الموسوعة التاريخية للخلفاء الفاطميين - ج1

- عارف تامر المزيد...
136 /
51

و الإقدام على المخاطر، و ركوب متن الأهوال و الصعاب في سبيل الحصول على مقاصدهم، و الوصول إلى أهدافهم بالعيش الكريم، و الحياة الأفضل كما أنهم شديد و الخشونة لا يرحمون من يتصدّى لقتالهم أو النيل منهم، ميالون بطبيعتهم إلى حب السيطرة و افتتاح البلدان، و توسيع رقعة بلدانهم و نفوذهم، ناهيك عن نقمتهم على الملوك و الأمراء و على غطرستهم و ظلمهم و ابتعادهم عن منهج العدالة، لهذا تمكن أبو عبد اللّه بواسطتهم من الوصول إلى أغراضه، و تحقيق أماله، فكان يثير حماسهم و حميتهم بكلماته و عباراته مذكرا بأوضاعهم، و بما هم عليه من الفقر و الضيق و شظف العيش و الحرمان، بينما طبقة الحكام ينعمون بخيرات الأرض، و يعيشون حياة البذخ و الترف، و ساعد في ذلك أوضاع بلادهم العامة و موقعها الجغرافي في جبال عسيرة جرداء، و بقاع رملية في سفوحها، تلال متناثرة خالية مجدبة لا شجر فيها و لا ماء و لا حياة، فهذه الأرض لا يمكن أن تمدهم بما يحتاجون إليه من أمور الحياة، كما أنها لا تساعدهم على تخطي العقبات، و تجاوز المحن القاسية و لا تصلح لأن تكون حاضرة خاصة، تفيض عليهم بمعين آخر يكفل لهم الاستمرار بالبقاء، و العيش الرغيد، و من جهة أخرى فإنها غير صالحة لأن تكون صلة الوصل بغيرها من‏

52

الأمم، أو مكانا لتلقي المدنيات و الحضارات و الثقافات -اللهم-إذا استثنينا ذلك السهل الضيق الذي يتاخم البحر الأبيض المتوسط، و جل سكانه من عروق مختلفة. فمنهم الفينيقيين، و القرطاجانيين، و الإغريق، و الروم، و العرب، و في الواقع لم يكن خروجهم على الولاة و قيام الثورات، و معارضتهم للأوضاع، و تأهبهم للحروب و للفتوحات، و للغزوات ناتج عن اعتقاد ديني، أو عن نزعة عنصرية بل كان سببه الظلم، و التعسف، و الفساد، و الاضطهاد، و لجم الحريات، و فرض الضرائب الفادحة المثقلة لكاهلهم، و استئثار الحكام و الأمراء بشؤونهم و مقدراتهم و حياتهم و يضاف إلى ذلك أنهم و مع كل ما كانوا يعانوه لم يجدوا لدى الملوك و الحكام من يقدر أوضاعهم أو يعمل على إنصافهم و انتشالهم مما يعانون. فكل هذا عند ما نضعه أمام أنظارنا نرى أنه ساعد أبو عبد اللّه على نجاح مهمته، و مهّد له سبيل الوصول إلى الغاية المرتجاة، فجعلهم يتسابقون إلى السير وراءه، و اللجوء إلى كنفه معتبرين أن اللّه أرسله إليهم كمنقذ جاء ليقودهم في طريق الحياة المعبد الصالح، و ليحسن أحوالهم، و ينتشلهم من براثن الفقر و الحرمان و يبعد عنهم ظلم الأمراء و الحكام، و يفتح أمامهم الآفاق الواسعة، و لهذا عاهدوه و محضوه ثقتهم،

53

و تجندوا تحت قيادته، و انطلقوا أخيرا إلى الفتح و إخضاع المدن و القرى و ضمها إلى دولتهم محطمين في ذلك كل أثر للزعامات التقليدية الجائرة.

ففي سنة 291 هـ بدأ أبو عبد اللّه أعماله الحربية، فانطلق على رأس جيش كبير من «الكتاميين» كان قد أعده، و جهّزه بنفسه ميمّما شطر بلاد «الأغالبة» و مملكتهم الواسعة فوقعت في يده عدة قرى و مدن، و ساعده في ذلك موت «إبراهيم بن الأغلب» سنة 291 هـ ثم موت ابنه «أبو العباس» فيما بعد، و توليته ابنه الثاني «زيادة اللّه» و هذا الأخير لم يكن يملك شيئا من صفات الحكم و القيادة، بل كان مستهترا لا يفكر إلاّ باللهو و الشراب و الترف.

يذكر التاريخ: إن «إبراهيم بن الأغلب» شعر قبل موته بهذه الثورة العارمة تهب في أطراف بلاده، ثم تمتد بسرعة هائلة إلى الأرجاء لتحرق بلهيبها بلدانه و ممتلكاته...

أجل شعر بذلك و فكّر طويلا و لكنه في النهاية حكم بأنه لا بد له من اتخاذ الخطوات الجريئة، و لا يتم ذلك إلاّ بالقضاء على الرأس المدبر للحركة، و هذا الرأس هو «أبو عبد اللّه الشيعي» فبذل جهودا في بادى‏ء الأمر في سبيل اجتذابه و استقطابه دون‏

54

قتال، عارضا عليه المناصب و المراتب، باذلا شتى المغريات، و لكن أبا عبد اللّه لم يكترث بعروضه، وردّ عليه بكتاب يدل على الجرأة و الاستصغار، مما دعاه و حركه أخيرا إلى إرسال حملة لمحاربته، و لكن أبو عبد اللّه صمد لها و تغلب في النهاية عليها و أوقع بها شرّ هزيمة، فعاد إبراهيم بعد مضي عدة شهور و جهّز حملة ثانية و لكنها لم تلبث أن منيت بالهزيمة كسابقتها.

بعد هذه الانتصارات الحاسمة التي وقعت ما بين سنة 296 هـ إلى سنة 297 هـ فكر أبو عبد اللّه بأن عليه بادى‏ء ذي بدء إزالة دولة الأغالبة كليا، و احتلال الرقعة الواسعة التي تحكمها في المغرب الأوسط، و تعتبر هذه الخطوة المرحلة الأولى بالنسبة لآماله المرسومة، و في الواقع تم تنفيذ ذلك على مراحل بعد سلسلة من المعارك و الحروب، ففي سنة 296 هـ دخل أبو عبد اللّه مدينة «رقّادة» جنوبي «القيروان» و استقرّ في دار الإمارة و فيها جمع كل ما كان للأغالبة من مال و سلاح و عتاد، فوزعه على الجند، ثم أمر الخطباء و أئمة المساجد إعلان الخطبة باسم الخليفة الفاطمي المهدي، و إبطال اسم الخليفة العباسي، كما أمر بسك العملات باسمه، و من «رقّادة» و اصل الزحف إلى مدينة «القيروان» ، و كان فيها «زيادة اللّه‏

55

ابن الأغلب» فلما تحقق أن لا قدرة له على التصدي للزحف الكبير شرع بإعداد عدة الهرب، و حمل كل ما خفّ وزنه، و غلا ثمنه، ثم ركب فرسه، و تقلّد سيفه و وقف يتأمل الناس و هي تهرع بالفرار. و هنا أخذت جارية من جواريه عودا و وضعته على صدرها و غنته لتحركه على أخذها معه...

فقالت:

لم أنس يوم الوداع موقفها # و جفنها في دموعها غرق

و قولها و الركاب سائرة # تتركنا سيدي و تنطلق

أستودع اللّه ظبية جزعت # للبين و البين فيه لي حرق‏

فدمعت عيناه، و شغله الموقف الحرج عن أخذها معه، و خرج من «القيروان» مع رجاله و عبيده و لحق بمدينة «طرابلس» و هو يبكي ملكا أضاعه، و لم يحسن الحفاظ عليه.

و مهما يكن من أمر فإنه بعد أن تمّ لأبي عبد اللّه احتلال بلاد دولة الأغالبة في تونس. هذه الدولة التي دام حكمهم لها من سنة 184 هـ حتى 296 هـ...

56

أجل... بعد أن تمّ له ذلك أقام عليها أخاه أبو العباس و خرج إلى المغرب الأقصى و كانت جميع المدن الواقعة بين «سجلماسة» بالمغرب الأقصى، و المغرب الأوسط قد خضعت له و أظهرت له تأييدها و طاعتها، و بعبارة أوضح اهتزّ له المغرب بكافة أجزائه و خافته «زناته» و دانت له القبائل التي أعلنت العصيان في بادى‏ء الأمر، و أتته رسلها للدخول في طاعته، و السير في ركابه، و هذا ما جعله يفكر من جديد بالقضاء على دولة بني مدرار، و بذلك يكون قد حقق القسم الأكبر من أحلامه بضم المغرب الأقصى إليه، مضافا إلى كل ذلك أن ما يفعله لم يكن ليثنيه عن التطلع إلى «تاهرت» و ملك بني رستم، و هذا يأتي بالمرحلة الثانية، فأمر جيوشه بالزحف و عدم التوقف، و كان الفضل في هذا الزحف السريع و الانتصار الحاسم إلى الدعاة الذين كان يرسلهم باستمرار إلى الأقاليم المرشحة للغزو، للدعاية و التمهيد، و كانوا يقومون بمهماتهم بتأليب الشعب على الحكام المستهترين الذين اتخذوا من اللهو و الشراب سلوى لحياتهم و إشباع رغباتهم تاركين الأمور على غاربها، لا يعلمون ما ذا يجري في بلدانهم، و لا بما يتآمر به عليهم وزراءهم، و أكثرهم كان يتسابق إلى الاتصال بأبي عبد اللّه، و إعلان الولاء له حتى ينقذ نفسه، و يؤمن النجاة.

57

و هكذا فإن أبا عبد اللّه أصبح بين عشية و ضحاها صاحب السلطة المطلقة في المغرب الأقصى و الأوسط، فبعد أن تمكن من إزالة دولة الأغالبة و بني مدرار و بني رستم رسم لنفسه سياسة القائد الحكيم الذي أرسله اللّه لإقرار مبادى‏ء العدل، و توطيد دعائمه بين الناس عن طريق القوة أحيانا و اللين غالبا.

فأظهر و لعه و حبه للشعب و عطفه على مطالبهم و خاصة طبقة الفقراء، كما منع الظلم و الإرهاب، و أعلن عن تدابير عاجلة لتوفير الأمن و الرخاء و المساواة بين جميع طبقات الشعب.

و يتجلّى بعد نظره هذا في حديثه مع أخيه أبي العباس و هذا مما قرّب محبته إلى القلوب، و أدنى احترامه من جمع طبقات الشعب، فقد ذكر التاريخ: أن أبا العباس طالبه باستعمال القوة و الإكراه مع الناس الذين أبوا الدخول في المذهب الشيعي الفاطمي في المقاطعة التي يحكمها فمنعه بقوله:

أحذرك من ذلك، فدولتنا دولة حجة و بيان و حرية رأي، و ليست دولة قهر و استطالة و عنف و إكراه، فاترك الناس على مذاهبهم و لا تعمد إلى تنفيذ أي عمل من هذا النوع بالقوة.

و عند ما استولى على مدينة «طبنة» سنة 293 هـ أتاه والي المدينة مع بعض عمّال الجباية، فقدموا إليه الأموال التي جمعوها من الأهلين فقال للوالي:

58

من أين جمعت هذا المال؟فأجاب:

من العشور... فقال أبو عبد اللّه:

إنما العشور حبوب، و هذا عين... ثم قال لقوم من ثقاة «طبنة» :

اذهبوا بهذا المال فليرد على كل رجل ما أخذ منه، و اعلموا أننا أمناء على ما يخرج اللّه من أرضكم، و سنة العشور معروفة في أخذه و تفرقته على ما ينصه اللّه في كتابه العزيز...

ثم قال لآخر:

من أين هذا المال الذي بيدك؟فقال:

جبيته من اليهود و النصارى جزية عن حول مضى.

فقال له:

و كيف أخذته عينا؟و إنما رسول اللّه كان يأخذ من الملّي ثمانية و أربعين درهما، و من المتوسط أربعة و عشرين، و من الفقير اثني عشر... فقال له:

أخذت العين عن الدراهم بالمصرف الذي كان يأخذه عمر رحمه اللّه... فقال أبو عبد اللّه:

هذا مال طيب. ثم أمر أحد أتباعه بأن يفرقه على أصحابه..

و قال لمن أتاه بمال الخراج: غ

59

هذا مال لا خير فيه و لا قنى، و لا خراج على المسلمين في أموالهم، ثم أمر ثقاة «طبنة» برده على أهله، و قبض مال الصدقة من الإبل و البقر و الغنم، ثم بيعت و جمعت أثمانها.

فلما نظر أهل «طبنة» إلى ما فعله، تقدموا منه، و أعلنوا ولاءهم و باركوه و انتشر خبر أقواله في كافة نواحي المغرب، فتاقت النفوس إليه، و كاتبه الناس و رغبوا في الدخول في طاعته.

إن تاريخ أبو عبد اللّه الشيعي يعتبر المدخل إلى تاريخ الدولة الفاطمية في المغرب فأبو عبد اللّه بحق هو مرسي قواعدها، و موجد عظمتها، و مقيم بنيانها، و إليه يرجع أمر تدبير أمورها في بداية عهدها، و قيادة جيوشها، و تعليم فتيانها و شبابها كيف يحملون السيوف و يحطمون العروش و التيجان.

و لكن قاتل اللّه السياسة، و حب الرئاسة... قاتل اللّه الغرور الذي يتحكم في رؤوس الرجال، فيغير مجرى حياتهم، و يؤدي بهم في النهاية إلى الموت و الهلاك.

إن فتوحات أبو عبد اللّه في أفريقيا الشمالية ستظل تشغل عددا من الصفحات في التاريخ العربي... هذه الفتوحات‏

60

التي لم تتوقف حتى بعد وصول «عبيد اللّه المهدي» إلى المغرب، و لكن الأقدار تأبى ألاّ ان تغير مسيرة التاريخ كما تأبى ألاّ ان تعكّر صفو حياة الرجال الذين في حياتهم لمحات من المثل العليا، و الأهداف السامية.

أجل... حدث ما لم يكن في الحسبان... فبعد إقامة الدولة الفاطمية و المناداة بالمهدي خليفة للمسلمين في افريقيا الشمالية.. ان قتل هذا الخليفة قائده المظفّر أبا عبد اللّه و أخاه أبا العباس و أعوانهما... فهل شعر أنهم يعدون العدة للاطاحة به، فتغداهم قبل أن يتعشوه، أم أن الأمور أسي‏ء فهمها؟..

هذا ما سوف نتحدث عنه بإسهاب في الصفحات الآتية و مهما يكن من أمر فقد تمّ القتل في قرية قريبة من «القيروان» و هكذا أسدل الستار على تلك الشخصية الفذة التي كتبت في تاريخ المغرب انقى الصفحات.

يذكر التاريخ: إن الخليفة «عبيد اللّه المهدي» انتابه حزن شديد، و ظلّ في قصره عدة أيام معتزلا الناس، و قد أقام مأتما حافلا لأبي عبد اللّه اشتركت فيه وفود عديدة وفدت من جميع البلدان، و أمر بدفنه في مدفن خاص في مدينة «القيروان» ، و ذكر أنه سار في طليعة المشيعين، و أنه وقف على قبره منتحبا ثم صلّى عليه و قال:

61

«رحمك اللّه يا أبا عبد اللّه و غفر لك» .

إن سيرة الرجل الكبير و مصيره و نهايته ليس لها شبيها في التاريخ إلاّ سيرة القائد العباسي «أبو مسلم الخرساني» ، و بالفعل كم هو مؤسف غياب هكذا رجال عن مسرح الحياة بسبب خطيئة أو نزوة أو سوء ظن بعدما يكونوا قد ضربوا المثل الأعلى بالجرأة و الإقدام و قيادة الجيوش، و تأسيس الدول و الممالك.

إننا و نحن نختتم حديثنا عن القائد العظيم أبو عبد اللّه الشيعي لا بد لنا أن نتساءل عن الأسباب التي حدت بالمهدي إلى قتله، و التخلص منه بهذه السرعة؟إذ ليس في التاريخ ما يروي الغليل عن هذه القضية المهمة المعقدة في تاريخ الفاطميين، و كل ما ورد في هذا الشأن لا يمكن أخذه بعين الاعتبار و التصديق، و هنا لا بد لنا من إطلاق عنان الاستنتاجات التي قد يكون على ضوئها بعض لمحات الحقيقة، فأبو عبد اللّه الشيعي بعد أن وصل إلى المرتبة العليا في دولته الفتيّة هاله أن تنخفض هذه المرتبة بين عشية و ضحاها بعد وصول المهدي و تسلمه شؤون الدولة، كما هاله إهمال أرائه، و عدم الأخذ بنصائحه في بعض الأحيان، و نبذ كل ما يبدر منه رغم أنها تهدف خدمة

62

مصالح الدولة، و يجب في هذا الوقت أن لا يغرب عن بالنا بأن المهدي من جهة اخرى شعر بأن أبا عبد اللّه بدأ يتغيّر و يتحول إلى رجل متبرم ناقم ينظر إلى الأشياء نظرة تختلف عن ذي قبل، و لعل في داخله أصبح الندم يتفاعل اسفا على الأيام التي قضاها في خدمة الدولة و الجهود و التضحيات لأجل المهدي التي ذهبت أدراج الرياح. و يجب أن نضع أمامنا محبة الناس لأبي عبد اللّه و امتلاكه قلوبهم، فهؤلاء لا يمكن أن يخلدوا إلى الراحة إذا تعرض إلى أي عارض أو انتابه أي ضرر، و هذا ما جعله غير خائف من النتائج، فأي تدبير يتخذه المهدي بإبعاده أو التخلص منه سيكلف المهدي غاليا أو ربما أدى بالدولة إلى الانهيار، ثم و كيف يستطيع المهدي أن يضطلع بأعباء الملك في بلاد يجهل أرضها و طبيعة أحوالها و سكانها و عاداتهم و تقاليدهم... و لكن خاب ظن أبو عبد اللّه فالمهدي من الرجال الذين لا يمكن الوقوف بوجههم، أو التغلب عليهم، كما أن الناس الذين كانوا للأمس القريب بجانب أبو عبد اللّه بدأوا يميلون إليه و يستدرون عطفه بعد أن رأوه قد أصبح على سدة الخلافة، كما أنهم بدأوا يوغرون صدره على قائده-فالناس كل الناس تعودوا أن يتبعوا هذا الطريق...

إنهم يطربون حينما ينفخوا في بوق الفرقة، و يسعدون لتحريك الرماد، و إثارة الكوامن.

63

كان بعض هؤلاء يأتي إلى المهدي فيؤلبه و ينقل إليه الأخبار الكاذبة عن قائده الأمين، و في الظلام يتسللون إلى مقر أبو عبد اللّه حاملين إليه عبارات النصيحة و ضرورة الاحتراز و التيقظ لأن المهدي يخطط لقتله أو إبعاده، و يدخل في غمرة هذا الصراع «أبو العباس» شقيق أبو عبد اللّه، و كان معروفا بالحمق و الطيش و الحسد، فوقف موقفا فيه ما فيه من القسوة و لهذا يعتبره البعض السبب الأول بمقتل شقيقه.

و مهما يكن من أمر، فإن مقتل أبو عبد اللّه وضع المهدي و هو في بداية حكمه أمام تجربة قاسية، فقد كان عليه أن يكون أكثر تسامحا مع رجل أخلص له، و ضحّى في سبيله، فيكتفي بإبعاده أو سجنه مدة الزمن.

هناك مصدر تاريخي يؤكد: بأن «عبيد اللّه المهدي» أرسل «عروبة بن يوسف» الكتامي على رأس قوة من الجند، و أوصاه أن يقبض على أبي عبد اللّه و شقيقه و يأتي بهما إلى سجن خاص أعده لهما، و لكن القائد المذكور و كانت بينه و بين أبو العباس عداوة قديمة أغلظ له القول، مما دفع أبو العباس إلى الدخول معه في معركة تمكن فيها القائد الكتامي من الانتصار و قتل ابا العباس، و هنا لم يتمالك أبو عبد اللّه نفسه و هو

64

يرى أخاه مجندلا على الأرض، فامتشق حسامه، و لكن القائد المذكور عاجله بطعنة أردته قتيلا.

هذه القصة تبدو و كأنها صحيحة بدليل أن المهدي ظلّ مدة معتكفا في قصره لا يقابل أحدا حزنا على أبي عبد اللّه، و إن خروجه للصلاة عليه و انتحابه و حزنه يعطيان الدليل بأن قتل أبا عبد اللّه لم يكن بأمره، و هناك دليل آخر يؤيد هذا القول و هو: أن المهدي أمر فيما بعد بقتل «عروبة بن يوسف الكتامي» و الأرجح أن ذلك القتل كان ثأرا لأبي عبد اللّه.

صحيح... ان التاريخ وضع لطخة سوداء في سجل الدولة الفاطمية بعد مقتل أبو عبد اللّه الشيعي، و لكن هذا التاريخ يعود فيذكر: بأن الملك أي ملك لا بد له من دماء و تضحيات، و على كل من يتصدى لتسنمه أن يمتلك الإرادة القوية و عدم التسامح، و السهر، و الانتقام السريع لكل من يتجرأ على اقتحام حرم الدولة.

و نختم كلمتنا بالقول:

رحم اللّه أبا عبد اللّه الشيعي، فقد كان من عظماء الرجال الذين انتهت حياتهم بمأساة تدمي القلوب.

65

رحلة المهدي العجيبة

مخطط ماهر، و عبقري فذ، و قائد مظفر، متين الأعصاب.

سليل أسرة عربية كريمة يصحو من رقاده ذات يوم على همسات الأصدقاء و المخبرين الثقاة العارفين بالأمور و كلهم هرعوا إليه و في جعبتهم ما يثير الخواطر، و يهز المشاعر...

جاءوا منذرين ناصحين مطالبين قائدهم بإلحاح و بسرعة مغادرة مقره «سلمية» إلى مكان أكثر راحة و أمنا، و ذلك قبل أن تحل الكارثة، و يقع فريسة بين أيدي الأعداء.

فماذا على القائد الكبير-المهدي-أن يفعل و هو يرى أن ما جاء به الإخوان المخلصين هو الحق و الصدق، و يقلب المهدي شتات الأفكار، و يضع أمامه كافة الاحتمالات، و أخيرا يخرج بنتيجة تقضي عليه بالانصياع لطلب مستشاريه و رجال دعوته الخلصاء... أجل... انه أمام الحقيقة وجها إلى وجه، فها أن القرامطة قد اتخذوا كافة الإجراءات‏

66

للانقضاض عليه في وقت كان لا يملك من القوى و الفعاليات ما يكفل له الوقوف بوجههم و مجابهتهم وردعهم... هذا من جهة و من جهة أخرى فتبرز إلى الساحة دولة كبرى يمتد نفوذها شرقا و غربا، و يرفرف علمها على بقاع شتى عامرة من الوطن العربي و الإسلامي... فهذه الدولة و أعني بها «العباسية» قد اعتبرته العدو الأول، و المتآمر الأكبر، و العامل الرئيسي الذي يعمل لقلب نظامها، و الإطاحة بخليفتها، و كان أن حكمت عليه بالإعدام... إذن ما ذا عليه أن يفعل بعد كل هذا في دنيا سدّت أبوابها في وجهه، و في مجتمع أغلق قلبه دونه... فهذه الدنيا على رحبها ضاقت عليه بل ضنّت بفسحة صغيرة يلجأ إليها؟و ما دام الأمر كما هو، فإلى أين يذهب و كيف يغادر مسقط رأسه، و إلى من يوكل أمر أهله و قومه؟و ها أن الثغور و الطرقات و المعابر و الموانى‏ء و المحطات أصبحت ملغومة بالعيون و الأرصاد، و كلها تترقب حركاته و سكناته، فتفحص كل عابر، و تدقق بهوية كل مسافر، و غرضها القبض عليه و نيل المكافأة و الحظوة.

و يخطر في باله و هو في خضم الأحداث الذهاب إلى اليمن، و لكن الأحوال في اليمن لا تبشر بما يفعم الخاطر بالأمل...

أما افريقيا التي أخذت تتطلع إليه و تناديه... افريقيا المغرب‏

67

و فيها داعيه المخلص «أبو عبد اللّه الشيعي» الذي ما انقطع عن الكتابة إليه، و مناداته بالحضور، و التخلص من المنشقين الذين يتربصون به الدوائر، و لم ينس أبو عبد اللّه أن يرسل إليه الأموال و التحف و الهدايا ليستعين بها أثناء الرحلة... و لكن كيف يمكنه الوصول إلى المغرب، و اختراق الطوق المحكم الذي فرض عليه، و هذه الأبعاد الشاسعة المليئة بالعثرات و الأخطار و الآفات، كيف سيتمكن من اجتيازها؟

خواطر مزعجة، و أفكار سوداء، و هواجس كالحة دارت في رأس عبيد اللّه و لكن هل استطاعت تلك الهواجس أن تلين من قناته، أو تجبره على الاستسلام، أ ليس هو الرجل الذي لم يهن يوما من الأيام أمام المفاجئات، أو يستسلم إلى الأحداث مهما بلغت من العنف، أو يطأطأ الرأس أمام الخطوب. أو يتنازل عن كبريائه و عزته؟... كلاّ لم يهن عبيد اللّه، و لم يبدو عليه أي اضطراب و هو يستمع إلى مستشاريه بل وقف برباطة جأش و قوة أعصاب يناقش الأمور و الاحتمالات و في نهاية المطاف يتخذ قراره الأخير بالرحيل، و لكن كل هذا ظلّ سرا عن كل الناس. أما ساعة التنفيذ فتركت أيضا للوقت المقرر، و كل هذا لم يمنعه من اطلاع البعض على الخطة، و انتقاء رفقاء الرحلة العجيبة الشاقة.

68

أجل... علم عبيد اللّه المهدي و هو في «سلمية» بما بيّته له القرامطة و أدرك من جهة أخرى ما أعده له العباسيون. إذن فهو الآن بين فكي عدوين مفترسين يتسابقان على التهامه، و هكذا لم يعد جائزا البقاء في هذا الوطن، و كانت الأخبار التي تتناقلها الناس قد أخذت تعم الأرجاء عن جيش القرامطة الزاحف و على رأسه «يحيى بن زكرويه» المعروف بأبي الشامة أو بأبي مهزول، و هذا القائد القرمطي قد رفع أعلام الثورة، و قرر احتلال القرى و المدن الآمنة، و نشر الرعب و الهلع في كل أرجاء الدولة العباسية، و كل هذا عجّل بذهاب المهدي تحت جنح الظلام إلى مدينة «حماه» ، و كان يرافقه ولي العهد «القائم بأمر اللّه» و زوجته «أم حبيبة» و ابنتاه، و ابنه الصغير، و بعض الخدم، و خادمه المخلص جعفر الحاجب. و يذكر التاريخ:

أنه أخذ معه كل ما خفّ حمله، و غلا ثمنه من المجوهرات و الأموال، أما الأموال الأخرى التي لم يستطع حملها، فقد حفر لها حفرة في صحن داره إلى جانب بحرة الماء التي كانت تظللها شجرة من أشجار النخيل، و دفنها دون أن يطلع عليها أحد.

و من حماه «انتقل» إلى قرية «سلحب» التي تبعد خمسة و عشرين كيلومترا عن حماه إلى الجهة الغربية، فبقي فيها

69

ليلة بضيافة أحد أتباعه المشرف على تربية خيوله العربية الأصيلة، و هناك مصدر آخر يذكر أنه ذهب إلى قرية «طيبة الإمام» الواقعة إلى الشمال من «حماه» على بعد خمسة عشر ميلا، و هذه القرية من ممتلكاته و كان جده قد اشتراها من مالكها و لهذا سميت باسمه، و كانت مركزا هاما لتربية الخيول و المواشي، فمن هذه القرية أخذ ما يلزمه من الخيول لسفرته الطويلة الشاقة، و توجه باتجاه الشام فكان يسير في الليالي، و يستريح في النهار، و من ضواحي الشام قصد «حوران» ثم «الأردن» «فنابلس» دون توقف حتى وصل أخيرا إلى «الرملة» و هي تقع إلى الشمال الشرقي من القدس، و كان للمهدي فيها داعيا مخلصا يسمّى «أبو الكوثر» فنزل في ضيافته و هو يخفي شخصيته عن كل الناس إلاّ عن صديقه صاحب المنزل و كان على جانب كبير من النفوذ و الجاه و المكانة في البلدة، مضافا إلى المرونة و الفهم و الخبرة، فنصح المهدي بالتريث و عدم متابعة السفر إلاّ بعد التحقق من خلو الطريق من عيون العباسيين و عملاءهم الذين انبثوا في كل مكان يراقبون الطرقات و الممرات و كافة الأماكن التي يمكن أن يسلكها المهدي في رحلته...

و هكذا أقام المهدي في الرملة ينتظر الأحداث و الأخبار، ـ

70

و يتلهف لسماع ما جرى في بلده «سلمية» بعد أن غادرها؟..

أجل كان يعتقد بأن القرامطة مهما بلغ بهم الجنون و الحقد فلا يتجرأون على مداهمة المدينة التي نهلوا منها ينابيع معرفتهم و أفكارهم، و لا على الأسرة التي وجهتهم و وضحت لهم سبل الحياة و وضحّت في سبيلهم بكل غال و نفيس، و لكن الأمور و الأحداث جاءت على غير ما تصوره، فإن «يحيى بن زكرويه» ما كاد يصل إلى «سلمية» بعد أن فرغ من تدمير «المعرة» و «حماه» حتى فرض عليها حصارا شديدا، و كان يظن أن المهدي لا يزال فيها، فامتنعت المدينة عليه بادى‏ء ذي بدء و لكنه عاد فهادن أهلها، و أخيرا أقنعهم بأنه ما جاء محاربا و لا غازيا، و إنما جاء مسالما موادعا يريد الاجتماع بالمهدي، و تصفية بعض الخلافات معه، تمهيدا لإعادة الأمور إلى مجاريها و حالتها الطبيعية كما أنه أعطاهم العهد و الأمان، ففتحوا له الأبواب بعد أن وثقوا بأقواله، و عند ما تمّ له دخول المدينة أعمل السيف في رقاب أهلها، و منع أحدا من الخروج من الأبواب، و يذكر التاريخ أنه قتل جميع سكانها دونما استنثاء، و لم يسلم حتى صبية الكتاتيب، كما أنه أمر الجند بقتل الحيوانات الأليفة، و الطيور الأهلية، و قبل هذا كله كان عليه أن يصفي حسابه مع المهدي، فجاء إلى قصره الذي كان يقع في‏

71

الجهة الجنوبية على مقربة من القلعة قريبا من المسجد الكبير «ذو المحاريب السبعة» ، فأخرج كافة الأفراد من عائلة المهدي إلى الساحة العامة للقصر، و أمر أحد السيّافين فتولّى قطع رؤوسهم الواحد بعد الآخر، و رمى جثثهم في أحد الآبار، و يؤكد التاريخ أيضا أن عددهم بلغ 83 بين رجل و امرأة و طفل، و بعد هذا انتقل إلى قصر العباسيين و كان يقع في الجهة الشمالية للمدينة، و هذا القصر كانت تستوطنه منذ القرن الثاني للهجرة أسرة عباسية، فقد جاء إلى «سلمية» : «عبد اللّه ابن صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس» نجل الصحابي المشهور و مستشار الإمام علي «عبد اللّه بن عباس» و كان والد عبد اللّه الثاني المذكور عاملا على قنسرين و حمص و دمشق من قبل العباسيين، فنزل في «سلمية» و أجرى إليها الأنهر، و امتلك الأراضي و البساتين... و المعلوم أن هذه الأسرة كانت تتمتع بثقة الخلفاء العباسيين في بغداد، حتى أن الخليفة المهدي زارها سنة 163 هـ و كان في طريقه إلى القدس، ثم أنه جعله فيما بعد عاملا في أحد الأقاليم العراقية بعد أن زوجه أخته، و من هذه الاسرة «جعفر بن علي الهاشمي» صديق الشاعر عبد السّلام بن رغبان «ديك الجن» .

أجل... «جاء يحيى بن زكرويه» إلى قصر هذه الأسرة في «سلمية» و قتل كل من كان فيه، و قيل ان عددهم 57 كما استولى على كافة محتوياته.

72

و لكن هل شفى كل هذا غليل القرامطة و قائدهم يحيى؟في الحقيقة كانت رغبة يحيى تكمن بقتل عبيد اللّه المهدي وحده، و لكنه لم يجده، و هذا ما جعله يشعر بالخيبة فنزع إلى الحيلة و هو يظن أنها تحقق رغباته و توصله إلى غايته، فكتب كتابا إلى المهدي و أمر أحد رجاله بالذهاب إلى «الرملة» أو إلى أي مكان آخر يكون المهدي قد وصل إليه، فيسلمه الرسالة، و يؤكد له بأنه ما جاء إلى «سلمية» إلاّ للاجتماع به و لمبايعته بالزعامة و القيادة، و إن الناس الآن بانتظاره على أحر من الجمر على أبواب «سلمية» .

وصل الرسول إلى «الرملة» ، و بعد جهود مضنية تمكن من الاهتداء إلى مقر عبيد اللّه، فدخل عليه و سلّمه الرسالة، و كانت الأخبار الموثوقة وصلت إلى المهدي صحيحة مفصلة عن الهجوم الذي تعرضت له «سلمية» ، و عن إبادة أسرته، و في تلك اللحظات العنيفة تتجلّى عظمة المهدي، و متانة أعصابه، فلم تظهر عليه أية دلائل تشير إلى أنه قد سمع بالأخبار بل كان استقباله للرسول عاديا و حارا، فتسلم منه الرسالة و بعد قراءتها أعلن له عن موافقته على العودة بعد خمسة أيام بعد أن تكون زوجته قد استعادت صحتها ثم حمله رسالة إلى «أبي مهزول» يخبره فيها بما عزم عليه.

73

بعد ذهاب الرسول أدرك عبيد اللّه بأن بقاءه في الرملة لم يعد مفيدا، فقد يجرّ عليه هذا البقاء كارثة أشد و أدهى، و بالرغم من عيون العباسيين المنبثة في كل مكان فإنه قرر السفر، و هكذا كان، فغادر الرملة تحت جنح الظلام باتجاه الأراضي المصرية عبر «غزة» و الواحات الصحراوية، و كان يرتدي ثياب التجار الإيرانيين، و هكذا أفراد عائلته، و في الأراضي المصرية لم يجد ما كان يخشى منه بل على العكس وجد في كل مكان عبره الترحيب و الإكرام على اعتباره رجلا أعجميا غريبا يقوم برحلة تجارية، و لكن هذا لم يحل دون القبض عليه و هو في موقع «الوجه البحري، من قبل الجيش العباسي، و كان قد اجتمع إليه في ذلك المكان أحد دعاته الأقوياء المكلف بشؤون مصر و هو: (محمد بن علي ابن محمود «المقيم» ) و إليه يعود الفضل بتسهيل مهمته و إيصاله فيما بعد حتى حدود برقة.

أجل... جاء الجند بعبيد اللّه إلى مقر القائد الأعلى أو الحاكم العسكري لمصر من قبل العباسيين في ذلك الوقت و كان هو: «محمد بن سليمان» الذي انتدبه الخليفة المكتفي لطرد آخر ولاة الطولونيين في مصر، و بالفعل تمكن هذا القائد من تنفيذ مهمته بفترة قصيرة، و بعد ذلك مددت إقامته في مصر

74

لفترة قصيرة معينة، و خلال تلك الفترة وصل المهدي إلى مصر، و عند ما جاء به الجند إليه طلب المهدي الاجتماع إليه على انفراد، و بعد خلوة قصيرة خرج «محمد بن سليمان» ليعلن للناس بأنه ليس هو المهدي المطلوب، و أمر الجند بمرافقته و الحفاظ عليه حتى «برقة» .

بعض المصادر ذكرت بأن الذي قبض عليه هو «عيسى النوشري» عامل العباسيين على مصر، و لكن الحقيقة غير ذلك، لأن المصادر المذكورة عادت و ذكرت بأن «محمد بن سليمان» بعد أن عاد إلى بغداد قبض عليه الخليفة العباسي المكتفي و قتله بعد ثبوت تهمة الرشوة و قبض الأموال من المهدي لقاء إطلاق سراحه، و هناك و هذا احتمال ضعيف من يقول بأن «محمد بن سليمان» كان من أتباع المهدي المعتنقين لمبادئه و مذهبه.

بعد وصول المهدي إلى نواحي «برقة» تقدم عبر الصحراء و الواحات في المغرب الأدنى و هو: «ليبيا اليوم» سالكا طرق القوافل التجارية، و ما زال يسير من مكان إلى آخر متحملا الحر و المشاق و خشونة قطاع الطرق و اللصوص و الحراس، و كان يعرض عليهم الهبات و الأموال و يستخدمهم في قضاء بعض الحاجات الضرورية حتى اجتاز أخيرا مراحل‏

75

الخطر و عند ما أصبح على مقربة من طرابلس علم به «زيادة اللّه بن الأغلب» و لكنه غضّ الطرف عنه رغم ما لديه من أوامر عباسية بالقبض عليه، و يقال أنه لم يتأكد من شخصيته تمام التأكيد بينما يذكر آخرون: بأن المهدي أهداه بعض القطع من الجواهر الثمينة، و من هناك تابع سيره مجتازا أطراف المغرب الأوسط (تونس) عبر الواحات و الصحراء و التلال، و بدلا من أن يتوجه إلى المنطقة التي استولى عليها قائده «أبو عبد اللّه الشيعي» توغل في أراضي المغرب الأقصى على حدود الصحراء حتى وصل إلى «سجلماسة» و هناك قبض عليه أميرها «أليسع بن مدرار» و هكذا وقع ما كان يخشاه، و كان ذلك سنة 296 هـ.

إن المصادر التاريخية لا تذكر لنا الأسباب التي جعلت المهدي يسلك هذا الطريق الصحراوي البعيد ليصل إلى أرض ليس له فيها صديق، و كان بإمكانه أن يختصر ذلك و يسلك طريقا أقصر ليصل إلى الأراضي الواقعة في المغرب الأقصى التي يسيطر عليها أبو عبد اللّه الشيعي؟فهل ضل المهدي الطريق، أم أن هناك أسبابا أخرى؟هذا كله لم يتطرق إليه أحد من المؤرخين.

و نعود إلى «أبي مهزول» قائد القرامطة فإنه ما كاد يطلع على‏

76

كتاب المهدي حتى أدرك أنه وقع ضحية حيلة و دهاء المهدي، و أنه بالفعل حدد مدة للرجوع و هي المدة الكافية لاجتيازه مناطق الخطر، و بالرغم من كل هذا فإنه أرسل كوكبة من الفرسان و أمرها بالذهاب إلى «الرملة» و القبض على المهدي أو قتله عند اللزوم، و لكن هذه الكوكبة ما كادت تصل إلى «الرملة» حتى كان المهدي قد اجتاز الأراضي المصرية، و هكذا عادوا بخفي حنين.

و أخيرا علم أبو عبد اللّه الشيعي و هو يتابع فتوحاته في المغرب الأوسط بما وقع للمهدي في «سجلماسة» ، فقابل الخبر بعدم اهتمام، و بكل برودة أعصاب لأنه كان يدرك بأن أقل تحرك من جانبه أو أي حماس يظهره فإنه يكون سببا يدعو «أليسع» إلى ارتكاب جريمة القتل، و هذا الموقف المدبر جعل «أليسع» يشك في شخصية المهدي بقوله إلى المقربين منه: بأنه لو كان المهدي حقا لتحرك أبو عبد اللّه، ثم لماذا جاءنا من المغرب الأدنى دون أن يعرج على البلاد التي يسيطر عليها صاحبه ما دام هو المهدي، كل هذه الاحتمالات وضعها «أليسع» ، و اكتفى أخيرا بأن أرسل رسالة إلى الخليفة العباسي في بغداد يطلعه فيها على تفاصيل قصة التاجر الإيراني المقبوض عليه، و لكن الجواب تأخر و كان تأخيره من حسن حظ المهدي.

77

أما بالنسبة لأبي عبد اللّه الشيعي فإنه تابع تقدمه و فتوحاته كالمعتاد، دون أن يجعل سببا لأحد أن يشك بخطته، و ما زال يتقدم في سيره حتى وصل إلى ضواحي «سجلماسة» و قد استغرقت هذه الرحلة ما يقارب من الشهرين.

أما «سجلماسة» فهي مدينة جميلة يجري فيها نهران أصلهما واحد إذا قرب تشعب إلى نهرين يسلكان شرقا و غربا، و ان موقعها في سهل واسع أرضه سبخة و حولها أرباض كثيرة و تبعد عن «القيروان» ستة و أربعين فرسخا، و كان «بنو مدرار» قد جعلوها عاصمة لدولتهم.

أجل... بعد أن وصل أبو عبد اللّه إلى «سجلماسة» أحكم عليها الحصار و أنذر حاكمها «أليسع» بالاستسلام، و لكن «أليسع» رفض في بادى‏ء الأمر، و أخيرا وجد أن لا قدرة له على الوقوف بوجه هذا الجيش الجرّار الذي يحمل ألوية النصر، ففرّ تحت جنح الظلام مع أفراد عائلته، و كان قد أعدّ نفقا خاصا للهرب ينفذ إلى خارج المدينة، و بعد فراره سنة 296 هـ فتحت المدينة أبوابها و دخلها أبو عبد اللّه وسط الأهازيج و أغاني النصر و تقدم فورا إلى سجن المهدي فأخرجه و أركبه على حصانه و جاء به إلى الساحة العامة التي اجتمع فيها الجيش و قدمه بقوله:

78

«هذا هو المهدي الذي كنت أبشركم به» .

إن التاريخ الطافح بالأحداث و الأخبار و القصص الشيقة لم يفصح لنا عن الأسباب التي حدت «بأليسع بن مدرار» إلى الاحتفاظ بالمهدي هذه المدة التي تقارب من الشهرين؟فهل كان يخشى أن لا يكون الرجل المقبوض عليه هو المهدي الحقيقي فيرتكب بقتله جريمة يؤاخذ عليها؟أم أن المهدي تمكن من شراء سكوته بما قدمه إليه من أموال و هدايا، كما فعل مع غيره، و هناك من يقول ان «أليسع» كان يريد أن يساوم أبو عبد اللّه الشيعي على المهدي، و ينقذ بلاده و ملكه به، لو أن أبا عبد اللّه أظهر جزعا أو خوفا أو اهتماما... كل هذا يجعلنا نقف أمام التاريخ قائلين:

أيها التاريخ كم في زواياك من قضايا غامضة، و كم أغفلت ذكر حوادث مجهولة لا يزال الناس يترقبون جلاءها باشتياق.

و مهما يكن من أمر فرحلة المهدي الشاقة العجيبة لا يزال يكتنفها الكثير من الأسرار، و لعل الأقدار وحدها و الأعمار و الحظ هم وراء كل ما وصل إليه المهدي كما يجب أن لا نغفل جرأته و عبقريته و تدابيره فجميع هذا ساعد على تخطي العقبات، و الوصول أخيرا إلى الأهداف.

79

إننا و نحن نكتب قصة الرجل العظيم نحني رؤوسنا أمام عظمته، و نقف بفخر و اعتزاز أمام الرجل الذي اجتاز الصعاب بمفرده، و وصل إلى ديار غريبة عنه، فاستطاع بفترة قصيرة أن يؤسس دولة كبرى، و أن يجعلها ذات كيان، و محط أنظار العالم في هذه القارة المترامية الأطراف.

80

عبيد اللّه المهدي أمير المؤمنين و خليفة المسلمين‏

أخرج أبو عبد اللّه الشيعي «المهدي» من سجن بني مدرار أصحاب «سجلماسة» و هو يجر أذيال النصر و الخيلاء، أخرجه و جاء به إلى قصر المدراريين و أجلسه في مقام الخلافة و أوعز إلى قواد الألوية و روساء الكتائب بمبايعته و بالمناداة به خليفة للمسلمين، و أميرا للمؤمنين هذه الجيوش التي أبت إلاّ أن تعلن عن طاعتها و وفائها و التزامها بما عاهدت عليه، و بعد أن تمّ هذا وسط الأهازيج و المهرجانات التي دامت عدة أيام، ذهبوا بالمهدي و عائلته إلى مدينة «القيروان» و ذلك سنة 296 هـ، و هناك و في وضح النهار بايعه الزعماء و القواد و أفراد الجيش الذين جاءوا من كل مكان، و احتشدوا في ساحة القصر، بالإضافة إلى الشيوخ و العلماء و رجالات الدين، و أصحاب القبائل المعروفين، و كلهم هرع لإعلان الطاعة

81

و الولاء، و بعد أن تم ذلك، انتقل إلى مدينة «رقّادة» سنة 297 هـ فبايعه فريق آخر من الناس، و كان يقف بين يديه قائده الكبير و مستشاره الأول أبو عبد اللّه الشيعي و رؤساء كتامة، و هكذا أقام في قصر الإمارة، و جلس في ديوانه ليعلن للملأ مباشرة الأعمال، فكؤوس النصر المترعة، و مهرجانات الفرح و الابتهاج يجب أن تنتهي ليبدأ بعدها العمل فالدولة الفتية بحاجة إلى بنيان ثابت و دعائم قوية و سواعد متينة، و اشتراك المخلصين بالواجب، و هكذا كان، فإن المهدي شمّر عن ساعده، و برز إلى الساحة، فعيّن القواد و الوزراء و الخبراء و العمال و الولاة و القضاة، و أقام الدواوين، و شرع بالبنيان و العمران بهمة لا تعرف الكلل، كما خصص قسما من أوقاته للسهر على راحة الشعب، و سماع الشكاوى و تأمين حاجاته، و توفير الأمن و الاستقرار و الرفاهية و الحياة الأفضل، و كانت مبادئه تستند إلى إقامة حكم عسكري عادل يقوم على أسس العدل و الحرية و المساواة. كل هذا و لم يشغله أي شاغل عن تنظيم الجيش و تقسيمه إلى فرق و كتائب مستقلة مرتبطة بقيادة عامة، كما جعل له و لأفراده و قواده الرواتب الشهرية التي تكفل لهم حياة تتناسب مع ما يقدمونه للوطن من خدمات و تضحيات، و لم يغرب عن باله بذل الجهود و الاهتمام بشؤون الواردات

82

و النفقات و تأمين حاجات الدولة، و غير ذلك من القضايا التي ترفع بنيان الدولة الفتيّة و ترسي قواعدها، و هكذا تمكن من إظهار وجه الدولة بكل ما في هذه الكلمة من معنى، فدانت له البلاد، و رضخت إليه القبائل، و هذه المرحلة تعتبر مرحلة البناء و العمران و إقامة الدعائم، و كلها تطلبت جهودا مضنية، و اهتمامات، و بذل نشاطات جبارة، و حول هذا الموضوع نستطيع أن نقسم مدة حكم المهدي إلى مراحل ثلاث:

المراحل الثلاث لحكومة عبيد الله المهدي‏

-المرحلة الأولى:

تبدأ هذه المرحلة بوضع الأساس لبناء الدولة، و إقامة قواعدها و أعمدتها و كل هذا تطلب خبرة و معرفة بذلها المهدي باختيار المعاونين و الولاة و القواد و رؤساء الأقسام، و ربابنة السفن، و هذا دليل على أن المهدي لم يكن حلمه الاكتفاء بإمارة صغيرة فقيرة بمواردها و عدد سكانها و وارداتها و قوتها العسكرية، بل كانت أمانيه تمتد إلى أبعد من ذلك... كان يريد أن يقيم دولة كبرى، أو أمبراطورية توازي بقوتها الدولة العباسية بل تفوقها مدنية و رقيا و قوة و حضارة، فالقضاء على دولة الأغالبة في المغرب الأوسط ليس كافيا بحد ذاته، بل‏

83

يجب أن يمتد هذا الزحف شرقا و غربا بحيث لا يحول بينه و بين المحيط الأطلسي حائل، لهذا حسب حسابا لدولة الأدارسة، و قرر أنه لا بد له من خوض حرب معهم للوصول إلى الأندلس و من جهة ثانية لإخضاع القبائل الكبيرة الأخرى و ضمها إلى سلطانه، و هذه القبائل تخيم على حدود دولته، كما يبقى عليه ضم أجزاء المغربين الأقصى و الأدنى بتمامهما إليه بالإضافة إلى جزيرة «صقلية» التي منها يستطيع أن ينطلق إلى البحار المتصلة بالعالم الغربي، أما مصر فتبقى أمنيته الوحيدة و الغاية و الهدف، ففي ضمها إلى دولته الفاطمية قطع الشريان الحياتي للدولة العباسية، و هدم نفوذها، و انتزاع جزء كبير من أمبراطوريتها كما أن من مصر يمكن الانطلاق إلى أجزاء أخرى من العالمين العربي و الإسلامي... فكل هذا خطط له المهدي في المرحلة الأولى على ضوء مشاركة و رأي قائده الأول أبو عبد اللّه الذي ما انفك عنه، و ما برح يقيم بين يديه ليمده بالمعلومات و يزوده بكل ما يساعد على تسهيل المهمة و الوصول إلى الهدف.

ب-المرحلة الثانية:

تبدأ المرحلة الثانية من خلافة المهدي ما بين سنة 297 هـ إلى سنة 301 هـ ففي خلال هذه المدة تمّ لعبيد اللّه تسلم جميع‏

84

الصلاحيات، و الاضطلاع بكافة المهمات القيادية و بالسيطرة التامة على كافة مرافق الدولة، و تجريد الولاة و القواد من النفوذ المتزايد، و الحد من صلاحياتهم، و جعلهم تحت السيطرة التامة يرجعون إليه في كل شاردة و واردة، و بذلك أثبت أنه القائد الذي يستلهم العمل من العقل المدرك و الفكر النير، و من تجاريبه و معرفته بأنه يجب أن يكون السيد المطلق الذي لا يعلو على رأيه رأي آخر... فبعد أن تم تعيين الولاة و العمال و القواد، نراه في هذه المرحلة يعمد إلى إقالة بعضهم بعد أن ثبت له عدم الكفاءة، و تبرز على ساحة الأحداث في هذه المرحلة أخطر قضية و هي وضع حد لنفوذ «أبو عبد اللّه الشيعي» الذي لم يكن يقف عند حد، و التقليل من أهميته و شأنه، و لهذا نراه يعهد إليه بمهمات صغيرة في الأقاليم بغرض إبعاده عن مقر الخلافة، و التخلص من مداخلاته التي فيها تعد على صلاحيات الخليفة، و هكذا شقيقه «أبو العباس» و من يسير بركابهما من القواد و الولاة و الزعماء.

و في هذه المرحلة أيضا عين المهدي واليا على جزيرة صقلية فاستطاع هذا الوالي بمدة قصيرة من أن ينظم شؤون الجزيرة و أن يهدد جنوبي إيطاليا، فهاجم «كلابريا» أو «قلورية» كما يسميها العرب. و ولّى أيضا على طرابلس واليا، و على‏

85

«برقة» آخرا، و بمعنى أوفى لم يقتصر اهتمامه على المغرب الأوسط بل امتد للمغرب الأدنى، و هكذا للمغرب الأقصى فعيّن على «تاهرت» واليا من قبله، كما أنه وجه أبو عبد اللّه إلى جنوبي «كتامة» على رأس حملة لإخضاع قبيلة «زناتة» و كانت قد أعلنت عن عصيانها.

و مهما يكن من أمر فإن السنوات الأولى من خلافة عبيد اللّه المهدي و هي المعروفة بسنوات الإنشاء و التأسيس و الفتوحات و استئصال الفتن و القلاقل الداخلية، فهذه السنوات كانت عسيرة و فيها تصاعد الصراع الداخلي على السلطة بين المهدي و قائده أبو عبد اللّه الشيعي، و لكن المهدي وقف من كل هذا موقف رجل الدولة الساهر على شؤون دولته بعناية و حذر بما عرف عنه من قدرة و همة و دهاء، و بالفعل تمّ له اجتياز العقبات و إبعاد أعداء الدولة واحدا إثر واحد، و بفترة قصيرة حقق الكثير من الإنجازات و أصبح هو الحاكم المطلق الذي لا ينازع.

و لا بد لنا من القول ان الأحداث الرهيبة، و القلاقل الداخلية و قد ألمحنا إليها لم تقف بوجه اهتمامه عن توسيع رقعة دولته، و تعزيز مكانتها، و السهر على مصالح الشعب،

86

و من أبرز تلك الأحداث التي وقعت بل من أكثرها عنفا و صدى و هي تعتبر فاتحة العصيان، و قد حدثت عند ما أقدم أهل طرابلس على عزل الوالي الفاطمي و ذلك سنة «298» ، و نتج عن ذلك قيام بعض «الزناتيين» باحتلال «تاهرت» ، و لكن مهارة المهدي و حسن تصرفه أنقذ المدينة، و أعاد لها اعتبارها و ارتباطها بالدولة الفاطمية، و تم تعيين واليا عليها و هو أحد القواد الكتاميين المجربين.

و نعود إلى قصة مقتل أبو عبد اللّه الشيعي التي ذكرنا عنها، فهذا الحدث العظيم الذي وقع بعد عامين من قيام الدولة الفاطمية، جاء ليبعث المتاعب، و يضع العقبات، بل جاء ليهدد الدولة بالانهيار، فمقتل أبو عبد اللّه ترك في نفوس الناس حزنا عميقا، فهو الرجل الذي أنصفهم و قادهم، و وفر لهم أسباب الرغد و الحياة الأفضل، بل هو القائد الذي اجتمعت قلوب الناس على اختلاف مذاهبها على محبته و احترامه فهؤلاء لم يكن بإمكانهم نسيان الرجل الذي وهبهم حياته بهذه السرعة، أو نزع صورته من أفكارهم، و الحقيقة فإن تلك القصة المروعة كادت تزعزع أركان الدولة، و تقضي عليها قبل أن تتم ولادتها.

كل هذا و نحن أمام أحداث تواجه المهدي بعد الحدث‏

87

المذكور، فالمهدي أصبح وحيدا في الساحة، غريبا في ديار لا يعرف عنها إلاّ القليل، بينما خبرة أبو عبد اللّه تجاوزت العشرة سنوات، في خلالها توصل إلى معرفة كل شي‏ء عن المغرب و رجالاته و قبائله و عاداتهم و تطلعاتهم و ما بينهم من علاقات، على أن كل هذا وضعه عبيد اللّه في حسابه، فتمكن من الوقوف على رجليه مستعملا دهاءه و خبراته و إرادته التي لا تعرف التردد، و يجب أن لا ننسى أن بعض القواد الذين جاء بهم أبو عبد اللّه، سكتوا على مضض، و انحازوا إلى القائد الجديد بعد أن علموا أن أبا عبد اللّه مات و لم يعد بإمكانه الرجوع، و لكن تبقى الريبة التي تساور المهدي منهم، و نأخذ على سبيل المثال «عبد اللّه بن القديم» و هذا أحد رجالات بني الأغلب-ملوك تونس-فهذا الرجل الخبير تمكن أبو عبد اللّه من استقطابه و جعله تحت تصرفه و من أصدقائه، و عند ما تسلّم المهدي شؤون الدولة استخدمه و استعان به في كثير من الأعمال، و وكل إليه مهمات ذات شأن و أهمها الديوان و المراسلات، و لكنه بعد مقتل أبو عبد اللّه داخلت الريبة المهدي من تصرفاته فاتهم بالاشتراك بالمؤامرة و الانحياز لأعداء الدولة، و كان هذا سببا لإبعاده و التخلص منه بالقتل.

و يأتي بعده «حباسة بن يوسف» الكتامي، و كان من‏

88

أعوان «أبو عبد اللّه، و بعد استلام المهدي شؤون الملك عيّنه واليا على «برقة» ، كما عين شقيقه «عروبة بن يوسف» على ولاية «تاهرت» ، و المعروف عن حباسة هذا أنه قاد الحملة الفاطمية الأولى على مصر ما بين سنة 300 هـ إلى سنة 301 هـ بالاشتراك مع ولي العهد «القائم بأمر اللّه» و لكن المهدي أمر بقتله بعد عودته لثبوت اشتراكه و انحيازه إلى جماعة أبو عبد اللّه الشيعي، كما ألحق به شقيقه عروبة الذي كان واليا على «تاهرت» كما قلنا، فطلبه المهدي للمثول أمامه، و لكنه فرّ، و لم يمنعه الفرار من الوقوع بقبضة المهدي و محاكمته بتهمة قتل أبو عبد اللّه الشيعي دون إذن، و قد ذكرنا ذلك في الصفحات السابقة.

في هذه المرحلة أيضا ثارت قبيلة «زناتة» في تاهرت، كما ظهرت ثورة بعض القبائل من أفخاذ كتامة و جميعها انتصارا لأبي عبد اللّه الشيعي، كما سار في هذا السبيل بعد ذلك أهالي جزيرة صقلية معلنين العصيان على الدولة، و لكن كل هذا لم توهن من عزيمة المهدي أو تلين قناته، و قد استطاع بجهوده و جهود ولي العهد القائم بأمر اللّه من إعادة الهدوء و الاستقرار إلى المناطق الثائرة، و المشهور عنه أنه قاد بنفسه تلك الحملات، كما أوكل إلى ولي عهده أمر قيادة بعض‏

89

الحملات و أكثرها تجلل، بالظفر و النجاح، فقد تمّ في نهايتها إخضاع طرابلس و إعادتها إلى الحظيرة الفاطمية، و إشاعة الهدوء و الاستقرار في المناطق القريبة منها، و في بلاد كتامة.

ج-المرحلة الثالثة:

تبدأ هذه المرحلة، و هي الثالثة-ما بين سنة 302 هـ حتى سنة 309 هـ و هي في الواقع من أعنف الفترات عنفا و تقلبا و اضطرابا، ليس في الولايات الفاطمية في المغرب الأقصى، بل في كل أجزاء المغرب، و على الأخص جزيرة صقلية، و قد يكون أسباب هذا التوتر كثيرا، و لعل أهمه مقتل حباسة ابن يوسف و شقيقه عروبة و كلاهما من زعماء كتامة البارزين مضافا إلى بعض القواد الكتاميين و المغربيين الآخرين الذين قادوا الجيوش، و ساهموا بالفتح و أحرزوا الانتصارات، و ركزوا قواعد الدولة الفاطمية، و كانت فاتحة الاضطرابات ظهور ثورة أو عصيان في برقة و كان حباسة واليا عليها كما ذكرنا، و لما كانت هذه المقاطعة تشكل أهمية خاصة للفاطميين الذين نظروا إليها كقاعدة للانطلاق نحو الأراضي المصرية، و هم الذين ما فتأوا يتطلعون بشوق إلى الديار المصرية، و هنا كان لا بد للمهدي أن يعهد إلى ولي العهد «القائم بأمر اللّه»

90

بالذهاب إليها على رأس حملة، فتمكن بعد سلسلة من المعارك دامت سنة و نصف من إعادتها إلى الحظيرة الفاطمية، و تظهر أيضا في هذه المرحلة قضية «تاهرت» الواقعة في المغرب الأوسط و كان أبو عبد اللّه الشيعي سنة 296 هـ قد اتخذها قاعدة لتوجيه قواته نحو المغرب الأقصى، و تاهرت اسم لمدينتين متقابلتين و قد ملكها «بنو رستم» زهاء مائة و ثلاثين عاما، ففي هذه المرحلة ولّى المهدي عليها أحد قواده البارزين «مصالة بن حيوس» و جاء تعيينه بعد مقتل عروبة بن يوسف، فبدأ مصالة حياته العسكرية بصراع عنيف مع قبائل «صنهاجة» ، و قد تمكن في نهاية المطاف من الاستيلاء على قاعدتهم «ناكور» سنة 305 هـ، و كان هذا هو بدء الصراع الدامي العنيف بين الفاطميين و الأدارسة و معهم الصنهاجيين، أو بلغة أصح بين الفاطميين و الأمويين، و على رأس الأول عبيد اللّه المهدي، و الثانية الناصر الأموي.

و لمّا كان الصنهاجيون يمتلكون قوة عسكرية كبيرة كثيرا ما تصدت و هددت دولة الأغالبة، و وقفت في وجهها، فإن المهدي خشيهم و حسب لهم حسابا و كثيرا ما كان يرسل أوامره بضرورة التودد إليهم حينا، و تهديدهم حينا آخر، و لكن كل هذا لم يدخل الطمأنينة و الثقة إلى قلوبهم، فكانوا

91

في كافة المراحل يقفون موقف المعارض، و هذا ما جعل القائد مصالة يبادر إلى احتلال قادتهم و ضرب فلولهم، و بعد أن تم له ذلك كتب إلى المهدي يعلمه بما أحرزه من نصر و بما غنمه من غنائم، كما وصف له فرار أمراء «بنو صالح» إلى الأندلس و التحاقهم «بالناصر الأموي، فأمره المهدي أن يفعل ما يريد و أطلق يده بإجراء كل ما يعيد للدولة الفاطمية هيبتها و مكانتها، فبعد أن وطّد الأمور عاد إلى تاهرت و ولّى على ناكور رجلا يقال له «ذلول» و لكن «صالح بن سعيد الصنهاجي» هاجمه سنة 305 هـ بقوة كبيرة موّلها الأمويون بالمال و العتاد، فتمكن من قتل ذلول و أصحابه، و استلام المدينة، و إعلان الولاء للأمويين.

و في هذه المرحلة أيضا من حكم المهدي برزت على مسرح الأحداث، و واجهة الوقائع قضية «الأدارسة» و دولتهم في «مكناس» ، فقد ظهر أحد قوادهم على رأس قوة كبيرة في مكناس يهدد الدولة الفاطمية و يقوم بأعمال القرصنة و التعديات على حدودها، فأرسل إليه المهدي حملة عسكرية عهد بقيادتها إلى ولي العهد القائم بأمر اللّه فتمكن سنة 305 هـ من إخماد نار الفتنة و إعادة نفوذ الفاطميين ثم القضاء أخيرا على زعامة الأدارسة في مكناس، إذ عين عليها واليا من قبله هو «حميد

92

ابن يصال» و لكن موسى عاد ثانية، و قام بثورة جديدة أطاحت بالوالي الجديد، و من المشهور أنه قتله و أرسل رأسه إلى الناصر الأموي، و قد شجع هذا العمل يحيى بن إدريس و هو آخر ملوك الأدارسة و كان يتمتع بنفوذ كبير لم يبلغه أحد من أسلافه، فقام بحركة ثورية على الدولة الفاطمية كادت تشمل بلاد المغرب الأقصى بتمامه، فأوكل المهدي إلى القائد المجرب مصّاله بن حيوس أمر تصفية الحساب مع يحيى، كما أمدّه بالجيوش، و يذكر التاريخ أنه تقدم بسرعة و عند ما التقى بيحيى قرب مكناس دارت بينهما معركة كبرى انتهت بهزيمة يحيى و انسحابه إلى فاس و اعتصامه فيها، و لكن مصالة لحق به و حاصره، فاضطر أخيرا إلى طلب الصلح لقاء تأديته بعض الأموال، و مبايعة المهدي بالخلافة، فقبل مصالة الطلب بعد الاستئذان و موافقة المهدي على إبقائه في فاس، كما أنه ولّى ابن عمه «موسى بن العافية» على مقاطعة أخرى في أحد الأقاليم الخاضعة للفاطميين، و مما يجب أن يذكر أن موسى كان في بداية أمره مخلصا للفاطميين، و أنه كان على اتصال مستمر مع أبي عبد اللّه الشيعي، و كان كثيرا ما ذكره بضرورة احتلال بلاده، و ضمها إلى الدولة الفاطمية، و لكنه في النهاية انقلب عليهم. غ

93

و في سنة 309 هـ عاد القائد مصالة إلى فاس، فاجتمع بموسى الذي أوغر صدره على ابن عمه يحيى متهما إياه بالخيانة و الاستغلال و الإثراء و الاتصال سرا بالأمويين، و هذا ما جعل مصالة يقبض عليه و يستصفي أمواله، ثم أنه نفاه إلى خارج المنطقة، فذهب إلى بلاد الريف و كان له فيها أبناء عمومة، و لكن مصالة خاف من أن يكون ذهابه إلى تلك الأماكن بداية للقيام بأعمال مخلة بأمن الدولة فلحق به و ألقى القبض عليه، ثم أنه سجنه لمدة عشرين عاما، و أطلق سراحه بعد ذلك فجاء إلى «المهدية» و عاش فيها بقية حياته حتى سنة 332 هـ.

بعد هذه الأحداث عاد القائد مصّالة إلى فاس، و ولّى عليها «ريحان الكتامي» و لكن مدة ولايته كانت قصيرة لأن محمد بن القاسم الإدريسي الملقب «بالحجّام» و هو من الأسرة الإدريسية ثار عليه و تمكن من قتله سنة 310 هـ و الاستيلاء على فاس، و لم يكتف بذلك بل مدّ نفوذه إلى أبعد من حدود فاس، فكلف المهدي ابن عمه «موسى بن العافية» بمحاربته فزحف عليه على رأس قوة كبيرة، و دارت بينهما معارك طاحنة قتل في إحداها ابن موسى كما قتل محمد في المعركة الثانية، و كل هذا مهد لموسى الاستئثار بتركة الأدارسة، و بعد فترة طمحت نفسه لدرجة أنه خلع طاعة الفاطميين و بات يهدد بلدانهم‏

94

و ممتلكاتهم في المغربين الأوسط و الأقصى، و كان يتلقى الدعم المادي و المعنوي و العسكري من الأمويين في الأندلس و هذا ما حرّك المهدي على إرسال حملة عسكرية قوامها خمسة عشر ألفا من المحاربين بقيادة «حميد بن يصال» صاحب تاهرت و ابن أخ مصالة الكتامي، فتمكن بعد سلسلة من المعارك من الاستيلاء على البلدان التي احتلها موسى، و أخيرا ضيق عليه الخناق و أجبره على الفرار تاركا فلول جيوشه عرضة للقتل و الأسر.

و في هذا كله اختتمت حياته، و حياة الأدارسة، و عاد الهدوء و الاستقرار إلى المغرب الأقصى، و رفرفت على أرجائه راية المهدي، و اعلام دولته الفاطمية الفتية.

كان لا بد لنا و نحن نتحدث عن دولة الفاطميين في المغرب من إيراد هذه اللمحات الموجزة التي لها العلاقة المباشرة بحياة «عبيد اللّه المهدي» و ما قام به من أعمال و هو في بدء خلافته، و كيف تمكن من إرساء قواعد دولته الفاطمية الفتية.

95

الديار المصرية محط أنظار الفاطميين‏

لم تكن دولة المهدي الفاطمية في المغرب، تظهر على مسرح الدنيا العربية و الإسلامية، أو تعيش طويلا لو لا أن يكون من مبادئها التنظيم و الإدارة، و إقامة العدالة، و إحلال النظام، فالفاطميون و هذا جلي و واضح عند ما أرسوا قواعد دولتهم، وضعوا نصب أعينهم مبدأ منافسة العباسيين و سبقهم في مختلف المجالات، و هكذا بالنسبة للأمويين، فوضعوا القواعد و أقاموا الأعمدة، و تطلعوا إلى الديار المصرية التي هي مهوى أفئدتهم، فأرسلوا إليها الدعاة للقيام بالدعاية و كسب الأنصار و المؤيدين، و كان هذا في وقت مبكر أي قبل ظهور دولتهم، و بعد ظهور الدولة الآنفة الذكر في المغرب، باشروا بالدعاية، و لكن بأسلوب جديد، فبالأمس لم يكن لهم دولة، أما اليوم فإنهم يتكلمون من منطلق القوة، و بالفعل تمكنوا من إيجاد قواعد لهم في تلك الديار كانت مهمتها تنبيه الشعب المصري‏

96

إلى مساوى‏ء الحكم العباسي، و إلى ضرورة الانضمام للدولة الفاطمية الجديدة، و استعمل الفاطميون كافة أسلحة الدعاية من ثقافية و فكرية و أدبية فاستقبلوا العلماء و بعض رجال الدين، و الأدباء، و الشعراء، و وجهوا اهتمامهم خاصة إلى الأدب و العلوم و المعارف، و كرسوا أوقاتهم لترسيخ ركائز دولتهم التي أرادوها أن تكون متقدمة في نظمها، و إدارتها، و متطورة في قوانينها و أساليب حكمها، و هكذا قربوا الأدباء و ساعدوا العلماء، و رفعوا من شأنهم، و أوجدوا لهم مراكز حساسة في الدولة، و منحوهم المسؤوليات و الصلاحيات، معترفين بأن كل دولة لا يكون للعلم و للثقافة فيها نصيب فلا تلبث أن تنهار، و تذهب طعما لتيارات الجهل و الغباء، و لا غرابة في ذلك فعبيد اللّه قائد هذه الدولة عاش في بلدة «سلمية» كما ذكرنا-المدينة التي انبثقت من ربوعها جمعية «إخوان الصفاء و خلاّن الوفاء» أو الأكاديميين العرب الأوائل الذين صنفوا أول دائرة معارف عربية فلسفية اعتبرها الشرق و الغرب الأساس لكل الفلسفات التي جاءت بعدها.

ففي هذه البلدة-نال عبيد اللّه المهدي ثقافته و تعليمه، و على أيدي هؤلاء الفلاسفة الكبار تدرب على شؤون الحكم و الملك و إدارة الشعوب، و لكن هل كان كل هذا كافيا؟

97

في الواقع، و في اعتراف خبراء التاريخ إن كل فتح لبلد من البلدان لا بد له من قوى عسكرية تتولّى إسكات المعارضين، و تأمين التوسع و الانتشار، و الدولة الفاطمية في بدء ظهورها كانت تعاني الكثير من الاضطرابات، و الانتفاضات، بالإضافة إلى فقدان المقومات، و الإمكانيات التي تكفل لها الوقوف بوجه الأمبراطورية العباسية الكبرى و مجابهتها، و لكن كل هذا لم يقف حائلا بوجه المهدي عن تخصيص قسم من أوقاته لشؤون القطر المصري معتقدا بأن احتلاله، و ضمه إليه ضرورة حيوية من جهة، و ضربة قاصمة للعباسيين، و لأجل هذا يذكر التاريخ أنه تم إرسال ثلاثة حملات عسكرية إلى الديار المصرية في عهد المهدي و هي كما يلي:

الحملات الثلاث العسكرية الي الديار المصرية في عهد عبيد الله المهدي‏

أ-الحملة الأولى:

في سنة 301 هـ أعد الخليفة المهدي جيشا من المغاربة كانت أكثريته من قبيلة «كتامة» و قد عقد قيادته للقائد الكتامي «حباسة ابن يوسف» و كان واليا على برقة من قبل الفاطميين، فزحف إلى الديار المصرية باتجاه الاسكندرية، و بفترة قريبة تمكن من احتلالها و احتلال كامل الوجه البحري، و من الجدير بالذكر أنه لم يلق مقاومة تذكر، و عند ما علم الخليفة العباسي المقتدر

98

بذلك هاله هذا الهجوم المباغت، فأمر باعداد حملة عسكرية يكون قوامها أربعين ألفا، و جعل «مؤنس الخادم» عليها، فجاء إلى مصر، و اشتبك مع الجيش المغربي بمعارك عديدة، تمكن في نهايتها من الانتصار و إرغام حباسة على التراجع، و لم تنفع الإمدادات التي أرسلها المهدي و على رأسها ولي العهد «القائم بأمر اللّه» ، و من الجدير بالذكر ان قوى العباسيين كانت أكثر عددا و تنظيما من الجيش الفاطمي الذي لم يكن بعد قد وصل إلى المرحلة التي تؤهله لخوض الحروب الكبرى، مضافا إلى نقص في العتاد و المواد الغذائية، و وسائل أخرى، و يذكر التاريخ ان الشعب المصري في تلك الفترة وقف موقفا عجيبا فقد انقسم إلى فريقين: فريق مؤيد للمغربيين الفاطميين، و فريق مؤيد للعباسيين و كان من الطبيعي إزاء هذه الأوضاع أن تندلع ثورات أهلية دامية، و لكن الجيش العباسي تمكن من إخمادها.

ب-الحملة الثانية:

لم تقف هزيمة الجيش الفاطمي الأولى في مصر، أمام تطلعات المهدي و آماله فعاد يعيد الكرة سنة 307 هـ، و جهّز حملة عسكرية ثانية أكثر عددا و عدة، و زودها بالمؤونة و بكافة

99

المتطلبات و الضروريات، و هذه المرة أرسل معها «الأسطول الفاطمي» و كان قد أصبح حقيقة واقعة، فحمل هذا الأسطول الذي انطلق من قاعدته في «صقلية» يحمل المزيد من المؤونة و العتاد، ثم أن المهدي عهد بقيادة هذه الحملة إلى ولي العهد «القائم بأمر اللّه» فزحف من المغرب عبر طرابلس و برقة، و تمكن في فترة قصيرة من الاستيلاء على الاسكندرية، و الجيزة، و الوجه البحري، و لكن الخليفة العباسي المقتدر علم أيضا بالأمر، فجهّز حملة ثانية قدر عدد أفرادها بستين ألفا، و عهد بقيادتها إلى «مؤنس الخادم» ، فاشتبك بمعارك طاحنة مع المغربيين، و أخيرا تمكن من إلحاق الهزيمة الثانية بهم، كما أنه تمكن من إحراق بعض مراكبهم و سفنهم التي كانت راسية في الاسكندرية و هكذا عاد «القائم بأمر اللّه» يجر أذيال الفشل و الخيبة.

ج-الحملة الثالثة:

و في سنة 321 هـ حتى 324 هـ أعاد المهدي الكرة للمرة الثالثة، فجهز حملة أكثر عددا و تنظيما و عهد بقيادتها إلى القائد الكتامي «حبشي بن أحمد» فتمكن بفترة قصيرة من الاستيلاء على أكثر بلدان و مدن القطر المصري، مما دعا زعماء البلاد و الشيوخ إلى المثول بين يديه و إعلان الطاعة و الولاء، و قد

100

اتفقوا معه فيما بعد على توقيع معاهدة صلح اعتبروا فيه أنفسهم من رعايا الدولة الفاطمية، فعادت أكثر الجيوش الفاطمية إلى المغرب سوى قسم ضئيل للحراسة في المدن، و المواقع المهمة، و لكن بعد مدة تجند الاخشيديون و أنصارهم، و قاموا بثورة داخلية ضد الاحتلال الفاطمي، و تمكنوا من قتل الجنود المغربيين و إعادة البلاد إلى الحظيرة العباسية، و لم يستطع أتباع الفاطميين الوقوف طويلا في وجه الإخشيديين فاستسلموا للأمر الواقع و ناموا على مضض، و هكذا عادت المياه إلى مجراها الطبيعي في مصر و فشلت المحاولات الثلاث التي أثقلت كاهل الدولة الفاطمية بالنفقات و الأموال الطائلة.