معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
105

سفح جبل الرمانة الشمالي ثم يهبط الشعبان شمالا إلى وادي الحمض، كما تتقاطع مع هذه الشعاب بعض الطرق المتعرجة التي تنتشر في الربوة الواسعة التي تحد هذه الجبال من الشمال و يظهر في الشمال أيضا و إلى جهة الغرب قليلا جبال غزيل الكبيرة.

و أما جنوبا فيحد الجبل واحة واسعة منبسطة تجري فيها مجموعة من الشعاب تنحدر من جبال التيس جنوبا و جبال حسينة في الجنوب الغربي و جبال الروضة غربا، ثم تتجمع هذه الشعاب في شعب واحد ينحدر نحو الشمال الغربي حيث يصب في وادي ملل.

و أما شرقا فيحد الجبل واحة تنحدر نحو الشمال تجري فيها ثلاثة من الشعاب: شعب يهبط من جبل التيس الجنوبي، و شعب من هضاب جبل الرمانة الشرقية و تنحدر إلى الشمال إلى وادي الحمض، ثم يلي الأودية و الواحة ظهور جبل بخيتة الذي يحد الجبل من شرقيه. و غربا يحد الجبل مجموعة من الطرق التي تتلاقى عند سفح الجبل الغربي، و يليه جبال الروضة و وادي ملل.

جبال حسينة:

و هي جبال تقع في الجهة الغربية للمدينة المنورة، و تبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو خمسة و ثلاثين كيلومتر تقريبا. و هي عبارة عن مجموعة من الجبال المتجاورة و التي تبدو و كأنها جبل واحد، و هي عبارة عن جبال تمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي.

و يحد هذه الجبال من الشمال سفوح جبال كثيرة الهضاب تنبسط في بعض الأحيان حتى تصل إلى جبال الروضة، التي تحد هذه الجبال من الشمال، و يجري في هذه الجهة شعب يهبط من شمال جبال حسينة و بالتحديد من الجهة الشمالية الغربية و يتجه هذا الشعب نحو الغرب ليصب في وادي ملل.

و أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبال وادي ملل الكبير الذي يأتي من الجنوب متجها إلى الشمال حتى يصل إلى سفح هذه الجبال فينكسر اتجاهه عند السفح إلى الغرب حتى ينتهي سفح الجبل فيعود للاتجاه شمالا و يستمر هكذا حتى يصل إلى وادي الحمض.

و يتصل بوادي ملل في جنوب جبال حسينة بعض الشعاب كشعب سير الذي يهبط من الشرق من جبل أم الجريد و جبل الصهلوج و جبل التيس و يتصل هذا الشعب بوادي ملل عند الجهة الجنوبية الشرقية من سفح الجبال الجنوبية، كما يتصل بهذا الوادي وادي الجفو الذي يهبط من جبال القلب و جبال أم سديرة و جبل الجبيل و جبال المريطبة و الواقعة في جنوب جبال حسينة و يصل وادي‏

106

الجفو بعد أن تتجمع فيه كثير من الشعاب الهابطة من تلك الجبال ليتصل بوادي ملل عند الطرف الجنوبي الغربي من سفح جبل ملل.

و أما من الجهة الشرقية فيحد الجبال طريق متعرج يصل بين حي الدعيثة في الشرق مع طريق تبوك الجديد عبر شبكة من الطرق المتعرجة، و يلي هذا الطريق مجموعة من الهضاب و الجبال المنخفضة، يليها جبل التيس الذي يحد الجبال من الجهة الشرقية.

و أما من الجهة الغربية فيحد الجبال وادي ملل الذي يجري في غربيه و عند سفحه و يمر موازيا لهذا الوادي طريق يتعرج مع تعرج الوادي يصل إلى قرية المندسة في الشمال، و بعد هذا الطريق من الغرب يوجد جبل ملح و جبل الزرب و جبل الخطباء، كما يوجد عند منتصف السفح الغربي لهذه الجبال منطقة طبيعية خضراء كبيرة تتركز مع وادي ملل.

جبال أم سديرة:

تقع جبال أم سديرة في الجهة الغربية للمدينة المنورة، و تبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة ستة و ثلاثين كيلومتر تقريبا. و يحد جبال أم سديرة من الشرق مسارات أودية و شعاب الجبال الشمالية و بخاصة المنحدرة من شمال جبل القلب، ثم بعد هذه الأودية يقع جبلا العرجاء و الأسفع اللذان يحدان جبال أم سديرة من هذه الجهة، أما من الجهة الشمالية فيحد جبال أم سديرة جبل القلب الذي لا يفصلها عنه إلا مجموعة من الهضاب و الحرات المتناثرة، أما من الغرب فيقع جبل الجبيل، في حين يحد جبال أم سديرة من الجنوب جبل الأسفع و جبل عبود و جبل المريطبة و على أبعاد مختلفة.

جبل القلب:

جبل القلب هو أحد الجبال الشهيرة الواقعة في الجهة الغربية للمدينة المنورة جانحا نحو الجنوب قليلا، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو سبعة و ثلاثين كيلومتر تقريبا. و هو الجبل الكبير الذي يوجد في شمال جبال أم سديرة و الذي هو أصلا أحد تكويناتها و هو جبل عالي يعتبر من أعلى جبال السلسلة الجبلية التي تسمى بجبال أم سديرة.

و يحد هذه الجبال من الشمال ملتقى كبير للشعاب و السيول حيث يجري عنده أودية الجفو و شعيب الجربي و شعاب جبل القلب الشمالية نفسها و التي تتصل جميعا بوادي ملل في الجهة الشرقية، و عند التقاء وادي الجفو بوادي ملل هناك قاع كبير توجد به حديقة خضراء كبيرة نتيجة تجمع المياه فيه و ذلك عند

107

السفح الغربي من جبال حسينة التي تحد جبل القلب من الجهة الشمالية. أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبل جبال أم سديرة، كما يحده من الجهة الشرقية انحدار كبير يخرج منه شريعة كبيرة تهبط شرقا لتصل إلى وادي ملل، ثم يحدها من نفس الجهة جبل العرجاء. و أما غربا فيحد الجبل قاع منخفض يتكون بين السفح الغربي لجبل القلب و السفح الشمالي لجبل الجبيل يمتلي‏ء بالمياه نتيجة وجود مجموعة من الشرائع، ثم يتوحد اتجاه هذه الشرائع في واد واحد ينطلق نحو الشرق ليصل إلى وادي الجفو و من ثم إلى وادي ملل، كما يحد جبل القلب من الغرب جبل الجبيل في الجهة الغربية الجنوبية.

جبال الروضة:

و هي مجموعة من الجبال المتناثرة حول بعضها متشابهة في التكوين إذ أنها ذات تكوينات كثيرة و لها رؤوس متفاوتة في الارتفاع. و تقع هذه الجبال في غرب المدينة المنورة جانحة نحو الشمال قليلا، و تبعد عن المسجد النبوي الشريف بحوالي ثمانية و ثلاثين كيلومتر تقريبا.

و يحد هذه الجبال من الشمال مسار وادي ملل و التقاؤه بالشعاب القادمة من الجنوب الشرقي و الهابطة من جبال حسينة و جبل العرجاء في الجنوب و جبل الرمانة و جبل التيس في الشرق، و بعد وادي ملل تظهر جبال غزيل و ما يحيط بها من طرق و دروب متعرجة تحيط بهذا الجبل تصل بين طريق تبوك الجديد و عشائر و قبائل الجهة الغربية.

و من الجنوب يحد جبال الروضة جبال حسينة حيث يهبط منها شعب كبير يسير نحو الغرب ليصب في وادي ملل. و أما من الغرب فيحد الجبال وادي ملل ثم جبل الجامل.

و من الشرق شرائع مياه كثيرة تتحد عند السفح الشرقي للجبال و الهابطة من جبال التيس و جبل الرمانة و جبال حسينة، و يوازي هذه الشرائع بعض الطرق المتعرجة التي تنتشر في هذه الجهة و تصل بين العشائر و طريق تبوك الجديد و بعد هذه الطرق يظهر جبل الرمانة و جبل التيس الذي يحد هذه الجبال من الشرق.

جبال المريطبة:

عبارة عن مجموعة من الجبال المتجاورة و التي تكون بمجموعها سلسلة مترابطة من حيث التكوين العام لها و تقع هذه الجبال في غرب المدينة المنورة جانحة إلى جهة الجنوب قليلا، و تبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة أربعين كيلومتر تقريبا.

108

و يحد هذه الجبال من الشمال طريق متعرج يصل بين طرق أخرى ترتبط بطريق مكة- جدة السريع من الجهة الجنوبية الشرقية، و يتصل من الجهة الشمالية بطرق أخرى ترتبط بطريق تبوك الجديد. و بعد هذا الطريق توجد جبال أم سديرة و جبل القلب حيث تحد جبال المريطبة من الشمال.

أما من الجنوب فيحد الجبال شعيب مثمر و هو شعيب يهبط من أعالي ظلمان و جبل السمر في أقصى الجنوب الغربي لجبال المريطبة، ثم يسير هذا الشعب عند السفح الجنوبي لجبال المريطبة حيث يتجه شرقا ليصل بوادي لثاجة الذي يصب بالتالي في وادي ملل الذي يجري في الجهة الشرقية منه. و بعد هذا الشعب شعيب مثمر ثم يوجد فضاء كبير يمر به طريق الفقرة العام و يليه قرية الفريش.

أما من الجهة الشرقية فيحد الجبال وادي لثاجة الذي يتكون من مجموعة من الشعاب القادمة من الجهة الجنوبية الغربية من جبال المريطبة نفسها و جبل عبود و هضاب بئر الصائغ و يتصل وادي لثاجة بعد ذلك بوادي ملل. و بعد هذا الوادي توجد مجموعة من الهضاب و الجبيلات، ثم يليها جبل الأسفع الذي يشرف على المنطقة.

و أما من الجهة الغربية فيحد الجبال طريق متفرع من طريق الفقرة العام، و يليه جبل الجبيل الذي يحد جبال المريطبة من الجهة الغربية. كما توجد مجموعة كبيرة من الشعاب و الأودية التي تنتشر في الجهة الغربية لجبال المريطبة مثل وادي حورة و وادي حويرة.

جبل الجامل:

و هو جبل كبير يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي على هيئة شكل بيضاوي تقريبا و يقع هذا الجبل في غربي المدينة المنورة جانحا قليلا نحو الشمال، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو ثلاثة و أربعين كيلومتر تقريبا.

و يحاط هذا الجبل من جميع جهاته بالشعاب و الأودية فيحده من الشمال وادي حراض و هو وادي ينحدر من أقصى الجنوب الغربي متجها نحو الشمال الشرقي، ثم يمر من عند السفح الشمالي للجبل، ثم يسير إلى اتجاه الشمال حيث يرتبط بوادي ملل المتجه من الجنوب إلى الشمال. ثم يلي هذا الوادي أرض تكثر فيها الهضاب حتى تصل الى وادي ظلم و جبل الضلوع.

و أما جنوبا فيحد الجبل شريعة الجامل التي تهبط من سفحه الجنوبي متجهة نحو الشرق حيث تلتقي بوادي ملل، و يلي هذا الوادي أرض وعرة ثم شعيب الجزي و جبل الزرب. و من الشرق يحد الجبل طريق يمر في سفح الجبل يربط طريق جدة- مكة السريع بطريق تبوك الجديد بمجموعة من الطرق و الدروب‏

109

المختلفة. و بعد هذا الطريق يوجد وادي ملل الكبير الذي يشمل كامل الحد الشرقي للجبل ثم يلي هذا الوادي الكبير جبال الروضة الشرقية.

و أما من الغرب فيحد الجبل طريق يمر عند سفح الجبل يلتقي بالطريق الذي في شرقيه و هذا الالتقاء عند شمال الجبل، كما يجري موازيا لهذا الطريق وادي حراض الذي يتجه نحو الشمال الشرقي ليلتقي بوادي ملل. و بعد هذا الوادي توجد بئر حراض، و يليها جبل العاقر و جبل مجبورة.

جبل الجبيل:

و هو جبل يقع في غربي جبال أم سديرة. و هو جبل محاط بكثير من الطرق المتعرجة التي تترابط مع بعضها البعض لتصل القرى الشمالية الغربية بطريق الفقرة العام و بالتالي إلى طريق مكة- جدة السريع. و يقع هذا الجبل في غرب المدينة المنورة جانحا إلى جهة الجنوب قليلا، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو خمسة و أربعين كيلومتر تقريبا.

و يحد الجبل من الشمال مدقات و طرق كثيرة في الأرض الفضاء التي ينحدر فيها الجبل من هذه الجهة انحدارا شديدا، و يلي هذا الفضاء جبال ملح التي تحد هذا الجبل من الجهة الشمالية.

و أما جنوبا فيحده الطريق المتفرع من طريق الفقرة العام و بعض الشرائع الهابطة من نفس الجبل من الجهة الشرقية، و التي تسير إلى أن تشمل السفح الغربي، و تتصل بعد ذلك بشعاب أخرى إلى أن تصل إلى شعيب مثمر و منه إلى وادي لثاجة، ثم يلي ذلك فضاء كبير يصل إلى الفريش و بئر الصايغ.

و أما من الجهة الشرقية فيحده جبل القلب و جبال أم سديرة. و أما من الجهة الغربية فيحده الطريق المتفرع من طريق الفقرة العام و كثير من المناطق الزراعية الخضراء التي تكاد تغطي جزءا كبيرا من سفحه الغربي تتجه مرورا بوادي حورة الهابط من جبل ظلمانة نحو الجنوب الغربي و وادي حويرة الهابط من الجبال الغربية و التي تهبط جميعا إلى الجهة الغربية عند سفح جبل الجبيل و تنتشر في هذا الجزء الخضرة كما أشرنا.

جبال ملح:

و تقع هذه الجبال في غربي المدينة المنورة، و تبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة خمسة و أربعين كيلومتر تقريبا. و هذه الجبال عبارة عن مجموعة ملتفة بعضها مع بعض تمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي.

و يحد هذه الجبال من الشمال شعيب الجزي المتكون من مجموعة من‏

110

الشعاب التي تتجمع في شمال جبال ملح و الهابطة بعضها من جبل الخطيباء الغربي و جبل الزرب الشمالي و جبل السدير الغربي، ثم تتحد هذه الشعاب سويا مكونة شعيب الجزي الذي يهبط إلى الشمال الشرقي فيصب في وادي ملل. و بعد هذا الشعب يوجد جبل الجامل الشمالي و جزء من جبل الزرب الذي يظهر في الجهة الشمالية الغربية.

أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبال هضبة كبيرة واسعة يجري عند سفحها مجموعة من الأودية و الشعاب، أهمها وادي الودي الذي يتكون من مجموعة شعاب هابطة من جبل السدير و الخطباء و منطقة الجفر و يتقاطع مع هذه الشبكة من الشعاب شبكة من الطرق الكثيرة المتعرجة و مسارات الجمال. و بعد هذه الهضبة يظهر جبل الجبيل و هو أول جبل يظهر ليحد جبال ملح من الجهة الجنوبية.

و أما من الجهة الشرقية فيحد جبال ملح مجموعة كبيرة من الهضاب و الجبيلات المتفرقة التي تنتشر إلى أن تصل إلى جبال حسينة في الشمال الشرقي.

و يوجد في نهاية هذه الهضبة و عند سفح جبال حسينة وادي الجفو، و يليه وادي ملل الكبير كما يهبط من هذه الجهة و من جبال ملح شعب كبير يتجه شرقا ليصب في وادي الجفو، و أما غربا فيحد الجبال طريق ثم جبل الخطيباء الكبير.

جبل الخطيباء الغربي:

و يقع هذا الجبل في غربي المدينة المنورة، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بحوالي تسعة و أربعين كيلومتر تقريبا. و هو جبل كبير مكون من مجموعة كبيرة من الجبال المتلاصقة و المتباينة في قممها.

و يحد هذا الجبل من الشمال سلاسل و مجموعات كبيرة من التلال و الجبيلات و الهضاب إلى أن تصل إلى جبل الزرب في الشمال، و تجري بين تلك التلال و الشعيبات مجموعة من الشعاب التي تتجه إلى الشمال الشرقي لتكون مع مجموعة أخرى من الشعاب وادي الجزي الذي يصب بالتالي في وادي الجفو و منه إلى وادي ملل.

أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبل شعاب و أودية كثيرة تعرف بشعاب سدير، و التي تهبط من الجهة الشرقية لجبال سدير الواقعة في الجهة الجنوبية الغربية من جبل الخطيباء، و تتحد هذه الشعاب بعد ذلك عند سفح جبل الخطيباء الجنوبي لتكون وادي الودي الذي يهبط إلى الشرق حيث يتصل بوادي الجفو و منه إلى وادي ملل، ثم بعد هذه الهضبة و الأودية تظهر قرية الجفر. كما يحد جبل الخطيباء من الجهة الجنوبية الغربية جبل السدير الشهير.

111

أما من الشرق فيحد الجبل طريق يصل بين الطريق المتفرع من طريق الفقرة العام جنوبا إلى شبكة من الطرق الشمالية التي تصل الى طريق تبوك الجديد.

و بعد هذا الطريق تظهر جبال ملح الكبرى التي تحد جبل الخطيباء من الشرق.

و غربا يحد جبل الخطيباء هضبة واسعة و كبيرة تنحدر غربا تجري فيها شعاب تنحدر من جبل السدير و جبل الخطيباء نفسه من سفحه الغربي.

جبل الزرب:

و هو جبل كبير يقع في الجهة الغربية للمدينة المنورة، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو تسعة و أربعين كيلومتر تقريبا. و يظهر هذا الجبل و كأنه جزء من التكوين العام لجبال الخطيباء من الجنوب و جبال ملح من الجنوب الشرقي و جبل السدير من الجنوب أيضا و جبل مجبورة من الشمال الغربي.

و يحد هذا الجبل من الشمال مجموعة كبيرة من الطرق المهمة التي ترتبط بها الطرق الفرعية الأخرى من الشرق إلى الغرب، كما يوجد في هذه الجهة مجموعة من الشرائع و الأودية الهابطة من جبل الجامل في الشرق و جبل مجبورة و جبل العاقر في الغرب. و تتجمع هذه الأودية لتكون وادي الحراض الذي يتجمع مع شعابه الأخرى عند بئر حراض، و يتجه شرقا ثم شمالا ليصب في وادي ملل، و من الأودية المهمة أيضا وادي ظلم الذي يتكون من شعاب أخرى قادمة من الجهة الغربية، أهمها شعيب السيح الهابط من جبل سمر و جبال العاقر و جبل عويشز، ثم يظهر بعد هذه الأودية و في أول حدود الجبل من الشمال جبل الضلوع الشمالي.

و أما جنوبا فيحد الجبل جبل الخطيباء و ما يجري بينهما من أودية شعاب كشعيب الجزي الذي يتجه من الغرب إلى الشرق و يصل إلى وادي الجفو و منه إلى وادي ملل.

و من الجهة الشرقية يحد الجبل طريق عام متصل بطريق الفقرة العام يربط وادي الفقرة بالطرق الشمالية المتصلة بطريق تبوك الجديد، ثم يلي هذا الطريق هضبة منحدرة إلى الشرق واسعة يجري عند سفحها الشرقي وادي ملل الكبير.

و أما غربا فيحد الجبال هضاب واسعة و كبيرة جدا تصل غربا إلى جبل مجبورة و جبل الأوتاد.

جبل الضلوع:

و هو جبل متوسط يظهر و كأنه مجموعة من الجبال و ليس جبلا واحدا، و يقع هذا الجبل في غربي المدينة المنورة جانحا إلى جهة الشمال قليلا، و يبعد عن‏

112

المسجد النبوي الشريف بمسافة واحد و خمسين كيلومتر تقريبا.

و يحد هذا الجبل من الشمال هضبة منحدرة شمالا تكثر فيها الهضاب و التلال إلى أن تصل إلى جبل الشضفاء الشمالي و يليها جبال الخضراء. و تنتشر في هذه الهضبة كثير من الأودية و الشرائع أهمها مسار وادي ملحة الشمالي، كما توجد طرق و مدقات ترابية كثيرة. و أما جنوبا فيحد الجبل مسار شعب السيح و وادي ظلم اللذان يهبطان من الغرب من تجمع شعاب كثيرة هابطة من جبل العاقر و جبل مجبورة و جبل الأوتاد و جبل عدمر و جبال عويشز ... الخ. و يلي هذه الأودية كثير من الطرق و الدروب الخاصة بالدواب يظهر بعدها أبار حراض و يظهر خلالها جبل الزرب كأول جبل كبير يحد جبل الضلوع من الجنوب.

و أما من الشرق فيحد الجبل واحة واسعة يجري فيها شعاب و أودية أهمها شعب الضلوع الهابط من السفوح الشرقية للجبل و وادي ظلم الذي يهبط من غرب الجبل و يسير في جنوبه و يستمر في شرقيه حتى يصل وادي ظلم في الشرق. كما يوجد في هذه الجهة طريقان يتشعبان من طريق المندسة المتجه غربا و تنتهي هذه الواحة إلى المندسة و جبل منيخر.

و من الغرب يحد الجبل طريق مستمر من الطريق المتفرع من طريق الفقرة العام من الجنوب إلى الجهة الشمالية، و يلي هذا الطريق وجود جبل عدمر الذي يحد الجبل من الجهة الغربية.

جبل عدمر:

و هو جبل كبير يقع في الجهة الغربية للمدينة المنورة جانحا إلى الشمال قليلا، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة أربعة و خمسين كيلومتر تقريبا.

و يحد جبل عدمر من الشمال طريق عام يصل ما بين قلعة الحفيرة و ما حولها شرقا بقرى و هجر جبال الأجرد غربا، كما يجري في هذه الجهة وادي ملحة الجنوبي الذي يهبط من الغرب، ثم يسير عند السفح الشمالي لجبل عدمر، و من ثم يتجه شرقا ثم إلى الجنوب الشرقي حتى يتصل بوادي ظلم و منه إلى وادي ملل.

و يلي هذا الطريق و الوادي هضبة واسعة و كبيرة بها بعض الجبيلات الصغيرة إلى أن تصل هذه الهضبة إلى جبال الصحين التي تظهر كأول جبال تحد هذا الجبل من الجهة الشمالية.

و أما جنوبا فيحد الجبل مسار وادي أو شعب السيح الذي يتكون من‏

113

مجموعة من الشعاب أهمها شعب جبل العاقر الشرقية، كما يحد الجبل من هذه الجهة وادي ظلم المتكون من شعاب كثيرة، أهمها شعاب جبل مجبورة الشرقية. و يلي هذه الأودية هضبة عالية بها هضاب وقيعان و منخفضات تنتهي بظهور جبل مجبورة في الجنوب الغربي و جبل الزرب في الجنوب الشرقي.

و شرقا يحد الجبل فضاء به الطريق الرئيسي المتصل بالطريق المتفرع من طريق الفقرة العام جنوبا و المتجه شمالا ليصل إلى الطريق المتصل بمنطقة المندسة و قلعة الحفيرة شمالا، و يلي هذا الطريق شعب عدمر الذي يهبط من سفح الجبل الشرقي ليجري و يتجه شرقا ليتصل بوادي ملحة و منه إلى وادي ملل، ثم توجد هضبة واسعة تستمر لتصل إلى وادي ملل كما يظهر جبل الضلوع في الجهة الجنوبية الشرقية من الجبل. و أما غربا فيحد الجبل مسار وادي ملحة الجنوبي الذي يهبط من الغرب ليتجه إلى الشمال عند السفح الغربي لجبل عدمر، ثم يتجه شرقا ثم يغير اتجاهه إلى الجنوب الشرقي حتى يصل إلى وادي ملحة و منه إلى وادي ملل، كما يوجد بعض الطرق الفرعية المنتشرة يظهر في أعلاها الغربي جبال عويشز التي تحد جبل عدمر من الجهة الغربية.

جبل مجبورة:

و هو جبل كبير يقع في الجهة الغربية للمدينة المنورة، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بنحو واحد و ستين كيلومتر تقريبا. و هذا الجبل عبارة عن مجموعة جبال تتكون من جبل العاقر في الشمال و جبل الأوتاد في الغرب، و هذه المجموعة ذات تكوين واحد تظهر و كأنها جبل عظيم.

و يحد هذا الجبل من الشمال شعب جبل عاقر الهابط من جبل عاقر من ناحية سفحه الجنوبي و الذي يجري عند السفح الشمالي لجبل مجبورة و الذي يكون مع الشعاب الأخرى وادي ظلم بعد أن يتجه شرقا ثم إلى الشمال الشرقي، كما يوجد طريق واحد يمر موازيا لهذا الشعب يصل إلى طريق تبوك الجديد.

و بعد هذا الطريق و الشعب يظهر لنا و بوضوح تام جبل العاقر الكبير. و أما من الجنوب فيحد الجبل هضاب واسعة تمتد جنوبا حيث يظهر جبل مريم و جبل الأبث كأول جبال جنوبه. و أما شرقا فيحد الجبل مجرى وادي حرض الذي يهبط من منطقة حرض، ثم يتجه هذا الشعب إلى الشمال الشرقي و منه إلى وادي ملل كما توجد في هذه الجهة كثير من الجبيلات الصغيرة التي تنتشر داخل هضبة كبيرة منحدرة إلى الشرق إلى وادي ملل. و أما من الجهة الغربية فيحد الجبل جبل الأوتاد الغربي و هو من أعظم و أكبر الجبال الغربية.

114

جبل العاقر الأعلى:

و هو جبل كبير مشابه إلى حد كبير بجبل سلع داخل المدينة المنورة من حيث الشكل، فهو ذو رؤوس و شعاب كثيرة يظهر و كأنه أخطبوط. و يقع هذا الجبل في الجهة الغربية للمدينة المنورة جانحا نحو الشمال قليلا، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة واحد و ستين كيلومتر تقريبا.

و يحد هذا الجبل من الشمال مجرى مجموعة من الأودية و الشعاب أهمها وادي ملحة الذي يهبط من الغرب إلى الشرق، و يجري عند السفح الشمالي لجبل العاقر، كما تنتشر مجموعة من الطرق في تلك الجهة تترابط مع طرق أخرى لتخدم القرى و الهجر المنتشرة في الجهة الغربية و الشرقية من الجبل، ثم يظهر بعد هذه الطرق جبال عويشز التي تحد هذا الجبل من الشمال. و أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبل جبل مجبورة و يجري عند السفح الشمالي لجبل مجبورة و السفح الجنوبي لجبل العاقر وادي كبير ناتج من تجمع مجموعة كبيرة من شرائع الجبال الغربية، ثم يتجه هذا الوادي شرقا ثم إلى الشمال الشرقي حتى يكون مع شعاب أخرى وادي ظلم الذي يصل إلى وادي ملل الشرقي.

و من الشرق يحد الجبل شعاب وادي ظلم التي تنتشر عند السفح الشرقي لجبل العاقر، كما يجري عند هذه الجهة شعيب السيح الذي يهبط من بعض شعاب جبل عدمر الشمالي و في أقصى الشمال الشرقي يظهر جبل الضلوع.

و أما من الجهة الغربية فيحد الجبل هضبة كبيرة تنحدر نحو الغرب يجري فيها وادي ملحة الجنوبي و تستمر هذه الهضبة إلى أن تصل إلى تكوينات جبال الرايح.

جبال عويشز:

و هو جبل كبير يتجه من الجنوب إلى الشمال يقع في غرب المدينة المنورة جانحا إلى الشمال، و يبعد عن المسجد النبوي الشريف بمسافة اثنين و ستين كيلومتر تقريبا.

و يحد هذه الجبال من الشمال مجرى وادي ملحة الذي يهبط من الجبال الغربية لينحدر عند سفح جبال عويشز الشمالية متجها إلى الشرق حيث يصب مع وادي ظلم في وادي ملل، كما يوجد طريقان يمران عند سفح الجبل يربطان طريق تبوك الجديد شرقا بمنطقة جبال الأجرد غربا، ثم يلي هذه الطرق هضبة شمالية بها كثير من الجبيلات الصغيرة تستمر حتى تصل إلى بئر بواط.

و أما جنوبا فيحد الجبال مجموعة من الطرق أيضا يتخللها مرور وادي ملحة الجنوبي الذي يهبط من الغرب ليتجه إلى الشرق عبر سفح جبال عويشز

115

الجنوبية و الذي يتصل بوادي ملحة الشرقي، و منه إلى وادي ملل، ثم بعد هذه الأودية و الطريق يظهر جبل العاقر كأول جبل يظهر جنوبا يحد الجبل من الجهة الجنوبية.

و أما من الجهة الشرقية فيحد الجبل طريقان أحدهما يتجه شمالا إلى جبال الصحين و الآخر يتجه شرقا إلى وادي ملل، كما يجري عند سفح الجبل الشرقي وادي ملحة الجنوبي الذي يتجه شرق الجبال بعد أن يقطع جنوبها ليصل إلى وادي ملل. و بعد هذا الطريق و الوادي يظهر جبل عدمر الذي يحده جبال عويشز من الشرق.

و أما غربا فيحد جبال عويشز هضاب كثيرة تمتد غربا إلى أن تصل إلى جبل الشهبة الغربي و تنتشر في هذه الهضبة الكثير من الشعاب و الطرق المنتشرة داخل هذه الهضبة الشاسعة.

و في نهاية حديثنا عن أهم الجبال الواقعة في الجهة الغربية من المدينة المنورة نود أن نشير إلى أن هناك المئات من الجبال و الهضاب الأخرى و نذكر منها على سبيل المثال: جبل السرب و جبل العود و جبل خيالة و جبل تربان.

و بعد هذا الاستعراض السريع لأهم و أشهر جبال المدينة المنورة سنلقي مزيدا من الضوء و التفصيل على أهم الجبال المشهورة و التي لها ارتباط بأحداث و تاريخ المدينة المنورة، و تشمل هذه الجبال ما يلي:

- جبل أحد.

- جبل ثور.

- جبل تيأب (جبل الخزان).

- جبل الرماة (جبل عينين).

- جبل الراية.

- جبل ثنية الوداع.

- جبل سلع (جبل ثواب).

- جبل سليع.

- جبل عير.

- جبال الجماوات الثلاثة.

- جبل الحرم (الجبل الأحمر).

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

1 جبل أحد

118

جبل أحد

تمهيد:

جبل أحد جبل نوراني عظيم، يعتبر علما و معلما من معالم المدينة المنورة، هذا الجبل الذي عرفه الصغير و الكبير و الذي شاع ذكره في شتى البقاع و العصور فعرفه الكاتب و المؤرخ فتشرفوا بوصفه و الكتابة عنه، و عرفه العالم فحدث عنه، و عرفه المسلم فأحبه و حن إليه، و عرفه الشاعر فمدحه حبا و شوقا اليه.

هذا الجبل الذي شاء الله تبارك و تعالى أن يجعله من خيرة جبال الأرض ففضله و جعله من جبال الجنة، أحبه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و حن إليه فكان يستبشر برؤيته و يسر بزيارته، هذا الجبل الذي حدثت عنده غزوة أحد الكبرى إحدى أكبر غزوات الإسلام، و من هذا الجبل المبارك اشتق اسم تلك الغزوة فسميت بغزوة أحد، عند هذا الجبل المبارك قدم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه (رضوان الله عليهم) أرواحهم فداء في سبيل إعلاء كلمة الإسلام فخلد هذا الجبل العظيم قصة تلك الغزوة المباركة فارتبط الحديث عنها بالحديث‏ (1) (جبل أحد) الغزو السريع للمباني أدى إلى تقليل الرقعة الزراعية و اختفاء المزارع و البساتين.

119

(2) (جبل أحد) مزارع النخيل و البساتين و قد انحصرت عند سفح الجبل بالقرب من وادي قناة.

عنه و ظل هذا الجبل و سيظل إلى أن تقوم الساعة و هو يقص على الأجيال ذكرى تلك الغزوة المباركة، فيحفز الهمم، و يشد العزائم على التأسي برسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و يبين أهمية و عظمة الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.

و إن الحديث عن جبل أحد لهو حديث طويل لا يمكن أن تغطيه أو تحصره أوراق أو صحائف و لكنني أحببت أن أتشرف بالكتابة عنه.

موقع جبل أحد و حدوده:

يقع جبل أحد في شمال المدينة المنورة، و هو يمثل أحد التكوينات الجغرافية الرئيسية لها، و يقع في سهل يبدأ من تلال جبل أحد شمالا و يمتد جنوبا بضعة أميال، و يرتفع ارتفاعا تدريجيا كلما صار نحو الجنوب، و يعتبر جبل أحد فرع من فروع جبال السراة المعروفة باسم جبال الحجاز و لذلك وصفها ابن خرداويه فقال: المدينة حجازية نجدية، يريد بذلك أنها تقوم قرب السفح الجبلي الشرقي الفاصل بين نجد و تهامة (1).

و يظهر جبل أحد كأعظم الجبال و أكبرها في أقرب ما يكون للمدينة من الجهة الشمالية حيث يمتد من الشرق إلى الغرب، و يظهر جبل أحد كمسيطر رئيسي و معلم بارز للمدينة المنورة من تلك الجهة، فما أن تكون في المدينة و تتجه بنظرك إلى الشمال حتى تشاهد هذا الجبل بلونه الجميل و منظره الجذاب.

و يقع هذا الجبل بين الاحداثيين الأفقيين 27155001 شمالا و الاحداثي 2708750 جنوبا و بين الاحداثيين الرأسيين 567000 شرقا و الاحداثي 560000 غربا، و قد اختلف المؤرخون في بعد هذا الجبل عن الحرم النبوي الشريف، و ذلك يرجع الى وسيلة تقدير هذا البعد فقال السيد محمد دفتردار بأنه على بعد

____________

(1) «المدينة في العصر الأموي»- محمد شراب- ص (316).

120

(3) (جبل أحد) جبل أحد بلونه المميز و شكله الجذاب.

نحو خمسين دقيقة بالمشي السريع من المدينة (1)، و منهم من أشار إلى أنه على بعد ثلاثة أميال و نصف‏ (2)، و منهم من أشار إلى أنه على بعد يقدر بستة كيلومترات.

و قد قست بعد هذا الجبل عن مركز الحرم النبوي الشريف من واقع المصورات الجوية فوجدته على بعد خمسة كيلومترات و نصف بالتحديد، و يزيد هذا البعد قليلا لو قيس عبر طريق سيد الشهداء نفسه، لأن المقاس الأول كان عبر خط مستقيم في أقرب البعد بين نقطتين.

و يعتبر هذا هو بعد الجبل عن الحرم النبوي الشريف في أقرب جزء منه حيث يعد طرفه الشرقي أقرب إلى المدينة من طرفه الغربي، لأن جبل أحد يمتد حقيقة من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي فهو بوضع مائل اذا ما قورن بالمسجد النبوي الشريف، و يقال مجازا بأنه يمتد من الشرق إلى الغرب.

و على هذا يزيد بعد هذا الجبل عن الحرم النبوي الشريف كلما اتجه الى جهة الشمال الغربي حتى يصل في أبعد ما يكون عن المدينة عند طرفه الغربي المطل على منطقة العيون.

(4) (جبل أحد) صورة لجبل أحد من الجهة الجنوبية و تظهر التكوينات الجبلية المختلفة.

____________

(1) «ذخائر المدينة المنورة»- محمد دفتردار- ص (73).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (179).

121

(5) (جبل أحد) مسقط أفقي لجبل أحد مصغر من المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (1).

حدود الجبل:

يقع جبل أحد في منطقة استراتيجية مهمة من المدينة المنورة فهو يشرف على التقاء أودية المدينة المنورة و واحتها الخضراء، و من أهم المعالم التي تحد هذا الجبل من جهاته الأربعة ما يلي:

من الشمال: يحد هذا الجبل شمالا طريق الجامعات و المعروف بطريق غير المسلمين، و يحجز هذا الطريق بينه و بين الجبل مساحات كبيرة من الأراضي البيضاء التابعة للحرس الوطني و بها بعض المنازل و المساكن الشعبية، و تتناثر في هذه المساحة مجموعة من الجبيلات الصغيرة، و يعد جبل ثور من أهم و أشهر هذه الجبال فهو يقع على بعد قليل من سفحه الشمالي، و هذا الجبل كما هو معروف أحد حدود حرم المدينة من الشمال، كما حدده بذلك الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم). و سنتحدث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله فيما بعد.

من الجنوب: يحد هذا الجبل الطريق الدائري الثاني الذي يعتبر بحق من أجمل و أروع ما قامت به وزارة المواصلات في هذه المدينة الطيبة، و يحجز هذا الطريق بينه و بين جبل أحد مساحة كبيرة تتمثل في وجود المناطق الحضرية و التاريخية لسيد الشهداء بما فيها من معالم و خصائص عديدة.

____________

(1) صورة مصغرة من المصورات الجوية لعام 1977 م- أمانة المدينة المنورة (الوكالة الفنية)- الإدارة العامة للتخطيط العمراني.

122

(6) (جبل أحد) المنطقة العشوائية بسفح جبل أحد في مرحلتها الأولى.

(7) (جبل أحد) المنطقة العشوائية بسفح الجبل في مرحلتها الثانية.

(8) (جبل أحد) المنطقة العشوائية بسفح الجبل في مرحلتها الثالثة.

(9) (جبل أحد) المنطقة العشوائية بسفح جبل أحد في مرحلتها الرابعة.

(10) (جبل أحد) صورة للمنطقة الحضرية و التاريخية لمنطقة سيد الشهداء بأحد.

و يمكن أن نلخص أهم هذه المعالم و الخصائص بما يلي:

* المنطقة الحضرية التاريخية لغزوة أحد و داخل هذه المنطقة كثير من الآثار و المعالم أهمها: جبل الرماة المعروف بجبل عينين و ما عليه من معالم مأثورة، و قبة المصرع و مقابر شهداء أحد (رضوان الله عليهم) و من بينهم قبر سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)) و كذا مسجد سيد الشهداء و عين الشهداء، و وادي قناة.

* المنطقة السكنية العشوائية: و هي منطقة كبيرة امتدت على طول السفح الجنوبي لجبل أحد فملأت السفح و الجبل و غطت على كثير من معالم و آثار المنطقة، مثل معالم مسجد أحد و المعتصم و شعب المهاريس و قبة الثنايا، و تحتوي هذه الجهة من الجبل على بعض المعالم الملاصقة للجبل و على مرتفع منه كغار جبل أحد و المهاريس.

و قد قامت الجهات المختصة بالامانة بمتابعة معالي أمين المدينة المنورة و بتوجيهات صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة بعمل المخططات اللازمة لتطوير هذه المناطق و حماية جبل أحد من الغزو السريع للمباني حفاظا عليه لما له من شأن كبير عند المسلمين.

* يحد جبل أحد من الجهة الجنوبية بعض المزارع و البساتين و خاصة عند طرفه الجنوبي الغربي حيث مزارع و بساتين العيون، كما توجد قلعة أحد على مرتفع من الجبل مقابلة لتلك المزارع و البساتين كما توجد مزارع و بساتين أخرى شرقي المنطقة الحضرية و التاريخية لسيد الشهداء رضي الله عنه.

و أما من الشرق: فيحد الجبل طريق المطار و جبل تيأب و يحجز طريق المطار فيما بينه و بين الجبل منطقة عشوائية كبيرة تعرف بتلعة الهبوب، و قد قامت أمانة المدينة المنورة بإعداد المخططات التطويرية لها لتحسين البيئة العمرانية و تم عمل طريق دائري يحيط بجبل أحد لحمايته من زحف المساكن عليه.

123

(11) (جبل أحد) نموذج من المباني العشوائية التي انتشرت على سفح جبل أحد فغطت على كثير من معالمه.

(12) (جبل أحد) جزء من المنطقة الحضرية التاريخية لجبل أحد من الجهة الجنوبية.

124

(13) (جبل أحد) بعض المزارع و البساتين الموجودة عند السفح الجنوبي لجبل أحد.

كما يحد الجبل من هذه الجهة وادي قناة عند هبوطه من الشمال إلى الجنوب و أودية و عيرة، و شرائع الأمطار الهابطة من نفس الجبل من هذه الجهة.

و أما غربا: فيحد الجبل طريق الجامعات، و يحجز هذا الطريق بينه و بين الجبل شريط ضيق من الأراضي أقيم على أجزاء منها بعض المحلات و المجمعات التجارية، كما قامت أمانة المدينة المنورة بعمل مخططات خاصة لسوق الأغنام و المواشي و سوق الحراج و الخردة و سوق الأعلاف و الحطب في هذه الجهة و وفرت لها الخدمات اللازمة.

تسمية جبل أحد:

لقد ورد في تسمية أحد بهذا الاسم أقوال عديدة و هذا يدل على تميّز هذا الجبل على غيره و يمكن أن نوجز أهم تلك الأقوال بما يلي:

- قيل سمي جبل أحد (بأحد) لتوحده و انقطاعه عن أي جبال أخرى فهو جبل واحد يظهر و كأنه قطعة واحدة غير مجزأة أو متصلة بأي جبال. و قد أورد الإمام السهيلي (رحمه الله تعالى) هذه التسمية بقوله: (سمي أحد لتوحده و انقطاعه عن جبال أخرى هناك) (1)، و قد تناقل المؤرخون و الكتاب هذه التسمية فأوردوها في كتبهم و اعتمدوا عليها (2).

و لو نظرنا و تأملنا في الوضع الطبيعي لهذا الجبل من حيث التكوين و التشكيل العام لتبين لنا و من أول وهلة ذلك الجبل العظيم الذي يظهر على هيئة (14) (جبل أحد) الخطورة الكامنة وراء إقامة المباني عند الشعاب و تجاويف مهابط المياه.

____________

(1) «الروض الانف»- الإمام أبو القاسم السهيلي- (2/ 126، 127).

(2) «وفاء الوفاء» السيد السمهودي- (3/ 928)، «المغانم المطابة» الفيروزأبادي- ص (10، 11) «تحقيق النصرة» زين الدين المراغي- ص (131)، «عمدة الأخبار» السيد العباسي ص (160) ... الخ.

125

جبل واحد اعتبر من أهم المعالم الرئيسية المميزة للمدينة المنورة بشكل عام، و للمنطقة الشمالية بشكل خاص، و لو تأملنا هذا الجبل عن قرب لتبين لنا أنه عبارة عن مجموعة كبيرة من الجبال المتلاصقة و المتحدة مع بعضها البعض أعطت بمجملها الشكل العام للجبل، و يمكن تمييز تلك الكتل الجبلية من خلال ظهور رؤوسها الكثيرة و المختلفة حيث تنخفض و ترتفع حسب عظمة و ضخامة الكتلة الجبلية المكونة لها، كما أن ما تميز به هذا الجبل بارتفاعه العظيم الذي وصل إلى 350 متر أعطى له حق السيطرة على المنطقة بشكل عام فهو ينقطع تماما عن الجبال أو الهضاب المجاورة.

و تعد الجبال و الهضاب الواقعة في الجهة الشمالية من هذا الجبل و المتمثلة في وجود جبل ثور و مجموعة من الجبال الصغيرة و المتناثرة هي أقرب الجبال لجبل أحد، و لكنها منفصلة تماما عنه سواء في التشكيل أو التكوين العام، و على هذا فإن جبل أحد منقطع عن أي جبال أخرى هناك و لعل هذه التسمية قد جاءت من هذا الجانب.

- و قيل في تسمية هذا الجبل أن الله سبحانه و تعالى أراد له اظهار هذا الاسم علما عليه كاسم مشتق من وحدانية الله تعالى و هو اسم متوافق مع قوله (صلى اللّه عليه و سلّم) في شأن هذا الجبل: (أحد جبل يحبنا و نحبه) و قد كان (صلى اللّه عليه و سلّم) يحب الفأل الحسن و الاسم الحسن و لا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، و قد سمى الله هذا الجبل بهذا الاسم تقدمة لما أراده الله سبحانه من مشاكلة اسمه و معناه إذ أهله و هم الأنصار نصروا دين الله و رفعوا راية التوحيد و نصروا نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم).

و قد ذكر الإمام السهيلي (رحمه الله تعالى) هذه التسمية بقوله: (و قد كان (عليه السلام) يحب الاسم الحسن و لا أحسن من اسم مشتق من الأحدية، و قد سمى الله سبحانه هذا الجبل بهذا الاسم تقدمة لما أراد الله سبحانه من مشاكلة اسمه و معناه، إذ أهله و هم الأنصار نصروا التوحيد و المبعوث بدين التوحيد، عنده استقر حيا و ميتا و كان من عادته (عليه السلام) أن يستعمل الوتر و يحبه في شأنه كله استشعارا للأحدية فقد وافق اسم هذا الجبل لأغراضه (عليه السلام) و مقاصده في الأسماء فقد بدل كثيرا من الأسماء استقباحا لها من أسماء البقاع و أسماء الناس و ذلك لا يحصى كثرة، فإسم هذا الجبل من أوفق الأسماء له و مع أنه مشتق من الأحدية فحركات حروفه الرفع و ذلك يشعر بارتفاع دين الأحد و علوه متعلق الحب من النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) به اسما و مسمى فخص من بين الجبال بأن يكون معه في الجنة إذا بست الجبال بسا فكانت هباءا منبثا) (1).

____________

(1) «الروض الأنف»- الامام أبو قاسم السهيلي- (2/ 127).

126

- و قيل في تسميته بأحد نسبة إلى رجل من العمالقة كان يسمى أحدا، سكن إلى جواره فسمي الجبل باسمه‏ (1) و كما هو معروف فإن العمالقة هم أقدم الأمم التي سكنت المدينة (يثرب أنذاك) فهم أول من زرع و حفر و بنى الأطام في المدينة.

قال السيد السمهودي فيما نقله عن ياقوت ما نصه: (كان أول من زرع بالمدينة و اتخذ بها النخيل و عمر بها الدور و الأطام و اتخذ بها الضياع العماليق، و هم بنو عملاق بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام)) (2). و قد كانت سكنى هؤلاء العمالقة في يثرب القديمة و هي المنطقة المعروفة اليوم بمنطقة العيون و ما حولها و يشرف جبل أحد على هذه المنطقة بكاملها و يسيطر عليها.

و يشير ياقوت الحموي في «معجمه» الى أن هذا الاسم أي اسم أحد هو اسم مرتجل لهذا الجبل. قال ياقوت: (أحد بضم أوله و ثانيه معا اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد و هو مرتجل لهذا الجبل) (3).

كما يشير المؤرخ ابن شبة في «تاريخه» إلى أن هذا الجبل قد كان يعرف عند أهل الجاهلية بعنقد، قال أبو زيد عمر بن شبة: (و أخبرني عبد العزيز و محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أنهما لم يزالا يسمعان أن أهل الجاهلية كانوا يسمون أحدا عنقد) (4).

كما كان يعرف هذا الجبل قديما (بحن) من باب التدليل و المحبة. قال عاتق البلادي في «معجم المعالم الجغرافية»: (أحد: و هو من أشهر جبال العرب يشرف على المدينة من الشمال، يرى بالعين و لأهل المدينة به ولع و حب و هم يسمونه «حن» من باب التدليل) (5).

و قد نقل هذه التسمية أيضا مؤلفي كتاب أحد (الأثار- المعركة- التحقيقات) فيما نقلوه عن الأستاذ عبد الله بن خميس بقولهم: (بأن أهل المدينة يسمونه حن، فهذا من قول عامة الناس الذين قالوا بأن الجبل حن عند نقل قبر حمزة رضي الله عنه و من معه من الشهداء و هذا لا أصل له. و الا عجب من هذا القول قول بعضهم بأن الجبل قدم من الشام و هو يحن، فلما قارب المدينة استقر في مكانه) (6).

و هنا أحب أن أشير إلى أن تسمية أهل المدينة لهذا الجبل «بحن» قد ورد في‏

____________

(1) «الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين»- غالي الشنقيطي- ص (179).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 107).

(3) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (1/ 109).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- عمر بن شبة- (1/ 85).

(5) «معجم المعالم الجغرافية»- عاتق البلادي- ص (19).

(6) «أحد»- سعود الصاعدي و يوسف المحمدي- ص (12).

127

أكثر من مصدر و هي تسمية غير معروفة اليوم فلا يعرف هذا الجبل اليوم بغير جبل أحد، أما لو نظرنا إلى تسمية أهل المدينة لهذا الجبل قديما «بحن» فهي تسمية لا تخرج عن أنها أطلقت على الجبل من باب التدليل لما لهذا الجبل عند أهل المدينة من محبة و ولع تأسيا بمحبة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) له، و أنه من جبال الجنة.

أما فيما نقل عن عامة الناس بأن سبب تسميته «بحن» ترجع الى أن هذا الجبل حن عند نقل قبر حمزة رضي الله عنه و من معه من الشهداء، أو من قال منهم بأن الجبل قدم من الشام و هو يحن فلما قارب المدينة و استقر في مكانه فهذا نقل غير موثق و لا يعتمد عليه.

و يقال أنه مأخوذ من تحركه تحت قدمي الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و صاحبيه ابتهاجا و طربا و حنوا، فقال له (صلى اللّه عليه و سلّم): اثبت أحد، فثبت.

فضل جبل أحد و ما ورد فيه من الأحاديث الشريفة:

ان الله تبارك و تعالى قد فضل هذا الجبل المبارك على بقية الجبال، فأعلى من شأنه، و رفع من مكانته، فجعله في مدينة رسوله الأعظم (صلى اللّه عليه و سلّم). هذه المدينة التي تعد من أشرف بقاع الأرض، حيث فضل الله تعالى هذه المدينة و شقيقتها مكة المكرمة على سائر الأماكن و البقاع، و شرفها بأن جعلها مهاجر نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم)، هذا النبي العظيم الذي فضله الله تعالى على كافة الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام.

و قد حظي هذا الجبل المبارك بالكثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي انفرد بها فاعتلى مقامه و حظي بمكانة لائقة في قلوب المسلمين فأحبه المسلمون و استبشروا برؤيته.

و فيما يلي سنذكر بعضا من تلك الفضائل و الخصائص و المميزات التي حظي بها هذا الجبل العظيم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة:

* فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجت مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى خيبر أخدمه، فلما قدم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) راجعا و بدا له أحد قال: «هذا جبل يحبنا و نحبه ...» متفق عليه و اللفظ للبخاري‏ (1).

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الجهاد: باب فضل الخدمة في الغزو- حديث رقم (2732) 8/ 105، و في «صحيح مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة حديث رقم (1365) ص (993).

128

(15) (جبل أحد) «أحد جبل يحبنا و نحبه».

129

* و عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: أقبلنا مع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: «هذه طابة و هذا أحد جبل يحبنا و نحبه» متفق عليه و اللفظ للبخاري‏ (1).

و يشير الدكتور خليل ملا خاطر (2) إلى أن قول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في حديث أبي حميد الساعدي إنما كان بعد عودته من غزوة تبوك، بينما في حديث أنس رضي الله عنه- السابق- كان بعد عودته (صلى اللّه عليه و سلّم) من غزوة خيبر و بين الغزوتين سنتان تقريبا.

و قد كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يحب النظر إلى جبل أحد و يفرح برؤيته، فعن أنس رضي الله عنه قال: نظر رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى أحد فقال: «إن أحدا جبل يحبنا و نحبه» متفق عليه‏ (3).

و عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «أحد جبل يحبنا و نحبه» رواه البخاري‏ (4).

كما جاء في فضل هذا الجبل الكثير من الأثار و الأحاديث الأخرى التي وردت في غير «الصحيحين»: و نذكر منها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «إن أحدا هذا جبل يحبنا و نحبه» رواه الإمام أحمد (5) و ابن شبة.

و عن سويد الأنصاري رضي الله عنه قال: قفلنا مع نبي الله (صلى اللّه عليه و سلّم) من غزوة خيبر، فلما بدا له أحد قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم):

«الله أكبر أحد جبل يحبنا و نحبه» رواه أحمد و البخاري في «تاريخه» و الطبراني في الكبير (6).

و عن أبي عيسى بن جبر رضي الله عنه أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال لأحد: «هذا جبل يحبنا و نحبه على باب من أبواب الجنة، و هذا عير جبل يبغضنا و نبغضه على باب من أبواب النار» رواه الطبراني في «الكبير» «و الأوسط» و البزار (7).

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- (8/ 125)- حديث رقم (4422) و رواه مطولا في (3/ 343) حديث رقم 1481، و في «صحيح الإمام مسلم»- حديث رقم (1392): باب أحد جبل يحبنا و نحبه- ص (1011).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 59).

(3) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب المغازي- باب أحد جبل يحبنا و نحبه، «صحيح مسلم»- كتاب الحج، باب: أحد جبل يحبنا و نحبه حديث رقم (504) ص (1011).

(4) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الزكاة- باب قرص التمر ...

(5) «مسند الإمام أحمد» (2/ 337، 387)، ابن شبة- «تاريخ المدينة المنورة»- (1/ 82).

(6) «مسند الإمام أحمد» (3/ 433)، «التاريخ الكبير»- (2/ 380)، «المعجم الكبير» للطبراني (7/ 106، 107).

(7) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 63).

130

و عن عمرو بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «أربعة أجبل من جبال الجنة، أحد جبل يحبنا و نحبه جبل من جبال الجنة ...» رواه ابن شبة و الطبراني في «الكبير» (1).

و قد كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) اذا قدم من سفر تطلع لرؤية أحد فيستبشر به. فعن أبي قلابة (رحمه الله تعالى) قال: كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إذا جاء من سفر فبدا له أحد قال: «هذا جبل يحبنا و نحبه» ثم قال:

«آيبون تائبون، ساجدون، لربنا حامدون» رواه ابن شبة (2).

كما حظي هذا الجبل المبارك بالنصيب الأوفى من رضاء الله تعالى فجعله على ترعة من ترع الجنة و ركنا من أركان الجنة. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «إن أحدا جبل يحبنا و نحبه و هو على ترعة من ترع الجنة و عير على ترعة من ترع النار» رواه ابن ماجه‏ (3).

و عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «أحد ركن من أركان الجنة» رواه الطبراني في «الكبير» (4).

و قد أمر الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لمن جاء هذا الجبل المبارك أن يأكل من نباته و لو من شوكه، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «أحد على باب من أبواب الجنة فإذا مررتم به فكلوا من شجره و لو من عضاهه» رواه ابن شبة و الطبراني‏ (5).

و قد ارتجف هذا الجبل المبارك عندما صعد عليه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و أبو بكر و عمر و عثمان، و قد كان ارتجافه إظهار العظمته (صلى اللّه عليه و سلّم) و طربا به و استبشارا. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) صعد أحدا و أبا بكر و عمر و عثمان فرجف بهم فضربه برجله و قال «اثبت أحد فما عليك إلا نبي و صديق و شهيدان» رواه البخاري‏ (6).

و مما سبق نجد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد تكرر منه الإشارة إلى هذا الجبل بأنه «يحبنا و نحبه» فزرع فيه المحبة فجعله في شوق و محبة للنبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، كما بادله النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ذلك الحب فأحبه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و كان يستبشر به و يفرح برؤيته، و قد اختلف العلماء في معنى‏

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- عمر بن شبة- (1/ 80، 81)، «المعجم الكبير للطبراني» (71/ 18، 19).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- عمر بن شبة- (1/ 81).

(3) «سنن ابن ماجة»- كتاب المناسك- باب فضل المدينة حديث رقم (3115).

(4) «المعجم الكبير للطبراني»- (6/ 185، 186).

(5) «تاريخ المدينة»- ابن شبة- (1/ 84) «مجمع الزوائد»- (4/ 13، 14).

(6) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) «لو كنت متخذا خليلا» حديث رقم (3483)- (3/ 1348).

131

قوله (صلى اللّه عليه و سلّم) «يحبنا و نحبه» و للعلماء في هذا المعنى ألفاظ و أقوال قد ذكرها و أوضحها الدكتور خليل ملا خاطر في كتابه «فضائل المدينة» (1) نوجز منها ما يلي:

أولا: تكون المحبة على المجاز و هو على تقدير حذف مضاف و التقدير أهل أحد- و هم الانصار لأنهم جيرانه.

ثانيا: أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفر فإذا رآه كأنه يبشره عند قدومه من سفره بقربه من أهله و لقائه بهم و ذلك فعل من يحب بمن أحب.

ثالثا: أن الحب على حقيقته و ظاهره و يدل على ذلك عدة أمور:

- أن كون جبل أحد من جبال الجنة، لذا تعلق الحب من النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) به لخصوصه بذلك.

- أن القدرة الإلهية صالحة لإيجاد العقل و الإدراك و المحبة في الحجارة و في سائر الجمادات.

- حدوث نظير ذلك من الجمادات تجاه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) كحنين الجذع شوقا إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و اضطراب جبل أحد تحت قدميه (صلى اللّه عليه و سلّم) فخاطبهما النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) مخاطبة من يعقل.

- إثبات الخشية و الخشوع و التسبيح و الذكر للجمادات و في إثبات ذلك الكثير من آيات الكتاب الحكيم و منها قوله جل شأنه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ‏ (الإسراء: 44).

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 66).

132

الطريق إلى جبل أحد:

إن الطريق إلى جبل أحد أو إلى منطقة سيد الشهداء طريق قديم جدا، و هو من أول الطرق و الدروب القديمة التي وصلت بين ضاحية سيد الشهداء و بين المسجد النبوي الشريف، و قد كان هذا الطريق أو الدرب متعرجا و لا يتجاوز عرضه عن أربعة أمتار و مختلف العرض في أجزاء أخرى، و قد كان هذا الطريق يستخدم للسير على الأقدام و خاصة في وقت الزيارة، و قد ظل ردحا من الزمن حتى تمت توسعته في بعض أجزائه و إزالة بعض أكوام التراب و العيدان المنتشرة على جانبيه، و ظل هكذا حتى بداية العهد السعودي الزاهر حيث تمت توسعة هذا الطريق و تعديل مساره كمحاولة لجعله مستقيما في معظم أجزائه، و بذلك فقد دخل معظم الطريق القديم ضمن الطريق الجديد فيما عدا بعض أجزائه المتعرجة كالجزء الذي يمر بجوار أجمة الشيخين و حتى مسجد المستراح.

(16) (جبل أحد) الطريق القديم المؤدي الى منطقة أحد بعد التوسعة الأولى‏ (1).

____________

(1) تقرير المنطقة الحضرية المقدم من الاستشاري (شاكر و مصلى و منديلي) لأمانة المدينة المنورة لمنطقة أحد- تقرير رقم 22 و رقم 23.

133

(17) (جبل أحد) طريق سيد الشهداء المؤدي إلى جبل أحد بعد إخضاعه لمشروع التحسين و التجميل.

و من خلال توسعة هذا الطريق و إزالة جميع العقبات دبت الحياة و الحركة و انتعش العمران في هذه الجهة، و قد كان هذا الطريق حتى هذا الوقت هو الطريق الوحيد المؤدي إلى منطقة سيد الشهداء رضي الله عنه، بالإضافة إلى بعض الدروب الخاصة بالدواب و التي كانت تمتد بين منطقة العيون و حتى سيد الشهداء بين المزارع و البساتين و بمحاذاة الجهة الجنوبية لجبل أحد حيث اشتهرت في هذه المنطقة كثير من المزارع و البساتين.

و في عهد خادم الحرمين الشريفين و الذي يعتبر عصر النهضة الكبرى للمدينة المنورة لما شهدته من تطور عمراني شامل حظي من خلالها هذا الشارع بالتوسعة و إخضاعه لمشروع التجميل و التحسين التي جعلت منه شارعا حضاريا و حيويا يربط شمال المدينة بالحرم النبوي الشريف و لم يعد هذا الشارع هو الشارع الوحيد المؤدي إلى منطقة سيد الشهداء و جبل أحد حيث فتحت في هذا العصر الزاهر الكثير من الطرق و الشوارع المباشرة و غير المباشرة ففتح امتداد شارع أبي ذر و هو شارع مباشر يصل الحرم النبوي الشريف بمنطقة أحد بالإضافة إلى الطريق العملاق طريق الملك فهد الذي يصل الحرم النبوي الشريف بمنطقة أحد أيضا، كما يمكن الوصول إلى هذه المنطقة بمجموعة أخرى من الشوارع و الطرق غير المباشرة كالطريق الدائري الثاني و طريق المطار عبر شارع أحد و طريق الجامعات عبر طريق العيون.

(18) (جبل أحد) المنطقة الحضرية التاريخية و يرى حوله بعض الحجاج و الزوار من شتى بقاع العالم.

134

(19) (جبل أحد) جبل أحد حيث تنوعت الألوان فتباينت الكتل.

الوصف الطبيعي للجبل:

إن الوصف الطبيعي لجبل أحد لهو وصف يطول الحديث عنه فقد احتوى هذا الجبل على أجمل أنواع التكوينات الصخرية ذات الألوان و الأشكال المختلفة و التي تكونت من خلالها بعض البرك و المهاريس التي اختلفت في أحجامها و أشكالها تبعا لأشكال و أحجام الفجوات الطبيعية بين الصخور.

كما احتوى هذا الجبل على الكثير من الكهوف و الشقوق التي شكلت من خلالها أجمل أنواع التكوينات الصخرية حتى لأنك تقف مذهولا أمام تلك القطع الصخرية الهائلة و هي معلقة على جزء بسيط من الجبل و كأنها نحتت في هذا الجبل بكل دقة و إتقان، كما تتوج هذا الجمال بتلك النباتات و الزهور المختلفة التي غطت الجبل في كثير من أجزائه و منحدراته و شعابه و مهاريسه.

إن ما لعبته تلك النباتات بأشكالها و أنواعها المختلفة كان له عظيم الأثر في تكوين لوحة فنية جميلة تتناغم فيها النباتات الخضراء مع ألوان الصخور المتنوعة، فتارة يظهر خضار النباتات على الصخور السوداء و تارة على الصخور الشهباء و تارة على الصخور الحمراء و هكذا تكرر هذا التناغم و التباين الجميل في كل جزء من أجزاء هذا الجبل، و كون مجموعة كبيرة من اللوحات الفنية التي يعجز اللسان عن وصفها. إن جبل أحد يعتبر بحق من أجمل جبال المدينة بل من أجمل جبال المنطقة على الإطلاق فلو شاء الله للزائر لهذا الجبل و دخل إلى منطقة المهاريس في وسط الجبل من عند الشعب لشعر على الفور قدرة الله تعالى و عظمته التي جعلت من هذا الجبل الجامد الموحش واحة غناء بها الأشجار و الزهور و النباتات، و يسمع فيها خرير المياه و زقزقة العصافير و ذلك بعد فصل الأمطار.

كما تعجب إذا رأيت تلك البرك و الفجوات المائية المتنوعة و التي تكونت بين الصخور الصلبة و منحتها جمال الطبيعة و عظمة التكوين، كما أن من‏ (20) (جبل أحد) جبل أحد و تظهر بعض التكوينات الصخرية المختلفة.

135

(21) (جبل أحد) جبل أحد و يظهر فيه التجانس الطبيعي بين ألوان الصخور.

العجيب في تلك البرك أن ترى في بعضها مجموعة من الكائنات الحية كأنواع مختلفة من الأسماك الصغيرة و الضفادع، و خاصة في تلك البرك التي تقع في أعلى الشعب بين التكوينات الصخرية الصماء و التي يظل فيها الماء لفترة طويلة و التي تسمى المهاريس.

و لسهولة التعرف على الوصف الطبيعي لهذا الجبل فيمكننا أن نحدد هذا الوصف في المظاهر الطبيعية التالية:

- وصف الجبل و تكويناته الطبيعية.

- لون جبل أحد و ثرواته الطبيعية.

- المهاريس و التكوينات الطبيعية لمخازن المياه.

- نباتات و أعشاب جبل أحد.

(22) (جبل أحد) جبل أحد و يظهر تباين الكتل و انسجام التكوين.

136

(23) (جبل أحد) تجانس الألوان و تباين الكتل أحد السمات الهامة لجبل أحد.

(24) (جبل أحد) تكوينات مختلفة من الصخور تكون لوحة رائعة من إبداع القدرة الالهية.

وصف الجبل و تكويناته الطبيعية:

إن التكوين الرئيسي لهذا الجبل ينتمي في الأصل إلى مجموعة الدرع العربي الذي يتكون في كثير من جباله من الصخور المتآكلة (1) و الصلبة ضمن إطار هذا التكوين، و ما جبل أحد إلا أحد جبال هذا التكوين.

و يمتد جبل أحد من الشرق إلى الغرب في شمال المدينة المنورة و بطول يصل إلى حوالي ست كيلومترات و نصف تقريبا، في حين يبلغ أكبر عرض فيه بحوالي ثلاثة كيلومترات و ربع تقريبا. و يبلغ ارتفاع هذا الجبل عن سطح البحر بنحو ثلاثمائة و خمسين مترا تقريبا.

و يغلب على تكوينات هذا الجبل أحجار الجرانيت الذي يميل لونه في الأغلبية العظمى إلى اللون الأحمر الداكن، و به عروق مختلفة الألوان منها الأزرق و الأسود و الأبيض و الأخضر و الرصاصي.

و قد أشار الدكتور عمر الفاروق إلى التكوين الجيولوجي لهذا الجبل بقوله أن التكوين السائد له هو نوع من أنواع الجرانيت رمز له بالرمز(GP) و يكون لون هذا الجرانيت في الغالب هو الأحمر أو الوردي الفاتح، و يتوزع هذا النوع من الجرانيت في غير هذا الجبل في كثير من البروزات الصخرية الباطنية و السدود الحلقية المستديرة، و هو جرانيت غير متحول و يرجع إلى العصر الكامبري.

و يتشابه تكوين هذا الجبل مع جبل عير في جنوب المدينة إلا أن الأخير يختلط به تكوينات أخرى يرمز لها بالرمز(SR) و تعرف‏Shammar -rhudite

____________

(1) مجلة «المنهل»- العدد 499 المجلد 54 لعام 1413 ه- ص (90، 91).

137

(25) (جبل أحد) صورة لأحد أهم شعاب جبل أحد.

و هي عبارة عن سوائل و مقذوفات بركانية ناعمة (1).

و يتكون جبل أحد من مجموعة كبيرة من الرؤوس و الهضاب حتى أنه ليتخيل للناظر إليها من قرب بأنها عبارة عن جبال شبه مستقلة و أن جبل أحد هو عبارة عن سلسلة كبيرة من الجبال و الهضاب المتباينة، و قد أدى هذا التباين بين الجبال و الهضاب إلى ظهور تلك التكوينات الصخرية الهائلة التي ظهرت بأشكالها و أحجامها المختلفة، فمنها تكوينات صخرية عظيمة و هائلة كونت بين صخورها تلك الكهوف و الشقوق الكبيرة و التي امتدت في بعضها إلى أعماق‏

____________

(1) المدينة المنورة «اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق سيد رجب- ص (52).

138

(26) (جبل أحد) صورة لأحد الكهوف الكبيرة في أعلى الشعب و التي يصعب الوصول إليها.

(27) (جبل أحد) صورة لأحد الكهوف المنهارة أسفل الشعب نتيجة تعرضها المستمر لمياه الشعب الهابطة من أعلى الجبل.

داخل هذه الصخور وصل في بعض الأحيان إلى أكثر من عشرة أمتار و بارتفاع تجاوز المتر و النصف.

كما يلاحظ أن هناك مجموعة كبيرة أخرى من تلك الكهوف و قد تهدمت بسبب تساقط بعض الصخور الهائلة داخل هذه الكهوف فسدت مداخلها، و أغلب هذه الكهوف هي الموجودة بالقرب من شعاب الجبل و مسايل انحدار المياه، حيث أدى تدفق و انحدار تلك المياه المستمر و لفترات طويلة إلى تآكل بعض أجزاء الصخور العليا للكهوف مما أدى إلى تساقطها و سد مسارات بعض الشعاب في بعض الأحيان.

كما أن التكوينات المختلفة لطبيعة الصخور و ارتفاعاتها أدى إلى وجود عدد كبير من الشعاب الهابطة من نفس الجبل، و يعتبر شعب جبل أحد الجنوبي المعروف هو أهم و أكبر شعاب جبل أحد. و يستمد هذا الشعب كثيرا من مياهه عبر شرائع و شعاب صغيرة منتشرة في أعلى الجبل حيث تجمع هذه الشعاب و الشرائع ما يصل إليها من مياه الأمطار و تقوم بدورها بإيصالها للشعب الرئيسي و يسمى شعب الجرار.

لذا يعتبر شعب جبل أحد الجنوبي من أخطر شعاب الجبل، حيث تهبط المياه فيه بشكل مفاجي‏ء و غزير يجرف كل ما يقع أمامه حتى يتصل بوادي قناة.

و يلاحظ أن أغلب المهاريس و البرك و التكوينات المائية بين الصخور قد انتشرت حول هذا الشعب قبل هبوطه إلى سفح الجبل.

كما يحتوي هذا الشعب على الكثير من النباتات و الزهور البرية و المائية فظهرت تشكيلات جميلة و بديعة حول برك المياه، و أخرى بين شروخ الصخور و أعالي التلال، و إن من بديع قدرة الله و جميل صنعه أن ترى تلك النباتات الصغيرة و الضعيفة بسيقانها الرفيعة و هي تقاتل من أجل الحياة فتجدها تارة و قد

139

(28) (جبل أحد) أحد التجاويف الكبيرة و قد سد مدخلها بسقوط صخرة هائلة على مدخلها من أعلى الشعب.

(29) (جبل أحد) أحد التجاويف الصغيرة المنتشرة بشكل كبير حول الشعب و بين تكوينات الصخور.

(30) (جبل أحد) تكوينات صخرية بارزة عند مهبط أحد الشعاب الفرعية لجبل أحد.

140

(31) (جبل أحد) أحد الشعاب الصغيرة بين تكوينات الصخور.

برزت بين طبقات الصخور و تارة تجدها و قد ظهرت بين الشروخ الطبيعية، كما تجد البعض منها التوى ساقها و تعرج لكي يخرج من تلك الفجوات و الشروخ إلى الخارج حيث الضوء و الهواء، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شي‏ء و إليه ترجعون.

(32) (جبل أحد) نموذج للتكوينات الصخرية عند بداية الشعب الجنوبي لجبل أحد.

(33) (جبل أحد) نماذج لبعض التكوينات الصخرية في أعلى الشعب الجنوبي لجبل أحد.

141

(34) (جبل أحد) نموذج رائع من الصخور العليا للشعب ذات الالوان المتداخلة و التي تتخللها بعض العروق و الفواصل الطبيعية.

لون جبل أحد و ثرواته الطبيعية:

إن الحديث عن جبل أحد بشكل عام و عن لونه بشكل خاص يعني الحديث عن جبل متميز ينفرد بخصائص لا تكاد توجد في جبل آخر، و من ضمن أهم تلك الخصائص موضوع لون هذا الجبل، فجبل أحد يبدو للناظر إليه من أول وهلة بأنه ذو لون عادي شأنه في ذلك شأن اللون المعتاد في أغلب جبال المدينة و هو اللون الأحمر الداكن المخضب باللون الأسود في بعض الأحيان، و هذا الانطباع صحيح إلى حد ما حيث أن الأغلبية العظمى من صخور هذا الجبل تحمل اللون الأحمر الداكن، و هذه الأغلبية هي التي أعطت هذا الانطباع.

و لكن لو نظرنا إلى هذا الجبل نظرة متأمل و تجولنا داخل شعابه و تجاويفه لوجدنا أن صخور هذا الجبل تحمل من الألوان ما يصعب إحصاؤه أو حصره، فهناك الصخور الزرقاء و الخضراء و البيضاء و السوداء و الحمراء إلى غير ذلك من مئات درجات الألوان الأخرى التي قد يعجز الإنسان في بعض الأحيان أن يحدد لونها نظرا لاختلاط الألوان و تداخلها، فهناك من الصخور ما يبدو بلون، و عند النظر اليه من زاوية أخرى نجده و قد أعطى لونا أخر، و هناك من الصخور ما احتوت على درجات عدة من نفس اللون فنجد منها اللون الأزرق بدرجاته المختلفة و التي تبدأ باللون الأحمر الداكن و تنتهي باللون البيج فتمثل الأغلبية العظمى لصخور هذا الجبل، كما يلاحظ وجود بعض الصخور البراقة و التي تشبه الأحجار الكريمة، و لا يستبعد أن تكون منها، فقد وجدت في أعلى الشعب قطعة حجر زرقاء اللون ذات بريق متوهج و قد غطيت أجزاء كبيرة من هذه الصخرة بأحجار الشعب المنحدرة مع المياه الجارفة من أعلاه، و قد تأملت هذه الصخرة فوجدتها و كأنها قطعة من حجر كريم مصقول الجوانب، كما وجدت عليها عروقا كثيرة يسيطر عليها بعض العروق الفضية البراقة و قد ترجح لي بأنها عروق من المعادن و ربما من أثمن أنواع المعادن فحاولت كسر قطعة منها فلم أستطع نظرا لقوة و صلابة هذه الصخرة.

إن المتجول داخل هذا الشعب يرى الكثير من عجائب الصخور، و يرى من التكوينات ما لا يصدقه عقل فسبحان الله الخالق. و يحتوي جبل أحد على الكثير من المعادن كالحديد في الصخور السطحية و النحاس في التكوينات الداخلية لبعض صخور الشعاب بالإضافة إلى الكثير و الكثير من المعادن التي تحتاج إلى مختص في هذا المجال ليحدد نوعها.

و قد سبق و أن أشار كثير من المؤرخين من زوار هذا الجبل إلى وجود مثل هذه الحالات، فنجد أن الاستاذ عبد القدوس الأنصاري و قد نقل إلينا ما رواه مؤلف مرآة الحرمين بقوله: فإننا قد وجدنا فيه هضابا و صخورا و عروقا مختلفة

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

(35) (جبل أحد) تكوينات جميلة من الصخور الحمراء الداكنة عند منحدر الشعب و تظهر و قد أثرت عليها عوامل التعرية.

الألوان بعضها يميل إلى الزرقة و بعضها أسود إثمدي و بعضها رمادي اللون و بعضها أخضر، و قد لفت نظري بوجه خاص ما لاحظته في بعض عروقه بالطريق الذي صعدنا منه إلى قبة هارون و هو أن بعض تلك العروق لها إشراقة و في بعضها اخضرارا زاهيا (1).

كما روى لنا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ما رواه السيد أسعد ابن السيد محي الدين الحسيني بقوله: (هذا و قد حدثني السيد أسعد ابن السيد محي الدين الحسيني قال: إنه في أثناء صعوده مع جماعة إلى المهراس الغربي من الجبل عام 1320 ه عثر فيما بعد هذا المهراس على حجر إثمد وزنه مثقالان فباعه إذ ذاك بخمسة جنيهات مسكوفية ذهبا ثم في أثناء جولاته بذلك الموقع عام 1351 ه وجد حجر إثمد آخر وزنه سبعة مثاقيل و لا يزال موجودا لديه. و قد أرانيه فإذا هو ثقيل جدا يبدو له بريق و لمعان يزينه سواد ضارب إلى الحمرة.

و قد روى لي أيضا أن الحاج جلال البخاري كان قد عثر بقرب هذا المهراس نفسه على حجر كبير و بكسره له انفلق عن زبرجدة كبيرة باع منها بمبلغ ستون جنيها إفرنجيا ذهبا و لا يزال لديه فص صغير من بقية ذلك الحجر الكريم. و كل هذا يدل دلالة حسية على ما في جبل أحد من نفيس الجواهر و كريم المعادن مما يتفق مع ما شاهدته من إشراق بعض الحجارة به) (2).

هذا بالإضافة إلى الكثير من القصص المشابهة، و خاصة ما نسمعه من الرجال كبار السن من أهل المدينة عندما يتحدث عن هذا الجبل و ما فيه من نوادر و تحف صخرية كثيرة.

كما أحب أن أشير هنا إلى أن بعض الدالة من أبناء البادية و القاطنين في سفح جبل أحد و الذين صحبت بعضا منهم أثناء صعودي إلى المهاريس من خلال الشعب يحصلون على بعض قطع نادرة من الأحجار البراقة أو ذات العروق الملونة و يبيعونها على زوار المنطقة من الحجاج. كما أنني أثناء جولتي في الشعب مع بعض الدالة الذين أخذوا يشيرون على بعض الصخور فسألت أكبرهم و هو المدعو عبد العزيز ما تلك الصخور؟ فقال: إن هذه الصخور تنوّر و لها ضوء أزرق اللون. و لم أستطع الحصول على قطعة من تلك الصخور نظرا لأنها كانت عالية و يصعب الوصول اليها. و لكن بعد التأمل و التدقيق تأكدت بأنها عبارة عن صخور ملساء مصقولة يغلب عليها اللون الأزرق تعكس ما

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ص (197).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ص (199).

144

(36) (جبل أحد) قطعة مستديرة من حجارة الجص عند مهبط الوادي أسفل الشعب و هي قطعة صلبة خشنة الملمس.

يسلط عليها من ضوء. و خاصة عند سقوط أشعة الشمس وقت الظهيرة.

كما وجدنا هناك بعضا من تلك الصخور و قد احتوت على عروق كثيرة ملونة الشكل تبدو على سطح تلك الصخور بشكل بارز كأنها حبات من اللؤلؤ الملون، فيما تبدو العروق الأخرى بشكل غاطس خاصة بين فواصل القطع الصخرية المتجاورة.

كما أن هناك نوع آخر من الصخور تشعر عند لمسك إياه و كأنه مدهون بمادة دهنية أو زيتية، هذا إلى غير ذلك من عجائب الألوان و خصائص الصخور الكثيرة التي تحتاج إلى من يقوم بدراستها دراسة مستفيضة لإيضاح الكثير من أسرار و خصائص تلك الصخور في مثل هذا الجبل العظيم.

(37) (جبل أحد) قطعة صخرية عجيبة اللون حيث تمثل نموذجا من الصخور البراقة ذات اللون الأزرق و يظهر كأنها تحتوي على كمية من المعادن.

(38) (جبل أحد) قطعة تمثل نموذجا لبعض صخور الشعب السفلي و يظهر فيها اللون الأخضر و المخضب باللون البني و يتخللها بعض العروق الملونة.

(39) (جبل أحد) قطعة من حجارة الجص الموجودة في نهاية الشعب بالقرب من سفح الجبل و قد امتد جزء كبير منها إلى داخل الكتلة الصخرية المجاورة.

145

(40) (جبل أحد) نموذج لقطعة من حجر الكلوه ذو اللون البني و هي قطعة من قطع الأحجار ذات الملمس الدهني.

(41) (جبل أحد) قطعة صخرية بيضاء مخضبة باللونين الأزرق و البيج و هي جزء من صخرة عظيمة مجاورة لها من الغرب.

(42) (جبل أحد) نموذج لجزء من صخرة في أعلى الشعب تتداخل فيها الألوان بشكل يمثل قمة الجمال و الروعة و يتخلل هذه الصخرة مجموعة من العروق الملونة البراقة و التي تشير إلى وجود بعض المعادن.

(43) (جبل أحد) لوحة رائعة تتناثر فيها قطع الأحجار الصغيرة بألوانها الزاهية في داخل الشعب و قد تجمعت نتيجة جرفها مع مجرى السيل إلى داخل انخفاض الشعب.

(44) (جبل أحد) قطعة من الحجر الملفوف ذات اللون البني الفاتح و هي قطعة صلبة جدا.

146

(45) (جبل أحد) قطعة صخرية بيضاء مخضبة باللون الأزرق الفاتح و تحتوي على بعض العروق الزرقاء الصغيرة ذات البريق المتوهج.

(46) (جبل أحد) نموذج لبعض الصخور ذات الألوان المتجانسة و قد أثرت عليها عوامل التعرية.

(47) (جبل أحد) نموذج لجزء من صخرة متداخلة الألوان نقش عليها بعض الآيات اتضح منها (الله أحد ... الله الصمد).

(48) (جبل أحد) نموذج لقطعة من الصخر ذو اللون الأزرق و قد كان تحت تأثير مسقط مائي مجاور أثر على تكوينه الطبيعي.

(49) (جبل أحد) صخرة من اللون البني الفاتح و المعرقة باللون الأخضر و التي يتخللها الكثير من العروق الخضراء الداكنة.

147

(50) (جبل أحد) صورة تمثل جزءا من شعب جبل أحد و المنحدر إلى الجهة الجنوبية و المعروف بشعب المهاريس.

المهاريس و التكوينات الطبيعية لمخازن المياه:

المهراس‏ (1) بفتح أوله و سكون ثانيه و آخره سين مهملة، ماء بجبل أحد، قاله المبرد: و هو معروف بأقصى جبل أحد. و المهراس مأخوذ من الهرس و هو الدقة و المهراس في اللغة حجر مستطيل منقور يتوضأ منه‏ (2)، و يدق فيه و في «لسان العرب» لابن منظور (سمي مهراسا لأنه يهرس به الحب و غيره) (3). قال الإمام السهيلي: (إن المهراس يطلق على كل حجر منقور يمسك الماء) (4).

و في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه «فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت» (5). و في «عمدة الأخبار» المهراس مقيال لأهل المدينة في موسم الأمطار (6).

و تعرف المهاريس أيضا بالقلات، و تشيع هذه التسمية اليوم عند أبناء البادية من سكان سفح أحد و المجاورين له و القلات جمع قلت بإسكان اللام و في «لسان العرب» هي النقرة في الجبل تمسك الماء (7).

و تنتشر هذه المهاريس في شمال الغار لتشغل أجزاء كثيرة من شعب الجرار و المعروف بشعب هارون، و يتقدم هذه المهاريس المهراس الكبير و هو على مستوى منخفض من سفح الجبل عند الشعب المذكور، ثم تليه بقية المهاريس بأحجام و أعماق مختلفة تظهر منتشرة على طول الشعب و حتى أعلى الشعب، و تمتلي‏ء هذه المهاريس بمياه الأمطار في موسم الأمطار، ثم تضمحل تدريجيا و يتغير لونها و طعمها حيث تنمو فيها الطحالب، و ما أن توشك على الجفاف حتى تهطل الأمطار فتمتلي‏ء مرة أخرى.

و المهاريس في أبسط تعريف لها هي عبارة عن نقر مختلفة الأحجام تنتشر بين طبقات الصخور فتحبس المياه فيما بينها. و يشير السيد العباسي إلى هذه المهاريس‏ (8) فيصفها بقوله: (و إنما المهراس شبه حوض كبير وسط الوادي على يسار الصاعد إلى أحد. قلت و هو نقرة في الجبل طولها نحو أربعة عشر ذراعا في عرض سبعة أذرع و هو بعيد عن حومة القتال). و يقصد السيد العباسي بقوله في وسط الوادي أي في وسط الشعب المتكون من تجمع مياه الشرائع الهابطة من الجبل.

____________

(1) «عمدة الأخبار»- العباسي- ص (424)، «آثار المدينة المنورة»- عبد القدوس الانصاري- ص (183).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص (415).

(3) «لسان العرب»- لابن منظور- (6/ 248)، «المعجم الوسيط»- (2/ 981).

(4) «الروض الانف»- السهيلي- (2/ 158).

(5) «فتح الباري لشرح صحيح البخاري»- (13/ 232) حديث رقم (7253).

(6) «عمدة الأخبار»- العباسي- ص (424).

(7) «لسان العرب»- لابن منظور- (2/ 72).

(8) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- ص (424)، «أنظر المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص 415.

148

و يعطينا المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي وصفا لهذا المهراس يتضح من خلاله حجم و ضخامة بعض المهاريس فيقول: (و المهراس غب السماء يصير غديرا صافيا يسبح فيه، ورد أن أهل المدينة إذا خرجوا متنزهين إلى «أحد» لكفاهم ذلك الماء الذي يكون بالمهراس) (1). و تعتبر هذه المهاريس من أروع الأماكن التي يقصدها أهل المدينة للنزهة و الاستجمام، و خاصة في فصل الشتاء حيث تكثر الأمطار فتجدد من مياه هذه المهاريس فتصبح مياهها صافية عذبة ينتشر حولها الكثير من النباتات و الحشائش، مما يجعل من شعب المهاريس هذا قمة من الجمال و روعة من روائع الإبداع الإلهي لهذا الجبل العظيم.

الأثر التاريخي للمهاريس:

تعتبر المهاريس من المعالم المميزة لجبل «أحد» و أحد عناصره الجمالية الهامة، مما جعل منها مقصدا للزوار و المتنزهين من أهل المدينة و غيرهم.

و في «خلاصة الوفاء» و «المغانم المطابة» أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بماء من المهراس في درقته بعد انتهاء المعركة فوجد له النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ريحا فعاف شربه، و غسل منه الدم و صب على رأسه‏ (2).

و يعلق الأستاذ عبد القدوس الأنصاري على ذلك بقوله: (و في فصل الشتاء لكثرة هطول الأمطار بالمدينة في هذا الفصل تنساب المياه من أعالي هضاب الجبل إلى هذه النقر فتمتلى‏ء و تفيض على المهاريس و غيرها، و بذلك يتجدد ماؤها و يصفو فيصبح لذة للشاربين، و إذا انقضى الشتاء و مكث الماء بالمهاريس أمدا طويلا أو تأخر نزول المطر عن وقته فإن ماءها يتغير طعمه و لونه و ريحه و تعلوه قشرة من الطحلب و يتوالد فيه حيوان الماء فلا يصلح للشرب.

و نستنتج من هذا البيان و مما سبق ذكره من وجود النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ريحا بماء المهراس حين قدم له في غزوة «أحد» فإما أن تكون هذه الغزوة وقعت في موسم الصيف، أو في وقت تقدمه عدم نزول الأمطار في المدينة بمدة مديدة، و إذا تأخر هطول الأمطار زمنا أطول غاص ماء المهراس كما شاهدناه مرارا) (3).

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص (415).

(2) «خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى»- السمهودي- ص (611)، «المغانم المطابة»- الفيروز أبادي- ص 396.

(3) «آثار المدينة المنورة»- السيد عبد القدوس الأنصاري- ص (183، 184).

149

(51) (جبل أحد) صورة لشعب المهاريس و به قطعة من الصخر ذو اللون الأزرق و قد كان تحت تأثير مسقط مائي مجاور أثر على تكوينه الطبيعي.

(52) (جبل أحد) صورة تمثل أحد الشعاب الفرعية المنحدرة من الجبل تجاه الشعب الرئيسي المعروف بشعب المهاريس.

و قد أخرج البخاري في كتاب «المغازي» في باب ما أصاب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من الجراح يوم «أحد» قوله‏ (1): (و سئل سهل بن سعد رضي الله عنه عن جرح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) فقال: أما و الله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، و من كان يسكب الماء و بما دووي. قال: كانت فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) تغسله و علي يسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها و ألصقتها فاستمسك الدم. و كسرت رباعيته يومئذ و جرح وجهه و كسرت البيضة على رأسه).

و يرجح بأن الماء الذي غسل به جرح النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هو الماء الذي جلبه سيدنا علي بن أبي طالب من المهراس الأكبر الذي يقع في منخفض سفح الشعب، لأنه أقرب المهاريس الى معتصم الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في «أحد» بعد انقضاء القتال و التي تشير الروايات الى أنه عند موقع مسجد أحد.

و يرجح مجد الدين الفيروز أبادي‏ (2) إلى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد نقل الماء في درقته من النقيرات الصغيرة من أول الوادي، أي من المهاريس الصغيرة التي تسبق المهراس الكبير و التي كانت منتشرة في الوادي عند الشعب و قد طمرت هذه النقيرات الصغيرة اليوم فلا يوجد لها أثر، و ذلك نتيجة جريان المياه في هذا الشعب عند سقوط الأمطار مما يؤدي إلى جرف كثير من الحجارة و الطبقات المتفتتة من الصخور و التي أدت بالتالي إلى طمر هذه المهاريس‏

____________

(1) أخرجه البخاري في «المغازي»- باب ما أصاب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من الجراح يوم أحد (7/ 372) حديث رقم (4075).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص (415).

150

(53) (جبل أحد) أكبر أفراد الدالة و اسمه عبد العزيز و هو يقودنا إلى داخل شعب المهاريس.

الصغيرة و التي أشار إليها المؤرخ بالنقيرات الصغيرة و حاليا يعتبر المهراس الأكبر و القائم إلى اليوم هو أقرب هذه المهاريس إلى القادم إلى الشعب.

و قد نقل السيد المؤرخ إبراهيم العياشي (رحمه الله) شعوره بجلال العظمة و الروحانية العالية للقادم إلى هذا الشعب فما أن يدخل الإنسان إلى هذا التجويف حتى يذكر تلك المعركة العظيمة معركة أحد التي ضحى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه الكرام فيقول (رحمه الله) (إنك لتشعر بجلال و قدسية تحفها روحانية و نورانية تتفتح لها النفس المؤمنة عند ما تكون في خلال هذا التجويف، إنك لتشعر كأنك أحد المجاهدين يومها و كأن الغضب و حمية الإسلام يستفزانك فتحمل سلاحك على القوم المعتدين من قومه (صلى اللّه عليه و سلّم)، قريش، فسبحان الله، قومه (صلى اللّه عليه و سلّم) و عشيرته الأقربون قاتلهم و يقاتلونه و الحق و الباطل بين القبيلين أوضح من نور الشمس، الحق يقول الله أعلى و أجل، و الباطل يقول أعل هبل، و بعدها جاء الحق و زهق الباطل ... ثم يضيف قائلا و في هذه التجويفة معجزات القدر يبقى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مع قلة من أصحابه (رضوان الله عليهم) و يصرف الله وجوه أعدائه الكثيرين إلى موعد أخلفوه) (1).

و قد ذكرت هذه المهاريس في قصائد الشعراء فهذا سديف بن ميمون يذكر حمزة و كان وقف بالمهراس‏ (2):

أقصهم أيها الخليفة واحسم‏* * * عنك بالسيف شأفة الأرجاس‏

و اذكرن مقتل الحسين وزيدا* * * و قتيلا بجانب المهراس‏

كما ذكر المهراس في قول عبد الله بن الزبعري القرشي بقوله‏ (3):

فسل المهراس ما ساكنه‏* * * بين أفراس وهام كالجمل‏

____________

(1) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- ص (523).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص (415).

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- ص (183).

151

(54) (جبل أحد) مجموعة من المهاريس الصغيرة المنتشرة في مسار الشعب و التي تبقى فيها المياه لفترات زمنية مختلفة.

(55) (جبل أحد) الانحناءات و الالتواءات الكثيرة لشعب المهاريس يكون المزيد من التجاويف و الفراغات المائية بين الصخور.

وصف المهاريس اليوم:

إن المهاريس بما تشمله من تكوينات طبيعية لخزن المياه هي في الحقيقة عبارة عن تكوينات طبيعية متنوعة، تختلف من تكوين إلى آخر تبعا لشكل هذا التكوين و موقعه بين طبقات و تشكيلات تلك الصخور، و بزيارتي لشعب المهاريس التي قمت بها عدة مرات مع بعض الإخوة و بصحبة مجموعة من الدالة من سكان المنطقة أمكن التعرف على تلك المهاريس، و من مشاهداتي و تحقيقاتي يمكن أن ألخص القول في هذا الموضوع بما يلي:

بالإطلاع على تلك المهاريس و برك المياه يمكن توزيعها الى أربع فئات رئيسية:

الفئة الأولى:

و تتمثل هذه الفئة بالمهاريس الكبيرة و الواسعة و التي توجد في أكثر الأحيان في أسفل السفح عند نهاية الشعب، و يغلب على هذه الفئة أنها مهاريس غير مستديمة المياه فهي عبارة عن برك مؤقتة تظل فيها المياه لفترة قصيرة و سرعان ما تفقد كل مياهها من خلال تسربها داخل الأرض و بين الشعاب و الصخور، و يمد هذا النوع من المهاريس مياه من تجمع مياه الأمطار الهابطة إليها من شعاب الجبل.

و قد ضاعت كثير من معالم هذه المهاريس نتيجة تدخل المعدات الثقيلة في فتح طريق يؤدي إلى أعلى الجبل، كما أدى نقل الاتربة و الصخور عند أسفل الشعب و نقله الى منحدر الطريق إلى انحدار شديد لتلك المهاريس إلى جهة الشعب المؤدي إلى الوادي، و قد أدى ذلك إلى انجراف المياه نحو الوادي مباشرة مما جعل تلك المهاريس تفقد وظيفتها حيث لم تعد تتجمع فيها المياه كما كانت عليه سابقا.

الفئة الثانية:

و تشمل هذه الفئة المهاريس المنتشرة على طول مسار الشعب الأعلى، و يتميز هذا النوع من المهاريس بكثرتها، و هي عبارة عن تجاويف صغيرة تستمد مياهها من المياه المنحدرة للشعب الأساسي فتمتلى‏ء جميع التجاويف بالمياه و تظل هذه التجاويف ممتلئة بالمياه لفترات طويلة و ذلك لتكوينها الطبيعي بين الصخور و عدم وجود فراغات أو شروخ تتسرب المياه من خلالها، و لكن نظرا لصغر أحجامها فهي تفقد مياهها نتيجة التبخر، و تظل المياه باقية في القليل منها حتى مواعيد سقوط الأمطار فتستمد ما فقدته من مياه، و هذا النوع من‏

152

(56) (جبل أحد) مجموعة من المهاريس السطحية التي تستمد مياهها من خرير بعض الشروخ و العيون و التجاويف المنتشرة على بعض الصخور العليا.

التجاويف أو المهاريس لا يزال باقيا مع أن بعضها قد امتلأ بقطع الحجارة و الصخور نتيجة عبث أبناء المنطقة بها، و يمكن الوصول إلى هذا النوع من المهاريس بسهولة عبر منحدر الشعب.

الفئة الثالثة:

و تتمثل هذه الفئة بالمهاريس الكبيرة و العميقة و المتكونة بين التجاويف الكبيرة للصخور، كما يتكون بعضا منها أسفل منحدرات و منخفضات التكوينات الصخرية الصلبة و غالبا ما يتكون هذا النوع من المهاريس في الجزء المنخفض من الشعب.

و تتميز هذه الفئة من المهاريس بحفظها للمياه لفترات طويلة و يكثر في هذه المهاريس الحيوانات المائية و بعض الضفادع، و قد رأيت في بعض منها مجموعات مختلفة و ملونة من الأسماك الصغيرة، و يتراوح عمق هذه المهاريس بين نصف متر و مترين و تبلغ سعة أكبرها حوالي ثلاثين مترا مربعا. و تمتلى‏ء هذه المهاريس بالكثير من الأعشاب المائية و الطحالب التي تعد المصدر الأساسي لغذاء الكائنات المائية الحية و الأسماك، كما أن لهذا النوع من المهاريس رائحة نفاذة و لعل ذلك بسبب بقاء المياه لفترات طويلة و تحلل بعض الحيوانات الميتة بداخلها.

و يمكن مشاهدة هذه المهاريس من أعلى الشعب فتبدوا بأشكالها الجميلة و تكويناتها المختلفة، و يتميز هذا النوع من المهاريس بأنها غير متصلة ببعضها فكل تجويف أو مهراس منفصل بذاته و محاط بتكوينات صخرية صلبة تفصلها عن غيرها من المهاريس.

الفئة الرابعة:

و تشمل هذه الفئة المهاريس العميقة أو الفوهات المتكونة بين التجويفات و الشروخ العميقة للصخور، و هذا النوع من المهاريس يعتبر من أخطر أنواع المهاريس لأنه ليس له أعماق معروفة أو محددة إنما هي تشمل كافة التجاويف أو الشروخ و بأعماقها المختلفة.

و تبدو المياه في هذه المهاريس سوداء اللون داكنة تتجه لعمق كبير كما تحتوي بعض هذه المهاريس على بعض الصخور الحادة بداخلها و الناتجة أساسا من الشروخ الطبيعية، و تعد هذه المهاريس من أخطر أنواع المهاريس و هذا ما لاحظته بالفعل فقد كان أفراد الدالة المصاحبين لي في الرحلة يشيرون لي على هذه المهاريس عن بعد، و لم ألاحظ أحدا منهم اقترب منها بينما رأيتهم جميعا

153

(57) (جبل أحد) بعض المهاريس الصغيرة و السطحية المنتشرة داخل مسار الشعب و هذه المهاريس تستمد مياهها من المياه المنجرفة في الشعب أثناء سقوط الأمطار.

(58) (جبل أحد) صورة تمثل تدفق بعض المياه من أسفل الصخور فتغذي المهاريس المجاورة و غالبا ما يتوقف هذا التدفق بعد فترة من هطول الأمطار فيما عدا بعض الينابيع القليلة التي تدل على أن مياهها مستمرة طيلة أيام السنة.

(59) (جبل أحد) نبع مائي من أسفل أحد الصخور و هو ينحدر إلى أحد المهاريس المنخفضة و يظهر على هذا النبع بأنه من الينابيع المستمرة و ذلك لأن المهراس الذي يغذيه بالمياه عليه طبقة كبيرة من الطحالب و به بعض الحيوانات المائية و الأسماك و هذه دلائل تشير إلى أن المياه في هذا المهراس مستمرة طيلة أيام السنة.

(60) (جبل أحد) المهاريس المتوسطة أسفل الشعب و يلاحظ على هذا المهراس بأنه من المهاريس غير العميقة حيث لا يتجاوز عمقه عن خمسين سنتمترا و يستمد هذا المهراس مياهه من انحدار المياه داخل الشعب عند سقوط الأمطار.

154

(61) (جبل أحد) أحد المهاريس السطحية الصغيرة التي تنتشر على طول مسار شعب المهاريس و يستمد هذا المهراس مياهه من إنحدار المياه داخل الشعب عند سقوط الأمطار إضافة إلى وجود نبع مائي صغير يمد هذا المهراس بالمياه بشكل مستمر.

و قد نزلوا في المهاريس الأخرى و سبحوا فيها. و قد كنا بالفعل نرمي قطعة الحجر في تلك المهاريس فلا نسمع لها صوتا أو صدى و هذا يدل على عمق تلك المهاريس.

كما يتكون بعض هذه المهاريس أسفل تجاويف الصخور فترى أن ما يظهر من مياه المهراس هو جزء بسيط، بينما يمتد باقي المهراس إلى الداخل أسفل التكوينات الصخرية. و قد اقتربت من أحد هذه المهاريس فشعرت وقتها فعلا بنوع من الوجل و الرهبة فابتعدت عنه على الفور و كأن مياهه تغلي و به فقاعات خفيفة.

تتجه حركة المياه داخل هذا المهراس من الداخل إلى الخارج، و لا يستبعد أن تكون هناك مجاري و أنفاق طبيعية أرضية أسفل الصخور تتصل فيها المياه مع بعضها البعض و هذا النوع من المهاريس لم ألاحظ ما إذا كان فيه كائنات حية أم لا لأنه من الصعب علي الاقتراب كما أشرت سابقا إليه.

و يبدو للناظر إلى هذا النوع من المهاريس بأنها صافية المياه غير محتوية على طحالب أو نباتات مائية و هذه دلالة على وجود حركة في المياه و ذلك ما لاحظته بالفعل فان الطحالب و النباتات المائية لا تتكون في أغلب الأحيان داخل المياه المتحركة، و لعل الله سبحانه و تعالى أن يوفق الباحثين و الجيولوجيين للتعرف على مثل هذه الظواهر الطبيعية و أن يكشفوا لنا عن أسرارها.

(62) (جبل أحد) فراغ أو تجويف كبير داخل الجبل تسيل منه المياه عند سقوط الأمطار فتغذي المهاريس السفلى.