معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
205

كما ضرب الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) مثلا بجبل أحد في عظم الأجر و الذي يجعله الله تبارك و تعالى لمن شيع جنازة أخيه المسلم و صلى عليها فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يقول: «من خرج مع جنازة من بيتها و صلى عليها ثم اتبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر كل قيراط مثل أحد و من صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد» (1).

و عن ثوبان مولى الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «من صلى على جنازة فله قيراط فإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط مثل جبل أحد» (2).

____________

(1) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الجنائز- باب فضل الصلاة على الجنازة و اتباعها (2/ 653، 654) حديث رقم (56).

(2) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الجنائز- باب فضل الصلاة على الجنازة و اتباعها (2/ 654) حديث رقم (57).

206

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

207

2 جبل ثور

208

جبل ثور

تمهيد:

لقد جعل الله تبارك و تعالى لكل نبي من أنبيائه حرما يأوي إليه و يطمئن به، فاختار الله تعالى المدينة المنورة لتكون حرما لرسوله (صلى اللّه عليه و سلّم)، حرمها على لسانه و جعلها مستقرا له لا يجوز إخافة أهلها أو إذعارهم أو الحاق الضرر بهم، و أوجب محبتهم على كل مسلم و مسلمة.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): لكل نبي حرم و حرمي المدينة، اللهم إني أحرمها بحرمك أن لا يؤوى فيها محدث و لا يختلى خلاها و لا يعضد شوكها و لا تؤخذ لقيطتها الا لمنشد ...» رواه أحمد (1).

و عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: (أهوى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بيده إلى المدينة فقال: إنها حرم آمن» رواه مسلم‏ (2).

و قد حدد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) هذا الحرم و جعل له علامات يعرف بها فكان جبل ثور هو حد هذا الحرم من الجهة الشمالية، بقوله (صلى اللّه عليه و سلّم): «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» (3).

و جبل ثور من الجبال المشهورة و المعروفة في المدينة المنورة و لله الحمد قد عرفه أهل المدينة سلفا عن خلف، و ذكروه في كتبهم و مؤلفاتهم فأشاروا الى أثره و موقعه و وصفه حتى لا يدعوا لأحد مجالا للشك أو الترجيح.

____________

(1) «مسند الإمام أحمد»- (ج 1/ 318).

(2) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج- باب الترغيب في سكن المدينة حديث رقم (479).

(3) «صحيح البخاري»- كتاب الفرائض- باب من تبرأ من مواليه/ و «صحيح مسلم»- كتاب الحج- باب فضل المدينة حديث رقم (467).

209

(1) (جبل ثور) صورة مصغرة من المخطط العام 1/ 25000 لعام 1414 ه يظهر فيها الموقع العام لجبل ثور و ما حوله من المعالم‏ (1).

ما ورد في جبل ثور من الأحاديث و الآثار:

يعتبر جبل ثور من أهم معالم المدينة المنورة حيث يمثل هذا الجبل حدا لحدود الحرم من الجهة الشمالية، و قد ورد هذا الجبل المبارك في حديث الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) الذي اختاره ليكون حدا لحرم المدينة المنورة من تلك الجهة فأصبح بذلك أثرا و معلما من أهم و أشهر معالمها و آثارها.

فعن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله و هذه الصحيفة (قال: و صحيفة معلقة في قراب سيفه) فقد كذب. فيها أسنان الإبل. و أشياء من الجراحات. و فيها قال النبي صلى الله تعالى عليه و سلم: «المدينة حرم ما بين عير الى ثور. فمن‏

____________

(1) صورة مصغرة من الموقع العام 1/ 25000 لعام 1414 ه (الإستشاري شاكر و مشاركوه) أمانة المدينة المنورة.

210

أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا. فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا. و ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم و من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه. فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين. لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا» (1).

هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في «صحيحه» فهو من الأحاديث المتفق عليها من الشيخين، و رواته لا يمكن أن يتطرق الوهن أو الشك إلى روايتهم.

قال خادم الكتاب و السنة السيد محمد فؤاد عبد الباقي: (و الحديث قاله سيدنا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) في المدينة، و سمعه منه أهل المدينة و منهم الإمام علي بن أبي طالب و قد حرص عليه أيما حرص، فكتبه في صحيفته المشهورة المعلقة في قراب سيفه) (2).

و مع كل هذا فقد ظهر بين المتقدمين من يقال له مصعبا الزبيري الذي ناقض ما جاء به هذا الحديث فقال (ليس في المدينة عير و لا ثور) ثم يتبعه على هذا النهج و سار على هذا الدرب ثلاثة من كبار المؤلفين أولهم أبو عبيد البكري المتوفي عام 487 ه في كتابه «معجم ما استعجم» و الذي قال فيه: (ما بين عير و ثور هذه رواية أهل العراق، و أما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا عندهم يقال له ثور و إنما ثور بمكة فيرى أن الحديث إنما أصله: ما بين عير إلى أحد) (3).

ثم تلا أبو عبيد في هذا المؤرخ الكبير إبن الأثير المتوفي عام 606 ه في كتابه (النهاية في غريب الحديث و الأثر) (4) حيث قال: (و فيه أنه حرم المدينة ما بين عير إلى ثور، هما جبلان، أما عير فجبل معروف بالمدينة، و أما ثور فالمعروف أنه بمكة، و فيه الغار الذي بات به النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لما هاجر: و في رواية قليلة: ما بين عير و أحد. و أحد بالمدينة، فيكون ثور غلطا من الراوي، و إن كان هو الأشهر في الرواية و الأكثر، و قيل إن عيرا جبل بمكة و يكون المراد أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير و ثور بمكة، على حذف المضاف و وصف المصدر بالمحذوف) (5).

أما ثالث هؤلاء المؤرخين فهو صاحب «معجم البلدان» ياقوت الحموي المتوفي عام 626 ه حيث قال: (و في حديث أنه حرم ما بين عير إلى ثور ...

____________

(1) «صحيح البخاري»: كتاب الفرائض- باب إثم من تبرأ من مواليه/ و «صحيح مسلم»: كتاب الحج- باب فضل المدينة- رقم الحديث (467) (2/ 995، 998).

(2) «هامش صحيح الإمام مسلم»- بتحقيق السيد محمد فؤاد عبد الباقي- كتاب الحج: باب فضل المدينة (2/ 995).

(3) «معجم ما استعجم»- أبو عبيد البكري- (1/ 350).

(4) «النهاية في غريب الحديث و الأثر»- ابن الأثير- (1/ 229، 230).

(5) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (2/ 86، 87).

211

قال أبو عبيد: أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلا يقال له ثور و إنما ثور بمكة.

فيرى أهل الحديث أنه حرم ما بين عير إلى أحد. و قال غيره: إلى بمعنى مع كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم، و قد ترك بعض الرواة موضع ثور بياضا ليبين الوهم و ضرب آخرون عليه. و قال بعض الرواة: من عير إلى كدى.

و في رواية ابن سلام: من عير إلى أحد، و الأول أشهر و أشد) (1).

إن ما أشار إليه هؤلاء المؤرخون من اجتهادات و ما افترضوه من افتراضات و تأويلات تتلاشى و تضمحل و لا تمثل الحقيقة في شي‏ء مع وجود النص فالنص موجود فما حاجتنا للاجتهاد أو كلام الرجال و افتراضاتهم أو تأويلاتهم.

قال الإمام مالك (رحمه الله تعالى): إن التمشي بالحديث الضعيف أولى عندي من كلام الرجال. فما بالك بحديث صحيح رواه البخاري و مسلم و هما أعلى مقام في الحديث، أما كان من الأولى أن يكون هذا الحديث الصريح هو القياس في إيضاح ما غمض من الأحاديث الأخرى التي خاض فيها المؤرخون و افترضوا لها الفرضيات التي تناقض و تنافي الحديث الصحيح الذي لا مجال فيه للأخذ و الرد و قد ورد فيه قوله (صلى اللّه عليه و سلّم) صراحة: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور» فماذا بعد ذلك.

هذا و قد تناول كثير من المؤرخين و بينوا خطر ما أقدموا عليه من الخوض في الحديث و اعتمادهم على حجج واهية يدور محورها حول قولهم إن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يقال له ثور، و أن ثورا جبل معروف بمكة، و قد تمثل قول رد هؤلاء المؤرخين و أهل الحديث على أولئك الذين نفوا وجود جبل ثور في المدينة بكلام طويل و مناقشة عريضة.

- و لمزيد من الفائدة يمكن أن نوجز هذه الردود في النقاط التالية:

1- إن مسارعة هؤلاء الأعلام من المؤرخين في إثبات و هم في الحديث المتفق على صحته بمجرد أن أهل المدينة المنورة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا (2)، فهذه غير حجة فإن جهل المرء بالشي‏ء لا يغير الحقيقة كما لا يكون حجة على من يعرف، بل من عرف حجة على من لا يعرف‏ (3).

كما أن قولهم إن أهل المدينة لا يعرفون جبلا يسمى ثورا فغاية أمثال هؤلاء القائلين أنهم سألوا جماعة من أهل المدينة و لا يلزم أن يكون كلهم، كما أن مضي الدهور و تطاول السنين يصاحبه في بعض الأحيان شي‏ء من التغير و الاختلاف‏

____________

(1) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (2/ 87).

(2) «هامش صحيح مسلم»- تحقيق السيد محمد فؤاد عبد الباقي- كتاب الحج: باب فضل المدينة- (2/ 995).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 74).

212

و النسيان على أسماء الأمكنة و البلدان باعتبار أسباب تحدث و أمور تتجدد ..

و قد ذكر مجد الدين الفيروز أبادي كثيرا من الأمثلة على ذلك‏ (1).

2- إن وجود جبل بمكة اسمه ثور لا ينفي وجود جبل بالمدينة بهذا الاسم فكثيرا ما نجد أماكن و مدن تتشابه أسماؤها و هي في مواقع مختلفة، و قد أورد الدكتور خليل ملا خاطر كثيرا من الأمثلة على ذلك‏ (2).

3- إن كثيرا من الأماكن تتغير أسماؤها إلى أسماء أخرى جديدة نتيجة لاعتبارات مختلفة، و هناك أسماء كثيرة لأماكن مختلفة كالجبال أو السهول أو الأودية، و قد كانت تعرف بأسماء قديمة و قد نسيها الناس فلم يعودوا يعرفونها، و يفاجأ الإنسان حينما يطلع على الكتب و المصادر و يجد تلك المسميات لتلك المعالم و المواقع و التي تعرف اليوم بأسماء أخرى، فمثلا جبل تيأب لا يعرف اليوم إلا بجبل الخزان، و جبل ثواب لا يعرف إلا بجبل سلع إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة في المدينة المنورة خاصة.

4- إن كثيرا من العلماء و المؤرخين و رجال الحديث من ذوي العلم و الدراية قد أثبتوا جبل ثور بالمدينة بل و قد حددوا موقعه وراء أحد. و من أولئك الأعلام الحافظ ابن حجر العسقلاني‏ (3) الذي قال فيما رواه عن (المحب الطبري)، و ذكره أيضا الفيروز أبادي في «القاموس المحيط» (4) بسنده عن العالم الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن بحذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، و أخبر أنه تكرر سؤاله عند الطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض و ما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور و تواردوا على ذلك فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح. و أن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته و عدم بحثهم عنه لا يعني عدم وجوده. قال: و هذه فائدة جليلة).

ثم قال الحافظ: (و قرأت بخط شيخنا الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا أبو محمد عبد السلام ابن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل. و كان يذكر له الأماكن و الجبال، قال: فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه؟ فقال: هذا يسمى ثورا. قال:

فعلمت صحة الرواية) (3).

هذا و قد تبع هؤلاء العلماء الكثير من العلماء و المؤرخين الذين تواتروا في‏

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- ص (82).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 74).

(3) «فتح الباري»- الحافظ ابن حجر العسقلاني- (4/ 82، 83).

(4) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (1/ 384).

213

(2) (جبل ثور) جبل ثور بالمدينة المنورة و قد أحيط بالأراضي الصحراوية الشاسعة.

الكتابة عن هذا الجبل و تحدثوا عن أثره و موقعه من المدينة و قد أورد فضيلة الدكتور خليل ملا خاطر حفظه الله الكثير من الأمثلة على أقوال أولئك العلماء و المؤرخين و ذكر موجزا لما أشاروا إليه بهذا الخصوص، و سأتناول هنا ذكر بعض هؤلاء المؤرخين و العلماء و بعض كتبهم و يمكن الرجوع إلى كتاب فضيلة الدكتور خليل ملا خاطر «فضائل المدينة المنورة»- (الجزء الأول/ صفحة 77- 81) لمزيد من التفصيل و الإيضاح.

و من أشهر أولئك المؤرخين و العلماء ما قاله العلامة شمس الدين محمد ابن أبي الفتح ابن أبي الفضل بن بركات الحنبلي في حاشيته على معالم السنن‏ (1). كما ذكره الشيخ أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة المنورة في كتابه المعروف- «بتحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة» (2).

كما أشار إليه الإمام جمال الدين محمد بن أحمد المطري في «التعريف» (3) و الإمام البيهقي في «معرفة السنن و الآثار» (4). كما أشار إلى هذا الجبل و أثبت موقعه في المدينة الحافظ محمد بن محمود بن النجار في كتابه «أخبار مدينة الرسول» (5).

و بذلك قال محمد الأقشهري فيما نقله السمهودي‏ (6)، كما أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية في «مجموعة الفتاوي» (7)، و الإمام الرملي في «نهاية المحتاج» (8)

____________

(1) «تاج العروس»- (3/ 80) أنظر «خلاصة الوفاء» (ص 51).

(2) «تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة»- أبو بكر بن حسين المراغي- (197).

(3) «التعريف»- الإمام جمال الدين محمد بن أحمد المطري- (ص 68).

(4) «معرفة السنن و الآثار»- الإمام البيهقي- (2/ 338 ب).

(5) «أخبار مدينة الرسول»- ابن النجار- (ص 36).

(6) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 95).

(7) «مجموعة الفتاوي»- ابن تيمية- (26 ص 117).

(8) «نهاية المحتاج»- الإمام الرملي- (3/ 345).

214

و الشيخ أحمد العباسي في كتابه «عمدة الأخبار في مدينة المختار» (1) و كذلك ابن حجر المكي في «حاشية ابن حجر على شرح الإيضاح في المناسك» (2) و السيد السمهودي في كتابه «وفاء الوفاء» (3)، هذا إلى غير ذلك من الكتب الأخرى القديمة منها و الحديثة التي كتبت عن هذا الجبل و أثبتت موقعه في المدينة المنورة.

و مما سبق يمكن القول أن جبل ثور هو جبل من جبال المدينة يقع خلف أحد من شماله و عند سفحه، و هو المقصود بالحديث الشريف «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور»، و هو غير ثور مكة الذي فرق فيه بعض المؤرخين بينه و بين جبل ثور بالمدينة فقال عاتق البلادي في كتابه «على طريق الهجرة»: (و الواقع أن الذي في مكة ثور و العيرة- مؤنث- و أن الذي في المدينة ثور و عير- مذكر) (4).

و قال الأخ غالي الشنقيطي في «الدر الثمين»: (و الصحيح لدي بعد استقراء الأدلة أنه يوجد جبل في المدينة يسمى جبل ثور و هو جبل أحمر صغير قائم كالثور خلف جبل أحد فإذا ما ذكر ثور مضافا إلى جبل كان ذلك جبل ثور بالمدينة أما الذي بمكة فهو ثور غير مضاف إلى جبل و بهذا يزول الإشكال إن شاء الله) (5).

(3) (جبل ثور) صورة مقربة لجبل ثور من الجهة الشمالية الشرقية.

____________

(1) «عمدة الأخبار في مدينة المختار»- السيد العباسي- (ص 449).

(2) «حاشية ابن حجر على شرح الايضاح في المناسك»- (ص 215).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 92، 95).

(4) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 151).

(5) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 200، 201).

215

جبل ثور في اللغة:

لقد اتفق العلماء و أهل اللغة على معنى واحد لكلمة ثور المثلثة في اللغة فقالوا لفظ ثور معناه فحل البقر، و هو جبل صغير خلف أحد و منهم من قال هو جبل صغير حذاء أحد جانحا إلى ورائه، و من أشهر أولئك المؤرخين و أهل اللغة أبو المجد الفيروز أبادي الذي أورد كافة الاحتمالات و المترادفات لمعنى ثور فقال: (الثور الهيجان و الوثب و الطوع و نهوض القطاط و الجراد و ظهور الدم، و جمعه أثوار و ثورة و ذكر البقر و جمعه أثوار و ثيار و ثورة و ثيرة و ثيران كجيرة و جيران.

و ثور أبو قبيلة من مضر منهم سفيان بن سعيد و واد ببلاد مزينة و جبل بمكة و فيه النار المذكور في النزيل و يقال له: ثور أطمل و أنه الجبل أطمل نزله ثور بن عبد مناة فنسب إليه و جبل بالمدينة و منه الحديث الصحيح: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور) (1). كما ذكر في «المغانم المطابة» قوله: (ثور بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير حذاء أحد جانحا إلى ورائه) (2).

و في «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس: (ثور بالثاء و الواو و الراء أصلان قد يمكن الجمع بينهما بأدنى نظر فالأول انبعاث الشي‏ء و الثاني جنس من الحيوان، فالأول قولهم ثار الشي‏ء يثور ثورا و ثوارا و ثورانا، و ثارت الجصة تثور و ثاور فلان فلانا إذا واثبه، كأن كل واحد منهما ثار إلى صاحبه و ثور فلان على فلان شرا، إذا أظهره و محتمل أن يكون الثور فيمن يقول إنه الطحلب من هذا لأنه شي‏ء قد ثار على متن الماء. و الثاني الثور من الثيران و جمع على الأثوار أيضا، فأما قولهم للسيد ثور فهو على معنى التشبيه إذ كانت العرب تستعمله على أني لم أر به رواية صحيحة فأما قول القائل‏ (*):

إني و قتلي سليكا ثم أغفله‏* * * كالثور يضرب لما عافت البقر) (3)

و قال السيد السمهودي: (و أما ثور بالمثلثة بلفظ الثور فحل البقر فجبل صغير خلف أحد) (4). كما أشار السيد العباسي الى ثور بقوله: (ثور بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير جدا وراء أحد) (5).

كما تحدث الشيخ محمد الصالحي الشامي عن جبل ثور فذكره في كتابه‏

____________

(1) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 459).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 82، 83).

* هو الأنس بن مدركة، كما في «الحيوان»- (1 ص 18).

(3) «معجم مقاييس اللغة»- ابن فارس- (1/ 395).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 92).

(5) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 284).

216

فضائل المدينة و مما قاله في معناه: (ثور بالمثلثة مرادف فحل البقر جبل صغير خلف أحد) (1).

كما أشار إلى نفس هذا المعنى الكثير من المؤرخين المحدثين كالدكتور محمد الخطراوي في كتابه «المدينة المنورة في العصر الجاهلي» (2) و الأستاذ عاتق البلادي في كتابه «على طريق الهجرة» (3).

كما ورد هذا المعنى في «الدر الثمين» للأخ غالي الشنقيطي و الذي فرق بين جبل ثور بمكة عنه في المدينة بقوله: (فإذا ذكر ثور مضافا إلى جبل كان ذلك جبل ثور بالمدينة أما الذي بمكة فثور غير مضاف) (4).

كما فرق الأخ عاتق البلادي بين كلا الجبلين ثور و عير عنها في مكة بقوله: (و الواقع أن الذي في مكة ثور و العيرة- مؤنث- و أن الذي في المدينة ثور و عير- مذكر) (5).

و مما تقدم يمكن أن نقول أن كلمة ثور بالمثلثة و بلفظ الثور هو فحل البقر و هذا الاسم علم على عين جبل صغير و مدور أحمر اللون يقع في شمال جبل أحد أو كما يقال جانحا إلى ورائه و من يساره.

التسمية بجبل ثور:

تشير الروايات التاريخية إلى أن جبل ثور قد سمي بهذا الاسم نظرا لكون شكله الذي يشبه الثور و يشير إلى ذلك السيد السمهودي إلى سبب هذه التسمية فيقول: (و كأن ثورا سمي باسم فحل البقر لشبهه به) (6).

و في «الدر الثمين» لغالي الشنقيطي: (و هو جبل أحمر صغير قائم كالثور خلف جبل أحد) (7).

و لمن يزور هذا الجبل و يصل إليه يلاحظ بالفعل أن شكل هذا الجبل يشبه الثور و خاصة للناظر إليه من الجهة الشرقية أو الغربية حيث يمثل الجزء الصخري الأسود الذي يعتلي الجبل و كأنه قمة أو سنام الثور في حين يظهر باقي تكوين الجبل بلونه الأحمر المتجانس و كأنه جسم هذا الثور فسبحان الله الخالق العظيم.

____________

(1) «فضائل المدينة»- الشيخ محمد الصالحي الشامي- (ص 118).

(2) «المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 25).

(3) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 151).

(4) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 200).

(5) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي (ص 151).

(6) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 92).

(7) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 200).

217

(4) (جبل ثور) المسقط الأفقي لجبل ثور كما يظهر على المصورات الجوية عام 1977 (3) (صورة مكبرة).

موقع جبل ثور:

إن موقع جبل ثور من المواقع المعروفة عند أهل المدينة و قد عرفها الصغير و الكبير و يعرفه أهل المدينة خلفا عن سلف. كما أن ما ذكره المؤرخون سواء من المتقدمين أو المتأخرين عن وصف هذا الجبل و موقعه الذي أشاروا إليه باتفاق واحد كان له أكبر الأثر في تأكيد موقع هذا الجبل و إبعاده عن جميع مجالات الشك أو الترجيح.

و من أولئك المؤرخين ما ذكره المطري في وصف هذا الجبل و موقعه فقال:

(إنه جبل صغير مدور خلف أحد من شماليه) (1)، و زاد المحب الطبري و ابن حجر نقلا عن أبي محمد عبد السلام بن مزروع البصري المجاور بالمدينة و هو من أهل القرن السابع أنه حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه‏ (2).

كما أشار السيد السمهودي إلى وصف هذا الجبل و موقعه في المدينة فقال: (أما ثور- بالمثلثة بلفظ الثور فحل البقر- فجبل صغير خلف أحد كما سنحققه فإنه خفي على جماعة من فحول العلماء فاستشكلوا الحديث ...)، ثم نقل نقولا كثيرة عمن سبقه في إثبات جبل ثور و أنه خلف أحد ... إلى أن قال: (فدل على أن ما اشتهر في زماننا و قبله من وجود «ثور» بالمدينة له أصل في الزمن القديم و أنه خفي على بعضهم و قد أخبروني بوجوده جماعة كثيرة من الخواص و أروني إياه خلف أحد) (4).

____________

(1) «التعريف»- المطري- (ص 68).

(2) «فتح الباري»- الحافظ ابن حجر- (1/ 82، 83).

(3) المصورات الجوية لعام 1977 م 1/ .... 2 (صورة مكبرة).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 92، 95).

218

(5) (جبل ثور) منظر لجبل ثور في الجهة الشمالية لجبل أحد (أخذت الصورة من طريق الجامعات).

أما المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي فقال: (ثور بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير حذاء أحد جانحا إلى ورائه. و قال بعض الحفاظ: إن خلف أحد من شماليه جبلا صغيرا مدورا يسمى ثورا يعرفه أهل المدينة خلفا عن سلف) (1).

و قال الاقشهري: و قد استقصينا (تتبعنا) من أهل المدينة المنورة تحقيق جبل يقال له ثور عندهم فوجدنا ذلك اسم جبل صغير خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحدثين من أهل المدينة المنورة، و الذي يعلم حجة على من لا يعلم، أما الآن فقد أصبح هذا الجبل الصغير المسمى بجبل ثور معروفا عند أغلب أهل المدينة المنورة أنه خلف جبل أحد) (2).

و يشير السيد أحمد العباسي إلى هذا الجبل فيقول: ثور بلفظ الثور فحل البقر جبل صغير جدا وراء أحد (3). أما المؤرخ أحمد ياسين الخياري فيحدثنا عن جبل ثور بقوله: (جبل صغير أحمر اللون يقع خلف أحد شمال المدينة المنورة) (4).

هذا إلى غير ذلك من الكتب و المصادر الكثيرة التي تشير و تؤكد ما سبق فلا تدع مجالا للشك أو الجدل حول موقع هذا الجبل الثابت و المعروف منذ القدم و الذي عرفه أهل المدينة المنورة خلفا عن سلف.

هذا الجبل الصغير ذو المسقط الدائري و اللون الأحمر و الواقع في شمال جبل أحد، و كما أشار إليه بعض المؤرخين بأنه الواقع خلف أحد أو من ورائه.

و يبعد جبل ثور عن المسجد النبوي الشريف بمقدار ثمانية كيلومترات في‏ (6) (جبل ثور) جبل ثور بشكله و لونه المميز من الجهة الشمالية الشرقية.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 82، 83).

(2) نقله السمهودي في «وفاء الوفاء»- (1/ 95).

(3) «عمدة الأخبار»- أحمد العباسي- (ص 284).

(4) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 226).

219

(7) (جبل ثور) موقع جبل ثور داخل الأراضي المخصصة للحرس الوطني.

(8) (جبل ثور) منظر لسلسلة جبال وعيرة المقابلة لجبل ثور من الجهة الشمالية.

حين يبعد عن جبل أحد الذي يقع في جنوبه بحوالي مئة و ثمانين متر تقريبا و يبعد عن طريق المطار في جهة الشرق بمقدار أربع كيلومترات تقريبا في حين يبعد عن طريق العيون في الغرب بحوالي ثلاث و نصف كيلومتر تقريبا.

و يقع جبل ثور في الجهة الشمالية من جبل أحد جانحا إلى جهة الغرب قليلا حيث ينحصر بين الإحداثيان الرأسيان رقم 564000 و رقم 563000 و بين الإحداثيان الأفقيان رقم 2714000 و رقم 2713250.

و يحد هذا الجبل من جهة الشمال أرض منبسطة و واسعة تنتشر بها النباتات الشوكية و الصحراوية و تنتهي هذه الأرض بطريق الجامعات الذي يمتد في هذه الجهة من الشرق إلى الغرب و يعرف هذا الطريق قديما بطريق الخواجات أو طريق غير المسلمين، و قد وضعت عليه لوحات إرشادية عند التقائه بطريق المطار تحذر هذه اللوحات من دخول غير المسلمين و عليهم الاتجاه يمين هذا الطريق الذي يعتبر خارج حدود الحرم.

و يلي هذا الطريق من الجهة الشمالية سلاسل جبال وعيرة التي تمتد من الشرق إلى الغرب كما تمتد بعض أجزائها إلى الشمال مكونة مناطق جبلية وعرة تتميز بكثرة القيعان و الشعاب.

و يحد جبل ثور من الجهة الجنوبية جبل أحد العظيم الذي يشترك معه في بعض السفوح الصغيرة الواقعة بينها في حين يظهر جبل ثور بشكله و لونه المميز و المنفصل تماما عن جبل أحد.

أما من الجهة الشرقية فيحد هذا الجبل أرض منبسطة و واسعة وعرة المسالك تنتشر فيها الكثير من النباتات الشوكية التي تعد الغذاء الرئيسي للإبل المنتشرة هناك، و تنتهي هذه الأرض بالمنطقة السكنية العشوائية التي يقطنها بعض أفراد الحرس الوطني من أبناء البادية.

في حين يحد هذا الجبل من الجهة الغربية السفوح المنحدرة لجبل أحد و التي تتخللها الكثير من مجاري الشعاب التي تستمد مياهها من مهابط المياه و مساقط الشرائع المنحدرة من جبل أحد في تلك الجهة.

و بعد أن أوضحنا موقع جبل ثور و حدوده و نقلنا بعض النقول التي تؤكد و توضح موقع جبل ثور من المدينة و أنه هو الجبل المعروف في المدينة منذ القدم نجد أن بعضا من المؤرخين‏ (1) المعاصرين بدأوا يخوضون في موقع هذا الجبل و بدأوا في‏

____________

(1) المدينة بين الحاضر و الماضي- السيد إبراهيم العياشي- (ص 495) (الذي رجح أولا أنه الذي خلف أحد ثم رجع فظنه الذي عليه خزان المياه بطريق المطار و المعروف بجبل تيأب أو جبل الخزان و هذا اجتهاد منه (رحمه الله) بعيدا عن الحقيقة)/ أنظر مجلة «المنهل» العدد 499- المجلد 54 لعام 1413 ه (و في هذا العدد موضوع عن تحديد جبل ثور قام به بعض المؤرخين فرجحوا جبل آخر في طريق مزارع الخليل شمال مشروع الصرف الصحي و الذي يبعد عن الإشارة الضوئية بمقدار ألف و ستمائة متر على أنه جبل ثور).

220

البحث عن جبل آخر ليطلقوا عليه اسم جبل ثور و يطبقون عليه حديث رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مع عدم وجود مسوغ لهذا البحث حسب الذي أراه لأنه إثارة لشي‏ء انتهى من البحث فيه و في حقيقته. و قد أدركت دولتنا الحبيبة رعاها الله أهمية هذا الموضوع و ضرورة تحديد حرم المدينة و التأكيد على حدوده و معالمه حيث صدرت الأوامر السامية في 25/ 2/ 1378 ه بضرورة قيام لجنة متخصصة على مستوى عالي للقيام بمهمة تحديد حرم المدينة و تحرير محضرها بهذا الخصوص و تتمة للفائدة سنذكر هنا نص هذا المحضر.

تحديد المدينة (نص القرار) (1)

الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه. و بعد:

فبناء على الأوامر الصادرة بتحديد حرم المدينة المنورة من رئيس مجلس الوزراء برقم (2953) في (25- 2- 1378 ه) و من سماحة مفتي الديار السعودية برقم (3317- 1) و تاريخ (12- 11- 1386 ه) و من وزارة الداخلية برقم (1867) و تاريخ (8- 3- 1378 ه) و من إمارة المدينة برقم (4248) و تاريخ (15- 3- 1378 ه) و من المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (1139) و تاريخ (25- 3- 1378 ه) و هذه الأوامر مرفقة بالمعاملة التي بين يدي اللجنة، و الواردة أخيرا إلى سماحة المفتي من رئيس المحكمة الكبرى بالمدينة برقم (2052) و تاريخ (26- 2- 1387 ه) و تنص هذه الأوامر على تشكيل لجنة علمية لمعرفة مواضع حدود الحرم المدني، و وضع علامات عليها.

و قد شكلت اللجنة المذكورة من كل من: فضيلة الشيخ محمد الحافظ القاضي بالمحكمة الكبرى بالمدينة رئيسا، و كل من: السيد محمود أحمد، و السيد عبيد مدني، و الشيخ عمار بن عبد الله، و الشيخ أبو بكر جابر، و الأستاذ أسعد طرابزوني أعضاء.

و قد اجتمعت اللجنة فور تشكيلها، و قامت بما عهد إليها؛ غير أنه أشكل عليها نقاط، و ارتأت عرضها على سماحة المفتي الأكبر، و عندما

____________

(1) محضر لهيئة تحديد حرم المدينة المنورة عام 1378 ه/ اخذ من كتاب «الدرة الثمينة في محاسن المدينة»، للسيد محمد كبريت الحسيني المدني، من (ص 357- 363)، الملحق رقم «1» و جاء هذا المحضر في «فتاوى رسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ» (5/ 232- 8).

221

رفعت المعاملة إلى سماحته أمر بأن يكون مع اللجنة مندوب من قبل سماحته ليجتمع باللجنة، و يقفوا جميعا على حدود الحرم، و يعرفوا مسميات تلك الحدود. ثم يعود المندوب إلى سماحته بما يتحصل عليه من معلومات تطبيقية ... إلى آخر ما جاء بخطاب سماحته رقم (1715) في (23- 11- 1380 ه) الموجّه إلى رئيس مجلس الوزراء.

و بناء على ما ذكر فقد وصل إلى المدينة المنورة فضيلة الشيخ عبد الله بن عقيل عضو دار الإفتاء مندوبا من قبل سماحة المفتي الأكبر، و اجتمع باللجنة المشار إليها، و جرى العمل على ما يأتي:

أولا:

جرى دراسة ما جاء في المعاملة من أوامر، و ما اشتملت عليه من بيانات، بما فيها الأوراق المتضمنة نقل الأحاديث و الآثار الواردة في حدود حرم المدينة، و كلام العلماء عليها من أهل المذاهب الثلاثة و غيرهم، ما عدا علماء الحنفية فليس في مذهبهم إثبات حرم للمدينة أصلا؛ و ناقشتها مناقشة دقيقة. فمن ما ورد من الأحاديث في هذا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أنّ النبي- (صلى الله تعالى عليه و آله و سلم)- حرّم ما بين لابتي المدينة».

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، و قال النبي (صلى الله عليه و على آله و سلم): «ما بين لابتيها حرام» رواهما البخاري.

و عن زيد بن عاصم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و على آله و سلم): «إنّ إبراهيم حرّم مكّة و دعا لها، و إني حرّمت المدينة كما حرم إبراهيم مكّة».

و عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و على آله و سلم): «إن إبراهيم حرم مكة، و إني أحرم ما بين لابتيها يريد المدينة».

و عن أنس مرفوعا: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها».

و عن علي رضي الله عنه مرفوعا: «المدينة حرم ما بين عير و ثور».

و عن أبي سعيد مرفوعا: «إني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها».

جميع هذه الأحاديث رواها مسلم.

و قد تضمنت النصوص الواردة في هذا تحديد الحرم: باللابتين تارة، و بعير و ثور تارة، و بالمأزمين تارة، و بالجبلين تارة. و أحاديث اللابتين أكثر

222

من أحاديث الجبلين. و الجبلان: هما عير و ثور. و المأزمان هما الجبلان.

فأما عير و ثور فخارجان عن الحرم كما هو الأصل في التحديدات. و أما اللابتان فداخلتان في الحرم لما يلي:

(أ) قصة بني حارثة حين قال لهم النبي (صلى الله عليه و على آله و سلم): «أراكم يا بني حارثة! قد خرجتم من الحرم» ثمّ التفت فقال: «بل أنتم فيه» و منازلهم في سند الحرة الشرقية مما يلي العريض، و حصنهم باقية آثاره حتى الآن. فدل على أن هذه الحرة من الحرم، و هي محاذية لعير و ثور، فكأنه (صلى الله عليه و على آله و سلم) لما التفت، فرأى عيرا قال لهم: «بل أنتم في الحرم».

(ب) قصة سعد بن أبي وقاص حينما أخذ سلب الرجل الذي وجده يقطع الشجر في العقيق. و العقيق ليس حرة، بل هو واد منقطع عن الحرة الغربية، و أبعد منها عن المدينة، و لكن القسم الأعلى منه مسامت لجبل عير من الشمال و الغرب.

(ج) حديث تحريم ما بين حرتيها و جمامها. و الجماوات الثلاث معروفة، و تقع بعد العقيق و بعد الحرة الغربية، كما هو مشاهد.

(د) إن الحرة الغربية تبدأ من عند باب العنبرية و تمتد غربا، و الحرة الشرقية تبدأ من نهاية شارع أبي ذر بطريق المطار بنحو مئتي متر، فلو لم نقل بأنهما داخلتان في الحرم لخرجت جملة كثيرة من منازل المدينة عن الحرم، و لا قائل بهذا من أهل العلم الذي اطلعنا على كلامهم.

(ه) ذكر العلماء مسافة الحرم بريدا في بريد، و استدلوا بما ورد في هذا، و لا يمكن تطبيق هذه المسافة إلا إذا أدخلنا الحرتين؛ لأن الحرتين قريبتان من الحرم، بخلاف الجبلين فبعيدان جدا بالنسبة إلى قرب اللابتين.

و قد أخذت الهيئة المساحة من الجهات الأربع من المسجد إلى «عير» جنوبا، و من المسجد إلى «ثور» شمالا، و من المسجد إلى الحرة الغربية عند محاذاة «عير» غربا، و من المسجد إلى الحرة الشرقية عند محاذاة «ثور» شرقا، فكانت المسافة متقاربة في الجميع، و تبلغ أحد عشر كيلومترا تقريبا بعداد السيارة، و إن كانت السيارة لا تسير باتجاه واحد، بل تأخذ يمينا و شمالا حسب سهولة الخط، و لكن هذا يعطي فكرة تقريبية للمسافة من الجهات الأربع، و هذه المسافة مقاربة لاثني عشر ميلا الواردة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عند مسلم قال: «حرم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ما بين لابتي المدينة، و جعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى» و هذا

223

من أدلة من قال بريدا في بريد؛ لأن البريد أربع فراسخ، و الفرسخ ثلاثة أميال. و المسافة التي بين عير و ثور من الناحية الشرقية تقدر باثني عشر ميلا، و مثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية.

ثانيا:

مشت اللجنة على مواضع الحدود لتطبيق ما ناقشوه من النصوص و ما فهموه منها، و كان ممشاها على ما يلي:

1- وصلت اللجنة إلى جبل «ثور» و يقع خلف أحد من الشمال الشرقي، طلعت فوقه، و وجدته كما وصفه العلماء (جبل صغير بالنسبة إلى جبل أحد، و الجبال التي حوله بتدوير، و ليس بمستطيل، لونه يقرب إلى الحمرة، خلف أحد من الشمال الشرقي) و بينه و بين أحد مقدار خمسين مترا تقريبا.

2- ثم انتقلت اللجنة إلى «اللابة الشرقية» و وجدت حرة ذات حجارة سوداء نخرة كأنها أحرقت بالنار و تنقطع هذه الحرة في بعض المواضع خصوصا في جهتها الشمالية، و تمتد في مواضع و لا سيما جهتها الجنوبية. فكأنها حرار متعددة، و هذه الحرة تسمى: حرة واقم. و يفصلها عن «أحد» وادي قناة، و عن «ثور» مسيل وادي الشطاة و سفح «أحد» الشرقي و سفح جبل وعيره، و تشمل منازل بني حارثة، و بني ظفر، و بني عبد الأشهل، و بني معاوية، كما تشمل منطقة العريض و ما حولها من المصانع، البساتين و بعاث المسمى الآن بالمبعوث إلى العوالي و قربان و منازل بني قريظة و بني النضير. و لم يكن الحد في هذه الحرة واضحا كوضوحه من جهة الجبلين- عير، و ثور- لهذا مشت اللجنة وسط الحرة في موضع متوسط بين عير و ثور، و وقفت هناك لتتحقق لها المسافة بين الجبلين، و تتمكن من أخذ مقاسها.

3- ثم انتقلت اللجنة إلى طرف «عير» من هذه الناحية- أعني:

الناحية الجنوبية الشرقية- و وقفت قريبا من الجبل مما يلي سد بطحان، و عرفت مقياس مسافته لجبل ثور مع متوسط اللابة الشرقية، و تقرر أن تبدأ الحدود من طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة سد بطحان و مذينيب، و تنقاد ببئر متواصلة مع وسط الحرة بعد كل ثلاثة كيلوات بتر كبيرة ملونة، يكتب عليها حد الحرم، إلى أن تصل جبل ثور من الشمال الشرقي مخرجة جبل عير، و مدخلة جميع جبل أحد و الخزان الذي حوله و المصانع و ما

224

حولها من البساتين، و منطقة العريض و العوالي و قربان، على امتداد سد بطحان حتى يحاذي طرف عير من الشرق.

4- ثم انتقلت الهيئة إلى طرف «عير» من الناحية الجنوبية الغربية مما يلي ذي الحليفة؛ لأن عيرا جبل كبير مستطيل، فقربت الهيئة من طرفه، و وقفت على ربوة بسفحه، و تطلعت إلى ما حوله و ما يحاذيه من اللابة الغربية و الشمالية الغربية.

5- انتقلت اللجنة إلى «الحرة الغربية» و هي أقرب إلى المدينة من الحرة الشرقية. فالغربية تبدأ من عند باب العنبرية كما مر، و هي من جنس الشرقية في كونها تنقطع في مواضع، و لا سيما في جهتها الشمالية، كما هو مشاهد عند مسجد القبلتين حيث يوجد هناك فضاء واسع فيه المزارع و الرمال و السباخ، و تتخللها الطرق و العيون و الأودية إلى أحد و الجرف و ما حوله.

و تمتد الحرة من الناحية الجنوبية إلى أن تدنو من شرق عير قريبا من طرف الحرة الشرقية من ناحية قباء، و يفصل بينها و بين الحرة الشرقية بساتين قباء و قربان و العوالي و وادي مهزور و مذينيب و جفاف و بطحان و الرانونة.

و قد مضت اللجنة في «عير» إلى «أحد» لتصل منه إلى «ثور» و سلكت في أثناء ممشاها مع الطريق الجديد الموضوع للأجانب و من لا يريد دخول المدينة، و يسمى بالتحويلة. و يبدأ من نهاية البيداء آخر الخط الآتي من جدة قبل أن يصل إلى ذي الحليفة ثم يتجه شمالا تاركا المدينة على يمينه، و رأت اللجنة هذا الطريق في أثنائه مسامتا لما بين عير و ثور من هذه الناحية، إلا أنه قد تجاوزها من أوله و آخره. فقررت اللجنة أن يوضع البدأ (1) من طرف عير الغربي متجهة إلى الغرب ثم إلى الشمال الغربي فتدخل ذي الحليفة و العقيق و سد عروة و الجماوات الثلاث و بنايات الجامعة الإسلامية و القصور الملكية و الجرف و بئر رومة و ما حولها من البساتين إلى أحد، كل هذه داخلة في حدود الحرم، فإذا وصلت إلى ما سامتها من التحويلة صارت التحويلة هي الحد، فتوضع البتر على جانبها الشرقي، و تستمر البتر مع هذه التحويلة حتى تحاذي ثور خلف أحد من الشمال الشرقي، و حينئذ تأخذ البتر ذات اليمين صوب الجنوب لتلتقي بالبتر التي مر ذكرها في الحرة الشرقية، و تترك التحويلة لأنها تستمر شرقا حتى تصل شارع المطار. و بهذا تصبح حدود الحرم ثابتة من جميع جهاتها سواء حدد من عير إلى ثور، أو باللابتين، أو باثني عشر ميلا و هي بريد في بريد، كما

225

سبق إيضاح ذلك، و أخذ مسافته.

و نظرا لأن هذه أعمال هندسية، و تحتاج إلى مهندس فني فينبغي تعميد بلدية المدينة بهذا ليقوم مهندسوها بمسحها مسحا فنيا، مع وضع خارطة تفصيلية لحدود الحرم بناء على تحديد هذه اللجنة، و وضع العلامات اللازمة على ضوء ما ذكرنا، و يكون ذلك بإشراف الشيخ محمد الحافظ.

و لا يفوتني أن نذكر هنا تتميما للفائدة أن حرم المدينة يخالف حرم مكة في ثلاثة أشياء:

أولا: أن صيده و قطع شجره لا جزاء فيه بخلاف حرم مكة.

ثانيا: أن من أدخله صيدا من خارج الحرم جاز له إمساكه و ذبحه بدليل قوله (صلى الله عليه و على آله و سلم): «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» و هذا بخلاف حرم مكة.

ثالثا: جواز قطع ما تدعو حاجة الفلاحين إليه من آلات الحرث و الرحل كالمساند و غيرها.

هذا ما جرى دراسته و تحريره بعد كمال التحري، و بذل الجهد، و الله من وراء القصد، و هو حسبنا و نعم الوكيل. و صلى الله على نبينا محمد و آله و صحبه و سلم أجمعين.

هيئة تحديد حرم المدينة المنورة أبو بكر جابر/ محمود أحمد/ محمد الحافظ/ أسعد طرابزوني/ عمار بن عبد الله/ عبيد مدني/

مندوب دار الإفتاء: عبد الله بن عقيل.

و سنتناول هذا الموضوع بالتفصيل و التحليل و سنورد أقوال بعض الإخوة ممن يرون غير ذلك و سنناقش هذه الأقوال عند حديثنا عن موضوع الحرم في جزء المواضع و البقاع إن شاء الله.

226

(9) (جبل ثور) جبل ثور بلونه الأحمر المميز فيما تظهر صخوره العليا بلونها الأحمر الداكن المسود.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل ثور من الجبال الصغيرة في المدينة المنورة و هو أحد الجبال المتناثرة حول جبل أحد من الجهة الشمالية، و هو جبل منفصل عن جبل أحد قليل الارتفاع حتى أن المؤرخ عاتق البلادي قال عنه: (سمي جبلا و هو في الواقع أكمة صغيرة علوتها بدون عناء) (1).

و يظهر المسقط الأفقي لهذا الجبل من خلال المصورات الجوية على شكل شبه دائري، يستطيل تقريبا نحو الاتجاه الغربي، حيث يبلغ نصف قطر دورانه حوالي مئتان و خمسون متر تقريبا. و يتميز هذا الجبل بلونه الأحمر حيث تعلوه الصخور الصلبة التي يميل لونها في الغالب إلى الأحمر الداكن و المسود.

و قد ذكر الكثير من المؤرخين و الكتاب وصف هذا الجبل و قد جاءت معظم أقوالهم متطابقة، و تتركز هذه الأقوال في الشكل العام للجبل و الذي أشاروا إليه بالجبل المدور أو الدائري أو المستدير، أما قولهم الثاني فيتركز في لون هذا الجبل الذي أشاروا فيه إلى لونه المحمر أو المائل للحمرة أو كما أشار إليه بعض المؤرخين بالجبل الأحيمر، كما وصفه بعضهم بأنه يشبه الخيمة في تربيع الاستدارة و ارتفاع قمته، و من أشهر أولئك المؤرخين ما أشار إليه المؤرخ المطري من رد من أنكر كون ثور بالمدينة فقال في وصفه: «إنه خلف أحد من شماله‏ (10) (جبل ثور) تقابل السفح لجبل ثور مع السفح الشمالي لجبل أحد في انحدار حاد.

____________

(1) «على طريق الهجرة»- عاتق البلادي- (ص 151).

227

(11) (جبل ثور) القمة الصخرية العليا لجبل ثور و التي تمثل التكوين العام لشكل الجبل من الخارج.

(12) (جبل ثور) تآكل الصخور العليا نتيجة تعرضها المستمر لعوامل التعرية و المؤثرات المختلفة.

مدور صغير يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف) (1).

كما أشار السيد المسهودي إلى وصف هذا الجبل فقال: (و كأن ثورا سمي باسم فحل البقر لشبهه به و هو إلى الحمرة أقرب) (2). أما المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي فيقول في وصفه: (جبل ثور جبل صغير أحمر شمال أحد) (3).

كما يؤكد المؤرخ السيد العباسي وصف هذا الجبل فيما رواه عن بعض الحفاظ: (بأن خلف أحد من شماله جبلا صغيرا مدورا يسمى ثور يعرفه أهل المدينة) (4).

أما مؤرخ المدينة السيد محمد دفتردار فيشير إلى هذا الجبل بقوله: (و ثور جبل صغير أحمر فيه تداوير خلف أحد) (5).

كما يؤكد الدكتور محمد الخطراوي في مؤلفه «المدينة المنورة في العصر الجاهلي» هذا الوصف فيقول: (و هو جبل صغير مدور شمالي أحد و هو إلى الحمرة أقرب) (6). و في «الدر الثمين»: (هو جبل أحمر صغير قائم كالثور خلف جبل أحد) (7).

ثم يؤكد الدكتور ملا خاطر في كتابه «فضائل المدينة المنورة» هذا الوصف بعد أن ثبت لديه وجود جبل ثور في المدينة و ذلك من خلال ما استعرضه من نقول كثيرة استنتج منها وجود هذا الجبل في المدينة و يصفه بقوله: (و هو جبل‏

____________

(1) «التعريف»- المطري- (ص 65).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 95).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 284).

(5) «ذخائر المدينة المنورة»- السيد محمد دفتر دار- (ص 23).

(6) «المدينة المنورة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 25).

(7) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 200).

228

(13) (جبل ثور) نماذج لبعض الصخور المتساقطة من قمة الجبل نتيجة تعرضها المستمر للمؤثرات البيئية المختلفة.

صغير مدور خلف جبل أحد من جهة الشمال و هو تحته و هذا ما رأيته أيضا) (1).

و أما المؤرخ السيد علي حافظ فيصف هذا الجبل على أنه يشبه الخيمة كما وصفه بعض المؤرخين‏ (2).

و للمتأمل في هذا الوصف مع طبيعة الجبل يلاحظ أن ملامح هذا التشابه واضحة تماما و خاصة للناظر للجبل من الجهة الشمالية أو الجنوبية، في حين يظهر هذا الجبل من الجهة الشرقية و الغربية و كأنه ثور بقمته و سنامه العالي و هو في الوضع الأيل للجلوس بعد ثني قدماه الأماميتان.

و يتشابه جبل ثور في تكوينه الجيولوجي مع جبل أحد تقريبا حيث تتكون أغلب صخوره من الجرانيت الأحمر المقارب لنوع الجرانيت الموجود في جبل أحد.

و لا يحتوي جبل ثور على أي تكوينات صخرية طبيعية بارزة أو تشكيلات مفردة بل يظهر التكوين الطبيعي لهذا الجبل في شكل و إطار محدد يتمشى و الشكل العام لهذا الجبل، و نتيجة لذلك فنجد أن هذا الجبل لا يحتوي على أية تجاويف أو مهاريس أو كهوف طبيعية كالتي تميز بها جبل أحد نتيجة وجود كثرة التشكيلات الصخرية.

كما أن الشكل الطبيعي لجبل ثور ساعد على عدم وجود شرائح مائية ثابتة أو واضحة على سطح الجبل، فما أن تتساقط مياه الأمطار على هذا الجبل حتى تسرع في الهبوط إلى السفح في جميع الاتجاهات، و قد أدت هذه الظاهرة إلى إيجاد تشققات كثيرة في الصخور العليا للجبل نظرا لعدم وجود شعاب أو مجاري محددة.

(14) (جبل ثور) نماذج لبعض الصخور بألوانها المميزة و المنتشرة حول السفح الشرقي.

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. ملا خاطر- (1/ 81).

(2) «فصول في تاريخ المدينة»- السيد علي حافظ- (ص 12).

229

(15) (جبل ثور) النباتات الشوكية و قد انتشرت حول مسارات الشعاب و مجاري المياه السطحية حول الجبل.

كما أن تعرض هذه الصخور المتشققة لعوامل التعرية المختلفة و لفترات طويلة ساعد على تساقط بعض هذه الصخور من قمة الجبل حتى استقرت عند سفحه و هي على هيئة طبقات صخرية متفتتة و هشة في بعض الأحيان.

و يلاحظ وجود كثير من الشرائع و منحدرات المياه المنتشرة حول الجبل و التي شقت طريقها داخل الأراضي المنبسطة المحيطة بالجبل نظرا لعدم وجود شرائع ثابتة أو مهابط محددة تنحدر منها مياه الجبل عند سقوط الأمطار.

أما المياه الهابطة من هذا الجبل من الجهة الجنوبية فتتلاقى مع مياه بعض الشرائع الأخرى الهابطة من جبل أحد من الجهة الشمالية فتتجمع هذه المياه عند المنحدر الصخري حيث تتجه بعض منها إلى الجهة الغربية و البعض الآخر إلى الجهة الشرقية.

و نتيجة لكثرة هذه المياه و انتشارها في الواحة الشاسعة و الكبيرة حول هذا الجبل فقد انتشرت الكثير من النباتات الشوكية و الصحراوية و التي تعد من أهم مصادر الغذاء للحيوانات و خاصة الإبل.

و من أكثر أنواع هذه النباتات انتشارا أشجار السمر و شجيرات الشوكة و السنا و بعض مسطحات صغيرة من الشفشاف أو ما يعرف عند أهل المنطقة بالقبا.

و قد ساهمت كثرة هذه النباتات في اجتذاب الرعاة فقد وجدت بجوار هذا الجبل الكثير من قطعات الأغنام و الإبل و التي تركت في أكثر أوقاتها حرة ترعى حول الجبل بعد أن أزيلت بعض بوائك السلك الذي أقامته هيئة الحرس الوطني حول الأراضي العائدة لها هناك.

(16) (جبل ثور) أحد أشجار السمر التي تنتشر في المنطقة بشكل كبير و التي تعد مصدرا هاما لغذاء الإبل.

230

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

231

3 جبل عينين (جبل الرماة)

232

جبل عينين‏

(جبل الرماة)

تمهيد:

جبل عينين أو ما يعرف بجبل الرماة، أحد الجبال المشهورة و المأثورة في المدينة المنورة، فعند هذا الجبل وقعت غزوة أحد المشهورة في السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة، و يعتبر جبل الرماة و ما حدثت عليه من أحداث في تلك الغزوة الخالدة من أهم الدروس و العبر التي استفاد منها المسلمون و أن طاعة الجنود لقائدهم تعتبر من أوجب الواجبات لتحقيق النصر و نجاح الخطط الحربية.

و يشرف جبل الرماة على ساحة المعركة حيث موقع الملحمة الكبرى، فقد كان هذا الجبل يشرف على كلا المعسكرين و يكشف جميع خطط و أسرار معسكر المشركين، و قد أدى هذا الجبل مهمته التي رسمها له النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) حينما ثبت الرماة عليه فقد أحبطوا محاولات المشركين المتكررة للإغارة على المسلمين و طعنهم من الخلف فباءت جميع تلك المحاولات بالفشل، فانتصر المسلمون انتصارا كبيرا و في وقت قصير، و لكن ما أن خالف الرماة أوامر الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بنزولهم عن الجبل عند النصر لجمع الغنائم إلا و قد وقعت الكارثة فالتف المشركون على المسلمين من خلف الجبل حيث أدى نزول الرماة من الجبل إلى فتح تلك الثغرة التي طالما انتظرها المشركون و طالما حاولوا الدخول منها مرارا فحصل ما حصل من قتل في المسلمين فانقلبت الموازين و انعكست النتيجة.

كل هذه الأحداث و الذكريات يذكرنا بها هذا الجبل الذي كان محورا أساسيا من محاور المعركة و الذي سعد بالدور الكبير الذي منحه اياه المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم).

و يعتبر جبل الرماة أحد المعالم المهمة للمدينة المنورة في المنطقة الشمالية حيث يكون هذا الجبل مع جبل أحد و ما حوله من مظاهر طبيعية كمجرى وادي قناة و مزارع النخيل مظهرا من المظاهر الحضرية المهمة التي تميزت بها هذه المنطقة منذ القدم.

و قد عرفت منطقة سيد الشهداء قديما بالضاحية الشمالية التي تميزت‏

233

(1) (جبل عينين) جبل الرماة بعد إزالة المنازل و البيوت القديمة و الصورة أخذت في حج عام 1413 ه- حيث يفد الحجاج و الزوار لزيارة المواقع المأثورة في المدينة المنورة.

بجمال طبيعتها ورقة هوائها، فقد كانت هذه المنطقة هي متنفس أهل المدينة يخرجون إليها أفرادا و جماعات فيقضون فيها ساعات و أيام جميلة تظل في ذاكرتهم مدى الحياة.

و هذا هو ما حصل بالفعل فقد كنت أجد لهذه الذكريات صدى كبيرا عند كبار السن من أهل المدينة فما أن تتحدث معهم حول ماضي هذه المنطقة إلا و تسمع من الذكريات و القصص الشي‏ء الكثير الذي لو سجل لكان سجلا حافلا يوثق تاريخ الماضي بذكريات الحاضر المجيد.

جبل عينين (الرماة) في اللغة:

قال السيد السمهودي عند حديثه عن عينين: (هو الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد) (1) ثم نقل ما قاله المجد في تثنية عين على ما تقدم إلا أن بعضهم يتلفظ به على هذه الصيغة في جميع أحواله، فإن الأزهري ذكره فبدأ فقال:

عينين- بضمتين- جبل بأحد. و كذا القاضي عياض في المشارق، و هو يقتضي أنه بفتح العين و النون الأولى، و إنما خالف ما سبق في لزومه و لكن المطري ضبطه فتح العين و كسر النون الأولى فلعله كذلك في كلام الأزهري يكون ثنية عين، قال المجد: و ضبطه بعضهم بكسر العين و فتح النون الأولى و ليس يثبت‏ (2).

و قال الفيروز أبادي في «القاموس المحيط»: و عينين بكسر العين و فتحها مثنى بجبل أحد قام عليه إبليس لعنه الله تعالى فنادى أن محمدا عليه الصلاة و السلام قد قتل‏ (3). كما أشار السيد العباسي إلى هذه الثنية فقال: (عينان ثنية العين اسم الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد) (4).

و قد ناقش الأخ غالي الشنقيطي في مؤلفه «الدر الثمين» ما جاء في لفظ عينين في اللغة و ما جاء في إعرابه من وجوه فقال: (جبل عينين) جبل شمال المدينة على بعد ثلاثة أميال منها و هو قريب من أحد و تسميته بعينين قديمة إذ قيل أنه اسم رجل من العمالقة أو هو على واد على صيغة المثنى و هذا النوع من الأسماء فيه إعرابان أساسيان هما:

أولا: أنه يعرب إعراب المثنى رفعا بالألف نيابة عن الضمة، و جرا و نصبا بالياء نيابة عن الكسرة و الفتحة مع فتح ما قبل يائه لأنه كان مفتوحا مع ألفه. قال‏

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد المسهودي- (4/ 1272).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد المسهودي- (4/ 1275).

(3) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 1573).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

234

ابن مالك: و تخلف الياء في جميعها الألف- جرا و نصبا بعد فتح قد ألف.

ثانيا: أنه يعرب إعراب الممنوع من الصرف مع لزوم الياء فيرفع بالضمة الظاهرة و ينصب بالفتحة الظاهرة أيضا و لكنه يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، قال ابن بونة:

كذا الذي سموا به منه رفع‏* * * و أعربه مانعا لصرفه تطلع‏

و ما قيل فيه أيضا في البحرين إذ كل واحد منهما مفرد ورد بصورة المثنى إلا أن الشيخين الذي هو اسم جبل ورد فيه البناء على الكسر مع لزوم الألف (الشيخان) (1).

و خلاصة القول بأن لفظ عينين هو اسم علم يطلق على عين جبل بالمدينة (يعرف بجبل الرماة)، و يتلفظ به على هذه الصيغة في جميع أحواله و يعرب على حسب موقعه في الجملة بالحركات و الله أعلم.

تسمية الجبل:

لقد عرف هذا الجبل المأثور بتسميتين مشهورتين عرفت عند أهل المدينة، فيقال جبل الرماة أو جبل عينين و هما اسمان لعلم واحد هو الجبل الصغير الذي في شمال المدينة عند أحد.

و تعد التسمية الأولى للجبل هي الشائعة و المعروفة بين معظم سكان المدينة نسبة لما لهذه التسمية من ارتباط بغزوة أحد المشهورة و قد أشار كثير من‏ (2) (جبل عينين) قنطرة العين التي أشار إليها المؤرخون و هي أسفل سفح جبل الرماة بعد أن تم تجديد عمارتها في العهد العثماني.

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 175، 176).

235

(3) (جبل عينين) صورة قديمة للمنطقة التاريخية بسيد الشهداء قبل عملية التجديد و التطوير.

(4) (جبل عينين) صورة تفصيلية لأحد المباني التي كانت على جبل الرماة و تظهر جزءا من قنطرة العين.

المؤرخين و الكتاب إلى كلا التسميتين و ذكر بعضهم سبب تلك التسمية و مصدرها، و من ذلك ما قاله المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في مؤلفه عن تاريخ المدينة: (و على جبل عينين وضع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خمسين راميا من أصحابه في غزوة أحد و أمرهم بعدم التحرك منه على أي حال و من هذا جاءته التسمية بجبل الرماة، و بهذا الاسم يعرف اليوم و لست أدري مم اشتق اسم عينين اللهم إلا إذا كان قد لوحظ في الاسم وجود عينين عنده).

و قد علق المؤلف على ذلك بقوله: (و لعله سمي باسم جبل عينين تثنية عين لوجود قنطرة عين كانت عنده و لوجود عين الشهداء أيضا عنده، و حينما اجتمعت لديه العينان المذكورتان سمي جبل عينين‏ (1). و يحتمل أن قنطرة العين هذه هي التي أشار إليها المطري عند حديثه عن جبل الرماة بقوله: (كان عليه الرماة يوم أحد مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقي يقال إنه الموضع الذي طعن فيه حمزة رضي الله عنه، و قد تجددت هناك عين ماء جددها الامير بدر الدين ودي بن حجاز صاحب المدينة مفيضها بالقرب من هذا المسجد) (2).

كما تطرق مؤرخ المدينة علي بن موسى عند وصف المدينة إلى تلك العين و أشار إليها بالصهريج الذي في قبلي جبل الرماة فقال: (و من قبلي المسجد و الصهريج جبل الرماة المسمى بجبل عينين) (3).

كما أن السيد السمهودي قد تعرض لسبب تسمية الجبل بعينين نسبة الى عين الماء التي كانت بجواره فقال: (و هذا الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد و في ركنه الشرقي مسجد نبوي كما سبق في مساجد المدينة و كانت قنطرة العين التي هناك عنده و لعل عين الشهداء كانت هناك أيضا فسمي عينان) (4).

كما أشار السيد العباسي لكلا تلك التسميتين بقوله: (عينان: تثنية العين اسم الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد و يقال اسم الجبلين عند أحد ... إلى أن قال: و كان الرماة على هذا الجبل المسمى عينين) (5). و أشار إلى أحد تلك العينين و هي عين الشهداء بقوله: (عين الشهداء و كانت تعرف بالكاظمة بأحد و بقرب عينين مجرى العين) ... و قد جاء في كتاب أول بلدية في الإسلام ما يؤكد أن سبب تلك التسمية عائدة أصلا لاجتماع عينين من المياه عنده‏ (6).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 201).

(2) «التعريف»- المطري- (ص 46).

(3) «وصف المدينة المنورة»- علي بن موسى (ضمن رسائل في تاريخ المدينة لحمد الجاسر)- (ص 15).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1271).

(5) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

(6) «أول بلدية في الإسلام»- صدقة خاشقجي- (1/ 128).

236

(5) (جبل عينين) صورة قديمة لجبل الرماة بعد أن تركها أهلها و ذلك في حوالي عام 1350 ه.

(6) (جبل عينين) صورة قديمة لجبل الرماة و عليها بقايا و أطلال بعض المنازل و البيوت القديمة.

و قد أشار كثير من المؤرخين إلى أن إضافة (عينين أو الرماة) إلى الجبل يقصد بها عين الجبل الصغير الذي يقع في جنوب قبر سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه بالمدينة المنورة (1).

و يوضح لنا المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى أن تسمية جبل عينين بالرماة عائد إلى وضع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خمسين شخصا من الرماة عليه أثناء غزوة أحد و هم من أمهر الرماة و أمرهم أن لا يغادروا الجبل سواء انتصر المسلمون أم انهزموا، و هو لا يزال يعرف بجبل الرماة (2).

و يشير الاخ غالي الشنقيطي الى أن تسمية الجبل بعينين عائدة إلى تسمية قديمة إذا قيل إنه نسبة إلى اسم رجل من العمالقة (3). و هذه التسمية غريبة جدا و لم أجد من المؤرخين من أشار إليها و لعله يقصد بهذا جبل أحد حيث ورد من ضمن مترادفات سبب التسمية بأحد أنه نسبة إلى رجل من العمالقة كما سبق الإشارة إلى ذلك في موضعه، و الله أعلم.

ما ورد في أثر جبل الرماة:

جبل عينين أو ما يعرف بجبل الرماة من الجبال المعروفة و المشهورة في المدينة المنورة، و كيف لا و قد لعب هذا الجبل الدور المهم و الأساسي للتخطيط لمعركة أحد حيث حدد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هذا الدور و تلك المهمة ضمن الخطة العسكرية الشاملة التي وضعها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)

____________

(1) «المغانم المطابة في معالم طابة»- الفيروز أبادي- (ص 471).

(2) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- أحمد ياسين الخياري- (ص 224، 225).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 175).

237

(7) (جبل عينين) تنقل الحجاج و الزوار بين معالم و آثار المنطقة التاريخية بسيد الشهداء عام 1413 ه.

للمعركة، فما إن وصل النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لمنطقة أحد و قد تهيأ للقتال حتى تنقل بنظره الشريف إلى طبيعة موقع المعركة فرسم الخطة المحكمة التي نبعت من فكر القائد الأعظم (صلى اللّه عليه و سلّم).

و قد كانت هذه الخطة تدور بمحورها حول ذلك الجبل الصغير الأحمر الذي يشرف على فضاء جبل أحد و يسيطر على كافة المناطق المحيطة به و هو في نفس الوقت أقرب المواقع الاستراتيجية لمعسكر المسلمين، فرأى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن استخدام هذا الجبل لحماية ظهور المسلمين أثناء القتال أمر ضروري يحتم معه بعث الطمأنينة عند أفراد الجيش الإسلامي و ذلك من خلال حماية ظهورهم فلا يخافون المباغتة أو الغدر من الخلف، فيركزون جهودهم و يوحدون طاقتهم لمواجهة المشركين فيقاتلونهم وجها لوجه.

و تنفيذا لهذه الخطة النبوية الشريفة فقد أمر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) خمسين مقاتلا من المسلمين ممن يجيدون الرماية من الأنصار باحتلال جبل الرماة و ملازمتهم إياه، و جعل عليهم قائدا منهم هو الصحابي الجليل عبد الله بن جبير الأنصاري رضي الله عنه و أكد عليهم بحماية ظهور المسلمين أثناء القتال و أن ينضحو عنهم الخيل لأنها لا تصمد أمام النبال. و تنفيذا لبقية الخطة فقد نزل المسلمون في فم الشعب من أحد و جعلوا أحدا في شمالهم خلف ظهورهم و جبل الرماة عن يسارهم و المدينة أمامهم في جنوبه‏ (1).

و قد شعر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن الدور الأساسي في نجاح هذه الخطة هو بقاء الرماة على الجبل و عدم مغادرتهم إياه ليفسدوا على المشركين أي محاولة منهم للغدر أو المباغتة للمسلمين، فجعل النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جبل الرماة كالقلعة الحصينة تشرف على المعسكرين و ميدان القتال و تكفي المسلمين شر مائتي فارس من المشركين‏ (2) فلا تمكنهم من الوصول إليهم.

و التحم الجيشان و بدأت المعركة و استمرت يوما واحدا فقط استبسل فيها المسلمون و صدوا كل هجوم عليهم بسبب يقظة الرماة و ثباتهم في مواضعهم على الجبل.

و قام المسلمون بهجوم خاطف و عنيف على المشركين و حملوا عليهم حملة رجل واحد و أبادوا حملة اللواء فسقط اللواء على الأرض بعد أن قتل آخر من كان يحمله فانهزم المشركون لا يدري أولهم عن أخرهم، و احتل المسلمون معسكرهم و طاردوهم و أبعدوهم، ثم عادوا لجمع الغنائم من معسكر

____________

(1) «فصول من تاريخ المدينة المنورة»- السيد حافظ- (ص 191).

(2) «فصول من تاريخ المدينة المنورة»- السيد علي حافظ- (ص 192).

238

(8) (جبل عينين) جبل الرماة و قد اعتلاه كثير من الحجاج و الزوار في حج عام 1413 ه.

(10) (جبل عينين) توفير الخدمات الضرورية للزوار و الحجاج من الأهداف الرئيسية لعملية التحسين و التطوير للمنطقة.

المشركين، و قد كان انتصار المسلمين على المشركين انتصارا ساحقا و نجاحا مذهلا لخطة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و لكن غلطة الرماة و مخالفتهم لأمر الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حول هذا الانتصار إلى انكسار. فما أن رأى الرماة انتصار المسلمين و عودتهم لجمع الغنائم حتى قال بعضهم لبعض لقد هزم الله الاعداء فلننزل لجمع الغنائم مع جيش المسلمين و اختلفوا فيما بينهم، و أصر قائدهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه على البقاء و تبعه بعض الرماة و نزل الباقون لجمع الغنائم مخالفين بذلك أمر الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم).

و قد كان خالد بن الوليد و عكرمة بن أبي جهل قائدين من قواد فرسان المشركين يراقبان الرماة و تحركاتهم لأن سهام الرماة أثناء المعركة قد منعتهم أن يصلوا لجيش المسلمين فلما رأوهم و قد نزلوا من الجبل انطلقت خيل المشركين‏

239

(9) (جبل عينين) جبل الرماة و قد غطته كثير من الأتربة و مخلفات المباني فحبذالو رفعت و عاد الجبل لوضعه الطبيعي.

بقيادة خالد و عكرمة إلى جبل الرماة و قتلوا قائد الرماة ابن جبير رضي الله عنه و من تبقى معه من الرماة ثم التفوا على المسلمين من الخلف و وضعوا فيهم السيف و الرمح طعنا و ضربا، و ما أن رأى جيش قريش من المشركين هذه المباغتة لفرسانهم حتى تجمعوا و عادوا للميدان بروح عالية و شكلوا كماشة على المسلمين من أمامهم و خلفهم فارتبك المسلمون و تراجعوا متفرقين على غير هدى فانسحب الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) إلى شعب الجبل من أحد و لم يبق معه إلا القليل من المسلمين، و قد التفوا حول الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) يدافعون عنه و يقاتلون دونه فيسقط الواحد منهم تلو الآخر دفاعا عنه (صلى اللّه عليه و سلّم) فثبت النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ثبوت الجبال و ناضل نضال الأبطال و صبر صبر الأنبياء لم تفل من عزيمته الكارثة فباشر القتال و النضال بنفسه و رمى‏

240

عن قوسه حتى تحطم‏ (1). و تصدى هو و من معه على قلتهم لهجوم المشركين العنيف و رغم فداحة النكبة فإن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يفقد رباطة جأشه و حسن تصرفه، فقد كان يلاحظ كل صغيرة و كبيرة في المعركة كما استبسل المسلمون حول الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حتى أن الصحابية الجليلة نسيبة الأنصارية قد كانت تقاتل بالسيف دون رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) حتى قال عنها عليه الصلاة و السلام: «ما التفت يمينا أو شمالا يوم أحد إلا و رأيتها تقاتل دوني» (1).

حصل كل هذا الانعكاس الكبير و انقلبت الموازين من نصر ساحق للمسلمين على المشركين إلى إنكسارة قاسية كل هذا بسبب غلطة الرماة و مخالفتهم لأمر الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، و قد كانت هذه المخالفة هي إخلال لأهم المقومات و الأساسيات للخطة النبوية للمعركة فبنزولهم عن الجبل فتحوا للمشركين ثغرة دخلوا منها و التفوا على المسلمين و طعنوهم من ظهورهم فقتلوا المسلمين و مثلوا فيهم حتى أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لم يسلم من الإصابة فشج وجهه الشريف و دخلت حلقتا المغفر في وجنته و كسرت رباعيته السفلى و سقط في حفرة حفرها الفاسق أبو عامر (2).

و قتل في هذه المعركة سبعون من المسلمين و على رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه و عن الشهداء أجمعين.

فعن البراء رضي الله عنه قال: «لقينا المشركين يومئذ، و أجلس النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جيشا من الرماة و أمر عليهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه و قال لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا و إن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا، فلما لقينا هربوا، حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله: عهد إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرفت وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا ... الحديث» (3).

و يحكي لنا ابن عباس رضي الله عنهما حديث المعركة فيقول: «ما نصر الله تبارك و تعالى في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك! فقال ابن عباس: بيني و بين من أنكر ذلك كتاب الله تبارك و تعالى، إن الله عز و جل يقول في يوم أحد: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ‏ (آل عمران: 152).

____________

(1) «فصول من تاريخ المدينة المنورة»- السيد علي حافظ- ص 194.

(2) «أحد»- سعود الصاعدي- (ص 71).

(3) «فتح الباري»- (7/ 405)- حديث رقم (4043).

241

و يقول ابن عباس: و الحس القتل ... (حتى إذا فشلتم) إلى قوله: وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏ (آل عمران: 152) و إنما عنى بهذا الرماة، و ذلك أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أقامهم في موضع، ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، و إن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون، و قد التقت صفوف أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فهم كذا- و شبك بين أصابع يديه- و التبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فضرب بعضهم بعضا و التبسوا، و قتل من المسلمين ناس كثير.

و قد كان لرسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، و جال المسلمون جولة نحو الجبل، و لم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس، و صاح الشيطان قتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قد قتل، حتى طلع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بين السعدين، نعرفه بتكفئه اذا مشى، قال: ففرحنا (حتى) كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا و هو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله، قال: و يقول مرة أخرى:

اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل، مرتين، يعني آلهته، أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟

فقال عمر: يا رسول الله، ألا أجيبه؟ قال: بلى، قال: فلما قال أعل هبل قال عمر: الله أعلى و أجل، قال: فقال أبو سفيان: يا ابن الخطاب: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟

فقال عمر: هذا رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و هذا أبو بكر، و ها أنا ذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دوال، و إن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار.

قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذا و خسرنا، ثم قال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون في قتلاكم مثلا، و لم يكن ذاك من رأي سراتنا، قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، قال: فقال: أما إنه قد كان ذاك و لم نكرهه‏ (1).

____________

(1) «المسند»- (4/ 209، 210، 211، 212) حديث (رقم 2609).

242

(11) (جبل عينين) مخطط تقريبي يمثل معركة أحد و الميادين التي جرت فيها المعركة و جبل الرماة على ضوء أحد النصوص التاريخية (1).

(1) و يمثل المخطط الميدان الأول للمعركة بين المعسكرين.

(2) خط نزول الرماة من الجبل لجمع الغنائم.

(3) خط هجوم خالد بن الوليد و عكرمة بفرسانهم على من تبقى من الرماة على الجبل و إبادتهم.

(4) خط التفاف خالد بن الوليد على المسلمين و ضربهم من الخلف.

(5) ميدان المعركة الثاني حيث تشتت المسلمون و ارتبكوا.

(6) ميدان المعركة الثالث في فم الشعب في معسكر المسلمين.

(7) ميدان المعركة الرابع على طول خط الانسحاب إلى مرتفع الجبل.

(8) ميدان المعركة الخامس في مرتفع جبل أحد في معتصم المسلمين.

____________

(1) أستعين بهذا المخطط من كتاب «فصول من تاريخ المدينة»- السيد علي حافظ- (ص 198).

243

موقع جبل الرماة:

يقع جبل عينين أو ما يعرف بجبل الرماة في شمال المدينة المنورة، و يبعد عن الحرم النبوي الشريف بمقدار خمس كيلومترات تقريبا، و يقع في شمال هذا الجبل قبر سيد الشهداء رضي الله تعالى عنه و الذي لا يبعد عنه بأكثر من سبعين مترا تقريبا، و يبعد جبل الرماة عن جبل أحد في أقرب نقطة منه بمقدار أربعمائة متر تقريبا، في حين يبعد عن أقصى نقطة من شعب أحد بمقدار ثمانمائة متر تقريبا، و يحتل هذا الجبل القسم الجنوبي لجبل أحد، و ينحصر جبل الرماة بين الإحداثيان الأفقيان رقم/ 2710250 و رقم/ 2710000 و الإحداثيان الرأسيان رقم 562000 و رقم/ 563400.

و قد كان هذا الجبل في الماضي يشرف على واحة صحراوية كبيرة إلا أنها اليوم قد غطيت أجزاء كبيرة منها بالإسفلت مما أفقد المنطقة التاريخية طبيعتها الصحراوية الخشنة التي تعطي الانطباع الحقيقي لأحداث غزوة أحد و ما عاناه المسلمون من مشقة و جهد في هذه المعركة العظيمة، فحبذا لو وفق الله المسئولين إلى إزالة هذا الإسفلت و إعادة المنطقة إلى وضعها الطبيعي و يكتفي بإيصال الزوار (12) (جبل عينين) جبل الرماة حسب ما يظهر في التصوير الجوي لعام 1977 م من اللوحة الجوية المصغرة رقم 2NW 13 بمقياس رسم 1/ 2500.

244

(13) (جبل عينين) صورة للشعب الشمالي و قد طمر جزء كبير منه بالأتربة و مخلفات البناء.

و الحجاج عن طريق السيارات إلى خارج الموقع فقط، و من ثم يتم التحرك سيرا على الأقدام مع إيجاد بعض المعالجات الملائمة لممرات المشاة بما يتناسب و وضع المنطقة.

و يحد جبل الرماة شمالا ساحة المنطقة التاريخية، و بها قبر سيد الشهداء رضي الله عنه، و في هذه الساحة، و عند الطرف الشرقي للجبل يوجد المصرع، و هو المدفن الأول لسيد الشهداء رضي الله عنه.

كما يحد هذا الجبل من هذه الجهة موقع عين الشهداء التي كانت خلف ضريح سيد الشهداء، و كذلك موقع الصهريج أو قنطرة العين التي كانت عند سفح الجبل من الجهة الشمالية إضافة إلى وجود الفرع الثاني لمسار وادي قناة و الذي يفصل بين جبل الرماة و قبر سيد الشهداء، و قد دفن هذا الفرع لتوسعة الميدان فيما بين جبل الرماة و قبر سيد الشهداء تسهيلا لحركة الزوار و الحجاج و تنقلهم بين معالم و آثار المنطقة التاريخية، و هذا الفرع من وادي قناة و هو الذي أشار إليه مجد الدين الفيروز أبادي عند حديثه عن جبل الرماة بقوله: (و هو جبل صغير يغلب على لونه الإحمراء يقع جنوب ضريح سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه و يفصل بينهما وادي قناة) (1).

قال السيد عبد القدوس الأنصاري موضحا ذلك: (إن الوادي يفصل بين الضريح و الجبل، و هذا صحيح فلقد كان للوادي ممران أحدهما يفصل بين الجبل و الضريح و الثاني و هو الأكبر يجري من شرق و جنوب الجبل، و لكن‏ (14) (جبل عينين) بعض الصخور الأساسية للجبل و قد ظهرت بين مخلفات البناء التي كادت أن تغطي على كافة معالم الجبل.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

245

حول المجرى الأول مع الثاني وردم مجراه لتتسع المسافة أمام الضريح للزوار) (1).

و أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبل ساحة بها مجرى وادي قناة الأساسي، و في حين يحد هذا الجبل من الجهة الشرقية وادي قناة و بعض المزارع القديمة كما يحده من الجهة الغربية ساحة المنطقة التاريخية لغزوة أحد و قد غطيت اليوم بالإسفلت.

الوصف الطبيعي للجبل:

جبل الرماة من الجبال الصغيرة و التي يطلق عليها في بعض الأحيان الهضاب فيقال هضبة الرماة أو هضبة عينين، و يبلغ طول هذا الجبل أو الهضبة بمقدار مئة و ثمانين متر تقريبا في حين يبلغ عرضه بمقدار أربعين مترا تقريبا.

و يتكون الشكل العام للجبل على هيئة شكل بيضاوي يتجه من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي أي يقع بشكل مائل في اتجاه جبل أحد، و يتكون الجبل من صخور الجرانيت الأحمر الداكن و يتشابه تكوين هذا الجبل مع تكوين جبل أحد بشكل كبير فهما متشابهان في نوع الجرانيت و لونه، و يوجد على جبل الرماة شعبان ينحدر منهما مياه الأمطار أحدهما يتجه جنوبا إلى وادي قناة (15) (جبل عينين) بعض المباني القديمة على جبل الرماة و قد استخدم في إنشائها مواد البناء المحلية.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الاستاذ عبد القدوس الانصاري- (ص 201).

246

(16) (جبل عينين) جمال و بساطة البناء، أحد سمات المباني و المساكن القدمية على جبل الرماة.

و الآخر يتجه شمالا بالقرب من قنطرة العين التي كانت موجودة عند سفح الجبل، و قد دفنت هذه الشعاب اليوم و لا يعرف مكانها بالضبط و ذلك نظرا للكم الهائل من الأتربة و مخلفات البناء التي نتجت من عملية هدم المنازل و المساكن القديمة التي كانت على جبل الرماة قديما.

كما تسببت هذه الأتربة و المخلفات في طمس كثير من معالم الجبل حتى أن طبقات الصخور الحقيقية لتكوين الجبل قد دفنت فلا تكاد تظهر إلا في بعض المواضع الصغيرة حتى أن الجبل يكاد يبدو للمشاهد و كأنه ربوة من التراب فحبذا لو يقوم المسئولون عن حماية و صيانة هذه المنطقة بإزالة جميع الأتربة و مخلفات البناء من أعلى الجبل و من ثم يصار إلى تنظيف الصخور و غسلها بالمياه حتى يعود الجبل إلى وضعه الطبيعي الجميل فيعيد إلى الأذهان ذكريات‏

247

(17) (جبل عينين) اللون الأحمر الداكن هو اللون الغالب لصخور الجبل.

و أحداث تلك الغزوة الكبرى التي كانت من أهم و أعظم غزوات الإسلام.

و يرجع تاريخ إقامة تلك المباني و المساكن على هذا الجبل المأثور إلى أواخر العهد العثماني حيث أقامها أهل المدينة بقصد النزول فيها في أيام الربيع للنزهة و تبديل الهواء، كما تستخدم هذه المنازل و الحوانيت التي أقيمت بجوارها في توفير الخدمات و السكن المؤقت للزوار و القوافل التي تصل إلى منطقة سيد الشهداء رضي الله عنه للزيارة، و قد كانت تبلغ هذه الزيارة قمتها في شهر رجب.

و يعطينا المؤرخ علي بن موسى و صفا لجبل الرماة في هذه الفترة فيقول:

(و على جبل الرماة بيوت كثيرة من حجر و من لبن للأهالي ينزلون فيها زمن الربيع لتبديل الهواء ... إلخ) (1).

و قد بنيت تلك المباني و المنازل و الحوانيت بالحجر و الطين فبنيت الأدوار السفلى بالحجر و الأدوار العليا بطوب اللبن أو الطوب الأحمر البلدي، و غطيت أسقفها بجذوع النخل و الجريد، و تعتبر هذه الطريقة في عملية البناء هي السائدة بشكل عام فيما عدا أن المباني المقامة على جبل الرماة قد تميزت بالبساطة و عدم استخدام الزخارف أو النقوش، كما أنه لم تستخدم الرواشين أو المشربيات، و لعل هذا يرجع لكون طبيعة استخدام هذه المباني المؤقت في أوقات الربيع و الزيارة كما أن استخدام المواد المحلية و الطبيعية في عملية البناء و التشييد كان لها الدور الكبير في إيجاد التجانس الكامل بين تلك المباني و جبل الرماة التي أقيمت عليه.

و قد تعرض جبل الرماة قديما لبعض التصدعات في طرفه الشرقي و ذلك بسبب تعرضه المستمر لتدفق المياه في وادي قناة، فكان جبل الرماة يقع في منتصف الوادي حيث ينقسم وادي قناة إلى فرعين يمر أحدهما في جنوب الجبل و هو الفرع الأساسي بينما يمر الفرع الآخر في شماله، ثم يعودا هذان الفرعان للاتحاد بعد تجاوز الجبل. و قد أدى هذا التعرض المستمر للمياه إلى تصدعات في الجزء الشرقي من الجبل نتيجة تصادم المياه بالجبل قبل انفراجها إلى الفرعين السابقين.

و قد قامت الجهات المختصة بردم الفرع الشمالي لتوسعة الساحة أمام الزوار و الحجاج و من ثم أقامت الدولة أيدها الله جدارا استناديا من الخرسانة المسلحة عند الطرف الشرقي للجبل ليبعد تدفق المياه و يمنع تصادمها بجبل الرماة، و يقص علينا التاريخ نبأ فيضان هذا الوادي في أواخر القرن السابع الهجري عام 690 ه كما فاضت مرة أخرى في القرن الثامن في عام 734 ه أربع مرات بصفة

____________

(1) «وصف المدينة المنورة»- علي بن موسى- (ضمن رسائل في تاريخ المدينة، للأستاذ حمد الجاسر) (ص 15).

248

(18) (جبل عينين) بعض الصخور الشرقية للجبل و يظهر عليها أثر التصدعات.

(19) (جبل عينين) بعض التكوينات الطبيعية القليلة في الصخور الشرقية للجبل.

(20) (جبل عينين) أحد شجيرات السمر و قد نمت عند السفح الجنوبي للجبل.

عظيمة هلع منها الناس و خافوا من فيضانه على المدينة و إغراقها و لكن الله سلم‏ (1).

و يعتبر جبل الرماة هو مركز المنطقة التاريخية و محورها و قد تعرضت المنطقة التاريخية، و جبل الرماة قديما إلى مخاطر كثيرة من أهمها غزو المباني العشوائية في اتجاه الجنوب حيث تكاد تغطي معالم المنطقة التاريخية و آثارها كما تواجه المنطقة التاريخية تهديدا آخر قادما من الجنوب الى الشمال حيث النمو السريع للمدينة و امتداد العمران، و قد قامت الجهات المسئولة في الأمانة بسرعة تدارك الوضع و تقدير مدى الخطورة التي تهدد المنطقة التاريخية بمعالمها و آثارها فقامت بعمل المخططات و رسمت الخطة التي تضمن المحافظة على هذه المنطقة التاريخية و إبرازها بالشكل الملائم الذي يضمن الحفاظ على مكانتها و شخصيتها التاريخية المهمة.

و حبذا لو تقوم الأمانة بإزالة كافة الأسفلت الموجود في المنطقة التاريخية و خاصة في الأجزاء المجاورة لجبل الرماة، و التي أدت إلى طمر جزء كبير منه مما تسبب في انخفاض ارتفاعه و الذي لا يتجاوز اليوم الخمسة عشر مترا.

و يخلو جبل الرماة من النباتات الطبيعية أو المهاريس أو الكهوف أو التشكيلات الطبيعية فيما عدا بعض النباتات الشوكية كشجيرات السمر و التشكيلات البسيطة في بعض الصخور الشرقية.

و إضافة لما تقوم به الأمانة من مجهودات في سبيل النهوض بهذه المنطقة التاريخية، أحب أن أضيف بعض الأسس و المعايير التي قد تساعدنا في نجاح عملية التخطيط و التصميم لهذه المنطقة الحضرية و التاريخية المهمة و هي كما يلي:

1- يهتم الزائر برؤية المعالم التي صنع من خلالها التاريخ الإسلامي و أهمها المواقع الحربية التي كانت لها الأثر الكبير في ظهور الدين الإسلامي و انتشاره.

2- يتحتم على المصمم أن يهي‏ء للزائر كل هذه المعاني و يؤكدها من خلال الحفاظ على المعالم و الخصائص الطبيعية للمواقع و عدم التشويش عليها بالإضافات أو الحذف.

3- تعد الجبال و ما يحيط بها من و ديان أسسا ثابتة في المعركة حيث لعبت دورا مهما في التخطيط للمعركة و نتائجها و لذا كان الحفاظ عليها و عدم المساس بها من الأهمية القصوى.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الاستاذ عبد القدوس الانصاري- (ص 237).

249

(21) (جبل عينين) ميدان المعركة الرئيسي و قد أصبح مدخلا للمنطقة التاريخية.

4- لما كانت الحاجة تدعو إلى توفير بعض الخدمات الضرورية التي يحتاجها زوار المنطقة فإنه يجب الاستفادة قدر المستطاع ببعض الأبنية الموجودة و ذلك بناء على حالتها الراهنة و مدى ملاءمتها للغرض الجديد، و أن يقلل قدر المستطاع من المباني المعمارية الجديدة.

5- يعتبر الطراز المحلي الموجود بالمنطقة و إن لم يكن طرازا له الصفة التاريخية الدينية فإن له الصفة التاريخية التي صاحبت نمو المدينة المنورة في حقبة من تاريخها .. لذا يعد الحفاظ على هذا الطراز عنصرا مهما بالنسبة للتخطيط المعماري المقترح للمنطقة.

6- تعتمد الحركة على إيصال الزوار عن طريق السيارات حتى الموقع و بعدها يتم التحرك سيرا على الأقدام و لما كان المناخ لا يسمح كثيرا بالتحرك بدون معالجة خطوط المشاة بما يتمشى مع العوامل الجوية فإنه يتحتم حماية المشاة للغرض المذكور.

و لما كان لهذا العنصر من الفخامة أفقيا و رأسيا سوف يؤدي إلى السيطرة في التشكيل على الموقع فإنه يجب أن يتم ذلك بواسطة عناصر لها ارتباط وثيق بالمواقع و ملاءمتها للزوار و نجد أن الخيمة أنسب العناصر المعمارية إلى هذا المضمار.

7- أي إضافات تستدعيها الضرورة يجب أن تندرج تحت هذه العناصر بحيث لا يوجد أي نشاز في التكوين العام.

8- يتم التشجير باستخدام عنصر النخيل لما له من الصلة القوية و الملائمة للموقع و المدينة ككل.

(22) (جبل عينين) جبل الرماة و قد احتل مركز المنطقة التاريخية.

250

(23) (جبل عينين) تدرجت المباني و المنازل بما يتلاءم و طبيعة الجبل.

(25) (جبل عينين) صورة قديمة لجبل الرماة و قد أقيمت عليه الكثير من منازل و بيوت أهل المدينة.

251

(24) (جبل عينين) تفاصيل لبعض أطلال المباني و المنازل القديمة التي كانت على جبل الرماة.

252

(26) (جبل عينين) صورة لجبل الرماة و قد أزيلت كافة الدور و المنازل القديمة عليه.

(27) (جبل عينين) صورة للمرتفع الشرقي من الجبل و يظهر جزء من ركن المسجد.

ما على الجبل و حوله من المعالم و الآثار:

يعتبر جبل الرماة و ما حوله في المنطقة التاريخية من أغنى مناطق المدينة بالآثار و المعالم حيث حملت بين طياتها و جنباتها عبير المعركة الخالدة معركة أحد التي تركت كثيرا من بصماتها، و آثارها على هذه الأرض الطيبة، و قد تركزت معظم تلك الآثار، و المعالم في الجهة الشمالية لجبل الرماة حيث ساحة المعركة المعطرة بعبير دماء الشهداء رضي الله عنهم.

و تتمثل أهم هذه الآثار و المعالم بوجود المصرع حيث المدفن الأول لسيد الشهداء رضي الله عنه ثم مقبرة سيد الشهداء التي نقل إليها بعد ذلك و هي المعروفة به إلى اليوم.

كما توجد في هذه الجهة قبور بقية الشهداء و هم ضمن إطار المقبرة الحالية لسيدنا حمزة رضي الله عنه كما تتميز هذه المنطقة بوجود مسجد سيدنا حمزة و هو من المساجد المأثورة، و يعرف هذا المسجد بمسجد العسكر و قد ذكر السيد السمهودي سبب هذه التسمية و أثر المسجد لما ورد في رواية ابن شبة عن جابر أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في ذهابه إلى أحد بات بالشيخين، و أدلج في السحر فانتهى إلى موضع القنطرة فجاءت الصلاة فصلى بأصحابه الصبح صفوفا (عليهم السلام)(1).

و موضع القنطرة هذه غير موضع القنطرة أو الصهريج السابق الذي يقع عند السفح الشمالي لجبل الرماة بل هي قنطرة أخرى كانت في جنوب مسجد سيدنا حمزة المعروف بمسجد العسكر، و قد كانت هذه القنطرة تعرف بالصهريج ينزل إليها بدرج من الحجر. و يقع هذا المسجد في شرقي مقبرة سيد الشهداء و يفصل بينهما طريق صغير يمتد من الجنوب إلى الشمال.

كما تقع في هذه الجهة عين الشهداء في الجهة الشمالية الغربية من مقبرة الشهداء، و هذه العين هي التي أجراها مروان بن الحكم في عهد الخليفة معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه، أما قنطرة العين أو ما تعرف بالصهريج أو عين الجبل فتقع عند السفح الشمالي لجبل الرماة من الجهة الغربية.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 201).

253

و من المعالم المهمة و المحيطة بالجبل من الجهة الجنوبية وجود وادي قناة أو ما يعرف بسيل سيدنا حمزة. أما على جبل الرماة فهناك مسجدين مأثورين، أحدهما يقع عند الركن الشرقي للجبل و هو مسجد صغير مبني بالحجارة و ليس له سقف طوله حوالي ستة أمتار و عرضه أربعة أمتار و نصف المتر و ارتفاع جداره حوالي سبعين سنتمترا و يقال إن في موضع هذا المسجد كان مصرع سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، كما تشير بعض الروايات أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد صلى على عمه‏ (1) حمزة في هذا الموضع.

و أما المسجد الآخر فيقع في شمال المسجد الأول على شفير الوادي يقال إنه مصرع حمزة رضي الله عنه و أنه مشى بطعنته من موضع المسجد الأول إلى موقع هذا المسجد فصرع فيه. و يشير المؤرخ المطري إلى كلا هذين المسجدين فيقول عند حديثه عن جبل الرماة: (كان عليه الرماة يوم أحد عنده مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقي يقال إنه الموضع الذي طعن فيه حمزة رضي الله عنه ... إلى أن قال: و المسجد الآخر شمالي هذا المسجد على شفير الوادي يقال أنه مصرع سيدنا حمزة رضي الله عنه و أنه مشى بطعنته إلى هناك فصرع رضي الله عنه) (2).

(28) (جبل عينين) صورة داخلية للمسجد الواقع عند مرتفع الطرف الشرقي لجبل الرماة.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 201).

(2) «التعريف»- المطري- (ص 46).

254

(29) (جبل عينين) جبل الرماة في أحد مراحله الأولى و قبل غزو المباني للمنطقة التاريخية و تظهر ساحة المعركة على وضعها الطبيعي مع انتشار بعض المزارع و البساتين حول حدود الوادي و ذلك حوالي عام 1950 م.

(30) (جبل عينين) جبل الرماة حسب ما يظهر في المصورات الجوية القديمة و قد انتشرت عليه و حوله المباني الشعبية و التي غطت أغلب أجزاء ساحة و ميدان المعركة و ذلك حوالي عام 1977 م.

(31) (جبل عينين) رسم يوضح بعض النماذج الخاصة بالمناطق الشعبية في المنطقة المحيطة بجبل الرماة (1).

(32) (جبل عينين) رسم آخر يوضح بعض النماذج الأخرى لبعض المباني الشعبية التي كانت تنتشر حول المنطقة التاريخية بسيد الشهداء (1).

____________

(1)- التقرير الخاص بالمنطقة التاريخية بسيد الشهداء رقم 22، 23- الإستشاري (شاكر و مصلى و منديلي).