الجنس المعرّف العموم و عدمه- و الدراهم و الدنانير مقيّدان أو مخصّصان، فيجمع بين النصوص بحمل المطلق على المقيّد أو العامّ على الخاصّ.

و التحقيق في ذلك أن نقول: إنّ هنا نصوصا على ثلاثة أضرب:

أحدها: عامّ في عدم الضمان من غير تقييد، كصحيحة الحلبيّ عن الصادق (عليه السلام): «ليس على مستعير عارية ضمان، و صاحب العارية

____________

(1) و هو ما رواه زرارة في الحسن عن الصادق (عليه السلام): «قال: قلت له: العارية مضمونة؟ فقال: جميع ما استعرته فتوي فلا يلزمك تواه، إلّا الذهب و الفضّة فإنّهما يلزمان ...» الوسائل 13: 239، الباب 3 من أحكام العارية، الحديث 2.

(2) و هو رواية ابن مسكان في الصحيح عن الصادق (عليه السلام): «لا تضمن العارية إلّا أن يكون قد اشترط فيها ضمان، إلّا الدنانير فإنّها مضمونة و إن لم يشترط فيها ضمانا»، و حسنة عبد الملك عنه (عليه السلام): «ليس على صاحب العارية ضمان إلّا أن يشترط صاحبها، إلّا الدراهم فإنّها مضمونة، اشترط صاحبها أو لم يشترط».

الوسائل 13: 239- 240، الباب 3 من أحكام العارية، الحديث 1 و 3.

(3) هو المحقّق الثاني، كما تقدّم في الصفحة السابقة.

(4) هو فخر الدين في الإيضاح 2: 129- 130.

108

و الوديعة مؤتمن» (1)، و قريب منها صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام)(2).

و ثانيها: بحكمها إلّا أنّه استثنى مطلق الذهب و الفضّة.

و ثالثها: بحكمها إلّا أنّه استثنى الدنانير أو الدراهم.

و حينئذ فلا بدّ من الجمع، فإخراج الدراهم و الدنانير لازم؛ لخروجهما على الوجهين الأخيرين، فإذا خرجا من العموم بقي العموم في ما عداهما بحاله، و قد عارضه التخصيص بمطلق الجنسين، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل العامّ على الخاصّ.

فإن قيل: لمّا كان الدراهم و الدنانير أخصّ من الذهب و الفضّة وجب تخصيصهما بهما عملا بالقاعدة، فلا تبقى المعارضة إلّا بين العامّ الأوّل و الخاصّ الأخير.

قلنا: لا شكّ أنّ كلّا منهما مخصّص لذلك العامّ؛ لأنّ كلّا منهما مستثنى، و ليس هنا إلّا أنّ أحد المخصّصين أعمّ من الآخر مطلقا، و ذلك غير مانع، فيخصّ العامّ الأوّل بكلّ منهما أو يقيّد مطلقه، لا أنّ أحدهما يخصّص بالآخر؛ لعدم المنافاة بين إخراج الذهب و الفضّة في لفظ، و الدراهم و الدنانير في لفظ، حتّى يوجب الجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد.

و أيضا: فإنّ العمل بالخبرين الأخصّين لا يمكن؛ لأنّ أحدهما لم يخصّ إلّا الدنانير و أبقى الباقي على حكم عدم الضمان صريحا، و الآخر لم يستثن إلّا الدراهم و أبقى الباقي على حكم عدم الضمان كذلك، فدلالتهما

____________

(1) الوسائل 13: 237، الباب 1 من أحكام العارية، الحديث 6.

(2) الوسائل 13: 237، الباب 1 من أحكام العارية، الحديث 7.

109

قاصرة، و العمل بظاهر كلّ منهما لم يقل به أحد، بخلاف الخبر المخصّص بالذهب و الفضّة.

فإن قيل: التخصيص إنّما جعلناه بهما معا، لا بكلّ واحد منهما، فلا يضرّ عدم دلالة أحدهما على الحكم المطلوب منه.

قلنا: هذا أيضا لا يمنع قصور كلّ واحد من‏ (1) الدلالة؛ لأنّ كلّ واحد مع قطع النظر عن صاحبه قاصر، و قد وقعا في وقتين في حالتين مختلفتين، فظهر أنّ إرادة الحصر من كلّ منهما غير مقصود، و إنّما المستثنى فيهما من جملة الأفراد المستثناة. و على تقدير الجمع بينهما- بجعل المستثنى مجموع ما استفيد منهما- لا يخرجان عن القصور في الدلالة على المطلوب؛ إذ لا يعلم منهما إلّا أنّ الاستثناء ليس مقصورا على ما ذكر في كلّ واحد.

فإن قيل: إخراج الدراهم و الدنانير خاصّة ينافي إخراج جملة الذهب و الفضّة، فلا بدّ من الجمع بينهما بحمل الذهب و الفضّة على الدراهم و الدنانير، كما يجب الجمع بين عدم الضمان لمطلق العارية و الضمان لهذين النوعين؛ لتحقّق المنافاة.

قلنا: نمنع المنافاة بين الأمرين؛ فإنّ استثناء الدراهم و الدنانير اقتضى بقاء العموم في حكم عدم الضمان في ما عداهما، و قد عارضه الاستثناء الآخر، فوجب تخصيصه به أيضا، فلا وجه لتخصيص أحد المخصّصين بالآخر.

و أيضا: فإنّ حمل العامّ على الخاصّ استعمال مجازيّ، و إبقاءه على‏

____________

(1) في المصدر: «عن».

110

عمومه حقيقة، و لا يجوز العدول إلى المجاز مع إمكان الاستعمال على وجه الحقيقة، و هو هنا ممكن في عموم الذهب و الفضّة فيتعيّن، و إنّما صرنا إلى التخصيص في الأوّل لتعيّنه على كلّ تقدير.

فإن قيل: إذا كان التخصيص يوجب المجاز وجب تقليله ما أمكن؛ لأنّ كلّ فرد يخرج يوجب زيادة المجاز في الاستعمال، حيث كان حقّه أن يطلق على جميع الأفراد، و حينئذ فنقول: قد تعارض هنا مجازان، أحدهما: في تخصيص الذهب و الفضّة بالدنانير و الدراهم، و الثاني: في زيادة تخصيص العامّ الأوّل بمطلق الذهب و الفضّة على تقدير عدم تخصيصهما بالدنانير و الدراهم، فترجيح أحد المجازين على الآخر ترجيح من غير مرجّح، بل يمكن ترجيح تخصيص الذهب و الفضّة؛ لأنّ فيه مراعاة قوانين التعارض بينه و بين ما هو أخصّ منه.

قلنا: لا نسلّم التعارض بين الأمرين؛ لأنّ استعمال العامّ الأوّل على وجه المجاز حاصل على كلّ تقدير إجماعا، و زيادة التجوّز في الاستعمال لا يعارض به أصل التجوّز في المعنى الآخر، فإنّ إبقاء الذهب و الفضّة على عمومهما استعمال حقيقيّ، فكيف يكافيه مجرّد تقليل التجوّز مع ثبوت أصله؟! و بذلك يظهر بطلان الترجيح بغير مرجّح؛ لأنّ المرجّح حاصل في جانب الحقيقة.

هذا ما يقتضيه الحال من الكلام على هذين الوجهين، و بقي فيه مواضع تحتاج إلى تنقيح‏ (1)، انتهى.

[نظريّة المصنّف في الجمع بين الأدلّة الواردة في ضمان العارية]

أقول: الذي يقتضيه النظر، أنّ النسبة بين روايتي الدراهم‏

____________

(1) المسالك 5: 155- 158.

111

و الدنانير بعد جعلهما كرواية واحدة، و بين ما دلّ على استثناء الذهب و الفضّة، من قبيل العموم من وجه؛ لأنّ التعارض بين العقد السلبيّ من الاولى و العقد الإيجابيّ من الثانية، إلّا أنّ الأوّل عامّ و الثاني مطلق، و التقييد أولى من التخصيص.

و بعبارة اخرى: يدور الأمر بين رفع اليد عن ظاهر الحصر في الدرهم و الدينار، و رفع اليد عن إطلاق الذهب و الفضّة، و تقييدهما أولى.

إلّا أن يقال: إنّ الحصر في كلّ من روايتي الدرهم و الدينار موهون؛ من حيث اختصاصهما بأحدهما، فيجب إخراج الآخر من عمومه، فإنّ ذلك يوجب الوهن في الحصر و إن لم يكن الأمر كذلك في مطلق العامّ. و يؤيّد ذلك أنّ تقييد الذهب و الفضّة بالنقدين مع غلبة استعارة المصوغ بعيد جدّا.

و ممّا ذكرنا يظهر النظر في مواضع ممّا ذكره صاحب المسالك في تحرير وجهي المسألة.

[إذا كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة:]

و إن كانت النسبة بين المتعارضات مختلفة، فإن كان فيها ما يقدّم على بعض آخر منها، إمّا لأجل الدلالة كما في النصّ و الظاهر أو الظاهر و الأظهر، و إمّا لأجل مرجّح آخر، قدّم ما حقّه التقديم، ثمّ لوحظ النسبة مع باقي المعارضات.

فقد تنقلب النسبة و قد يحدث الترجيح، كما إذا ورد: «أكرم العلماء» و «لا تكرم فسّاقهم» و «يستحبّ إكرام العدول» فإنّه إذا خصّ العلماء بعدولهم يصير أخصّ مطلقا من العدول، فيخصّص العدول بغير علمائهم، و السرّ في ذلك واضح؛ إذ لو لا الترتيب في العلاج لزم إلغاء

112

النصّ أو طرح‏ (1) الظاهر المنافي له رأسا، و كلاهما باطل.

و قد لا تنقلب‏ (2) النسبة فيحدث الترجيح في المتعارضات بنسبة واحدة (3)، كما (4) لو ورد: «أكرم العلماء» و «لا تكرم الفسّاق» و «يستحبّ إكرام الشعراء» فإذا فرضنا أنّ الفسّاق أكثر فردا من العلماء خصّ بغير العلماء، فيخرج العالم الفاسق عن الحرمة، و يبقى الفرد الشاعر من العلماء الفسّاق‏ (5) مردّدا بين الوجوب و الاستحباب.

ثمّ إذا فرض أنّ الفسّاق بعد إخراج العلماء أقلّ فردا من الشعراء خصّ الشعراء به‏ (6)، فالفاسق الشاعر غير مستحبّ الإكرام. فإذا فرض صيرورة الشعراء بعد التخصيص بالفسّاق أقلّ موردا من العلماء خصّ دليل العلماء بدليله، فيحكم بأنّ مادّة الاجتماع بين الكلّ- أعني العالم الشاعر الفاسق- مستحبّ الإكرام.

و قس على ما ذكرنا صورة وجود المرجّح من غير جهة الدلالة لبعضها على بعض.

و الغرض من إطالة الكلام في ذلك التنبيه على وجوب التأمّل في علاج الدلالة عند التعارض؛ لأنّا قد عثرنا في كتب الاستدلال على بعض الزلّات، و اللّه مقيل العثرات.

____________

(1) لم ترد «طرح» في (ظ).

(2) في (ر) و (ه): «و قد تنقلب».

(3) لم ترد «رأسا- إلى- بنسبة واحدة» في (ظ).

(4) في (ظ): «و كما».

(5) في غير (ر) زيادة: «منه».

(6) لم ترد «به» في (ظ).

113

[المرجّحات الاخرى‏] (1) [المرجّحات غير الدلاليّة]

و حيث فرغنا عن بعض الكلام في المرجّحات من حيث الدلالة التي هي مقدّمة على غيرها، فلنشرع في مرجّحات الرواية من الجهات الأخر، فنقول و من اللّه التوفيق للاهتداء:

قد عرفت‏ (2) أنّ الترجيح: إمّا من حيث الصدور؛ بمعنى جعل صدور أحد الخبرين أقرب من صدور غيره، بحيث لو دار الأمر بين الحكم بصدوره و صدور غيره لحكمنا بصدوره. و مورد هذا المرجّح قد يكون في السند كأعدليّة الراوي، و قد يكون في المتن ككونه أفصح‏ (3).

و إمّا أن يكون من حيث جهة الصدور، فإنّ صدور الرواية قد يكون لجهة بيان الحكم الواقعي، و قد يكون لبيان خلافه؛ لتقيّة أو غيرها من مصالح إظهار خلاف الواقع، فيكون أحدهما بحسب المرجّح أقرب إلى الصدور لأجل بيان الواقع.

و إمّا أن يكون من حيث المضمون، بأن يكون مضمون أحدهما أقرب في النظر إلى الواقع.

و أمّا تقسيم الاصوليّين المرجّحات إلى السنديّة و المتنيّة، فهو

____________

(1) العنوان منّا.

(2) راجع الصفحة 80.

(3) في (ظ) زيادة: «أو كونه منقولا باللفظ».

114

باعتبار مورد المرجّح، لا باعتبار مورد (1) الرجحان، و لذا يذكرون في المرجّحات المتنيّة مثل: الفصيح، و الأفصح، و النقل باللفظ و المعنى، بل يذكرون المنطوق و المفهوم، و الخصوص و العموم، و أشباه ذلك. و نحن نذكر إن شاء اللّه تعالى نبذا من القسمين؛ لأنّ استيفاء الجميع تطويل لا حاجة إليه بعد معرفة أنّ المناط كون أحدهما أقرب من حيث الصدور عن الإمام (عليه السلام) لبيان الحكم الواقعيّ.

[المرجّحات السنديّة] (2)

أمّا الترجيح بالسند، فبأمور:

[1- العدالة:]

منها: كون أحد الراويين عدلا و الآخر غير عدل مع كونه مقبول الرواية من حيث كونه متحرّزا عن الكذب.

[2- الأعدليّة:]

و منها: كونه أعدل. و تعرف الأعدليّة إمّا بالنصّ عليها، و إمّا بذكر فضائل فيه لم تذكر في الآخر.

[3- الأصدقيّة:]

و منها: كونه أصدق مع عدالة كليهما. و يدخل في ذلك كونه أضبط (3).

و في حكم الترجيح بهذه الامور، أن يكون طريق ثبوت مناط القبول في أحدهما أوضح من الآخر و أقرب إلى الواقع؛ من جهة تعدّد

____________

(1) لم ترد «المرجّح لا باعتبار مورد» في (ظ).

(2) العنوان منّا.

(3) في (ظ): «أحفظ».

115

المزكّي أو رجحان أحد المزكّيين على الآخر. و يلحق بذلك التباس اسم المزكّى بغيره من المجروحين، و ضعف ما يميّز المشترك به.

[4- علوّ الإسناد:]

و منها: علوّ الإسناد؛ لأنّه كلّما قلّت الواسطة كان احتمال الكذب أقلّ. و قد يعارض‏ (1) في بعض الموارد بندرة ذلك، و استبعاد الإسناد لتباعد أزمنة الرواة، فيكون مظنّة الإرسال. و الحوالة على نظر المجتهد.

[5- المسنديّة:]

و منها: أن يرسل أحد الراويين فيحذف الواسطة و يسند الآخر روايته؛ فإنّ المحذوف يحتمل أن يكون توثيق المرسل له معارضا بجرح جارح، و هذا الاحتمال منفيّ في الآخر. و هذا إذا كان المرسل ممّن تقبل مراسيله، و إلّا فلا يعارض المسند رأسا. و ظاهر الشيخ في العدّة تكافؤ المرسل المقبول و المسند (2)، و لم يعلم وجهه.

[6- تعدّد الراوي:]

و منها: أن يكون الراوي لإحدى الروايتين متعدّدا و راوي الاخرى واحدا، أو يكون رواة إحداهما أكثر؛ فإنّ المتعدّد يرجّح على الواحد و الأكثر على الأقلّ، كما هو واضح. و حكي عن بعض العامّة (3) عدم الترجيح قياسا على الشهادة و الفتوى. و لازم هذا القول عدم الترجيح بسائر المرجّحات أيضا، و هو ضعيف.

[7- أعلائيّة طريق التحمّل:]

و منها: أن يكون طريق تحمّل أحد الراويين أعلى من طريق‏

____________

(1) ذكره العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط): 455.

(2) العدّة 1: 154.

(3) حكاه عن الكرخي العلّامة في نهاية الوصول (مخطوط): 454، و حكاه عن بعض الحنفيّة الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط): الورقة 218، و انظر الإحكام للآمدي 4: 251.

116

تحمّل الآخر، كأن يكون أحدهما بقراءته على الشيخ و الآخر بقراءة الشيخ عليه، و هكذا غيرهما من أنحاء التحمّل.

هذه نبذة من المرجّحات السنديّة التي توجب القوّة من حيث الصدور، و عرفت أنّ معنى القوّة كون أحدهما أقرب إلى الواقع من حيث اشتماله على مزيّة غير موجودة في الآخر، بحيث لو فرضنا العلم بكذب أحدهما و مخالفته للواقع كان احتمال مطابقة ذي المزيّة للواقع أرجح و أقوى من مطابقة الآخر، و إلّا فقد لا يوجب المرجّح الظنّ بكذب الخبر المرجوح‏ (1)؛ من جهة احتمال صدق كلا الخبرين، فإنّ الخبرين المتعارضين لا يعلم غالبا كذب أحدهما، و إنّما التجأنا إلى طرح أحدهما، بناء على تنافي ظاهريهما و عدم إمكان الجمع بينهما لعدم الشاهد، فيصيران في حكم ما لو وجب طرح أحدهما لكونه كاذبا فيؤخذ بما هو أقرب إلى الصدق من الآخر.

و الغرض من إطالة الكلام هنا أنّ بعضهم‏ (2) تخيّل: أنّ المرجّحات المذكورة في كلماتهم للخبر من حيث السند أو المتن، بعضها يفيد الظنّ القويّ، و بعضها يفيد الظنّ الضعيف، و بعضها لا يفيد الظنّ أصلا، فحكم بحجّيّة الأوّلين و استشكل في الثالث؛ من حيث إنّ الأحوط الأخذ بما فيه المرجّح، و من إطلاق أدلّة التخيير، و قوّى ذلك بناء على أنّه لا دليل على الترجيح بالامور التعبّدية في مقابل إطلاقات التخيير.

و أنت خبير: بأنّ جميع المرجّحات المذكورة مفيدة للظنّ الشأنيّ‏

____________

(1) في (ت)، (ه) و (ظ) زيادة: «لكنّه».

(2) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 698.

117

بالمعنى الذي ذكرنا، و هو: أنّه لو فرض القطع بكذب أحد الخبرين كان احتمال كذب المرجوح أرجح من صدقه، و إذا لم يفرض العلم بكذب أحد الخبرين فليس في المرجّحات المذكورة ما يوجب الظنّ بكذب الآخر (1)، و لو فرض أنّ شيئا منها كان في نفسه موجبا للظنّ بكذب الخبر كان مسقطا للخبر عن درجة الحجّية، و مخرجا للمسألة عن التعارض، فيعدّ ذلك الشي‏ء موهنا لا مرجّحا؛ إذ فرق واضح عند التأمّل بين ما يوجب في نفسه مرجوحيّة الخبر، و بين ما يوجب مرجوحيّته بملاحظة التعارض و فرض عدم الاجتماع.

[المرجّحات المتنيّة] (2)

و أمّا ما يرجع إلى المتن، فهي امور:

[1- الفصاحة:]

منها: الفصاحة، فيقدّم الفصيح على غيره؛ لأنّ الركيك أبعد من كلام المعصوم (عليه السلام)، إلّا أن يكون منقولا بالمعنى.

[2- الأفصحيّة:]

و منها: الأفصحيّة، ذكره جماعة (3) خلافا لآخرين‏ (4). و فيه تأمّل؛

____________

(1) في (ر) بدل «الآخر»: «أحد الخبرين».

(2) العنوان منّا.

(3) مثل السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 172، و المحقّق القمي في القوانين 2: 285، و السيد المجاهد في المفاتيح: 699.

(4) مثل العلّامة في مبادئ الوصول: 236، و نهاية الوصول (مخطوط): 457، و صاحب المعالم في المعالم: 252، و الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط):

220، و الشيخ الجرجاني في غاية البادئ (مخطوط): 287.

118

لعدم كون الفصيح بعيدا عن كلام‏ (1) الإمام، و لا الأفصح أقرب إليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة.

[3- استقامة المتن:]

و منها: اضطراب المتن، كما في بعض روايات عمّار (2) (3).

و مرجع الترجيح بهذه إلى كون متن أحد الخبرين أقرب صدورا من متن الآخر.

و علّل بعض المعاصرين‏ (4) الترجيح بمرجّحات المتن- بعد أن عدّ هذه منها-: بأنّ مرجع ذلك إلى الظنّ بالدلالة، و هو ممّا لم يختلف فيه علماء الإسلام، و ليس مبنيّا على حجّيّة مطلق الظنّ المختلف فيه.

ثمّ ذكر في مرجّحات المتن النقل باللفظ، و الفصاحة، و الركاكة، و المسموع من الشيخ بالنسبة إلى المقروء عليه، و الجزم بالسماع من المعصوم (عليه السلام) على غيره، و كثيرا من أقسام مرجّحات الدلالة، كالمنطوق و المفهوم و الخصوص و العموم و نحو ذلك.

____________

(1) في (ت)، (ه) و (ر) زيادة: «المعصوم».

(2) الظاهر أنّ المصنّف اشتبه عليه رواية أبان برواية عمّار، و هي رواية اختبار الدم عند اشتباهه بالقرحة بخروجه من الجانب الأيمن فيكون حيضا أو بالعكس، فرواه في الكافي بالأوّل و في التهذيب بالثاني. الكافي 3: 94، باب معرفة دم الحيض و العذرة و القرحة، الحديث 3. التهذيب 1: 385، باب الحيض و الاستحاضة و النفاس، الحديث 8. و انظر الرعاية في علم الدراية: 147- 148.

(3) في (ظ) زيادة: «و منها كون أحدهما منقولا باللفظ و الآخر منقولا بالمعنى، و يحتمل أن يكون المسموع من الإمام لفظا مغايرا لهذا اللفظ المنقول إليه» و في (ص) كتب عليها: «زائد».

(4) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 699- 704.

119

و أنت خبير: بأنّ مرجع الترجيح بالفصاحة و النقل باللفظ (1) إلى رجحان صدور أحد المتنين بالنسبة إلى الآخر، فالدليل عليه هو الدليل على اعتبار رجحان الصدور، و ليس راجعا إلى الظنّ في الدلالة المتّفق عليه بين علماء الإسلام.

و أمّا مرجّحات الدلالة، فهي من هذا الظنّ المتّفق عليه، و قد عدّها من مرجّحات المتن جماعة كصاحب الزبدة (2) و غيره‏ (3).

و الأولى ما عرفت: من أنّ هذه من قبيل النصّ و الظاهر، و الأظهر و الظاهر (4)، و لا تعارض بينهما، و لا ترجيح في الحقيقة، بل هي من موارد الجمع المقبول، فراجع.

[المرجّحات الجهتيّة] (5)

و أمّا الترجيح من حيث وجه الصدور:

[التقيّة و غيرها من المصالح:]

فبأن يكون أحد الخبرين مقرونا بشي‏ء يحتمل من أجله أن يكون‏

____________

(1) لم ترد «و النقل باللفظ» في (ت) و (ه).

(2) زبدة الاصول: 125- 126.

(3) مثل صاحب المعالم في المعالم: 252- 253، و السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 172، و الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط): الورقة 219.

(4) «و الظاهر» من (ص) و (ر).

(5) العنوان منّا.

120

الخبر صادرا على وجه المصلحة المقتضية لبيان خلاف حكم اللّه الواقعي: من تقيّة أو نحوها من المصالح.

[الترجيح بمخالفة العامّة:]

و هي و إن كانت غير محصورة في الواقع إلّا أنّ الذي بأيدينا أمارة التقيّة، و هي: مطابقة ظاهر الخبر لمذهب أهل الخلاف، فيحتمل صدور الخبر تقيّة عنهم (عليهم السلام) احتمالا غير موجود في الخبر الآخر.

قال في العدّة: إذا كان رواة الخبرين متساويين في العدد عمل بأبعدهما من قول العامّة و ترك العمل بما يوافقه‏ (1)، انتهى.

و قال المحقّق في المعارج- بعد نقل العبارة المتقدّمة عن الشيخ-:

و الظاهر أنّ احتجاجه في ذلك برواية رويت عن الصادق (عليه السلام)(2)، و هو إثبات مسألة علميّة بخبر الواحد. و لا يخفى عليك ما فيه، مع أنّه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد و غيره‏ (3).

فإن احتجّ بأنّ الأبعد لا يحتمل إلّا الفتوى، و الموافق للعامّة يحتمل التقيّة، فوجب الرجوع إلى ما لا يحتمل.

قلنا: لا نسلّم أنّه لا يحتمل إلّا الفتوى؛ لأنّه كما جاز الفتوى لمصلحة يراها الإمام (عليه السلام)، كذلك يجوز الفتوى بما يحتمل التأويل لمصلحة يعلمها الإمام (عليه السلام) و إن كنّا لا نعلم ذلك.

فإن قال: إنّ ذلك يسدّ باب العمل بالحديث.

قلنا: إنّما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض و حصول مانع يمنع‏

____________

(1) العدّة 1: 147.

(2) لعلّ مقصوده مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة 57.

(3) انظر مبحث الظنّ 1: 240.

121

من العمل لا مطلقا، فلا يلزم سدّ باب العمل‏ (1). انتهى كلامه، رفع مقامه.

[الوجوه المحتملة في الترجيح بمخالفة العامّة:]

أقول: توضيح المرام في هذا المقام، أنّ ترجيح أحد الخبرين بمخالفة العامّة يمكن أن يكون بوجوه:

الأوّل: مجرّد التعبّد

، كما هو ظاهر كثير من أخباره، و يظهر من المحقّق استظهاره من الشيخ (قدّس سرّهما‏).

الثاني: كون الرشد في خلافهم‏

، كما صرّح به في غير واحد من الأخبار المتقدّمة (2)، و رواية عليّ بن أسباط:

«قال: قلت للرضا (عليه السلام): يحدث الأمر، لا أجد بدّا من معرفته، و ليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك.

فقال: ائت فقيه البلد و استفته في أمرك، فإذا أفتاك بشي‏ء فخذ بخلافه، فإنّ الحقّ فيه» (3).

و أصرح من ذلك كلّه خبر أبي إسحاق الأرجائيّ‏ (4):

«قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ تدري لم امرتم بالأخذ بخلاف ما يقوله‏ (5) العامّة؟

فقلت: لا أدري.

____________

(1) المعارج: 156- 157.

(2) مثل مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة، المتقدّمتين في الصفحة 57 و 62.

(3) الوسائل 18: 83، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 23.

(4) كذا في النسخ، و في الوسائل: «الأرجانيّ».

(5) في المصدر: «تقول».

122

فقال: إنّ عليّا (صلوات اللّه عليه) لم يكن يدين اللّه بشي‏ء إلّا خالف عليه العامّة (1) إرادة لإبطال أمره، و كانوا يسألونه- (صلوات اللّه عليه)- عن الشي‏ء الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشي‏ء جعلوا له ضدّا من عندهم ليلبسوا على الناس» (2).

الثالث: حسن مجرّد المخالفة لهم‏

، فمرجع هذا المرجّح ليس الأقربيّة إلى الواقع، بل هو نظير ترجيح دليل الحرمة على الوجوب، و دليل الحكم الأسهل على غيره.

و يشهد لهذا الاحتمال بعض الروايات، مثل قوله (عليه السلام) في مرسلة داود بن الحصين: «إنّ من وافقنا خالف عدوّنا، و من وافق عدوّنا في قول أو عمل فليس منّا و لا نحن منه» (3)

و رواية الحسين بن خالد: «شيعتنا: المسلّمون لأمرنا، الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منّا» (4) فيكون حالهم حال اليهود الوارد فيهم قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «خالفوهم ما استطعتم» (5).

الرابع: الحكم بصدور الموافق تقيّة.

و يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية: «ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعته منّي‏

____________

(1) في المصدر: «خالف عليه الامّة إلى غيره».

(2) الوسائل 18: 83، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 24.

(3) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 33.

(4) الوسائل 18: 83، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 25.

(5) لم نعثر عليه بعينه. نعم، ورد ما يقرب منه في كنز العمّال 7: 532، الحديث 20114، و 15: 723، الحديث 42883.

123

لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه» (1)، بناء على أنّ المحكيّ عنه (عليه السلام) مع عدالة الحاكي كالمسموع منه، و أنّ الرواية مسوقة لحكم المتعارضين، و أنّ القضيّة غالبيّة؛ لكذب الدائميّة.

[ضعف الوجه الأوّل:]

أمّا الوجه الأوّل- فمع بعده عن مقام ترجيح أحد الخبرين المبنيّ اعتبارهما على الكشف النوعيّ- ينافيه‏ (2) التعليل المذكور في الأخبار المستفيضة المتقدّمة (3).

[ضعف الوجه الثالث:]

و منه يظهر ضعف الوجه الثالث، مضافا إلى صريح رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «ما أنتم و اللّه على شي‏ء ممّا هم فيه، و لا هم على شي‏ء ممّا أنتم فيه، فخالفوهم؛ فإنّهم ليسوا من الحنيفيّة على شي‏ء» (4) فقد فرّع الأمر بمخالفتهم على مخالفة أحكامهم للواقع، لا مجرّد حسن المخالفة.

[تعيّن الوجه الثاني أو الرابع:]

فتعيّن الوجه الثاني؛ لكثرة ما يدلّ عليه من الأخبار، أو الوجه الرابع؛ للخبر المذكور و ذهاب المشهور.

[الإشكال على الوجه الثاني:]

إلّا أنّه يشكل الوجه الثاني: بأنّ التعليل المذكور في الأخبار بظاهره غير مستقيم؛ لأنّ خلافهم ليس حكما واحدا حتّى يكون هو الحقّ، و كون الحقّ و الرشد فيه بمعنى وجوده في محتملاته لا ينفع في الكشف عن الحقّ. نعم، ينفع في الأبعديّة عن الباطل لو علم أو احتمل‏

____________

(1) الوسائل 15: 492، الباب 3 من أبواب الخلع، الحديث 7.

(2) في (ر): «ينافي».

(3) أي: «الأخبار العلاجيّة»، المتقدّمة في الصفحة 57- 67.

(4) الوسائل 18: 85، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 32.

124

غلبة الباطل على أحكامهم و كون الحقّ فيها نادرا، لكنّه خلاف الوجدان. و رواية أبي بصير المتقدّمة (1) و إن تأكّد مضمونها بالحلف، لكن لا بدّ من توجيهها، فيرجع الأمر إلى التعبّد بعلّة الحكم، و هو أبعد من التعبّد بنفس الحكم.

[الإشكال على الوجه الرابع:]

و الوجه الرابع: بأنّ دلالة الخبر المذكور عليه لا يخلو عن خفاء؛ لاحتمال أن يكون المراد من شباهة أحد الخبرين بقول الناس كونه متفرّعا على قواعدهم الباطلة، مثل: تجويز الخطأ على المعصومين من الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)- عمدا أو سهوا- و الجبر و التفويض، و نحو ذلك.

و قد اطلق الشباهة على هذا المعنى في بعض أخبار العرض على الكتاب و السنّة، حيث قال: «فإن أشبههما فهو حقّ، و إن لم يشبههما فهو باطل» (2). و هذا الحمل أولى من حمل القضيّة على الغلبة لا الدوام بعد تسليم الغلبة.

[توجيه الوجه الثاني:]

و يمكن دفع الإشكال في الوجه الثاني عن التعليل في الأخبار، بوروده على الغالب من انحصار الفتوى في المسألة في الوجهين؛ لأنّ الغالب أنّ الوجوه في المسألة إذا كثرت كانت العامّة مختلفين، و مع اتّفاقهم لا يكون في المسألة وجوه متعدّدة.

و يمكن أيضا الالتزام بما ذكرنا سابقا (3): من غلبة الباطل في أقوالهم، على ما صرّح به في رواية الأرجائيّ المتقدّمة (4). و أصرح منها ما حكي‏

____________

(1) تقدّمت في الصفحة السابقة.

(2) الوسائل 18: 89، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ضمن الحديث 48.

(3) راجع الصفحة 121.

(4) راجع الصفحة 121.

125

عن أبي حنيفة من قوله: «خالفت جعفرا في كلّ ما يقول، إلّا أنّي لا أدري أنّه يغمض عينيه في الركوع و السجود أو يفتحهما» (1). و حينئذ فيكون خلافهم أبعد من الباطل.

[توجيه الوجه الرابع:]

و يمكن توجيه الوجه الرابع: بعدم انحصار دليله في الرواية المذكورة، بل الوجه فيه هو ما تقرّر في باب التراجيح و استفيد من النصوص و الفتاوى: من حصول الترجيح بكلّ مزيّة في أحد الخبرين يوجب كونه أقلّ أو أبعد احتمالا لمخالفة الواقع من الخبر الآخر، و معلوم أنّ الخبر المخالف لا يحتمل فيه التقيّة، كما يحتمل في الموافق، على ما تقدّم من المحقّق (قدّس سرّه‏)(2). فمراد المشهور من حمل الخبر الموافق على التقيّة ليس كون الموافقة أمارة على صدور الخبر تقيّة، بل المراد أنّ الخبرين لمّا اشتركا في جميع الجهات المحتملة لخلاف الواقع- عدا احتمال الصدور تقيّة المختصّ بالخبر الموافق- تعيّن العمل بالمخالف و انحصر محمل الخبر الموافق المطروح في التقيّة.

و أمّا ما أورده المحقّق‏ (3): من معارضة احتمال التقيّة باحتمال الفتوى على التأويل.

ففيه: أنّ الكلام فيما إذا اشترك الخبران في جميع الاحتمالات المتطرّقة في السند و المتن و الدلالة، فاحتمال الفتوى على التأويل مشترك.

كيف، و لو فرض اختصاص الخبر المخالف باحتمال التأويل و عدم تطرّقه في الخبر الموافق، كان اللازم ارتكاب التأويل في الخبر المخالف؛ لما عرفت:

____________

(1) حكاه المحدّث الجزائري في زهر الربيع: 522.

(2) راجع الصفحة 120.

(3) راجع الصفحة 120.

126

من أنّ النصّ و الظاهر لا يرجع فيهما إلى المرجّحات.

و أمّا ما أجاب به صاحب المعالم عن الإيراد: بأنّ احتمال التقيّة في كلامهم أقرب و أغلب‏ (1).

ففيه- مع إشعاره بتسليم ما ذكره المحقّق، من معارضة احتمال التقيّة في الموافق باحتمال التأويل، مع ما عرفت، من خروج ذلك عن محلّ الكلام-: منع أغلبيّة التقيّة في الأخبار من التأويل.

و من هنا يظهر أنّ ما ذكرنا من الوجه في رجحان الخبر المخالف مختصّ بالمتباينين، و أمّا في ما كان من قبيل العامّين من وجه- بأن كان لكلّ واحد منهما ظاهر يمكن الجمع بينهما بصرفه عن ظاهره دون الآخر- فيدور الأمر بين حمل الموافق منهما على التقيّة، و الحكم بتأويل أحدهما ليجتمع مع الآخر.

مثلا: إذا ورد الأمر بغسل الثوب من أبوال ما لا يؤكل لحمه، و ورد: «كلّ شي‏ء يطير لا بأس بخرئه و بوله»، فدار الأمر بين حمل الثاني على التقيّة، و بين الحكم بتخصيص أحدهما لا بعينه، فلا وجه لترجيح التقيّة لكونها في كلام الأئمّة (عليهم السلام) أغلب من التخصيص.

فالعمدة في الترجيح بمخالفة العامّة- بناء على ما تقدّم‏ (2)، من جريان هذا المرجّح و شبهه في هذا القسم من المتعارضين-: هو ما تقدّم‏ (3)، من وجوب الترجيح بكلّ مزيّة في أحد المتعارضين، و هذا

____________

(1) المعالم: 256.

(2) راجع الصفحة 27.

(3) راجع الصفحة 75.

127

موجود فيما نحن فيه؛ لأنّ احتمال مخالفة الظاهر قائم في كلّ منهما، و المخالف للعامّة مختصّ بمزيّة مفقودة في الآخر، و هو عدم احتمال الصدور تقيّة (1).

[تلخيص ما ذكرنا:]

فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ الترجيح بالمخالفة من أحد وجهين- على ما يظهر من الأخبار-:

أحدهما: كونه أبعد من الباطل و أقرب إلى الواقع، فيكون مخالفة الجمهور نظير موافقة المشهور من المرجّحات المضمونيّة، على ما يظهر من أكثر (2) أخبار هذا الباب.

و الثاني: من جهة كون المخالف ذا مزيّة؛ لعدم‏ (3) احتمال التقيّة.

و يدلّ عليه ما دلّ على الترجيح بشهرة الرواية معلّلا بأنّه لا ريب فيه، بالتقريب المتقدّم سابقا (4).

و لعلّ الثمرة بين هذين الوجهين تظهر لك في ما يأتي إن شاء اللّه تعالى‏ (5).

____________

(1) لم ترد «تقيّة» في (ر) و (ه)، و في (ص) بدلها: «لأجل التقيّة»، كما أنّه لم ترد عبارة «و من هنا يظهر- إلى- تقيّة» في (ظ)، و كتب عليها في (ت) و (ه):

«زائد».

(2) لم ترد «أكثر» في (ظ).

(3) في (ظ) بدل «لعدم»: «أبعديّة».

(4) راجع الصفحة 77.

(5) انظر الصفحة 138.

128

بقي في هذا المقام امور:

الأوّل [حمل موارد التقيّة على التورية:]

أنّ الخبر الصادر تقيّة، يحتمل أن يراد به ظاهره فيكون من الكذب المجوّز لمصلحة، و يحتمل أن يراد منه تأويل مختف على المخاطب فيكون من قبيل التورية، و هذا أليق بالإمام (عليه السلام)، بل هو اللائق؛ إذا قلنا بحرمة الكذب مع التمكّن من التورية.

الثاني [ما أفاده المحدّث البحراني في منشأ التقيّة:]

أنّ بعض المحدّثين- كصاحب الحدائق- و إن لم يشترط في التقيّة موافقة الخبر لمذهب العامّة؛ لأخبار تخيّلها دالّة على مدّعاه، سليمة عمّا هو صريح في خلاف ما ادّعاه، إلّا أنّ الحمل على التقيّة في مقام الترجيح لا يكون إلّا مع موافقة أحدهما؛ إذ لا يعقل حمل أحدهما بالخصوص على التقيّة إذا (1) كانا مخالفين لهم.

فمراد المحدّث المذكور ليس الحمل على التقيّة مع عدم الموافقة في مقام الترجيح- كما أورده عليه بعض الأساطين‏ (2) في جملة المطاعن على‏

____________

(1) في غير (ظ) بدل «إذا»: «و إن».

(2) هو الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة: 355.

129

ما ذهب إليه من عدم اشتراط الموافقة في الحمل على التقيّة- بل المحدّث المذكور لمّا أثبت في المقدّمة الاولى من مقدّمات الحدائق خلوّ الأخبار عن الأخبار المكذوبة- لتنقيحها و تصحيحها في الأزمنة المتأخّرة، بعد أن كانت مغشوشة مدسوسة- صحّ لقائل أن يقول: فما بال هذه الأخبار المتعارضة التي لا تكاد تجتمع؟! فبيّن في المقدّمة الثانية دفع هذا السؤال، بأنّ معظم الاختلاف من جهة اختلاف كلمات الأئمة (عليهم السلام) مع المخاطبين، و أنّ الاختلاف إنّما هو منهم (عليهم السلام)، و استشهد على ذلك بأخبار زعمها دالّة على أنّ التقيّة كما تحصل ببيان ما يوافق العامّة، كذلك تحصل بمجرّد إلقاء الخلاف بين الشيعة؛ كيلا يعرفوا فيؤخذ برقابهم‏ (1).

[المناقشة فيما أفاده المحدّث البحراني:]

و هذا الكلام ضعيف؛ لأنّ الغالب اندفاع الخوف بإظهار الموافقة مع الأعداء، و أمّا الاندفاع بمجرّد رؤية (2) الشيعة مختلفين مع اتّفاقهم على مخالفتهم، فهو و إن أمكن حصوله أحيانا، لكنّه نادر جدّا، فلا يصار إليه في جلّ الأخبار المتخالفة (3)، مضافا إلى مخالفته لظاهر قوله (عليه السلام) في الرواية المتقدّمة (4): «ما سمعت منّي يشبه قول الناس ففيه التقيّة، و ما سمعت منّي لا يشبه قول الناس فلا تقيّة فيه».

فالذي يقتضيه النظر- على تقدير القطع بصدور جميع الأخبار

____________

(1) الحدائق 1: 5- 8.

(2) في (ظ) بدل «رؤية»: «رواية».

(3) في غير (ظ): «المختلفة».

(4) تقدّمت في الصفحة 123.

130

التي بأيدينا، على ما توهّمه بعض الأخباريّين‏ (1)، أو الظنّ بصدور جميعها إلّا قليلا في غاية القلّة، كما يقتضيه الإنصاف ممّن اطّلع على كيفيّة تنقيح الأخبار و ضبطها في الكتب- هو أن يقال:

[منشأ اختلاف الروايات:]

إنّ عمدة الاختلاف إنّما هي كثرة إرادة خلاف الظواهر في الأخبار إمّا بقرائن متّصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الأخبار أو نقلها بالمعنى، أو منفصلة مختفية من جهة كونها حاليّة (2) معلومة للمخاطبين أو مقاليّة اختفت بالانطماس، و إمّا بغير القرينة لمصلحة يراها الإمام (عليه السلام) من تقيّة- على ما اخترناه‏ (3)، من أنّ التقيّة على وجه التورية- أو غير التقيّة من المصالح الأخر.

و إلى ما ذكرنا ينظر ما فعله الشيخ (قدّس سرّه‏)- في الاستبصار (4)- من إظهار إمكان الجمع بين متعارضات الأخبار، بإخراج أحد المتعارضين أو كليهما عن ظاهره إلى معنى بعيد.

[إرادة المحامل و التأويلات البعيدة في الأخبار:]

و ربما يظهر من الأخبار محامل و تأويلات أبعد بمراتب ممّا ذكره‏

____________

(1) انظر الفوائد المدنيّة: 52- 53، هداية الأبرار: 17، و الحدائق 1: 17 و ما بعدها.

(2) في (ظ) بدل «حاليّة»: «خارجيّة».

(3) راجع الصفحة 128.

(4) فإنّه (قدّس سرّه‏) جمع في الاستبصار بين الأخبار المتعارضة تبرّعا و إن لم يعتمد عليه حتّى يعمل به، و غرضه بيان إمكان الجمع بين الأخبار المتعارضة، حتّى لا يشنّع على الشيعة، كما صرّح به في أوّل التهذيب: 2- 4، انظر القوانين 2: 278، و الفصول: 441، و مناهج الأحكام: 313، و راجع الاستبصار 1: 3- 5.

131

الشيخ، تشهد بأنّ ما ذكره الشيخ من المحامل غير بعيد عن مراد الإمام (عليه السلام)، و إن بعدت عن ظاهر الكلام إن لم‏ (1) يظهر فيه قرينة عليها:

فمنها: ما روي عن بعضهم (صلوات اللّه عليهم)، لمّا سأله بعض أهل العراق و قال: «كم آية تقرأ في صلاة الزوال؟ فقال (عليه السلام): ثمانون.

و لم يعد السائل، فقال (عليه السلام): هذا يظنّ أنّه من أهل الإدراك. فقيل له (عليه السلام): ما أردت بذلك و ما هذه الآيات؟ فقال: أردت منها ما يقرأ في نافلة الزوال، فإنّ الحمد و التوحيد لا يزيد على عشر آيات، و نافلة الزوال ثمان ركعات» (2).

و منها: ما روى من: «أنّ الوتر واجب»، فلمّا فرغ‏ (3) السائل و استفسر (4)، قال (عليه السلام): «إنّما عنيت وجوبها على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (5).

و منها: تفسير قولهم (عليهم السلام): «لا يعيد الصلاة فقيه» بخصوص الشكّ بين الثلاث و الأربع‏ (6).

و مثله تفسير وقت الفريضة في قولهم (عليهم السلام): «لا تطوّع في وقت‏

____________

(1) في (ه)، (ت) و (ص) بدل «إن لم»: «إلّا أن».

(2) الوسائل 4: 750، الباب 13 من أبواب القراءة، الحديث 3، و الحديث منقول بالمعنى.

(3) كذا في النسخ، و المناسب: «فزع» كما في المصدر.

(4) في (ر) و (ظ) بدل «و استفسر»: «و استقرّ».

(5) الوسائل 3: 49- 50، الباب 16 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 6، و الحديث وارد في مطلق النوافل، و لعلّ مراد المصنّف حديث آخر لم نقف عليه.

(6) الوسائل 5: 320، الباب 9 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الحديث 3.

132

الفريضة» بزمان قول المؤذّن: «قد قامت الصلاة» (1)، إلى غير ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع‏ (2).

و يؤيّد ما ذكرنا- من أنّ عمدة تنافي الأخبار ليس لأجل التقيّة- ما ورد مستفيضا: من عدم جواز ردّ الخبر و إن كان ممّا ينكر ظاهره‏ (3)، حتّى إذا قال للنهار: إنّه ليل، و لليل: إنّه نهار (4)، معلّلا ذلك بأنّه يمكن أن يكون له محمل لم يتفطّن السامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر، فلو كان عمدة التنافي من جهة صدور الأخبار المنافية بظاهرها لما في أيدينا من الأدلّة تقيّة، لم يكن في إنكار كونها من الإمام (عليه السلام) مفسدة، فضلا عن كفر الرادّ.

____________

(1) الوسائل 3: 166، الباب 35 من أبواب المواقيت، الحديث 9.

(2) مثل ما رواه في الوسائل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «قلت: عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ قال: نعم، قلت: أعني سفليه، فقال: ليس حيث تذهب، إنّما هو إذاعة سرّه». الوسائل 1: 367، الباب 8 من أبواب آداب الحمّام، الحديث 2. و ما رواه في الوسائل أيضا عن الرضا (عليه السلام): «إنّ اللّه يبغض البيت اللّحم و اللّحم السمين، قال: فقيل له: إنّا لنحبّ اللّحم، و ما تخلو بيوتنا منه، فقال: ليس حيث تذهب، إنّما البيت اللّحم الذي تؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة، و أمّا اللّحم السمين فهو المتبختر المتكبّر المختال في مشيه» الوسائل 8: 601، الباب 152 من أحكام العشرة، الحديث 17.

(3) انظر البحار 2: 182، الباب 26، باب أن حديثهم صعب مستصعب، و أنّ كلامهم ذو وجوه كثيرة، و فضل التدبّر في أخبارهم (عليهم السلام) و التسليم لهم، و النهي عن ردّ أخبارهم.

(4) انظر البحار 2: 187، الحديث 14.

133

الثالث [أنواع التقيّة:]

أنّ التقيّة قد تكون من فتوى العامّة، و هو الظاهر من إطلاق موافقة العامّة في الأخبار.

و اخرى: من حيث أخبارهم التي رووها، و هو المصرّح به في بعض الأخبار (1). لكنّ الظاهر أنّ ذلك محمول على الغالب، من كون الخبر مستندا للفتوى.

و ثالثة: من حيث عملهم، و يشير إليه قوله (عليه السلام) في المقبولة المتقدّمة (2): «ما هم إليه أميل قضاتهم و حكّامهم».

و رابعة: بكونه أشبه بقواعدهم و اصول دينهم و فروعه، كما يدلّ عليه الخبر المتقدّم‏ (3).

و عرفت سابقا (4) قوّة احتمال إرادة (5) التفرّع على قواعدهم الفاسدة، و يخرج الخبر حينئذ عن الحجّية و لو مع عدم المعارض، كما يدلّ عليه عموم الموصول.

____________

(1) مثل الحديثين الرابع و السابع المتقدّمين في الصفحة 64.

(2) تقدّمت في الصفحة 57.

(3) تقدّم في الصفحة 123.

(4) راجع الصفحة 124.

(5) «إرادة» من (ت) و (ه).

134

الرابع [الملاك في مرجّحية التقيّة:]

أنّ ظاهر الأخبار كون المرجّح موافقة جميع الموجودين في زمان الصدور أو معظمهم، على وجه يصدق الاستغراق العرفيّ. فلو وافق بعضهم بلا مخالفة (1) الباقين، فالترجيح به مستند إلى الكلّية المستفادة من الأخبار، من الترجيح بكلّ مزيّة.

و ربما يستفاد من قول السائل في المقبولة (2): «قلت: يا سيّدي، هما معا موافقان للعامّة»: أنّ المراد ب «ما وافق العامّة» أو «خالفهم» في المرجّح السابق يعمّ ما وافق‏ (3) البعض أو خالفه.

و يردّه: أنّ ظهور الفقرة الاولى في اعتبار الكلّ أقوى من ظهور هذه الفقرة في كفاية موافقة البعض، فيحمل على إرادة (4) صورة عدم وجود هذا المرجّح في شي‏ء منهما و تساويهما من هذه الجهة، لا صورة وجود هذا المرجّح في كليهما و تكافئهما من هذه الجهة.

[لو كان كلّ واحد من الخبرين المتعارضين موافقا لبعض العامّة:]

و كيف كان، فلو كان كلّ واحد موافقا لبعضهم مخالفا لآخرين منهم، وجب الرجوع إلى ما يرجّح في النظر ملاحظة التقيّة منه.

و ربما يستفاد ذلك من أشهريّة فتوى أحد البعضين في زمان‏

____________

(1) في نسخة بدل (ص): «معارضة»، و في (ظ): «معارضة مخالفة».

(2) أي: مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة 57.

(3) لم ترد «العامّة- إلى- ما وافق» في (ظ).

(4) لم ترد «إرادة» في (ظ).

135

الصدور، و يعلم ذلك بمراجعة أهل النقل و التأريخ، فقد حكي عن تواريخهم:

أنّ عامّة أهل الكوفة كان عملهم على فتاوى‏ (1) أبي حنيفة و سفيان الثوري و رجل آخر (2)، و أهل مكّة على فتاوى ابن جريح، و أهل المدينة على فتاوى مالك و رجل آخر (3)، و أهل البصرة على فتاوى عثمان‏ (4) و سوادة (5)، و أهل الشام على فتاوى الأوزاعيّ و الوليد، و أهل مصر على فتاوى الليث بن سعد (6)، و أهل خراسان على فتاوى عبد اللّه بن المبارك الزهريّ‏ (7)، و كان فيهم أهل الفتوى من غير هؤلاء، كسعيد بن المسيّب، و عكرمة، و ربيعة الرأي، و محمّد بن شهاب الزهريّ، إلى أن استقرّ رأيهم بحصر المذاهب في الأربعة سنة خمس و ستين و ثلاثمائة (8)، كما حكي‏ (9).

____________

(1) كذا في نسخة بدل (ت)، و في سائر النسخ: «فتوى».

(2) هو (ابن أبي ليلى) كما في الخطط المقريزيّة و الفوائد المدنيّة.

(3) «رجل آخر» من (ت)، و هو (ابن الماجشون) كما في الخطط و الفوائد.

(4) في الخطط و الفوائد: «عثمان البتّي».

(5) في الخطط و الفوائد و شرح الوافية: «سوار»، و هو الصحيح، و هو «سوار بن عبد اللّه».

(6) كذا في (ع) و الخطط و شرح الوافية، و في سائر النسخ: «سعيد».

(7) لم ترد «الزهري» في الخطط و الفوائد و شرح الوافية.

(8) كذا في النسخ، و في الفوائد و الخطط: «ستمائة».

(9) حكاه في شرح الوافية (مخطوط): 491- 492، و أصله من كتاب المواعظ و الاعتبار بذكر الخطط و الآثار، المعروف ب «الخطط المقريزية» 2: 331- 344.

136

و قد يستفاد ذلك من الأمارات الخاصّة، مثل: قول الصادق (عليه السلام)- حين حكي له فتوى ابن أبي ليلى في بعض مسائل الوصيّة-: «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه» (1).

و قد يستفاد من ملاحظة أخبارهم المرويّة في كتبهم؛ و لذا انيط الحكم في بعض الروايات‏ (2) بموافقة أخبارهم.

الخامس [مرتبة هذا المرجّح:]

قد عرفت أنّ الرجحان بحسب الدلالة لا يزاحمه الرجحان بحسب الصدور، و كذا لا يزاحمه هذا الرجحان، أي: الرجحان من حيث جهة الصدور. فإذا كان الخبر الأقوى دلالة موافقا للعامّة قدّم على الأضعف المخالف؛ لما عرفت: من أنّ الترجيح بقوّة الدلالة من الجمع المقبول الذي هو مقدّم على الطرح.

[تقدّم المرجّح الصدوري على الجهتي:]

أمّا لو زاحم الترجيح بالصدور الترجيح من حيث جهة الصدور بأن كان الأرجح صدورا موافقا للعامّة، فالظاهر تقديمه على غيره و إن‏

____________

- (طبعة بغداد)، الذي حكى عنه في الفوائد المدنيّة: 24- 28، و حكاه أيضا في القوانين 2: 286، و الفوائد الحائريّة: 220- 221، و مناهج الأحكام: 316، و مفاتيح الاصول: 717- 718، و راجع بهذا الصدد رسالة تأريخ حصر الاجتهاد للعلّامة الطهراني (قدّس سرّه‏).

(1) الوسائل 13: 478، الباب 92 من أحكام الوصايا، الحديث 2.

(2) مثل الحديثين الرابع و السابع المتقدّمين في الصفحة 64.

137

كان مخالفا للعامّة، بناء على تعليل الترجيح بمخالفة العامّة باحتمال التقيّة في الموافق؛ لأنّ هذا الترجيح ملحوظ في الخبرين بعد فرض صدورهما قطعا كما في المتواترين، أو تعبّدا كما في الخبرين، بعد عدم إمكان التعبّد بصدور أحدهما و ترك التعبّد بصدور الآخر، و فيما نحن فيه يمكن ذلك بمقتضى أدلّة الترجيح من حيث الصدور.

فإن قلت: إنّ الأصل في الخبرين الصدور، فإذا تعبّدنا بصدورهما اقتضى ذلك الحكم بصدور الموافق تقيّة، كما يقتضى ذلك الحكم بإرادة خلاف الظاهر في أضعفهما دلالة، فيكون هذا المرجّح نظير الترجيح بحسب الدلالة مقدّما على الترجيح بحسب الصدور.

قلت: لا معنى للتعبّد بصدورهما مع وجوب حمل أحدهما المعيّن على التقيّة؛ لأنّه إلغاء لأحدهما في الحقيقة؛ و لذا لو تعيّن حمل خبر غير معارض على التقيّة على تقدير الصدور، لم تشمله أدلّة التعبّد بخبر العادل.

نعم، لو علم بصدور الخبرين لم يكن بدّ من حمل الموافق على التقيّة و إلغائه، و أمّا إذا لم يعلم بصدورهما- كما في ما نحن فيه من المتعارضين- فيجب الرجوع إلى المرجّحات الصدوريّة، فإن أمكن ترجيح أحدهما و تعيينه‏ (1) من حيث التعبّد بالصدور دون الآخر تعيّن، و إن قصرت اليد عن هذا الترجيح كان عدم احتمال التقيّة في أحدهما مرجّحا.

فمورد هذا المرجّح تساوي الخبرين من حيث الصدور، إمّا علما

____________

(1) في غير (ظ): «تعيّنه».

138

كما في المتواترين، أو تعبّدا كما في المتكافئين من الآحاد. و أمّا ما وجب فيه التعبّد بصدور أحدهما المعيّن دون الآخر، فلا وجه لإعمال هذا المرجّح فيه؛ لأنّ جهة الصدور متفرّعة على أصل الصدور.

و الفرق بين هذا الترجيح و الترجيح في الدلالة المتقدّم على الترجيح بالسند، أنّ التعبّد بصدور الخبرين على أن يعمل بظاهر أحدهما و بتأويل الآخر بقرينة ذلك الظاهر ممكن غير موجب لطرح دليل أو أصل، بخلاف التعبّد بصدورهما ثمّ حمل أحدهما على التقيّة الذي هو في معنى إلغائه و ترك التعبّد به.

هذا كلّه على تقدير توجيه الترجيح بالمخالفة باحتمال التقيّة.

أمّا لو قلنا بأنّ الوجه في ذلك كون المخالف أقرب إلى الحقّ و أبعد من الباطل- كما يدلّ عليه جملة من الأخبار (1)- فهي من المرجّحات المضمونيّة، و سيجي‏ء حالها مع غيرها (2).

____________

(1) مثل مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة و رواية علي بن أسباط التي تقدّمت في الصفحة 57، 62 و 121.

(2) انظر الصفحة 145.

139

[المرجحات الخارجية] (1) [على قسمين:]

أمّا المرجّحات الخارجية و قد أشرنا إلى أنّها على قسمين‏ (2):

الأوّل: ما يكون غير معتبر بنفسه.

و الثاني: ما يعتبر بنفسه، بحيث لو لم يكن هناك دليل كان هو المرجع.

[القسم الأوّل‏] (3) [: ما يكون غير معتبر في نفسه:]

[1- شهرة أحد الخبرين:]

فمن الأوّل: شهرة أحد الخبرين:

إمّا من حيث الرواية (4)، بأن اشتهر روايته بين الرواة، بناء على كشفها عن شهرة العمل.

أو اشتهار (5) الفتوى به و لو مع العلم بعدم استناد المفتين إليه.

[2- كون الراوي أفقه:]

و منه: كون الراوي له أفقه من راوي الآخر في جميع الطبقات أو

____________

(1) العنوان منّا.

(2) راجع الصفحة 79.

(3) العنوان منّا.

(4) كذا في (ظ)، و في (ت) و (ص): «روايته»، و في غيرها: «رواته».

(5) لم ترد «بناء- إلى- أو اشتهار» في (ظ)، و ورد بدلها: «أو».

140

في بعضها، بناء على أنّ الظاهر عمل الأفقه به‏ (1).

[3- مخالفة أحد الخبرين للعامّة:]

و منه: مخالفة أحد الخبرين للعامّة، بناء على ظاهر الأخبار المستفيضة (2) الواردة في وجه الترجيح بها.

[4- كلّ أمارة مستقلّة غير معتبرة:]

و منه: كلّ أمارة مستقلّة غير معتبرة وافقت مضمون أحد الخبرين إذا كان عدم اعتبارها لعدم الدليل، لا لوجود الدليل على العدم، كالقياس‏ (3).

[الدليل على هذا النحو من المرجّح:]

ثمّ الدليل على الترجيح بهذا النحو من المرجّح ما يستفاد من الأخبار: من الترجيح بكلّ ما يوجب أقربيّة أحدهما إلى الواقع و إن كان خارجا عن الخبرين، بل يرجع‏ (4) هذا النوع‏ (5) إلى المرجّح الداخليّ؛ فإنّ أحد الخبرين إذا طابق أمارة ظنّيّة فلازمه الظنّ بوجود خلل في الآخر، إمّا من حيث الصدور أو من حيث جهة الصدور، فيدخل الراجح فيما لا ريب فيه و المرجوح فيما فيه الريب. و قد عرفت أنّ المزيّة الداخليّة قد تكون موجبة لانتفاء احتمال في ذيها موجود في الآخر، كقلّة الوسائط، و مخالفة العامّة بناء (6) على الوجه السابق‏ (7). و قد توجب‏

____________

(1) لم ترد «بناء- إلى- الأفقه به» في (ظ).

(2) مثل مقبولة ابن حنظلة و مرفوعة زرارة و رواية علي بن أسباط التي تقدّمت في الصفحة 57، 62 و 121.

(3) لم ترد «لا لوجود- إلى- كالقياس» في (ظ).

(4) في (ظ): «مرجع».

(5) في (ص) زيادة: «من المرجّح».

(6) لم ترد «بناء» في (ظ).

(7) و هو الوجه الرابع المتقدّم في الصفحة 122.

141

بعد الاحتمال الموجود في ذيها بالنسبة إلى الاحتمال الموجود في الآخر، كالأعدليّة و الأوثقيّة (1). و المرجّح الخارجيّ من هذا القبيل، غاية الأمر عدم العلم تفصيلا بالاحتمال القريب في أحدهما البعيد في الآخر، بل ذو المزيّة داخل في الأوثق المنصوص عليه في الأخبار.

و من هنا، يمكن أن يستدلّ على المطلب: بالإجماع المدّعى في كلام جماعة (2) على وجوب العمل بأقوى الدليلين، بناء على عدم شموله للمقام؛ من حيث إنّ الظاهر من الأقوى أقواهما في نفسه و من حيث هو، لا مجرّد كون مضمونه أقرب إلى الواقع لموافقة أمارة خارجيّة.

فيقال في تقريب الاستدلال: إنّ الأمارة موجبة لظنّ خلل في المرجوح مفقود في الراجح، فيكون الراجح أقوى احتمالا (3) من حيث نفسه.

فإن قلت: إنّ المتيقّن من النصّ و معاقد الإجماع اعتبار المزيّة الداخليّة القائمة بنفس الدليل، و أمّا الحاصلة من الأمارة الخارجيّة التي دلّ الدليل على عدم العبرة بها من حيث دخولها في ما لا يعلم، فلا اعتبار بكشفها عن الخلل في المرجوح، و لا فرق بينها و بين القياس في عدم العبرة بها في مقام الترجيح كمقام الحجّية. هذا، مع أنّه لا معنى لكشف الأمارة عن خلل في المرجوح؛ لأنّ الخلل في الدليل من حيث‏

____________

(1) في (ظ) بدل «الأوثقيّة»: «الأفقهيّة».

(2) انظر نهاية الوصول (مخطوط): 451، و مبادئ الوصول: 232، و غاية البادئ (مخطوط): 276، و غاية المأمول (مخطوط): الورقة 218، و مفاتيح الاصول:

686.

(3) في (ر) بدل «احتمالا»: «إجمالا».

142

إنّه دليل قصور في طريقيّته، و المفروض تساويهما في جميع ما له دخل‏ (1) في الطريقيّة، و مجرّد الظنّ بمخالفة خبر للواقع لا يوجب خللا (2) في ذلك؛ لأنّ الطريقيّة ليست منوطة بمطابقة الواقع.

قلت: أمّا النصّ، فلا ريب في عموم التعليل في قوله (عليه السلام): «لأنّ المجمع عليه لا ريب فيه» (3)، و قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4) لما نحن فيه، بل قوله (عليه السلام): «فإنّ الرشد فيما خالفهم» (5)، و كذا التعليل في رواية الأرجائيّ‏ (6): «لم امرتم بالأخذ بخلاف ما عليه العامّة» وارد في المرجّح الخارجيّ؛ لأنّ مخالفة العامّة نظير موافقة المشهور.

و أمّا معقد الإجماعات، فالظاهر أنّ المراد (7) منه: الأقرب إلى الواقع‏ (8) و الأرجح مدلولا، و لو بقرينة ما يظهر من العلماء- قديما و حديثا (9)- من إناطة الترجيح بمجرّد الأقربيّة إلى الواقع، كاستدلالهم‏

____________

(1) في غير (ظ) بدل «دخل»: «مدخل».

(2) في (ظ) زيادة: «في الواقع».

(3) الوارد في مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة في الصفحة 57.

(4) الوسائل 18: 122 و 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 38 و 56.

(5) الوسائل 18: 80، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، ضمن الحديث 19.

(6) المتقدّمة في الصفحة 121.

(7) لم ترد «أنّ المراد» في (ظ).

(8) كتب في (ص) على «إلى الواقع»: «نسخة».

(9) لم ترد «من العلماء قديما و حديثا» في (ظ).

143

على الترجيحات بمجرّد الأقربيّة إلى الواقع‏ (1)، مثل ما سيجي‏ء (2) من كلماتهم في الترجيح بالقياس، و مثل الاستدلال على الترجيح بموافقة الأصل بأنّ الظنّ في الخبر الموافق له أقوى، و على الترجيح بمخالفة الأصل بأنّ الغالب تعرّض الشارع لبيان ما يحتاج إلى البيان، و استدلال المحقّق على ترجيح أحد المتعارضين بعمل أكثر الطائفة: «بأنّ الكثرة أمارة الرجحان و العمل بالراجح واجب» (3)، و غير ذلك ممّا يجده المتتبّع في كلماتهم.

مع أنّه يمكن دعوى حكم العقل بوجوب العمل بالأقرب إلى الواقع في ما كان حجّيّتهما من حيث الطريقيّة، فتأمّل.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: [الترجيح بما ورد المنع عن العمل به كالقياس:]

أنّ الأمارة التي قام الدليل على المنع عنها بالخصوص- كالقياس- هل هي من المرجّحات أم لا؟ ظاهر المعظم العدم، كما يظهر من طريقتهم في كتبهم الاستدلاليّة في الفقه.

و حكى المحقّق في المعارج عن بعض القول بكون القياس مرجّحا، حيث‏ (4) قال:

ذهب ذاهب‏ (5) إلى أنّ الخبرين إذا تعارضا و كان القياس موافقا

____________

(1) لم ترد «إلى الواقع» في (ظ)، و شطب عليها في (ه) و (ت).

(2) سيجي‏ء بعد سطور.

(3) المعارج: 155.

(4) «حيث» من (ت) و (ه).

(5) يمكن أن يريد به ابن الجنيد (قدّس سرّه‏)، فإنّ العمل بالقياس منسوب إليه.

144

لما تضمّنه أحدهما، كان ذلك وجها يقتضي ترجيح ذلك الخبر. و يمكن أن يحتجّ لذلك: بأنّ الحقّ في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما و لا طرحهما، فتعيّن العمل بأحدهما، و إذا كان التقدير تقدير التعارض، فلا بدّ في العمل بأحدهما من مرجّح، و القياس يصلح أن يكون مرجّحا؛ لحصول الظنّ به، فتعيّن العمل بما طابقه.

لا يقال: أجمعنا على أنّ القياس مطروح في الشريعة.

لأنّا نقول: بمعنى أنّه ليس بدليل، لا بمعنى أنّه لا يكون مرجّحا لأحد الخبرين؛ و هذا لأنّ فائدة كونه مرجّحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض، فيكون العمل به، لا بذلك القياس. و فيه نظر (1)، انتهى.

و مال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين‏ (2).

و الحقّ خلافه؛ لأنّ رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة، كرفع العمل بالخبر السليم عن المعارض به‏ (3)، و الرجوع معه إلى الاصول. و أيّ فرق بين رفع القياس لوجوب العمل بالخبر السليم عن المعارض و جعله كالمعدوم حتّى يرجع إلى الأصل، و بين رفعه لجواز العمل بالخبر المكافئ‏ (4) لخبر آخر و جعله كالمعدوم حتّى يتعيّن العمل بالخبر الآخر؟!

____________

(1) المعارج: 186- 187.

(2) هو السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 716.

(3) «به» من (ص).

(4) في غير (ص): «للتكافؤ».

145

ثمّ إنّ الممنوع هو الاعتناء بالقياس مطلقا؛ و لذا استقرّت طريقة أصحابنا على هجره في باب الترجيح، و لم نجد منهم موضعا يرجّحونه به، و لو لا ذلك لوجب تدوين شروط القياس في الاصول ليرجّح به في الفروع.

الثاني: في مرتبة هذا المرجّح‏

بالنسبة إلى المرجّحات السابقة.

فنقول: أمّا الرجحان من حيث الدلالة، فقد عرفت غير مرّة تقدّمه على جميع المرجّحات. نعم، لو بلغ المرجّح الخارجيّ إلى حيث يوهن الأرجح دلالة، فهو يسقطه عن الحجّيّة و يخرج الفرض عن تعارض الدليلين؛ و من هنا قد (1) يقدّم العامّ المشهور أو (2) المعتضد بالامور الخارجيّة الأخر على الخاصّ.

و أمّا الترجيح من حيث السند، فظاهر مقبولة ابن حنظلة (3) تقديمه على المرجّح الخارجيّ. لكنّ الظاهر أنّ الأمر بالعكس؛ لأنّ رجحان السند إنّما اعتبر لتحصيل الأقرب إلى الواقع، فإنّ الأعدل أقرب إلى الصدق من غيره، بمعنى أنّه لو فرض العلم بكذب أحد الخبرين كان المظنون صدق الأعدل و كذب العادل، فإذا فرض كون خبر العادل مظنون المطابقة للواقع و خبر الأعدل مظنون المخالفة، فلا وجه لترجيحه بالأعدليّة. و كذا الكلام في الترجيح بمخالفة العامّة، بناء على أنّ الوجه فيه هو نفي احتمال التقيّة.

____________

(1) لم ترد «قد» في (ت).

(2) في غير (ظ) بدل «أو»: «و».

(3) المتقدّمة في الصفحة 57.

146

[القسم الثاني‏] (1) [ما يكون معتبرا في نفسه، و هو على قسمين:]

و أمّا القسم الثاني، و هو ما كان مستقلا بالاعتبار و لو خلا المورد عن الخبرين‏ (2)، فقد أشرنا إلى أنّه على قسمين:

الأوّل: ما يكون معاضدا لمضمون أحد الخبرين.

و الثاني: ما لا يكون كذلك.

[الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة و الدليل عليه‏]

فمن القسم الأوّل: الكتاب و السنّة، و الترجيح بموافقتهما ممّا تواتر به الأخبار.

و استدلّ في المعارج على ذلك بوجهين:

أحدهما: أنّ الكتاب دليل مستقلّ، فيكون دليلا على صدق مضمون الخبر.

ثانيهما: أنّ الخبر المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض، فما ظنّك به معه؟! (3) انتهى.

و غرضه الاستدلال على طرح الخبر المنافي، سواء قلنا بحجّيّته مع معارضته لظاهر الكتاب أم قلنا بعدم حجّيّته، فلا يتوهّم التنافي بين دليليه.

____________

(1) العنوان منّا.

(2) في (ت): «الخبر».

(3) المعارج: 154.

147

ثمّ إنّ توضيح الأمر في هذا المقام يحتاج إلى تفصيل أقسام ظاهر الكتاب و (1) السنّة المطابق لأحد المتعارضين. فنقول:

[صور مخالفة ظاهر الكتاب:]

إنّ ظاهر الكتاب إذا لوحظ مع الخبر المخالف فلا يخلو عن صور ثلاث:

الاولى: أن يكون على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن معارضة المطابق له كان مقدّما عليه؛ لكونه نصّا بالنسبة إليه؛ لكونه اخصّ منه أو غير ذلك- بناء على تخصيص الكتاب بخبر الواحد- فالمانع عن التخصيص حينئذ ابتلاؤه‏ (2) بمعارضة مثله، كما إذا تعارض «أكرم زيدا العالم» و «لا تكرم زيدا العالم»، و كان في الكتاب عموم يدلّ على وجوب إكرام العلماء.

و مقتضى القاعدة في هذا المقام:

أن يلاحظ أوّلا جميع ما يمكن أن يرجّح به الخبر المخالف للكتاب على المطابق له، فإن وجد شي‏ء منها رجّح المخالف به و خصّص به الكتاب؛ لأنّ المفروض انحصار المانع عن تخصيصه به في ابتلائه بمزاحمة الخبر المطابق للكتاب؛ لأنّه مع الكتاب من قبيل النصّ و الظاهر، و قد عرفت أنّ العمل بالنصّ ليس من باب الترجيح، بل من باب العمل بالدليل و القرينة في مقابلة أصالة الحقيقة، حتّى لو قلنا بكونها من باب الظهور النوعيّ. فإذا عولجت المزاحمة بالترجيح صار المخالف كالسليم عن المعارض، فيصرف ظاهر الكتاب بقرينة الخبر السليم.

____________

(1) في غير (ظ): «أو».

(2) في غير (ظ) بدل «ابتلاؤه»: «ابتلاء الخاصّ».

148

و لو لم يكن هناك مرجّح:

فإن حكمنا في الخبرين المتكافئين بالتخيير- إمّا لأنّه الأصل في المتعارضين، و إمّا لورود الأخبار بالتخيير- كان اللازم التخيير، و أنّ له أن يأخذ بالمطابق و أن يأخذ بالمخالف، فيخصّص به عموم الكتاب؛ لما سيجي‏ء: من أنّ موافقة أحد الخبرين للأصل لا يوجب رفع التخيير.

و إن قلنا بالتساقط أو التوقّف، كان المرجع هو ظاهر الكتاب.

فتلخّص: أنّ الترجيح بظاهر الكتاب لا يتحقّق بمقتضى القاعدة (1) في شي‏ء من فروض هذه الصورة.

الثانية: أن يكون على وجه لو خلا الخبر المخالف له عن معارضه لكان مطروحا؛ لمخالفته الكتاب‏ (2)، كما إذا تباين مضمونهما كلّيّة. كما لو كان ظاهر الكتاب في المثال المتقدّم وجوب إكرام زيد العالم.

و اللازم في هذه الصورة خروج الخبر المخالف عن الحجّيّة رأسا؛ لتواتر الأخبار ببطلان الخبر المخالف للكتاب و السنّة (3)، و المتيقّن من المخالفة هذا الفرد، فيخرج الفرض عن تعارض الخبرين، فلا مورد للترجيح في هذه الصورة أيضا؛ لأنّ المراد به تقديم أحد الخبرين لمزيّة فيه، لا لما يسقط الآخر عن الحجّيّة. و هذه الصورة عديمة المورد فيما بأيدينا من الأخبار المتعارضة.

الثالثة: أن يكون على وجه لو خلا المخالف له عن المعارض‏

____________

(1) لم ترد «بمقتضى القاعدة» في (ظ).

(2) لم ترد «لمخالفته الكتاب» في (ر).

(3) لم ترد «و السنّة» في (ر) و (ص).

149

لخالف الكتاب، لكن لا على وجه التباين الكلّيّ، بل يمكن الجمع بينهما بصرف أحدهما عن ظاهره.

و حينئذ، فإن قلنا بسقوط الخبر المخالف بهذه المخالفة عن الحجّيّة كان حكمها حكم الصورة الثانية، و إلّا كان الكتاب مع الخبر المطابق بمنزلة دليل واحد عارض الخبر المخالف، و الترجيح حينئذ بالتعاضد و قطعيّة سند الكتاب.

فالترجيح بموافقة الكتاب منحصر في هذه الصورة الأخيرة.

[مرتبة هذا المرجّح:]

لكن هذا الترجيح مقدّم:

على الترجيح بالسند؛ لأنّ أعدليّة الراوي في الخبر المخالف لا تقاوم قطعيّة سند الكتاب الموافق للخبر الآخر.

و على الترجيح بمخالفة العامّة؛ لأنّ التقيّة غير متصوّرة في الكتاب الموافق للخبر الموافق للعامّة.

و على المرجّحات الخارجيّة؛ لأنّ الأمارة المستقلّة المطابقة للخبر الغير المعتبرة لا تقاوم الكتاب المقطوع الاعتبار، و لو فرضنا الأمارة المذكورة مسقطة لدلالة الخبر و الكتاب المخالفين لها عن الحجّيّة- لأجل القول بتقييد اعتبار الظواهر بصورة عدم قيام الظنّ الشخصيّ على خلافها- خرج المورد عن فرض التعارض.

و لعلّ ما ذكرناه هو الداعي للشيخ (قدّس سرّه‏) في تقديم الترجيح بهذا المرجّح على جميع ما سواه من المرجّحات، و ذكر الترجيح بها بعد فقد هذا المرجّح‏ (1).

____________

(1) راجع العدّة 1: 144- 146.

150

إذا عرفت ما ذكرنا، علمت توجّه‏ (1) الإشكال فيما دلّ من الأخبار العلاجيّة على تقديم بعض المرجّحات على موافقة الكتاب كمقبولة ابن حنظلة (2)، بل و في غيرها ممّا اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب و السنّة؛ من حيث إنّ الصورة الثالثة قليلة الوجود في الأخبار المتعارضة، و الصورة الثانية أقلّ وجودا بل معدومة، فلا يتوهّم حمل تلك الأخبار عليها و إن لم تكن من باب ترجيح أحد المتعارضين؛ لسقوط المخالف عن الحجّيّة مع قطع النظر عن التعارض.

و يمكن التزام دخول الصورة الاولى في الأخبار التي اطلق فيها الترجيح بموافقة الكتاب، فلا يقلّ موردها، و ما ذكر- من ملاحظة الترجيح بين الخبرين المخصّص أحدهما لظاهر الكتاب- ممنوع. بل نقول:

إنّ ظاهر تلك الأخبار- و لو بقرينة لزوم قلّة المورد بل عدمه، و بقرينة بعض الروايات الدالّة على ردّ بعض ما ورد في الجبر و التفويض بمخالفة الكتاب‏ (3) مع كونه ظاهرا في نفيهما-: أنّ الخبر المعتضد بظاهر الكتاب لا يعارضه الخبر الآخر و إن كان لو انفرد رفع اليد به عن ظاهر الكتاب.

و أمّا الإشكال المختصّ بالمقبولة من حيث تقديم بعض المرجّحات على موافقة الكتاب، فيندفع بما أشرنا إليه سابقا: من أنّ الترجيح بصفات الراوي فيها من حيث كونه حاكما، و أوّل المرجّحات الخبريّة فيها هي شهرة إحدى الروايتين و شذوذ الاخرى، و لا بعد في تقديمها على موافقة الكتاب.

____________

(1) في (ص): «توجيه».

(2) المتقدّمة في الصفحة 57.

(3) البحار 5: 20 و 68، الحديث 3 و 1.

151

ثمّ إنّ الدليل المستقلّ المعاضد لأحد الخبرين حكمه حكم الكتاب و السنّة في الصورة الاولى. و أمّا في الصورتين الأخيرتين، فالخبر المخالف له يعارض مجموع الخبر الآخر و الدليل المطابق له، و الترجيح هنا بالتعاضد لا غير.

[الثاني:- ما لا يكون معاضدا لأحد الخبرين‏]

و أمّا القسم الثاني- و هو ما لا يكون معاضدا لأحد الخبرين- فهي عدّة امور:

[الترجيح بموافقة الأصل:]

منها: الأصل، بناء على كون مضمونه حكم اللّه الظاهريّ؛ إذ لو بني على إفادته الظنّ بحكم اللّه الواقعيّ كان من القسم الأوّل. و لا فرق في ذلك بين الاصول الثلاثة، أعني: أصالة البراءة، و الاحتياط، و الاستصحاب.

[الإشكال في الترجيح بالاصول:]

لكن يشكل الترجيح بها؛ من حيث إنّ مورد الاصول ما إذا فقد الدليل الاجتهاديّ المطابق أو المخالف، فلا مورد لها إلّا بعد فرض تساقط المتعارضين لأجل التكافؤ، و المفروض أنّ الأخبار المستفيضة دلّت على التخيير مع فقد المرجّح، فلا مورد للأصل في تعارض الخبرين رأسا.

فلا بدّ من التزام عدم الترجيح بها، و أنّ الفقهاء إنّما رجّحوا بأصالة البراءة و الاستصحاب في الكتب الاستدلاليّة؛ من حيث بنائهم على حصول الظنّ النوعيّ بمطابقة الأصل. و أمّا الاحتياط، فلم يعلم منهم الاعتماد عليه، لا في مقام الاستناد (1)، و لا في مقام الترجيح‏ (2).

____________

(1) في (ه): «الإسناد».

(2) في (ر): «إلّا في مقام الاستناد، لا في مقام الترجيح».

152

و قد يتوهّم‏ (1): أنّ ما دلّ على التخيير مع تكافؤ الخبرين معارض بما دلّ على الاصول الثلاثة، فإنّ مورد الاستصحاب عدم اليقين بخلاف الحالة السابقة، و هو حاصل مع تكافؤ الخبرين.

و يندفع: بأنّ ما دلّ على التخيير حاكم على الأصل؛ فإنّ مؤدّاه جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة و الالتزام بارتفاعها، فكما أنّ ما دلّ على تعيين‏ (2) العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة مع سلامته عن المعارض حاكم على دليل الاستصحاب، كذلك يكون الدليل الدالّ على جواز العمل بالخبر المخالف للحالة السابقة المكافئ لمعارضه حاكما عليه من غير فرق أصلا.

مع أنّه لو فرض التعارض المتوهّم كان أخبار التخيير أولى بالترجيح و إن كانت النسبة عموما من وجه؛ لأنّها أقلّ موردا، فتعيّن تخصيص أدلّة الاصول.

مع أنّ التخصيص في أخبار التخيير يوجب إخراج كثير من مواردها بل أكثرها، بخلاف تخصيص أدلّة الاصول.

مع أنّ بعض أخبار التخيير ورد في مورد جريان الاصول، مثل:

مكاتبة عبد اللّه بن محمّد الواردة في فعل ركعتي الفجر في المحمل‏ (3)، و مكاتبة الحميريّ- المرويّة في الاحتجاج- الواردة في التكبير في كلّ انتقال‏ (4)

____________

(1) قاله السيّد المجاهد في مفاتيح الاصول: 708.

(2) في (ر): «تعيّن».

(3) الوسائل 18: 88، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 44.

(4) في (ت) بدل «كلّ انتقال»: «الانتقال».

153

من حال إلى حال من أحوال الصلاة (1).

[ما استدلّ به على تقديم الموافق للأصل و مناقشته:]

و ممّا ذكرنا ظهر فساد ما ذكره بعض من عاصرناه‏ (2) في تقديم الموافق للأصل على المخالف، من:

أنّ العمل بالموافق موجب للتخصيص فيما دلّ على حجّية المخالف، و العمل بالمخالف مستلزم للتخصيص فيما دلّ على حجّية الموافق و تخصيص آخر فيما دلّ على حجّية الاصول.

و أنّ الخبر الموافق يفيد ظنّا بالحكم الواقعيّ، و العمل بالأصل يفيد الظنّ بالحكم الظاهريّ، فيتقوّى به الخبر الموافق.

و أنّ الخبرين يتعارضان و يتساقطان، فيبقى الأصل سليما عن المعارض‏ (3).

[تعارض المقرّر و الناقل:]

بقي هنا شي‏ء:

و هو أنّهم اختلفوا في تقديم المقرّر- و هو الموافق للأصل- على الناقل، و هو الخبر المخالف له.

و الأكثر من الاصوليّين- منهم العلّامة (4) (قدّس سرّه‏) و غيره‏ (5)- على تقديم‏

____________

(1) الوسائل 18: 87، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 39، و الاحتجاج 2: 304.

(2) هو السيّد المجاهد (قدّس سرّه‏).

(3) مفاتيح الاصول: 707.

(4) انظر مبادئ الوصول: 237، و تهذيب الوصول: 99.

(5) مثل الشيخ الجرجاني في غاية البادئ (مخطوط): 289، و السيّد العميدي في منية اللبيب (مخطوط): الورقة 173.

154

الناقل، بل حكي هذا القول عن جمهور الاصوليّين‏ (1)، معلّلين ذلك: بأنّ الغالب فيما يصدر من الشارع الحكم بما يحتاج إلى البيان و لا يستغنى عنه بحكم العقل، مع أنّ الذي عثرنا عليه في الكتب الاستدلاليّة الفرعيّة الترجيح بالاعتضاد بالأصل، لكن لا يحضرني الآن مورد لما نحن فيه- أعني المتعارضين الموافق أحدهما للأصل- فلا بدّ من التتبّع.

[تعارض المبيح و الحاظر:]

و من ذلك: كون أحد الخبرين متضمّنا للإباحة و الآخر مفيدا للحظر، فإنّ المشهور تقديم الحاظر على المبيح‏ (2)، بل يظهر من المحكيّ عن بعضهم عدم الخلاف فيه‏ (3).

و ذكروا في وجهه ما لا يبلغ حدّ الوجوب، ككونه متيقّنا في العمل؛ استنادا إلى قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4)، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ما اجتمع الحلال و الحرام إلّا غلب الحرام الحلال» (5).

و فيه: أنّه لو تمّ هذا الترجيح لزم الحكم بأصالة الحرمة عند دوران الأمر بينها و بين الإباحة؛ لأنّ وجود الخبرين لا مدخل له في هذا الترجيح؛ فإنّه من مرجّحات أحد الاحتمالين، مع أنّ المشهور تقديم‏

____________

(1) حكاه في غاية البادئ (مخطوط): 289، و انظر مفاتيح الاصول: 705.

(2) انظر مفاتيح الاصول: 708.

(3) حكاه في مفاتيح الاصول عن الفاضل الجواد، راجع المفاتيح: 708، و غاية المأمول (مخطوط): الورقة 220.

(4) الوسائل 18: 122 و 127، الباب 12 من أبواب صفات القاضي، الحديث 38 و 56.

(5) مستدرك الوسائل 13: 68، الحديث 5.