معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
255

(33) (جبل عينين) إحدى الدراسات السابقة التي قامت بها أمانة المدينة المنورة بهدف تحسين الوضع العام في المنطقة التاريخية بسيد الشهداء و توفير الخدمات اللازمة.

(34) (جبل عينين) إحدى الدراسات الأولية التي قامت بها أمانة المدينة المنورة كمحاولة لتحسين و تطوير الوضع العام لحركة السيارات و المشاة حول المنطقة التاريخية لسيد الشهداء.

و يعرف موضع المسجد الثاني بالمصرع و الذي كان قد دفن فيه عند مصرعه رضي الله عنه. كما يشير السيد السمهودي إلى المسجد الشرقي الذي بجبل الرماة عند حديثه عنه فيقول: (و هو الجبل الذي كان عليه الرماة يوم أحد، و في ركنه الشرقي مسجد نبوي) (1).

كما يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى هذا المسجد فيقول: (و في ركن الجبل الشرقي مسجد صغير مأثور و هو مكشوف و مبني بالحجارة غير المنحوتة و بالجير و يعرف بمسجد المصرع) (2).

و يعطينا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري وصفا دقيقا لذلك المسجد فيقول: (و في ركن الجبل الشرقي مسجد صغير مأثور، و هو مكشوف و مبني بالحجارة غير المنحوتة و بالجير طوله خمسة أمتار و تسعون سنتمترا في عرض أربعة أمتار و أربعين سنتمترا و ارتفاع جداره سبعون سنتمترا، و تعلو الجبل اليوم في كل أماكنه بيوت و حوانيت لبعض أهل المدينة، و كان مصرع عم الرسول في موضع المسجد المشار إليه آنفا، و تقول بعض الروايات أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) صلى عليه في هذا الموضع، أما ضريحه الحالي فهو على ربوة يفصل بينها و بين جبل الرماة وادي قناة و قد وضع له سياج هو و قبر مصعب بن عمير و من معهما من شهداء أحد و ذلك لصيانتها) (3).

و يعتبر مسجد المصرع الذي في شرقي الجبل من أهم المعالم التي يحظى بها جبل الرماة و المسجد اليوم قائم كما كان عليه فقد وجدته على هيئة سور ليس له سقف و قد سويت أرضية هذا المسجد و فتحت له فتحة في السور الغربي ليتمكن الزوار و الحجاج من الدخول إليه من الجهة الغربية نظرا لصعوبة الدخول من الجهة الشرقية حيث الباب و ذلك لكثرة الهضاب و الصخور الوعرة التي تنتهي بانحدار شديد.

و سأتحدث عن هذا المسجد بالتفصيل في الجزء المخصص للمساجد إن شاء الله.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1271).

(2) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- (ص 224).

(3) «آثار المدينة المنورة»- الاستاذ عبد القدوس الانصاري- (ص 201، 202).

256

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

257

4 جبل تيأب (ثيئب)

258

(1) (جبل تيأب) صورة لجبل تيأب من الجهة الشمالية حيث يظهر التكوين الطبيعي للجبل.

(2) (جبل تيأب) صورة لبعض الحدائق التي أقامتها أمانة المدينة المنورة عند السفح الغربي للجبل.

جبل تيأب (ثيئب)

تمهيد:

جبل تيأب أو كما يقال ثيئب جبل من جبال المدينة يقع في شمال شرق المدينة، و هو جبل صغير يقع محاذيا لجبل أحد من الجهة الشرقية و يعرف هذا الجبل اليوم بجبل الخزان نسبة إلى الخزانات التي أقامتها مصلحة المياه على هذا الجبل و بجواره.

و قد ظن بعض المؤرخين، و منهم السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله)(1) بأن هذا الجبل هو جبل ثور لمجرد وجود بعض التشابه بينه و بين جبل ثور المعروف في شمال جبل أحد، و الذي وصفه المؤرخون بالجبل الصغير المدور الأحمر اللون و الواقع في شمال المدينة المنورة.

و لو تأملنا الشكل العام لجبل تيأب لوجدناه عبارة عن جبلين متجاورين و متلاصقين يكونان الشكل العام للجبل على هيئة شكل بيضاوي. أما جبل ثور فيظهر مسقطه على هيئة جبل دائري أو مدور أحمر اللون كما أشار إليه المؤرخون و يلاحظ هنا أن التشابه بين الجبلين غير وارد أصلا فجبل تيأب غير جبل ثور فجبل تيأب معروف و هو مدار حديثنا، و جبل ثور معروف و هو شمال جبل أحد حيث يمثل حدود الحرم الشرعي للمدينة المنورة من تلك الجهة و قد سبق الحديث عنه.

جبل تيأب أو ثيئب في اللغة:

قال السيد السمهودي فيما نقله من كتاب ابن زبالة قوله: (ثيب) بفتح المثلثة ثم مثناه تحتية ساكنة ثم موحده كذا في النسخة التي وقعت عليها من ابن زبالة و قال: إنه جبل في شرقي المدينة و كذا هو في العقيق للزبير بن بكار (2) كما جاء مضبوطا في كتاب «سيرة ابن هشام» عند حديثه عن قصة غزوة السويق، و ما جاء فيها من خروج أبو سفيان من مكة فقال: (خرج أبو سفيان حتى نزل بعد قناة الى جبل يقال له ثيب من المدينة على بريد أو نحوه) (3).

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 495).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 100).

(3) «سيرة ابن هشام»- (2/ 3).

259

و قال أبو علي الهجري في أبحاثه في تحديد المواضع (ثيئب) جبل من المدينة على بريد أو نحوه، و كذا هو في العقيق و تيئب كتيعب فاقتضى أن الياء الساكنة بعدها همزة (1). قال السيد السمهودي و يشهد لما قاله أبو علي الهجري ما جاء في كتاب ابن شبة من حديث سلمة بقوله: (فقلت يا رسول الله تباعد الصيد فأنا أصيد بصدر قناة نحو تيب) (2). قال السيد السمهودي و كذا رأيته مضبوطا بالقلم من غير همزة لكنه بالمثناة من فوق). و في «القاموس» لمجد الدين الفيروز أبادي (تيأب كفعلل) (3).

و على هذا نقول أنه قد ورد في اسم هذا الجبل عدة مترادفات فيمكن القول جبل تيأب أو ثيئب أو ثيب أو تيب.

تسمية الجبل:

يعرف هذا الجبل قديما بجبل تيأب، و قد جاء في هذه التسمية عدة مترادفات فقيل ثيئب أو تيئب أو ثيب أو تيب كما سبق الإشارة إليه، و في «الدر الثمين» يسمى هذا الجبيل ثيبا و تيبا (4) و تعتبر جميع هذه الأسماء غير معروفة اليوم على الأطلاق فيما عدا القليل جدا من الناس من يعرفه بجبل تيأب. أما الإسم المشهور لهذا الجبل اليوم فهو جبل الخزان نسبة إلى خزان مصلحة المياه و التي قامت ببنائه على قمة هذا الجبل بهدف استخدامه في ضخ المياه للمناطق المجاورة. كما يعرف هذا الجبل عند بعض الناس بمقعد مطير نسبة إلى بعض من‏ (3) (جبل تيأب) خزانات المياه و ملحقاتها التي أقامتها مصلحة المياه عند السفح.

____________

(1) «المواضع»- أبو علي الهجري- بتخريج الأستاذ حمد الجاسر- (ص 220).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 147).

(3) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (فصل التاء، ص 78).

(4) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 202).

260

(4) (جبل تيأب) السفح الشرقي للجبل حيث مجرى وادي قناة المنحدر من الجهة الشمالية.

سكنه و أقام عليه من بعض قبائل مطير. قال د. محمد الخطراوي عند وصف موقع جبل ثور (و هو جبل صغير مدور شمالي أحد و هو إلى الحرة أقرب أعلى شمال المتجه إلى العاقول من الطريق المعبدة اليوم بين المدينة و المطار إذا ما وصل عند المكان المعروف بمقعد بني مطير، و قيل: هو الجبيل الذي شقه الطريق الى المطار و المعروف الآن بمقعد بني مطير) (1).

الأثر التاريخي لجبل تيأب:

تروي لنا كتب التاريخ أن عند هذا الجبل نزلت قبيلة غطفان في غزوة الخندق وجهة هذا الجبل تعتبر علوا بالنسبة لشمال المدينة، قال الله تعالى:

إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏ (الأحزاب: 10).

من فوقكم أي غطفان و الذين نزلوا على جبل تيأب، و من أسفل منكم يعني قريشا حيث نزلوا عند بئر رومة، كما مر على هذا الجبل يهود بنو النضير بعد إجلائهم من المدينة و قد رثاهم أحد المنافقين بقوله:

فإنك عمري لو رأيت ظعائنا* * * سلكن على ركن الشظاة فتيأبا

عليهن عين من ظباء تبالة* * * أوانس يصبين الحليم المجربا

إذا جاء باغي الخير قلن فجاءة* * * له بوجوه كالدنانير مرحبا (2)

كما ورد في «سيرة ابن هشام» قصة نزول أبي سفيان إلى هذا الجبل عند قدومه من مكة ليغزو محمدا (صلى اللّه عليه و سلّم)، و مما جاء في القصة قوله:

(حينما رجع أبو سفيان إلى مكة بموقعة بدر نذر أن لا يمس رأسه الماء من جنابة حتى يغزو محمدا صلى الله (عليه السلام) فخرج في مئتي راكب من قريش ليبر بيمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب من المدينة على بريد أو نحوه) (3).

كما جاء ذكر هذا الجبل فيما رواه ابن شبة البصري في «تاريخه» من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه فقال: (عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنت أصيد الوحشي و أهدي لحومها إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ففقدني فقال: يا سلمة أين كنت فقلت يا رسول الله، تباعد الصيد فأنا أصيد بصدور قناة نحو ثيب، فقال: لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا خرجت و تلقيتك إذا جئت إني أحب العقيق) (4).

____________

(1) «المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 25).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 202).

(3) «سيرة ابن هشام»- (3/ 3).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة البصري- (1/ 147).

261

(5) (جبل تيأب) الشكل العام لجبل تيأب أو جبل الخزان كما يظهر من المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (1).

موقع الجبل:

يقع جبل تيأب في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة المنورة، و يبعد هذا الجبل عن المسجد النبوي الشريف بمقدار ستة كيلومترات تقريبا، و يقع هذا الجبل في محاذاة جبل أحد من الجهة الشرقية و يبعد عنه بمقدار ثلاثمائة و أربعين مترا تقريبا و ينحصر موقعه بين المحورين الرأسيين رقم 566900 و رقم 566600 في حين ينحصر أفقيا بين المحورين رقم 2710300 و رقم 2710700 و يحد هذا الجبل شمالا الخزانات الأرضية التي أقامتها مصلحة المياه عند سفحه الشمالي لضخ المياه منها إلى الخزان العلوي الذي أقيم في أعلى الجبل، و يلي هذه الخزانات طريق الدويخلة العام و المؤدي إلى المزارع و البساتين الموجودة هناك و أما من الجهة الجنوبية فيحد الجبل بعض من مسار وادي قناة و بعض بأرض فضاء و أقيمت عليها كثير من المحلات التجارية و المعارض، كما يحد هذا الجبل من هذه الجهة مسجد أحد الذي أقيم مؤخرا في تلك الجهة. أما الجهة الشرقية فيحد الجبل مسار وادي قناة الرئيسي و الذي ينحدر من الشمال إلى الجنوب و يتسع هذا الوادي عند سفح الجبل و يزيد عمقه ليصل إلى أكثر من عشرة أمتار في بعض جهاته و يلي هذا الوادي الكثير من المزارع و بساتين النخيل التي اشتهرت بها هذه المنطقة. و أما من الجهة الغربية فيحد الجبل طريق المطار الرئيسي الذي أدى مروره إلى تكسير بعض أجزائه و يلي هذا الطريق جبل أحد و يفصل بينهما ساحة منبسطة تتجمع فيها مياه أودية و عيرة.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل تيأب من الجبال الصغيرة في المدينة المنورة و التي تتشابه في حجمها و ارتفاعها في كثير من الجبال المشهورة الأخرى كجبل ثور في شمال جبل أحد و جبل الراية أو ما يعرف بجبل ذباب في شمال المدينة و داخل المنطقة السكنية.

و يعرف جبل تيأب في بعض الأحيان بجبيل تيأب تصغيرا لكلمة جبل لأنه يتشابه كثيرا بالجبيلات الصغيرة المنتشرة حول الجبال الكبيرة كجبل أحد و جبل عير و التي تعرف في الغالب بالجبيلات، و يمتد جبل تيأب من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي بطول مئتين و ستين مترا تقريبا، و يبلغ أكبر عرض له على جانبيه حيث يبلغ مائة و تسعون مترا تقريبا أما أصغر عرض له فيقع عند منتصفه حيث يبلغ مئة و ستون مترا تقريبا.

____________

(1) المصور الجوي لعام 1977 م (أمانة المدينة المنورة)

262

(6) (جبل تيأب) جبل تيأب من الجهة الجنوبية الشرقية و يظهر التكوين الطبيعي للجبل.

و يتكون الشكل العام لهذا الجبل على هيئة جبلين متجاورين في الشكل متحدين في التكوين، و قد ظهر من خلال هذا التكوين و الاتحاد منخفض كبير بين الجبلين تكون من خلاله شعبان رئيسيان يهبط أولهما إلى الجهة الشمالية من الجبل في حين يهبط الآخر إلى الجهة الجنوبية.

و تنحدر مياه كلا الشعبين إلى الجهة الشرقية حيث تتصلان بوادي قناة المنحدر من الجهة الشمالية في شرقي الجبل و المتجه نحو الجنوب.

و يعتبر جبل تيأب من الجبال التي لا تحتوي على الكثير من التكوينات الجبلية أو الصخرية الظاهرة، مما جعل هذا الجبل و كأنه عبارة عن تل أو هضبة عالية، و قد أدى مرور طريق المطار و شقه في الجهة الغربية من الجبل إلى إجراء بعض القطع و الإزالة لبعض أجزائه مما جعل أمانة المدينة المنورة تقوم على الفور بزراعة بعض الأشجار و النباتات العالية عند سفح الجبل لحماية المارة أو السيارات من احتمال سقوط بعض الأحجار من أعلى الجبل.

و يتشابه التكوين الجيولوجي لهذا الجبل مع التكوين الجيولوجي لجبل أحد حيث تتكون كثير من صخوره من الجرانيت الصلب ذو اللون الأحمر الداكن، مع ظهور بعض التشكيلات القليلة من اللونين الأسود و الأخضر و خاصة في أعلى الجبل، كما تحمل بعض صخور هذا الجبل الدرجات المختلفة من مشتقات اللون الأحمر مما أعطى لها جمالا و رونقا خاصا تميزت به عن بقية صخور الجبل، و حبذا لو أوقفت مصلحة المياه عمليات التكسير التي تقوم بها على سطح الجبل بهدف تمديد المواسير و إقامة الدعائم الخرسانية و استبدالها بمواسير و دعامات لا تستوجب كل هذه العمليات الإنشائية التي تسببت في تكسير الصخور و تشويه المنظر العام للجبل.

و يعتبر هذا الجبل أساسا امتداد للتكوينات الطبيعية لجبل أحد و أحد الجبيلات المتناثرة حوله، و يتمثل هذا الامتداد في التكوينات و الجذور الصخرية الباطنية الهائلة التي تربط بين هذه التكوينات و التكوين العام لجبل أحد العظيم.

و قد تأثر هذا الجبل قديما بجريان مياه وادي قناة في الجهة الشرقية منه مما أدى إلى ظهور الكثير من التشققات و الشروخ في الصخور السفلى للجبل كما أدى تصادم مياه هذا الوادي المستمرة لتلك الصخور على جرف بعض من تلك الصخور و انحدارها إلى بطن الوادي.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة ممثلة في الإدارة العامة للأودية و السيول بردم كميات كبيرة من الأتربة ساعد على إيقاف هذا التدمير و التخريب و حماية الجبل من التأثيرات الطبيعية المصاحبة لتدفق مياه هذا الوادي.

و يشرف جبل تيأب على منطقة واسعة تشمل كثيرا من مزارع و بساتين‏

263

منطقة الدويخلة، إضافة إلى الإشراف المباشر على جزء من السفوح الشرقية لجبل أحد بما تحتويه من مباني و مساكن شعبية و مجاري لبعض الشعاب و الأودية المنحدرة من جبال و عيرة الشمالية.

و يحتوي جبل تيأب على الكثير من النباتات و الأعشاب البرية المنتشرة على سفوحه الجانبية، و تمثل النباتات الشوكية و شجيرات السمر الأغلبية العظمى لتلك النباتات كما تظهر هناك نوعيات أخرى كثيرة من النباتات في مواسم تساقط الأمطار و خاصة في وقت الربيع و من أشهر هذه النباتات نباتات الشفشاف و هو من الفصيلة النجيلية و يعرف عند أهل البادية بالقبا.

و ترعى على هذا الجبل الكثير من الأغنام و المواشي و خاصة في فصل الربيع لما تميز به هذا الجبل من تنوع نباتاته و وفرة أشجاره و حبذالو تقوم أمانة المدينة المنورة بالحفاظ على طبيعة هذا الجبل و منع الأغنام و المواشي من الوصول إليه و المساهمة في تنمية تلك النباتات و الأشجار و العمل على بقائها و تكاثرها كنموذج من نماذج البيئة الطبيعية الجبلية للمدينة المنورة.

(7) (جبل تيأب) غطاء نباتي يشمل كافة أجزاء الجبل في ربيع عام 1413 ه.

264

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

265

5 جبل الراية (جبل ذباب)

266

جبل الراية (جبل ذباب)

تمهيد:

يعتبر جبل ذباب أو ما يعرف اليوم بجبل الراية أحد المعالم المهمة للمدينة المنورة، حيث يمثل موقعه منتصف مسار الخندق تقريبا، و أقصد بالخندق هو الخندق الذي أقامه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه في السنة الخامسة من الهجرة أي في عام الأحزاب عند حربه (صلى اللّه عليه و سلّم) مع قريش.

و يشرف جبل الراية على هذا الخندق حيث يمر من أمامه أي في الجهة الشمالية منه، لذا فيعتبر من أهم المعالم الباقية التي تشير إلى موقعه و مساره و من هنا جاءت الروايات التاريخية (1) التي تشير إلى أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد صلى عليه و ضرب قبته في أعلاه أبان غزوة الخندق للإشراف على عملية الحفر كما سنذكره بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله.

(1) (جبل الراية) خريطة أثرية تقريبية توضح موقع جبل الراية من مسار الخندق‏ (2).

____________

(1) «المعجم الكبير»- للطبري- (6/ 151). «تاريخ معالم المدينة المنورة»- ابن شبة (1/ 62). «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 187). «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 846).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 272).

267

و قد حفر هذا الخندق من جهة الشمال الشرقي للمدينة و حتى الجهة الغربية، و الخندق مطمور اليوم فلا يعرف موضعه بالتحديد و لكونه من الآثار الإسلامية المهمة فقد تناوله كثير من الكتاب و المؤرخون الذين أشاروا إليه و وصفوه و حددوا مساره و موقعه، و من أولئك المؤرخين ما قاله المطري: (و قد عفا أثر الخندق اليوم «أي في القرن الثامن الهجري» و لم يبق منه شي‏ء يعرف إلا ناحيته لأن الوادي، وادي بطحان استولى على موضع الخندق و صار مسيله في الخندق) (1). و ناحية الخندق معروفة اليوم بوجود بعض العلامات الثابتة على مساره و التي يعد جبل الراية من أشهرها. و كذا موضع سبعة المساجد التي تحدد بداية الخندق من ناحيته الغربية، و لو لا وجود هذه المساجد «و هي تسمى مساجد الفتح» لخفي موقع الخندق نهائيا.

جبل الراية (جبل ذباب) في اللغة:

قال المؤرخ مجد الدين الفيروز أبادي: (ذباب، كغراب و كتاب، لغتان جبل بالمدينة) (2). و قال السيد السمهودي عقب ذكر حديث سهل بن سعد:

(و قد صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة) (3) و أنه الجبل الذي عليه مسجد الراية.

و قد أشار المؤرخ السيد العباسي إلى ذباب بقوله: (ذباب كغراب جبل بالمدينة، و سبق في المساجد أنه المسجد الذي عليه جبل الراية) (4).

و قال الطبراني في «الكبير»: (بلغني أن ذباب جبل بالحجاز) (5). و في «المعالم الأثيرة» (ذباب بضم الذال المعجمة و موحدتان بينهما ألف، جاء ذكره في غزوة تبوك، و هو جبل أو أكمة بالمدينة يفصل بينهما و بين جبل سلع ثنية الوداع. فإذا خرجت من المدينة فسلكت ثنية الوداع- الشامية- للمتجه إلى تبوك فالأردن كان ذباب على يمينك و سلع على يسارك، أقول: مع أن هذا التحديد في العصر الحديث إلا أنه لا يدل القارى‏ء على المكان، لأن المعالم التي كان يظن أنها ثابتة أخذت تزول بفعل الآلات المدمرة، حيث لا يعرف أحد من شباب المدينة أين تقع ثنية الوداع لأن الجبلين اللذين كانت تمر الثنية بينهما قد أزيلا و لم يعد المكان يسمى بهذا الاسم.

____________

(1) «التعريف»- المطري- (ص 62).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 146).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 847).

(4) «عمدة الأخبار»- أحمد العباسي- (ص 320).

(5) «المعجم الكبير»- للطبراني- (6/ 151).

268

(2) (جبل الراية) مسجد الراية على جبل ذباب حيث صلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و ضرب قبته عليه أبان غزوة الخندق.

و كانت في بداية ما يسمى اليوم شارع أبو بكر الصديق (سلطانة)، أما جبل ذباب فهو في أول شارع عثمان بن عفان (العيون) المتفرع من سلطانة، و أكتب هذا الكلام و أنا أسكن ملاصقا له، و هو مكسو بالعمائر و يقع في حي النصر بالمدينة) (1).

ما ورد في تسمية الجبل بذباب أو الراية:

لقد تحدث المؤرخون عن سبب تسمية الجبل بجبل ذباب و اختلفت أراؤهم، و لكن أجمع أكثرهم على أن تسمية الجبل بذباب ترجع إلى قتل مروان بن الحكم لرجل من أهل اليمن يدعى ذباب لقتله رجلا من الأنصار، و قد قام مروان بن الحكم بصلب ذباب على هذا الجبل بعد قتله.

أما بخصوص تسمية الجبل بجبل الراية فقد انقسم المؤرخون في ذلك إلى قسمين، أولهم من قال بأن سبب التسمية يرجع إلى قصة معركة الحرة حينما كان يزيد بن هرمز يحمل راية الموالي و هو يومئذ أميرهم و قد كان يزيد يومها على موضع الجبل أي في موضع جبل ذباب إلى مربد النعم، و قد صف أصحابه من الموالي كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية أي ثنية الوداع و بهذا سمي الجبل بجبل الراية.

أما الفئة الثانية من المؤرخين فيرون أن سبب التسمية بجبل الراية يرجع إلى تثبيت راية النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على الجبل و ضرب خيمته عليه يوم الخندق. قال ابن شبة فيما أورده من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها

____________

(1) «المعالم المثيرة في السنة و السيرة»- محمد محمد حسن شراب- (ص 120).

269

(3) (جبل الراية) صورة لجبل الراية (ذباب) من الجهة الشمالية الشرقية.

بقوله: (فعن عائشة رضي الله عنها أنها بعثت إلى مروان بن الحكم حين قتل ذباب و صلبه على ذباب: «تعست، صلى عليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و تتخذه مصلبا») (1).

ثم يبين لنا ابن شبة سبب قتل ذباب و صلبه على يد مروان بن الحكم بما رواه من تتمة حديث السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قال: (و ذباب رجل من اليمن عدا على رجل من الأنصار، و كان عاملا لمروان على بعض مساعي اليمن، و كان الأنصاري عدا على رجل فأخذ منه بقرة ليست عليه- أي ليست واجبة عليه في زكاة أو خراج- فتبع ذباب الأنصاري حتى قدم المدينة، ثم جلس له في المسجد حتى قتله. فقال له مروان: ما حملك على قتله؟ قال: ظلمني بقرة لي و كنت امرءا خبيث النفس فقتلته، فقتله مروان و صلبه على ذباب).

قال ابن شبة (رحمه الله): قال أبو غسان: (أخبرني بعض مشايخنا أن السلاطين كانوا يصلبون على ذباب، فقال هشام بن عروة لزياد بن عبيد الله الحارثي: يا عجبا، أتصلبون على مقرب قبة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فكف عن ذلك زياد، و كفت الولاة بعده) (2).

و يشير السيد السمهودي إلى الرواية الأخرى في سبب التسمية بجبل الراية فيما أورده من حديث الواقدي في كتاب الحرة قوله: (أنهم لما اصطفوا لقتال جيش الحرة على الخندق و كان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النعم معه الدهم من الموالي و هو يحمل رايتهم و هو أميرهم، و قد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس الثنية، أي ثنية الوداع). قال السمهودي:

(و هذا كله صريح في أن ذبابا هو الجبل المذكور، و لعل السبب في اشتهار مسجده بمسجد الراية ما ذكره الواقدي من أن يزيد بن هرمز كان في موضعه و معه راية الموالي‏ (3).

و يعرف هذا الجبل اليوم بجبل الراية، و قد تناسى الناس اسم ذباب فلا يكاد يعرف هذا الاسم اليوم إلا عند القليل جدا من الناس، كما أن المسجد الذي أقيم عليه في موضع مصلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على هذا الجبل و موضع خيمته أبان غزوة الخندق لا يعرف إلا بمسجد الراية نسبة إلى موضعه على جبل الراية الاسم الشائع لهذا الجبل اليوم.

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 62).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 62)، كما أورده السيد السمهودي- (ح 3/ 846).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 847).

270

ما ورد في جبل ذباب من الأحاديث و الآثار:

فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) صلى على ذباب) رواه الطبراني في «الكبير» و قال: (بلغني أن ذبابا جبل بالحجاز. و قوله «صلى عليه» يعني بارك عليه) (1).

و في رواية لابن شبة عن طريق آخر: (عن عبد الرحمن الأعرج (رحمه الله) أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) صلى على ذباب) (2). و قال الدكتور ملا خاطر في «فضائل المدينة» أنه يقال إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب قبته عليه يوم الخندق‏ (3).

و قد نقل السيد السمهودي رواية لابن شبة: عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: (ضرب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قبته على ذباب) (4). و ذلك زمن غزوة الخندق، و قد كان اختيار هذا الجبل لأنه يمكن من خلاله الإشراف على عملية حفر الخندق و وضوح مساره و اتجاهه.

و قال السيد السمهودي: (صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة و في الاكتفاء في غزوة تبوك ما لفظه: (فلما خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره على ثنية الوداع، و ضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب). و في رواية للكمال الديدي: أن في كتب الغريب أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) صلب رجلا على جبل يقال له ذباب و أن البكري قال: هو جبل بجبانة المدينة.

و يشير السيد السمهودي في ترجمة الخندق إلى أن الصخرة التي خرجت من بطن الخندق و هم يحفرونه و ضربها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمعول ...

الحديث، كانت تحته. لكنه سمي في تلك الرواية ذوباب بزيادة واو و الله أعلم‏ (5).

كما يشير السيد السمهودي إلى ما قاله الواقدي في كتاب الحرة و قصة ما حصل يوم قتال الحرة و أنهم لما اصطفوا لقتال جيش الحرة على الخندق، و كان يزيد بن هرمز في موضع ذباب إلى مربد النعم معه الدهم من الموالي و هو يحمل رايتهم، و هو أميرهم و قد صف أصحابه كراديس بعضها خلف بعض إلى رأس‏

____________

(1) «المعجم الكبير» للطبراني- (6/ 151)، و أورده أيضا الدكتور خليل ملا خاطر في فضائل المدينة المنورة- (3/ 186)، كما أورده السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (3/ 846).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 62).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 187).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 845).

(5) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 847).

271

(4) (جبل الراية) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م يوضح موقع مسجد الراية و ما حوله من الطرق و المعالم المحيطة (1).

(5) (جبل الراية) رسم مصغر من المسقط الافقي لجبل الراية حسب ما يظهر على المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (2).

الثنية، أي ثنية الوداع) (3).

و قد أشار ابن شبة إلى قصة قتل مروان بن الحكم لرجل من أهل اليمن كان قد اعتدى على رجل من الأنصار فقتله مروان و صلبه على جبل ذباب. و قد أورد ابن شبة حديث عائشة رضي الله عنها (بعثت إلى مروان بن الحكم حين قتل ذبابا و صلبه على ذباب: «تعست، صلى عليه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و اتخذته مصلبا») (4).

و مما سبق نقول أن جبل ذباب أو ما يعرف اليوم بجبل الراية من الجبال المأثورة في المدينة المنورة فحبذا لو يكشف النقاب عنه ليعود للظهور مرة أخرى.

لما لعبه هذا المعلم من دور بارز في توثيق التاريخ القديم للمدينة المنورة و إحياء ماضيها المجيد.

موقع جبل الراية (جبل ذباب):

لقد أشار المؤرخون إلى موقع هذا الجبل بتحديد جهته في شمال ثنية الوداع، و ثنية الوداع كما هو معروف قد كانت إلى عهد قريب عبارة عن جبل صغير في شمال المدينة المنورة، يبعد عن المسجد النبوي الشريف بمقدار ألف و مائة متر تقريبا، في حين يبعد جبل الراية عن المسجد بمقدار ألف و خمسمائة متر تقريبا.

و تبلغ المسافة بين الجبلين أربعمائة متر تقريبا، و ينحصر جبل الراية بين الإحداثيان الرأسيان رقم 561400 و رقم 561200 بينما ينحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2707500 و رقم 2707700، و يبعد جبل الراية عن طريق سيدنا أبو بكر الصديق (طريق سلطانة سابقا) بمقدار خمسة و سبعين مترا تقريبا، في حين يقع مباشرة على طريق سيدنا عثمان بن عفان (طريق العيون سابقا)، و يظهر مرتفع هذا الجبل على هذا الطريق بينما لا يظهر على طريق أبي بكر الصديق لأن المباني قد غطت معالمه من هذه الجهة بالكامل.

و يشير الدكتور خليل ملا خاطر إلى وصف هذا الجبل و موقعه اليوم فيقول: (و هو جبل صغير شمال ثنية الوداع بين طريق العيون و طريق سيدنا أبي بكر رضي الله عنه المعروف سابقا بطريق سلطانة. و هو جبل صغير مدور لا يظهر من طريق سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لأن البناء اكتنفه من كل جهة و يظهر منه الآن قطعة صغيرة على طريق العيون. كما يظهر جزء منه من الشارع الاخذ

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م بمقياس 1/ 2500 (أمانة المدينة المنورة).

(2) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م اللوحة رقم‏31 SW lb (أمانة المدينة المنورة).

(3) المصدر السابق- (ح 3/ 847).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 62).

272

بين الطريقين) (1).

و يعتبر جبل الراية من أقرب الجبال إلى مركز المدينة، حيث أندمج تماما مع الهيكل العمراني و السكني للمدينة المنورة منذ وقت مبكر. و يحاط هذا الجبل اليوم بالمباني من جميع جهاته حيث تحده من الجهة الشمالية و الجنوبية بينما يحده شرقا طريق العيون و غربا محطة الزغيبي ثم طريق سلطانة.

و يشير الدكتور خليل ملا خاطر إلى أن موقع جبل الراية أو ما يعرف بجبل ذباب داخل الحرم فيه بعض الإشكال مع ما جاء من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «يا أهل المدينة اذكروا يوم الخلاص. قالوا: و ما يوم الخلاص؟ قال: يقبل الدجال حتى ينزل بذباب فلا يبق في المدينة مشرك و لا مشركة و لا كافر و لا كافرة و لا منافق و لا منافقة و لا فاسق و لا فاسقة إلا خرج إليه، و يخلص المؤمنون فذلك يوم الخلاص» رواه أحمد و الطبراني‏ (2).

و قد علق الدكتور خليل ملا خاطر على هذا الموضوع بعد أن أورد مرادفا آخر لمعنى الحديث (يجي‏ء الدجال فيصعد أحدا) فقال: (أقول و العلم عند الله أنه يصعد جبلا من سلسلة جبل أحد و يكون في الحل أو قريبا من مجمع السيول أو سبخة الجرف، و يكون عاليا بحيث يشرف على المدينة و يرى منه المسجد النبوي و لعل اسمه قديما ذباب ثم نسي أو درس) (3).

و هنا أقول أن في حديث جابر السابق نزول الدجال على ذباب فلو قلنا إن ذباب المراد في الحديث هو جبل ذباب المعروف بجبل الراية مدار حديثنا لحتم ذلك دخول الدجال المدينة و هذا غير ممكن لأن ما جاء في هذا من الأحاديث و الآثار تمنع منعا باتا و قطعيا دخول الدجال الى المدينة.

و على هذا يمكن القول أن جبل الراية عرف بجبل ذباب نسبة إلى صلب ذباب اليمني عليه على يد مروان بن الحكم، كما أشرنا إلى ذلك سابقا و قد يكون لهذا الجبل اسم آخر قديم كان يعرف به قبل هذه الحادثة.

و على هذا فيكون هناك جبل أو موضع آخر خارج حدود الحرم و غالبا ما يكون قريبا من سبخة الجرف أو مجمع السيول كان يعرف بذباب و هو اسمه الحقيقي فتداخل الأمر بين هذا الموضع، و جبل ذباب الذي في داخل الحرم و الله أعلم.

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 186).

(2) «مسند الإمام أحمد»- (3/ 392)، «المعجم الأوسط»- الطبراني- (3/ 93)، و قد أورد هذا الحديث د. خليل ملا خاطر في «فضائل المدينة»- (3/ 188).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 189).

273

(6) (جبل الراية) منحدر صغير هو كل ما تبقى من السفح الجنوبي لجبل الراية و يعتبر هذا المنحدر هو المدخل الرئيسي لأعلى الجبل من هذه الجهة.

(7) (جبل الراية) صورة لجبل الراية و قد غطته الاتربة و المخلفات التي أضاعت من معالمه الرئيسية.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل الراية من الجبال الصغيرة في المدينة المنورة حيث لا يتجاوز ارتفاعه عن اثني عشر متر تقريبا، و يظهر المسقط الأفقي لهذا الجبل على هيئة شكل دائري يبلغ طول قطره بمقدار خمسة و تسعين متر تقريبا.

و قد تناول كثير من المؤرخين‏ (1) وصف هذا الجبل، و اكتفى معظمهم بالاشارة اليه بأنه جبل صغير دائري الشكل يقع في شمال ثنية الوداع شمال المدينة المنورة. كما يشير بعض المؤرخين الى هذا الجبل بالأكمة أو التلة نظرا لقلة ارتفاعه، قال الاستاذ محمد شراب في المعالم الأثيرة يصف هذا الجبل: (و هو جبل أو أكمة بالمدينة يفصل بينها و بين سلع ثنية الوداع) (2).

و يتكون جبل الراية من الصخور الحمراء الداكنة اللون و قد تميل في بعض الأحيان إلى اللون الأسود و هي صخور شديدة الصلابة صعبة القطع و التهذيب، و قد اختفى لون هذا الجبل اليوم نظرا لتغطيته بطبقة سميكة من الأتربة و مخلفات المباني و التي شملت كافة أجزاء الجبل.

كما أصبح هذا الجبل اليوم عبارة عن ربوة تغطيها المباني العشوائية و الشعبية و قد غطت على كافة معالم الجبل، و احتوت بداخلها مسجد الراية المأثور حتى أنه ليصعب الوصول إليه من غير سكان المنطقة.

و قد اختفى نظرا لذلك الكثير من معالم هذا الجبل حتى أنه ليصعب على الإنسان تحديد الشكل العام للتكوين الطبيعي لهذا الجبل، و الذي يبدوا اليوم و كأنه ربوة صغيرة لا تمت إلى تكوين الجبال في شي‏ء. كما أن تراكم الأتربة و المخلفات المستمر على هذا الجبل أدى إلى دفن و سد مجاري المياه و الشعاب مما كون الكثير من البرك و المستنقعات بين المباني و التي تفيض بالمياه عند سقوط الأمطار و التي أدت بالتالي إلى صعوبة الحركة و التنقل على سطح الجبل.

كما يلاحظ في الأونة الأخيرة أنه قد تعرض هذا الجبل المهم إلى تكسير بعض أجزائه و خاصة في الأجزاء الجنوبية و المطلة على المعهد الثانوي المهني، و بعض من أجزائه الواقعة على طريق العيون و ذلك بغرض بناء بعض المباني الجديدة. فحبذا لو تنبهت أمانة المدينة المنورة لهذا الخطر الكبير و الذي سيؤدي في المستقبل إلى ضياع معالم هذا الجبل و بالتالي ضياع أحد معالم المدينة المنورة المهمة.

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 186).

(2) «المعالم الأثيرة في السنة و السيرة»- الاستاذ محمد شراب- (ص 120).

274

(8) (جبل الراية) مسجد الراية و قد أقيم في أعلى الجبل الذي أحيط بالمباني من معظم جهاته.

و يشرف هذا الجبل من الجهة الغربية بما عليه من مباني و منشآت على برحة صغيرة أقيمت عليها محطة محروقات الزغيبي و التي تفصل بين هذا الجبل و طريق أبي بكر الصديق رضي الله عنه (و المعروف سابقا بطريق سلطانة) في حين يشرف مباشرة على طريق العيون و المعروف اليوم بطريق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. أما من الجهة الشمالية و الجنوبية فيشرف الجبل على بعض الشوارع الجانبية التي تفصل الجبل عن المباني و المنشآت الحديثة، و لا يحتوي الجبل اليوم على أية نباتات أو أشجار و يعود ذلك للنمو العمراني السريع للمباني العشوائية التي غطت معظم معالم الجبل.

ما على جبل الراية و حوله من المعالم و الآثار:

يعتبر جبل الراية أو ما يعرف بجبل ذباب من أهم المعالم الطبيعية في المدينة المنورة حيث يدخل ضمن إطار البيئة العمرانية و السكنية للمدينة المنورة بعد الإسلام.

كما يعتبر هذا الجبل من المعالم البارزة ليثرب ما قبل الإسلام فأقيمت بجواره بعض الآطام و الحصون القديمة، و يشير السيد السمهودي إلى بعض هذه الآطام عند حديثه عن منازل اليهود و آطامهم في المدينة فيما رواه عن ابن زبالة بقوله: (و كان لأهل الشوط الأطم الذي يقال له الشرعبي و هو الأطم الذي دون ذباب) (1).

قال د. محمد الخطراوي: (و كان الشرعبي دون جبل ذباب المعروف‏ (9) (جبل الراية) صورة لجبل الراية و قد أزيلت بعض أجزائه بهدف إنشاء المباني.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 847).

275

الآن) (1). و قد آل هذا الاطم بعد ذلك لبني جشم بن الحارث بن الخزرج، و قد كان هذا الأطم من الآطام الكبيرة و المشهورة و فيه قال قيس بن الخطيم:

ألا إن بين الشرعبي و راتج‏* * * ضرابا كتخديم السيال المعضد

و قد أقيم بجوار هذا الجبل و في عهد الخلافة الأموية منهل صغير للعين الزرقاء و هي العين التي أجراها مروان بن الحكم و الي المدينة في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.

و يشير الدكتور عمر الفاروق إلى هذا المنهل و موقعه عند حديثه عن العيون و المناهل بقوله: (و يختلط فائض ماء العين الزرقاء و المالحة في منهل عند جبل ذباب و منه إلى المفيض) (2).

كما يشير المؤرخ علي بن موسى عند وصفه للمدينة المنورة عن عين الأغوات و يحتمل أن تكون هي نفس العين السابقة أو ما تعرف بالمنهل فيقول:

(عين الأغوات خدمة حجرة سيد الكائنات و من معهم من أغوات الراية الهمايونية و من الأهالي عند جبل ذباب الذي عليه مسجد و المعروف بالقرين التحتاني) (3).

و قد كانت هذه العين أو المنهل المذكور قريبا من ظهر الأرض له باب و ثلاث درجات و هي على مقربة من جبل الراية حيث تقع على طريق مخرج الدبل الفائض للعين الزرقاء و الذي يمر عند سفح الجبل من الجهة الغربية، حيث يختلط الماء الفائض من العين مع المياه المالحة أو المستخدمة من مياه العين و تسير في دبل واحد، و حينئذ يعرف كله بالفائض و يسير الفائض حتى يصل الى الموضع النهائي له و المسمى بالبركة (4) حيث الخيوف و المزارع التي تستمد معظم مياهها من فائض هذه العين. كما أقيم على هذا الجبل مسجد الراية المشهور و الذي أقيم على موضع مصلى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على هذا الجبل و موضع مضرب قبته (صلى اللّه عليه و سلّم) أبان غزوة الخندق.

و حبذا لو تقوم أمانة المدينة المنورة بالتعاون مع إدارة الآثار بإزالة جميع المباني القائمة على الجبل و إظهار الجبل بوضعه الطبيعي مع ترميم و تجديد ذلك المسجد المأثور.

____________

(1) «المدينة المنورة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 95).

(2) «المدينة المنورة»، اقتصاديات المكان- د. فاروق السيد رجب- (ص 172).

(3) «رسائل في تاريخ المدينة المنورة»- علي بن موسى- ضمن رسائل في «تاريخ المدينة» لحمد الجاسر (ص 20).

(4) «التحفة الشماء في تاريخ العين الزرقاء»- السيد أحمد الخياري- (ص 32).

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

6 جبل ثنية الوداع‏

278

جبل ثنية الوداع‏

(1) (جبل ثنية الوداع) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م يبين موقع جبل ثنية الوداع و ما حولها من الطرق و المعالم‏ (3).

(2) (جبل ثنية الوداع) المسقط الأفقي لجبل ثنية الوداع حسب ما يظهر من المصورات الجوية.

تمهيد:

جبل ثنية الوداع أحد الجبال الصغيرة التي تقع داخل نطاق مركز المدينة و يعتبر هذا الجبل أحد المعالم الكثيرة التي حملت بين طياتها تاريخ و ماضي هذه المدينة الطاهرة، فارتبطت الحوادث و المناسبات بالمعالم و المواقع الثابتة التي ضمنت لها الخلود و البقاء. و تحتوي المدينة المنورة على الكثير من الثنايا المختلفة و التي ذكرها الكتاب و المؤرخون في كتبهم، و تعد ثنية عثعث من أشهرها و تقع هذه الثنية ما بين جبل سليع و جبل سلع، و هي أقرب إلى سليع منها إلى سلع‏ (1). هذا بالإضافة إلى ثنية الشريد التي أشار إليها السيد السمهودي بقوله:

(ثنية الشريد من أرض المحرمين إلى أرض المنصور بن إبراهيم) (2).

و قال الهجري: إن سيل العقيق يفيض إلى ثنية الشريد و تقع الثنية شرقي عير الوادي و غربي جبل الغراء، و أعتقد أن المقصود بالثنية في الوادي الذي شرقي جبل عير المعروف بأبي بريقة و الذي هو نهاية طريق الهجرة.

و أما اليوم فلا تعرف في المدينة معظم هذه الثنايا و لا مواقعها بالتحديد فيما عدا الثنية المشهورة و المعروفة بثنية الوداع أو ما نسميه جبل ثنية الوداع الواقع في شمال المدينة المنورة، فحبذا لو يحافظ على ما تبقى من أرض هذه الثنية بعد أن تمت إزالة الجبل و المحافظة عليها و إظهارها بالمظهر اللائق بها.

ما جاء في تسمية الجبل بثنية الوداع:

جبل ثنية الوداع بفتح الواو أحد الجبال المعروفة و المشهورة في المدينة المنورة، و قد جاء في تسميته بثنية الوداع عدة أقوال قد أوردها المؤرخون في كتبهم و مؤلفاتهم.

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 218).

(2) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 219).

(3) المصورات الجوية لعام 1977 مقياس 1/ 2500 صورة مصغرة (أمانة المدينة المنورة).

279

(3) (جبل ثنية الوداع) صورة لجبل ثنية الوداع قبل إزالته في مشروع تحسين و تطوير المنطقة.

(4) (جبل ثنية الوداع) صورة لما تبقى من جبل ثنية الوداع من الجهة الجنوبية الغربية.

و أول هذه الأقوال أنه سمي بثنية الوداع، فيما رواه ابن شبة عامر بن جابر قال: (كان لا يدخل أحد إلا من طريق واحد من ثنية الوداع فإن لم يعشر بها- أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد- مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثنية قيل قد ودع فسمي ثنية الوداع) (1). و قيل إن يهود زعمت ذلك فسميت ثنية الوداع بذلك فيكون اسما جاهليا لها و هو الأشهر.

و قيل في التسمية بثنية الوداع لتوديع النساء اللاتي استمتعوا بهن عند رجوعهم من خيبر، و في رواية عند خروجهم إلى تبوك و كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره حينئذ عليها.

و روى ابن شبة عن جابر قال: (إنما سميت ثنية الوداع لأن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) أقبل من خيبر و معه المسلمون قد نكحوا النساء نكاح المتعة فلما كان بالمدينة قال لهم: دعوا ما في أيديكم من نساء المتعة، فأرسلوهن، فسميت ثنية الوداع) (2). و في «الأوسط» عنه قال: خرجنا و معنا النساء اللاتي استمتعنا بهن حتى أتينا ثنية الركاب فقلنا يا رسول الله: هؤلاء النسوة اللاتي استمتعنا بهن، فقال: هن حرام إلى يوم القيامة، فودعناهن عند ذلك فسميت بذلك ثنية الوداع و ما كان قبل إلا ثنية الركبان. قال السمهودي و في «صحيح البخاري»: (قام خطيبا و أثنى على الله و نهى عن المتعة فتوادعنا فسميت ثنية الوداع) (3). و هذا القول في سبب التسمية أوثق الأقوال لأنه يستند إلى أحاديث صحيحة و ليس إلى روايات تاريخية متضاربة.

و قد أشار السيد إبراهيم العياشي إلى ثنية الوداع فسماها بثنية سلع أو ثنية الركاب أو الثنية الشامية، و قيل في سبب هذه التسمية أقوال أخرى منها: أنها سميت بثنية الوداع لأن الخارج منها يودعه مشيعه، و قيل لوداع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بعض المسلمين المقيمين بالمدينة في بعض خرجاته، و قيل ودع فيها بعض سراياه. و قد رجح كثير من المؤرخين‏ (4) أن اسم ثنية الوداع اسم جاهلي قديم سمي به لتوديع المسافرين.

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 269)، كما أورده السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (1/ 59).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 269، 270)، كما أورده السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (4/ 1168).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1168).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1171)، «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 81).

280

ما ورد في جبل ثنية الوداع من الأحاديث و الآثار:

قال ابن شبة عن عامر بن جابر قال: (كان لا يدخل المدينة أحد إلا من طريق واحد من ثنية الوداع فإن لم يعشر بها- أي ينهق كالحمار عشرة أصوات في طلق واحد- مات قبل أن يخرج منها، فإذا وقف على الثنية قيل: قد ودع فسمي ثنية الوداع) (1).

و قد كان هذا الاعتقاد اعتقادا جاهليا روجه اليهود في المدينة و قد كان مصدر هذا الاعتقاد أن كثرة الموتى في يثرب آنذاك هو دخولهم إلى المدينة إما من غير ثنية الوداع أو عدم تعشيرهم عليها، بينما أن مصدر الحقيقة في ذلك أن يثرب آنذاك قد كانت أوبأ أرض الله. قال السمهودي: (و اتفق أهل الأخبار أن الوباء كان بالمدينة شديدا، حتى روى ابن اسحق عن هشام بن عروة قال: كان وباؤها معروفا في الجاهلية و كان الإنسان إذا دخلها و أراد أن يسلم من وبائها قيل له انهق، فينهق كما ينهق الحمار) (2).

قال السمهودي في «دلائل النبوة» من طريق هشام عن أبيه عن عائشة قالت: (قدم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) المدينة و هي أوبأ أرض الله و واديها بطحان نجل يجري عليه الأثل). و قد ظل هذا الوهم يخيم على سكان يثرب حتى قدم عروة بن الورد العبسي إلى يثرب.

و يروي لنا ابن شبة هذه الحادثة بعد ذكرنا ما أورده من حديث عامر بن جابر فيقول: (حتى قدم عروة بن الورد العبسي، فقيل له: عشر بها فلم يعشر و أنشأ يقول:

لعمري لئن عشرت من خشية الردى‏* * * نهيق الحمار إنني لجزوع‏

ثم دخل فقال: يا معشر يهود ما لكم و للتعشير؟ قالوا: إنه لا يدخلها أحد من غير أهلها فلم يعشر بها إلا مات، و لا يدخلها أحد من غير ثنية الوداع إلا قتله الهزال. فلما ترك عروة التعشير تركه الناس و دخلوا من كل ناحية (3).

و قد أراد الله سبحانه و تعالى أن يذهب هذا البلاء و يصرف هذا الوباء عن المدينة، قال السيد السمهودي: (و تحويل الوباء من أعظم المعجزات إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء و في «البخاري»: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأوّلتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة). و في «الأوسط» للطبراني و نحوه كتاب ابن زبالة: (أصبح رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يوما فجاءه إنسان كأنه من ناحية طريق مكة، فقال له النبي صلى الله عليه‏

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 269).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 59).

(3) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 269).

281

و سلم: هل لقيت أحدا، قال: لا إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشعر. فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): تلك الحمى، و لن تعود بعد اليوم أبدا) (1).

و عند هذه الثنية ضرب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) عسكره عند ذهابه إلى غزوة تبوك. قال ابن إسحق: (فلما خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره على ثنية الوداع، و حزب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب) (2).

و قال ابن سعد في سرية مؤتة دون دمشق: و خرج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، فوقف و ودعهم و عسكروا بالجرف.

و في البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: (ذهبنا نتلقى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مع الصبيان إلى ثنية الوداع) (3). و قد كان ذلك بعد عودته (صلى اللّه عليه و سلّم) من تبوك.

قال السيد الخياري عند حديثه عن ثنية الوداع: (و كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره حينئذ عليها) (4).

إذا فالمعتمد هي روايات البخاري الصحيحة بأن الاسم الأصلي لها هو ثنية الركاب و أن اسم ثنية الوداع طارى‏ء ظهر بعد غزوة تبوك أو خيبر.

موقع جبل ثنية الوداع:

حصل في موقع ثنية الوداع نقاش كبير بين المؤرخين و الكتاب فمنهم من أشار إلى أنها ثنية الوداع الشمالية و المعروفة اليوم بجبل ثنية الوداع و منهم من أنكر وجودها، و قال إن ثنية الوداع هي الثنية الموجودة في جنوب المدينة عند موضع دخول النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من مكة. و منهم من أشار إلى أن هناك ثنيتين تعرف كل منهم بثنية الوداع.

و في «صحيح البخاري» عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: (ذهبنا نتلقى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مع الصبيان إلى ثنية الوداع) (5). و ثنية الوداع هي الثنية الشمالية أو ثنية القادم من تبوك معروفة اليوم و هي ما يطلق عليها جبل ثنية الوداع في شمال المدينة.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 60).

(2) «سيرة ابن هشام»- (4/ 120).

(3) «صحيح البخاري»- كتاب الجهاد- باب استقبال الغزو: (حديث رقم 2917 ص 1121).

(4) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 217).

(5) «صحيح البخاري»- كتاب الجهاد- باب استقبال الغزو: (حديث رقم 2917 ص 1121).

282

أما القول بأنها هي الثنية الجنوبية كما أشار إليها بعض المؤرخين و التي قدم منها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ففي ذلك نقاش. و من المؤرخين من قال إن هناك ثنيتين، و نوجز قولهم بما يلي:

قال السمهودي بعد أن ذكر كثيرا من الروايات عن ثنية الوداع كحديث السائب بن يزيد في «البخاري» و قول ابن إسحق في غزوة تبوك و ما جاء في «الأوسط» و ما رواه أبو يعلى و ابن حبان من حديث أبي هريرة و ما جاء في «الأوسط» و أخرجه البخاري بلفظ آخر.

و كل الروايات متظاهرة على أن هذه الثنية هي المعروفة اليوم بذلك في شامي المدينة بين مسجد الراية الذي على ذباب و مشهد النفس الزكية يمر فيها المار بين صدين مرتفعين قرب سلع‏ (1).

كما أن من تأمل كلام ابن شبة في المنازل و غيرها ما لم يرتب في ذلك فسوق المدينة كان هناك. و قد أشار في كلامه عن الدار التي أحدثها ابن هشام هناك بسوق المدينة ما يشهد لذلك. و أن ابن مكدم الثقفي لما قدم من الشام و أشرف على ثنية الوداع صاح: مات الأحول و استخلف أمير المؤمنين الوليد بن يزيد، فلما دخل دار هشام تلك صاح به الناس ما تقول في الدار؟ قال اهدموها فوقع الناس فهدموها (2).

ثم يشير السيد السمهودي إلى أن ما جاء في غزوة الغابة برواية ابن إسحاق ما يعضد، قال ابن إسحاق: (أول من نذر بهم سلمة غدا و معه قوسه و هو سيد الغابة، فلما أشرف على ثنية الوداع نظر إلى الجبل، فعلا في سلع ثم صرخ واصباحاه) (3).

قال السيد السمهودي و فيما رواه البيهقي عن أبي قتادة أنه سرج فرسه ثم نهض حتى أتى الزوراء، فلقيه رجل فقال: يا أبا قتادة، تشوط دابتك و قد أخذت اللقاح و قد ذهب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في طلبها و أصحابه:

فقال: أين، فأشار له نحو الثنية، فإذا بالنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في نفر من أصحابه جلوسا ... فذكر قصة غزوة الغابة. قال السمهودي و الزوراء في قبلة هذه الثنية و ذباب في شاميها (4).

و قال الحافظ ابن حجر في حديث الهجرة: (أخرج ابن سعد في شرف‏

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1169).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 271).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1169).

(4) نفس المصدر السابق.

283

المصطفى و روينا في فوائد الخلعى بسند مفصل عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما دخل النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جعل الولائد يقلن:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعا لله داع‏

قال و لعل ذلك كان في قدومه من غزوة تبوك‏ (1).

قال السيد السمهودي و ذلك لأن ثنية الوداع ليست من جهة طريق مكة على أني أقول: إن ذلك لا يمنع من كونه في الهجرة عند القدوم من قباء لأنه (صلى اللّه عليه و سلّم) ركب ناقته و أرخى لها زمامها و قال: دعوها فإنها مأمورة.

و مر بدور الأنصار كما سبق حتى مر ببني ساعدة و دارهم في شامي المدينة قرب ثنية الوداع فلم يدخل باطن المدينة إلا من تلك الناحية حتى أتى منزله بها.

و قد عرج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في رجوعه من بدر إلى ثنية الوداع لما في «مغازي ابن عقبة» أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) حين خرج إلى بدر حتى ثقب بني دينار و رجع حين رجع من ثنية الوداع.

و يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى موضع الثنية في عصره فيقول:

(ثنية الوداع معروفة خارج باب الشامي و هي ما بين مسجد الراية الذي على جبل ذباب و مشهد النفس الزكية أي مسجد الزكي ... إلى أن قال: و ثنية الوداع اليوم في الموضع المرتفع الذي يقع خلف محطة أبو العلا خارج باب الشامي و يسمى (القرين) و يقال له كشك يوسف باشا، و يوسف باشا هو الذي نقر الثنية و مهد طريقها (رحمه الله) في حدود عام 1214 ه و الله أعلم) (2).

و ما أشار إليه المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري قد انتهى اليوم فلا وجود لمحطة أبو العلا.

أما جبل ثنية الوداع اليوم فقد أزيل بالكامل بهدف توسعة الميدان و امتداد مخرج نفق المناخة، و قد كان موضعه في الزاوية بين شارع سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (و المعروف سابقا بطريق العيون) و بين طريق سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه (المعروف سابقا بطريق سلطانة).

و قد كان جبل ثنية الوداع يحتل هذه الزاوية بالكامل و يشرف من الجهة الجنوبية على شارع المناخة. بينما يشرف من الجهة الشمالية على بعض المباني و المنشآت الحديثة.

أما من الجهة الشرقية فيشرف الجبل على شارع عثمان بن عفان كما يشرف‏

____________

(1) أورده السيد السمهودي- «وفاء الوفاء»- (4/ 1169).

(2) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- ص 217.

284

(5) (جبل ثنية الوداع) صورة لجبل ثنية الوداع من الجهة الغربية.

(6) (جبل ثنية الوداع) جبل ثنية الوداع أثناء عملية الإزالة لتوسعة الميدان.

من الجهة الغربية على طريق أبي بكر الصديق. و يبعد هذا الجبل عن المسجد النبوي الشريف بمقدار ألف و مئة متر تقريبا، في حين يبعد عن جبل الراية الواقع في شماله بمقدار أربعمائة متر تقريبا.

و ينحصر موقع هذا الجبل بين الإحداثيان الرأسيان رقم 561600 و رقم 561500 بينما ينحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2707000 و رقم 2707100 و يعد جبل ثنية الوداع هو أقرب الجبال إلى مركز المدينة بعد جبل سلع و سليع.

و قد دخلت هذه الجبال بالكامل ضمن التنمية العمرانية الشاملة للمدينة المنورة، و ظلت هكذا حتى أزيل جبل ثنية الوداع و أجزاء كبيرة من جبل سليع لما اقتضته مصلحة التخطيط الجديد للمنطقة المركزية.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل ثنية الوداع من أصغر جبال المدينة، حيث لا يزيد ارتفاعه عن خمسة أمتار و هو على شكل مستدير يبلغ طول قطره بمقدار خمسين متر تقريبا.

و نظرا لحجمه و ارتفاعه الصغيرين نجد أن كثيرا من المؤرخين لم يشيروا إلى تفاصيل هذا الجبل أو وصفه، كما أن إقامة مسجد ثنية الوداع في أعلاه قد غطى كافة معالم الجبل و لم يبق من منظره إلا بعض الأجزاء البسيطة من الجهة الجنوبية و الغربية و التي ظهرت و كأنها ربوة صغيرة أقيم في أعلاها المسجد المذكور.

و يتكون هذا الجبل من الصخور البازلتية الصلبة و التي يغلب على لونها اللون الأحمر الداكن و الأسود في بعض الأحيان. و لا يحتوي هذا الجبل على أية تكوينات أو بروزات صخرية. كما لا يحتوي على أية تجاويف أو فجوات صخرية أو مائية نظرا لضياع و طمس كافة معالمه ببناء مسجد ثنية الوداع في أعلاه، و يحتوي الجبل على شريعتين صغيرتين تنحدر من الجبل للجهة الشمالية، و قد طمرت هذه الشريعتان بالأتربة و الحجارة المتساقطة عليها، كما سدت مجاريها من أعلى الجبل نظرا للخطورة التي تسببها هذه الشرائع من انحدار المياه على المباني القائمة في الجهة الشمالية من الجبل و التي لا تبعد عن الجبل بأكثر من ثمانية أمتار فقط.

و يعتبر جبل ثنية الوداع من المعالم المهمة في المدينة المنورة حيث تمثل الحدود الشمالية لمنطقة المناخة، كما لعب هذا الجبل الدور المهم و البارز في المحافظة على موقع ثنية الوداع و حمايتها من الاندثار نتيجة للتغيرات و المستجدات المتتابعة التي تخضع لها المدينة بشكل عام، فكان وجود هذا الجبل بمثابة البرهان الصادق و الدليل الواضح لموقع هذه الثنية التاريخية التي ارتبطت أحداثها بتاريخ المدينة المنورة.

285

و بما أنه أزيل هذا الجبل في عام 1406 ه لضروريات التخطيط و التطوير التي تشهدها المنطقة، فقد أصبح موقع هذه الثنية يخشى عليه من الضياع فحبذا لو يحافظ على ما تبقى من أرض هذه الثنية لبقاء موقع هذا المعلم المهم.

و قد سعدت كثيرا عندما أفادني أحد الزملاء بأن أمين المدينة المنورة قد أصدر توجيهاته بالبحث عن موقع قريب من موقع ثنية الوداع لبناء مسجد آخر يسمى بنفس الاسم السابق هدفه المحافظة على موقع هذا المعلم المهم.

و حيث أن هناك زوائد و بعض المساحات الباقية من نفس موقع الجبل السابق فحبذا لو كانت هذه المساحة هي موقعا للمسجد الجديد ليؤكد الموقع الحقيقي لثنية الوداع التي عسكر عندها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بجيشه عند ذهابه إلى غزوة تبوك.

و قد تميز جبل ثنية الوداع في الماضي بوجود منهل الثنية و هو منهل مياه العين الزرقاء و الذي يمتد إلى غرب جبل الثنية ثم ينطلق في دبل إلى الشمال حيث يختلط فائض العين الزرقاء مع الماء المستخدم أو ما يسمى بالمالح عند جبل الراية كما سبق الحديث عنه.

(7) (جبل ثنية الوداع) صورة لمسجد ثنية الوداع من الركن الجنوبي الغربي.

286

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

287

7 جبل سلع (جبل ثواب)

288

جبل سلع (جبل ثواب):

تمهيد:

جبل سلع أحد أهم معالم المدينة المنورة الذي ارتبطت ذكرياته و تاريخه بأحداث و ذكريات غزوة الخندق تلك الغزوة التي جاءت في أصعب و أقسى الظروف، فأبدى فيها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه رباطة الجأش و حسن التصرف، فأخذ النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بما أشار إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه من ضرورة حفر الخندق و من ذلك اشتق اسم الغزوة.

حدثت هذه الغزوة في السنة الخامسة للهجرة كما قال ابن إسحق و هو الأرجح، مع أن بعضهم قد قال إنها في شوال سنة أربع للهجرة، حيث خرج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و المسلمين لمواجهة المشركين فأسندوا ظهورهم إلى جبل سلع و جعلوا الخندق بينهم و بين المشركين، و جعلوا النساء و الذراري في الآطام. في حين نزلت قريش بمجمع السيول من رومة بين الجرف و زغابة في عشرة آلاف مقاتل.

و كان عدد المسلمين لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل و قيل إن عدد المشركين كان أربعة آلاف مقاتل، في حين لا يزيد عدد المقاتلين من المسلمين عن ألف مقاتل.

و ضرب الحصار حول المدينة لمدة عشرين يوما دون نتيجة، و قد كان ذلك نتيجة لحسن التخطيط و صواب الرأي بإقامة هذا الخندق فقد حمى الرسول صلى‏ (1) (جبل سلع) صورة للمدينة المنورة من الجهة الشمالية الغربية من أعلى جبل سلع‏ (1).

____________

(1) الصورة من كتاب «مرآة الحرمين»- اللواء رفعت باشا- صورة رقم 161.

289

(2) (جبل سلع) صورة لجبل سلع من الجهة الشرقية و يظهر اندماج الجبل مع المنطقة السكنية.

الله عليه و سلم بذلك المسلمين من القتال فحفظ دماءهم و أموالهم فلم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبال كما قتل في هذه الغزوة عمر بن عبدود العامري الذي اقتحم هو و نفر معهم بخيولهم الخندق في ناحية ضيقة منه فبرز له علي رضي الله عنه فقتله، و برز نوفل بن عبد الله فبارزه الزبير فقتله، و رجعت بقية خيولهم منهزمة. كل هذه الحوادث حصلت عند هذا الجبل جبل سلع الذي ارتبطت بتاريخه و أمجاده تاريخ و أمجاد تلك الغزوة المباركة.

جبل سلع في اللغة:

يقال سلع بكسر السين و سكون اللام و آخرها عين مهملة، و يقال سلع بفتح السين ثم السكون و اللفظ الأخير عرف به الجبل عند الأقدمين من أهل المدينة، أما القول الأول بلفظ كسر السين ثم السكون فهو الأشهر و المعروف عند أهل المدينة اليوم. و تجمع بلفظ سلوع و أسلاع.

قال عاتق البلادي في «معجمه»: (سلع ينطق بكسر السين و القدماء يفتحونها. و هو أشهر جبال المدينة على صغره حتى أنه يفوق أحدا شهرة على كبر أحد و قدسيته. و يكاد الأقدمون يعرفون كل ذكر أو سفر يذكر فيه سلع إلى سلع المدينة. هذا بينما توجد سلوع أخرى في الحجاز منها سلع مكة: جبل بطرف المغمس من الغرب و سلع أخر في ديار بلى) (1).

و في «القاموس المحيط» (السلع) الشق في القدم، و جمعه سلوع و سلع:

جبل في المدينة، و قول الجوهري: السلع خطأ لأنه علم و جبل لهذيل و حصن بوادي موسى من عمل الشوبك ... إلى أن قال و السلع محركة: شجر مر، أو سم أو ضرب من العين أو بقلة خبيثة و تشقق القدم). ثم قال: (و السلع بالكسر المثل و في الجبل الشق و يفتح و جمعه أسلاع و سلوع) (2).

قال السيد السمهودي: (سلع- بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة جبل معروف بالمدينة) (3).

و في «آثار المدينة» للأستاذ عبد القدوس الأنصاري: (سلع: بفتح أوله و سكون ثانيه اسم مشترك لجبلين و أماكن ببلاد العرب، و الجبلان هما جبل سلع بشمالي المدينة و هو هذا. و سلع جبل في ديار هذيل، و هناك جبل ثالث يعرف تاريخا باسم (سلع) أيضا و هو سلسلة جبال البتراء في المملكة الأردنية

____________

(1) «معجم المعالم الجغرافية»- عاتق البلادي- (ص 160).

(2) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروزأبادي- فصل السين- (ص 942).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1234).

290

الهاشمية، و كان سلع هذا منزل الأنباط و به أطلال عماراتهم و عمارات الرومان بعدهم) (1).

و في «عمدة الأخبار»: (سلع بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة جبل بسوق المدينة غربي مشهد النفس الزكية) (2).

ما جاء في تسمية جبل سلع (جبل ثواب):

يعرف هذا الجبل بجبل سلع و هذا الاسم هو الشائع و المعروف في المدينة حتى اليوم، كما يعرف هذا الجبل بجبل ثواب و هو اسم شاع عند الأقدمين من أهل المدينة. أما اليوم فلا يعرف بسوى جبل سلع، قال السيد أحمد ياسين الخياري: (جبل سلع أو جبل ثواب هو جبل عظيم شامخ في المدينة المنورة) (3).

و قد ذكر السيد السمهودي تسمية الجبل بجبل بواب بقوله: (و سبق في مساجد الفتح أن به كهف بني حرام دخله النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و بات به مع ما يقتضى أنه يسمى بجبل بواب أيضا) (4).

و لعله يقصد ثواب فسقطت الثاء بدل الباء أو قد يكون هناك خطأ في الطبع أو النقل، و ذلك ما أورده السيد العياشي فيما رواه الطبراني في «الأوسط» و «الصغير» عن أبي قتادة قال: (خرج معاذ بن جبل فطلب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فلم يجده فطلبه في بيوته فلم يجده فاتبعه في سكة سكة حتى دل عليه في جبل ثواب فخرج حتى رقي جبل ثواب فنظر يمينا و شمالا فبصر به في الكهف الذي اتخذ الناس إليه طريقا إلى مسجد الفتح) (5).

كما عرف هذا الجبل قديما بجبل السوق أو جبل سوق المدينة، و قد جاءت هذه التسمية من وجود جبل سلع بقرب سوق المدينة بل و يشرف عليه من بعض جهاته، و يقصد بسوق المدينة سوق المناخة الذي حدده الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لأهل المدينة سوقا لا ينازعهم فيه أحد و لا يؤخذ فيه خراج.

و موقع هذا السوق معروف منذ القدم بسوق المناخة و ظل مفتوحا حتى بني على طرفه الغربي شريط من المباني و المنازل و قد شق نفق المناخة أسفل منه. قال السيد العباسي في «عمدة الأخبار»: (سلع بالفتح ثم السكون آخره عين مهملة جبل بسوق المدينة غربي مشهد النفس الزكية) (6).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 203) (انظر التهميش في الكتاب).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 337).

(3) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 223).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1235).

(5) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 78).

(6) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 337).

291

(3) (جبل سلع) جبل سلع في الجهة الشمالية الغربية من المسجد النبوي الشريف.

ما ورد في جبل سلع (جبل ثواب) من الأحاديث و الآثار:

يعتبر جبل سلع من أقرب الجبال إلى مركز المدينة حيث الحرم النبوي الشريف بل و يعد أقربها إليه بعد جبل سليع بالتصغير، و نظرا لوجود هذا الجبل في هذا الموقع الاستراتيجي فقد حظي بنزول بعض القبائل القديمة إليه كقبيلة جهينة و بلى و بني أشجع بن زيد كما نزلت على مقربة منه كل من بنو سلمة و هم: بنو حرام و بني عدي و بنو عبيد و بنو سواد بن غنم بن كعب، حيث كانت منازلهم تمتد من جبل سلع إلى وادي العقيق من الجهة الغربية للجبل.

قال المؤرخ المطري عند حديثه عن مسجد جهينة و بلى الذي خطه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لهم فقال في جهته: (و هذه الناحية اليوم معروفة غربي حصن صاحب المدينة و السور القديم بينها و بين جبل سلع المعروف و المشهور) (1).

و يشير المؤرخ العباسي إلى نزول بني سلمة فيقول: (و كانت بنو سلمة كلها بهذه الدور و كلمتهم واحدة، و يروى أنهم قالوا للنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إن السيل يحول بيننا و بينك و أرادوا التحول، فقال: ما عليكم لو رحلتم إلى سفح الجبل، و يعني سلعا فتحولوا فدخلت بنو حرام الشعب و صارت سواد (4) (جبل سلع) جبل سلع و قد أصبح معلما مسيطرا على مركز المدينة.

____________

(1) «التعريف»- السيد المطري- (ص 73).

292

(5) (جبل سلع) بعض الكتابات و الخطوط الكوفية التي تنسب إلى سيدنا أبو بكر الصديق و عمر بن الخطاب رضي الله عنهما و المدونة على جبل سلع من الجهة الجنوبية (5).

(6) (جبل سلع) جبل سلع من الجهة الشرقية و تمثل الصورة أعلى قمة للجبل.

و عبيد إلى السفح) (1).

كما أشار الدكتور السامرائي إلى هذه المنازل بقوله: (و من بني سلمة بنو حرام و بنو عدي و بنو عبيد و بنو سواد بن غنم بن كعب بن سلمة و كانت منطقتهم تمتد من سلع إلى وادي العقيق) (2).

كما يشير الأخ غالي الشنقيطي إلى منازل بني أشجع و قصة نزولهم المدينة إلى سلع فيقول: و لما جاءت قبيلة أشجع مهاجرة قالوا: يا رسول الله جئنا لنقرب منك فلا نحاربك و كرهنا حرب قومنا (3)، فأنزل الله فيهم:

أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَ أَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النساء: 90).

و قد نزلت بنو أشجع عند شعب جبل سلع و قد عرف هذا الشعب فيما بعد بشعب أشجع نسبة إليهم، و في وسط هذا السهل يوجد مسجد السبق الذي بناه أحد قضاة المدينة لوقوعه في منتصف ميدان سباق الخيل في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم).

و في آثار المدينة (أن على هذا الجبل عند سفحه الجنوبي كتابات كوفية قديمة و أثرية) (4) نصها على ما رواه صاحب «مرآة الحرمين» (أمسى و أصبح عمر

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 49).

(2) «المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 23).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 232).

(4) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 205).

(5) أخذت الصورة من كتاب «مرآة الحرمين»- اللواء إبراهيم رفعت باشا- (ج 1 صورة رقم 138).

293

(7) (جبل سلع) شعب المساجد و هو أكبر شعاب جبل سلع من الجهة الغربية.

و أبو بكر يشكوان إلى الله من كل ما يكره ... يقبل الله عمر. الله يعامل عمر بالمغفرة). و قد أفاد إبراهيم رفعت في مؤلفه أن هذه الكتابات أثرية حقا و بأنها بخط الصحابيين الجليلين بإثبات علمي أورده في كتابه‏ (1). و قد بحثت عن هذه الكتابات في الجهة المشار إليها و لكن لم أجد أثرا لذلك فلعلها طمست أو أزيلت بسبب الإحداثات الكثيرة و المتغيرات المتلاحقة التي حدثت عند السفح المذكور للجبل، كما أن مخلفات المباني و العمائر التي انتشرت لتملأ السفح بل و تجاوزت ذلك إلى مرتفع منه قد كان لها الدور الرئيسي في اندثار مثل هذه الآثار الهامة.

و في «الدر الثمين»: (أن في جنوبي جبل سلع شعب ينحدر سيله إلى السيح (بطحان) و فيه الآن المدرسة الناصرية الابتدائية ... و قيل إن هذا الشعب تصارع فيه عمر رضي الله عنه مع عفريت جني اعترض له و طلب منه المصارعة فصرع الجني و في المرة الثالثة قال: يا عمر أشهد أنك أقوى من كل جني لأن الجن انتدبوني لمصارعتك لأنني أقواهم، و الله أعلم بصحة ذلك) (2).

و لم يحظ جبل سلع بالكثير من الأحاديث كما ورد في جبل أحد، قال الدكتور ملا خاطر في مؤلفه «فضائل المدينة»: (و قد ورد ذكر سلع في مواطن معدودة، في قصة الاستسقاء و في الرعي فيه و في بشارة كعب بن مالك رضي الله عنه بالتوبة، ثم إسناد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و المسلمين ظهورهم يوم الخندق إليه) (3).

(8) (جبل سلع) صورة توضح التحسين المستمر الذي تقوم به الامانة لتجميل و تنظيم المنطقة الحضرية.

____________

(1) «مرآة الحرمين»- إبراهيم رفعت باشا- (ح 1/ ص 389).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 233).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 133).

294

(9) (جبل سلع) صورة لجبل سلع من الجهة الشرقية و يظهر و قد غزته المباني من هذه الجهة.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء (و في رواية البخاري: من باب كان و جاء المنبر) و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب، فاستقبل رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائما، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال، و انقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه، ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» قال أنس: و لا و الله ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا و الله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، و رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قائم يخطب، فاستقبله قائما. فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، و انقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يديه ثم قال: «اللهم حوالينا و لا علينا، اللهم على الآكام و الظراب و بطون الأودية و منابت الشجر» فانقلعت، و خرجنا نمشي في الشمس) متفق عليه‏ (1).

و يشير الدكتور خليل ملا خاطر إلى أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و المسلمين قد أسندوا ظهورهم يوم الخندق إلى جبل سلع‏ (2). و يؤكد الدكتور خليل السامرئي ذلك بقوله: (و نزلت الأحزاب مجمع السيول من رومة بين الجرف و زغابة و نزل بعضهم بجانب جبل أحد، أما المسلمون فقد أقاموا مدة الحصار بين جبل سلع و بين الخندق، أي جعلوا جبل سلع وراء ظهورهم و الخندق بينهم و بين الأحزاب) (3).

و قد روى السمهودي ما رواه ابن زبالة و يحيى و ابن النجار من غير طريقهما عن جابر بن عبد الله: (أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مر بمسجد الفتح الذي على الجبل و قد حضرت صلاة العصر فرقى فصلى فيه صلاة العصر) (4). و الجبل المراد هو جبل سلع لأن مسجد الفتح يقع على مرتفع منه في الجهة الغربية.

و في رواية لابن شبة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (دعا

____________

(1) «صحيح البخاري»- كتاب الاستسقاء: باب الاستسقاء في المسجد الجامع- (1 حديث رقم 968 صفحة 344) الطبعة الثالثة/ اليمامة للطباعة- دمشق. و في «صحيح الإمام مسلم» كتاب الاستسقاء: باب الدعاء في الاستسقاء- (2/ 612) حديث (رقم 897) طبعةء 1413 ه/ دار الكتب- بيروت.

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (3/ 132، 133).

(3) «المظاهر الحضرية في عصر النبوة»- د. خليل السامرائي و ثامر محمد- (ص 68).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 830، 831).

295

(10) (جبل سلع) صورة تمثل أحد شعاب و تجاويف جبل سلع من الجهة الغربية.

النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) على الجبل الذي عليه مسجد الفتح من ناحية الغرب و صلى من وراء المسجد) (1)- أي في الرحبة.

قال ابن شبة: قال أبو عنان: و سمعت غير واحد ممن يوثق به يذكر أن الموضع الذي دعا عليه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) من الجبل هو اليوم إلى الأسطوانة الوسطى الشارعة في رحبة المسجد الأعلى‏ (2).

كما يروي ابن شبة عن جابر رضي الله تعالى عنه: (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قعد على موضع مسجد الفتح و حمد الله و دعا عليهم و عرض أصحابه و هو عليه) (3).

و في «مسند الإمام أحمد» برجال ثقات عن جابر بن عبد الله (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) دعا في مسجد الفتح ثلاثا يوم الإثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه).

قال جابر: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة (4).

قال السيد السمهودي‏ (5) و في «صحيح البخاري» (أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما لهم بالجبل الذي بالسوق: و هو سلع).

____________

(1) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 59).

(2) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 60)، كما أورد هذا الحديث السمهودي في «وفاء الوفاء»- (3/ 830).

(3) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 59، 60).

(4) «مسند الإمام أحمد»- (3/ 332)، «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 58، 60).

(5) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 235) 1.

296

موقع جبل سلع (جبل ثواب):

يعتبر جبل سلع من الجبال الباقية و الظاهرة داخل المدينة، و قد اتفق الكثير من المؤرخين و الكتاب على موقع موحد لهذا الجبل فأشار إليه معظمهم بالجبل الشامخ و الواقع في شمال غرب المدينة. فجاء في «الدر الثمين»: (جبل سلع غير مصغر و هو جبل يقع إلى الشمال الغربي من جبيل سليع- و جبيل سليع يقع في شمال غرب المسجد النبوي- تفصلها ثنية عثعث التي يقع في منحناها الشرقي مستشفى الأطفال و أمراض النساء الذي يمتد شماليه سهل مستو يسمى العطن حتى ثنية الوداع الشمالية) (1). و هذا التحديد قديم فقد أزيل مستشفى الولادة و الأطفال كما أزيلت كثير من معالم العطن و ثنية الوداع حتى لا يعلم اليوم سوى جهتها. و قد جاء ذكر تحديد موقع هذا الجبل في منهل دار الهجرة بالقول:

(جبل سلع على مقربة من المسجد النبوي بحوالي خمسمائة متر شمال غربي المسجد) (2).

و يشير الأستاذ عمر الفاروق إلى وصف تفصيلي لموقع هذا الجبل و حدوده‏ (11) (جبل سلع) صورة مصغرة من الموقع العام لجبل سلع كما يظهر في المصورات الجوية لعام 1977 م يبين موقع الجبل و ما حوله من الطرق و المعالم‏ (3).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 232).

(2) مجلة «المنهل» (دار الهجرة)- (ص 91).

(3) المصورات الجوية القديمة لعام 1977 م (صورة مصغرة)- أمانة المدينة المنورة.

297

(12) (جبل سلع) صورة تمثل النهاية المغلقة لأحد الشوارع المتجهة من الشرق إلى الغرب و المنظمة داخل الشعب الشرقي لجبل سلع.

(13) (جبل سلع) صورة لأحد الشوارع الممتدة من الشمال و المنتهية بجبل سلع من الجنوب داخل الشعب الشرقي.

فيقول: (جبل سلع و يقع على بعد خمسمائة متر من المسجد النبوي الشريف ... و يطل من شرقيه على منطقة الساحة، و من الجنوب على مناخة «ديرو» ناحية زقاق جعفر، و من الغرب على حوش خميس و باب الكومة) (1).

كما أشار كل من الأستاذ صدقة خاشقجي و الأخ محمد البليهشي إلى موقع هذا الجبل فأشار إلى أنه الجبل الواقع في شمال غرب المدينة (2)، و أضاف الأخير قوله: (و يتربع جبل سلع اليوم في وسط المدينة بعد أن كان في شمالها الغربي) (3).

و يحدثنا المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري عن موقع هذا الجبل فيقول:

(جبل سلع جبل عظيم شامخ في المدينة المنورة خارج باب الشامي) (4).

و مما سبق يتضح أن موقع هذا الجبل يقع في الجهة الشمالية الغربية للحرم النبوي الشريف و هو ما يتفق مع الحقيقة و الواقع الملموس.

و قد أشار بعض المؤرخين إلى أن موقع هذا الجبل في الجهة الشمالية للمدينة، و من أولئك المؤرخين السيد مجد الدين الفيروز أبادي الذي أشار إلى هذا الموقع بقوله: (جبل سلع يقع شمال المدينة و قد أصبح داخلها) (5).

كما أشار المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى ذلك بقوله: (جبل سلع جبل عظيم شامخ يرتفع في شمال المدينة و يبعد عنها بنحو خمسة دقائق) (6).

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- الأستاذ عمر الفاروق السيد رجب- ص 76.

(2) «أول بلدية في الاسلام»- صدقة خاشقجي- (1/ 128).

(3) «المدينة اليوم»- محمد البليهشي- (ص 33).

(4) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- (ص 223).

(5) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(6) «آثار المدينة المنورة»- السيد عبد القدوس الأنصاري- (ص 203).

298

و يعتبر تحديد كل من المؤرخين مجد الدين الفيروز أبادي و عبد القدوس الأنصاري تحديدا عاما، و يمكن أن نعتبر هذا التحديد صحيحا إذا ما كان القصد منه تحديد الموقع العام للجبل بالنسبة للمدينة بشكل عام، و هذه الإشارة إلى موقع الجبل هي الدارجة و المعروفة عند أكثر أهل المدينة من المحدثين، حيث يذكرون أن جبل سلع في شمال المدينة كتحديد عام بالنسبة له من المدينة المنورة، اليوم و بعد أن أدخل هذا الجبل ضمن المنطقة السكنية المعمورة، و قد يكون هذا التحديد مركزا عند أكثرية سكان المنطقة الجنوبية من المدينة حيث يعتبرون أن جبل سلع يقع في شمال غرب مركز المدينة و يقصد به شمال غرب الحرم النبوي الشريف بالتحديد.

و يبعد هذا الجبل عن الحرم النبوي الشريف بمقدار سبعمائة متر تقريبا في حين لا يبعد عن جبيل سليع بأكثر من مائتي متر تقريبا. كما يبعد عن موقع جبل ثنية الوداع بمقدار مئة و ثلاثين متر تقريبا، و لا يتجاوز بعده عن جبل الراية بأكثر من مئة و عشرين متر تقريبا.

(14) (جبل سلع) مصور جوي قديم للمدينة المنورة لعام 1964 م يظهر من خلاله موقع جبل سلع و علاقته بالنسيج العمراني للمدينة المنورة (1).

(15) (جبل سلع) موقع جبل سلع بين شبكة الطرق و الشوارع الرئيسية (2).

____________

(1) المصورات الجوية لعام 1964 م- مكتب تخطيط المدن- وزارة الداخلية بالمملكة العربية السعودية.

(2) صورة مصغرة من كتاب «فصول في تاريخ المدينة المنورة»- السيد عبد القدوس الأنصاري.

299

و ينحصر جبل سلع بين الاحداثيان الرأسيان رقم 561400 و رقم 560000 في حين ينحصر أفقيا بين الاحداثيان رقم 2706500 و رقم 2708000.

و يشرف هذا الجبل من الجهة الشرقية على نهاية منطقة المناخة من الجهة الشمالية، حيث ثنية الوداع و مسجد السبق و موضع منهل عين الزكي و قبر الزكي سابقا. كما يشرف هذا الجبل على بداية مسار طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه (و المعروف سابقا بسلطانة) حيث يمتد هذا الجبل على طريق أبو بكر الصديق مباشرة حتى يتجاوز جبل الراية و المعروف بجبل ذباب، و يحصر هذا الطريق فيما بينه و بين الجبل منطقة سكنية كبيرة نمت و تشعبت داخل شعاب و تجاويف الجبل فأحاطت بالجبل إحاطة السوار بالمعصم، و من أهم معالم هذه الجهة وجود مسجد الراية و جبلها و دكة جلال و كهف بني حرام خلف المدرسة الناصرية الابتدائية.

أما من الجهة الغربية فيشرف هذا الجبل في بعض أجزائه على طريق السيح الممتد من الجنوب الى الشمال، و يحصر هذا الطريق فيما بينه و بين الجبل مجموعة من المباني و المنازل التي غطت كافة تجاويف الجبل بل و ارتفعت على جزء من سفوحه الغربية، و من أهم معالم هذه الجهة وجود تجاويف السبع مساجد بما فيه من مساجد مأثورة تاريخيا و منطقة الخندق و وجود كهف بني حرام الصغير و مسجد بني حرام الكبير.

أما من الجهة الجنوبية فيشرف هذا الجبل على الشارع الواصل بين طريق الملك فيصل (المعروف سابقا بشارع الستين) شرقا و طريق السيح غربا، مع وجود شريط ضيق فيما بين الجبل و ذلك الشارع أقيمت عليه بعض العمائر السكنية العالية التي حجبت بعض أجزاء هذا الجبل عن الشارع المذكور.

أما من الجهة الشمالية فيشرف هذا الجبل على منطقة سكنية كبيرة و ممتدة بطول طريق أبو بكر الصديق، و قد قامت أمانة المدينة المنورة مشكورة بعمل شارع ضيق يمتد حول السفح الشمالي لهذا الجبل و يسير بمحاذاته حتى يتصل بين طريق السيح من الغرب و طريق أبو بكر الصديق من الشرق، و يعتبر هذا الشارع من أهم الضروريات لحماية هذا الجبل من زحف المباني و المنشآت، و حبذا لو طبقت هذه الفكرة على أغلب الجبال المهمة في المدينة لحمايتها و المحافظة عليها.

300

(16) (جبل سلع) صورة تمثل أعلى قمة في جبل سلع و أسفلها شلالات سلطانة.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل سلع أحد أهم الجبال الواقعة في وسط المدينة بل و يتربع في طرفها الشمالي الغربي على بعد لا يتجاوز السبعمائة متر تقريبا عن الحرم النبوي الشريف.

و يظهر المسقط الأفقي لهذا الجبل على هيئة شكل غير منتظم يمكن تشبيهه بالأخطبوط، حيث يحتوي على مجموعة من الألسن البارزة و التي تحصر فيما بينها شعاب كبيرة و واسعة.

و يظهر جبل سلع على هيئة شكل مستدير يميل إلى الإستطالة نحو الشمال و الجنوب حيث يبلغ طوله حوالي ألف متر تقريبا في حين يبلغ عرضه في أطول بعد له بمقدار ثمانمائة و خمسين مترا. كما يبلغ عرضه في أقصر طول له من داخل الشعب بمقدار مائتين و خمسين مترا تقريبا، في حين يبلغ ارتفاعه حوالي ثمانون مترا.

و يتكون جبل سلع من مجموعة كبيرة من الصخور و الكتل العظيمة التي تظهر و كأنها جبال منفصلة فيما تتباين في رؤوسها المختلفة من حيث الحجم و الارتفاع و تعتبر القمة الشرقية الوسطى لهذا الجبل هي أعلى قمة في الجبل حيث تم تثبيت أحد أرايل الاتصالات عليه و تشرف هذه القمة على طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه (و المعروف سابقا بسلطانة).

(17) (جبل سلع) المياه أحد أهم العناصر الجمالية و الحيوية في التصميم.

301

(18) (جبل سلع) البحيرة المائية التي أقامتها أمانة المدينة المنورة أسفل الجبل.

(19) (جبل سلع) شلالات المياه و قد أضفت على المنطقة جو المتعة و الجمال‏

(20) (جبل سلع) التدرجات في القطاعات الرأسية للصخور ساعد على نجاح فكرة إقامة الشلال.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة بعمل شلال مياه على هذا الجبل أضافت من خلاله عنصرا جميلا و جذابا حتى أصبح هذا الشلال اليوم من المعالم و السمات المميزة لجبل سلع على طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

و قد أشار إلى وصف هذا الجبل الكثير من المؤرخين، فيقول الأستاذ عمر الفاروق: (إن الجبيلات الوحيدة في منطقة المدينة بدأت تدخل تدريجيا كمناطق سكنية ضمن كتلة المدينة المبنية منذ وقت مبكر فهناك مجموعة جبيلات تأخذ عادة شكلا مستديرا تداخلت مع السكن كما أصبح بعضها جزءا من سكن المدينة لا تتجزأ تجزأ أهمها جبل سلع و قد اندمج تماما مع السكن كجزء من المورفولوجية العامة للمدينة ... الى أن قال: و قد استغل ارتفاعه النسبي في إنشاء خزان ماء العين الزرقاء فوقه، و للجبل شعاب و تجاويف، و يتصل به قرون جبلية صغيرة منها سليع) (1).

و يصف المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري حجارة هذا الجبل فيقول:

(و حجارة هذا الجبل سود بوجه إجمالي، تتفتت من ضغطها باليد و يقال إنها تحتوي مادة الإسمنت و لكن لم يتحقق هذا بتجربة عليه بعد) (2).

و في معجم المعالم الجغرافية: (سلع المدينة هو الذي عليه النص هنا، و هو جبل صغير أصبح يحيط به العمران من كل اتجاه، بل و قد كساه من معظم جوانبه) (3).

و في مجلة «المنهل» (دار الهجرة): (جبل سلع على مقربة من المسجد النبوي بحوالي خمسمائة متر شمال غرب المسجد و طوله حوالي واحد كيلومتر و عرضه يتراوح بين ثلاثمائة إلى ثمانمائة متر و ارتفاعه حوالي ثمانون مترا) (4).

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق- (ص 76).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 203)، كما أشار إلى ذلك السيد أحمد الخياري في مؤلفه «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا (ص 223).

(3) «معجم المعالم الجغرافية»- عاتق البلادي- (ص 160).

(4) مجلة «المنهل» (دار الهجرة)- (ص 91).

302

(21) (جبل سلع) سبحان الله القائل:

وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍ‏.

(22) (جبل سلع) جبل سلع حيث تكثر عليه التشققات و المنخفضات الطبيعية المتباينة.

كما يشير الأخ غالي الشنقيطي إلى وصف هذا الجبل بقوله: (و في جنوبي جبل سلع شعب ينحدر سيله إلى السيح «بطحان» و فيه الآن المدرسة الناصرية الابتدائية التي أقيمت في مكان المجزرة التي وجدت بناؤها قائما إلا أنه لا يذبح فيها، و بوابة سور هذه المدرسة الناصرية هي نفس البوابة للمجزرة فنقلت إلى المدرسة) (1).

و هذا الوصف يعتبر قديما حيث لا أثر للمجزرة اليوم حيث أزيلت و أقيم في موضعها مبنى جديد للمدرسة الناصرية و الإمام حفص لتحفيظ القرآن الكريم.

و يعتبر جبل سلع من الجبال التي تميزت بوجود نوعيات مختلفة من الصخور منها الصخور الجرانيتية و منها الصخور المتحولة و منها الصخور الرسوبية عند منخفض الشعب الشمالي، كما توجد بعض الصخور الخفيفة التي تعرف بحجارة الخفاف و هي حجارة خفيفة و كأنها بقايا حمم بركانية، و لعلها هي الصخور و الحجارة التي أشار إليها المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري بقوله:

(و حجارة هذا الجبل سود بوجه الإجمال تتفتت من ضغطها باليد) (2).

كما يشير المؤرخ الى احتمال وجود مادة الإسمنت داخل تركيب بعض‏

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 233).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 203).

303

هذه الحجارة، و يحتمل هذا كما يحتمل وجود بعض المعادن و خاصة معدن الحديد الذي ظهرت بعض آثاره على الصخور الشرقية لسفح الجبل.

و يحتوي جبل سلع على الكثير من التكوينات الصخرية المختلفة و المتباينة سواءا في التكوين أو اللون و تبدو هذه التكوينات أكثر وضوحا في أعالي الشعاب و خاصة الشعاب الشرقية و الغربية.

كما تظهر هناك بعض الصخور الهائلة و قد ظهرت عليها الكثير من التشققات و الشروخ غير العميقة و التي نتجت من تعرضها المستمر لعوامل التعرية و المتغيرات الطبيعية المختلفة، كما نتجت نتيجة لذلك بعض المنخفضات الصغيرة التي تتجمع فيها مياه الأمطار فتنمو حولها بعض الأعشاب و النباتات الحولية المؤقتة التي تجف و تزول بمجرد تسرب هذه المياه إلى داخل شعاب‏ (23) (جبل سلع) أحد الألوان النادرة لمسطح صخري في أعلى الشعب تتداخل فيه الألوان.

(24) (جبل سلع) وحدات من القطع الصخرية و قد ظهرت عليها تأثيرات عوامل التعرية فظهر لونها الخارجي مخالفا للونها الأساسي.

304

(25) (جبل سلع) قطع صخرية متأكلة نتيجة تعرضها المستمر للمتغيرات البيئية المختلفة.

(26) (جبل سلع) قطعة صخرية متداخلة الألوان و قد سقطت من أعلى الشعب على رصيف الشارع.

(27) (جبل سلع) قطعة صخرية حمراء اللون و قد ظهر خارجها باللون الأسود.

(28) (جبل سلع) قطعة من الصخر الأسود الصلد (المعروف بالحجر السلعاوي) و قد هوت من الشعب الشمالي.

(29) (جبل سلع) قطعة صخرية جميلة من الجرانيت ذات ألوان مختلفة.

الصخور أو تبخرها مع الشمس. و نتيجة لتلك التشققات و المنخفضات أصبحت صخور الجبل حادة التكوين يصعب المشي عليها و خاصة داخل الشعاب و حول قمة الجبل من الجهة الشرقية، و قد لا قينا الكثير من الجهد و المشقة عند تسلقنا لهذا الجبل من خلال الشعاب الشرقية أو الغربية حتى غيرنا اتجاهنا إلى شعب صغير يقع في الجهة الشمالية تقل فيه الصخور الوعرة، و أعتقد أن هذا الشعب هو أنسب الطرق للصعود إلى قمة الجبل.

و مع أن جبل سلع يبدو للناظر إليه من الوهلة الأولى أنه جبل أسود إلا أنني قد وجدت كثيرا من الصخور الملونة كاللون الأحمر بدرجاته و مشتقاته المختلفة، و اللون الأخضر الزيتي و اللون الرمادي، إلا أن هذه الصخور خالية تماما من العروق الملونة، و توجد هذه الصخور الملونة عند قمة الجبل من الجهة الشرقية و بعض أعالي الشعاب الشمالية و الشرقية. و أعتقد أن كثيرا من هذه الألوان قد جاء نتيجة حتمية لتعرضها المستمر للمتغيرات البيئية و الطبيعية المختلفة و التي كان لها الدور الكبير في إظهار بعض المتغيرات اللونية طبقا لذلك.

و قد استنتجت ذلك من خلال وجود الكثير من الصخور التي يظهر لونها الخارجي مخالفا تماما للونها الداخلي فهناك صخور سوداء داكنة اللون، و يحمل خارجها اللون الأحمر الداكن، كما أن هناك صخور حمراء و لونها الخارجي أسود اللون و من ذلك نستنتج أن اللون الخارجي ليس هو اللون الطبيعي لتلك الصخور، و خاصة أنني قد قمت بقلب بعض الصخور الصغيرة فوجدت أن لونها السفلي هو نفس لون تكوينها الأساسي بينما ظهر اللون المكتسب على‏