فرائد الأصول(حواشي أوثق الوسائل) - ج3

- الميرزا موسى التبريزي المزيد...
470 /
55

- نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات.

و الحاصل (1122) أنّ المقدّر في الرواية- باعتبار دلالة الاقتضاء- يحتمل أن يكون جميع الآثار في كلّ واحد من التسعة، و هو الأقرب اعتبارا إلى المعنى الحقيقي.

و أن يكون في كلّ منها ما هو الأثر الظاهر فيه. و

(*)

أن يقدّر المؤاخذة في الكلّ، و هذا أقرب عرفا من الأوّل و أظهر من الثاني أيضا؛ لأنّ الظاهر أنّ نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد، فإذا اريد من «الخطأ» و «النسيان» و «ما اكرهوا عليه» و «ما اضطرّوا» المؤاخذة على أنفسها، كان الظاهر في «ما لا يعلمون» ذلك أيضا.

____________

المذكورات فهو صحيح و لا يلزم منه خلاف الظاهر، إلّا أنّه قد تقدّم في كلام المصنّف (رحمه اللّه) تعيّن أخذ الموصولة حينئذ عبارة عن الموضوع، فلا يصحّ الاستدلال. و إن قدّرت المؤاخذة باعتبار كونها من آثار المذكورات و إن لم تنسب إلى أنفسها، صحّ أخذ الموصولة حينئذ أعمّ من الحكم و الموضوع، و صحّ الاستدلال أيضا، إلّا أنّه خلاف الظاهر.

1122. حاصله: أنّ الخبر يحتمل وجوها، أحدها: كون المرفوع جميع الآثار.

و ثانيها: كون المرفوع في كلّ واحد من المذكورات هو الأثر المناسب لكلّ منها.

و ثالثها: كون المرفوع في الجميع هي المؤاخذة خاصّة.

و الأوّل و إن كان أقرب اعتبارا، إذ لا ريب في كون الشي‏ء المسلوب الآثار أقرب إلى عدم هذا الشي‏ء ممّا سلب عنه بعض آثاره دون بعض، إلّا أنّه لا اعتبار بالأقربيّة الاعتباريّة في مباحث الألفاظ، لأنّ مدارها على الظهور العرفي، سواء كانت هنا أقربيّة اعتباريّة أم لا. نعم، قد تكون هذه الأقربيّة منشأ للأقربيّة العرفيّة أيضا، و لكنّ المفروض في المقام كون تقدير خصوص المؤاخذة أقرب عرفا.

و الثاني و إن كان ظاهرا إن لوحظت نسبة الرفع إلى كلّ واحدة من الفقرات‏

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: الظاهر.

56

نعم، يظهر من بعض (1123) الأخبار الصحيحة

____________

بانفرادها، إلّا أنّ السياق يقتضي أظهريّة الثالث، فتعيّن للإرادة. و قد تقدّم في كلام المصنّف (رحمه اللّه) عدم صحّة الاستدلال بالخبر على هذا التقدير و قد ظهر أنّ المستفاد من كلام المصنّف (رحمه اللّه) أنّ في الخبر وجوها ثلاثة.

و هنا وجه رابع، و هو ابقائه على ظاهره من نفي حقيقة الامور التسعة، كما أسلفناه عن الشهيد (رحمه اللّه) في ذيل ما علّقناه على ما أورده المصنّف (رحمه اللّه) على الاستدلال بالخبر، و أسلفنا تزييفه هناك أيضا، فراجع.

و خامس، و هو الحكم بالإجمال، لعدم تعيّن المراد بعد تعذّر إرادة الحقيقة، لدورانه حينئذ بين نفي جميع الآثار و خصوص المؤاخذة، فيعود الخبر مجملا. و فيه:

ما عرفته من ظهوره في نفس خصوص المؤاخذة. و لعلّه لأجل غاية بعد هذين الوجهين لم يتعرّض لهما المصنّف (رحمه اللّه) في المقام.

1123. فيكون هذا الخبر قرينة على إرادة عموم الآثار من خبر الرفع، بناء على كون ما تضمّنه هذا الخبر من النبويّ جزءا من خبر الرفع قد نقله الإمام في مقام الاستشهاد، أو يقال: مع فرض تغايرهما تكون أخبار أئمّتنا (عليهم السّلام) كاشفا بعضها عن بعض. و على كلّ تقدير، يمكن الجواب عن ذلك بوجهين، لعلّ المصنّف (رحمه اللّه) قد أشار إليهما أو إلى أحدهما بالأمر بالتأمّل:

أحدهما: دعوى كونه محمولا على النسبة (*)، لوجود أماراتها فيه، لأنّ الحلف على ما تضمّنه باطل مع الاختيار أيضا، كما أفاده المصنّف (رحمه اللّه)، و ذلك لأنّه كان على الإمام (عليه السّلام) أن يجيب ببطلان أصل الحلف لا إسناد البطلان إلى الإكراه، فالعدول عنه إلى التمسّك بالنبويّ شاهد بعدم إرادته (عليه السّلام) لبيان الواقع، كما قيل في آية النبأ:

إنّ تعليق الحكم فيها على الوصف المفارق- أعني: الفسق- دون الوصف اللازم،

____________

(*) كذا في الطبعة الحجريّة، و الظاهر أنّها تصحيف: التقيّة.

57

عدم اختصاص الموضوع‏

(*)

عن الامّة بخصوص المؤاخذة، فعن المحاسن عن أبيه عن صفوان بن يحيى و البزنطي جميعا عن أبي الحسن (عليه السّلام): «في الرجل يستكره على اليمين فحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال (عليه السّلام): لا؛ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): وضع عن امّتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطئوا ...»

18

.

فإنّ الحلف بالطلاق و العتاق و الصدقة و إن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا، إلّا أنّ استشهاد الإمام (عليه السّلام) على عدم لزومها مع الإكراه على الحلف بها بحديث الرفع شاهد على عدم اختصاصه برفع خصوص المؤاخذة، لكنّ النبويّ المحكيّ في كلام الإمام (عليه السّلام) مختصّ بثلاثة من التسعة، فلعلّ نفي جميع الآثار مختصّ بها، فتأمّل.

____________

أعني: الخبريّة، بأن يقال: إن جاءكم خبر فتبيّنوا، دليل على مدخليّة الوصف المفارق في تحقّق الحكم و عدمه. مع أنّه لو كان المقصود بالاستشهاد بيان الواقع لزم منه الإغراء بالجهل، حيث إنّ ظاهر الجواب صحّة الطلاق مع الاختيار.

و لكنّ الإنصاف أنّ هذا الجواب ناش من عدم التأمّل في فقه الحديث، لأنّ المسئول عنه في كلام السائل هو الإكراه على الحلف مطلقا، إلّا أنّ المكره- بالفتح- قد حلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملكه، و لعلّ السائل قد زعم صحّة الحلف و لزومه مع الاختيار مطلقا، سواء كان حلفا بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملكه، بأن قال: و اللّه أنت طالق إن فعلت كذا، أم حلفا مشروعا، بأن قال: و اللّه لأطلّق زوجتي إن كان كذا، إلّا أنّه سأل عن خصوص صورة الإكراه على الكلّي مع حلف المكره- بالفتح- بخصوص فرد منه، و أنّ الإكراه على الكلّي هل هو إكراه على أفراده و مانع من صحّة الحلف أو لا؟ فأجاب الإمام (عليه السّلام) بعدم الصحّة و مانعيّة الإكراه، فلا وجه حينئذ لحمله على التقيّة. و لا يلزم منه تأخير البيان أيضا كما هو واضح. و عدم ردعه (عليه السّلام) عمّا زعمه من صحّة الحلف بخصوص الطلاق لعلّه لأجل عدم كونه محلّ سؤال و حاجة للسائل.

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: المرفوع.

58

و ممّا يؤيّد إرادة العموم: ظهور كون رفع كلّ واحد من التسعة من خواصّ أمّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1124)؛ إذ لو اختصّ الرفع بالمؤاخذة أشكل الأمر في كثير من تلك الامور من حيث إنّ العقل مستقلّ بقبح المؤاخذة عليها، فلا اختصاص له بامّة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على ما يظهر من الرواية. و القول بأنّ الاختصاص باعتبار رفع المجموع و إن لم يكن رفع كلّ واحد من الخواصّ، شطط من الكلام (1125).

لكنّ الذي يهوّن الأمر (1126)

____________

و ثانيهما: مع تسليم عدم وروده في مقام التقيّة و الخوف- كما هو الظاهر- أنّ غاية ما يستفاد من الخبر هو ارتفاع قسم خاصّ من آثار الامور التسعة لا مطلقا، و ذلك لأنّ المفروض كون خبر الرفع ظاهرا في رفع المؤاخذة خاصّة، و غاية ما يستفاد من خبر المحاسن هو ارتفاع الآثار التي ثبتت شرعا بالتزام المكلّف بحلف أو نذر أو نحوهما، لا الآثار التي أثبتها الشارع ابتداء، كالضمان المرتّب على الإتلاف أو اليد و نحوه، فهو إنّما يصير قرينة على ارتكاب خلاف الظاهر في خبر الرفع بمقدار مدلوله، و هو ما ذكرناه، لا مطلق الآثار. و مع التسليم فغاية ما يسلّم كون خبر المحاسن قرينة على ارتفاع الأحكام الوضعيّة خاصّة لا الأعمّ منها و من التكليفيّة. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الظاهر أنّ استشهاد الإمام (عليه السّلام) النبويّ من قبيل الاستدلال بالكلّي على بعض جزئيّاته، فالمراد هو نفي جميع الآثار من دون اختصاص ببعضها.

1124. لعلّ الظهور المذكور ناش من ورود الخبر في مقام المنّة من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، لا من إضافة الأمّة إلى ضمير المتكلّم، لأنّ غايتها إفادة اختصاص الأمّة بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، لا اختصاص الرفع بهم أيضا، إلّا من باب مفهوم اللقب، و لا اعتداد به.

1125. لأنّ ظاهر الخبر نسبة الرفع إلى كلّ واحد واحد من الأشياء التسعة، لا إلى المجموع من حيث هو.

1126. بل يمكن أنّ يقال: «إنّ النبويّ إشارة إلى الآيات المذكورة، كما

59

يرشد إليه المرويّ عن اصول الكافي عن عمرو بن مروان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رفع عن أمّتي أربعة خصال: خطاؤها، و نسيانها، و ما أكرهوا عليه، و ما لا يطيقون. ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا .... و قوله سبحانه: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.

و عنه في حديث طويل حكاه عن احتجاج الطبرسي (رحمه اللّه): «فقال لمّا سمع ذلك:

أمّا إذا فعلت ذلك بي و بأمّتي فزدني. قال: سل. قال: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. قال عزّ و جلّ: لست أؤاخذ أمّتك بالنسيان و الخطأ، لكرامتك عليّ. و كانت الامم السالفة إذا نسوا ما ذكّروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، و قد رفعت ذلك عن أمّتك. و كانت الامم السالفة إذا أخطئوا أخذوا بالخطإ و عوقبوا عليه، و قد رفعت ذلك عن أمّتك، لكرامتك عليّ. فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إذا أعطيتني ذلك فزدني. فقال اللّه تعالى له: سل. قال: رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، يعني بالإصر الشدائد التي على من كان قبلنا. فأجابه اللّه إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمّتك الآصار التي كانت على الامم السالفة.

ثمّ ذكر اللّه الآصار التي على الامم السالفة واحدا بعد واحد». و في موضع آخر من هذا الحديث بعد ذكر الآصار: «فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إذا أعطيتني ذلك كلّه فزدني.

قال: سل. قال: رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏. قال تبارك اسمه: فعلت ذلك بأمّتك، قد رفعت عنهم أعظم بلاء الامم» الحديث.

و ظاهر هذين الخبرين- بل صريحهما- أنّ مراد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ... في الآية الشريفة هو سؤال اللّه سبحانه عن رفع امور كانت في الامم الماضية عن امّته بالخصوص. و حينئذ نقول فيما نحن فيه أيضا: إنّ مراد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) برفع الأشياء التسعة هي الإشارة إلى الآية الشريفة التي سئل فيها عن رفع بعض ما كان في الامم السالفة، فيكون ارتفاع هذه الامور من خواصّ هذه الامّة، لكن ذلك لا يستلزم كون رفع الأشياء التسعة باعتبار جميع آثارها، لجواز كونه‏

60

في الرواية: جريان هذا الإشكال في الكتاب العزيز أيضا؛ فإنّ موارد الإشكال (1127)

____________

باعتبار رفع مؤاخذتها.

و الإشكال فيه بمنافاته لقضيّة الاختصاص- كما قرّره المصنّف (رحمه اللّه)- مندفع بما أشار إليه أوّلا من ورود هذا الإشكال على ظاهر الآيات أيضا، فهو لا يصدم في إبقاء حديث الرفع على ظاهره، من كون المراد به رفع خصوص المؤاخذة، كما هو ظاهر المصنّف في تقرير الرفع. و إن شئت قلت: إنّ هذا الإشكال راجع إلى الإشكال في ظاهر الآيات، لا في خصوص حديث الرفع، كما هو مقتضى ما قرّرناه أوّلا. و ثانيا من الجواب حلّا، بأنّ الأشياء التسعة تارة تستند إلى تقصير من المكلّف، لأنّ الخطأ و النسيان مثلا قد ينشآن من عدم مبالاته في التحفّظ، لأنّه إذا وطّن نفسه على أن لا ينسى ما ذكره، بأن تذكّر محفوظه مرّة أو مرارا، أو على أن لا يصدر عنه خطأ، بأن احتاط في أفعاله و اموره، فربّما لا ينسى محفوظه و لا يصدر عنه خطأ، و قد ورد أنّ النسيان في الغالب من الشيطان. و اخرى لا يستند إلى تقصيره في المقدّمات، بل يصدر عنه الخطأ و النسيان من دون اختياره و إرادته.

و حينئذ نقول: يجوز أن تكون الامم السالفة معاقبين على الخطأ و النسيان على الوجه الأوّل، لعدم قبح ذلك عقلا، و قد رفع ذلك عن هذه الأمّة. و من هنا يسقط ما توهّمه البيضاوي- على ما حكي عنه- من جواز التكليف بما لا يطاق، استنادا إلى الآية الشريفة، إذ لو لم يجز ذلك لم يسأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رفع مؤاخذته عن هذه الأمّة، و إلّا لغا السؤال. و هو كما ترى في غاية من الضعف، إذ لا إشكال في قبح التكليف بما لا يطاق، لأنّ اللّه لا يكلّف نفسا إلّا وسعها. و جواز المؤاخذة على ما خرج من الطاقة قد ظهر وجهه ممّا قدّمناه. مضافا إلى ما أشار إليه المصنّف (رحمه اللّه) بقوله: «و أمّا في الآية فلا يبعد ...».

1127. إنّما خصّ موارد الإشكال بهذه الأربعة لعدم استقلال العقل بقبح المؤاخذة على البواقي. أمّا الطيرة و الحسد و التفكّر في الوسوسة في الخلق فظاهر.

61

فيها- و هي الخطأ و النسيان و ما لا يطاق و ما اضطرّوا إليه- هي بعينها ما استوهبها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من ربّه جلّ ذكره ليلة المعراج على ما حكاه اللّه تعالى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) في القرآن بقوله تعالى:

رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ‏ 19

.

و الذي يحسم أصل الإشكال منع استقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الامور بقبول مطلق؛ فإن الخطأ و النسيان الصادرين من ترك التحفّظ لا يقبح المؤاخذة عليهما، و كذا المؤاخذة على ما لا يعلمون مع إمكان الاحتياط، و كذا

(*)

التكليف الشاقّ (1128) الناشئ عن اختيار المكلّف.

____________

و أمّا الإكراه فكذلك أيضا، و لذا لا يجوز قتل النفس و لو مع الإكراه عليه.

و أمّا ما لا يعلمون فلفرض إمكان الاحتياط، فلا تقبح المؤاخذة عليه كما صرّح به.

و لكنّك خبير بأنّ مجرّد إمكان الاحتياط لو كان رافعا لقبح العقاب عقلا، فلا يتمّ الاستدلال على أصالة البراءة في شي‏ء من مواردها، لأنّ مدركها عقلا هو قبح التكليف و العقاب بلا بيان و لو مع إمكان الاحتياط، كما هو واضح لا سترة عليه. و ما قرّرناه في الحاشية السابقة من توضيح دفع الإشكال إنّما كان على ظاهر كلام المصنّف (رحمه اللّه)، و إلّا فقد عرفت عدم تماميّته بالنسبة إلى ما لا يعلمون.

اللّهمّ إلّا أن يريد بإمكان الاحتياط إمكان إيجابه، بأن كانت الامم السالفة مؤاخذين بمخالفة الواقع فيما لا يعلمون من الأحكام و الموضوعات لأجل وجوب الاحتياط عليهم شرعا، و قد رفع هذا الوجوب عن هذه الامّة. و لا ريب أنّ العقل إنّما يستقلّ بقبح التكليف و المؤاخذة بلا بيان مع عدم دليل على وجوب الاحتياط، و إلّا فهو بيان إجمالي عقلا و شرعا كما هو واضح.

1128. يرد عليه: أنّه إن أراد به التكليف بفعل عسير، ففيه: أنّ التكليف بالعسير لا قبح فيه، سواء كان ناشئا من سوء اختيار المكلّف أم لا، و لذا وقع‏

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: في.

62

و المراد ب «ما لا يطاق» في الرواية هو ما لا يتحمّل في العادة، لا ما لا يقدر عليه أصلا كالطيران في الهواء. و أمّا في الآية فلا يبعد أن يراد به العذاب و العقوبة، فمعنى‏

لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ:

لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة. و بالجملة: فتأييد إرادة رفع جميع الآثار بلزوم الإشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدّا.

____________

التكليف به في موارد من الشرع.

نعم، لو كان التكليف به موجبا لاختلال النظم، أو لوقوع العباد في المعصية غالبا- لأنّ الإنسان مجبول بالطبع على الفرار عن التكاليف، كيف لا لو لم يكن خوف العقاب في المخالفة لم يلتزم أكثر الناس بالأحكام الشرعيّة، لأنّ إقامتهم بالفرائض و استدامتهم عليها إنّما هي لأجل ذلك، لا لأجل تحصيل الثواب أو تحصيل رضوان اللّه الذي هو أكبر من جنّته، فلو أمر اللّه تعالى بامور كثيرة شاقّة لم يلتزم بها أكثر الناس، و خالفوا أو امره تعالى فيها، فوقعوا بذلك في المعصية، و استحقّوا لسخطه سبحانه- فهو قبيح، لأنّ التكليف بما يوجب الاختلال أو وقوع العباد غالبا في المعصية قبيح عقلا، لكون الأوّل منافيا للغرض من خلق العباد و تشريع أحكام بينهم لنظم معادهم و معاشهم. و الثاني مناف للطف الواجب عليه تعالى، لفرض كون هذا النحو من التكليف مقرّبا للعبد إلى المعصية لا مبعّدا عنه. و لا فرق في ذلك أيضا بين تقصير المكلّف و عدمه. و مع التسليم فلا اختصاص لمورد الرواية بهذا النحو من التكليف الشاقّ حتّى يفصّل فيه بين تقصير المكلّف و عدمه.

و إن أراد به التكليف بما هو خارج من القدرة، ففيه: أنّ التكليف به قبيح عقلا، سواء كان مع التقصير أم لا، لكون التكليف به سفها مطلقا. و ما قيل من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار لا ربط له بالمقام، كما قرّرناه في مبحث المقدّمة.

63

و أضعف منه وهن إرادة العموم بلزوم كثرة الإضمار، و قلّة الإضمار أولى. و هو كما ترى (1129) و إن ذكره بعض الفحول، و لعلّه أراد بذلك أنّ المتيقّن رفع المؤاخذة و رفع ما عداه يحتاج إلى دليل.

و فيه: أنّه إنّما يحسن (1130) الرجوع إليه بعد الاعتراف بإجمال الرواية، لا لإثبات ظهورها في رفع المؤاخذة، إلّا أن يراد إثبات ظهورها (1131)؛

____________

1129. لإمكان تقدير لفظ جامع بين جميع الآثار، مثل لفظ الأثر أو الآثار.

1130. لأنّ مرجع ما ذكر إلى الأخذ بالمتيقّن ممّا هو مراد من اللفظ، لا بما هو ظاهر منه.

1131. هذا دليل آخر على كون المقدّر هو خصوص المؤاخذة لا جميع الآثار. و حاصله: أنّه على تقدير إجمال حديث الرفع يدور الأمر بين تقدير جميع الآثار أو خصوص المؤاخذة، إلّا أنّه إذا كان المقدّر هو جميع الآثار لزمه تخصيص العمومات المثبتة للضمان و الكفّارة و القضاء و الإعادة و غيرها بغير صورة النسيان و الخطأ مثلا. و إذا كان المقدّر هو خصوص المؤاخذة بقيت هذه العمومات على ظاهرها من إرادة العموم، و أصالة الحقيقة فيها تقضي بكون المراد بحديث الرفع هو رفع خصوص المؤاخذة.

و بالجملة، إنّه إذا ورد عامّ و خاصّ مجمل مردّد بين قلّة الخارج و كثرته، فأصالة الحقيقة في العموم تقضي بكون المراد بالخاصّ ما هو المتيقّن منه، فيكون هذا الأصل مبيّنا لحاله، كما إذا ورد قولنا: أكرم الناس، و ورد أيضا قولنا: لا تكرم الفسّاق، و تردّد الأمر في الفاسق بين كونه حقيقة في الفاسق بالجوارح خاصّة أو ما يعمّه و الفاسق بالعقيدة، فإنّ أصالة العموم في العامّ تخصّصه بالأوّل.

و يمكن أن يجاب عنه- مضافا إلى كون النسبة بين حديث الرفع على فرض تقدير جميع الآثار و بين سائر العمومات عموما من وجه، و العامّ إنّما يصلح مبيّنا لحال الخاصّ المجمل بالنسبة إلى مورد الإجمال إذا كانت النسبة بينهما عموما و

64

خصوصا مطلقا، كما ستعرفه من مثال وجوب إكرام الناس و إهانة الفسّاق، لا عموما و خصوصا من وجه، إذ لا بدّ حينئذ من الحكم بالإجمال في مورد التعارض- بالفرق فيما ذكرنا بين المخصّص و الحاكم، لأنّ تعارض العمومات و المطلقات بالنسبة إلى مخصّصاتها و مقيّداتها إمّا من قبيل تعارض العامّ و الخاصّ، أو المطلق و المقيّد، أو الحاكم و المحكوم عليه، أو الوارد و المورود عليه.

و المراد بالأوّلين أنّه إذا ورد حكم على عامّ أو على مطلق، ثمّ حكم آخر مضادّ له على بعض أفراد هذا العامّ أو على بعض أفراد هذا المطلق، من دون أن يكون لدليل هذا الخاصّ أو المقيّد نظر بدلالته اللفظيّة إلى العامّ أو المطلق، فالعقل إذا اطّلع على تعارضهما و تمانعهما يحكم- بملاحظة أظهريّة شمول الخاصّ و المقيّد لمورد التعارض- بصرف حكم العامّ و المطلق إلى غير مورد التعارض، فيكون خروجه من تحتها بحسب الحكم دون الموضوع.

و المراد بالثالث أن يكون لدليل أحد الحكمين نظر إلى دليل الآخر، بأن كان أحدهما مفسّرا بمدلوله اللفظي للمراد من الآخر، بأن دلّ على كون المراد بالآخر غير مورد التعارض، كأدلّة نفي الضرر و العسر بالنسبة إلى سائر العمومات و المطلقات المثبتة للتكاليف، فإنّ مقتضاها بيان اختصاص سائر الأحكام بغير مورد الضرر و العسر. و من هنا كان تقديم الحاكم على المحكوم عليه من باب التخصّص دون التخصيص، لأنّ مقتضاه كما عرفت إخراج موضوعه من موضوع المحكوم عليه، و إن لم يكن على وجه الحقيقة، بل بحسب حكم الشرع. و لذا لا يعتبر في تقديمه عليه كونه خاصّا بالنسبة إلى المحكوم عليه، بل يقدّم عليه و إن كان تعارضهما بالعموم من وجه أو غيره.

و أراد بالرابع ما كان دليل أحد الحكمين رافعا لموضوع دليل الآخر على وجه الحقيقة لا بحسب حكم الشرع، كالأدلّة الاجتهاديّة بالنسبة إلى البراءة و الاحتياط، إذا قلنا بأنّ المأخوذ في موضوعهما هو التحيّر المرتفع بوجودها حقيقة،

65

من حيث إنّ حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الأدلّة المثبتة لآثار تلك الامور، و حملها على العموم يوجب التخصيص فيها؛ فعموم تلك الأدلّة مبيّن لتلك الرواية؛ فإنّ المخصّص إذا كان مجملا من جهة تردّده بين ما يوجب كثرة الخارج و بين ما يوجب قلّته، كان عموم العامّ بالنسبة إلى التخصيص‏

(*)

المشكوك فيه مبيّنا لاجماله، فتأمّل.

____________

لا الشكّ بالمعنى الأعمّ من الظنّ غير المعتبر الباقي مع وجودها أيضا. فتقديم الدليل الوارد من باب التخصّص الحقيقي، و تقديم الدليل الحاكم من باب التخصّص الحكمي.

و إذا عرفت ذلك نقول: إنّه إذا ورد عامّ و خاصّ متنافيا الظاهر، و كان الخاصّ مجملا بحسب المفهوم، و كان له أفراد متيقّنة مثل قولنا: أكرم الناس و أهن الفسّاق، مع التردّد في مفهوم الفسق بأنّه عبارة عن الخروج من الطاعة بالجوارح خاصّة أو أعمّ منه و من الخروج منها بالاعتقاد، و حينئذ يخصّص به العامّ بالنسبة إلى الأفراد المتيقّنة منه بحكم التنافي و فهم العرف، و لكن حيث فرض قصور الخاصّ لإجماله عن الشمول لغيرها، فيشمله حكم العامّ قضيّة للتمانع الحاصل بينهما لو لا إجمال الخاصّ، فيخصّ الخاصّ بغير مورد الإجمال. و هذا هو معنى كون العامّ مبيّنا للخاصّ بالنسبة إلى مورد إجماله فيما دار الأمر فيه بين قلّة الخارج و كثرته.

هذا إذا لم يكن الخاصّ مطلقا أو من وجه حاكما على العامّ المعارض له، إذ قد عرفت أنّ مقتضى قضيّة الحكومة كون الحاكم مفسّرا و مبيّنا بمدلوله اللفظي للمراد بالعامّ المقابل له، بمعنى كون حكم العامّ مع ملاحظته مع الخاصّ تعليقيّا من حيث الشمول لأفراده كالأصل بالنسبة إلى الدليل الاجتهادي، لأنّ العامّ حينئذ إنّما يقتضي العمل به لو لا شمول الخاصّ الحاكم لمورد العمل به، كالأصل في مورد

____________

(*) في بعض النسخ: بدل «التخصيص»، المخصّص.

66

و أضعف من الوهن المذكور: وهن العموم بلزوم تخصيص كثير من الآثار بل أكثرها؛ حيث إنّها لا ترتفع (1132) بالخطإ و النسيان و أخواتهما. و هو ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقّه.

فاعلم: أنّه إذا بنينا على رفع عموم الآثار، فليس المراد بها الآثار المترتّبة على هذه العنوانات من حيث هي؛ إذ لا يعقل (1133) رفع الآثار الشرعيّة المترتّبة على الخطأ و السهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفّارة المترتّب على قتل الخطأ، و وجوب سجدتي السهو المترتّب على نسيان بعض الأجزاء.

و ليس المراد أيضا رفع الآثار المترتّبة على الشي‏ء بوصف عدم الخطأ، مثل قوله:

____________

العمل به بالنسبة إلى الدليل، ففيما كان الخاصّ مجملا مردّدا بين كثرة الخارج و قلّته، فالعامّ لا يصلح مبيّنا لحال الخاصّ بالنسبة إلى مورد إجماله، لما عرفت من كون شمول الدليل المحكوم لمورد التعارض معلّقا على عدم شمول الحاكم له، فمع إجمال الحاكم في الجملة فالدليل المحكوم لا يصلح لمدافعة حكم الخاصّ عن مورد إجماله، لسكوته عن مدافعته عنه، فيصير مجملا بالنسبة إليه، بخلافه في مسألة تعارض العامّ و الخاصّ على ما عرفت.

و ممّا ذكرناه يظهر حال مقايسة ما نحن فيه على ما ذكرناه، فلا وجه للحكم بكون العمومات المثبتة للتكاليف مبيّنة لحال حديث الرفع بالنسبة إلى مورد تعارضهما، لفرض حكومته عليها. و لعلّه إلى ما ذكرناه أشار المصنّف (رحمه اللّه) بالأمر بالتأمّل.

1132. كالضمان فيما أتلف مال الغير خطأ، و وجوب القضاء إذا نسي صلاته حتّى خرج الوقت، أو أتى بإحدى المبطلات نسيانا أو إكراها، و كوجوب الدية على العاقلة في قتل الخطأ، إلى غير ذلك ممّا لا يخفى على المتتبّع في مسائل العبادات و المعاملات من أبواب الفقه.

1133. إذ لو رفعت هذه الآثار لأجل الخطأ و النسيان مثلا لزم منه التناقض.

67

«من تعمّد الافطار فعليه كذا»؛ لأنّ هذا الأثر يرتفع بنفسه (1134) في صورة الخطأ، بل المراد (1135) أنّ الآثار المترتّبة على نفس الفعل لا بشرط الخطأ و العمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطأ. ثمّ المراد بالآثار: هي الآثار المجعولة الشرعيّة التي وضعها الشارع؛ لأنّها هي القابلة للارتفاع برفعه، و أمّا ما لم يكن بجعله من الآثار العقليّة (1136) و العاديّة (1137) فلا تدلّ الرواية على رفعها

____________

1134. لفرض أخذ العمد في موضوعه.

1135. حاصله: أنّه بعد استثناء القسمين المذكورين، و كذا ما سيصرّح به من الآثار العقليّة و العاديّة، و الآثار الشرعيّة المرتّبة على أحدهما من الآثار المقدّرة، و تخصيص المقدّر بالآثار الشرعيّة المرتّبة على الأفعال من حيث هي، لا بوصف العمد و التذكّر، و لا بوصف الخطأ و النسيان، لا يلزم منه تخصيص الأكثر، إذ لم يثبت خروج أكثر هذه الآثار المرتّبة عليها من حيث هي من تحت عموم حديث الرفع، إذ خروجها في جميع موارد الاستثناء في غير ما ثبت بالدليل الخاصّ خلافي مبنيّ على كون المقدّر في حديث الرفع هو جميع الآثار أو خصوص المؤاخذة. و بالجملة، إنّ ترتّب هذه الآثار على موضوعاتها ليس مسلّما مطلقا- سواء حمل حديث الرفع على العموم أم لا- حتّى يلزم المحذور على تقدير حمله على العموم، كما هو واضح.

1136. كبطلان‏ (*) العبادة المرتّب على نسيان بعض الأجزاء و الشرائط.

1137. كالإسكار المرتّب على شرب الخمر و لو نسيانا، و التألّم المرتّب على الضرب و لو خطأ.

____________

(*) في هامش الطبعة الحجريّة: «لأنّ البطلان عبارة عن مخالفة المأتيّ به للمأمور به، و هي أمر عقلي.

منه».

68

و لا رفع الآثار (1138) المجعولة المترتّبة عليها.

ثمّ المراد بالرفع (1139) ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له، فيعمّ الدفع و لو بأن يوجّه (1140) التكليف على وجه يختصّ بالعامد، و سيجي‏ء بيانه.

فإن قلت (1141): على ما ذكرت يخرج أثر التكليف في «ما لا يعلمون» عن مورد الرواية؛ لأنّ استحقاق العقاب أثر عقلي له مع أنّه متفرّع على المخالفة بقيد العمد؛ إذ مناطه- أعني المعصية- لا يتحقق إلّا بذلك. و أمّا نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعيّة. و الحاصل أنّه ليس في «ما لا يعلمون» أثر مجعول من الشارع مترتّب على الفعل لا بقيد العلم و لا الجهل حتّى يحكم الشارع بارتفاعه مع الجهل.

قلت: قد عرفت أنّ المراد ب «رفع التكليف» عدم توجيهه إلى المكلّف مع قيام المقتضي له، سواء كان هنا دليل يثبته لو لا الرفع أم لا، فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة، و حينئذ: فإذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشكّ فيه، فلم يفعل ذلك و لم يوجب تحصيل‏

____________

1138. كوجوب الإعادة المرتّب على مخالفة المأتيّ به للمأمور به الناشئة من نسيان بعض الأجزاء و الشرائط.

1139. لعلّ الوجه فيه صدقه عرفا مع قيام المقتضي و إن لم يشمله خطاب لفظي. و على تقدير أخذ الرفع أعمّ من الدفع يندفع هنا إشكالان، أحدهما عن الاصول، و هو ما أشار إليه بطريق السؤال، لأنّ ما أجاب به عنه متفرّع على ما ذكرناه، كما هو واضح. و الآخر عن الفروع، و هو ما أشار إليه بقوله: «و نظير ذلك ما ربّما يقال ...».

1140. الأولى ترك لفظ «و لو» بأن يقتصر على قوله: «بأن يوجّه ...».

1141. حاصله: أنّه على تقدير إرادة عموم الآثار قد فرضنا أنّها لا تدلّ على رفع الآثار العقليّة، و لا الآثار الشرعيّة المرتّبة على وصف العمد، و حينئذ يرد على التمسّك بها لإثبات رفع المؤاخذة سؤالان:

69

العلم و لو بالاحتياط، و وجّه التكليف على وجه يختصّ بالعالم تسهيلا على المكلّف كفى في صدق الرفع. و هكذا الكلام في «الخطأ و النسيان»، فلا يشترط في تحقّق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد و غيره.

نعم، لو قبح عقلا المؤاخذة على الترك، كما في الغافل الغير المتمكّن من الاحتياط، لم يكن في حقّه رفع أصلا؛ إذ ليس من شأنه أن يوجّه إليه التكليف. و حينئذ فنقول: معنى رفع أثر التحريم في «ما لا يعلمون» عدم إيجاب الاحتياط و التحفّظ فيه حتّى يلزمه ترتّب العقاب إذا أفضى ترك التحفّظ إلى الوقوع في الحرام الواقعي. و كذلك الكلام في رفع أثر النسيان و الخطأ؛ فإنّ مرجعه إلى عدم إيجاب التحفّظ عليه؛ و الّا فليس في التكاليف ما يعمّ صورة النسيان لقبح تكليف الغافل.

و الحاصل: أنّ المرتفع في «ما لا يعلمون» و أشباهه ممّا لا يشمله أدلّة التكليف هو إيجاب التحفّظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي، و يلزمه ارتفاع العقاب و استحقاقه؛ فالمرتفع أوّلا و بالذات أمر مجعول يترتّب عليه ارتفاع أمر غير مجعول.

____________

أحدهما: أنّ أثر التكليف فيما لا يعلمون هو استحقاق المؤاخذة، و هو أثر عقليّ لا يرتفع بحديث الرفع.

و ثانيهما: مع التسليم أنّ الاستحقاق مترتّب على المخالفة بقيد العمد، لكونه آثار العصيان الذي لا يتحقّق بدون المخالفة العمديّة، و أمّا نفس المؤاخذة فارتفاعها لا يمكن أن يكون مرادا من الرواية، لأنّها من الأفعال الخارجة التي لا تقبل الارتفاع برفع الشارع، فلا بدّ أن يكون مراد من ادّعى ظهور الرواية في رفع المؤاخذة هو ظهورها في رفع استحقاقها لا محالة، مع أنّك قد عرفت فيه الإشكال من الوجهين.

و حاصل ما أجاب به: أنّ المراد بالرفع ليس هو رفع الاستحقاق ابتداء، بل هو رفع الخطاب بمعنى عدم توجّهه على وجه يشمل موارد الأشياء التسعة، إمّا بعدم إرادة مواردها من الخطابات المثبتة للتكاليف على وجه الإطلاق، و إمّا بتوجيه الخطاب على وجه يختصّ بغيرها مع قيام المقتضي للإطلاق، و يترتّب عليه ارتفاع الاستحقاق و المؤاخذة. و المراد برفع المؤاخذة في كلماتهم هو ما ذكرناه عبّر به‏

70

و نظير ذلك ما ربّما يقال في ردّ من تمسّك على عدم وجوب الإعادة على من صلّى في النجاسة ناسيا بعموم حديث الرفع: من أنّ وجوب الإعادة و إن كان حكما شرعيّا، إلّا أنّه مترتّب على مخالفة المأتيّ به للمأمور به الموجبة لبقاء الأمر الأوّل، و هي ليست من الآثار الشرعيّة للنسيان، و قد تقدّم أنّ الرواية لا تدلّ على رفع الآثار الغير

____________

عنه مسامحة، لكون المقصود الأصلي في موارد أصل البراءة هو ذلك، لا ارتفاع الخطاب، سيّما و أنّ العقل لا يحكم في مواردها بأزيد من ذلك.

و من هنا يظهر وجه دلالة حديث الرفع على ردّ القول بالاحتياط، لأنّه مع فرض دلالته على عدم توجيه الخطاب على وجه يوجب الاحتياط في موارد الشكّ في التكليف، كما صرّح به المصنّف (رحمه اللّه)، يكون هذا الخبر معارضا لما دلّ على وجوب الاحتياط فيها، فلا بدّ حينئذ من إجراء حكم التعارض عليها. فهو نظير قوله (عليه السّلام): «كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» في ظهور الدلالة على عدم وجوب الاحتياط. و إنّما صرّح المصنّف (رحمه اللّه) بكونه أوضح من جميع الأخبار المستدلّ بها للمقام، مع عدم قصور حديث الرفع عنه في الدلالة، لمّا تقدّم من استشكاله في شموله للشبهات الحكميّة التي هي محلّ الكلام في المقام. و لكنّا قد أسلفنا ما يناقش فيه أو يمنعه، فراجع.

و اعلم أنّه على المقام إشكال، و هو أنّ قول المصنّف (رحمه اللّه): «فإذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل ...» إلى آخر ما ذكره، ينافي استقلال العقل بقبح التكليف بلا بيان كما هو مدرك أصالة البراءة، إذ لا ريب في منافاته لعدم قبح توجيه الخطابات الواقعيّة على وجه يشمل موارد الشبهات البدويّة و يقتضي وجوب الاحتياط فيها، إذ مقتضى القضيّة الاولى هو قبح توجيه الخطابات الواقعيّة على الوجه المذكور، و مقتضى الثانية هو عدم قبحه، و حيث كان قبحه مسلّما فلا يصحّ أخذ الرفع في الخبر أعمّ منه و من الدفع.

71

المجعولة و لا الآثار الشرعيّة المترتّبة عليها كوجوب الإعادة فيما نحن فيه.

و يردّه ما تقدّم في نظيره من أنّ الرفع راجع إلى شرطيّة طهارة اللباس بالنسبة إلى الناسي، فيقال بحكم حديث الرفع: إنّ شرطيّة الطهارة شرعا مختصّة بحال الذكر، فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به، فلا يجب الإعادة. و كذلك الكلام في الجزء المنسي، فتأمّل (1142).

____________

1142. لعلّ الأمر بالتأمّل إشارة إلى كون الشرطيّة و الجزئيّة و غيرها من الأحكام الوضعيّة- على ما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) تبعا للمحقّقين من العلماء- امورا اعتباريّة، فلا يرتفع بحديث الرفع. و مع تسليم كون أحكام الوضع مجعولة فلا ريب أنّ الجزئيّة ليست منها، إذ المسلّم منها الشرطيّة و المانعيّة و السببيّة خاصّة، أو هي مع الصحّة و البطلان.

و فيه: أنّها و إن كانت امورا اعتباريّة إلّا أنّها منتزعة من الأحكام الطلبيّة، و لا ريب في ارتفاع الأحكام الطلبيّة بسبب الخطأ و النسيان مثلا، فيتبعها ارتفاع ما ينتزع منها لا محالة. و من هنا أمكن أن يقال: إنّ القول باختصاص الخبر برفع خصوص المؤاخذة إنّما تتمّ على القول بكون الأحكام الوضعيّة مجعولة للشارع، و إلّا فعلى القول بكونها منتزعة من الأحكام الطلبيّة فلا بدّ من ارتفاعها بارتفاع منشأ انتزاعها.

أقول: هذا وجه حسن في الجملة، لأنّا إن قلنا بكونها مجعولة من قبل الشارع، فلا ريب أنّ رفع المؤاخذة عن الخطأ و النسيان مثلا لا يوجب رفعها أيضا، لأنّ عدم المؤاخذة على إتلاف مال الغير خطأ لا يوجب ارتفاع ضمانه أيضا، و كذلك الإكراه على ما يوجب فساد الصلاة لا يوجب ارتفاع فسادها أيضا، و هكذا. و إن قلنا بكونها منتزعة من الأحكام الطلبيّة، فلا ريب أنّ كثيرا ممّا يطلق عليه اسم الحكم الوضعي ليس من المجعولات الشرعيّة و لا منتزعا من الأحكام الطلبيّة، حتّى يرتفع في صورة الخطأ و النسيان مثلا بارتفاعه من حيث نفسه أو باعتبار ارتفاع‏

72

منشأ انتزاعه، بل هو من الامور الواقعيّة، كالطهارة و النجاسة و الملكيّة و الرقيّة و الحريّة و الإسلام و الكفر و نحوها، و إطلاق الحكم الوضعي عليها من باب المسامحة.

نعم، ما كان منها منتزعا من الأحكام الطلبيّة لا بدّ أن يرتفع بارتفاع منشأ انتزاعه، و المسلّم منه هي الشرطيّة و المانعيّة و السببيّة، لأنّ المسلّم من الأحكام الوضعيّة التي اختلفوا في كونها مجعولة أو منتزعة هي هذه، فلا بدّ في الحكم بارتفاعها باعتبار ارتفاع منشأ انتزاعها أن يقتصر عليها.

هذا، و يحتمل أن يكون الأمر بالتأمّل إشارة إلى التأمّل في صحّة عبادة ناسي بعض الأجزاء، لأنّ صحّتها عبارة عن موافقة الأمر المتوجّه إليه مع اعتبار قصد موافقتها له، و إلّا فلا يتحقّق الامتثال المعتبر في صحّتها. و حينئذ إذا نسي المصلّي أحد أجزاء صلاته و أتى بباقي أجزائها، فإن كان تكليفه في الواقع بتسعة أجزاء، يجب عليه الإتيان بما أتى به بعنوان كونه مركّبا من تسعة أجزاء، ليتحقّق منه قصد موافقة الأمر المتوجّه إليه، و الحال أنّه في حال النسيان معتقد بكون ما أتى به مركّبا من عشرة أجزاء التي هي تكليف المتذكّر، و إن كان تكليفه بعشرة أجزاء، فالمفروض عدم موافقة ما أتى به لتكليفه الواقعي. و على كلّ تقدير لا يمكن الحكم بصحّة ما أتى به. و من هنا قد التزم جماعة بعدم كون ما أتى به ناسي بعض الأجزاء مأمورا به، و أنّه حيثما ثبت جواز الاجتزاء به شرعا- كما في ناسي بعض الأجزاء غير الركنيّة- فهو أمر أجنبيّ مسقط للمأمور به. و لكنّه خلاف ظاهر العلماء، لأنّ ظاهرهم كون ما أتى به الناسي هو المأمور به الواقعي، بل هو خلاف ظاهر الأخبار أيضا، لأنّ ظاهرها تماميّة الصلاة حينئذ، مثل ما رواه جعفر عن أبيه: «أنّ عليّا (عليه السّلام) سئل عن رجل ركع و لم يسبّح، قال: تمّت صلاته». و قوله (عليه السّلام) فيمن أفطر نسيانا: «رزق رزقه اللّه».

نعم، يمكن أن يقال بعدم اعتبار قصد الموافقة بالنسبة إلى الشرائط، بأن لا يعتبر

73

و اعلم أيضا أنّه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار، فلا يبعد اختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الامّة، كما إذا استلزم إضرار المسلم؛ فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضمان، و كذلك الإضرار بمسلم (1143) لدفع الضرر عن نفسه لا يدخل في عموم «ما اضطروا إليه»، إذ لا امتنان في رفع الأثر عن الفاعل بإضرار الغير؛ فليس الإضرار بالغير نظير سائر المحرّمات الإلهيّة المسوّغة لدفع الضرر.

____________

القصد إلى كون المأتيّ به مستجمعا لها في تحقّق الامتثال إذا فرض تحقّقها في الواقع، و لذا يجوز الأمر بالعبادة من دون بيان الشرائط إذا كان المكلّف مستجمعا لها في الواقع. و حينئذ لا يرد الإشكال المذكور بالنسبة إلى ناسي بعض الشرائط.

هذا، و يمكن دفع الإشكال بالنسبة إلى الأجزاء أيضا بمنع اعتبار موافقة المأتيّ به للمقصود في تحقّق الامتثال إذا فرض موافقته للواقع، بأن كان المعتبر في صحّة العبادة قصد مطابقة المأتيّ به للواقع مع موافقته له، و إن لم يكن الواقع المقصود مطابقا للواقع المكلّف به. فإذا كان تكليف الناسي بتسعة أجزاء إلّا أنّه أتى بها باعتقاد كون المأتيّ به مركّبا من عشرة أجزاء، و أنّه تكليف في الواقع، كفى ذلك في صحّة الفعل، و تحقّق به الامتثال.

1143. اعلم أنّه إذا أكره شخص آخر على إتلاف مال، و أمكن له دفع الضرر عنه بإدخاله على الآخر، هو يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يتوجّه الإضرار من المكره- بالكسر- أوّلا و بالذات إلى المكره- بالفتح- إلّا أنّه دفعه عن نفسه بإدخاله على الآخر. و لا ريب في كون ارتفاع الضمان عن المكره- بالفتح- حينئذ منافيا للامتنان.

و ثانيها: أن لا يتعلّق غرضه بإدخال الضرر على خصوص. أحدهما، بل بإتلاف مال في الجملة، فدفع المكره- بالفتح- ذلك عن نفسه بإدخال الضرر على غيره. و هو أيضا كسابقه.

74

و ثالثها: أن يتعلّق الغرض أوّلا و بالذات بإدخال الضرر على شخص، فأكره آخر على الإضرار به. و لا ريب في عدم منافاة ارتفاع الضمان من المكره- بالفتح- للامتنان، لكون السبب هنا أقوى من المباشر، فيكون ضرر صاحب المال منجبرا بضمان المكره- بالكسر-. و هذا هو المشهور. و لكن يمكن أن يقال بعدم ارتفاع الضمان عن المكره في هذه الصورة أيضا، بأن كان استقرار الضمان على المكره- بالكسر-، فيتخيّر المضمون له في الرجوع إلى من أراد منهما، فإن رجع إلى المكره- بالفتح- فهو يرجع إلى المكره- بالكسر-. بل ربّما يشكل ارتفاع الحكم التكليفي حينئذ أيضا- كما هو ظاهر العلماء- إذا أمكن دفع الضرر عن الغير بإدخال ضرر يسير على نفسه، بأن أكره على الإضرار بعرض الغير أو على إتلاف أموال كثيرة للغير، و أمكن له دفعه بتحمّله لضرر يسير، و حينئذ فلا بدّ من ملاحظة أقوى الضررين، فتأمّل.

هذا، و يمكن تقرير الاستدلال بحديث الرفع على وجه لا ينهض لرفع الضمانات و إن قلنا بعمومه لجميع الآثار، بأن يقال: إنّ ظاهر قوله (عليه السّلام): «رفع عن أمّتي تسعة أشياء» هو رفع الأحكام التي لو كانت ثابتة كان ثبوتها على وجه الكلفة و المشقّة للمكلّفين، سواء كانت إلزاميّة من الشارع أم كانت إمضائيّة بعد التزام المكلّف بها، كما في النذر و العهد و شبههما، لأنّ هذا هو الظاهر من رفع الامور التسعة في مقام الامتنان على الأمّة. و لا ريب أنّ المسبّبات الشرعيّة المرتّبة على أسبابها، مثل الضمان المرتّب على إتلاف مال الغير، و الجنابة على التقاء الختانين، و بطلان العبادات و المعاملات على مبطلاتها، و نحو ذلك، ليس ورودها من الشارع على وجه الكلفة و المشقّة للمكلّفين، إذ لو كان كذلك لزم عدم تأثيرها مع صدورها عن الصبيّ و المجنون، مع أنّ الإتلاف سبب للضمان مطلقا، و كذا التقاء الختانين للجنابة كذلك، و إن كان التكليف بدفع العوض و بالغسل متعلّقا بالصبيّ و المجنون بعد البلوغ و الإفاقة. و على هذا يدخل في عموم النبويّ جميع الأحكام‏

75

و أمّا ورود الصحيحة المتقدّمة عن المحاسن في مورد حقّ الناس- أعني العتق و الصدقة- فرفع أثر الإكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق و الفقراء، لا إضرارا بهم. و كذلك رفع أثر الإكراه عن المكره فيما إذا تعلّق‏

(*)

بإضرار مسلم، من باب عدم وجوب تحمّل الضرر لدفع الضرر عن الغير و لا ينافي الامتنان، و ليس من باب الإضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد؛ فإنّ الضرر أوّلا و بالذات متوجّه على الغير بمقتضى إرادة المكره- بالكسر- لا على المكره- بالفتح-، فافهم.

بقي في المقام شي‏ء و ان لم يكن مربوطا به و هو أنّ النبويّ المذكور مشتمل على ذكر «الطيرة» و «الحسد» و «التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفتيه». و ظاهره رفع المؤاخذة على الحسد مع مخالفته لظاهر الأخبار الكثيرة (1144).

و يمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.

____________

الإلزاميّة و الالتزاميّة، مثل البيوع و المضاربة و الأنكحة و الطلاق و العهود و النذور و الأيمان و غيرها، فيرتفع جميع الآثار المرتّبة عليها في صورة الخطأ و النسيان مثلا، و يخرج منه جميع المسبّبات المرتّبة على أسبابها الشرعيّة، و كذلك المستحبّات و المكروهات و المباحات، لوضوح عدم ورودها من الشارع على وجه الكلفة على العباد، فلا يمكن نفيها بعموم النبويّ.

1144. بل الآيات أيضا، مثل قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. و قوله عزّ و جلّ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. و من الأخبار قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

«الحسد يأكل الحسنات كما يأكل النار الحطب». و قال (عليه السّلام): «قال اللّه تعالى لموسى بن عمران: لا تحسد الناس على ما آتيتهم من فضلي، و لا تمدّنّ عينيك إلى‏

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: الإكرام.

76

و يؤيّده تأخير الحسد عن الكلّ في مرفوعة النهديّ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) المرويّة في آخر أبواب الكفر و الإيمان من اصول الكافي: «قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): وضع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في التفكّر في الخلق، و الحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد ...»

20

. و لعلّ الاقتصار في النبويّ الأوّل على قوله: «ما لم ينطق»؛ لكونه أدنى مراتب الإظهار. و روي: «ثلاثة لا يسلم منها أحد: الطيرة، و الحسد، و الظنّ. قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيّرت فامض، و إذا حسدت فلا تبغ، و إذا ظننت فلا تحقّق»

21

.

و البغي عبارة عن استعمال الحسد؛ و سيأتي في رواية الخصال: «إنّ المؤمن لا يستعمل حسده»، و لأجل ذلك عدّ في الدروس من الكبائر- في باب الشهادات- إظهار الحسد لا نفسه، و في الشرائع: إنّ الحسد معصية و كذا الظنّ بالمؤمن، و التظاهر بذلك قادح في العدالة. و الإنصاف: أنّ في كثير من أخبار الحسد إشارة إلى ذلك.

و أمّا «الطّيرة»- بفتح الياء و قد يسكّن-: و هي في الأصل التشؤّم بالطير؛ لأنّ أكثر تشؤم العرب كان به، خصوصا الغراب. و المراد: إمّا رفع المؤاخذة عليها؛ و يؤيّده ما روي من: «أنّ الطيرة شرك و إنّما يذهبه التوكّل»، و إمّا رفع أثرها؛ لأنّ التطيّر كان يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع.

____________

ذلك، و لا تتبعه نفسك، فإنّ الحاسد ساخط لنعمي، صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي، و من يك كذلك فلست منه و ليس منّي» إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار المتكاثرة. و هي بإطلاقها- على كثرتها- تمنع من التقييد بصورة الإظهار باللسان، و إن شهد به بعض أخبار الوضع كما زعمه المصنّف (رحمه اللّه). و يمكن الجمع بحمل الأخبار المطلقة على صورة العمد و القصد، سواء أظهره باللسان و نحوه أم لا، و أخبار الوضع على الخطرات الواردة على القلب. و لعلّ هذا الجمع أولى من الأوّل، إذ من البعيد عدم حرمة الحسد مع العمد و القصد إليه و إن لم يظهره باللسان.

77

و أمّا «الوسوسة في التفكّر في الخلق» كما في النبويّ الثاني أو «التفكّر في الوسوسة فيه» كما في الأوّل، فهما واحد، و الأوّل أنسب، و لعلّ الثاني اشتباه من الراوي. و المراد به- كما قيل-: وسوسة الشيطان للانسان عند تفكّره في أمر الخلقة؛ و قد استفاضت الأخبار بالعفو عنه.

ففي صحيحة جميل بن درّاج، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إنّه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال (عليه السّلام): قل: لا إله إلّا اللّه، قال جميل: فكلّما وقع في قلبي شي‏ء قلت: لا إله إلّا اللّه، فذهب عني»

22

. و في رواية حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، عن الوسوسة و إن كثرت، قال: «لا شي‏ء فيها، تقول: لا إله إلّا اللّه»

23

. و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «جاء رجل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: يا رسول اللّه، إنّي هلكت، فقال (صلّى اللّه عليه و آله) له: أتاك الخبيث، فقال لك: من خلقك؟ فقلت: اللّه تعالى، فقال: اللّه من خلقه؟ فقال:

إي و الذي بعثك بالحقّ قال كذا، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ذاك و اللّه محض الإيمان». قال ابن أبي عمير: فحدّثت ذلك عبد الرحمن بن الحجّاج، فقال: حدّثني أبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما عنى بقوله: «هذا محض الإيمان» خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك»

24

. و في رواية اخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «و الّذي بعثني بالحقّ إنّ هذا لصريح الإيمان، فإذا وجدتموه فقولوا: آمنّا باللّه و رسوله، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه»

25

. و في رواية اخرى عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلّكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم اللّه تعالى وحده»

26

. و يحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق: الوسوسة في امور الناس و سوء الظنّ بهم، و هذا أنسب بقوله: «ما لم ينطق بشفتيه».

ثمّ هذا الذي ذكرنا هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الأخيرة المذكورة في الصحيحة. و في الخصال بسند فيه رفع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال: ثلاث لم يعر منها نبيّ فمن دونه: الطيرة، و الحسد، و التفكّر في الوسوسة في الخلق»

27

. و ذكر الصدوق (رحمه اللّه) في تفسيرها: أنّ المراد بالطيرة التطيّر بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو المؤمن، لا تطيّره؛ كما حكى اللّه عزّ و جلّ عن الكفّار:

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ‏ 28

و المراد ب «الحسد» أن يحسد، لا أن يحسد؛ كما قال اللّه تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‏ ما آتاهُمُ اللَّهُ‏ 29

.

____________

78

و المراد ب «التفكّر» ابتلاء الأنبياء (عليهم السّلام) بأهل الوسوسة، لا غير ذلك؛ كما حكى اللّه عن الوليد بن مغيرة:

إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ 30

، فافهم. و قد خرجنا في الكلام في النبويّ الشريف عمّا يقتضيه وضع الرسالة.

و منها: قوله (عليه السّلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». فإنّ المحجوب حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد. و فيه: أنّ الظاهر ممّا حجب اللّه (1145) علمه ما لم يبيّنه للعباد، لا ما بيّنه و اختفى عليهم بمعصية من عصى اللّه في كتمان الحق أو ستره (1146)؛ فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام): «إنّ اللّه تعالى حدّ حدودا فلا تعتدوها، و فرض فرائض فلا تعصوها، و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلّفوها؛ رحمة من اللّه لكم»

31

.

و منها: قوله (عليه السّلام): «الناس في سعة ما لم يعلموا»

32

. فإنّ كلمة «ما» إمّا موصولة اضيف إليه السعة و إمّا مصدريّة ظرفيّة، و على التقديرين يثبت المطلوب. و فيه: ما تقدّم (1147) في الآيات من أنّ الأخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل و النقل بعد التأمّل و التتبّع.

____________

1145. بقرينة نسبة الحجب إلى نفسه تعالى. و حاصل ما ذكره: أنّ قوله (عليه السّلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد» يحتمل أن يراد منه معنى: ما لم يبيّنه اللّه تعالى لهم. و يحتمل أن يراد منه معنى: ما اختفى علمه عليهم لأجل طروّ الحوادث الخارجة. و الظاهر بقرينة ما قدّمناه هي إرادة المعنى الأوّل، و عليه فلا دلالة في الرواية على المدّعى.

1146. لعلّ المراد بالأوّل إخفاء الحقّ، و بالثاني تلبيسه بالباطل بعد ظهوره.

1147. يمكن منع ورود ما تقدّم في الآيات هنا، بناء على كون كلمة «ما» موصولة، لأنّ ظاهر الرواية حينئذ عدم كون الناس في ضيق من جهة جهلهم بحكم فعل، و لا ريب أنّ وجوب الاحتياط في الشبهات ضيق من جهة الجهل بالحكم الواقعي، فينفى وجوبه بمقتضى الرواية، فتكون هذه الرواية حينئذ معارضة لأخبار

79

و منها: رواية عبد الأعلى (1148) عن الصادق (عليه السّلام): «قال: سألته عمّن لم يعرف شيئا، هل عليه شي‏ء؟ قال: لا»

33

. بناء على أنّ المراد بالشي‏ء الأوّل فرد معيّن مفروض في الخارج حتّى لا يفيد العموم في النفي، فيكون المراد: هل عليه شي‏ء في خصوص ذلك الشي‏ء المجهول؟ و أمّا بناء على إرادة العموم فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.

و منها (صلّى اللّه عليه و آله): قوله: «أيّما امرئ ركب أمرا بجهالة فلا شي‏ء عليه»

34

. و فيه: أنّ الظاهر من الرواية و نظائرها من قولك: «فلان عمل بكذا بجهالة» هو اعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع، فلا يعمّ صورة التردّد في كون فعله صوابا أو خطأ. و يؤيّده أنّ تعميم الجهالة لصورة التردّد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاكّ الغير المقصّر (1149)، و سياقه يأبى عن التخصيص (1150)، فتأمّل (1151).

____________

الاحتياط إن تمّت دلالة و سندا.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ هذا إنّما يتمّ على المختار من كون وجوب الاحتياط إرشاديّا من باب وجوب المقدّمة العلميّة، و أمّا على ما هو ظاهر العلماء من كون وجوبه شرعيّا فيمكن أن يقال: إنّ الجهل بالحكم موضوع من الموضوعات، و الشارع قد جعل حكما و رتّبه عليه، فليس هذا الحكم ثابتا بعنوان الضيق عند الجهل بالحكم الواقعي، بل هو كسائر الأحكام الشرعيّة المرتّبة على موضوعاتها الواقعيّة.

1148. إنّما لم يتعرّض لردّ هذه الرواية لوضوح ضعف دلالتها، لعدم دلالتها على المدّعى، سواء اريد بالشي‏ء شي‏ء معيّن أو غير معيّن، كما هو واضح.

1149. إذ لا إشكال في ثبوت المؤاخذة على الشاكّ المقصّر.

1150. لأنّ ظاهر الرواية لأجل بيان منشأ العذر إعطاء قاعدة عقليّة مطّردة في جميع مواردها.

1151. لعلّ الأمر بالتأمّل إشارة إلى عدم المناص من ارتكاب التخصيص، و إن قلنا بكون المراد بالجهالة اعتقاد الصواب أيضا، إذ لا ريب في ثبوت المؤاخذة

80

و منها: قوله: (عليه السّلام): «إنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم»

35

. و فيه: أنّ مدلوله (1152)- كما عرفت في الآيات و غير واحد من الأخبار- ممّا لا ينكره الأخباريّون.

و منها: قوله (عليه السّلام) في مرسلة الفقيه (1153): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي»

36

.

____________

على الجاهل بالأحكام إذا كان مقصّرا، سواء كان شاكّا أو معتقدا للصواب، و إلّا لم يحسن عقاب كثير من الكفّار المعتقدين لحقّية مذهبهم، إذ لا وجه له سوى كونهم مقصّرين. اللّهمّ إلّا أن يحمل على إرادة الجهل بالموضوعات، و لكنّ الرواية حينئذ تخرج من الدلالة على المدّعى.

1152. يمكن أن يقال بكون الرواية مساوقة لقوله (عليه السّلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». و قد يقال: إنّ الاستدلال بالرواية إنّما هو من جهة دلالتها على عدم احتجاجه تعالى على العباد بما لم يأتهم و لم يعرّفهم، بناء على كون الشبهات التحريميّة أيضا ممّا لم يعرّف اللّه حكمها على العباد، فهي غير محجوج بها عليهم، و هي إنّما تدلّ عليه على القول باعتبار مفهوم اللقب، و هو ضعيف. و فيه: أنّ المفهوم المدلول عليه بقرينة السياق أو المقام أو غيرهما لم ينازع أحد في حجّيته.

1153. قد أجاب عنها في الوسائل بوجوه:

أحدها: الحمل على التقيّة، لأنّ العامّة يقولون بحجيّة الأصل، فتضعف عن مقاومة ما دلّ على وجوب الاحتياط. مضافا إلى كونها خبرا واحدا لا يعارض المتواتر.

و فيه: أنّ فيه اعترافا بظهور الدلالة، و سيجي‏ء بيان ضعف دلالة أخبار الاحتياط على الوجوب، فلا وجه لالتماس الترجيح بعد فرض ضعف الدلالة.

مضافا إلى أنّه مع ذهاب معظم أصحابنا- بل كلّهم سوى طائفة قليلة- إلى البراءة

81

لا وجه لحمل الخبر على التقيّة، و إن كانت البراءة مذهبا للعامّة أيضا.

و ثانيها: الحمل على الخطاب الشرعيّ، يعني: أنّ كلّ شي‏ء من الخطابات الشرعيّة يتعيّن حمله على إطلاقه أو عمومه حتّى يرد فيه نهي يخصّص بعض الأفراد و يخرجه من الإطلاق. مثاله: قولهم (عليهم السّلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» فإنّه محمول على إطلاقه، فلمّا ورد النهي عن استعمال كلّ واحد من الإنائين إذا نجس أحدهما و اشتبها، تعيّن تقييده بغير هذه الصورة. و فيه ما لا يخفى على أحد.

و ثالثها: الحمل على بيان حكم الشبهات الموضوعيّة. و فيه: أنّه تقييد بلا دليل، بل هو غير ممكن، لأنّ النهي إنّما يرد على العناوين الكلّية لا الموضوعات الخارجة.

و رابعها: أنّ النهي فيها عامّ للنهي العامّ و الخاصّ، و الأوّل قد بلغنا في الشبهات بأخبار الاحتياط. و فيه: أنّ ظاهرها إرادة النهي الخاصّ كما ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

و خامسها: حملها على بيان حكم المشتبهات قبل كمال الشريعة و تمامها، و أمّا بعد انتشارها و انبساط الأحكام فلم يبق شي‏ء على حكم البراءة.

و فيه أنّه لا دليل على هذا التقييد، مع أنّه مروي عن الصادق (عليه السّلام)، و الشريعة قد أكملت في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فمع تأخّر ورودها عن إتمام الشرع كيف يحمل على ما قبله؟

و سادسها: الحمل على بيان حكم من لم تبلغه أحاديث النهي عن ارتكاب الشبهات و الأمر بالاحتياط، لاستحالة تكليف الغافل عقلا و نقلا. و فيه: أنّه خلاف ظاهر الرواية كما يظهر ممّا ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

و سابعها: الحمل على الشبهات الوجوبيّة، بحمل النهي على إرادة النهي عن الترك. و فيه: أيضا ما تقدّم في جملة من سوابقه من كونه تقييدا بلا دليل، بل هو

82

استدلّ به الصدوق على جواز القنوت بالفارسية، و استند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الأشياء حتّى يثبت الحظر من دين الامامية. و دلالته على المطلب أوضح من الكلّ، و ظاهره عدم وجوب الاحتياط؛ لأنّ الظاهر إرادة ورود النهي في الشي‏ء من حيث هو، لا من حيث كونه مجهول الحكم، فإن تمّ ما سيأتي من أدلّة الاحتياط دلالة و سندا وجب ملاحظة التعارض بينها و بين هذه الرواية و أمثالها ممّا يدلّ على عدم وجوب الاحتياط، ثمّ الرجوع إلى ما تقتضيه قاعدة التعارض.

و قد يحتجّ بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج (1154)،

____________

خلاف ظاهر الرواية.

و ثامنها: الحمل على بيان حكم الأشياء المهمّة التي تعمّ بها البلوى، و يعلم أنّه لو كان فيها حكم مخالف للأصل لنقل. و فيه: أيضا أنّه تقييد بلا دليل.

و بالجملة، إنّ بعد هذه التوجيهات غير خفيّ على أحد، إلّا أنّ الشيخ الحرّ العاملي (قدّس سرّه) قد التجأ إليها بزعم تواتر أخبار الاحتياط و تماميّة دلالتها.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ ظاهر الرواية هو ورود النهي عن الشارع و صدوره عنه لا وصوله إلينا حتّى تجدي في المقام، لأنّ المقصود في المقام إثبات البراءة في كلّ ما لم يصل فيه إلينا نهي من الشارع، لا فيما لم يصدر فيه عنه نهي في الواقع. اللّهمّ إلّا أن يمنع هذا الظهور، و يدّعى كون ظاهرها بيان لزوم تماميّة الحجّة في وجوب الاجتناب، و لا ريب أنّ مجرّد صدور الخطاب عن الشارع في الواقع من دون علم المكلّف به غير مجد في ذلك. و لعلّ هذا أظهر.

1154. لا يذهب عليك أنّ موضع الدلالة من الصحيحة فقرتان، إحداهما:

ما دلّ منها على معذوريّة الجاهل بالتحريم. و الاخرى: ما دلّ على معذوريّة الجاهل بالعدّة. و لكنّ الاستدلال بهما يتوقّف على إثبات مقدّمات الاولى: كون المراد بالجهالة في الموضعين هي الجهالة بالحكم دون الموضوع. و الاخرى: كون المراد بها الجهالة البسيطة دون المركّبة. و الثالثة: كون معذوريّة الجاهل فيما ترتّب‏

83

على الجهالة من الفعل لا في شي‏ء آخر. و وجه التوقّف على هذه المقدّمات واضح، لأنّ المقصود في المقام إثبات حجيّة أصالة البراءة في الشبهات التكليفيّة، و كونه معذورا فيها لا مع الغفلة أو اعتقاد خلاف الواقع، إلّا أنّ بعض هذه المقدّمات مفقود في المقام.

أمّا بناء على الاستدلال بالفقرة الاولى، فإنّ الجهالة فيها و إن كانت عبارة عن الجهالة بالحكم، إلّا أنّ المراد بها بمقتضى التعليل- على ما أفاده المصنّف- هي الجهالة المركّبة دون البسيطة. و كذا المراد بالمعذوريّة فيها هي المعذوريّة في حرمة تزويج المرأة مؤبّدة، لا المؤاخذة على الفعل المرتّب على الجهالة، كما هو المطلوب.

و أمّا بناء على الاستدلال بالفقرة الثانية فيتوقّف على بيان صور الاشتباه في العدّة، فنقول: إنّ الشبهة فيها تارة تكون حكميّة، و اخرى موضوعيّة. و على التقديرين: إمّا أن تكون الشبهة في أصل العدّة، أو في انقضائها بعد العلم بها في الجملة. فالصور أربع، إحداها: أن يكون جاهلا بأصل تشريع العدّة. الثانية: أن يكون جاهلا بمقدارها بعد العلم بمشروعيّتها في الجملة. و على التقديرين تكون الشبهة حكميّة. الثالثة: أن يكون جاهلا بكون هذه المرأة معتدّة بعد العلم بمشروعيّتها و مدّتها. الرابعة: أن يكون جاهلا بانقضاء عدّة هذه المرأة المطلّقة أو المتوفّى عنها زوجها.

فقوله: «قلت: فهو في الاخرى معذور؟ قال: نعم» إن أراد به إحدى صورتي الجهل بالحكم فلا يمكن الاستدلال به للمقام، لانتفاء المقدّمة الثالثة، لأنّ ظاهر الصحيحة كونه معذورا في التحريم الأبدي لا في المؤاخذة كما تقدّم. و مع تسليمه تكون الصحيحة مطروحة بالاتّفاق، لإجماعهم على وجوب الفحص عن الدليل إلى أن يحصل الظنّ بعدمه في العمل بأصالة البراءة في الشبهات الحكميّة. و مع التسليم فلا ريب أنّ العمل بها مشروط بعدم وجود أصل موضوعي حاكم عليها، و استصحاب بقاء العدّة عند الشكّ في انقضائها، و أصالة فساد العقد عند الشكّ في‏

84

أصل العدّة، حاكمان عليها. فلو فرض موافقة البراءة للواقع فالعمل بها في المقام حرام من جهة التشريع و مخالفة الاصول.

و إن أراد به إحدى صورتي الجهل بالموضوع فلا يتمّ به الاستدلال أيضا، لانتفاء المقدّمة الاولى، لفرض كون الشبهة حينئذ موضوعيّة، و لا خلاف في جريان أصالة البراءة في الشبهات الموضوعيّة حتّى من الأخباريّين. و كذا الثالثة كما تقدّم.

مضافا إلى مخالفتها للأصلين كما عرفت.

هذا كلّه إذا كان المراد بالجهالة في الصور الأربع هي الجهالة البسيطة، بأن كان شاكّا متردّدا في الحكم أو الموضوع. و أمّا إذا كان غافلا أو معتقدا للخلاف، فيصحّ الحكم بمعذوريّته حينئذ مطلقا، بأن يراد بالمعذوريّة معنى يشمل الحكم الوضعي و التكليفي، إلّا أنّ الرواية لا تصلح حينئذ دليلا على المدّعى أيضا، لانتفاء المقدّمة الثانية، و هي شرط في جريان البراءة، لعدم قدرته على الاحتياط مع الغفلة و اعتقاد الخلاف. و عدم تعرّض المصنّف (رحمه اللّه) لبعض صور الشبهة في العدّة لعلّه لأجل وضوح حكمها ممّا ذكره.

و بقي في المقام شي‏ء، و هو أنّ المراد بالجهالة في جميع فقرات الصحيحة هل هي الجهالة البسيطة، أو المركّبة، أو لا بدّ من التفكيك فيها بينهما؟ لا سبيل إلى الأوّل و الثاني، كما أفاده المصنّف (رحمه اللّه)، و ستعرفه. و منه يظهر أيضا عدم صحّة إرادة الجهالة البسيطة من الجهل بالتحريم، و الجهالة المركّبة من الجهل بالعدّة، فلا بدّ من التفكيك بينهما فيهما على عكس ذلك، لأنّ مقتضى تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله: «لأنّه لا يقدر» هو كون المراد بالجهل بالتحريم هو الجهل المركّب دون البسيط، لأنّه الذي لا يقدر المكلّف معه على الاحتياط. و كذا تخصيص الجاهل بالحرمة بذلك يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط، و هو يقتضي كونه جاهلا بسيطا. و هذا المقدار من ارتكاب خلاف الظاهر من التفكيك بين الجهالتين لا مناص منه، سواء كان المراد بالجهل بالعدة هو الجهل بالحكم- كما هو مبنى‏

85

الاستدلال- أو الجهل بالموضوع.

و ممّا ذكرناه يظهر وجه عدم استدلال المصنّف (رحمه اللّه) بمعذوريّة الجاهل بالتحريم للمقام، لتعيّن حمله على الجهل المركّب على ما عرفت. و كذا تظهر كيفيّة التدبّر في ورود الإشكال. و أمّا دفعه فبمنع اقتضاء تعليل الجهل بالتحريم لكون المراد بالجهل بالعدّة هو الجهل البسيط، لصحّة التعليل على تقدير كون المراد به في المقامين هو الجهل المركّب. أمّا في الجهل بالتحريم فلما عرفت من كونه مقتضى ظاهر التعليل.

و أمّا في الجهل بالعدّة إذا اريد به الجهل بالموضوع الخارج، فإنّ الغرض من التعليل حينئذ بيان أنّه مع الجهل بالتحريم و اعتقاد الجواز لا يتمكّن المكلّف من الاحتياط أصلا، إذ لا سبيل له إلى الأحكام التعبّدية إلّا ببيان من الشارع، فمع عدم إعلامه و حصول الاعتقاد له بخلاف الواقع لا يسند إليه التقصير من وجه، بخلاف الجهل بالموضوعات الخارجة، لأنّ بيان الشارع لأحكامها و إعلامه بها تنبيه للمكلّف يتمكّن معه من الاحتياط و لو قبل حصول اعتقاد خلاف الواقع، لأنّه بعد بيان حرمة التزويج في العدّة لا بدّ للمكلّف من مراعاة ذلك و الفحص و التفتيش عن أحوال النساء عند إرادة تزويجها. فإذا جهل في مورد و اعتقد بعدم كون امرأة معتدّة أو بانقضاء عدّتها مع مخالفة اعتقاده للواقع، كشف ذلك عن تقصيره في الفحص، و إلّا كان مصيبا للواقع أو بقي على شكّه. فالمراد بعدم تمكّن الجاهل بالتحريم من الاحتياط هو عدم تمكّنه منه بوجه أصلا، و بتمكّن الجاهل بالعدّة- يعني: بموضوعها الخارج- هو تمكّنه منه في الجملة و لو قبل حصول الاعتقاد على ما عرفت. و هذا ما يخطر بالبال مع ضيق المجال فيما يتعلّق بالصحيحة، و توضيح ما أجمله في الكتاب.

و اعلم أنّه لو أمكن تعميم الرواية بحيث تشمل الجهل المركّب و البسيط، بأن أمكن تأويل التعليل بقوله: «لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط» بحيث يشمل‏

86

فيمن تزوّج امرأة في عدّتها: «قال: أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعد ما تنقضي عدّتها، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك. قلت: بأيّ الجهالتين أعذر، أ بجهالته أنّ ذلك محرّم عليه، أم بجهالته أنّها في عدّة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى، الجهالة بأن اللّه حرّم عليه ذلك؛ و ذلك لأنّه لا يقدر معها على الاحتياط، قلت: فهو في الاخرى معذور؟ قال: نعم، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها»

37

. و فيه: أنّ الجهل بكونها في العدّة إن كان مع العلم بالعدّة في الجملة و الشكّ في انقضائها، فان كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عمّا نحن فيه، مع أنّ مقتضى الاستصحاب المركوز في الأذهان عدم الجواز.

و منه يعلم: أنّه لو كان الشكّ في مقدار العدّة فهي شبهة حكميّة قصّر في السؤال عنها، و هو ليس معذورا فيها اتفاقا؛ و لأصالة بقاء العدّة و أحكامها، بل في رواية اخرى أنّه: «إذا علمت أنّ عليها العدّة لزمتها الحجّة»، فالمراد من المعذوريّة عدم حرمتها عليه مؤبّدا، لا من حيث المؤاخذة. و يشهد له أيضا: قوله (عليه السّلام)- بعد قوله: «نعم، أنّه إذا انقضت عدّتها فهو معذور»-: «جاز له أن يتزوّجها». و كذا مع الجهل بأصل العدّة؛ لوجوب الفحص و أصالة عدم تأثير العقد، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.

____________

الجهل البسيط أيضا، فحكمهما كما تضمّنته الصحيحة من عدم استلزام التزويج في العدّة مع الجهل- بسيطا أو مركّبا- للحرمة الأبديّة ما لم يدخل بالزوجة، لثبوت ذلك بالأدلّة الخارجة. و الأخبار و كلمات علمائنا الأخيار مطلقة في معذوريّة الجاهل بالعدّة أو حكمها أو كليهما، بحيث تشمل الجهل المركّب و البسيط.

ثمّ اعلم أيضا أنّ الصحيحة قد تضمّنت فقرة اخرى، و هو قوله بعد ما تقدّم:

«فقلت: إن كان أحدهما متعمّدا و الاخرى بجهالة؟ فقال: الذي تعمّد لا يحلّ له أن يرجع إلى صاحبه أبدا». و فيه إشكال، لأنّه لا ريب أنّ ما أخبر به الإمام (عليه السّلام) في مورد الرواية من حرمة الرجوع لأحدهما أبدا بعد انقضاء العدّة و حلّية ذلك‏

87

هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكّا، و إن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراءة؛ لعدم قدرته على الاحتياط. و عليه يحمل تعليل معذوريّة الجاهل بالتحريم بقوله (عليه السّلام): «لأنّه لا يقدر ...»، و إن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدلّ على قدرة الجاهل بالعدّة على الاحتياط؛ فلا يجوز حمله على الغافل، إلّا أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير، و محصّله لزوم التفكيك بين الجهالتين، فتدبّر فيه و في دفعه.

و قد يستدلّ على المطلب‏

38

- أخذا من الشهيد في الذكرى- بقوله (عليه السّلام):

«كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه». و تقريب الاستدلال كما في شرح الوافية، أنّ معنى الحديث: أنّ كلّ فعل من جملة الأفعال التي‏

____________

للآخر، حكم واقعي أخبر عنه الإمام (عليه السّلام)، و حينئذ يشكل بأنّه إذا أوقعا العقد بعد انقضاء العدّة و جاز ذلك من أحدهما دون الآخر، لزم كون العقد الواحد صحيحا من جانب و باطلا من جانب الآخر، و لا معنى له، لعدم قابليّة الأحكام الواقعيّة للتجزئة، و إن توهّمه جماعة على ما حكي عنهم، فهو إمّا صحيح مطلقا أو باطل كذلك.

نعم، يتمّ ذلك في الأحكام الظاهريّة، لما تقرّر من جواز التفكيك فيها بين المتلازمين، كما لو ادّعى أحد الزوجين الزوجيّة و أنكرها الآخر، حيث يحكم بترتّب أحكام الزوجيّة من جانب المدّعي و بعدمه من طرف المنكر. و موارد الانفكاك كثيرة.

و يمكن دفع الإشكال، إمّا بحمل الرواية على إرادة بيان التحريم الأبدي من الجانبين، و أنّ السبب فيه إقدام المتعمّد على التزويج دون الجاهل، كما أنّ السبب في صورة علمهما هو إقدامهما مع العلم بالعدّة. و إمّا بحملها على بيان الحكم الظاهري، و إرادة حرمة رجوع العامد مع عمده، و إباحة رجوع الجاهل ما دام جاهلا، و قد عرفت جواز التفكيك في الأحكام الظاهريّة.

88

تتّصف (1155) بالحلّ و الحرمة، و كذا كلّ عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة، إذا لم يعلم الحكم الخاصّ به من الحلّ و الحرمة، فهو حلال؛ فخرج (1156) ما لا يتّصف بهما جميعا من الأفعال الاضطرارية و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف، و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه. و ليس الغرض من ذكر الوصف مجرّد الاحتراز (1157) بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما فهو حلال، سواء علم حكم كلي فوقه (1158) أو تحته- بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه لعلم حكمه- أم لا (1159). و بعبارة اخرى:

____________

1155. يعني: من شأنه ذلك، فيشمل الشبهات الحكميّة أيضا.

1156. يعني: بتوصيف الشي‏ء بقوله: فيه حلال و حرام.

1157. يعني: فائدة الوصف مع الاحتراز هو بيان الموضوع الذي يحكم بحلّيته ظاهرا، و هو ما فيه حلال و حرام بالمعنى الذي ذكره.

1158. كما في الشبهات الموضوعيّة. و المراد بفوقيّة الكلّي أن يكون بين عنوان المشتبه و بين الكلّيين اللذين علم حكمهما عموم من وجه، كلحم الغنم المشترى من السوق المردّد بين المذكّى و الميتة مع العلم بإباحة المذكّى و حرمة الميتة، لأنّ النسبة بين عنوان لحم الغنم و كلّ من المذكّى و الميتة عموم من وجه، بحيث لو علمنا باندراج الفرد المشتبه تحت أحد هذين الكلّيين لعلم حكمه.

و المراد بتحتيّة الكلّي أن يكون بين عنوان المشتبه و بين الكلّيين اللذين علم حكمهما عموم و خصوص مطلق، بأن كان عنوان المشتبه أعمّ منهما، كالمائع المردّد بين الخمر و الخلّ مع العلم بحرمة الخمر و حلّية الخل، بحيث لو علمنا تحقّق عنوان المشتبه في ضمن أحد هذين الخاصّين لعلم حكم الفرد المشتبه، كما هو واضح.

1159. كما في الشبهة الحكميّة، مثل شرب التتن و لحم الحمير، إن لم نقل‏

89

أنّ كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك- بمعنى أنّك تقسّمه إلى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين و لا تدري المعيّن منهما- فهو لك حلال. فيقال حينئذ: إنّ الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكّى و الميتة و على شرب التتن و على لحم الحمير إن لم نقل بوضوحه و شككنا فيه؛ لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه شي‏ء فيه حلال و حرام عندنا، بمعنى أنّه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين، فنقول: هو إمّا حلال (1160) و إمّا حرام، و أنّه يكون من جملة (1161) الأفعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا و بعضها حراما، و اشتركت في أنّ الحكم الشرعيّ المتعلّق بها غير معلوم، انتهى. أقول: الظاهر أنّ المراد بالشي‏ء ليس هو خصوص المشتبه، كاللحم المشترى و لحم الحمير على ما مثّله بهما؛ إذ لا يستقيم (1162) إرجاع الضمير في «منه» إليهما، لكن لفظة «منه» ليس في بعض النسخ.

و أيضا: الظاهر أنّ المراد بقوله (عليه السّلام): «فيه حلال و حرام» كونه منقسما إليهما، و وجود القسمين فيه بالفعل لا مردّدا بينهما؛ إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا، لا ذهنا و لا خارجا. و كون الشي‏ء مقسما لحكمين- كما ذكره المستدلّ- لم يعلم له معنى محصّل، خصوصا مع قوله (قدّس سرّه): إنّه يجوز ذلك؛ لأنّ التقسيم إلى الحكمين الذي هو

____________

بوضوح حكمه.

1160. كما في الشبهة الحكميّة.

1161. كما في الشبهة الموضوعيّة.

1162. لأنّه و إن صحّ إرجاع الضمير إلى الفعل المشتبه الموضوع كاللحم المشترى، بارتكاب الاستخدام في ضمير «منه» بأن يقال: إنّ المعنى كلّ فعل مشتبه الموضوع الذي يحتمل الحلّ و الحرمة فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام من نوعه في الخارج فتدعه، إلّا أنّه لا يصحّ إرجاعه إلى الفعل المشتبه الحكم كلحم الحمير، لعدم وجود نوع له يكون فيه قسم حرام و قسم حلال حتّى يصحّ إرجاع الضمير إلى النوع على سبيل الاستخدام. نعم، يصحّ ذلك على ما فرضه المنتصر الآتي، إلّا أنّ الكلام هنا مع الغضّ عنه.

90

في الحقيقة ترديد لا تقسيم، أمر لازم قهري لا جائز (1163) لنا.

و على ما ذكرنا، فالمعنى- و اللّه العالم-: أنّ كلّ كلّي فيه قسم (1164) حلال و قسم حرام- كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكّى و الميتة- فهذا الكلّي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معيّنا في الخارج فتدعه. و على الاستخدام (1165) يكون المراد:

____________

1163. هذا إنّما يرد إن اريد من الجواز معنى الإمكان، مثل قولهم هل يجوز اجتماع الأمر و النهي أو لا؟ بخلاف ما لو اريد به معنى الصحة، بأن يريد به صحّة القسمة إلى القسمين، مثل قولك: الزوج ما جاز قسمته إلى المتساويين.

1164. هذا المعنى أيضا لا يخلو من مسامحة، لأنّ وجود القسمين إنّما هو بين أفراد الكلّي لا فيه نفسه، كما هو واضح. بل لا بدّ على هذا المعنى من ارتكاب نوع استخدام أيضا في ضمير «منه»؛ إذ المتّصف بالحلّية و الحرمة- كما قرّر في محلّه- هو نفس الأفراد لا الماهيّة الموجودة في ضمنها، فلا بدّ من إرجاع ضمير «منه» إلى أفراد الكلّي لا إلى نفسه. بل على هذا لا يصحّ إرجاع الضمير في قوله «فهو» إلى الشي‏ء، كما هو واضح. و لو قيل بكون الشي‏ء عبارة عن أفراد الكلّي، و خصّ مورد الرواية بالشبهات الموضوعيّة، سلّم عن جميع ما أورد في المقام.

1165. هذا معنى ثالث في الرواية. و حيث استفيد ممّا اختاره في معنى الرواية تعيّن إرجاع الضمير في قوله «فيه» و «منه» إلى الكلّي، يلزمه ارتكاب الاستخدام فيه لو اريد بالشي‏ء الموضوع المشتبه، فأشار هنا بقوله: «و على الاستخدام» إلى ما استفيد من كلامه و لو بالملازمة. و حاصل ما ذكره: عدم صحّة تعميم الرواية لكلّ من الفعل المشتبه الحكم و الموضوع، كما توهّمه شارح الوافية، فلا بدّ حينئذ من حملها على بيان الشبهات الموضوعيّة. و حينئذ إن اريد من الشي‏ء الكلّي الذي فيه حلال و حرام فلا يرد عليه شي‏ء. و إن اريد منه الموضوع‏

91

أنّ كلّ جزئي خارجي في نوعه القسمان المذكوران، فذلك الجزئي لك حلال حتّى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلّي في الخارج فتدعه. و على أيّ تقدير فالرواية مختصّة بالشبهة في الموضوع. و أمّا ما ذكره المستدلّ من أنّ المراد من وجود الحلال و الحرام فيه احتماله و صلاحيته لهما، فهو مخالف لظاهر القضيّة (1166) و لضمير «منه» (1167) و لو على الاستخدام.

ثمّ الظاهر أنّ ذكر هذا القيد (1168) مع تمام الكلام بدونه- كما في قوله (عليه السّلام) في رواية اخرى: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام»- بيان منشأ الاشتباه (1169) الذي يعلم من قوله (عليه السّلام): «حتّى تعرف»، كما أنّ الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدلّ أيضا يحصل بذلك.

____________

المشتبه الخارج، فلا بدّ فيه من ارتكاب الاستخدام في ضمير «فيه» و «منه». و الفرق بين هذا المعنى و ما ذكره شارح الوافية- مضافا إلى ما عرفت- لزوم ارتكاب الاستخدام في ضمير «فيه» على هذا المعنى، بخلاف على ما ذكره، إذ المعنى على هذا المعنى: كلّ موضوع مشتبه في نوعه الحرام و الحلال، و على ما ذكره: كلّ شي‏ء فيه احتمال الحرمة و الحلّية، سواء كان مشتبه الموضوع أو الحكم.

1166. أي: قضيّة «فيه حلال و حرام» لظهورها في الانقسام الفعلي، كما ذكره المصنّف (رحمه اللّه).

1167. لما أسلفناه عند شرح قوله: «إذ لا يستقيم».

1168. يعني: قوله: «فيه حلال و حرام» لكونه وصفا للشي‏ء و قيدا له.

1169. يعني: أنّ وصف الشي‏ء بقوله فيه حلال و حرام- مع كونه احترازا عمّا ذكره شارح الوافية- إشارة إلى بيان اعتبار كون منشأ الاشتباه بحسب الحكم أو الموضوع المأخوذ في مورد الرواية- كما يرشد إليه قوله:

«حتّى تعرف»- هو وجود القسمين- أعني: الحلال و الحرام- في الشي‏ء، بأن كان الاشتباه ناشئا من عدم العلم بكون الأمر المشتبه من أيّ القسمين الموجودين في الشي‏ء لا من أمر آخر، كما فيما مثّل المنتصر به من مثال لحم الحمير، لكون‏

92

و منه يظهر فساد ما انتصر بعض المعاصرين (1170) للمستدلّ- بعد الاعتراف بما ذكرنا من ظهور القضيّة في الانقسام الفعلي؛ فلا يشمل مثل شرب التتن من-: أنّا نفرض شيئا له قسمان حلال و حرام، و اشتبه قسم ثالث منه كاللحم، فإنّه شي‏ء فيه حلال و هو لحم الغنم و حرام و هو لحم الخنزير، فهذا الكلّي المنقسم حلال، فيكون لحم الحمار حلالا حتّى تعرف حرمته‏

39

. و وجه الفساد: أنّ وجود القسمين في اللحم ليس منشأ لاشتباه لحم الحمار، و لا دخل له في هذا الحكم (1171) أصلا، و لا في تحقّق الموضوع، و تقييد (1172) الموضوع بقيد أجنبيّ لا دخل له في الحكم و لا في تحقّق الموضوع مع خروج بعض الأفراد (1173) منه مثل شرب التتن- حتّى احتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار و شبهه ممّا يوجد في نوعه قسمان معلومان بالإجماع المركّب-، مستهجن جدّا لا ينبغي صدوره من متكلّم فضلا عن الإمام (عليه السّلام).

هذا، مع أنّ اللازم ممّا ذكر عدم الحاجة إلى الإجماع المركّب، فإنّ الشرب فيه قسمان: شرب الماء و شرب البنج، فشرب التتن كلحم الحمار بعينه، و هكذا جميع الافعال المجهولة الحكم. و أمّا الفرق بين الشرب و اللحم بأنّ الشرب (1174)

____________

الشبهة فيه ناشئة إمّا من عدم الدليل أو إجماله أو تعارضه، لا من وجود لحم الخنزير و الغنم في مطلق اللحم، و عدم العلم بكون المشتبه من أيّهما.

1170. هو الفاضل النراقي. و قد ذكر للرواية معاني ستّة ثالثها ما اختاره المصنّف (رحمه اللّه) هنا. و يظهر ضعف ما سواه من التأمّل فيما ذكره المصنّف (رحمه اللّه) هنا و ما علّقناه على كلامه، فتدبّر.

1171. يعني: حكم لحم الحمار الذي فرض الاشتباه فيه.

1172. مبتدأ، و خبره قوله: «مستهجن».

1173. ممّا لا يوجد في نوعه حلال و حرام من الشبهات الحكميّة.

1174. يعني: بالمعنى الأعمّ من إدخال الدخان و الماء الجوف من الفم.

93

جنس بعيد (1175) لشرب التتن بخلاف اللحم، فممّا لا ينبغي أن يصغى إليه. هذا كلّه، مضافا إلى أنّ الظاهر (1176) من قوله: «حتّى تعرف الحرام منه» معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشي‏ء، و معلوم أنّ معرفة لحم الخنزير و حرمته لا يكون غاية لحلّية لحم الحمار.

و قد اورد على الاستدلال (1177) بلزوم استعمال‏

____________

1175. لأنّ جنسه القريب هو الشرب بمعنى إدخال الدخان الجوف من الفم.

1176. يعني: أنّ ظاهر الرواية اعتبار كون الشي‏ء المحكوم بإباحته ما لم تعلم حرمته موجودا في الشي‏ء المنقسم إلى الحلال و الحرام، بأن كان على تقدير العلم بحرمته واقعا داخلا في القسم الحرام الموجود في المقسم. و بعبارة اخرى: أنّ ظاهرها اعتبار كون الشي‏ء المحكوم بإباحته ما لم تعلم حرمته بحيث لو علمت حليّته أو حرمته كان داخلا في أحد القسمين اللذين فرض انقسام الشي‏ء إليهما، لا شيئا ثالثا مغايرا لهما، لأنّ هذا المعنى هو الذي يصحّ معه جعل معرفة الحرمة غاية للحكم بالإباحة الظاهريّة، و إلّا لغا اعتبار وجود القسمين في الشي‏ء و انقسامه إليهما، لفرض عدم مدخليّة حرمة ما علمت حرمته حينئذ كلحم الخنزير، و كذا ما علمت حلّيته كلحم الغنم في حرمة المشتبه و حلّيته كلحم الحمار في المثال، حتّى تجعل معرفة حرمة لحم الخنزير غاية للحكم بإباحة لحم الحمار.

1177. المورد هو المحقّق القمّي (قدّس سرّه)، لأنّه بعد أن أورد كلام شارح الوافية قال: «و فيه نظر، إذ هذا التفسير يوجب استعمال اللفظ في معنيين، مع كونه خلاف المتبادر من الرواية أيضا. بيانه: أنّ خروج الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف- كالسماء و ذات الباري تعالى مثلا- إنّما هو لأجل عدم إمكان الاتّصاف بشي‏ء من الحلّ و الحرمة، لا من جهة عدم اتّصافها بهما معا، و عدم قابليّتها لانقسامها إليهما.

و خروج الأفعال الضروريّة لبقاء الحياة إنّما هو لأجل أنّه لا يتّصف بأحدهما أيضا

94

شرعا، و إن كان يمكن اتّصافه بهما جميعا لأجل أنّه فعل مكلّف اختياري. و كذلك خروج ما تعيّن حلّه أو حرمته، لأنّه لا يتّصف إلّا بأحدهما، فيلزم استعمال قوله: «فيه حلال و حرام» في معنيين: أحدهما: أنّه قابل» ثمّ ساق الكلام كما نقله المصنّف (رحمه اللّه).

و حاصل مقصوده: أنّ إخراج الشارح للأفعال الضروريّة و كذا الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف بقوله (عليه السّلام): «فيه حلال و حرام» إنّما هو لأجل عدم قابليّتها للاتّصاف، و أنّ هذا هو المراد بقوله: «فخرج ما لا يتّصف بهما». و كذا إخراجه به لما علم أنّه حلال لا حرام فيه، أو حرام لا حلال فيه، لأجل عدم فعليّة الانقسام. و حينئذ لا بدّ أن تراد بقوله (عليه السّلام): «فيه حلال و حرام» تارة قابليّة الاتّصاف، و اخرى فعليّة الانقسام، ليتمّ الاحترازان.

و أنت خبير بأنّ ظاهر كلام الشارح حمل قوله (عليه السّلام): «فيه حلال و حرام» على إرادة قابليّة الاتّصاف. و لا ريب في حصول الاحتراز عن الأمرين بذلك، لعدم منافاة فعليّة الانقسام لقابليّة الاتّصاف. و أمّا لزوم استعمال قوله: «حتّى تعرف الحرام» في المعنيين، فيرد عليه: أنّ اختلاف طرق المعرفة لا يوجب تعدّدها، و هو واضح.

ثمّ إنّه قد استدلّ غير واحد على أصالة البراءة في المقام برواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «سمعته يقول: كلّ شي‏ء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه، و ذلك ثوب يكون عليك قد اشتريت و هو سرقة، أو المملوك عندك و هو حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة».

و يردّ عليه: أنّ الظاهر أنّ قوله: «هو لك» مبتدأ و خبر، و الجملة صفة لشي‏ء، و قوله «حلال» خبر عن الكلّ. و المعنى: كلّ شي‏ء هو لك و لك استيلاء

95

قوله (عليه السّلام): «فيه حلال و حرام» في معنيين: أحدهما: أنّه قابل للاتصاف بهما، و بعبارة اخرى: يمكن تعلّق الحكم الشرعيّ به ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشي‏ء منهما. و الثاني: أنّه ينقسم إليهما و يوجد النوعان فيه إمّا في نفس الأمر أو عندنا، و هو غير جائز.

____________

عليه فهو حلال. و يؤيّده ما تضمّنته من الأمثلة، فهي واردة لبيان قاعدة اليد، و أنّه حجّة ما لم يعلم خلافه أو تقوم به بيّنة. فلا دلالة فيها على بيان اعتبار أصالة البراءة في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة أصلا، كيف و الأصل في الفروج هو الاحتياط و الحرمة، مع أنّ الإمام (عليه السّلام) حكم بحليّتها. فالظاهر أنّ المراد بيان أنّه إذا كان تحت يدك شي‏ء و استوليت عليه كالثوب و العبد عندك و المرأة تحتك، و يحتمل أن يكون استيلاؤك عليه على خلاف المشروع، فيدك عليه ثابتة، و هو لك حلال ما لم يستبن لك خلافه، أو لم تقم به البيّنة، و الأشياء كلّها على هذا.

فإن قلت: لا مانع من حمل الرواية على بيان القاعدتين، و إن كانت الأمثلة المذكورة فيها من موارد قاعدة اليد.

قلت: ذلك مستلزم لاستعمال اللفظ في معنيين، و هو غير جائز، لاختلاف المعنى بالنسبة إلى كلّ من القاعدتين، لأنّها إن كانت واردة لبيان قاعدة اليد، فلا بدّ أن يكون المعنى على نحو ما ذكرناه من كون قوله (عليه السّلام): «هو لك» مبتدأ و خبرا، و إن كانت واردة لبيان قاعدة البراءة فلا بدّ أن يكون ضمير «هو» للفصل، و قوله «لك» متعلّقا ب «حلال» مقدّما عليه، و هو خبرا عن «كلّ شي‏ء». مع أنّ الحكم على الإباحة على هذا التقدير لا بدّ أن يكون من حيث كون الواقعة مجهولة الحكم.

و على تقدير ورودها لبيان قاعدة اليد لا بدّ أن يكون من حيث استيلاء يد المستولي، لا من حيث وصف الجهالة بالواقع. و لا ريب في تغاير المعنيين. و اللّه أعلم بالحقائق.

96

و بلزوم استعمال قوله (عليه السّلام): «حتّى تعرف الحرام منه بعينه» في المعنيين أيضا؛ لأنّ المراد حتّى تعرف من الأدلّة الشرعيّة «الحرمة» إذا اريد معرفة الحكم المشتبه، و حتّى تعرف من الخارج من بيّنة أو غيرها «الحرمة»، إذا اريد معرفة الموضوع المشتبه فليتأمّل‏

40

، انتهى. و ليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا، و يمكن إرجاعه إليهما معا، و هو الأولى.

هذه جملة ما استدلّ به من الأخبار. و الإنصاف ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما لا نصّ فيه في الشبهة

(*)

، بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط وقعت المعارضة بينها، لكن بعضها غير دالّ إلّا على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عامّ به، فلا يعارض ما سيجي‏ء من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجيّة سندا و دلالة.

____________

و بقوله (عليه السّلام): «الحرام ما حرّم اللّه و رسوله» حيث دلّ على إباحة ما لم ترد حرمته في الكتاب و السنّة، خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي. و ربّما يقال: إنّ مدلوله من حيث إثبات الإباحة الواقعيّة و إن لم يطابق المدّعى من إثبات الإباحة الظاهريّة في موارد الشبهة، إلّا أنّه يثبت فوق المدّعى، فهو يكفي في ردّ أخبار الاحتياط.

و أنت خبير بأنّ أقصى مدلولها إباحة ما لم يرد نهي عنه في الكتاب و السنّة، لا على إباحة ما لم يوجد على حرمته دليل فيما بأيدينا اليوم من الأدلّة بعد انطماس كثير منها أو أكثرها.

و بما رواه الصدوق في التوحيد عن حفص بن غياث النخعي القاضي قال:

«قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من عمل بما علم كفي ما لم يعلم». و يردّ عليه أنّ ظاهره العفو و عدم المؤاخذة على ارتكاب المجهولات على تقدير العمل بالمعلومات، و لا دلالة فيه على عدم الاستحقاق أيضا، كما هو المقصود من إجراء أصالة البراءة،

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: التحريمية.

97

[الاستدلال بالإجماع على البراءة]

و أمّا الإجماع فتقريره من وجهين: الأوّل: دعوى إجماع العلماء (1178) كلّهم من المجتهدين و الأخباريّين على أنّ الحكم فيما لم يرد فيه دليل عقلي أو نقلي على تحريمه من حيث هو و لا على تحريمه من حيث إنّه مجهول الحكم، هي البراءة و عدم العقاب على الفعل. و هذا الوجه لا ينفع إلّا بعد عدم تماميّة ما ذكر من الدليل العقلي و النقلي للحظر و الاحتياط، فهو نظير حكم العقل الآتي. الثاني: دعوى الإجماع على أنّ الحكم فيما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو، هو عدم وجوب الاحتياط و جواز الارتكاب.

و تحصيل الإجماع بهذا النحو من وجوه: الأوّل: ملاحظة فتاوى العلماء في موارد الفقه، فإنّك لا تكاد تجد من زمان المحدّثين إلى زمان أرباب التصنيف في الفتوى من يعتمد على حرمة شي‏ء من الأفعال بمجرّد الاحتياط. نعم، ربّما يذكرونه في طيّ الاستدلال في جميع الموارد حتّى في الشبهة الوجوبيّة التي اعترف القائلون بالاحتياط هنا بعدم وجوبه فيها. و لا بأس بالاشارة إلى من وجدنا في كلماتهم ما هو ظاهر في هذا القول، فمنهم ثقة الإسلام الكليني (قدّس سرّه) حيث صرّح في ديباجة الكافي: بأنّ الحكم فيما اختلف فيه الأخبار التخيير، و لم يلزم الاحتياط مع ما ورد من الأخبار بوجوب الاحتياط فيما تعارض فيه النصّان و ما لم يرد فيه نصّ بوجوبه في خصوص ما لا نصّ فيه، فالظاهر: أنّ كلّ من قال بعدم وجوب الاحتياط هناك قال به هنا.

____________

فتدبّر.

1178. فإن قلت: إنّ دعوى الإجماع على هذا الوجه غير مفيدة أصلا، و إلّا كانت جميع المسائل الاصوليّة و الفقهيّة إجماعيّة، إذ لا ريب أنّ أحد الخصمين إذا سلّم بطلان دليله في المسألة كان موافقا لخصمه في المذهب.

قلت: يظهر أثر هذا الإجماع فيما لم يقم دليل على اعتبار أصالة البراءة، إذ بعد إبطال أدلّة وجوب الاحتياط من العقل و النقل يثبت اعتبارها بهذا الإجماع.

و قد يقرّر الإجماع. بدعوى اتّفاق المجتهدين و الأخباريّين على البراءة فيما لم يرد دليل من الكتاب و السنّة على تحريمه بعنوانه الخاصّ، و لا بعنوان كونه مجهول‏

98

و منهم: الصدوق؛ فإنّه قال: اعتقادنا أنّ الأشياء على الإباحة حتّى يرد النهي.

و يظهر من هذا موافقة والده و مشايخه؛ لأنّه لا يعبّر بمثل هذه العبارة مع مخالفته لهم، بل ربّما يقول: «الذي أعتقده و افتي به»، و استظهر من عبارته هذه: أنّه من دين الاماميّة. و أمّا السيّدان فقد صرّحا باستقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة

41

، و صرّحا أيضا في مسألة العمل بخبر الواحد: أنّه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل. و أمّا الشيخ (قدّس سرّه): فإنّه و إن ذهب وفاقا لشيخه المفيد (قدّس سرّه) إلى أنّ الأصل في الأشياء من طريق العقل الوقف، إلّا أنّه صرّح في العدة: بأنّ حكم الأشياء من طريق العقل و إن كان هو الوقف، لكنّه لا يمتنع أن يدلّ دليل سمعي على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف، بل عندنا الأمر كذلك و إليه نذهب‏

42

، انتهى. و أمّا من تأخّر عن الشيخ (قدّس سرّه)، كالحلّي‏

43

و المحقّق و العلّامة و الشهيدين و غيرهم: فحكمهم بالبراءة يعلم من مراجعة كتبهم.

و بالجملة: فلا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط و إن كان ظاهر المعارج (1179) نسبته إلى جماعة.

____________

الحكم. و حاصله: دعوى اعتراف الكلّ باستقلال العقل بالبراءة لو لم يرد عليها و لا على وجوب الاحتياط دليل من الكتاب و السنّة. و هذا و إن كان أولى من تقرير المصنّف (رحمه اللّه)، إلّا أنّه إنّما يتمّ لو لا تمسّك الأخباريّين لوجوب الاحتياط بالعقل، و ليس كذلك، كما يظهر ممّا قرّره المصنّف (رحمه اللّه)، من أدلّتهم، فتدبّر.

1179. إنّما جعله ظاهرا مع أنّ المحقّق في المعارج نسب القول بالاحتياط إلى جماعة بالصراحة قائلا: «العمل بالاحتياط غير لازم، و صار آخرون إلى وجوبه، و قال آخرون: مع اشتغال الذمّة يكون العمل بالاحتياط واجبا، و مع عدمه لا يجب» ثمّ مثّل لذلك بولوغ الكلب في الإناء، لاحتمال كون مراده من الاحتياط هو الاحتياط في الشبهات الوجوبيّة خاصّة، بقرينة تمثيله بولوغ الكلب، إلّا أنّ عموم عنوانه- سيّما مع ملاحظة عدم ظهور القول بوجوب الاحتياط في‏

99

ثمّ إنّه ربّما نسب إلى المحقّق (قدّس سرّه) رجوعه عمّا في المعارج إلى ما في المعتبر: من التفصيل بين ما يعمّ به البلوى و غيره و أنّه لا يقول بالبراءة في الثاني. و سيجي‏ء الكلام في هذه النسبة بعد ذكر الأدلّة إن شاء اللّه.

و ممّا ذكرنا يظهر: أنّ تخصيص بعض القول بالبراءة بمتأخّري الإماميّة مخالف للواقع، و كانه ناش عمّا رأى من السيّد و الشيخ من التمسّك بالاحتياط في كثير من الموارد؛ و يؤيّده ما في المعارج (1180): من نسبة القول برفع الاحتياط على الإطلاق إلى جماعة

44

.

الثاني: الإجماعات المنقولة (1181) و الشهرة المحقّقة فإنّها قد تفيد القطع بالاتّفاق. و ممّن استظهر منه دعوى ذلك الصدوق (رحمه اللّه) في عبارته المتقدّمة عن اعتقاداته. و ممّن ادّعى اتّفاق المحصلين عليه: الحلّي في أوّل السرائر حيث قال بعد ذكر الكتاب و السنّة و الإجماع: إنّه إذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعيّة عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة التمسّك بدليل العقل، انتهى. و مراده بدليل العقل- كما يظهر من تتّبع كتابه- هو أصل البراءة. و ممّن ادّعى إطباق‏

____________

الشبهات الوجوبيّة إلّا من بعض المتأخّرين من الأخباريّين- ظاهر في الشمول للشبهات التحريميّة أيضا على ما هو محلّ الكلام في المقام.

1180. لا يخفى أنّ المحقّق- على ما عرفت منه في الحاشية السابقة- لم ينسب القول برفع الاحتياط على الإطلاق إلى جماعة، و إنّما نسبه إلى مختاره، إلّا أنّ الظاهر أنّ المصنّف (رحمه اللّه) إنّما استفاد ذلك من نسبة القول بوجوب الاحتياط مطلقا إلى جماعة و التفصيل إلى اخرى، لأنّ ظاهر سياق هذا الكلام وجود قول بالبراءة من جماعة اخرى. و إنّما جعله مؤيّدا لعدم صراحة كلام المحقّق في وجود القول بالبراءة من القدماء.

1181. يمكن أن تجعل هذه الإجماعات المحكيّة دليلا مستقلا في المسألة و إن لم تفد القطع بالواقع، لشمول دليل الإجماع المنقول للاصول، و لا ريب في حجّية المعتضد منه بالشهرة المحقّقة.

100

العلماء: المحقّق في المعارج في باب الاستصحاب، و عنه في المسائل المصريّة أيضا في توجيه نسبة السيّد إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم ورود نصّ فيه:

أنّ من أصلنا العمل بالأصل حتّى يثبت الناقل، و لم يثبت المنع عن إزالة النجاسة بالمائعات. فلو لا كون الأصل إجماعيّا لم يحسن من المحقّق (قدّس سرّه) جعله وجها لنسبة مقتضاه إلى مذهبنا.

و أمّا الشهرة فإنّها تتحقّق بعد التتبّع في كلمات الأصحاب خصوصا في الكتب الفقهيّة؛ و يكفي في تحقّقها ذهاب من ذكرنا من القدماء و المتأخّرين.

الثالث: الإجماع العملي الكاشف عن رضا المعصوم (عليه السّلام)، فإنّ سيرة المسلمين من أوّل الشريعة بل في كلّ شريعة على عدم الالتزام و الإلزام بترك ما يحتمل ورود النهي عنه من الشارع بعد الفحص و عدم الوجدان، و أنّ طريقة الشارع كانت تبليغ المحرّمات دون المباحات؛ و ليس ذلك إلّا لعدم احتياج الرخصة في الفعل إلى البيان و كفاية عدم‏

(*)

النهي فيها. قال المحقّق (قدّس سرّه) على ما حكى عنه: إنّ أهل الشرائع كافة لا يخطّئون من بادر إلى تناول شى‏ء من المشتبهات سواء علم الإذن فيها من الشرع أم لم يعلم، و لا يوجبون عليه عند تناول شى‏ء من المأكول و المشروب أن يعلم التنصيص على إباحته، و يعذرونه في كثير من المحرّمات إذا تناولها من غير علم، و لو كانت محظورة لأسرعوا إلى تخطئته حتّى يعلم الإذن‏

45

، انتهى.

أقول: إن كان الغرض ممّا ذكر- من عدم التخطئة- بيان قبح مؤاخذة الجاهل بالتحريم، فهو حسن مع عدم بلوغ وجوب الاحتياط عليه من الشارع، لكنّه راجع إلى الدليل العقلي الآتي، و لا ينبغي الاستشهاد له بخصوص أهل الشرائع بل بناء كافّة العقلاء و إن لم يكونوا من أهل الشرائع على قبح ذلك. و إن كان الغرض منه أنّ بناء العقلاء على تجويز الارتكاب مع قطع النظر عن ملاحظة قبح مؤاخذة الجاهل- حتّى لو فرض عدم قبحه لفرض العقاب من اللوازم القهريّة لفعل الحرام مثلا، أو فرض المولى في التكاليف العرفيّة ممّن يؤاخذ على الحرام و لو صدر جهلا-

____________

(*) في بعض النسخ زيادة: وجدان.

101

لم يزل بنائهم على ذلك، فهو مبنيّ على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل، و سيجي‏ء الكلام فيه إن شاء اللّه.

____________

[الاستدلال بالعقل على البراءة]

الرابع من الأدلّة: حكم العقل بقبح العقاب (1182)

1182. قد يعبّر بقبح التكليف بلا بيان. و إنّما عبّر المصنّف (رحمه اللّه) بقبح العقاب، لأنّ القدر المسلّم من حكم العقل حكمه بقبح العقاب بلا بيان لا قبح التكليف بدونه، و لذا يجوز إجراء البراءة مع دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد، فيقال: إنّ الأصل عدم كلّ منهما مع القطع بثبوت أحدهما.

و يدلّ على ما ذكرناه أيضا أنّ التكليف بلا بيان لو كان قبيحا كان كلّ من الوجوب و الاستحباب المشكوكين موردا للأصل، لفرض قبح التكليف المجهول مع قطع النظر عن ترتّب العقاب عليه. و حينئذ فإذا تردّد الأمر بين وجوب فعل و استحبابه، كغسل الجمعة و دعاء رؤية الهلال، تتعارض أصالة عدم الوجوب و أصالة عدم الاستحباب، للعلم الإجمالي بثبوت أحدهما. و لا يمكن إجراء أصالة عدم كلّ منهما كما في الفرض الأوّل، لاستلزامه المخالفة العمليّة هنا، بخلافه هناك. و مع عدم جريان الأصلين لا بدّ من القول بوجوب الاحتياط، لاحتمال الوجوب، و ليس كذلك، لتعيّن إجراء أصالة البراءة عن الوجوب خاصّة، كما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في محلّه، و ليس ذلك إلّا لأجل كون مبنى أصالة البراءة على قبح العقاب بلا بيان، لا على قبح التكليف بدونه.

و على كلّ تقدير فقد يقرّر الدليل بوجهين:

أحدهما: أنّ التكليف أو العقاب بلا بيان قبيح، و مجرّد احتمال التكليف في الواقع غير كاف في البيان، بأن يحكم العقل بمجرّد ذلك بوجوب الاحتياط، و يقنع به عن البيان التفصيلي، إذ بيان كلّ شي‏ء بحسبه، فبيان الأحكام الواقعيّة إنّما هو ببيان نفس هذه الأحكام، حتّى إنّه لو صرّح الشارع بوجوب الاحتياط فهو تكليف آخر ظاهري لا دخل له في التكليف بنفس الواقع، و اقتناع الشارع به من‏

102

بيان الواقع مع ثبوت التكليف به قبيح منه. و على هذا الوجه يبتني ما قرّره المصنّف (رحمه اللّه) من ورود قاعدة قبح التكليف بلا بيان على قاعدة دفع الضرر المحتمل.

و لكنّك خبير بأنّ مقتضى هذا التقرير معارضة دليل العقل لأدلّة وجوب الاحتياط، و هو ينافي ما سيصرّح به المصنّف (رحمه اللّه) في آخر كلامه من عدم المعارضة بينهما. و بالجملة، إنّ دعواه ورود دليل العقل على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل تنافي ما صرّح به في آخر كلامه.

و ثانيهما: أنّ التكليف أو العقاب بلا بيان قبيح، فلا بدّ للشارع إمّا بيان نفس الأحكام الواقعيّة، و إمّا بيان طريق ظاهري إليها و لو كان هو الاحتياط. و هذا الوجه مبنيّ- بعد منع كون مجرّد احتمال التكليف في الواقع كافيا عن البيان- على منع دلالة أخبار الاحتياط على وجوبه، و هو كذلك كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى.

و لكن على هذا التقرير يمكن منع ورود دليل العقل على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، إذ بعد الاعتراف بنهوض هذه القاعدة لإثبات حكم ظاهري كان هذا الحكم الظاهري بيانا ظاهريّا للتكليف المجهول. مضافا إلى ما يرد على المصنّف (رحمه اللّه) من أنّ قوله: «لا يكون بيانا للتكليف المجهول» إن أراد به عدم صلوح قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل للدلالة على نفس الحكم المجهول المحتمل فهو مسلّم، إلّا أنّ القول بوجوب الاحتياط لا يبتني على ذلك، بل على احتمال العقاب أو ثبوته في الجملة، كيف و ما ادّعاه من قبح العقاب بلا بيان ظاهر في تسليم وجوب الاحتياط مع فرض عدم القبح المذكور.

و إن أراد به عدم صلوحها لرفع قبح العقاب بلا بيان كما هو ظاهره- نظرا إلى أنّ هذه القاعدة على تقدير تماميّتها إنّما تثبت حكما ظاهريّا في موردها يترتّب العقاب على مخالفته، سواء كان في موردها حكم واقعي أم لا، و بالجملة إنّها إنّما تصلح لدفع القبح المذكور لو كان مقتضاها ثبوت العقاب على مخالفة الواقع لو كان‏

103

في موردها تكليف، لا ثبوته على مخالفة مودتها مطلقا- يرد عليه أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل إرشادي محض، لا يترتّب على موافقته و مخالفته سوى ما يترتّب على نفس الواقع، فمقتضاها على تقدير تماميّتها هو ترتّب العقاب على الواقع لو كان في الواقع تكليف.

ثم إنّ قبح التكليف بلا بيان إنّما هو فيما أمكن فيه البيان من الشارع و لم يبيّنه، بأن لم يكن له فيه عذر و مانع من البيان و تبليغ الأحكام، و إلّا فلا ريب في عدم تقبيح العقل للتكليف بلا بيان، بل بمجرّد احتماله يحكم العقل حينئذ بوجوب الاحتياط و إن لم يصرّح به الشارع.

و من هنا يندفع ما ربّما يمكن أن يورد على المقام، من أنّ التكليف بلا بيان إن كان قبيحا لزم عدم وجوب النظر إلى معجزة مدّعي النبوّة، لأجل أصالة البراءة عن وجوبه، لفرض عدم وصول البيان من الشارع فيه، فلزم إفحام الأنبياء (عليهم السّلام).

و وجه الاندفاع: ما عرفت من أنّ حكم العقل بقبح التكليف بلا بيان مشروط بإمكان البيان، و هو متعذّر في المقام، إذ لو لم يجب النظر إلى المعجزة لا يكون طريق إلى معرفة نبوّة المدّعي لو كان صادقا في الواقع، إلّا الأخذ بدعواه للنبوّة، و جوازه موقوف على ثبوت صدقه و نبوّته، فلو ثبتت نبوّته بقوله لزم الدور، فلا بدّ حينئذ من النظر للاحتياط كما عرفت. مع أنّ وجوب النظر إنّما هو من باب المقدّمة، لوجوب تصديق المدّعي لو كان صادقا في دعواه في الواقع، فالمقصود من نفي وجوب النظر بأصالة البراءة نفي وجوب تصديقه.

و حينئذ نقول: إنّ العمل بالاصول موقوف على الفحص إجماعا، و الفحص في العمل بها في الأحكام إنّما هو عن الأدلّة، و في مسألة النبوّة عن معجزاته بالنظر إليها، فعدم جواز العمل بالأصل إنّما هو لفقد شرطه، لا لأجل عدم تقبيح العقل للتكليف بلا بيان.

و ربّما يظهر من المحكيّ عن الهداية التفصيل في المقام بين ما قبل بسط الشرع‏

104

على شى‏ء من دون بيان التكليف. و يشهد له: حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه.

و دعوى: أنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي فلا يقبح بعده المؤاخذة، مدفوعة: بأنّ الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه، و إنّما هو بيان لقاعدة كلّية ظاهريّة و إن لم يكن في مورده تكليف في الواقع، فلو تمّت عوقب على مخالفتها و إن لم يكن تكليف في الواقع، لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده؛ فلا تصلح القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكورة بل قاعدة القبح واردة عليها؛ لأنّها فرع احتمال الضرر أعني العقاب، و لا احتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان. فمورد قاعدة دفع العقاب المحتمل هو ما ثبت العقاب فيه ببيان الشارع للتكليف فتردّد المكلّف به بين أمرين، كما في الشبهة المحصورة و ما يشبهها.

____________

و انتشار الأحكام و ما بعده، فسلّم قبح التكليف بلا بيان في الأوّل، و منعه في الثاني. و ذلك لأنّ التكليف بلا بيان على وجوه: أحدها: أن يكلّف الشارع من دون بيان، مع مانع من بيانه كما عرفته من مسألة النبوّة. و ثانيها: أن يكلّف بلا بيان، مع عدم المانع من قبله و لا من قبل المكلّف. و ثالثها: أن يكلّف من دون بيان مع وجود المانع من قبل المكلّف، بأن أرسل اللّه سبحانه رسولا، فبلّغ جميع ما يجب تبليغه، و نصب أوصياء بعده ليكونوا مرجعا للأنام في كلّ زمان، و يزيد و اما نقصوا و ينقصوا ما زادوا، و لكنّ المكلّفين بسوء اختيارهم أزالوا هذه النعمة عن أنفسهم، و صاروا سببا لغيبة الوصيّ من بينهم، فقصر باعهم عن تناول الأحكام و معرفتها لذلك.

و إذا تحقّق ذلك فنقول: لا شكّ في عدم وجوب البيان و وجوب الاحتياط في الأوّل على ما بيّنّاه، و كذلك في القبح على الثاني. و أمّا الثالث فليس في العقل ما يقبّح التكليف بلا بيان في هذا القسم. و ما نحن فيه أيضا من هذا القبيل، إذ لا ريب في تبليغ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جميع ما يجب عليه تبليغه، و لا في عدم تقصير أوصيائه في‏