معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
305

(30) (جبل سلع) مجموعة من الألوان المتداخلة بشكل طبيعي جميل.

(31) (جبل سلع) تشققات رأسية في الصخور الشرقية السفلى نتيجة التكسير المستمر.

(32) (جبل سلع) تكوينات متباينة من الصخور الحمراء الداكنة في أسفل الشعب الشرقي.

(33) (جبل سلع) بعض الصخور الهائلة التي يرجح أنها تحتوي على كميات كبيرة من الحديد.

الجزء المتعرض للتقلبات الجوية و البيئية المختلفة. و يمكن أن تكون هذه التشكيلات اللونية ناتجة من وجود بعض المعادن أو المواد الكيميائية التي ينتج عنها بعض الألوان المغايرة لطبيعتها الأساسية. و هذه الظاهرة على هذا الجبل ظاهرة غريبة لم أرها في الجبال الأخرى، حتى في جبل أحد الذي يعتبر من أغنى جبال المدينة بالألوان المختلفة و المعادن المتنوعة، فكانت الألوان حقيقة يشكل فيها اللون الخارجي نفس اللون الداخلي إلا في القليل، و النادر جدا، و الله أعلم.

و للمطلع على المسقط الأفقي لجبل سلع يستطيع على الفور استنتاج أهم مميزات و خصائص هذا الجبل و التي انفرد بها عن بقية الجبال الأخرى، ألا و هي الشعاب الكثيرة و الواسعة التي توزعت على أطراف هذا الجبل بانتظام.

فتلاحظ أن الجهة الشمالية و قد احتوت على شعبين صغيرين و ينطبق هذا على الجهة الجنوبية حيث وجود شعبين أخرين مقابلين للشعبين السابقين أو مقاربين لهما في الحجم و المساحة، و يتحد الشعبان الشماليان ببقائهما على طبيعتهما حيث لا تحتوي على أية مباني أو منشآت سكنية. و لعل ذلك يرجع لصغر هذه الشعاب و وجود كثير من مجاري الأودية الهابطة من أعلى الجبل في هذه الجهة.

أما الشعبان الواقعان في جنوب الجبل فقد ظهرت عليهما مؤخرا بعض المباني التي غطت بعض أجزاء الشعبين كمبنى المدرسة الناصرية و المحلات التجارية المجاورة و التي استمرت على طول هذا السفح حتى طريق السيح، و يرجع سبب ذلك إلى ارتفاع الجبل في هذه الجهة و انحدار ميوله إلى الجهة الشمالية و الغربية، مما يساعد على عدم انحدار مياه الأمطار عن طريق هذه الجهة.

306

(34) (جبل سلع) أحد الشعاب الهابطة من أعلى الجبل و المنحدرة إلى الجهة الشمالية.

(35) (جبل سلع) منحدر مائي يهبط من أعلى الجبل ليصل إلى السفح الغربي من الشعب.

(36) (جبل سلع) الشعب الواقع في الجهة الجنوبية الغربية حيث المباني و المساكن غير المنظمة.

(37) (جبل سلع) الشعب الشرقي لجبل سلع و هو أكبر شعاب الجبل من هذه الجهة.

أما من الجهة الشرقية فيحتوي الجبل على شعبين كبيرين يشرفان مباشرة على طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه. و قد عمر هذين الشعبين منذ وقت مبكر حيث شغلت المنازل و المباني كافة مسطح الشعبين و كادت تصل إلى مرتفع منه.

و تعتبر هذه المنطقة السكنية منطقة منظمة خططت شوارعها و هذبت مبانيها، كما يلاحظ أن أغلب شوارعها المتجهة إلى الجنوب أو الشمال أو الغرب تنتهي أغلبها بنهايات مغلقة و تصدم بجبل سلع بينما تفتح هذه الطرق على الجهة الشرقية و تتصل بطريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

أما من الجهة الغربية فهناك شعبين آخرين من أعظم شعاب هذا الجبل، أحدهما الشعب الواقع في الجهة الجنوبية الغربية، و هذا الشعب قد غطي بالمباني و المساكن حتى نهاية سفح الجبل.

و يظهر على هذه المنطقة أنها عشوائية و في حاجة ماسة إلى دراسة لتطوير البيئة العمرانية بها. كما يلزم وضع طريق دائري حول هذا الشعب يمنع المباني من تجاوزه إلى مرتفع الجبل.

أما الشعب المجاور له و الواقع في منتصف السفح الغربي للجبل تقريبا و المعروف بشعب المساجد و هو أهم و أشهر شعاب الجبل حيث يحتل موقعه بداية مسار الخندق الذي أقامه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) أبان غزوة الخندق في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة. كما تميز هذا الشعب بوجود الكثير من المعالم و المآثر المصاحبة لإقامة الخندق و أحداث هذه الغزوة العظيمة.

و يعتبر هذا الشعب خالي تماما من المباني أو المساكن حيث يمثل المنطقة الحضرية لغزوة الخندق.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة بالاهتمام بهذا الشعب و صيانته و زراعته‏

307

(38) (جبل سلع) المباني و المنشأت الهائلة التي غطت على معالم هذا الجبل الجميل.

(39) (جبل سلع) أحد المباني الذي أقيم في داخل سفح الجبل بعد تكسير أجزاء كبيرة منه.

(40) (جبل سلع) أحد الطرق الصغيرة التي نفذت لحماية الجبل من الجهة الشمالية.

(41) (جبل سلع) طريق حماية الجبل من الجهة الشمالية و قد ظهر ملازما لطبيعة السفح.

و توفير مواقف للسيارات للحجاج و الزوار و توفير دورات المياه، كما قامت وزارة الحج و الأوقاف بترميم و تجديد مسجد الفتح الواقع على مرتفع من الجبل و حبذا لو حظيت بقية مساجد الفتح الأخرى بهذه الميزة حفاظا على عمارتها و طابعها المميز و الهام في المنطقة، و حتى إن لم تكن هذه المساجد لها الصبغة الأثرية الموثقة فيكفيها أنها حظيت بالصفة التاريخية التي عاصرت المدينة المنورة و ما لقيته من دور كبير في الحفاظ على مسار و موقع الخندق ذلك الأثر الإسلامي العظيم.

و قد أصيب سفح جبل سلع مؤخرا بآفة خطيرة أرجو من الله سبحانه و تعالى أن يوفق المسؤولين على إيقافها و حماية هذا الجبل المأثور من خطرها و تدميرها.

و أقصد بهذه الآفة هي آفة التكسير المستمر في سفوح هذا الجبل بهدف بناء و إقامة المباني و المنشآت الضخمة و خاصة ما تعرض له السفح الشرقي منه.

و قد ظهرت من سلبيات إقامة هذه المباني أن حجبت بعض أجزاء هذا الجبل من هذه الجهة، فحبذا لو تنبهت الأمانة إلى ذلك و وجهت نحو عدم السماح بإقامة أي مباني أو منشآت تحد من ظهور هذا الجبل الجميل على أحد أهم الطرق في المدينة و هو طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

كما أن التكسيرات المتتالية قد تسببت في تشويه الشكل و التكوين العام لهذا الجبل، إضافة إلى أن مخلفات العمائر و مواد البناء قد غطت كثيرا من أجزاء الجبل و التي يصعب إزالتها مستقبلا بسبب الطبيعة الوعرة التي تميزت بها أغلب صخور هذا الجبل.

كما أننا نقدر الجهود الخيرة التي تقوم بها أمانة المدينة المنورة من خلال فتحها لبعض الشوارع التي أحاطت بالجبل و خاصة في الجهة الشمالية منه، و التي اعتبرت بمثابة طريق حماية لهذا الجبل من غزو المباني أو الاعتداء على هذا الجبل بالتكسير أو إلقاء المخلفات.

و حبذا لو تقوم الأمانة بعمل طرق أخرى مماثلة في داخل جميع شعاب الجبل لتحد من تمدد المباني و انتشارها.

كما أود تنبيه المسئولين في الإدارة العامة للحدائق و التشجير بأن هناك مناطق كثيرة في الجبل قد تكون صالحة للزراعة و خاصة في مجاري الأودية و مهابط الشعاب و سفوح الجبل.

فحبذا لو تقوم هذه الإدارة بزراعة هذه المناطق بالنباتات الصحراوية الطبيعية و الملائمة لهذا الجبل و مراعاتها و متابعتها و حمايتها من قطعان الأغنام و عبث السكان حتى يمكن الحصول على نموذج حقيقي و صادق للبيئة الصحراوية الجبلية التي عرفت بها المدينة المنورة منذ القدم.

308

أشجار و نباتات جبل سلع:

تتركز الأشجار و النباتات البرية في هذا الجبل حول مجاري الشعاب و مهابط الأودية، و لا تكاد تجدها في غير هذه الأماكن، و يرجع ذلك لعدم وجود مهاريس أو تجاويف تتجمع فيها المياه كما هو الحال في جبل أحد الذي انتشرت النباتات فيه على كافة أجزائه فنجدها عند الشعاب و حول المهاريس و بالقرب من التجاويف المائية و في مجاري الأودية و مهابط المياه.

(42) (جبل سلع) أحد شعاب جبل سلع و المنحدرة من أعلى الجبل و حتى السفح الشمالي منه.

(43) (جبل سلع) انتشار النباتات و الأعشاب حول مجاري الشعاب و مهابط الأودية.

309

(44) (جبل سلع) استخدام سياج من نباتات اللادونيا كفاصل طبيعي بين الجبل و الطريق العام.

(45) (جبل سلع) تكوينات و تشكيلات مختلفة من الصخور الطبيعية.

و لهذا فنجد أن الاغلبية العظمى من النباتات قد تركزت في الشعاب و حول مجاري الأودية للاستفادة من المياه التي تهبط في هذه الشعاب أثناء سقوط الأمطار، و ما تلبث هذه النباتات أن تنمو و تترعرع حتى تنقطع المياه في تلك الشعاب فتجف أغلبية النباتات الصغيرة كأعشاب الشكيرة و المعروفة بالربلة و شجيرات عنب الديب و عشبة الشفشاف و بعض النباتات الزاحفة كالحنظل، بينما تظل النباتات و الشجيرات الأخرى ذات الطبيعة الصحراوية كأشجار السلم و السمر و العوسج في النمو حتى تصل إلى ارتفاعات مختلفة يصل بعضها إلى أكثر من مترين تقريبا.

و تحتوي هذه الأشجار على أشواك طويلة و صلبة تقلل من عملية نتح المياه و هي من أهم مصادر حرفة الرعي و الاحتطاب، كما تعتبر أشجار السمر و السلم الغذاء المفضل للحيوانات و خاصة للإبل منها، و قد انقرضت و تلاشت الكثير من تلك النباتات و الأعشاب على هذا الجبل نظرا للنمو السريع للمباني و الذي غطى على كثير من بطون الشعاب و مهابط الأودية، كما أن دخول الحيوانات غير المنظم الى داخل تلك الشعاب أدى إلى القضاء على تلك النباتات أولا بأول، و لم يبق من تلك النباتات و الاعشاب سوى بعض الشجيرات و النباتات الشوكية التي نمت في أعالي الشعاب و المناطق الوعرة بين التشكيلات و التكوينات الصخرية المختلفة.

كما أن حصر نوعيات النباتات و الأشجار الموجودة على هذا الجبل من الصعوبة بمكان نظرا لتنوعها و صعوبة التفريق فيما بينها في بعض الأحيان و خاصة في الأطوار الأولى للنمو.

و من أشهر تلك النباتات و الأعشاب التي أمكن التعرف عليها المجموعة الشوكية المتمثلة بوجود أشجار السمر و السلم و العوسج، و كذلك عشبة الضب و التي تعرف عند سكان المنطقة بشوكة الإبل و هي عشبة جميلة بها أزهار صغيرة منها الأزرق و منها الزهري و لها أشواك طويلة و هي حادة جدا، كان لها الدور الكبير في زيادة و عورة بعض مناطق الشعاب العليا، كما أنها كانت في بعض الأحيان تحول بيننا و بين الصعود إلى أعلى الشعب، كما تتميز هذه العشبة عند جفافها بلونها الصخري الذي يصعب تمييزه عن الصخور في بعض الأحيان.

و من النباتات و الأعشاب الأخرى نباتات لوز النبي و المعروفة علميا بمصفوفة الأوراق، كما تنتشر في أعلى الشعب بعض نباتات الحميض التي تنتمي إلى الفصيلة البطباطية.

و من تلك النباتات أيضا عشبة الشكيرة أو الربلة و التي يسميها سكان المنطقة بالشكربل و هذه الكلمة جاءت أصلا من اسم العشبة الذي كان يعرف‏

310

(46) (جبل سلع) حديقة الجبل أحد الحدائق الجميلة التي أقامتها الأمانة على جبل سلع.

(47) (جبل سلع) التباين الجميل بين مفردات الطبيعة المختلفة.

(48) (جبل سلع) أحد شعاب الجبل الشمالية و يظهر نماذج من النباتات البرية و يمثل نبات الشفشوف من الفصيلة النجيلية الأغلبية العظمى.

(49) (جبل سلع) عشب شوك الضب أو ما يعرف بالنقيع و هي من الفصيلة الاكانثية و عرفت هذه العشبة عند بعض الناس بشوكة الإبل.

بشوك البر فاختصرها السكان إلى شكربل، كما يوجد من تلك الأعشاب أيضا أعشاب الثمام و أعشاب الشفشاف و المعروفة بالفلاة أو الغفة و تنتمي هذه الأعشاب إلى الفصيلة النجيلية.

كما ينتشر في شعاب الجبل بعض من نباتات و أشجار السنا و المعروف بالسنامكي و أشجار القتاد أو ما يعرف بأكراد و هي من الفصيلة البقولية و لها ثمرة تشبه ثمرة الفاصوليا بنية اللون لها شوكة طويلة.

كما تنتشر في تلك الشعاب بعض النباتات الزاحفة كالحنظل و هو نبات ذو ثمرة مستديرة تشبه القرع صفراء اللون و بعضها مخطط بالأخضر.

كما تنتشر أشجار العشار أو ما يعرف بالعشر و هو من الفصيلة الصقلابية هذا بالإضافة إلى الكثير من النوعيات الأخرى التي لم استطع التعرف عليها، و ما ذكرته هو بمثابة أمثلة لبعض النباتات الموجودة على جبل سلع و تتشابه كثير من هذه النباتات مع الموجودة على جبل أحد لذا فقد رأيت الاكتفاء بعدم ذكر أي تفاصيل علمية عن هذه النباتات و نكتفي بما ذكرناه سابقا في نباتات و أشجار جبل أحد.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة مؤخرا ممثلة في الإدارة العامة للحدائق و التشجير بزراعة بعض الأشجار و النباتات كشجر النيم و أشجار البزروميا و أشجار السرو و الاثل و الكافور عند الطرف الجنوبي لشعب المساجد في الجهة الغربية من الجبل، و أقامت لذلك حديقة جميلة أسمتها حديقة الجبل و قد أضفت هذه الحديقة مزيدا من الجمال و البهجة على المنطقة الحضرية التاريخية خصوصا و على المنطقة عموما.

(50) (جبل سلع) نبتة من شجر اللصاق من الفصيلة القراصية و تعرف هذه النبتة عند أهل المنطقة باللصاقة.

(51) (جبل سلع) شجرة عشار أو ما يعرف بالعشر و هو من شجيرات الفصيلة الصقلابية.

311

(52) (جبل سلع) شجيرة من أشجار الحرمل أو ما تعرف بالحرمة و هي من الفصيلة الدفلية.

(53) (جبل سلع) شوكة الضب أو النقيع و بجوارها بعض شجيرات السنة و المعروفة بالسنامكة أو العشرق.

(54) (جبل سلع) نبتة من نباتات عنب الديب و هي من الفصيلة الباذنجانية.

(55) (جبل سلع) أحد أشجار السمر المنتشرة على السفح الشمالي لجبل سلع و هذه الاشجار من الفصيلة البقولية.

(56) (جبل سلع) شجيرات من الطرف من الفصيلة المخملية و قد جف معظمها نظرا لقلة مياه الأمطار.

(57) (جبل سلع) عشبة شكربل و هي من الفصيلة المركبة و تعرف عند أهل المنطقة بالربلة أو عشبة شكيرة.

(58) (جبل سلع) عشبة شكربل أو شكيرة و بجوارها بعض شجيرات من الطرفة أو ما تعرف بالطرف و هو من الفصيلة المخملية.

(59) (جبل سلع) شجيرة من أشجار الطرفة أو ما تعرف بالطرف من الفصيلة المخملية.

312

جبل سلع ما فيه و ما حوله من المعالم و الآثار:

لقد حظي هذا الجبل على بعض المعالم و الآثار و التي كان معظمها ناتجا من أحداث غزوة الخندق التي خاضها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و أصحابه ضد مشركي قريش في شوال سنة أربع للهجرة النبوية المباركة أو سنة خمس على بعض الروايات.

و فيما يلي سنذكر أهم تلك المعالم و الآثار:

1- غزوة الخندق:

تلك الغزوة المباركة التي وقعت عند جبل سلع حيث كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و المسلمون يحمون ظهورهم بهذا الجبل و جعلوا الخندق فيما بينهم و بين أعدائهم من الأحزاب، و قد سميت هذه الغزوة أيضا بغزوة الأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين فيها على الحرب، و هم الذين سماهم الله تعالى بالأحزاب و أنزل الله في ذلك صدر سورة الأحزاب.

و قد ارتبط اسم هذا الجبل بذكريات و تاريخ تلك المعركة المجيدة فما أن‏ (60) (جبل سلع) جبل سلع ما فيه و ما حوله من المعالم و الآثار (1).

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي القديم لعام 1977 م (أمانة المدينة المنورة).

313

(61) (جبل سلع) جزء من شعب المساجد و الذي يمثل قلب المنطقة الحضرية لمنطقة الخندق.

(62) (جبل سلع) مسجد الفتح أحد المساجد المأثورة في منطقة الخندق، و يظهر و قد احتل مرتفع الجزء الشمالي من الشعب.

يذكر جبل سلع إلا و ذكرت المساجد السبعة و غزوة الخندق، و قد كان هذا الارتباط وثيقا كما هو الحال في ارتباط جبل أحد بغزوة أحد، فإن موقع غزوة الخندق و مسار الخندق ذلك الأثر الإسلامي العظيم قد كان معلما هاما من معالم الجهة الغربية لجبل سلع و انتشرت نتيجة لذلك الكثير من الآثار المرتبطة بتلك المعركة الخالدة كالمساجد السبعة و التي منها مسجد الفتح الذي صلى فيه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و دعا فيه و مسجد بني حرام الكبير الذي كان موقع دار جابر بن عبد الله بن حرام رضي الله عنهما، و التي وقعت فيها معجزة تكثير الطعام أيام غزوة الخندق.

كما يوجد من المآثر كهف بني حرام الصغير الذي يقع على مرتفع من السفح الغربي لجبل سلع، و في هذا الكهف كان يبيت النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل نزول آية العصمة.

هذا إلى غير ذلك من المعالم الأخرى، ككهف بني حرام الكبير على مرتفع من سلع خلف المدرسة الناصرية، و كذلك مسجد جهينة و بلى الذي خطه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) لهم عند الجبل. كما يوجد من المعالم الأخرى دكة جلال و منهل الزكي للعين الزرقاء و جبل ثنية الوداع و مسجد الراية و جبل سليع و صهريج السبع مساجد.

2- مسجد الفتح و ما حوله من المساجد:

يعتبر مسجد الفتح و ما حوله من المساجد من أهم المعالم و الآثار التي تميز بها جبل سلع، و تقع هذه المساجد عند السفح الغربي لهذا الجبل حيث بداية مسار الخندق الذي أقامه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في غزوة الخندق.

و يعتبر مسجد الفتح هو أشهر و أهم تلك المساجد و هو المسجد الأعلى فيها، و يصعد إليه بدرج من قبلته و درج آخر من شماله، و قد أزيل بهدف تحسين الموقع حول المسجد و عمل حديقة مجاورة له، و من فضائل هذا المسجد- مسجد الفتح- و الذي يعرف أيضا بمسجد الأحزاب أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) دعا فيه على الأحزاب أثناء غزوة الخندق فاستجاب الله تعالى دعاءه فنصر المسلمين على أعدائهم.

و قد روى الإمام أحمد بسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) دعا في مسجد الفتح ثلاثا: يوم الإثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه).

قال جابر رضي الله عنه: (فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت الساعة

314

(63) (جبل سلع) الموقع العام لمساجد الفتح ضمن المنطقة الحضرية لسفح جبل سلع‏ (4).

(64) (جبل سلع) صورة للمنطقة الحضرية حيث مساجد الفتح.

(65) (جبل سلع) صورة للواجهة الغربية لمسجد الفتح بعد التجديد الأخير.

(66) (جبل سلع) مسجد بني حرام الكبير و الذي يقع في شعب بني حرام غربي سفح جبل سلع.

فأدعوا فيها فأعرف الإجابة) (1). و قال الدكتور خليل ملا خاطر و قوله في الحديث: (بين الصلاتين- أي صلاة الظهر و صلاة العصر و الله تعالى أعلم) (2).

كما أورد ابن شبة في «تاريخه» كثير من الأحاديث التي تشير إلى أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد صلى في مسجد الفتح الذي عند الخندق‏ (3). و سنتحدث عن هذا المسجد و ما جاوره من المساجد بالتفصيل في باب المساجد المخصص لذلك إن شاء الله.

3- مسجد بني حرام الكبير:

و هو أحد المساجد المأثورة، و يقع هذا المسجد في شعب بني حرام في غربي سفح جبل سلع. و يقال بأن موقع هذا المسجد هو دار جابر بن عبد الله بن حرام‏

____________

(1) رواه الإمام أحمد في «مسنده»- (3/ 332)، كما ورد في «تاريخ المدينة»- ابن شبة- (1/ 58، 60).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (2/ 392).

(3) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 58، 60).

(4) «المدينة المنورة تطورها العمراني و تراثها المعماري»- د. صالح لمعي- شكل رقم 133 (ص 183).

315

(67) (جبل سلع) صورة لكهف بني حرام الصغير على مرتفع من السفى الغربي لجبل سلع‏ (4).

رضي الله عنهما (1) و التي وقعت فيها معجزة تكثير الطعام أبان غزوة الخندق و إلى هذا الشعب انتقل بنو سلمة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

و يشير السيد العباسي إلى هذا المسجد المأثور بقوله: (و بمحاذاته- أي جبل سلع- على طرفه الغربي كهف بني حرام شرقي بطحان و تحت الكهف مسجد بالقاع مسجد بني حرام على يمين المار إلى مساجد الفتح بالطريق الغربية و بغربي هذا الكهف جبل بني عبيد و حصن خل و نخل جابر بن عبد الله) (2).

و قد أقيم هذا المسجد في منازل بني حرام الذي اتخذوه مسجدا لهم داخل شعبهم من سلع بعد أن سمح لهم النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بالانتقال إليه، و قد أورد السيد السمهودي ما رواه رزين بن محمد بن يحيى بن قتادة بن أبي قتادة عن شيخه من قوله إن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): (كان يأتي دور الأنصار فيصلي في مساجدهم) (3).

هذا و سنتحدث عن هذا المسجد بالتفصيل إن شاء الله في الجزء المخصص لذلك.

4- كهف بني حرام الصغير:

يعتبر كهف بني حرام الصغير من الآثار المهمة التي تقع على مرتفع من جبل سلع في جهته الغربية، و يقع مسجد بني حرام عند السفح أسفل منه و قد كان على هذا الكهف قبة صغيرة تمت إزالتها و بقي الكهف مكشوفا، و في هذا الكهف كان يبيت النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل نزول آية العصمة: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏.

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 234).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 337، 338).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 838).

(4) أخذت هذه الصورة من كتاب «معالم المدينة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 142).

316

و قد أورد السيد السمهودي حديث عبد الملك بن جابر ابن عتيك: (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) «توضأ من العينية التي عند كهف بني حرام» و قال: و سمعت بعض مشايخنا يقول: قد دخل النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ذلك الكهف).

و في رواية أنهم كانوا- يعني الصحابة- يخرجون مع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يخافون البيات، فيدخلونه كهف بني حرام فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط و أتى نقر العينية التي عند الكهف) (1).

كما روى ابن شبة عن يحيى بن النضر الأنصاري: (أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) جلس في كهف سلع- و المراد به كهف بني حرام) (2). كما روى السمهودي ما رواه الطبراني في «الاوسط» و «الصغير» عن أبي قتادة قال: (خرج معاذ بن جبل فطلب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فلم يجده فطلبه في بيوته فلم يجده، فاتبعه في سكة سكة حتى دل عليه في جبل ثواب، فخرج حتى رقي جبل ثواب فنظر يمينا و شمالا فبصر به في الكهف ... الحديث) (3). و سنتحدث عن هذا الكهف بالتفصيل إن شاء الله فيما بعد.

5- مسجد كهف بني حرام الكبير:

و هو مسجد صغير عليه قبتان صغيرتان و يقع هذا المسجد أو ما يعرف بكهف بني حرام الكبير على مرتفع من جبل سلع عند سفحه الجنوبي جانحا إلى جهة الشرق.

و يقع هذا المسجد أو الكهف اليوم خلف مدرسة الناصرية الابتدائية و في منازل قبيلة جهينة و بلى حيث مسجدهم الذي خطه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم). و قد أشارت بعض الروايات التاريخية إلى أن هذا الموقع أي موقع مدرسة الناصرية كان هو موقع المجزرة القديمة كما أشار المؤرخ السيد إبراهيم العياشي إلى موقعه فيقول: (و لعل نسبة هذا المسجد الذي يقول له العامة كهف بني حرام و الذي هو في غربي مستشفى الولادة من اضطراب التناقل فإن تلك الجهة منازل جهينة و بلى) (4).

و مستشفى الولادة قد أزيل اليوم فلا يوجد له أثر، فيما وجدت في منازل جهينة و بلى و على مرتفع من الجبل مسجد تم إعادة إعماره و تجديده يقال إنه مسجد جهينة، و بلى الذي خطه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 838).

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 78).

317

(68) (جبل سلع) صورة لكهف بني حرام الذي أقيم على المرتفع الشرقي لجبل سلع.

و يعتبر مسجد كهف بني حرام الكبير من الأماكن التي اختلف المؤرخون فيها اختلافا كبيرا سنتناوله بالتفصيل عند الحديث عن هذا المسجد فيما بعد إن شاء الله.

6- جبل سليع:

و جبل سليع بالتصغير جبل صغير يقع إلى الجنوب من جبل سلع و قد كانت عليه في السابق أبراج و قلعة القيادة التي أقامتها الدولة العثمانية و التي كانت بعض أطلالها باقية إلى وقت قريب.

و جبل سليع جبل غير مرتفع يقع غرب سقيفة بني ساعدة أطلق عليه بعض المؤرخين جبل جهينة حيث كانت منازلهم إلى الجنوب الشرقي منه، و قد كان هذا الجبل هو منازل بني أسلم من المهاجرين حيث سكنوه في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم). كما كان على هذا الجبل حصن أمير المدينة المنورة من الأشراف في القرن التاسع الهجري‏ (1).

و يبعد هذا الجبل عن الحرم النبوي الشريف بمسافة خمسمائة متر تقريبا في حين يبعد عن جبل سلع بمسافة مائتي متر. و جبل سليع جبل مستدير يميل لونه إلى اللون الأسود و هو مشابه إلى حد كبير لتكوينات و لون جبل سلع و كأنه قطعة مفصولة عنه، و سبق الحديث عنه بالتفصيل فيما سبق.

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 206).

318

(69) (جبل سلع) جبل سليع و الواقع في جنوب جبل سلع و تظهر بعض معالم و أطلال القلعة.

319

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

320

(70) (جبل سلع) صورة قديمة لدكة جلال في العهد العثماني‏ (4).

(71) (جبل سلع) صورة حديثة لدكة جلال على المرتفع الشرقي لجبل سلع.

7- مسجد جهينة و بلى:

و هو أحد المساجد التي خطها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) للقبائل و يقع هذا المسجد في شعبهم المعروف بهم في جنوب جبل سلع، و قال السيد العياشي:

(إن المنزلة التي فيها ما يقال إنه كهف بني حرام هي منزلة بلى و جهينة من المهاجرين) (1).

و هذا المسجد غير معروف اليوم بالتحديد إلا أن في المنطقة مسجد جديد من العمارة الحديثة قد أطلق عليه مسجد جهينة و بلى، و يشير أهل المنطقة في الشعب المذكور أن هذا المسجد قد بني في موضع مسجد جهينة و بلى الأثري.

و قد يكون إحتمال آخر و هو أن المسجد الذي يعرف من القديم بمسجد كهف بني حرام و الذي على مرتفع من الشعب داخل منازلهم هو المسجد المراد.

و سنناقش هذا بالتفصيل عند الحديث عن مسجد كهف بني حرام و مسجد جهينة إن شاء الله في الجزء المخصص لذلك.

8- دكة جلال:

و هي عبارة عن دكة صغيرة تقع على مرتفع من جبل سلع في جهته الشرقية و تعرف هذه الدكة في المدينة بدكة جلال. و قد كان يعلو هذه الدكة لوحة حجرية دون عليها تاريخ هذه الدكة و معلومات عنها إلا أنه قد أزيلت هذه اللوحة فلا أعرف ما محتواها، إلا أن أهل المدينة يعرفونها بدكة جلال و يصعدون اليها و يبيتون فيها و يجلسون عليها فالجلوس فيها متعة حقيقية لأنها تقع على مرتفع من الجبل و تشرف على المنطقة المنخفضة التي يمر فيها طريق أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

و يشير المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذه الدكة بقوله: (و في جبل سلع و في شرقيه «دكة جلال» بناها شخص يدعى بهذا الاسم) (2).

كما ذكرها المؤرخ أحمد ياسين الخياري في مؤلفه بقوله: (و في شرقيه- أي في شرقي جبل سلع- دكة جلال نظمها شخص يسمى بهذا الاسم) (3).

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 79).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الانصاري- (ص 203).

(3) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 223).

(4) «مرآة الحرمين»- اللواء إبراهيم رفعت باشا- (ج 1 صورة رقم 139).

321

(72) (جبل سلع) الواجهة الجنوبية لمسجد ثنية الوداع على جبل ثنية الوداع.

(73) (جبل سلع) الواجهة الجنوبية لمسجد الراية على جبل الراية.

9- جبل ثنية الوداع و مسجدها:

أحد الجبال الصغيرة التي تقع داخل النطاق العمراني لمركز المدينة و يقع جبل ثنية الوداع في شمال المدينة المنورة حيث يبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة ألف و مئة متر تقريبا، و يبعد عن جبل الراية الواقع في شماله بمسافة أربعمائة متر تقريبا.

و يحدثنا التاريخ أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) قد ضرب عسكره عليه، كما نزل عليه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) عند خروجه إلى غزوة تبوك. قال ابن إسحاق: (فلما خرج الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره على ثنية الوداع و ضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب) (1).

و قال ابن سعد في سرية مؤتة: (خرج النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف و ودعهم و عسكروا بالجرف) و في «البخاري» عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: (ذهبنا نتلقى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) مع الصبيان إلى ثنية الوداع) (2).

و قد أقيم على هذا الجبل مسجد سمي بمسجد ثنية الوداع أصبح معلما من معالم المدينة المنورة فيما بعد، و قد سبق و أن تحدثنا عن جبل ثنية الوداع بالتفصيل، و سنتناول الحديث عن مسجدها في فصل المساجد فيما بعد إن شاء الله.

10- جبل الراية و مسجدها:

يعتبر مسجد الراية من أهم المعالم المهمة في المدينة حيث ارتبط هذا الجبل بالأثر العظيم لغزوة الخندق، و يقع هذا الجبل في شمال المدينة المنورة، و يبعد هذا الجبل عن الحرم النبوي الشريف بمسافة ألف و خمسمائة متر تقريبا.

و تشير الروايات إلى أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد صلى عليه و ضرب قبته عليه أبان غزوة الخندق. و قد أقيم مسجد الراية على هذا الجبل في الموضع الذي صلى فيه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و موضع قبته.

و قد نقل السيد السمهودي ما رواه ابن شبة عن ربيع بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري قال: (ضرب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قبته على ذباب) (3).

و قد صرح ابن الأثير بأنه جبل بالمدينة و في الاكتفاء في غزوة تبوك ما

____________

(1) «سيرة ابن هشام»- (4/ 120).

(2) «صحيح البخاري»- كتاب الجهاد: باب استقبال الغزو- حديث (رقم 2917)- (ص 1121).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 845).

322

(74) (جبل سلع) قطاع في دبل العين الزرقاء و المتجه إلى شمال المدينة و يظهر كلا الدبلين الأساسي و الفائض.

لفظه: (فلما خرج رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ضرب عسكره على ثنية الوداع و ضرب عبد الله بن أبي معه على حدة عسكره أسفل منه نحو ذباب).

و يقال إن الصخرة التي ضربها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بالمعول كانت تحته، و قد سبق و أن تحدثنا عن هذا الجبل بالتفصيل و سنتناول الحديث عن مسجده في فصل المساجد فيما بعد إن شاء الله.

11- مناهل العين الزرقاء:

من أهم مناهل العين الزرقاء في شرقي جبل سلع ثلاثة مناهل: منهل الزكي، و منهل الثنية، و منهل عند مسجد الراية. و يعتبر منهل الزكي من أكبرها و هو أحد مناهل العين الزرقاء التي أجراها مروان بن الحكم والي المدينة بأمر من خليفة المسلمين آنذاك معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنه. و أصلها من قباء من بئر كبيرة معروفة في غربي مسجد قباء و يستمد منهل الزكي مياهه عبر دبل من الحجر أسفل الأرض، يمتد من قباء و حتى ينتهي بالبركة، و على طول هذا الدبل أنشئت المناهل المختلفة ليسهل على الناس الاستفادة من مياه العين و توزيعها على المدينة أنذاك.

و منهل الزكي عبارة عن منهل كبير يقع في السفح الشرقي لجبل سلع بجوار قبر ذو النفس الزكية، و هو على قسمين: قسم للرجال و قسم للنساء و قد غطي أعلاه بقبتين. و يشير المؤرخ المطري إلى هذا المنهل فيقول: (و إذا خرجت العين من القبة التي بالمصلى- أي يقصد منهل المناخة الموجود بجوار مسجد سيدنا أبي بكر- سارت إلى جهة الشمال حتى تصل إلى سور المدينة فتدخل من تحته فتصل إلى منهل آخر بوجهتين مدرجتين عند قبر النفس الزكية) (1).

ثم تسير هذه العين من هذا المنهل لتصل إلى منهل الثنية عند جبل ثنية الوداع حيث تسير من أمامه (أي من الجهة الغربية) ثم تستمر العين على مقربة من مسجد الراية حيث منهل أخر يعرف بمنهل الراية و هو منهل قريب من الارض له باب و ثلاث درج ينزل إليها.

و عند هذا المنهل يختلط ماء العين المستخدم بالماء الفائض و يعرف جميعه بدبل الفائض حيث يتجه إلى البركة فيفضي فيها. و سنتحدث عن هذه المناهل بالتفصيل في الفصل المخصص بالعيون إن شاء الله.

____________

(1) «التعريف»- السيد المطري- (ص 58).

323

(75) (جبل سلع) صورة لمسجد أبو بكر الصديق بمنطقة المساجد و الذي أقيم الصهريج أسفل منه.

12- صهريج المساجد السبعة:

و يعتبر هذا الصهريج أحد الصهاريج الهامة التي أقيمت في المدينة المنورة تحت الأرض لتجميع مياه الأودية و العيون بداخلها و الاستفادة منها عند الحاجة.

و يعتبر صهريج المساجد الموجود في السفح الغربي لجبل سلع من أكبر هذه الصهاريج و يقع هذا الصهريج أسفل مسجد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه في منطقة الخندق، و قد أزيل المسجد مؤخرا و هدم الصهريج و الذي ظهرت كثير من معالمه و عقوده الحجرية عند الهدم.

و يستمد هذا الصهريج مياهه من مسار وادي بطحان عند جريانه من خلال فتحة حجرية (منامة) من الجهة الغربية و ينزل إلى هذا الصهريج عبر درج حجري من الجهة الشمالية. و سنتحدث عن هذا الصهريج بالتفصيل إن شاء الله فيما بعد.

13- وادي بطحان:

أحد أهم و أشهر أودية المدينة و يعرف هذا الوادي بسيل أبو جيدة، و قد روى ابن شبة و البزار عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) يقول: «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة») (1).

و يعتبر هذا الوادي هو الوادي الوحيد الذي يخترق مساكن المدينة المنورة منذ القدم، و يمتد هذا الوادي بطول أربعة كيلومترات و ربع تقريبا، و يبلغ أكبر عرض له بمقدار أربعين مترا في حين يبلغ أصغر عرض له بمقدار عشرة أمتار و يأتي هذا الوادي من الحرة العليا (2). و مصدره ذي جدر ثم يمر بقربان و يتجه إلى داخل المدينة غربي مسجد الفتح حتى ينتهي إلى الغابة (مجمع السيول)، و يصب في هذا الوادي كل من الأودية المعروفة وادي الرانوناء و وادي مهزور و وادي مذينب. و سنتحدث عن هذا الوادي بالتفصيل فيما بعد إن شاء الله.

(76) (جبل سلع) صورة لوادي بطحان الهابط من الجنوب إلى الشمال الغربي.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1071).

(2) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. الفاروق السيد رجب- (ص 60).

324

(77) (جبل سلع) صورة لبعض المباني و القلاع الحربية الموجودة على جبل سلع.

14- قلاع و أبراج سلع:

تعتبر قلاع و أبراج سلع هي واحدة من تلك الأبراج و القلاع العظيمة التي أقامها فخري باشا محافظ المدينة آنذاك في الفترة بين عام 1336- 1337 ه و ذلك أثناء فترة الحصار التي ضربها الهاشميون على المدينة (1). و قد كانت هذه الفترة هي فترة خلافة السلطان العثماني محمد الخامس (رشاد) الذي حكم بين عامي 1328- 1337 ه. و تظهر هذه القلاع و الأبراج على هيئة مباني حجرية متناثرة على قمة الجبل استخدمت حجارة نفس الجبل في بنائها فظهرت بلونها الأسود المميز بحجارة جبل سلع، و قد استخدمت هذه القلاع في الحراسة و المراقبة، و قد أهملت هذه المباني و القلاع الحربية اليوم و بدأت تتساقط بعض حوائطها نتيجة لمرور السنين و إنتهاء الوظائف التي أقيمت من أجلها.

و سنتحدث عن هذه القلاع بالتفصيل في الجزء المخصص لذلك فيما بعد إن شاء الله.

(78) (جبل سلع) تشكيلات و تكوينات مختلفة لبعض الصخور الغربية لجبل سلع.

____________

(1) «فصول من تاريخ المدينة»- السيد علي حافظ- (ص 46).

325

(79) (جبل سلع) نماذج لبعض التشكيلات و التكوينات الطبعيية لجبل سلع.

ما جاء في جبل سلع من الشعر:

لقد تناول الشعراء هذا الجبل في قصائدهم و خاصة في قصائد المدح و الشوق و الحنين للمدينة المنورة، و قد يصعب في هذا المقام جمع كل ما دون و كتب من قول الشعراء في هذا الجبل، و لكن نكتفي بذكر أقوال بعض أولئك الشعراء.

و من ذلك قول أحدهم‏ (1):

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة* * * بسلع و لم تغلق علي دروب‏

و قال آخر:

و لحي بين العريض و سلع‏* * * حيث أرسى أوتاده الاسلام‏

كان أشهى إلي قرب جوار* * * من نصارى في دورها الأصنام‏

و قال آخر:

ألا قامت أمامة بعد دهر* * * و خلو العيش يذكر في السنين‏

سكنت مخايلا و تركت سلعا* * * شقاء في المعيشة بعد لين‏

فقلت لها ذببت الدين عني‏* * * ببعض العيش و يحك فاعذريني‏

و غرب الأرض أرض به معاشا* * * يكف الوجه عن باب الضنين‏

و قال السمهودي: (قال الأصمعي: غنت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك و كانت من أحسن الناس وجها و مسموعا، و كان شديد الكلف بها، و نشأت بسلع:

لعمرك إنني لأحب سلعا* * * لرؤيته و من أكناف سلع‏

تقر بقربه عيني و إني‏* * * لأخشى أن يكون يريد فجعي‏

فتنفست الصعداء فقال لها: لم تنفسين؟ و الله لو أردته لنقلته إليك حجرا حجرا، فقالت: و ما أصنع به؟ إنما أردت ساكنيه‏ (2).

و قد أورد عاتق البلادي تلك الأبيات و لكن نسبها إلى قيس بن ذريح و ذكر كلمة بجنوب سلع بدلا من (أكناف سلع) (3). و يحتمل أن يكون قيس هو القائل و حبابة هي التي غنت، أما اختلاف اللفظ فقد يكون هناك خطأ في الطبع أو النقل في أحدهما. و قد ورد هذا الجبل في قصيدة طويلة في الشوق و الحنين للمدينة المنورة ألفها الشاعر القدير و المحبوب السيد علي حافظ (رحمه الله تعالى)، و مما جاء فيها:

و ما أحلى المقيل بسفح سلع‏* * * و في وادي العقيق و في قراها

و في وادي قناة لنا رفاقا* * * كزهر الروض بلله نداها

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 234).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1235، 1236).

(3) «معجم المعالم الجغرافية»- عاتق البلادي- ص 160).

326

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

327

8 جبل سليع‏

328

جبل سليع:

تمهيد:

يعتبر جبل سليع أو ما يعرف قديما بجبل جهينة من أقرب الجبال إلى مركز المدينة المنورة بل و أقربها على الإطلاق حيث لا يزيد بعده عن الحرم النبوي الشريف بأكثر من خمسمائة متر تقريبا.

و جبل سليع تصغير سلع جبل صغير يقع في شمال غرب المسجد النبوي الشريف، و يعتبر جبل سليع من المعالم المهمة و المميزة في المدينة المنورة، و ذلك لما ارتبط تاريخه بتاريخ و ماضي المدينة المنورة حيث سكنته بني أسلم من المهاجرين في عهد النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، ثم سكنته قبيلة بني جهينة و لذا سمي باسمهم.

(1) (جبل سليع) صورة للمدينة المنورة من أعلى جبل سلع و يظهر جبل سليع و عليه برج القلعة (1).

____________

(1) أخذت الصورة من بطاقة إعلامية قديمة عليها تعليق باللغة الباكستانية.

329

(2) (جبل سليع) صورة قديمة لجبل سليع من الجهة الشرقية و يظهر برج القلعة (1).

(3) (جبل سليع) جبل سليع و قد أحيط قديما بالمباني و العمائر العالية.

كما ارتبط هذا الجبل بتاريخ و عمارة أهم و أكبر قلاع المدينة المعروفة بقلعة باب الشامي أو قلعة باب الوسط أو السبيل، و قد بنيت هذه القلعة في فترة خلافة السلطان سليمان الأول ابن سليم الغازي العثماني الذي حكم بين عامي (1520- 1566 م) (2).

و قد كانت هذه القلعة تلعب الدور المهم و الفعال في إدارة الشئون العسكرية و الدفاعية للمدينة المنورة. كما أن الأحداث التي حصلت في المدينة بسبب انفجار هذه القلعة في عام 1338 ه كان له الدور الكبير في ارتباط هذه الذكريات بهذا الجبل الصغير، و قد كان هذا الانفجار من أهم الأحداث المروعة التي شهدتها المدينة المنورة في تاريخها القديم و ما زال صداه باقيا عند كثير من أهل المدينة الذين عاصروا هذا الحدث الأليم الذي روع أهل المدينة و نشر في قلوبهم الفزع و الرعب.

و سنتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل عند الحديث عن القلعة السلطانية و التي عرفت عند أهل المدينة «بالسبيل» إن شاء الله فيما بعد.

ما جاء في تسمية الجبل و معناه في اللغة:

لقد عرف هذا الجبل بثلاث مسميات عرف بها هذا الجبل في فترات زمنية مختلفة، فقد عرف قديما بجبل جهينة نسبة إلى نزول بني جهينة إلى جانبه من الجهة الجنوبية الشرقية، فأقاموا بجانبه مسجدهم المأثور و الذي عرف بهم.

كما عرف هذا الجبل قديما بجبل عثعث و يعرف أيضا بثنية عثعث، أما اليوم فيعرف هذا الجبل بجبل سليع لتصغير سلع و هو الاسم المعروف اليوم. و أما كلا التسميتين‏

____________

(1) الصورة من مجموعة الأخ صالح حجار.

(2) «وصف المدينة المنورة» لعلي بن موسى- ضمن رسائل في تاريخ المدينة المنورة- محمد الجاسر- (ص 48).

330

السابقتين فقد نسيت اليوم فلا نكاد نرى إلا القليل جدا من أهل المدينة من يعرفها.

و قد أشار صاحب «الدر الثمين» الى تسمية هذا الجبل فيقول: (و كان الجبيل يعرف قديما بجبل جهينة حيث كانت منازلهم إلى الجنوب و الشرق منه، و في الجهة القبلية لهذا الجبيل يوجد مسجد عرف في العصر النبوي بمسجد جهينة أو مسجد بلى) (1). و هذا المسجد يعرف اليوم بمسجد جهينة و بلى معا قد هدم و أعيد بناؤه و يقع في السفح الجنوبي لهذا الجبل.

و في «المغانم المطابة»: (و سلع يعرف قديما بثنية عثعث) (2). و قد أشار بعض المؤرخين إلى أن ثنية عثعث تطلق على جبل سليع و المنطقة بينه و بين جبل سلع و المعروفة اليوم بطلعة باب الكومة.

و قد أشار المؤرخ السيد العباسي إلى ذلك بقوله: (ثنية عثعث تنسب إلى الجبل الذي يقال له سليع مصغرا و عليه حصن أمير المدينة اليوم، و الثنية بينه و بين سلع فذلك الجبل هو سليع) ثم يعود المؤرخ فيقول: (سليع تصغير سلع جبل بالمدينة يقال له عثعث) (3).

كما يتطرق الدكتور عمر الفاروق السيد رجب إلى هذه التسمية فيقول:

(و للجبل- أي جبل سلع- شعاب و تجاويف و يتصل به قرون جبلية صغيرة منها سليع و يفصل بينه و بين هضبة بشماله طريق يؤدي إلى المجزرة، و جبل سلع هو الطريق المعروف قديما بثنية عثعث) (4). و موضع المجزرة اليوم هي المدرسة الناصرية الابتدائية و مدرسة تحفيظ القرآن، و الطريق قائم و معروف.

و يضيف مؤلف «الدر الثمين» تسمية أخرى عرفت بها ثنية عثعث فيقول عند حديثه عن طريق باب الكومة: (و بينه و بين جبل سلع ثنية «ريع» كانت تعرف بثنية العثعث و يصعد مع هذه الثنية الشارع المعروف اليوم بباب الكومة).

ثم يطالعنا السيد مجد الدين الفيروز أبادي بقول أهل اللغة في المعنى فيقول: (عثعث بمثلثتين كربرب: جبل بالمدينة يقال له سليع عليه بيوت أسلم ابن أفصي‏ (5) تنسب إليه ثنية عثعث، و العثعث في اللغة: الكثيب السهل، و عثعث متاعه: بدده و فرقه) (6).

كما يشير السيد السمهودي إلى ذلك بقوله: (سليع- تصغير سلع: جبل بالمدينة عليه بيوت أسلم بن أفصي، نقله ياقوت و يؤخذ مما سبق في منازلهم أنه الجبيل الذي يقابل سلعا) (7).

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 231).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 284، 338).

(4) «المدينة المنورة»، «اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 76).

(5) «و يقصد بيوت أسلم إبن قصي».

(6) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 248).

(7) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1236).

331

(4) (جبل سليع) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م يوضح جبل سليع و ما حوله من الطرق و المعالم‏ (1).

موقع جبل سليع:

لقد اتفق المؤرخون و الكتاب على أن جبل سليع جبل صغير من جبال المدينة المنورة و أنه الواقع بجوار سلع و قد حدد بما يتطابق و حقيقة موقعه اليوم، إلا أننا نجد أن بعض المؤرخين قد اختلفوا في تحديد جهته من جبل سلع فمنهم من قال إنه في جنوب سلع و أخرون قالوا إنه في شمالي شرق جبل سلع و أخرون قالوا إنه في الجنوب الشرقي منه.

قال مجد الدين الفيروز أبادي: (جبل سليع جبل صغير بجنوب سلع) (2)، أما ما جاء في مجلة «المنهل» فهو مخالف لذلك حيث أشير إلى موقعه في شمال شرقي جبل سلع‏ (3).

كما يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى هذا الموقع بقوله: (جبل سليع هو الجبل الصغير الذي يقع بجنوبي جبل سلع) (4). أما المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري فيشير إلى هذا الموقع فيقول: (جبل سليع هو الجبل الصغير الذي يقع جنوب سلع) (5).

و لو تطلعنا إلى الواقع الملموس و الحقيقي لهذا الجبل لوجدناه أقرب لمن قالوا إنه في جنوب سلع و صحيحا لمن أشاروا إليه بأنه في جنوبه الشرقي، و ذلك لأن موقعه حقيقة و على حسب ما ينطق به الواقع هو في الجهة الجنوبية الشرقية من جبل سلع، و يبعد عنه بمقدار مائتي متر تقريبا، كما يقع في شمال غرب‏

____________

(1) المصورات الجوية القديمة لعام 1977 م- صورة مصغرة (أمانة المدينة المنورة).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(3) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (ص 90).

(4) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 104).

(5) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 223).

332

الحرم النبوي الشريف و يبعد عنه بمقدار خمسمائة متر تقريبا.

و ينحصر هذا الجبل بين الإحداثيان الرأسيان رقم 561600 و رقم 561500 في حين ينحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2706600 و رقم 2706500 و يشرف هذا الجبل قديما من الجهة الشمالية على مستشفى الولادة القديم و طلعة باب الكومة و مسجد السبق.

أما من الجهة الجنوبية فيشرف الجبل على منطقة مكتبة الملك عبد العزيز و حوش سلمان و حوش شعبان و حوش النزهات و زقاق جعفر في حين يشرف من الجهة الشرقية على شارع المناخة ثم سقيفة بني ساعدة و منطقة الساحة و السحيمي بما فيها من بيوت و معالم. أما من الجهة الغربية فيشرف الجبل على منطقة باب الكومة و حوش خميس و حوش السيد و حوش الكلاب.

أما اليوم فقد أزيلت كافة المنطقة المحيطة لتنفيذ مخطط تطوير المنطقة المركزية الجديد، و الذي أدى إلى إزالة بعض أجزاء الجبل فلم يبق إلا جزء بسيط منه يشرف اليوم على أرض فضاء، بينما سيحاط في المستقبل و عند تنفيذ المخطط و عمارته بالمباني و العمائر العالية.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل سليع هو أحد الجبال الصغيرة المحيطة بجبل سلع من الجهة الجنوبية الشرقية و هو جبل قليل الارتفاع يبدو للناظر إليه بأنه جبل منفصل تماما عن كل ما يحيط به و يعتبر هذا الانفصال هو انفصال ظاهري للكتلة الجبلية أو الصخرية البارزة فوق سطح الأرض بينما الحقيقة أن جبل سليع هو أحد جبال‏ (5) (جبل سليع) المسقط الأفقي لجبل سليع حسب ما يظهر في المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (1).

____________

(1) مسقط أفقي لجبل سلع مصغر من المصورات الجوية لعام 1977 م بمقياس رسم 1/ 10000 لوحة جوية رقم‏31 SW 1 d .

333

(6) (جبل سليع) صورة للقلعة السلطانية على جبل سليع‏ (2).

سلع و أحد قرونه و يتصل به اتصالا قويا يتمثل بالاتصال الباطني بين الجبلين، فجميع الصخور السفلية متصلة تماما بل و متحدة في التكوين الطبيعي لها فجبيل سليع قطعة من سلع لا يمكن فصلها عنه بأي حال من الأحوال، و ما وجود طلعة باب الكومة و الهضبة الواقعة بين الجبلين إلا دليل واضح على هذا الاتصال و الاتحاد بين الصخور الباطنية و الموجود تحت الأرض و التي يظهر منها ما يشاهد في الهضبة المرتفعة بين الجبلين عند طلعة باب الكومة بجوار المدرسة الناصرية.

و تعتبر هذه المنطقة بين الجبلين و المتمثلة بالهضبة عبارة عن قطعة واحدة من الصخر متحدة في اللون و التركيب يصعب قطعها أو الحفر فيها، و ما هذا إلا دليل واضح لهذا الاتصال و الارتباط بين الجبلين.

و قد أشار كثير من المؤرخين و الكتاب إلى هذا الارتباط و قد اعتبره بعضهم أن سليع قطعة من سلع، فيشير الدكتور عمر الفاروق الى ذلك بقوله: (و للجبل- أي جبل سلع- شعاب و تجاويف و يتصل به قرون جبلية منها سليع، و يفصل بينه و بين هضبة شماله طريق يؤدي إلى المجزرة و جبل سلع) (1).

و يظهر الشكل العام للمسقط الأفقي لهذا الجبل على هيئة شكل بيضاوي مضغوط المنتصف يظهر فيه الجزء الشمالي أكبر من الجزء الجنوبي و يبلغ طول هذا الجبل بين أقصى بعدين من الجنوب إلى الشمال بمسافة خمسة و أربعين مترا تقريبا، في حين يبلغ عرضه في أكبر بعد له على جانبيه بمسافة ثلاثين مترا، في حين لا يتجاوز عرض منتصفه عن ثلاثة و عشرين مترا تقريبا، و للجبل شعبين رئيسيين ينحدر أحدهما إلى الجهة الشرقية بينما ينحدر الآخر إلى الجهة الغربية و هما شعبان شديدا الانحدار.

____________

(1) «المدينة المنورة»، «اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 76).

(2) الصورة من مجموعة الأخ صالح حجار.

334

(7) (جبل سليع) صورة لجبل سليع بعد أن أزيلت المباني المحيطة به فظهرت آثار القلعة.

و يتكون جبل سليع من مجموعة من الصخور الصلبة التي تندرج في التكوين من أسفل إلى أعلى و على هيئة مسطبات كبيرة يقل اتساعها كلما اتجهنا إلى أعلى، و يميل لونه إلى اللون الأسود و هو يشابه إلى حد كبير تكوينات و لون جبل سلع، مع أن اللون الأحمر الداكن يظهر بوضوح تام على كثير من صخوره الجانبية، و لا يحتوي هذا الجبل على أية نباتات أو كهوف أو تجاويف إلا أن تكون قد طمرت و دفنت نتيجة بناء القلعة العثمانية و حصن أمير المدينة المنورة عليه.

و يشير المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى بناء تلك القلعة و الحصن فيقول: (و فوقه اليوم أحد أبراج قلعة الباب الشامي و كان عليه في القرن التاسع الهجري حصن أمير المدينة من الأشراف، بناه الأمير ابن شيحة في القرن السابع الهجري ليتحصن به و ليكشف منه ضواحي المدينة) (1).

و يشير السيد جعفر برزنجي في «نزهة الناظرين» إلى أن هذا الحصن هو القلعة المعروفة عند باب السور بالباب الشامي‏ (2)، و في «تاريخ المدينة» للسيد العباسي ما يفيد أن القلعة المذكورة هي في مكان الحصن أو أنها من منشآت الدولة العثمانية (3).

____________

(1) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 104).

(2) «نزهة الناظرين»- السيد جعفر برزنجي- (ص 86).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 338).

335

كما يشير السيد العباسي إلى أن الحصن المذكور بناه جماز بن شيحة الحسيني قبل ستمائة و سبعين سنة في مقابل سلع و كان عليه بيوت أسلم بن قصي، و قال الشريف: و عليه اليوم قلعة الرومية العثمانية. و في الجهة المقابلة للجبل يوجد مسجد جهينة و بلى، و قد كانت هاتين القبيلتين في نفس المنطقة، و طلب شيخ مسن من بلى من النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أن يصلي له في مكان يتخذه مصلى فصلى له في مكان فصار يقال المسجد لبلى و الخط لجهينة، يعني أنه (صلى اللّه عليه و سلّم) خط ذلك المكان لمهاجري جهينة فسكنوا فيه و قد كان هذا المسجد مبنيا بالحجر و الطين ثم أعيد بناؤه بالأسمنت فجعل المسجد في الدور الأول و ترك الدور الأرضي كخدمات للمسجد. و يعتبر هذا المسجد أهم المعالم و الآثار القريبة من هذا الجبل. و قد أحيط هذا الجبل في السابق بالمباني العالية، و قد أكلته البيوت تكسيرا و خنقته العمارات الشاهقة و الفنادق و مع هذا فلا تزال هناك قمة صخرية ملساء عالية يمكن مشاهدتها من خلال العمائر، أما ما بقي اليوم من هذا الجبل فلا يعدو عن ربوة صخرية صغيرة حبذا لو بقيت لتحافظ على موقع هذا الجبل المشهور.

(8) (جبل سليع) صورة من الجهة الغربية لجبل سليع و عليه آثار القلعة و البرج.

336

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

337

9 جبل عير

338

جبل عير:

تمهيد:

يعتبر جبل عير من أهم المعالم المهمة في المدينة المنورة فهو جبل عظيم شامخ يمثل أهم معالم الجهة الجنوبية، كما يعتبر هذا الجبل هو حد حرم المدينة من تلك الجهة حيث جعله النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) معلما لحدود هذا الحرم ففي «الصحيحين» من حديث إبراهيم التيمي أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور) ... الحديث‏ (1).

(1) (جبل عير) صورة مصغرة من المخطط العام للمدينة المنورة يوضح موقع جبل عير و علاقته بجبل أحد و ثور و الحرتين في تحديد حرم المدينة (2).

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الفرائض: باب إثم من تبرأ من مواليه- (6 حديث رقم 6374)، «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- (2/ 994) حديث رقم (467).

(2) صورة مصغرة من المخطط العام للمدينة المنورة (أمانة المدينة المنورة)- الاستشاري دار الهندسة.

339

و يعتبر هذا الجبل من الجبال المهمة في المدينة حيث ارتبط وجوده في تحديد اتجاه العمران فيها، و يشرف هذا الجبل اليوم من الجهة الغربية على وادي العقيق و منطقة آبار علي بما فيها من معالم و آثار كما يشرف على الطريق المعروف بطريق مكة- المدينة السريع و الذي يعرف اليوم تجاوزا بطريق الهجرة.

كما يشرف هذا الجبل من بقية الجهات الأخرى على أراضي فضاء شاسعة يتخللها بعض المخططات السكنية الحديثة، إضافة إلى المزارع و البساتين المنتشرة بين تجاويف و منحدرات الهضاب في الجهة الجنوبية حيث غزارة المياه التي عرفت بها هذه الجهة من الجبل منذ القدم و التي تعرف بخشم عير الغربي.

و يحدثنا الوالد (عبد الرحمن كعكي) أدامه الله أنه في عهد بصري باشا محافظ المدينة قد قرر القيام بمشروع كبير و هو مد المدينة بالمياه الغزيرة التي يقال إنها موجودة عند خشم عير من الجهة الغربية و أن هذه المياه يمكن أن تسمع بالأذن المجردة عند ذلك الموقع. فقام محافظ المدينة بإحضار مواسير من الزهر قطر اثنا عشر بوصة ثم خزنت أكوام كبيرة منها عند موقع حوش مدرسة طيبة الثانوية بالعنبرية تمهيدا لبدء المشروع إلا أن بعض الناس قد هبطوا عزيمة المحافظ في تنفيذ المشروع فأهمل المشروع حتى جاء عهد الدولة السعودية أيدها الله فاستخدمت هذه المواسير في مد خط المياه من قباء إلى وسط المدينة. و يعتبر هذا الخط أول خط استخدام في نقل المياه من قباء إلى المدينة.

جبل عير في اللغة:

جبل عير بلفظ الحمار الوحشي و هو جبل بجنوب المدينة و يقال عير بفتح العين و سكون الياء و آخره الراء، و يقال عايره بفتح العين و الألف و كسر الياء و سكون الراء، و قد أشار السيد مجد الدين الفيروز أبادي إلى معنى هذا اللفظ في اللغة فيقول في «القاموس»: (العير: الحمار، و غلب على الوحشي و جمعه أعيار و عيار و عيور و عيورة و معيوراء) (1).

كما يؤكد المؤرخ السيد السمهودي هذا المعنى بقوله: (عير بالفتح و سكون المثناة التحتية آخره راء: حمار الوحش، اسم للجبل الذي في قبلة المدينة شرقي العقيق) (2). و في «عمدة الأخبار»: (عير بفتح أوله و سكون المثناة التحتية آخره راء بلفظ العير: الحمار الوحشي، و هو جبل مطل على السد) (3).

أما السيد محمد الصالحي الشامي فيشير إلى معنى هذا اللفظ في مؤلفه «فضائل‏

____________

(1) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 574، 575).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1269).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

340

(2) (جبل عير) جبل عير من الجهة الشمالية و قد أخذت الصورة من طريق مكة- المدينة السريع.

المدينة» فيقول: (عير بفتح العين المهملة و سكون المثناة التحتية و بالراء: الحمار و يقال عير جبل باسمه، و يسمى الأول بالوارد و الثاني بالصادر) (1). كما جاء معنى هذا اللفظ صريحا في «الدر الثمين» بلفظ: (عير بفتح العين بلفظ الحمار الوحشي جبل جنوبي المدينة المنورة، و هو حد الحرم من الجهة الجنوبية) (2). أما المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري فقد أورد هذا اللفظ بلفظ آخر عرف به الجبل كرديف آخر فقال: (جبل عير تقرأ بفتح العين و سكون الياء و يقال عاير بفتح العين و الألف و كسر الياء و آخره راء ساكنة- و هو جبل عظيم مشهور واقع في قبلة المدينة المنورة شرقي العقيق) (3).

أما السائد و المعروف اليوم فهو بلفظ عير بفتح العين و سكون الياء و آخره راء، و هذا اللفظ هو المعروف عند أغلب أهل المدينة فيقال: جبل عير و ينطقها بعضهم بجبل عير بكسر العين و سكون الياء و آخره راء و هذا اللفظ معروف و مشهور أيضا إلا أنني لم أجد من أشار إليه من أهل اللغة، و لعل هذا اللفظ قد جاء من ضمن الألفاظ الكثيرة التي تغير شكلها من باب سهولة اللفظ فاستسهل الناس كلمة عير على عير فعرف الجبل به عند بعض الناس.

ما جاء في تسمية الجبل:

لقد عرف هذا الجبل بعدة أسماء و مترادفات فقد عرف قديما: (بجبل عاير) و ذكره بعضهم (بجبل عار) و آخرون قالوا إنه (جبل عير)، و يقال عير جبل يسمى باسمه.

و يشير الدكتور خليل ملا خاطر (4) الى هذه التسمية فيقول في تحديد الحرم من الشمال إلى الجنوب و ذلك تعليقا على ما رواه البيهقي في «السنن» بسنده الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال: (قلت لكن ليس في «الصحيحين» ذكر «عير و ثور» من حديثه رضي الله عنه أما سائر الروايات عند البخاري ففيها: من عير إلى كذا أو من عائر إلى كذا) (5).

و في آثار المدينة: (جبل عار كما هو معروف اليوم) (6)، و لعل هذا الاسم‏

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- السيد محمد الصالحي الشامي- (ص 117، 118).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 252).

(3) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 225).

(4) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 70).

(5) «صحيح البخاري»- كتاب فضائل المدينة: باب حرم المدينة، حديث رقم (1768)- (2/ 661)/ و كتاب الجزية و الموادعة: باب ذمة المسلمين، حديث رقم (3001)- (3/ 1157)، و باب إثم من عاهد ثم غدر، حديث رقم (3008)- (3/ 1160)/ كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة: باب ما يكره من التعمق و التنازع في العلم و الغلو في الدين و البدع، حديث رقم (6870)- (6/ 2662).

(6) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 112).

341

(3) (جبل عير) صورة لبعض التكوينات الجبلية و المكونة لجبل عير عبر الطريق السريع.

عرف في زمنه بينما اليوم لا أعرف من يقول به أو يذكره. و يشير الدكتور محمد الخطراوي إلى هذه التسمية بقوله: (أما المدينة نفسها فقد جعل لها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حرما محدودا جنوبا بجبل عير «مرادف للحمار» و بعضهم يسميه عاير و هو جبل كبير مشهور بقرب ذي الحليفة ميقات المدينة (1). كما جاء في مجلة «المنهل» خلال الحديث عن الحرة ما نصه: (حيث يقع جبل عير و يسمى أيضا عائر) (2).

و قد فرق بعض المؤرخين في هذه التسمية بين جبل عير هذا و جبل عير آخر يقع في جنوبه، فقالوا لجبل عير البعيد بعير الصادر و عير المدينة بالوارد فيقال عير الوارد و عير الصادر.

قال السيد العباسي عند حديثه عن هذا الجبل: (وفوقه- أي فوق جبل عير الأول- جبل يسمى باسمه يقال له عير الصادر و للأول عير الوارد) (3). و قد جاءت هذه التسمية في «فضائل المدينة» بلفظ: (و يقال عير جبل يسمى باسمه و يسمى الأول بالوارد و الثاني بالصادر) (4).

كما يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى هذه التسمية فيقول: (جبل عير تقرأ بفتح العين و سكون الياء و يقال عاير، و هو جبل عظيم مشهور واقع في قبلة المدينة المنورة ... إلى أن قال: و فوقه- أي فوق جبل عير- جبل آخر بنفس الاسم و يقال له عير الصادر و للأول عير الوارد و فيها يقول الأحوص‏ (5):

أقوت روادة من أسماء فالحمد* * * فالنصف للسفح من عيرين فالسند)

و يطالعنا السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) بسبب هذه التسمية فيقول: (و سطح هذا العير كظهر العير ... إلى أن قال: و يطلق عليه كلمة العاير بالعين المهملة) (6). و لعل في ذلك إشارة إلى أن سبب التسمية ترجع الى أن هناك تشابه بين ظهر هذا الجبل و ظهر العير بلفظ الحمار الوحشي، و الله أعلم.

____________

(1) «المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 25).

(2) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (ص 75).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

(4) «فضائل المدينة المنورة»- السيد محمد الصالحي الشامي- (ص 118).

(5) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 225، 226).

(6) «المدينة بين الحاضر و الماضي»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 472).

342

(4) (جبل عير) صورة لبعض التكوينات الجبلية الجنوبية لجبل عير و تظهر بقممها و رؤوسها المنفصلة.

(5) (جبل عير) صورة لبعض التكوينات الجبلية العليا عند منحدر الشعب الجنوبي.

ما جاء في جبل عير من الأحاديث و الآثار:

يعتبر جبل عير من أهم معالم المدينة المنورة و هو حد حرمها من الجهة الجنوبية، و قد جاء ذكر هذا الجبل في عدد من الأحاديث الصادرة عن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: (خطبنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله و هذه الصحيفة- قال: و صحيفة معلقة في قراب سيفه- فقد كذب، فيها أسنان الإبل و أشياء من الجراحات، و فيها قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا و لا عدلا ...) متفق عليه و اللفظ لمسلم‏ (1).

و روى البيهقي في «السنن» بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين) و قد عزاه للصحيحين‏ (2).

و يعلق الدكتور خليل ملا خاطر على ذلك بقوله: لكن ليس في الصحيحين ذكر عير و ثور من حديثه رضي الله عنه أما سائر الروايات عند البخاري ففيها من عير إلى كذا، أو من عائر إلى كذا (3).

و عن أنس رضي الله عنه قال: (قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني» فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) كلما نزل، و قال في الحديث: ثم أقبل حتى بدا له أحد قال: «هذا جبل يحبنا و نحبه»، فلما أشرف على المدينة قال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم و صاعهم») و اللفظ لمسلم‏ (4). و في رواية لهما: عن عاصم قال: قلت لأنس أحرم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) المدينة. قال: نعم ما بين كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها و من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين ...

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الفرائض: باب إثم من تبرأ من مواليه- (6/ 2482) حديث رقم (6374)/ و «صحيح مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- حديث رقم (467)- (2/ 694).

(2) «السنن الكبرى»- البيهقي- (5/ 196).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 69، 70).

(4) «صحيح مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- (2/ 994) حديث رقم (462)/ و جاء في «البخاري»- كتاب الجهاد: باب من غزا بصبي للخدمة.

343

(6) (جبل عير) صورة لبعض القمم الجبلية الوعرة عند بداية الطريق إلى الشعب الجنوبي.

الحديث‏ (1). و يفسر الدكتور خليل ملا خاطر أن المراد بالجبلين هما عير و ثور فيقول: (في الرواية الأولى «ما بين جبليها» تفسره رواية علي رضي الله عنه «ما بين عير و ثور» و الله أعلم، أو تحمل على الحرتين على قول من قال: يوجد في الحرتين جبل، و أما قوله «من كذا إلى كذا» فقد جاءت مبهمة يفسرها حديث‏ (7) (جبل عير) الطريق إلى داخل الشعب الجنوبي و هو من أوعر الطرق المؤدية إلى مرتفع الجبل.

____________

(1) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الاعتصام: باب من آوى محدثا/ و «صحيح مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- حديث رقم (463) (6/ 94).

344

علي رضي الله عنه أيضا لذكر «من» و «إلى» و الله أعلم) (1). و بهذا فيكون جبل عير هو حد حرم المدينة من الجهة الجنوبية، و قد جاء في أخبار المدينة ما نصه: (أما المدينة نفسها فقد جعل لها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) حرما محدودا جنوبا بجبل عير) (2).

و قد جاء في الحديث أن جبل عير من الجبال التي يبغضها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و أنه جبل من جبال النار و العياذ بالله. كما جاء في الحديث أن هذا الجبل يقع على باب من أبواب النار و يحتل ركنا من أركانها، كما جاء أيضا أنه على ترعة من ترع النار، فسبحان من ميز جبلا عن جبل و رفع شأن جبل عن آخر، فهذا جبل أحد قد حظي بمدح النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و اشتاق إليه و فرح بلقائه و جعله داخل حرم المدينة، و هذا جبل عير قد أبغضه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و كره رؤيته و لقاءه فجاء فيه من الأحاديث ما ينقص مقداره و يحط من قدره فهو جبل من جبال النار و العياذ بالله، و لذلك فقد أخرجه النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) من حدود الحرم الشرعي فجعله خارج المدينة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «إن أحدا جبل يحبنا و نحبه و هو على ترعة من ترع الجنة، و عير على ترعة من ترع النار» (3).

و عن أبي عبس بن جبير رضي الله عنه، أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) قال لأحد:

(هذا جبل يحبنا و نحبه على باب من أبواب الجنة و هذا عير يبغضنا و نبغضه على‏ (8) (جبل عير) صورة لبعض الشرائع المنبسطة و مجاري المياه في أعلى الشعب و التي تتجمع بعد ذلك في الشعب الرئيسي.

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 71).

(2) «أخبار المدينة»- ابن النجار- (ص 12)/ «المدينة في العصر الجاهلي»- د. محمد الخطراوي- (ص 25).

(3) «سنن ابن ماجة»- كتاب المناسك: باب فضل المدينة- حديث رقم (3115)/ و قد أورد هذا الحديث السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (4/ 1270)/ و في «فضائل المدينة»- د.

خليل ملا خاطر- (3/ 95).

345

(9) (جبل عير) صورة تمثل الانحدار الشديد للشعب الجنوبي لجبل عير تبين منخفضات و تعرجات السفوح الجانبية.

(10) (جبل عير) صورة لجزء من الواجهة الغربية لجبل عير حيث إندماج التكوينات.

باب من أبواب النار) (1). و عن داود بن الحصين، عن أبي ليلى قال: (قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): «أحد على ترعة من ترع الجنة و عير على ركن من أركان النار») (2).

و في «الدر الثمين» ما نصه: (و ورد أيضا أن جبريل (عليه السلام) أمر الجبال فطأطأت رؤوسها إلا عيرا فأزاحه جبريل بجناحه يمينا كما تقدم في وضع النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قبلة المسجد النبوي) (3).

و في «عمدة الأخبار» و «وفاء الوفاء»: (روى بعض شراح المصابيح أن الله تعالى لما كلم موسى (عليه السلام) على الجبل تقطع فصارت ثلاثة بمكة: حران و ثبير و ثور، و ثلاثة بالمدينة: عير و ثور و رضوى). قال العباسي معلقا: قد تقدم أن عيرا على ترعة من ترع النار فيبعد أن يكون عير من جملة تلك الجبال المكرمة و لا يبعد أن يكون و عيرة و يكون تصحيف في اللفظ و الله أعلم) (4).

و قد نزلت قبيلة بني مزينة في الماضي إلى جنب هذا الجبل‏ (5) فكان موضع منازلهم الذي عرفوا به حتى وقت قريب. و يحدثنا المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن كثير من الآثار و المعالم و الكتابات القديمة و الموجودة على هذا الجبل و التي يعد أحدثها قد أرخ بعام خمسمائة و خمس و ثمانين للهجرة النبوية

____________

(1) أورده السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (4/ 1270)/ كما أورده د. خليل ملا خاطر في «فضائل المدينة المنورة»- (3/ 96)/ كما رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط».

(2) رواه ابن شبة في «تاريخ المدينة المنورة»- (1/ 83)/ و ورد في «مصنف عبد الرزاق» (9/ 268).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 252).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (1/ 95، 96)/ «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

(5) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 112).

346

المباركة، و ما وجده على هذا الجبل من إشارات و دلائل تدل على التاريخ الحافل لهذا الجبل و ما مرت عليه من أحداث طيلة القرون السابقة.

و يروي لنا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ذلك بقوله: (و بجنوبه و بشرقيه- أي المهراس- صخور أثرية منقورة بالمسمار على طريق العرب الأولين حلي بالخط الكوفي القديم، و قد ذهلت عند المهراس و مائه العذب النمير على رغم اشتداد الظمأ بي بسبب عثوري على هذه الآثار التاريخية في هذه المنطقة المزوية عن الأنظار ... و تملكني الدهشة من روعة هذا الخط المنقور منذ مئات السنين على هذه الصخور، و عجبت من ضخامة صخوره و انتظام تركيبه و خلوده و احتماله لعوادي الأيام و تقلبات الأجواء و قسوة الحر و البرد، فلله در أيد نقشته و لله در أنامل رسمته.

وقفت مع بعض الإخوان برهة أمام كل واحدة من هذه الصخور أحاول قراءة ما احتوته من هذه الخطوط المتداخلة و المتشبكة المهملة من التنقيط، و بعد تدقيق عميق و إمعان شديد و مقارنة دقيقة استطعت أن أقرأ منها ما يلي:

(اللهم ثت عبد العزيز بن المعتز بن عمر بن عبد ...)

(اللهم أعتق محمد بن عبد ... بن عبد الرحمن برحمتك و لا ...)

(اللهم صلى على محمد النبي عبدك و رسولك و ... سيد بن عمر و موسى الله ... الجنة)

(أنا عبد الله بن سعد المرتضى)

(لا إله إلا الله وحده)

(اللهم صلي على محمد النبي عبدك و رسولك)

(11) (جبل عير) صورة لبعض أجزاء جبل عير من الجهة الشمالية و يظهر التجانس التام في اللون.

347

(12) (جبل عير) صورة لجزء من جبال و تكوينات جبل عير من الجهة الغربية.

(13) (جبل عير) صورة لأحد أجزاء جبل عير من الجهة الشمالية و يظهر و قد أحيط الجبل في هذا الجزء بطريق ممهد. (فحبذا لو استمر ليحيط بكامل الجبل).

(الله لم يلد و لم يولد شهد يوسف و محمد في خمس و ثمانين و خمسمائة).

و هناك كتابات أخرى كثيرة بدأ بعضها في الانطماس بسبب الأمطار و المؤثرات الطبيعية و البعض لا يزال ظاهرا، و تشابه أشكال هذه الخطوط و إتقان كاتبها على عدم تنقيطها و اختلافها في دقة الرسم و جمال الحروف، كل ذلك يجعلنا نرى أنها كتبت في القرون الإسلامية الأولى و أحدثها عهدا. بينها ما كتب في عام 585 ه لأنه أجملها و أظهرها جدة و رونقا) (1).

و قد قام المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في البحث بين طيات الكتب و الأسفار القديمة لعله يجد أي إشارة لتلك الخطوط و الكتابات فلم يجد سوى ما أشار إليه ياقوت الحموي في «معجمه» (2) بقوله: (الفرش واد بين غميس الحمائم و ملل و فرش و صخيرات الثمام كلها منازل نزلها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) حين سار إلى بدر).

و يرجح الأستاذ عبد القدوس أن تكون هذه الصخيرات التي أشار إليها ياقوت بصخيرات الثمام هي نفسها صخيرات جبل عير التي دونت عليها تلك الكتابات و قد يكون التصغير للتعظيم) (3). كما تميز هذا الجبل بوجود الكثير من آثار القصور القديمة التي أقيمت بسفحه في العصور الإسلامية الأولى‏ (4) كقصر إبراهيم بن هشام و قصر إسحق بن أيوب المخزومي و قصر لآل طلحة و منازل لآل سفيان بن عاصم ...

و أرجح هنا أن مصدر تلك الكتابات و الخطوط التي أشار إليها المؤرخ عبد القدوس الأنصاري أنها ترجع إلى عهد تلك العصور، و أن مصدرها هو سكان و أهل تلك المنازل و القصور الكثيرة التي انتشرت على حافتي وادي العقيق و التي كانت لها في وقتها الشأن الكبير و الدور الهام و الرائد في حضارة المدينة و تطورها العمراني عامة، و في حضارة وادي العقيق على وجه الخصوص.

موقع جبل عير:

يعتبر جبل عير من المعالم البارزة في المدينة المنورة و يمكن مشاهدته من أغلب أنحاء المدينة فموقعه ظاهر و واضح للعيان، يعرفه الصغير و الكبير. و قد أشار كثير من المؤرخين إلى موقع هذا الجبل و حددوه بما حوله من معالم، و قد نجد أن هذه المعالم تختلف من وقت لآخر و من زمن مؤرخ إلى آخر.

____________

(1) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 113، 115).

(2) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (6/ 260).

(3) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 113، 115).

(4) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 474، 477).

348

(14) (جبل عير) صورة تمثل بعض أجزاء الشعب الجنوبي و تظهر و عورة الطريق المؤدي إلى الجبل.

(15) (جبل عير) صورة تمثل النهاية العليا للشعب الرئيسي في الجهة الجنوبية بين منحدرات و تكوينات الصخور.

(16) (جبل عير) الطريق إلى أحد الشعاب الجنوبية بين سفوح الجبال.

فنجد أن منهم من أشار إلى معالم تحيط به لا تعرف اليوم بينما الآخر يشير إلى معالم أخرى و هكذا، و من هؤلاء المؤرخين ما أشار إليه السيد السمهودي بقوله: (عير اسم للجبل الذي في قبلة المدينة شرقي العقيق، و فوقه جبل آخر يسمى باسمه و يقال له عير الصادر و للأول عير الوارد، و لهذا قال الزبير في أودية العقيق: ثم شعار الحمراء و فرة و عيرين) (1).

ثم يعلق السيد إبراهيم العياشي على ذلك بقوله: (هذا العير يقسم الحليفتين كما يقسم وادي المحرم المحرمين، و هو حد من حدود حرم الصيد بالمدينة و الضلع الأسمر هو عير الصادر و لعل في كلمتي الوارد و الصادر وضوح تام أن الأول يرد و يطل على المدينة و الثاني يصدر عنه إلى طريق الفاير، و قد يطلق عليه كلمة العاير بالعين المهملة و هو مثل سابقه الوارد في التكوين و اللون إلا أنه في طرف نهاية البيداء من الجنوب، كما هو في نهاية الحليفا العليا فهو يجمع بين منطقتي البيداء و الحليفة و من الطرف الشرقي الجنوبي منه الطريق إلى روضة خاخ و ذي سلم. كما أن الطريق إلى الغاير أيضا و هو على بريد تماما من مسجد الغمامة) (2).

ثم يشير السيد العياشي إلى حدود هذا الجبل و ما حوله من معالم فيقول:

(و يقع جبل عير على تمام الكيلو الخامس عن طريق العقيق ... إلى قوله: و يمتد إلى الجنوب في استدارة نحوا من كيلو و نصف و يطل من هذه الناحية على الحليفا العليا بكامل أقسامها كما يطل من ناحية المشرق على وادي أبي هريرة رضي الله عنه و فيه المحرم الثاني و يقول الناس له أبو بريقة وسيله يفيض من عير

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1270).

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 472).

349

(17) (جبل عير) صورة لجزء من جبل عير من الجهة الجنوبية الغربية و يظهر أحد الشعاب الكبيرة في هذه الجهة.

من هذه الجهة و من الحرة التي تمتد من حرة الوبرة جنوبا) (1).

و في «المواضع» لأبي علي الهجري: (أن سيل العقيق يفضي لثنية الشريد ... ثم قال: و يحف الثنية شرقيا عير الوارد) (2). و يشير السيد محمد دفتردار إلى موقع هذا الجبل عند حديثه عن حرم المدينة فيقول: (و حرمها بريد في بريد و هو ما بين عير و هو جبل يطل على ذي الحليفة) (3).

و في «عمدة الأخبار» هو الجبل المطل على السد (4)، و يقصد بالسد، سد عروة المعروف، و يحدد مجد الدين الفيروز أبادي موقع هذا الجبل و بعده عن المدينة فيقول: (جبل عير جبل عظيم شامخ أسود جنوب المدينة، يشاهد منها رأي العين يبعد عنها بمقدار ما يقارب الخمسة أكيال) (5). و جبل عير جبل شاهق الارتفاع يقع في جنوب المدينة المنورة (6). و يحدثنا المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري عن موقع هذا الجبل فيقول: (و هو جبل عظيم و مشهور واقع في قبلة المدينة المنورة شرقي العقيق قرب ذي الحليفة و هو أحد حدود المدينة المنورة التي حرم الرسول عليه الصلاة و السلام الصيد فيها) (7).

و قد جاء في مجلة «المنهل» ما نصه: (و يليه في الأهمية- أي بعد أحد- جبل عير الذي يقع في جنوب المدينة المنورة و على بعد ثمانية كيلومترات من‏

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 471).

(2) «المواضع»- أبي علي الهجري (بقلم حمد الجاسر)- (ص 296).

(3) «ذخائر المدينة المنورة»- محمد دفتردار- (ص 23).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 377).

(5) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(6) «أول بلدية في الإسلام»- الأستاذ صدقة خاشقجي- (1/ 128).

(7) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 225).

350

(18) (جبل عير) صورة مصغرة من المخطط العام يوضح موقع جبل عير و ما حوله من الطرق و المعالم‏ (2).

المسجد النبوي ... إلى قوله: و يقع عير عند اللابة الجنوبية) (1). و يقصد باللابة الجنوبية هنا حرة شوران المعروفة بالحرة الجنوبية و هي الحرة التي جاء فيها الحديث النبوي الشريف: (بارك الله في شوران)، و الحرة حجارة سوداء بركانية و هي تحد المدينة من شرقها و تسمى حرة واقم، و عند غربها تسمى حرة الوبرة ثم تتصل هاتان الحرتان في جنوبها حيث يقع جبل عير- و يسمى أيضا عاير- في أطرافها الجنوبية مائلا إلى غربها.

و يعطينا المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري وصفا لموقع هذا الجبل تحت عنوان عير و ثور فيقول: (و هما جبلان من جبال المدينة أولهما عظيم شامخ يقع في جنوبي المدينة على مسافة ساعتين عنها تقريبا بسير الأقدام غير المستعجل ... ثم يستطرد قائلا في وصف عير: و هو سلسلة هضاب متصلة بعضها برقاب بعض تبعد عن المدينة جنوبا بنحو 19 ساعة بسير القوافل الحجازية و بنحو نصف ساعة

____________

(1) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (ص 72، 91).

(2) صورة مصغرة من المخطط العام بمقياس رسم 1/ 25000- تقرير الإستشاري دار الهندسة (أمانة المدينة المنورة).

351

(19) (جبل عير) صورة تمثل بعض أجزاء الشعب الجنوبي لجبل عير.

(20) (جبل عير) صورة تمثل نهاية هبوط الشعب الجنوبي نحو الغرب ثم ينحرف نحو الجنوب تبعا لانحدار و اتجاه سفوح الجبال.

بسير السيارات في الوقت الحاضر ... إلى أن قال: و تنتهي هذه السلسلة غربا إلى وادي الفريش، و شرقا إلى مفرق الطريق المعروف اليوم بالقاصد) (1).

و لو نظرنا إلى موقع هذا الجبل اليوم و علاقته بالمدينة لقلنا أن جبل عير يبعد عن الحرم النبوي الشريف «مركز المدينة» بمسافة سبع كيلومترات تقريبا، في حين يبعد عن طريق المدينة- مكة جدة السريع و المعروف تجاوزا بطريق الهجرة من الجهة الغربية بمسافة أربعمائة متر تقريبا.

في حين يبعد عن وادي العقيق من نفس الجهة بمسافة تسعمائة متر تقريبا، كما يبعد هذا الجبل عن الطريق السريع من الجهة الشمالية بمسافة ثمانمائة متر تقريبا. أما من الجهة الجنوبية فيبعد الجبل عن مسار الطريق الدائري الثالث (طريق الملك خالد) بمسافة اثنين كيلومتر تقريبا.

و ينحصر جبل عير بين الإحداثيان الرأسيان رقم 560000 و رقم 555000 في حين ينحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2699000 و رقم 2694000 و جبل عير اليوم لا يزال محاطا بنفس المعالم و الأماكن التي أشار إليها المؤرخون مع ظهور بعض الاستخدامات الجديدة و مستجدات أثرت على التكوين العام و استخدامات مخطط الأراضي هناك.

و يحد الجبل من الجهة الشمالية امتداد مسار الطريق السريع و يليه مجرى وادي العقيق الذي ينحدر من الجنوب إلى الشمال محاذيا لسفح الجبل من الجهة الغربية و الشمالية.

و تنحصر بين مسار الطريق السريع و سفح الجبل من تلك الجهة مساحة واسعة تم تخطيط كثير من أراضيها فأصبحت مخططات سكنية منظمة و من‏

____________

(1) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 112، 113)- آثار المدينة المنورة- المؤلف نفسه (ص 209).

352

أهمها مخطط زين منصور و مخطط باعقيل و مخطط أبو بريقا و مخطط المنح و مخطط السراني، و مخططات أخرى جديدة قيد التخطيط و التنفيذ.

أما من الجهة الجنوبية فيشرف جبل عير على أراضي فضاء واسعة يغلب عليها الحرة السوداء و التي يتخللها مجموعة من المزارع و البساتين. و يمتد في هذه الجهة امتداد طريق الجامعات الذي يمر بجوار سفح الجبل من هذه الجهة. كما يمتد و على بعد منه طريق الدائري الثالث المعروف اليوم بطريق الملك خالد.

و يشرف جبل عير من الجهة الشرقية على كثير من المخططات الحديثة كمخططات الدخل المحدود للأمانة و المسماة بمخططات الشيبية، و بعض المخططات الخاصة كمخطط سلطان السديري و مخطط عبد الرحمن السديري و مخطط غازي حكيم و مخطط الرانوناء.

كما يشرف جبل عير من هذه الجهة على حي الوسيعة، و هذا الحي يقع عند السفح الشرقي لهذا الجبل و ملاصقا له، و تتميز المناطق الموجودة بجوار الجبل من هذه الجهة بأنها أراضي و عرة كثيرة المناسيب صعبة التضاريس يتم إصلاحها و تهذيبها بشكل مرحلي تبعا لما يعتمد فيها من مخططات.

و يمتد في هذه الجهة طريق الأمير سلطان الذي يصل بين مسار الطريق الدائري الثالث (طريق الملك خالد) جنوبا و الطريق السريع شمالا.

و أما من الجهة الغربية فيشرف الجبل على شريط ضيق من الأراضي الوعرة يمتد خلفها الطريق السريع المعروف بطريق الهجرة اليوم.

كما يشرف هذا الجبل من هذه الجهة على مجرى وادي العقيق (الوادي المبارك) و الذي يجري بمحاذاة الطريق السريع في هذه الجهة، ثم ينحرف عنه شمالا ليتجه إلى الجهة الشمالية الغربية حيث يلتقي بوادي بطحان و وادي قناة ثم يتجه إلى الغابة.

و قد حددت سياسات المخطط العام للمدينة الاستخدام السكني لأغلب الأراضي المحيطة بهذا الجبل. فحبذا لو تقوم الأمانة بعمل طريق دائري حول الجبل كما قامت به في جبل أحد ليمنع تجاوز المباني و انتشارها على سفوح الجبل مع ضرورة وضع الأسس و المعايير التخطيطية الكفيلة بتنظيم هذه المباني و إيجاد المخططات التطويرية لها حتى يمكن السيطرة على هذه المناطق و معالجتها أولا بأول.

353

(21) (جبل عير) مسقط أفقي لجبل عير مصغر من المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (1).

الوصف الطبيعي لجبل عير:

قبل أن نتحدث عن الوصف الطبيعي لهذا الجبل حسب ما هو قائم بشكله و تكوينه الطبيعي نود أن نذكر أهم ما أشار إليه المؤرخون و أهل العلم في وصف هذا الجبل و ما ذكروا من خصائصه و تكويناته الطبيعية و الجيولوجية.

و من أولئك المؤرخين ما ذكره الأستاذ عبد القدوس الأنصاري في مؤلفه «بين التاريخ و الآثار» فيصف هذا الجبل عند زيارته له فيقول: (هو سلسلة هضاب متصلة بعضها برقاب بعض ... و هذه السلسلة من الهضاب الشامخة يخترقها الطريق الذي يوصل بين مكة و المدينة و تقطن قبيلة (الرحلة) الحربية في هذه المنطقة الآن ... ثم تنتهي هذه السلسلة غربا إلى وادي الفريش، و شرقا إلى مفرق الطرق المعروف اليوم بالقاصد. و الاحمرار هو اللون الغالب على هذه الهضاب و بداخلها في الجانب الشمالي من الطريق فتحة واسعة في وسطها مهراس عميق وجدناه مملوءا بالمياه المنحدرة إليه من أعالي الجبل و يسقي منه البادية هناك. و بشرق المهراس قاع أفيسح فيه منازل مبنية بالحجر و الطين، بناية في غاية البساطة و لا يزال من فيها يدعونها بالخيام) (2).

____________

(1) المصورات الجوية القديمة للمدينة المنورة لعام 1977 م- (صورة مصغرة) (وكالة تخطيط المدن)- وزارة الشئون البلدية و القروية.

(2) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 112).

354

(22) (جبل عير) جبل عير من الجهة الغربية و كأن نهايته تمثل خطا مستقيما يمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي.

(23) (جبل عير) صورة لمنطقة آبار علي من على مرتفع من جبل عير و يظهر مسجد الميقات المعروف بمسجد ذي الحليفة بعمارته الحديثة.

(24) (جبل عير) صورة للمنطقة العليا من أبار علي و التي يشرف عليها جبل عير من الجهة الغربية.

ثم يعود الأستاذ عبد القدوس الأنصاري فيصف الجبل قائلا: (و في جبل عار معدن الرخام و لكنه ليس بذلك الرخام الأبيض الجميل ... إن لونه مشوب بصفرة و فيه عروق سود كثيرة، و قد عثرنا على هذا المعدن على مقربة من المهراس في الجهة الجنوبية بالنسبة له).

و في آثار المدينة للأستاذ عبد القدوس الأنصاري يصف هواء الجبل ورقة نسيمه عند زيارته له عام 1347 ه فيقول: (و قد صعدت إلى أعلى جبل عير في أحد شهور عام 1347 ه فإذا هو منبسط فسيح بارد تخفق فيه الرياح مع أن الموسم كان صيفا. فهو بهذا المنظر صالح لإنشاء المصحات عليه) (1). و يعطي مجد الدين الفيروز أبادي وصفا سريعا لهذا الجبل فيقول: (جبل عير جبل عظيم شامخ أسود جنوب المدينة) (2).

ثم يصف الدكتور عمر الفاروق السيد رجب هذا الجبل وصفا جيولوجيا و يبين تركيبه فيقول: (الجرانيت‏GP و يمثل نوعا من الجرانيت الذي يميل لونه للاحمرار أو الوردي الفاتح و يتوزع بشكل عام في السدود و البروزات في الصخور النارية الباطنية و السدود الحلقية المستديرة و هو غير متحول و يرجع للكامبري و يمثل التكوينات الرئيسية لجبلي المدينة الرئيسيين «أحد و عير» و تختلط به في الأخير تكوينات يرمز لها بالرمزS .R . و تعرف باسم‏Shammar -Rhyolite و هي عبارة عن سوائل و مقذوفات بركانية ناعمة و البريشيا بعضها ملتحم و يوجد الاروداز و الصلصال فيها بلون أخضر أو أحمر) (3).

كما يشير مؤرخ المدينة السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله) إلى هذا الجبل فيصفه وصفا وافيا فيقول: (و هو أسود طويل صخره لا ينبت قطعا، و يبلغ طوله من جهة الحليفة السفلى نحوا من ثلاثة كيلومترات و من جهة الجنوب نحوا من كيلومتر واحد تقريبا، و تنثر منه في هذه الجهة جبيلات كثيرة تعرف اليوم بضليعات القبا (بفتح القاف) و يمتد من الجنوب في استدارة نحوا من كيلومتر و نصف ... إلى أن قال في وصفه: و سطح هذا العير كظهر العير. و قد اتخذت الحكومة التركية أيام مناهضتها لثورة الحسين بن علي بمكة و وصول جيشه إلى الفريش و ما حولها، اتخذت من هذا الجبل مقرا عسكريا للدوريات خارج المدينة المنورة، و لم تجعل فيه ثكنة عسكرية دائمة. و قد وجد بعض البادية فيه أسلحة قديمة مما خلف جيش الأتراك).

____________

(1) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 209).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 471).

(3) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 52).