معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
455

1 حرة واقم (الحرة الشرقيّة)

456

حرة واقم (الحرة الشرقية):

تمهيد:

الحرة بالفتح الحجارة السوداء، و بالكسر الحرار، و بالضم الأنثى الحرة من بني الناس، قال ناظم المثلث: الحرة الحجارة و الحرة الحرارة و الحرة المختارة من محصنات العرب‏ (1).

و حرة واقم اسم أطلق على النهاية الشمالية من الحرة الشرقية من المدينة، و يتمثل هذا الجزء من الحرة في النهاية الغربية للحرة الكبرى التي تعرف بحرة رهط و التي تمتد من جنوب و شرق المدينة و حتى مدينة الطائف حيث تقع حرة واقم من الجهة الغربية منها.

و تعرف حرة واقم بالحرة الشرقية و هي إحدى اللابتين المقصودتين في الحديث النبوي الشريف و الوارد في تحريم المدينة، و تعتبر حرة واقم معلما بينا و قديما من معالم المدينة المنورة، فقد ورد في التوراة أنها مهاجر (2) نبي آخر الزمان، فنزل فيها اليهود انتظارا لخروج هذا النبي الذي وجدوه في كتبهم فسكن اليهود في وسط هذه الحرات و احتموا بتحصيناتها الطبيعية فخططوا المؤامرات و زرعوا الدسائس و دبروا المكائد بين غيرهم من سكان يثرب آنذاك لتظل لهم السيطرة و اليد العليا في يثرب فيكونوا سادة القوم و أمراؤه، فيحتضنون بذلك نبي آخر الزمان و يحظون عنده بالرفعة و النصرة و السؤدد.

و يشير المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى مواقع هؤلاء اليهود و بعض قبائل الأوس في هذه الحرة و منازلهم فيقول: (و تنقسم حرة واقم، باعتبار المنازل الواقعة فيها قديما، إلى خمس مناطق متجاورة: منطقتان كانتا لليهود، و ثلاث كانت للأوس من الأنصار. فبزهرة منازل بني النضير، و بشمالها منازل بني قريظة، و بشمال هذه منازل بني ظفر من الأنصار حيث مسجدهم المعروف بمسجد بني ظفر، و بجانبهم شمالا أيضا منازل بني عبد الأشهل، مع بني زعور بن جشم الأنصاريين) (3).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 138).

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 210)/ «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 139)/ «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد الخياري- (ص 233).

457

(1) (حرة واقم) الطريق الدائري الثالث «طريق الملك خالد» و قد شق حرة واقم إلى جزأين.

(2) (حرة واقم) طريق الملك عبد العزيز و الممتد من الغرب إلى الشرق، و قد شق حرة واقم في جزئها البركاني المحترق.

و يشير الأستاذ عبد القدوس إلى وجود الكثير من آثار و دور و حصون و مصانع هؤلاء السكان القدماء منتشرة في عرض الحرة و طولها، و قد وجد الأستاذ عبد القدوس عند تجوله داخل هذه الحرة مصنعا قديما فيه أنواع من القطع الفخارية المدهونة من كل لون و وجد بجواره صهريج ماء مطلي بالرصاص من الداخل بشرقيه غدير. و يقع هذا المصنع في جنوب شرق بستان دشم بمسافة اثنى عشر دقيقة تقريبا.

كما وجد في هذه الحرة فوهة بركانية ذات شق مستطيل و هذا الشق قد نتج من التكوينات الطبيعية لهذه الحرة و بقرب طريق العريض من هذه الحرة تلال عظيمة من أطلال الأطام و الدور التي كانت مشيدة بهذه الحرة (1) و من أشهرها أطم صرار الواقع في شرقي مسجد العريض اليوم.

و قد نزلت بطون بنو عمرو بن مالك و المتمثلين ببنو ظفر و بنو حارثة و بنو عبد الأشهل و بنو زعوراء في هذه الحرة فانتشرت منازلهم على الطرف الشرقي لحرة واقم‏ (2) و امتدت لتشمل أجزاء كبيرة من هذه الحرة، كما سكن بنو عكوة و بنو مراية طرف هذه الحرة.

و يشير الدكتور محمد الوكيل إلى ما ذكره ابن حزم في «الجمهرة» (أن هناك بطن رابعة لبني مرة بن مالك بن الأوس غير بطونهم الثلاثة المشهورة، و هم بنو سعد بن مرة، و قال إنهم سكنوا راتجا على طرف الحرة الشرقية، و هو الطرف الشمالي للحرة المذكورة هو المعروف الآن بالمصانع) (3).

كما يشير إلى قول ابن النجار في منازل بني النضير من اليهود فيقول:

(فنزل النضير بمن معه ببطحان فنزلوا فيها حيث شاؤوا فسكن جميعهم زهرة و هي محل بين الحرة- الحرة الشرقية- و بين السافلة مما يلي القف) (4).

و أما بنو قريظة فقد نزلوا بأعلى المدينة، في المنطقة المعروفة اليوم بالعوالي، و امتدت منازلهم من الحرة الشرقية إلى قباء، و هذا المنزل يتحدد في الجنوب الشرقي من المدينة في أقصى منطقة العوالي، فأقاموا الحصون و الآطام و التي ظلت بعض آثارها و أطلالها قائمة إلى اليوم لتؤكد و تثبت أن حرة واقم قد حظيت بحضارة و عمارة متميزة انفردت بها عن غيرها من الحرات و المناطق الأخرى بالمدينة.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 211).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 21).

(3) «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد الوكيل- (ص 58).

(4) «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد الوكيل- (ص 45).

458

(3) (حرة واقم) حرة واقم من الجهة الشمالية الشرقية، و تظهر جبال و عيرة في أقصى الغرب.

(4) (حرة واقم) حرة واقم و تظهر تشكيلات الحجارة البركانية المختلفة.

(5) (حرة واقم) نماذج لبعض الأخاديد العميقة التي تكونت نتيجة البركان.

ما جاء في التسمية بحرة واقم:

لقد أورد المؤرخون و الكتاب روايتين مختلفتين عن سبب ظهور هذه التسمية و مصدرها، فيقال إن حرة واقم سميت بذلك نسبة إلى رجل من العمالقة كان اسمه واقم كان قد نزلها في الدهر الأول، و يقال إن مصدر هذه التسمية يرجع إلى اسم أطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة.

قال السيد السمهودي: (واقم- كصاحب- أطم بني عبد الأشهل نسبت إليه حرتهم، و له يقول شاعرهم و هو حضير بن سماك:

نحن بنينا واقما بالحرة* * * بلازب الطين و بالأصرة

و واقم أيضا أطم بالمسكبة شرقي مسجد قباء لأبي عويم بن ساعدة، و أطم آخر في موضع الدار التي يقال لها واقم بقباء كان لأحيحة قبل تحوله للعصبة) (1).

و نجد في بعض الروايات أن حرة واقم سميت بهذا الاسم نسبة إلى أحد العماليق الذين نزلوا بها، و أن هؤلاء العمالقة قد انتشروا في هذه الحرة حتى المنطقة المسماة بالزهرة. و هي إلى شمال المدينة جهة العيون.

كما يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى سبب هذه التسمية فيقول: (حرة واقم إحدى حرتي المدينة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، و هي الشرقية سميت برجل من العمالقة اسمه واقم، و قد كان نزلها في الدهر الأول، و قيل واقم اسم أطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة و هو من قولهم: و قمت الرجل عن حاجته إذا رددته، فأنت واقم) (2).

و يعلق السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) على هاتين التسميتين فيقول: (و لا مانع أن يكون هذا و ذاك سببا لتسميتها بحرة واقم، و في هذه الحرة كانت موقعة عظيمة على المسلمين و هي يوم الحرة المشهور) (3).

كما يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى تسمية هذه الحرة فيقول عند حديثه عن منازل بني عبد الأشهل (و كان حصنهم «واقم» الذي سميت به الحرة و بشمالهم منازل بني حارثة إلى نهاية الحرة شمالا ... و حرة واقم هي الحرة الكائنة شرقي المدينة، و تحد حرم المدينة شرقا، و حده الغربي حرة الوبرة) (4).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1329).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 112)/ «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 299).

(3) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 334).

(4) «آثار المدينة المنوّرة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 210).

459

(6) (حرة واقم) تجاويف و أخاديد مختلفة بين تكوينات الصخور البركانية.

(7) (حرة واقم) أخدود طولي يبين الصخور البركانية تجري فيه بعض شعاب الحرة من الجهة الشمالية.

(8) (حرة واقم) صورة للجزء الشمالي من الحرة و تظهر و قد غطت الصخور البركانية السوداء معظم أجزاء الحرة.

و يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري‏ (1) إلى أن حرة واقم تعرف بحرة بني قريظة، و قد جاء المؤرخ السيد أحمد بهذه التسمية نسبة إلى سكان هذه الحرة من بني قريظة، فعمم المسمى الفرعي على المسمى العام، فحرة بني قريظة هو اسم لجزء من حرة واقم و هي المنطقة المعروفة في جنوبي الحرة، و هذا الشأن في جميع منازل القبائل من هذه الحرة فتعرف الحرة عند منازل بني حارثة بحرة بني حارثة، و في منازل بني ظفر بحرة بني ظفر ... و هكذا، و على هذا فتكون تسمية الحرة بحرة بني قريظة لا تشمل الحرة بكاملها و إنما هو علم على موضع محدد من الحرة، و على هذا فتكون تسمية الحرة بحرة واقم تعد أكثر ملاءمة و أشمل مضمونا لكافة أجزاء الحرة المحددة للمدينة من الجهة الشرقية.

أما اليوم فتعرف هذه الحرة بالحرة الشرقية و أعتقد أن هذه التسمية غير محددة أيضا لأن الحرة الشرقية حرة عظيمة تشمل مجموعة كبيرة من الحرات كحرة القفيف و حرة ناعمة، و امتداد جزء لحرة رهط العظيمة، أما التسمية بحرة واقم فهي تسمية محددة للجزء المواجه للمدينة من الجهة الشرقية، كما أن الحفاظ على تسمية هذه الحرة بحرة واقم يساعد على حفظ هذه التسمية التاريخية القديمة التي عرفت بها الحرة منذ القدم.

ما ورد في حرة واقم من الأحاديث و الآثار:

تعتبر حرة واقم من أشهر معالم المدينة المنورة فهي حرة و عرة تحد المدينة المنورة من الجهة الشرقية و هي إحدى اللابتين المقصودتين في الحديث الشريف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حرم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ما بين لابتي المدينة- قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها- و جعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى. متفق عليه و اللفظ لمسلم‏ (2).

و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): (إني أحرم ما بين لابتيها ...) متفق عليه و اللفظ لمسلم‏ (3).

و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يقول: «إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة ...».

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 233).

(2) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب فضائل المدينة: باب لابتي المدينة، (حديث رقم 1774-/ 2/ 662)/ «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة، (حديث رقم 472- 2/ 100).

(3) صحيح الإمام البخاري- كتاب الجهاد: باب فضل الخدمة في الغزو، (حديث رقم 2732- 3/ 1058)/ «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة (حديث رقم 462- 2/ 993).

460

رواه مسلم‏ (1).

و قد وردت هذه الحرة في الكتب السماوية القديمة، فقد أورد السيد العباسي ما روي عن كعب الأحبار: (بأنهم يجدون في كتاب الله حرة بشرقي المدينة يقتل بها قتلة تضي‏ء وجوههم يوم القيامة كما يضي‏ء ليلة البدر) (2).

و في رواية لمجد الدين الفيروز أبادي عن كعب الأحبار قال: نجد في التوراة أن في حرة شرقي المدينة مقتلة عظيمة تضي‏ء وجوههم يوم القيامة كما يضي‏ء القمر ليلة البدر. قال السيد العباسي عن كعب الأحبار (و أن هذه الحرة هي حرة واقم و كانت وقعة الحرة) (3).

و قد أورد السيد السمهودي و السيد أحمد الخياري ما رواه الإمام الواقدي في كتاب الحرة من حديث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بقوله: (إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خرج في سفر من أسفاره فلما مر بحرة زهرة وقف و استرجع فسي‏ء بذلك من معه و ظنوا أن ذلك من سفرهم معه، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما الذي رأيت؟ فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): أما إن ذلك ليس من سفركم معي هذا، قالوا: فما هو يا رسول الله؟ قال: يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي) (4).

و في «المغانم المطابة» لمجد الدين الفيروز أبادي في رواية لابن زبالة: (عن إبرهيم بن محمد عن أبيه قال: مطرت السماء على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لأصحابه: هل لكم نبأ في هذا الماء الحديث العهد بالعرش لنتبرك به، و نشرب منه فلو جاء من مجيئه راكب لتمسحنا به؟ فخرجوا حتى أتوا حرة واقم، و شراجها تطرد، فشربوا منها و توضؤوا.

فقال كعب: أما و الله يا أمير المؤمنين لتسيلن هذه الشراج بدماء الناس كما تسيل بهذا الماء. فقال عمر رضي الله عنه: إيها الآن، دعنا من أحاديثك؟ فدنا منه الزبير فقال: يا أبا إسحاق، و متى ذلك؟ فقال: إياك يا عبيس أن تكون على رجلك أو يدك‏ (5).

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى أهم الأحداث التي حدثت في‏

____________

(1) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب الترغيب في سكنى المدينة و الصبر على لأوائها، (حديث رقم 478- 2/ 1003).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 302).

(3) المصدر السابق نفسه.

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 122، 134). «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 235).

(5) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 112) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 299، 300)/ «تحقيق النصرة»- زين الدين المراغي- (ص 151).

461

هذه الحرة فيقول: (و بحرة واقم هذه كانت وقعة الحرة المشهورة، و ذلك في أيام يزيد بن معاوية عام 63 ه/ 682 م). كما ثارت أيضا نار شديدة الوهج- بركان- في هذه الحرة الشرقية بالنسبة للمدينة سنة 654 ه/ 1256 م).

و قد أفاض المؤرخون المسلمون في وصفها و وصف شدة توهجها و اندلاعها و هلع الناس من اشتعالها، لعلاقة اشتعالها بحديث نبوي. و بعد أن خمدت كان من ثمارها قسم من هذه الحرة المحترقة ذات الرؤوس المسنونة كالرماح المشرعة التي تمتلى‏ء بها الحرة الشرقية مما يجعل اجتيازها للإنسان على قدميه من أعسر المطالب) (1).

و قد سبق الحديث عن قصة نار الحرة و بركانها العظيم فيما قبل، أما حادثة الحرة التي حصلت في سنة 63 ه/ 682 م، فهي قصة طويلة رواها الكثير من المؤرخين فألف فيها العديد منهم و سجل الكثير منهم أحداث و نتائج هذه الحادثة العظيمة، فذكر المؤرخون العديد من أسباب قيامها، و اختلفت بعض الروايات في بعض تفاصيلها، و نكتفي بذكر هذه الحادثة بشكل مختصر حسب ما أورده السيد أحمد العباسي‏ (2)، و السيد السمهودي‏ (3)، و ما جاء في مختصر الحادثة في «المغانم المطابة» للفيروز أبادي‏ (4) فنقول:

حدثت معركة الحرة سنة 63 ه/ 682 م بين أهل المدينة و جيش مسلم بن عقبة الذي أرسله يزيد بن معاوية من الشام، و الأسباب التي أدت إلى إرسال هذا الجيش كثيرة، و من أهمها ما ذكره المؤرخون و هو أن عثمان بن محمد والي المدينة سنة 62 ه/ 681 م بعث إلى يزيد وفدا من رجال المدينة فيهم: عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة و معه ثمانية بنين له، فأعطاه مائة ألف، و أعطى بنيه كل رجل منهم عشرة آلاف، فلما رجع الوفد إلى المدينة، أظهروا شتم يزيد، و قالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر و يعزف بالطنابير و يلعب بالكلاب، و إنا نشهدكم أنا خلعناه ... ثم بايعوا لعبد الله بن حنظلة على الموت ... فكتب عثمان بن محمد إلى يزيد بما أجمع عليه أهل المدينة المنورة من خلاف.

و من الأسباب، ما ذكره السمهودي قال: روى الطبراني في خبر طويل عن عروة بن الزبير قال: لما مات معاوية رضي الله عنه، تثاقل عبد الله بن الزبير عن طاعة ابنه يزيد، و أظهر شتمه، فبلغ ذلك يزيد، فأقسم لا يؤتى به إلا

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- السيد عبد القدوس الأنصاري- (ص 211).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 300).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 122، 134).

(4) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 113).

462

مغلولا ... فقيل لابن الزبير: ألا نصنع لك أغلالا من فضة تلبس عليها الثوب و تبر قسمه، فالصلح أجمل بك، قال: فلا أبر الله قسمه، ثم قال:

و لا ألين لغير الحق أسأله‏* * * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

ثم دعا إلى نفسه، فوجه إليه يزيد بن معاوية، مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام، و أمرهم بقتال أهل المدينة، فإذا فرغ من ذلك صار إلى مكة.

كما ذكر السمهودي سببا آخر لهياج أهل المدينة و خلع يزيد، نقلا عن كتاب الحرة للواقدي، قال: إن أول ما هاج أمر الحرة أن ابن ميناء كان عاملا على صوافي المدينة، و بها يومئذ صواف كثيرة- حتى كان معاوية يجد بالمدينة و أعراضها مائة ألف وسق و خمسين ألف وسق ... و يحصد مائة ألف وسق حنطة ... و أن ابن مينا أقبل بشرج له من الحرة يريد الأموال التي كانت لمعاوية- فلم يزل يسوقه، و لا يصده عنه أحد حتى انتهى إلى بلحارث بن الخزرج، فنقب النقيب فيهم فقالوا: ليس ذلك لك، هذا حدث و ضرر علينا، فأعلم الأمير عثمان بن محمد بذلك، فأرسل إلى ثلاثة من بلحارث، فأجابوه إلى أن يمر به فأعلم ابن ميناء فغدا بأصحابه، فذبوهم، فرجع إلى الأمير فقال: اجمع لهم من قدرت، و بعث معه بعض الجند، و قال: مر به و لو على بطونهم. فغدا ابن ميناء متطاولا عليهم، و غدا من يذبهم من الأنصار، و رفدتهم قريش، فذبوهم حتى تفاقم الأمر ... فكتب عثمان بن محمد إلى يزيد يخبره بذلك ... و يحرضه على أهل المدينة جميعا، فاستشاط غضبا، و قال: و الله لأبعثن إليهم الجيوش، و لأوطئنها بالخيل.

فبعث اليزيد مسلم بن عقبة المري و سموه أهل المدينة مسرفا، قدم المدينة فنزل حرة واقم، و خرج أهل المدينة يحاربونه فكسرهم و قتل من الموالي ثلاثة آلاف و خمسمائة رجل و من الأنصار ألفا و أربعمائة و من قريش ألفا و ثلاثمائة و ممن قتل صبرا الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب و معقل بن سنان و أبو بكر بن عبد الله و يعقوب بن طلحة و عبد الله بن زيد، و غيرهم كثير من الكبار، و كان معقل على المهاجرين، و دخل جنده المدينة فنهبوا الأموال و سبوا الذرية و استباحوا الفروج و حملت منهم ألف حرة و ولدت، و كان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة.

ثم أحضر الأعيان لمبايعة يزيد فلم يرض إلا أن يبايعوه أنهم عبيد يزيد بن معاوية فمن تلكأ أمر بضرب عنقه ثم انصرف نحو مكة و هو مريض مدنف فمات في طريق مكة بقديد، و ذكر السيد أنه وجهه يزيد بن معاوية بجيش عظيم من أهل الشام فنزل بالمدينة فقاتل أهلها فهزمهم و قتلهم بحرة المدينة قتلا ذريعا و استباح المدينة ثلاثة أيام فسميت وقعة الحرة لذلك، و يقال لها حرة زهرة فقتل‏

463

بقايا المهاجرين و الأنصار و خيار التابعين و هم ألف و سبعمائة، و قتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء و الصبيان و قتل من حملة القرآن سبعمائة رجل، و جالت الخيل في مسجد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و بالت وراثت بين القبر و المنبر أدام الله تشريفهما، و أكره الناس على أن يبايعوا اليزيد على أنهم عبيد له إن شاء باع و إن شاء أعتق.

و تعتبر هذه الحادثة من أشد و آلم الحوادث التي مرت على المدينة في تلك الفترة و يمكن الرجوع إلى تفاصيل هذه الحادثة في كتاب «الحرة» للإمام الواقدي الذي خصص له كتابا منفردا أسماه «بكتاب الحرة»، كما وردت هذه الحادثة مفصلة في كتاب الإمام السيد السمهودي في مؤلفه «وفاء الوفاء» فيما يجب لحضرة المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم).

و تعرف هذه الحادثة عند أهل المدينة بيوم الحرة (1)، و الحرة المقصودة هي حرة واقم التي كانت مسرحا لأحداث تلك المعركة التي ذهب ضحيتها الكثير من أهل المدينة من الصحابة و التابعين من الأنصار و المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين.

و هذه الحادثة هي من لأواء المدينة التي وعد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بالشفاعة الخاصة له لمن صبر عليها.

الموقع العام لحرة واقم:

إن تحديد الموقع العام لحرة واقم من جميع جوانبها أمر صعب و لا يمكن الجزم بحدود ثابتة لها و خاصة من الجهتين الجنوبية و الشرقية، حيث تتصل من الجهة الجنوبية بحرة شوران أو ما تعرف بالحرة الجنوبية، و لا يوجد فاصل محدود يفصل بين كلتا الحرتين.

و قد اعتبر بعض المؤرخين أن سد وادي بطحان و مسار واديه هو الفاصل بين كلتا الحرتين، و يعتبر هذا التحديد تقريبي أيضا و لا يمكن الجزم به لأن موقع حوض سد بطحان و مساره هو عبارة عن حوض و شق طبيعي في صخور الحرة نتج من التغيرات الناتجة في طبيعة الصخور نتيجة تعرضها لنار البركان الذي أصابها عام 654 ه/ 1256 م فاعتبر أولئك المؤرخون أن هذا الفاصل هو الحد بين الحرة الجنوبية المعروفة اليوم بحرة شوران و بين حرة واقم المعروفة بالحرة الشرقية من الجهة الجنوبية.

أما تحديد حرة واقم من الجهة الشرقية فقد حددها بعض المؤرخين بأنها تمتد

____________

(1) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 335).

464

(9) (حرة واقم) الموقع التقريبي لحرة واقم المعروفة اليوم بالحرة الشرقية من خلال أحد المخططات العامة للمدينة المنورة (1).

من شرقي البقيع و على بعد مائتي متر و تنتهي قرب مهد الذهب بمسافة مائة و عشرين ميلا، و منهم من حددها بنهاية مسار وادي حضوضاء الذي يشق الحرة من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي فيفصل حرة المدينة (حرة واقم) عن الحرتين المعروفتين بحرة القفيق و حرة الناعمة.

و من المؤرخين من تركوا تحديد هذه الحرة من هذه الجهة مفتوحا فذكروا أنها الواقعة في شرقي المدينة المنورة، أما من الجهة الشمالية فتنتهي حرة واقم عند طرف حرة العريض و منطقة الزهرة، و يمكن تحديد هذه المنطقة تقريبا بالجزء الأيمن لطريق المطار لسالك هذا الطريق في اتجاه الشمال الشرقي. و تمتد بعض أجزاء هذه الحرة إلى جهة الشمال حيث تتجاوز طريق المطار لتصل إلى أجم الشيخين.

أما من الجهة الغربية فيمكن القول بأن حدود الحرة غير منتظمة فتقترب و تبتعد على هيئة خط ملتو، و تكون هذه الحرة في أقرب ما تكون إلى مركز المدينة «الحرم النبوي الشريف» من جهة شرق البقيع حيث لا تبعد عن البقيع بأكثر من مائتين و خمسين مترا تقريبا حيث حدودها تقع عند مزرعة الأخوين للسيد إبراهيم رفاعي (رحمه الله) و بجواره ربوة الحرة التي أقيم عليها مسجد البغلة (أو ما يعرف بمسجد بن ظفر) و هو أحد حدود ألسن هذه الحرة من هذه الجهة. ثم تبدأ هذه الحرة في الابتعاد كلما اتجهنا جنوبا أو شمالا. و في «الدر

____________

(1) صورة مصغرة من أحد المخططات العامة للمدينة عام 1977 م (أمانة المدينة المنورة).

465

الثمين»: (أن حرة واقم من الحرة الشرقية و تبدأ من بطحان حتى أجم الشيخين) ... إلى أن قال: (و تمتد هذه الحرة من شرقي البقيع بمائتي متر حتى قرب مهد الذهب بمسافة مائة و عشرين ميلا) (1). و قد أشار المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى حدود عامة لهذه الحرة فقال: (و هي الحرة الواقعة شرقي المدينة المنورة و تحد المسجد النبوي من الجهة الشرقية) (2).

و يطالعنا مؤرخ المدينة السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) بوصف لحدود هذه الحرة في زمن تأليفه لكتابه فيقول: (تقع حرة واقم في الشرق عن المسجد النبوي الشريف للشمال قليلا و بدؤها من الجنوب في خط الشارع الممتد من جدار البقيع الشمالي ثم يقسم الطريق مخزن للبلدية فتأخذ عن الشارع الشمالي عن المخزن و يمضي الطريق في نحو كيلو عن المسجد النبوي الشريف متعرجا إلى الشمال الشرقي ثم يأخذ في اتجاه الشرق فيكون مسجد الإجابة على يسار الذاهب إلى دشم فإذا وصل الحرة وصل دشم و هي أول منازل عبد الأشهل من الجنوب.

أما أوسط حرة واقم فالطريق إليه إذا خرجت من المسجد النبوي الشريف من باب عبد المجيد و تجاوزت شارع السنبلية يكون أمامك مفترق الطرق و عليها (10) (حرة واقم) مخطط يدوي قديم يوضح بعض حدود حرة واقم و حرة الوبرة و علاقتها بالمسجد النبوي الشريف و قد ربط هذا التحديد ببعض المعالم و الآثار الثابتة (3).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 138).

(2) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 233).

(3) وضع هذا المخطط و رسمه و صححه المؤرخ السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى).

466

جندي المرور فتأخذ في الشارع الممتد شمالا إلى مقدمة الطرق عند مسجد أبي ذر فينعطف الطريق إلى الشرق فتترك هذا و تتجه شمالا حيث يدخل بك إلى خيف الصدقة و في أول الشارع على يمينك نخيل محبت، و على يسارك نخيل آل البيتي و أمامك السقافية و منها تأخذ الطريق الأوسط حتى تخرج الحرة شرقا و أما نهاية واقم ففي بني عبد الأشهل.

فإذا وصلت إلى مفترق الطرق في شمال مسجد أبي ذر تتجه شمالا بدون انعطاف يقابلك زقاق تدخل منه إلى الشرق ثم إلى الشمال الشرقي حتى ينتهي في مرتفع الحرة حيث نجد مسجد القرصة) (1).

و يلاحظ أن وصف السيد إبراهيم العياشي قد ذهبت معالمه اليوم و ذلك إما بالإزالة أو بالتغيرات التي طرأت على المنطقة بشكل عام، و يلاحظ أن هذا الوصف يحدد لنا حدود هذه الحرة عند بدايتها من الجهة الغربية (شرقي الحرم النبوي الشريف) و حتى مرتفع الحرة حيث منطقة مسجد القرصة.

و للمطلع على المصورات الجوية القديمة يلاحظ أن حرة واقم عبارة عن حرة كبيرة تمتد من الجنوب إلى الشمال ثم تنحرف نحو الشرق لتتصل بالحرة الكبرى شرقي المدينة المنورة، و يمكن القول على سبيل التقريب أن حرة واقم تنحصر أفقيا بين المحورين رقم 2713250 شمالا و بين المحور الأفقي الجنوبي رقم 2699000 أما من الجهة الرأسية فيمكن القول تجاوزا أن هذه الحرة تنحصر بين الإحداثي الرأسي الغربي رقم 563000 و الإحداثي الشرقي رقم 593000 أي أن طول هذه الحرة من الشمال إلى الجنوب تقدر بحوالي أربعة عشر كيلومتر تقريبا، في حين تمتد نحو الشرق لأكثر من أربعين كيلومتر تقريبا.

و هذا التحديد على أساس أن حدود هذه الحرة من الشمال بنهاية حرة العريض و حرة الزهرة إلى طريق المطار و جنوبا بالشق الطبيعي لقاع و مجرى وادي بطحان، أما غربا فمن حرة بني ظفر بالقرب من بستان الأخوين على بعد حوالى مائتين و خمسين مترا تقريبا من سور البقيع الشرقي، و أما شرقا فبمسار وادي وقيعان حضوضاء التي تفصل الحرة هناك عن الحرة الكبرى.

و يتغير اسم هذه الحرة في هذه الجهة حيث تسمى الحرة الشمالية بحرة القفيف و حرة ناعمة و هي الحرة المجاورة لها من الجهة الجنوبية، و تشرف كلتا هاتين الحرتين على مسار وادي حضوضاء من الشرق، في حين تشرف حرة واقم (الحرة الشرقية) عليه من الغرب، و ينحدر وادي حضوضاء في الأصل من وادي الشعبة.

____________

(1) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 334).

467

و على هذا فيكون تحديد عرض هذه الحرة من الجهة الشرقية و الذي أشار إليه الأخ غالي الشنقيطي في «الدر الثمين» بقوله: (و تمتد هذه الحرة من شرقي البقيع بمائتي متر حتى قرب مهد الذهب بمسافة مائة و عشرين ميلا) يعني أنه أدخل مع حرة واقم كلا من حرتي القفيف و ناعمة، بينما في الحقيقة أن كلتا الحرتين ناعمة و القفيف ليست من حرة واقم بل هما أحد الحرات المكونة للحرة الأم و المعروفة بحرة رهط و الممتدة إلى الطائف إلى جهة الجنوب و الشرق.

الوصف الطبيعي لحرة واقم:

تعتبر حرة واقم من الحرات الطبيعية التي تمتعت بحصانة طبيعية يصعب على أي سالك اقتحامها أو السير فيها لما تميزت به هذه الحرة من كثرة الصخور و الحجارة الناتجة من تدفق الحمم البركانية السوداء التي غطت هذه الحرة.

و قد تميزت هذه الحجارة بالتشكيلات المختلفة سواء في الحجم أو الشكل فتكثر الحجارة ذات الرؤوس الحادة، و هي صغيرة الحجم في الغالب فيما عدا التكوينات البركانية الكبيرة و التي تتوزع عند مناطق فوهات البراكين فقط.

و تتميز طبيعة هذه الحرة بأنها أرض منبسطة تغطيها الحجارة البركانية و لا تحتوي إلا على القليل من القيعان و البرك السطحية فيما عدا بعض القيعان و الشقوق العميقة التي تجري من خلالها بعض الأودية و الشعاب.

و هذا مخالف تماما لطبيعة حرة الوبرة المعروفة اليوم بالحرة الغربية و التي احتوت على الكثير من القيعان و البرك نتيجة التباين الكبير بين المناسيب المختلفة لطبيعة التكوين الصخري لهذه الحرة و التي لم تتعرض أصلا لأي حريق أو (11) (حرة واقم) صورة تمثل بعض التشكيلات الصخرية البركانية داخل مجاري الشعاب.

468

(12) (حرة واقم) صورة تمثل بعض التشققات و الشروخ العميقة داخل قطع الصخور البركانية.

(13) (حرة واقم) تشكيلات مختلفة من الصخور البركانية الحادة التي يصعب السير من خلالها.

(14) (حرة واقم) نماذج و أشكال مختلفة من الصخور البركانية المنتشرة في أعالي الحرة.

بركان، كما حصل بالنسبة لحرة واقم التي صهرت فيها الصخور و سالت على الأرض على هيئة سيل من الحمم البركانية الملتهبة و التي تجمدت على هيئة قشرة سميكة من الصخور البركانية ساهمت في انبساط الحرة مع ظهور بعض التشكيلات الصخرية المختلفة حول الجبال و الهضاب العالية التي ظهرت بلونها الأحمر المميز.

بينما تحاط من الأسفل بطبقة صخرية سوداء بركانية ناتجة من انصهار الصخور و إحاطتها بتلك الجبال و الهضاب.

و تتميز الصخور البركانية لهذه الحرة بالكثير من التشكيلات و التكوينات المختلفة فظهرت بينها الكهوف و التجاويف و الشقوق و الأخاديد العميقة التي تجمعت فيها مياه الأمطار المنحدرة من الأجزاء العليا من الحرة مع ما يهبط من قمم و أعالي الجبال و الهضاب المنتشرة داخل هذه الحرة و خاصة في الأجزاء الغربية و المشرفة على طريق المطار و تقاطعها مع الطريق الدائري الثالث.

و تعتبر جميع الأخاديد و الشقوق مسارات مؤقتة لما ينحدر إليها من مياه حيث لا تلبث أن تتسرب بعض هذه المياه داخل شقوق و فراغات الحرة فتتغذى الطبقة الجوفية في هذه الأجزاء بينما تظهر بعض عيون صغيرة من هذه الحرة تسيل بالماء لفترات تتراوح بين الشهرين و الستة شهور، و قد عرفت هذه العيون بعيون بن لادن، و تنحدر مياه هذه العيون إلى وادي العاقول الذي يغير مساره نحو الغرب ليسمى بعد ذلك بوادي قناة، و تزيد مياه هذه العيون عند فيضان سد وادي العاقول، و عندها يستمر تدفق هذه العيون لأكثر من سنة.

و تعتبر حرة واقم أو الحرة الشرقية حرة جوفاء تخزن بداخلها كميات كبيرة من المياه، فتصبح بذلك مخزنا طبيعيا للمياه يمكن الاستفادة منها من خلال حفر الآبار و الاستفادة بمياهها عند الحاجة.

و حبذا لو تقوم أمانة المدينة المنورة بتنظيف الحرة و إزالة المخلفات الهائلة التي رماها الجهلاء من الناس و التي قد تؤدي إلى سد مسامات و مراوي الحرة، كما أن هناك الكثير من الأتربة و الرمال التي غطت أجزاء كبيرة من الحرة نتيجة فتح مسار الطريق الدائري الثالث، و التي قد تتسرب إلى داخل مسامات الحرة مع تساقط الأمطار، و بالتالي تؤدي إلى سد هذه المسامات و عندها تفقد الحرة أهميتها كمخزن طبيعي للمياه.

و تتميز صخور حرة واقم البركانية بأنها خفيفة الوزن تكثر فيها الحجارة المعروفة بالخفخاف و هي الحجارة التي تشبه الإسفنج لكثرة المسامات و الفراغات و التجويفات الهوائية حتى أن بعض هذه الصخور يمكن كسرها باليد المجردة.

و من أهم الأودية التي تنحدر من هذه الحرة وادي مهزور الذي يتشعب في‏

469

(15) (حرة واقم) تشكيلات و أحجام مختلفة من حجارة الحرة البركانية و قد ملأت سفح الجبل.

(16) (حرة واقم) نماذج لبعض أشكال الحجارة البركانية و تظهر الفراغات و المسامات الكثيرة داخل تلك الصخور.

الحرة حتى يتصل جزء منه بوادي مذينب الذي يتصل بوادي بطحان الذي ينحدر نحو الشمال ليلتقي بوادي العقيق حيث يصبان في الغابة (1).

و قد تعرض بعض المؤرخين و الكتاب إلى وصف هذه الحرة من جوانب عديدة، فتناولها الدكتور خليل السامرائي من حيث حصانتها و منعتها فيقول عند حديثه عن حفر الخندق: (حفر الخندق لحماية الأجزاء الشمالية المكشوفة من المدينة، أما الأجزاء الأخرى فكانت تتمتع بحصانة طبيعية حيث تمتد حرة واقم من الشرق و حرة الوبرة من الغرب و تتكاثف أشجار النخيل من الجنوب، و كان سائر أنحاء المدينة- ما عدا الشمال- مشبكا بالبنيان فهي كالحصن) (2).

و في «الدر الثمين» يصف المؤلف هذه الحرة اليوم فيقول: (أما الحرة الشرقية اليوم فهي مدينة مزدهرة بالقلل و القصور و الحدائق و الطرق و الميادين و المراكز الحيوية للأمن و الصحة و التعليم و الأفران و المطاعم و الأسواق و محطات الوقود و قصور الأفراح، و ذلك نتيجة للأمن و الرخاء الذي تنعم به هذه البلاد في ظل المملكة العربية السعودية و في ظل الملك المسلم فهد بن عبد العزيز حفظه الله و أدام توفيقه) (3).

أما اليوم فتعتبر حرة واقم (الحرة الشرقية) أحد أحياء المدينة المنورة الجديدة المخططة و التي نظمت بها الكثير من المخططات المعتمدة كمخططات الحرة الشرقية 86 ه و مخططات المنح و مخطط الإسكان الشعبي و مخطط علي سعد (17) (حرة واقم) قطعة صخرية سوداء اللون مسامية التكوين تظهر عليها التأثيرات البركانية المختلفة.

____________

(1) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 58).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 66).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 139).

470

الأحمدي و مخطط الديولي و مخطط عطية المزيني، و مخطط نغيمش الأحمدي و مخطط محمد طالب حكيم، و مخططات الدخل المحدود خلف الإسكان و مخطط القثمي، و مخطط حي الملك فهد و مخطط المنح بالعاقول و مخطط الحصين، و مخطط ناصر الشريف و مخطط علي الشريف و مخطط المطلق و مخطط المحيسن ...

هذا إلى غير ذلك من المخططات الأخرى، كما تم فتح مجموعة من الطرق و الشوارع الرئيسية المهمة كطريق الملك عبد العزيز و امتداده حتى الطريق الدائري الثالث (طريق الملك خالد).

كما شقت هذه الحرة بمسار الطريق الدائري الثاني الذي أحاط المدينة إحاطة السوار بالمعصم، هذا بالإضافة إلى الكثير من الطرق و الشوارع الأخرى التي أسهمت في التطور العمراني و التقدم الحضري لهذه الحرة و في وقت سريع، و قد تم إنشاء الكثير من مباني المرافق و الخدمات العامة داخل هذه الحرة حتى أصبحت اليوم من أحدث أحياء المدينة المنورة و أكثرها تخطيطا و تنظيما، فانتشرت الحدائق و أقيمت مباني الدوائر الحكومية و المجمعات السكنية و التجارية و الترفيهية، و شجعت الزراعة فانتشرت المزارع و بساتين النخيل عند منخفضات الحرة و بقرب مجرى وادي قناة و وادي مهزور و مذينب.

(18) (حرة واقم) نماذج لبعض القطع البركانية بأحجامها و ألوانها المختلفة.

471

ما جاء في حرة واقم من الشعر:

لقد وردت هذه الحرة في بعض قصائد الشعراء فقيل فيها الشعر، و قد كان ذكر هذه الحرة قد ورد ضمن ذكر و تسجيل الحوادث و افتخار القبائل بذكر آطامهم و حصونهم التي أقيمت على هذه الحرة، فكانت الحرة من أكثر مناطق المدينة حضارة فانتشرت الآطام و بنيت الحصون و أقيمت المزارع و البساتين، فهذا أطم واقم العظيم الذي كان لحضير بن سماك و له يقول شاعرهم:

نحن بنينا واقما بالحرة* * * بلاذب الطين و بالأصرة (1)

كما أورد السيد مجد الدين الفيروز أبادي ما قاله المرار يذكر حرة واقم بقوله:

بحيرة واقم و العين صعر* * * ترى للحي جماجمها تبيعا (2)

و في حادثة الحرة ذكر الشعراء هذه الحرة فربطوها بتلك الأحداث الأليمة، و قد أورد السمهودي أبياتا لعبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم تذكر هذه الحادثة فقال أبياتا نذكر منها قوله:

فإن تقتلونا يوم حرة واقم‏* * * فنحن على الإسلام أول من قتل‏

فإن ينبح منها عائذ البيت سالما* * * فكل الذي قد نابنا منكم جلل‏

قال السيد السمهودي، و يعني بعائذ البيت عبد الله بن الزبير.

كما أورد مجد الدين الفيروز أبادي أبيات لعبيد الله بن قيس الرقيات في يوم الحرة فيقول:

و قالت: لو أنا نستطيع لزاركم‏* * * طبيبان منا عالمان بدائكا

و لكن قومي أحدثوا بعد عهدنا* * * و عهدك أضغانا كبعض نسائكا

تذكرني قتلى بحرة واقم‏* * * أصبن و أرحاما قطعن شوابكا

و قد كان قومي قبل ذاك و قومها* * * قروما زوت عودا من المجد تامكا

فقطع أرحام و فضت جماعة* * * و غارت روايا الحلم بعد بكائكا (3)

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 45).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 112).

(3) «المغانم الطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 114).

472

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

473

2 حرة الوبرة (الحرة الغربيّة)

474

حرة الوبرة (الحرة الغربية):

تمهيد:

حرة الوبرة أحد حرات المدينة المشهورة، و تقع هذه الحرة في الجهة الغربية منها، و هي حرة قديمة جدا ظلت محافظة على تكوينها و تركيبها الجيولوجي و الطبيعي حتى اليوم، و تعتبر حرة الوبرة و المشهورة في المدينة بالحرة الغربية من المواقع التي نزلتها القبائل القديمة فاستفادوا من ثرواتها الطبيعية، فاستخدموا حجارتها الطبيعية في البناء و أقاموا المزارع و البساتين بين ألسن الحرة و تجاويفها، فقد نزلت بنو قينقاع من اليهود و في وسط يثرب بين العالية و السافلة، عند منتهى جسر بطحان مما يلي العالية، و قد كانت منازلهم محصورة بين حرة الوبرة (الحرة الغربية) و حرة مشربة أم إبراهيم من الشرق، كما كانت بين قباء من الجنوب و بين قربان من الشمال‏ (1).

كما يشير السيد أحمد العباسي إلى نزول بعض قبائل الخزرج و بطونهم الذين استوطنوا بحرة الوبرة إلى بطحان و أقاموا بها الآطام فيقول: (و نزل بنو بياضة و زريق ابني عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأكبر، و بنو حبيب بن عبد حارثة بن مالك، و بنو غزارة و هم بنو كعب بن مالك، و بنو كعب بن مالك و بنو الأجدع و هم بنو معاوية بن مالك بدار بني بياضة شامي بني سالم ممتدة بالحرة الغربية إلى بطحان قبلي بني مازن و كان بها نحو عشرين أطما) (2).

كما نزلت على هذه الحرة بنو ليث بما فيهم بنو أحمر بن ليث، و بنو عمرو بن معمر بن ليث، و بنو قيط بن يعمر بن ليث و بنو عتوارة بن ليث غربي المدينة ما بين وادي بطحان إلى الحرة غربي دار كثير بن الصلت بعد عصر النبوة «أي في قبلة مسجد المصلى» (3).

____________

(1) «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد السيد الوكيل- (ص 44).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 50).

(3) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل محمد السامرائي و ثامر محمد- (ص 55).

475

(1) (حرة الوبرة) صورة للمسجد النبوي الشريف من مبنى مرتفع في حرة الوبرة، و تعتبر هذه الحرة أقرب الحرات إلى المسجد النبوي الشريف.

(2) (حرة الوبرة) صورة لبعض المباني و المساكن العشوائية الكثيرة التي بنيت على حرة الوبرة شملت معظم أجزائها.

كما يشير الدكتور خليل السامرائي في المظاهر الحضرية أن القواقل قد نزلوا على طرف الحرة الغربية «الوبرة» غربي وادي الرانوناء الذي به مسجد الجمعة الذي شيد بعد الهجرة (1).

كما نزلت بنو المصطلق على هذه الحرة فكانت منازلهم بعد عصر النبوة، و بنو المصطلق هم بنو سعد بن عمرو أخوة كعب بن عمرو رهط جويرة بنت الحارث زوج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قد كانت هذه المنازل على ظاهر الحرة «حرة بني عضدة» إلى أدنى دار عمر بن عبد العزيز الذي شيد بعد عصر النبوة بالثنية إلى دار الخرازين، أي أن منازلهم كانت في الحرة الغربية (2).

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى أن منازل بني سلمة كانت بطرف حرة الوبرة من الجهة الشمالية، و من أسفل طرفها الغربي قصر عروة (3).

و قد أقيمت على طرف هذه الحرة الكثير من القصور و المزارع و البساتين في عصر الدولة الأموية فانتعش العمران فكانت تنمية و حضارة وادي العقيق المعروفة، و وادي العقيق كما هو معروف ينحدر في حرة الوبرة من الجنوب إلى‏

____________

(1) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل محمد السامرائي و ثامر محمد- (ص 23).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل محمد السامرائي و ثامر محمد- (ص 55).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 453).

476

الشمال فيخترق الحرة و يفصلها إلى جزأين الجزء الشرقي و هو الأكبر و الجزء الغربي و هو عبارة عن شريط صغير سرعان ما ينتهي بعضها عند جبال الجماوات فيما تمتد الأخرى على جانبي وادي العقيق و غربيه حتى طريق السلام فتشمل منطقة مسجد القبلتين و العنابس و ما حولها.

و يحدثنا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن أسماء أهم تلك القصور التي أقيمت على وادي العقيق في تلك الفترة فيقول: القصور الواقعة بطرف حرة الوبرة إلى بئر رومة: (1):

1- قصر عروة بن الزبير بقرب بئره.

2- قصر المراجل.

3- قصر سكينة بنت حسين المسمى بالزينبي.

4- قصور متتابعة لإسحاق بن أيوب.

5- قصور أخرى لبعض الأعيان.

6- قصور ابنة المرازقي الزهرية.

7- منازل جعفر بن إبراهيم الجعفري.

و بهذه الحرة موقع ثنية الوداع التي تعرف بثنية الوداع الجنوبية و بطرفها الشمالي مسجد القبلتين، و بطرفها الجنوبي الغربي توجد المزارع و البساتين و موقع أطم الضحيان و قلعة قباء.

و يشير السيد عبد القدوس الأنصاري إلى بعض معالم هذه الحرة فيقول:

(و بهذه الحرة المدرج الذي يقال إنه ثنية الوداع أيضا، و إذا صح ذلك فتكون كذلك بالنسبة للمسافر إلى مكة، بطرفها الشمالي الشرقي منازل بني سلمة، و من تحت طرفها الغربي قصر عروة و بئره و مزارعه و بعض قصور العقيق، و بطرفها الشمالي مسجد القبلتين، و هي إحدى اللابتين اللتين تحدان حرم المدينة كما سبق ذكره، و بطرفها الجنوبي الغربي البساتين النضرة، و أطم الضحيان، و قلعة قباء التي لا تزال شامخة و شاخصة للعيان) (2).

و في «الدر الثمين»: (أن حرة الوبرة تمتد من الشمال في ديار بني سلمة بالقبلتين إلى وادي رانوناء في الجنوب من غربي العصبة إلى الجنوب) (3).

و قد قسم المؤرخون و الكتاب هذه الحرة إلى ثلاثة أقسام أساسية حددوها بالطرف الشمالي و الطرف الأوسط و الطرف الجنوبي، بما فيها من معالم و آثار ميزت كل جزء عن الآخر، و قد جاء هذا التحديد كما يلي:

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- السيد عبد القدوس الأنصاري- (ص 222).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 212).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 235).

477

1) حرة بني سلمة في منطقة القبلتين، و فيها منازلهم و مقبرتهم التي ورد التنويه بفضلها في آثار نبوية سنذكرها إن شاء الله تعالى عند الحديث عما جاء في هذه الحرة من الأحاديث و الآثار.

2) القسم الأوسط من هذه الحرة، و يطلق عليه اسم حرة الوبرة الوسطى، و هي من العنابس غربا إلى جبلي الأصيفرين شرقا.

3) الحرة الجنوبية و تعرف بحرة بياضة و هم حي من الأنصار سميت بهم تلك الناحية من الحرة و هي الناحية التي أوقف فيها الصحابي الجليل عبد الله بن عبد الله بن أبي والده عبد الله بن أبي عند رجوع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من غزوة بني المصطلق‏ (1).

حرة الوبرة في اللغة:

الحرة: هي الحجارة السوداء مع ارتفاع عن السهل دون علو الجبل‏ (2).

و قال مجد الدين الفيروز أبادي «حرة الوبرة» محركة، و بعضهم جوز تسكين الباء، و هي حرة على ثلاثة أميال من المدينة (3).

(3) (حرة الوبرة) الموقع التقريبي لحرة الوبرة المعروفة بالحرة الغربية من خلال أحد المخططات العامة للمدينة المنورة (4).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 239).

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 114)/ «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- ص 302.

(4) صورة مصغرة من أحد المخططات العامة للمدينة عام 1977 م (أمانة المدينة المنورة).

478

(4) (حرة الوبرة) بعض نماذج من المباني الكثيرة المنتشرة على الحرة الغربية بجوار جبل سلع.

(5) (حرة الوبرة) انتشار المناطق المبنية على الحرة الغربية بشكل واسع حتى كادت أن تغطي معالم جبل سلع‏ (6).

كما أشار السيد السمهودي إلى هذا المعنى في اللغة فقال: (حرة الوبرة محركة، و جوز بعضهم سكون الموحدة، و هي على ثلاثة أميال من المدينة) (1).

و في «القاموس المحيط» للفيروز أبادي: (الحرة أرض ذات حجارة نخرة سود، جمعها حرار و حرات .... إلى أن قال: و الوبرة و الوبر من أيام العجوز و دوابه كالسنور، و الوبر محركة صوف الإبل و الأرانب و جمعها أوبار و هو وبر و أوبر و هي وبرة و وبراء) (2).

و الوبر هو المعروف بصوف الإبل، و منها ما ورد في الأثر «الحكمة في أهل الغنم و الغلظة في أهل الوبر» أي في أهل الإبل.

ما جاء في التسمية بحرة الوبرة:

أطلق اسم حرة الوبرة على الحرة الغربية للمدينة المنورة بشكل عام بينما أطلقت حقيقة على الجزء الأوسط منها إلا أن شهرتها لما احتوت عليه من المعالم و المآثر المهمة جعلها تطلق على مجمل الحرة الغربية بكاملها.

و للحرة الغربية عدة مسميات أطلقت على بعض أجزائها نسبة إلى بعض القبائل التي نزلت بها فيقال للحرة التي عند مسجد القبلتين حرة بني سلمة نسبة إلى منازل بني سلمة و مقبرتهم عندها، كما أطلق على الجزء الجنوبي من الحرة بحرة بياضة نسبة إلى بني بياضة و هم حي من الأنصار نزلوا هذه الحرة و سكنوها.

و تعرف حرة الوبرة بحرة الوبرة الوسطى نسبة لموقعها من الحرة الغربية، و تعرف هذه الحرة اليوم بالحرة الغربية، و هو الاسم الشائع في المدينة اليوم، و في «الدر الثمين»: (و تقع الحرة الغربية بغربي المدينة المنورة، و كانت هذه الحرة يطلق عليها «حرة الوبرة») (3).

كما يشير مؤلف كتاب المدينة اليوم إلى أن للمدينة حرتان أو لابتان و هما الحرة الشرقية و تسمى حرة واقم، و الحرة الغربية و تسمى حرة الوبرة (4).

قال السمهودي: و يقال لموضعه- أي موضع حرة الوبرة- خيف حرة الوبرة، و قال الهجري: مزارع عروة و قصوره في حي الوبرة (5).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1189).

(2) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 476، 630).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 235).

(4) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 32).

(5) المصدر السابق نفسه.

(6) هذه الصورة للمناطق المبنية في الحرة الغربية قبل تطبيق المخططات التطويرية الجديدة.

479

(6) (حرة الوبرة) خريطة أثرية للمدينة المنورة تحدد موقع حرة الوبرة و علاقتها بحرة واقم و مركز المدينة (1).

(7) (حرة الوبرة) صورة لحرة الوبرة من الجهة الشمالية، و يظهر مسجد العنبرية وسط التكوين العمراني الكبير.

و لم أجد في المصادر التي اطلعت عليها سبب تسمية هذه الحرة بحرة الوبرة، فلعل مصدر هذه التسمية قد جاء من كثرة رعي الإبل على هذه الحرة و خاصة أنها ذات زرع و شجر عرفت بها منذ القدم.

ما جاء في حرة الوبرة من الأحاديث و الآثار:

تعتبر حرة الوبرة إحدى الحرتين اللتين تحددان حرم المدينة المنورة من الشرق و الغرب، و تمثل حرة الوبرة حد حرم المدينة من الجهة الغربية، و هي المقصودة بإحدى اللابتين الواردة في الأحاديث النبوية الشريفة و التي سبق ذكرها فيما جاء من الأحاديث و الآثار في حرات المدينة و حرة واقم، و قد أورد ابن سعد في طبقاته قصة أهبان الأسلمي مكلم الذئب و الذي كان يرعى غنمه في حرة الوبرة مع الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال:

(قال و كان محمد بن عمر يقول: مكلم الذئب أهبان بن أوس الأسلمي، و لم يرفع في نسبه. قال و كان يسكن يين، و هي بلاد أسلم، فبينا هو يرعى غنما له بحرة الوبرة فعدا الذئب على شاة منها فأخذها منه فتنحى الذئب فأقعى على ذنبه، قال: ويحك لم تمنع مني رزقا رزقنيه الله؟ فجعل أهبان الأسلمي يصفق بيديه و يقول: تالله ما رأيت أعجب من هذا، فقال الذئب: إن أعجب من هذا رسول الله، (صلى اللّه عليه و سلّم)، بين هذه النخلات، و أومأ إلى المدينة. فحدر أهبان غنمه إلى المدينة و أتى رسول‏

____________

(1) خريطة أثرية- للمؤلف الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ملحقة بكتابه آثار المدينة المنورة.

480

(8) (حرة الوبرة) نماذج لبعض المباني و المسلحات الحديثة التي غطت الأجزاء الشرقية من حرة الوبرة.

(9) (حرة الوبرة) تزاحم بين المباني العشوائية القديمة و المباني الحديثة، و التي غطت معظم معالم حرة الوبرة من الجهة الشمالية.

481

الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فحدثه فعجب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لذلك و أمره إذا صلى العصر أن يحدث به أصحابه ففعل، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): صدق في آيات تكون قبل الساعة.

قال، و أسلم أهبان و صحب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و كان يكنى أبا عقبة، ثم نزل الكوفة و ابتنى بها دارا في أسلم، و توفي بها في خلافة معاوية بن أبي سفيان و ولاية المغيرة بن شعبة) (1).

و يشير السيد السمهودي إلى قصة خروج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و إدراكه لرجل كان مشركا على حرة الوبرة فقال: (و لهذا صح في «مسلم» عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر عنه جرأة و نجدة، ففرح أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) حين رأوه، فلما أدركه قال: يا رسول الله جئت لأتبعك و أصيب معك، قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): تؤمن بالله و رسوله. قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة- أي بذي الحليفة- أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كما قال أول مرة، قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة، تؤمن بالله و رسوله، قال: نعم، قال له رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) فانطلق) (2).

و على هذه الحرة يقع مسجد القبلتين الذي جاء في موضعه قصة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في تحويل القبلة.

فقد ورد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جاء يعزي أم بشر امرأة من بني سلمة مات ابن لها، و عزمت عليه أن يقيل عندها و من معه من أصحاب، فذبحت له عناقا (جفرة) و تغدى عندها، فأدركته صلاة الظهر فقام يصلي هو و أصحابه في بيتها متوجهين إلى بيت المقدس، و بعد قيامه للركعة الثالثة نزل عليه الوحي بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام فاستدار (صلى اللّه عليه و سلّم) بوجهه إلى الجنوب و استدار أصحابه حتى صاروا خلفه، فقد صلى نصف هذه الصلاة إلى بيت المقدس و النصف الآخر إلى بيت الله الحرام.

و بعد ذلك طلب بنو سلمة من أم بشر أن تبيعهم هذه الدار ليتخذوها مسجدا لصلاة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فيها فوهبتها لهم، فبنوا فيه مسجدهم الذي أطلق عليه بعد مسجد بني سلمة اسم «القبلتين» الذي نزلت آية تحويل‏

____________

(1) «الطبقات الكبرى»- ابن سعد- (4/ 309).

(2) «وفاء الوفاء»- السمهودي- (4/ 1189، 1190).

482

(10) (حرة الوبرة) إزالة الطبقات الصخرية من وجه الحرة تمهيدا لتخطيط بعض أجزاء منها.

القبلة في مكانه قال تعالى: (قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: 44).

و في الطرف الجنوبي للحرة الغربية و المعروفة بحرة بني بياضة حصلت قصة عبد الله بن عبد الله بن أبي مع أبيه عبد الله بن أبي، حينما قال عبد الله بن أبي: (سمن كلبك يأكلك، و الله لو منعنا عنهم فضلات طعامنا لتفرقوا عن صاحبهم- يعني رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ...).

و قد أورد مؤلف «الدر الثمين» هذه القصة بقوله: تخاصم غلام من المهاجرين و آخر من الأنصار و سمع ذلك عبد الله بن أبي فقال: عجيب! سمن كلبك يأكلك و الله لو منعنا عنهم فضلات طعامنا لتفرقوا عن صاحبهم «يعني رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)» فو الله لو أنا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، و يعني بالأعز نفسه، و بالأذل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم).

فلما وصل الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبي في طريقه مصلتا سيفه و قال لأبيه، و الله لا تدخل المدينة حتى يأذن لك الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و حتى تعرف من الأذل أنت أم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم).

فأرسل إليه أن خل سبيل و الدك، فخلى سبيله و جاء إلى الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قال: يا رسول الله إن أبي بدا نفاقه و أظهر ما قد علمت فإن كان مقتولا فدعني أقتله فإني أخاف أن لا أطيق رؤية قاتله يمشي على الأرض، فقال له رسول الرحمة و العفو (صلى اللّه عليه و سلّم): لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. ثم أوصاه بمصاحبة أبيه في الدنيا بالحسنى‏ (1).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 239).

483

و في الجهة الجنوبية الشرقية من جبلي الأصيفرين في الجزء الأوسط من الحرة تقع منطقة النقا، و في هذه المنطقة كان الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) يقيم حدود القتل، و قد قتل فيها العرنيين الذين استوخموا المدينة، فأمرهم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يخرجوا في إبله يشربون ألبانها، فلما استصحوا غدروا براعيه ... إلى آخر القصة التي أوردناها عند حديثنا عن فيفاء الخبار في جماء تضارع.

هذا بالإضافة إلى الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في بعض المواضع و المعالم الموجودة على هذه الحرة، كما جاء في وادي العقيق الذي يقص الحرة من جنوبها إلى شمالها، و ما جاء في مسجد الفتح في أقصى شمال الحرة.

و كما جاء في بئر القراصة و قصة البستان مع الصحابي و تكثير الثمر، و سداد دين اليهودي، و كما جاء في وادي بطحان الذي يدخل الحرة في جزئها الشمالي.

و كما جاء في مسجد السقيا و بئر السقيا و مسجد المنارتين و بئر أبي عنبة و بئر زمزم، و إلى غير ذلك من المعالم و الآثار الأخرى الواقعة على هذه الحرة.

و سنذكر هذه الأحاديث و ما جاء فيها بشكل مفصل إن شاء الله تعالى كل في موضعه.

(11) (حرة الوبرة) اختلاف المناسيب و تباين المستويات أحد السمات البارزة لحرة الوبرة.

484

(12) (حرة الوبرة) بعض الأجزاء الباقية من حرة الوبرة و المعروفة بنزلة الجبور العليا.

(13) (حرة الوبرة) صورة لبعض المسطحات الطبيعية لحرة الوبرة، و تعرف اليوم بنزلة الجبور العليا.

(14) (حرة الوبرة) صورة لجزء من الطريق الدائري الثاني و قد شق الحرة من الجنوب إلى الشمال.

موقع حرة الوبرة:

تقع حرة الوبرة في الجهة الغربية من المدينة المنورة، و تمتد شمالا من ديار بني سلمة بالقبلتين إلى وادي الرانوناء في الجنوب من غربي العصبة و تمتد شرقا بقرب المسجد النبوي الشريف حتى تصل غربا إلى الجماوات حيث يشقها وادي العقيق إلى جزأين، الجزء الشرقي و هو الجزء الأكبر من الحرة، و الجزء الغربي و هو على هيئة شريط صغير سرعان ما ينتهي عند جماء أم خالد، و يستمر بعض ألسن هذه الحرة على جانبي وادي العقيق و غربيه حتى طريق السلام لتشمل منطقة القبلتين و العنابس و ما حولها.

و تنفصل الحرة الغربية أو ما تعرف بحرة الوبرة عن الحرة الكبرى و المعروفة بحرة خيبر و هي حرة عظيمة تقع في الشمال الغربي من المدينة المنورة و هي على بعد حوالي ثمانين كيلومتر تقريبا، و تنحصر حرة الوبرة تقريبا بين الإحداثيين الأفقيين رقم 2699750 جنوبا و رقم 2710750 شمالا، كما تنحصر رأسيا بين الإحداثيين رقم 558000 غربا و الإحداثي رقم 561000 شرقا.

و يقدر طول هذه الحرة من الشمال إلى الجنوب بمقدار سبعة كيلومترات تقريبا في حين لا يزيد عرض هذه الحرة من الشرق إلى الغرب بأكثر من ثلاثة كيلومترات تقريبا.

و قد أشار بعض المؤرخين و الكتاب إلى موقع هذه الحرة، فتناولوا موقعها من عدة جهات فمنهم من أشار إلى موقع هذه الحرة من المدينة، و منهم من أشار إلى بعدها عن المسجد النبوي الشريف و علاقتها بحرة واقم و منهم من ربط موقعها بالمعالم و المآثر المهمة، ففي المغانم المطابة لمجد الدين الفيروز أبادي أشار إلى موقع هذه الحرة بقوله: (و هي حرة على ثلاثة أميال من المدينة) (1).

ثم يشير مجد الدين إلى علاقتها بحرة واقم فيقول: (حرة الوبرة غرب المدينة و هي اليها أقرب من حرة واقم، و تحد الحرم من الغرب، و بطرفها الشمالي منازل بني سلمة و من تحت طرفها الغربي قصر عروة) (2).

و في آثار المدينة: (حرة الوبرة تقع بضاحية المدينة الغربية، و هي أقرب إلى المدينة بالنسبة لحرة واقم) (3). و قال السيد السمهودي: (و حرة الوبرة هي المشرفة على وادي العقيق) (4).

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 114).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 212).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1189).

485

(15) (حرة الوبرة) صورة لبعض التكوينات و التشكيلات الصخرية المختلفة لحرة الوبرة.

(16) (حرة الوبرة) صورة تمثل الأجزاء الجنوبية لحرة الوبرة و قد ظلت على طبيعتها حتى اليوم.

أما السيد أحمد ياسين الخياري فيشير إلى موقع هذه الحرة فيقول: (حرة الوبرة: تقع هذه الحرة غربي المدينة المنورة) ... إلى أن قال: (و هي على يسار الذاهب إلى بئر عروة بعد مروره من الزقاقين الذين بعد مسجد المنارتين) (1).

و في «الدر الثمين»: (تقع الحرة الغربية بغربي المدينة المنورة، و كانت هذه الحرة يطلق عليها «حرة الوبرة» و تمتد من الشمال في ديار بني سلمة بالقبلتين إلى‏

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 235).

486

(17) (حرة الوبرة) صورة لبعض أجزاء حرة الوبرة من الجهة الجنوبية، و يظهر تفاوت و اختلاف المناسيب.

وادي رانوناء في الجنوب من غربي العصبة إلى الجنوب) (1).

و الحرة الغربية معروفة اليوم فهي أحد الأحياء السكنية التي غطيت معظم أجزائها بالمباني العشوائية التي انتشرت عليها في أوقات مبكرة و في غياب التخطيط حتى أن هذه المباني قد تزايدت أعدادها بشكل هائل و مخيف شمل أغلب أجزاء هذه الحرة و غطى على كثير من معالمها و آثارها المهمة.

الوصف الطبيعي لحرة الوبرة:

تعتبر حرة الوبرة من الحرات الظاهرة في المدينة المنورة، و هي أقرب الحرات للمسجد النبوي الشريف، و قد تم تقسيم هذه الحرة إلى عدة مناطق و أحياء قديمة عرفت بها أجزاء هذه الحرة، و من أسماء تلك الأحياء و المناطق:

الدويمة، نزلة الجبور السفلى، نزلة الجبور العليا، الجزء الشمالي من العصبة، العنابس، السقيا، المالحة، المغيسلة و السكة الحديد إلى غير ذلك من الأحياء الأخرى التي تشكل بمجملها الحرة الغربية أو حرة الوبرة.

و تمتاز هذه الحرة بكثرة الشقوق و الأودية و التصدعات و تتناثر بها بعض من الجبال الصغيرة «كجبل الأصيفرين»، و نتيجة لكثرة الشقوق و التصدعات تكونت كثير من القيعان التي تمتلى‏ء بالمياه عند سقوط الأمطار، و في بعض شقوقها مدت الدولة العثمانية مسار خط سكة حديد الحجاز.

على الطرف الغربي لحرة الوبرة يقع قصر عروة ابن الزبير و بئره و الكثير من أطلال قصور و مباني وادي العقيق التي ازدهرت في عهد خلافة الدولة الأموية (2).

و تعتبر هذه الحرة من الحرات الوعرة جدا لوجود الاختلافات الكبيرة بين المناسيب مما ساعد على ظهور المناطق العشوائية، و كثرة المباني غير المنتظمة و التي لا تخضع لأبسط أساسيات علم التخطيط فظهرت بيئة عمرانية سيئة تخطيطا و اجتماعيا و عمرانيا، و الاتجاه الآن في أمانة المدينة المنورة إلى إعادة تخطيطها.

و تنتشر في هذه الحرة الكثير من القيعان و الأحواض الناتجة من اختلاف المناسيب، و تعتبر الأجزاء المنبسطة في هذه الحرة قليلة جدا، متناثرة و موزعة في مناطق مختلفة من الحرة، و يقع عند الاتجاه الشمالي لهذه الحرة مجموعة من الجبال المتقطعة مثل: (الحصانية، جبل فته و أم ضليع) (3).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 235).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 212).

(3) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر فاروق السيد رجب- (ص 59).

487

(18) (حرة الوبرة) صورة تمثل بعض الأجزاء العليا من الحرة و قد مدت فيها بعض الطرق و الشوارع الرئيسية.

(19) (حرة الوبرة) صورة لبعض أجزاء حرة الوبرة من الجهة الجنوبية، و قد ظلت على طبيعتها حتى اليوم.

و تعد الجماوات الثلاثة جماء تضارع و جماء أم خالد و جماء عاقر من أهم الجبال الواقعة على طرف الحرة من الجهة الغربية، و هي عبارة عن تكوينات جبلية حمراء داكنة اللون تجاور بعضها بعضا، و يقع في الشرق منها قصر عاصم بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، و سده المشهور و الذي يقع مقابلا لقصر عروة بن الزبير و بئره.

و تتكون حرة الوبرة بشكل عام من مجموعة كبيرة من الصخور التي تظهر في بعض الأجزاء كقشرة سطحية، فيما تعتلي هذه القشرة في أجزاء أخرى و بخاصة في الجزء الأوسط من الحرة مكونة بعض الهضاب و التلال الصغيرة.

488

و تتكون صخور هذه الحرة من مجموعة مختلفة فمنها الصخور البازلتية و غالبا ما تكون هذه الصخور في الأجزاء السفلى و عند أطراف الحرة و منها الصخور الصلبة المتحولة و منها الصخورا لهشة كالصخور الكلسية، و الصخور التي تكثر فيها نسبة مادة الحديد، و غالبا ما توجد هذه النوعية من الصخور بقرب وادي العقيق من الجهة الشرقية.

و تختلط صخور هذه الحرة بالكثير من صخور الجبال المتناثرة بداخلها و ذلك من خلال تساقط هذه الصخور من أعالي الجبال نتيجة لتعرضها المستمر لعوامل التعرية و ما انجرف منها نتيجة لانحدار الأودية و الشرائع من أعالي هذه الجبال، و تنحدر من هذه الحرة الكثير من الشعاب و الأودية التي يتجه جزء كبير منها إلى وادي العقيق، فيما تتجمع الشعاب الباقية داخل تجاويف و قيعان تنحصر بين ألسن هذه الحرة أقيم بداخلها المزارع و البساتين، و تكثر هذه القيعان الزراعية في منطقة العنابس و الجزء الشمالي من العصبة، و قد بدأت هذه المزارع و البساتين بالتلاشي و الاندثار شيئا فشيئا لتحل محلها المباني و المساكن الجديدة.

(20) (حرة الوبرة) المصور الجوي لجزء من المنطقة العشوائية بالحرة الغربية و يظهر جبلي الأصيفرين و قد أحيط بالمباني و المساكن العشوائية (1).

____________

(1) مجلة أمانة المدينة المنورة- إنجازات و أرقام عام 1415 ه- (ص 103).

489

و تتميز حرة الوبرة بتعدد ألوان صخورها و تغلب عليها الصخور السوداء و الحمراء بدرجاتها المختلفة خاصة في الجزء الأوسط من الحرة.

و يتحد القسم الأوسط من الحرة الغربية و الذي يطلق عليه في هذا الجزء حرة الوبرة من منطقة العنابس غربا إلى جبلي الأصيفرين شرقا و هما جبيلان صغيران لونهما أحمر داكن، متقاربان يفصل بينهما ممر أصبح طريقا معبدا اليوم.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة سابقا بتهذيب أطراف هذين الجبلين بهدف توسعة الطريق المجاورة خاصة بعد أن ازدحمت المباني حولهما، أما اليوم فقد عزمت الأمانة على إقامة حديقة كبيرة عند الجبلين لحمايتها من غزو المباني و التكسير الذي قد يؤدي إلى اختفائهما مستقبلا. و قد تطلب ذلك نزع ملكية المباني الواقعة في المنطقة و بذل ما أمكن لجعل هذه الحديقة من أجمل الحدائق.

و في الجهة الجنوبية الشرقية لهذين الجبلين توجد منطقة النقا و هي مكان اعتدال هذه الحرة و تتميز بنقاء جوها و عذوبة مائها و توجد فيها أرض الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه و الذي دخل جزء كبير منها في سور محطة السكة الحديدية اليوم‏ (1).

و بداخل هذا السور من جهته الجنوبية يوجد مسجد السقيا، ذلك المسجد المأثور، و إلى الشرق منه توجد بئر السقيا الذي كان يستعذب ماءها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قد أطلق على هذه المنطقة بالسقيا. و يوجد في هذه المنطقة محطة السكة الحديد التي تقرر بأن تكون مقرا لإدارة آثار المدينة، و يوجد بجوارها مسجد العنبرية ذلك المسجد الذي يعد من روائع منجزات السلطان عبد الحميد الذي بناه في فترة إنشاء سكة الحديد الحجازية. و في منطقة السقيا و إلى جهة الجنوب يقع مسجد المنارتين و الذي يقال إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد صلى في مكانه.

و في جنوب منطقة النقا إلى الغرب قليلا يوجد جبيل أحمر اللون عليه خزان ماء تابع لمصلحة المياه (هو جبل أنعم)، و بجواره برج قلعة قديمة بناها فخري باشا أثناء حصار الهاشميين للمدينة.

و قد تناول المؤرخون و الكتاب وصف هذه الحرة، فتناولوا هذا الوصف في جوانب مختلفة تركزت معظمها على وادي العقيق الذي يسير مشرقا إلى أن يحاذي حرة الوبرة في قسمها الذي يطلع إلى المدينة، ثم يعرج إلى الشمال و يصب في زغابة شمالي جبل أحد و هو مصب السيول‏ (2).

كما يصف الأستاذ عبد القدوس الأنصاري هذه الحرة بقوله: حرة الوبرة

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 237).

(2) «يثرب قبل الإسلام»- د. محمد الوكيل- (ص 148).

490

تقع بضاحية المدينة الغربية، و هي أقرب إلى المدينة بالنسبة لحرة واقم، و تختلف حرة الوبرة عن حرة واقم بكثرة الهضاب و التلال و المستنقعات و المنخفضات و المرتفعات، و فيها قريبا من بئر عروة بطريق مكة، بركة كبيرة مجصصة قديمة، تروى عنها قصص خلابة مع أنها في رأيي لا تعدو أن تكون واحدة من هذه البرك التي كانت تبنى في طرق الحجاج‏ (1) و تسمى بركة و بك.

و حرة الوبرة اليوم أصبحت من الأحياء السكنية الكبيرة و التي تعد أقرب المناطق إلى الحرم النبوي الشريف، و تقوم الأمانة هذه الأيام بإعادة دراسة تخطيطة لهذه الحرة تهدف إلى إيجاد المخططات التطويرية التي تساهم في تحسين البيئة السكنية و المعيشية لسكان هذه المناطق بالإضافة إلى توفير المرافق و الخدمات اللازمة التي تضمن توفير البيئة العمرانية الصالحة للسكن، و في نفس الوقت تقوم الأمانة بتشديد الرقابة على الأراضي و المناطق البيضاء من الحرة و منع إقامة أي منشآت أو مباني عشوائية جديدة، و تجدر الإشارة هنا إلى أن الأمانة قد ساهمت في تخطيط المناطق البيضاء و إعداد مخططات لذوي الدخل المحدود و توزيعها عليهم بموجب الأنظمة و التعليمات المخصصة لذلك.

(21) (حرة الوبرة) صورة مصغرة لجزء من الوضع الراهن للحرة الغربية و المتمثل بالحرة الغربية جنوب طريق السلام‏ (2).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 212).

(2) المخطط التطويري لمنطقة الحرة الغربية (الاستشاري أحمد فريد مصطفى)- أمانة المدينة المنورة.

491

كما قامت الأمانة باعتماد مجموعة كبيرة من المخططات الخاصة على هذه الحرة مما ساعد على تقليل فرصة الاعتداء أو ظهور أي مباني غير خاضعة للتخطيط و التنظيم، و من هذه المخططات على سبيل المثال: مخطط العينية، مخطط سعيد المداح، مخطط المحيسن، مخطط الهاشمية، مخطط عيسى الأحمدي، مخطط عواد الذبياني، مخطط الأركوبي، مخطط الشندي، مخطط محمد سالم النهدي، مخطط جنوب السوق المركزي، مخطط علي أبو الجود، مخطط إبراهيم كردي، مخطط بهاء الدين أسعد، مخطط عبد الكريم حمودة و الوقيصي، مخطط جمل الليل، مخطط عبد الوهاب الدخيل، مخطط الدقاق، مخطط حمزة غوث، مخطط عمر توفيق، مخطط عبد الجليل بري، مخطط زيد حامد الأحمدي، مخطط الأمانة جنوب وادي العقيق، مخطط السراني و مخطط الشيخ الحافظ، هذا إلى غير ذلك من المخططات الحديثة و التي ربطت بشبكة الطرق و الشوارع المعتمدة. و حبذا لو تقوم الأمانة بمتابعة تنفيذ هذه المخططات بما يضمن صحة تنزيلها من مواقعها و تثبيتها و تجنبا لأي أخطاء قد تؤدي لا سمح الله إلى تضارب في شبكات الطرق أو الشوارع المجاورة و المحيطة.

(22) (حرة الوبرة) صورة مصغرة لجزء من المخطط التطويري للحرة الغربية و المتمثل بالحرة الغربية جنوب طريق السلام‏ (1).

____________

(1) المصدر السابق نفسه.

492

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

493

3 حرة شوران (الحرة الجنوبيّة)

494

حرة شوران (الحرة الجنوبية):

(1) (حرة شوران) سد وادي بطحان و مجراه الطبيعي، أحد معالم حرة شوران من الجهة الشرقية.

تقع الحرة الجنوبية في جنوب المدينة المنورة، و تعرف هذه الحرة عند أغلب الناس بحرة شوران، و هي جزء من الحرة الجنوبية و تمثل الجزء الأوسط منها، و نظرا لشهرة هذه الحرة و تاريخها القديم و ما جاء فيها من أثر في الحديث الشريف اشتهرت عن غيرها من الأسماء الأخرى فأطلقها الناس على كافة أجزاء الحرة الجنوبية.

و تنقسم الحرة الجنوبية إلى قسمين (حرة معصم العليا) و تمثل الجزء الأكبر من الحرة الجنوبية، و هي أكبرها أما الجزء الثاني فيتكون من مجموعة من الحرات الصغيرة التي لها أسماء محلية. و تتمثل هذه الحرات في الجزء الأوسط و الأجزاء الغربية و الشرقية من مجمل الحرة الجنوبية، و من أشهر و أهم تلك الحرات حرة شوران، ثم يليها حرة ميطان و هي جزء منها، و الجزء الجنوبي من حرة العصبة و حرة بطحان.

(2) (حرة شوران) الموقع العام للحرة الجنوبية بين حرات المدينة (1).

____________

(1) صورة مصغرة من الخططات العامة للمدينة المنورة عام 1977 م (أمانة المدينة المنورة).

495

(3) (حرة شوران) تكثر النباتات و المراعي الطبيعية على حرة شوران و بخاصة في مسارات الأودية و الشعاب.

(4) (حرة شوران) نماذج من بعض طبقات الحرة ذات اللون الأحمر و تكثر عند وادي بطحان.

و قد أجمل بعض المؤرخين و الكتاب حرار القسم الثاني هذا فأطلقوا عليه حرة شوران، و يشير الدكتور عمر الفاروق السيد رجب إلى هذه الحرة و أقسامها فيقول: (الحرة الجنوبية تنقسم إلى قسمين «حرة معصم العليا»، و تمتد جنوبي قربان و تعلو عنها و عن قباء، ثم حرة شوران و فيها حرة ميطان، و تتصرف مياهها إلى وادي مهزور، و تتشعب مياهه إلى شعب عدة، لا تلبث أن تتجمع كلما اقتربت من أرض العوالي، و عند مشارف هذه القرية و نهاية الحرة تتحد الشعبتان الرئيسيتان لهذا الوادي فتسيلان في تعاريج حتى تحاذي مسجد مشربة أم إبراهيم، ثم تعود إلى الاتجاه الشمالي الغربي، و قد اندثرت بعض مجاري الوادي في نواحي المدينة، و سبب كثرة الأودية و التوائها وجود عدد كبير من الأحواض الصغيرة أشبه بالقيعان) (1).

و قد اختلف المؤرخون في إطلاق اسم شوران على هذه الحرة فأغلبهم مع جمهور الناس من سكان المدينة قد أطلقوه على الحرة الجنوبية فيقال: حرة شوران هي حرة المدينة الجنوبية و هي المقصودة بالحديث النبوي الشريف (بارك الله في شوران)، و من المؤرخين من أطلقوا اسم شوران على واد بالمدينة في هذه الحرة يقال له وادي ديار بني سليم، ففي «المغانم المطابة» قال مجد الدين: (و قال نفر شوران واد في ديار بني سليم، يفرغ في الغابة و هي من المدينة على ثلاثة أميال) (2).

و من المؤرخين من أطلقوا لفظ شوران على جبل في هذه الحرة يقع على يسار السالك إلى مكة عن طريق العقيق ففي «عمدة الأخبار» و كذا في «المغانم‏

____________

(1) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 59).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210).

496

(5) (حرة شوران) صورة تمثل بعض مواقع المخططات الحديثة التي تم تخطيطها في الحرة الجنوبية.

(6) (حرة شوران) صورة تمثل بعض المباني و المنشآت القديمة التي أقيمت داخل تجاويف الحرة.

المطابة»: (شوران: جبل عن يسارك و أنت ببطن العقيق تريد مكة مطل على السد مرتفع، و فيه مياه كثيرة، و عن يمينك حينئذ عير) (1).

و على العموم فوادي بني سليم يمر من داخل الحرة و يتشعب فيها، و كذلك جبل شوران هو جبل على مرتفع الحرة من الجهة الغربية و هو من حرة شوران، لذلك فإن جميع الأماكن و المعالم التي أطلقت عليها بشوران هي معالم و أماكن من حرة شوران نفسها، و على هذا فإن تسمية الحرة بحرة شوران أسلم حيث أن كل ما فيها و عليها هو من حرتها.

و يقال شوران بالفتح على لفظ سلمان، و هو اسم قديم عرفت به هذه الحرة منذ القدم، و لم أجد في المصادر التي اطلعت عليها مم اشتق هذا الاسم إلا ما أشار إليه مجد الدين الفيروز أبادي بقوله: (يحتمل أنه مشتق من شرت الدابة شورا إذا عرضتها عليّ، و لعل هذا الموضع قد كانت تعرض فيه الدواب) (2).

و قد كانت هذه الحرة معروفة زمن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قد جاء في الحديث الشريف فيما رواه الزبير بسنده عن محمد بن عبد الرحمن قال: رأى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إبلا في السوق فأعجبه سمنها، فقال: «أين كانت ترعى هذه؟ قالوا: بحرة شوران، فقال: بارك الله في شوران» (3).

و يعتبر حديث النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هو دعاء بالبركة لهذه الحرة، و هو ما كان، فقد كانت هذه الحرة من أخصب حرار المدينة ففيها الزرع و الضرع، و قد انتشرت المزارع و البساتين الكثيرة و التي لا تزال تعرف حتى اليوم بمزارع شوران، المنتشرة في أحواضها ذات المياه العذبة و التربة الخصبة و المرعى الجيد.

و قد أشارت بعض المصادر التاريخية إلى تاريخ و ماضي حرة شوران و ما نعمت به من خيرات عظيمة و زراعة فيقول مجد الدين الفيروز أبادي و المؤرخ أحمد العباسي و غيرهم فيما روي عن عرام قولهم: (و قال عرام: ليس في جبال المدينة نبت و لا ماء غير شوران فإن فيه مياه سماء كثيرة، و في كلها سمك أسود مقدار الذراع و دون ذلك أطيب سمك يكون) (4).

و تتركز الكثير من النباتات و المراعي الطبيعية على مسارات الأودية

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 350)/ «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210).

(3) لقد ورد هذا الحديث في الكثير من المصادر التاريخية، فجاء في «وفاء الوفاء» للسيد السمهودي- (4/ 1247)، كما ورد في «المغانم المطابة» لمجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210)، و ورد في «عمدة الأخبار» للسيد أحمد العباسي- (ص 350).

(4) «وفاء الوفاء» السيد السمهودي- (4/ 1247)/ «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 210)/ «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 350).

497

(7) (حرة شوران) صورة لجزء من المنتزه العام الذي تقيمه أمانة المدينة المنورة على حرة شوران.

(8) (حرة شوران) انتشار مزارع و بساتين النخيل داخل المنخفضات و تجاويف الحرة.

و الشعاب و بخاصة شعاب وادي بطحان، حيث يفد إليها الرعاة في أكثر أيام السنة، كما تعد هذه المناطق من المناطق الترفيهية لأهل المدينة يفد إليها الناس لقضاء الوقت و الفسحة و خاصة في أوقات الربيع و مواسم سقوط الأمطار.

و نظرا لخصوبة هذه الحرة و وفرة مياهها فقد قامت أمانة المدينة المنورة بحجز موقع كبير يزيد عن اثني مليون متر مربع خصص كحديقة أو منتزه عام لأهالي المدينة المنورة، و قد سلم هذا المشروع بالفعل لأحد المؤسسات الوطنية التي ستقوم بتنفيذه و جعله المنتزه الرئيسي للمدينة المنورة و ما حولها.

و تبعد حرة شوران عن مركز المدينة المنورة (المسجد النبوي الشريف) بحوالى ستة كيلومترات تقريبا نحو الجنوب، و تنحصر هذه الحرة بين الإحداثين الأفقيين رقم 2702750 شرقا و الإحداثي 2691500 غربا، كما تنحصر بين الإحداثيين الرأسيين رقم 556000 شمالا و الإحداثي 565000 جنوبا.

و يبلغ طول هذه الحرة من الشمال إلى الجنوب بمقدار أحد عشر كيلومتر تقريبا فيما لا يزيد عرضها من الشرق إلى الغرب بأكثر من ثمانية كيلومترات تقريبا، و تنتهي هذه الحرة من الجهة الشرقية بانحدار شديد نحو الشرق يجري عندها مجموعة من الأودية و الشعاب التي تنحدر من الشرق إلى الغرب حيث تتصل بوادي العقيق من جنوب جبل عير، و من ثم تتصل هذه الحرة بعد مجاري الأودية بالحرة الكبرى الأم و هي حرة رهط التي تتشعب في الجهة الجنوبية و الجنوبية الشرقية من المدينة المنورة و التي تمتد إلى مسافات بعيدة جدا يصل بعض أطرافها إلى مدينة الطائف.

و تعتبر حرة شوران من الحرات الوعرة حيث تتركز و عورتها في الجهة الشرقية و الجنوبية الشرقية منها، و بالتحديد في منطقة بطحان و ما حولها و بخاصة حول سد بطحان المشهور في الحرة.

498

(9) (حرة شوران) الطريق الدائري الثاني أحد معالم الحرة الجنوبية اليوم و هو يشق الحرة من الشرق إلى الغرب.

499

(10) (حرة شوران) صورة لبرج مياه المدينة المنورة أحد معالم هذه الحرة اليوم.

أما أجزاء الحرة الأخرى فهي منبسطة إلى حد ما، حيث تقوم اليوم عليها نهضة عمرانية كبيرة حيث انتشرت المخططات المعتمدة الجديدة و الحديثة كمخططات المنح التي تخططها و تقيمها أمانة المدينة المنورة في هذه المنطقة و التي أطلقت عليها مشكورة «مخططات شوران» تقديرا منها لأهمية هذه التسمية التاريخية القديمة لهذه المنطقة.

كما انتشرت هناك بعض المخططات الخاصة كمخطط المحمدية، مخطط الروابي، مخطط روابي العوالي، مخطط عالية، مخطط شمال عالية، مخططات الشيبية أ- ب، مخطط السديري، مخطط الرانوناء ... إلى غير ذلك من المخططات الأخرى.

و قد حظيت حرة شوران اليوم بفتح الكثير من الطرق و الشوارع المهمة التي تم اعتمادها في المخطط العام للمدينة و التي منها مسار طريق الدائري الثالث (المعروف بطريق الملك خالد)، و مسار الطريق الدائري الثاني (طريق الأمير عبد الله) الذي يشق الحرة من الشرق إلى الغرب و هو أحد الطرق الحيوية المهمة.

و كذلك امتداد طريق الجامعات و طريق صلاح الدين الأيوبي إلى غير ذلك من الطرق و الشوارع المهمة كامتداد طريق قباء و امتداد طريق الأمير عبد المحسن المعروف سابقا بطريق قربان.

كما تم تقسيم هذه الحرة إلى أحياء جديدة استخدمت في تسميتها نفس أسماء المناطق المعروفة فيها، و من هذه الأحياء حي الرانوناء، حي العصبة، حي السد، حي الحديقة و حي المناهل، و حبذا لو تقوم الأمانة بتسمية المنطقة المحيطة ببرج المياه بحي البرج نسبة إلى برج مياه المدينة المنورة، الذي يعتبر من أهم و أشهر معالم هذه الحرة اليوم.

و تعتبر حرة شوران هي حلقة الربط بين الحرة الشرقية (حرة واقم) في شرقي المدينة و بين الحرة الغربية (حرة الوبرة) في الجهة الغربية.

و تتكون الحرة الجنوبية من الصخور البازلتية في أجزائها الوسطى، بينما تتداخل هذه الصخور مع بعض الصخور البركانية السوداء في الجهة الشرقية منها، كما تتداخل مع بعض التكوينات و الصخور الحمراء الصلبة منها و الرملية في الجهة الغربية قرب وادي العقيق.

500

القسم الثالث قسم الأودية

501

مقدمة في أودية المدينة و ما يحيط بها.

وادي العقيق (الوادي المبارك).

وادي بطحان (سيل أبو جيدة).

وادي قناة (سيل سيدنا حمزة).

وادي الرانوناء.

وادي مذينب.

وادي مهزور.

502

الأودية (مجاري السيول):

تمهيد:

إن الحديث عن الأودية و مجاري السيول في المدينة المنورة يعني الحديث عن أحد أهم المظاهر في المدينة، و التي تلعب الدور الكبير في التعبير عن جملة الخصائص الطبيعية لموقع المدينة المنورة، و تحديد مظاهرها التضاريسية، فقد كونت الأودية مع ما تحاط به من جبال و حرات السمة السائدة للتكوين الطبيعي لموقع المدينة المنورة، كما أن انتشار الأودية و مجاري السيول في بقعة المدينة المنورة و ما حولها ظاهرة من مظاهرها الطبيعية السائدة.

و لقد تميزت المدينة المنورة بعدد من الأودية المهمة، منها ما هو بداخلها و منها ما يأتي من خارجها و يمر بها، و قد كان لوجود هذه الأودية و مجاري‏ (1) (الأودية) المناطق الزراعية و علاقتها بتطور و نمو الكتلة السكنية للمدينة المنورة (1).

(2) (الأودية) صورة لوادي العقيق أثناء جريانه بالقرب من جسر الجامعة الإسلامية.

____________

(1) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 240 شكل 21).

503

(3) (الأودية) وادي العقيق عند فيضانه بالمياه و قد ظهرت بعض المزارع على جانبيه.

السيول داخل المدينة الدور الكبير في انتعاش حرفة الزراعة التي عرفت بها المدينة المنورة منذ القدم، فقد كانت يثرب قبل الإسلام هي القرية المشهورة بزراعتها و نخيلها، و ما انتشار هذه الزراعة و ازدهارها إلا بفضل وجود هذه الأودية بما تحمله من مياه و تربة خصبة صالحة للزراعة ففيضان هذه الأودية و جريانها بالمياه يعني ارتفاع منسوب المياه في الآبار الجوفية و العيون.

و يشير السيد علي حافظ إلى هذه الظاهرة فيقول: (المدينة المنورة منذ أن سكنها العماليق و من قبلهم و من بعدهم حتى الأنصار و حتى يومنا هذا، و هي بلدة زراعية لتوفر المياه الجوفية في أرضها لخصوبتها، و إذا سالت السيول، العقيق و الرانوناء و بطحان و قناة غذت آبار المدينة المنورة) (1).

و تعتبر المدينة المنورة من أقدم المدن الزراعية التي عرفها التاريخ الحديث، فقد ظهرت فيها المزارع و البساتين المختلفة في أحجامها و نوعيات زروعاتها.

و تشير الروايات إلى أن العمالقة هم أول من زرع النخيل في هذه الواحة ثم تلاهم من نزلها بعدهم، و ظلت هذه المدينة المباركة مدينة زراعية معروفة و مشهورة و حتى يومنا هذا.

و يشير السيد السمهودي إلى أول من زرع فيها فيقول: (قال ياقوت: كان‏

____________

(1) «فصول من تاريخ المدينة»- علي حافظ- (ص 257).

504

(4) (الأودية) مخطط طبو غرافي يوضح مسارات الأودية في منطقة المدينة المنورة (1).

(5) (الأودية) الحرات المحيطة بالمدينة أحد أهم مصادر الشعاب و الشرائع‏ (2).

أول من زرع بالمدينة و اتخذ بها النخيل و عمر بها الدور و الآطام، و اتخذ بها الضياع العماليق و هم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح) (3).

قال السيد السمهودي: (و روى بعض أهل السيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بلغني أن بني إسرائيل أصابهم ما أصابهم من ظهور بختنصر عليهم و فرقتهم و ذلتهم تفرقوا و كانوا يجدون محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم) منعوتا في كتابهم و أنه يظهر في بعض هذه القرى العربية في قرية ذات نخل) (4).

و قد كانت يثرب معروفة آنذاك بأنها قرية ذات نخل لذا خرجت بنو قريظة و أخوانهم حتى نزلوا بيثرب فسكنوا بالعالية، على وادي مهزور بينما نزلت بنو النضير على وادي مذينب، فاحتفروا بها و زرعوا بها النخيل و الغرس و حفروا الآبار. قال السمهودي: (نقل ابن عساكر عن الواقدي أنه قال: و رأيت بالحرة شرقي النواعم آثار و حصون و قرية بقرب مذينب يظهر أنها من جملة منازلهم) (5).

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى منازل هذه القبائل و علاقتها بأودية المدينة فيقول: (كان على وادي العقيق القصور، و كان وادي رانوناء متنزها مقصودا. و على ضفتي بطحان بساتين و نخيل، و بمذينب كانت منازل بني النضير من اليهود، و على مهزور منازل بني قريظة منهم، و كان بجانب‏

____________

(1) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- (ص 235 شكل رقم 16).

(2) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (عدد 499، لعام 1413 ه ص 90).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 157).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 160).

(5) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 163).