معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
355

(25) (جبل عير) صورة تمثل التكوينات الجبلية ذات القمم المختلفة و المكونة لجبل عير من الجهة الجنوبية.

(26) (جبل عير) تهذيب و تمهيد الأراضي الواقعة عند السفح الجنوبي لجبل عير بهدف استصلاحها للتخطيط و السكن.

(27) (جبل عير) صورة لجبل عير من الجهة الشمالية و قد انتشرت المباني و المساكن المنظمة.

إن ما أشار إليه السيد العياشي صحيح و واقع إلى حد ما حيث لا نجد بالفعل أي نباتات تنمو داخل الصخور و هذا طبيعي في جميع أنواع الصخور إلا في حالة وجود شروخ أو تشققات بين الصخور ففي هذه الحالة تنبت الكثير من الأعشاب و النباتات و خاصة الصحراوية منها و هذا مشاهد و منتشر بكثرة.

كما يوجد بالفعل كثير من الجبيلات الصغيرة المتناثرة عند سفح الجبل من الجهة الجنوبية فتحت فيما بينها بعض الطرق الممهدة للسيارات، و أما بالنسبة لاستخدام هذا الجبل في عهد الأتراك كثكنة عسكرية فهذا مشاهد و واقع ملموس فلا تزال أطلال و آثار القلاع و الحصون و الترسانات العسكرية منتشرة على سطح هذا الجبل، و قد تهدمت كثير من حوائطها و جدرانها فبقيت على هيئة أطلال و بقايا مجهولة المعالم في كثير من أجزائها.

و جبل عير حسب ما شاهدته و رأيته و ذرعته من واقع المصورات و الرفوعات المساحية، و ما استطعت معرفته من معلومات عند زيارتي له عام 1417 ه يمكن أن أقول: جبل عير جبل كبير و شامخ يميل لونه في غالبيته العظمى إلى اللون الأحمر الداكن و الذي يميل في بعض الأحيان إلى السواد، و هو يقع في جنوب المدينة المنورة بالقرب من ذي الحليفة و بالتحديد يمتد من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي موازيا لجبل أحد تقريبا.

و يبلغ طول هذا الجبل بمقدار خمس كيلومترات و نصف تقريبا في حين يبلغ أكبر عرض له بحوالي ثلاث كيلومترات و نيف، كما لا يزيد أقل عرض له عن كيلو و نصف تقريبا، و يبلغ ارتفاعه بمقدار ثلاثمائة متر فوق سطح البحر (1).

و جبل عير جبل وعر تكثر فيه الرؤوس الحادة و الهضاب و يحتمل أن يكون قد اشتق اسمه من ذلك.

و يتشابه جبل عير مع جبل أحد إلى حد كبير من حيث الشكل العام و تشابه التكوينات فصخور كل منهما من نوع الجرانيت الصلب بينما يختلفان اختلافا كبيرا من حيث اللون و صفائه و نضارته، إذ نجد أن صخور جبل أحد ذات ألوان واضحة و صافية فاللون الأحمر أحمر و اللون الأزرق أزرق دون أن يشوب هذه الألوان أي ألوان أخرى تتداخل معه في تكوين اللون و على العكس تماما ما نجده في ألوان و صخور جبل عير فلا نجد لونا صريحا أو صافيا فنجد أن أغلب صخورة تتداخل ألوانها مع بعضها البعض مع تسرب اللون الأسود كلون أساسي في هذا التداخل مما أعطى لهذا الجبل اللون السائد و العام و الذي يبدو للناظر له من أول وهلة بأنه ذو لون أسود.

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 57).

356

(28) (جبل عير) صورة لأحد الطرق التي مهدت ضمن المخططات الحديثة الواقعة في الجهة الشمالية من الجبل.

(29) (جبل عير) صورة تمثل بعض نماذج من الشعاب الصخرية الوعرة و المنتشرة في أعالي الشعاب الجنوبية.

(30) (جبل عير) صورة مكبرة للشعاب الصخرية السابقة و قد ظهرت بنهايات حادة تعيق الحركة و السير داخل تلك الشعاب.

و يتكون جبل عير من كتل عظيمة من الصخور الصلبة التي ظهرت في تشكيلات مختلفة انفردت عن بعضها البعض برؤوس مرتفعة متجاورة تبدو للناظر لها من الخارج أنها قمة واحدة.

و للجبل عدد كبير من الشعاب و المنحدرات التي تهبط منها مياه الامطار و الشرائع و خاصة في الجهة الشمالية و الجنوبية، و تنتشر داخل هذه الشعاب بعض التجاويف التي تشبه المهاريس في جبل أحد إلا أنها كبيرة تمتلى‏ء بالمياه الهابطة من الجبل و سرعان ما تتسرب منها المياه لتجف و تعود لطبيعتها الأولى، كما تختلف هذه المهاريس عن مهاريس جبل أحد من حيث الشكل و التكوين فأغلبية مهاريس جبل أحد قد تكونت بين الصخور و في تجاويف تنحدر مع مسار و انحدار الشعاب، بينما نجدها في جبل عير عبارة عن مهاريس منبسطة تتكون بين الصخور و الأحجار المتساقطة داخل الشعاب و المنحدرة مع مياه الأمطار في الغالب. و تنتشر حول هذه المهاريس و بداخلها الكثير من النباتات و الأعشاب الصحراوية و خاصة أشجار الشوكيات كالسمر و السلم و بعض أعشاب الشكيرة و بعض أشجار الحرمل.

و تنتشر في شعاب جبل عير و منحدراته المائية الكثيرة الصخور الوعرة ذات الشعاب الحادة و التي تعتبر من أهم مصادر الإعاقة لقاصد الجبل من تلك الشعاب، و تتركز هذه التشكيلات الوعرة عند مهابط الشعاب و أعاليها و خاصة في الشعاب الجنوبية و الجنوبية الغربية من الجبل حيث تظهر على هيئة تشكيلات صخرية و عرة و بارزة في أغلب الأحيان عن المستوى الأساسي لسفوح الجبال من تلك الجهة. كما أن الدور الكبير الذي لعبته عوامل التعرية في هذه الصخور كان له النصيب الأوفر و الكبير في زيادة و عورة هذه الصخور و منحدرات المياه حتى أنني قد بذلت الكثير من الجهد للسير داخل تلك الشعاب بهدف الوصول إلى قمة الجبل فوجدت من‏

357

(31) (جبل عير) بعض الشعاب الصخرية المنتشرة عند مدخل الشعب الجنوبي و تعد هذه الصخور من أصلب أنواع الصخور.

(32) (جبل عير) صورة لبعض الشعاب الصخرية البارزة عن مستوى السفوح الجنوبية لجبل عير و التي يشكل بعضها عائقا طبيعيا للمتجه إلى الجبل.

(33) (جبل عير) صورة مكبرة لبعض الشعاب الواقعة عند السفوح الجنوبية و يظهر عليها التأثير الكبير لعوامل التعرية.

و عورة تلك الصخور الشي‏ء الكثير حتى أنني قد ترددت في بعض الأحيان بأنه لن أستطيع إكمال المسيرة نحو القمة و لكن بعون الله و العزيمة استطعت أن أصل إلى أعلى قمة الجبل من الجهة الغربية، و عندها أكدت أن تسمية هذا الجبل بجبل عير إنما جاءت من الوعورة الشديدة لسفحه و شعابه و هضابه، و قد كنت أعتقد قبل صعودي لهذا الجبل أن جبل سلع أو ما يعرف بجبل ثواب أوعر جبال المدينة لانتشار الصخور السوداء ذات الرؤوس الحادة التي تعيق الصاعد إلى هذا الجبل، و لكن بعد صعودي إلى جبل عير و ما رأيته من تلك الوعورة جزمت على الفور أن جبل عير هو أوعر جبال المدينة مسلكا مع أنه يبدو من الخارج جبلا صحيحا و مستقيما تكسوه الصخور الناعمة، إلا أن الحقيقة غير ذلك.

358

(34) (جبل عير) صورة جانبية للشعاب السابقة و يظهر و قد تساقطت بعض صخورها نتيجة لتعرضها المستمر للعوامل البيئية و الطبيعية المختلفة.

كما أن ما ظهر على جبل عير من نتائج لتلك المؤثرات البيئية و الطبيعية المتمثلة بعوامل التعرية كان شديدا و قويا و ظاهرا على كافة أنواع و أشكال و أحجام الصخور فلم يخل من تلك المؤثرات صخورا صغيرة أم كبيرة عالية أم سافلة و كأن الجبل بكامله قد تشقق و تفتت فتساقطت أوصاله و تحطمت أرجاؤه، كما أنني قد لاحظت تلك التشققات و الشروخ و قد علت كل جزء من أجزاء هذا الجبل حتى الصخور الصغيرة الواقعة داخل الشعاب، و ما تساقط تلك الصخور من أعالي الشعاب إلا نتيجة لتلك التأثيرات و التشققات في الكتل الصخرية العالية حتى امتلأت الشعاب و السفوح بالأحجار المتشققة و الوعرة و المتفتتة على هيئة شرائح ذات أسنان حادة. و قد انتشرت تلك التشققات و الشروخ بشكل رأسي و أفقي حتى أنها لم تترك على وجه تلك الصخور أي أجزاء سليمة أو خالية، بل و تجاوز ذلك إلى تعمق تلك الشروخ و التشققات إلى أعماق الصخور مما ساعد على سرعة تفتتها و تحطمها بمجرد تعرضها لأي من المؤثرات الطبيعية أو الحركية الجارفة كالرياح أو الأمطار.

و صخور جبل عير تخلو تقريبا من العروق الطبيعية إلا في القليل النادر حيث نجدها على بعض الصخور الداخلية البعيدة عن المؤثرات الخارجية و المتواجدة في أكثر الأحيان داخل التجاويف و الكهوف و مناطق ظلال الجبل.

و أعتقد أن جبل عير يحتوي على بعض المعادن و خاصة الحديد و النحاس لما لاحظته على بعض ألوان الصخور المتأثرة بالمياه من وجود بعض سيلان على سطح الصخور منها ما هو أحمر يشبه صدى الحديد و منها ما هو أخضر يشبه بعض مركبات النحاس.

و جبل عير يظهر من أعلاه على هيئة هضبة واسعة و طويلة تكثر فيها الهضاب و المنخفضات و البرك التي تمتلى‏ء بالمياه عند سقوط الأمطار.

و قد أمر فخري باشا محافظ المدينة ببناء بعض المباني و الثكنات الحربية و مهد لها الطرق و رصفها بالحجارة و كان ذلك في الفترة بين عامي 1336- 1337 ه أثناء فترة الحصار التي ضربها الهاشميون على المدينة.

359

(35) (جبل عير) نتيجة واضحة و كبيرة للتأثيرات المختلفة لعوامل التعرية على الشعاب الصخرية.

(36) (جبل عير) صورة لبعض التأثيرات الناتجة من عوامل التعرية المختلفة و التي أدت إلى تفتت الكتل الصخرية.

(37) (جبل عير) نماذج لبعض الشعاب الصخرية الصلبة و المنتشرة على جانبي مداخل الشعاب الجنوبية.

(38) (جبل عير) قمة صخرية عالية و قد تفتتت صخورها الخارجية نتيجة لتعرضها المستمر للعوامل البيئية و الطبيعية المختلفة.

360

(39) (جبل عير) تشققات رأسية و أفقية في كتل الصخور نتيجة لتعرضها المستمر لعوامل التعرية أدت إلى تساقط الطبقات الخارجية لتلك الصخور.

(40) (جبل عير) صورة مكبرة للكتل الصخرية السابقة تبين طبيعة التشققات و اتجاهاتها بين الصخور.

(41) (جبل عير) صورة لبعض النماذج الصخرية الصلبة في الجهة الجنوبية الغربية لجبل عير و تبدو عليها تأثيرات العوامل البيئية و الطبيعية.

(42) (جبل عير) صورة مكبرة لبعض الصخور السابقة و قد تميزت بتداخل الألوان و تجانس التكوين، في حين امتدت الشروخ و التشققات إلى أعماق تلك الصخور.

(43) (جبل عير) قطع طبيعي في إحدى الصخور بين امتداد الشروخ و الشقوق داخل أعماق تلك الصخور التي تعتبر السبب الرئيسي في تفتت هذه الكتل و تساقطها.

(44) (جبل عير) بعض نماذج من القطع الصخرية المتساقطة عند الشعب الجنوبي و هي من الصخور الرسوبية.

361

(45) (جبل عير) نماذج لبعض قطع الصخور المتساقطة داخل الشعب الجنوبي لجبل عير و تظهر عليها آثار العروق الطبيعية الناتجة من التكوين الطبيعي لتلك الصخور.

(46) (جبل عير) نموذج لقطعة صخرية جميلة تتداخل فيها الألوان بشكل رائع و قد سقطت من أعلى الشعب و استقرت في باطن الوادي.

(47) (جبل عير) نماذج مختلفة من الوحدات الصخرية الموجودة في كثير من شعاب الجبل و التي تتداخل فيها الألوان بتجانس و توافق عجيب فسبحان الله الخالق.

(48) (جبل عير) نموذج آخر للوحدات الصخرية و يظهر عليها طبقات الترسيب التي مرت عليها مئات السنين تحت تأثير عوامل التكوين من الضغط و الحرارة.

(49) (جبل عير) وحدتين من الصخور الداكنة اللون و قد استقرت في مجرى الشعب الجنوبي بعد سقوطها من أعلى الشعب.

(50) (جبل عير) وحدة صخرية حمراء اللون يتدرج فيها اللون الأحمر بجميع درجاته اللونية في تشكيل و إبداع جميل.

362

(51) (جبل عير) قطعة صخرية ملساء على شكل مثلث و قد تداخل فيها اللون الأبيض مع الألوان الأخرى الأساسية في التكوين.

(52) (جبل عير) قطعة صخرية مستديرة يظهر على قطاعها العرضي مراحل التكوين المختلفة التي استغرقت مئات السنين.

(53) (جبل عير) نموذج لقطعة صخرية في أعلى الشعب و قد تداخلت فيها الألوان بشكل جميل و هي دلالة واضحة على إختلاف مراحل التكوين الجيولوجي لتلك الصخور.

(54) (جبل عير) وحدتين من الصخور الصلبة و هي متباينة تماما من حيث الشكل و اللون و التكوين.

(55) (جبل عير) بعض الصخور الجيرية البيضاء و المتواجدة بين تكوينات الصخور العليا للشعاب الجنوبية لجبل عير.

(56) (جبل عير) قطع من الصخور المختلفة و المتباينة في الحجم و قد غطت معظم السفوح الجانبية للجبل، و خاصة عند مجاري الشعاب و مهابط المياه.

363

(57) (جبل عير) مجموعة من أشجار السمر و السلم داخل الشعب الجنوبي لجبل عير.

(58) (جبل عير) مجموعة من الأشجار و الأعشاب التي جفت بفعل قلة المياه داخل الشعب الجنوبي لجبل عير.

أشجار و نباتات جبل عير:

تتركز الأشجار و النباتات البرية في هذا الجبل حول مجاري الشعاب و مهابط الأودية، و تنتشر فيها بعض الشجيرات القليلة من العشار و الحرمل على السفوح الغربية و لكنها قليلة و قد جف كثير منها لقلة الأمطار.

و يغلب على معظم نباتات هذا الجبل الشجيرات و الأعشاب الشوكية و التي احتلت مساحات كبيرة من الشعاب و خاصة الشعاب الجنوبية حيث انتشرت أشجار السلم و أشجار السمر بشكل كبير، و غطت شجيرات شوكة الضب أو ما تعرف عند أهل المنطقة بشوكة الإبل معظم الممرات المؤدية إلى داخل الشعاب حتى أنها كانت إحدى الأسباب الرئيسية في وعورة هذه الشعاب.

و نظرا لقلة الأمطار في السنوات الأخيرة الماضية فقد جفت الأغلبية العظمى من تلك الأشجار و النباتات و خاصة الصغيرة منها أو التي كانت في طور النمو، و جبل عير يعتبر من أجمل الجبال في فصل الربيع و مواسم سقوط الأمطار فتبدو فيه تلك النباتات و الأشجار زاهية خضراء مزهرة و جميلة.

و يحدثنا المؤرخ الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن طبيعة و جمال هذه النباتات و أزهارها الملونة و البديعة عند زيارته لهذا الجبل في إحدى مواسم الربيع و التي تكثر فيها سقوط الأمطار فيقول: (بعد أن تجولنا هنيهة حول المهراس و الصخور الأثرية، صعدنا إلى الجبل فراعتنا هذه الأعشاب البرية الزاهية الألوان المفتحة الأزهار الفواحة النوار.

و أعجبتنا هذه الأشجار المورقة المتلاصقة المصطفة بجوانب التلاع و مجاري المياه، كأنما نسقت تنسيقا فنيا بديعا لتجذب بانتظامها الأنظار، و راعنا هذا النسيم الطلق الذي ينشر أرديته الفضفاضة على فروع الأشجار المتراصة، فينعشها (59) (جبل عير) عشبة شوكة الضب أو ما تعرف بالنقيع أو شوكة الإبل و هي من أخطر أنواع الشوك.

364

(60) (جبل عير) بعض أعشاب و نباتات الشفشوف البري و هو من الفصيلة النجيلية.

(61) (جبل عير) شجرة من شجيرات السنة و التي تعرف بالسنامكة أو العشرق.

و يرسل لنا من أريجها ما ينعشنا و يذهب عنا و عثاء التعب. و يحول بيننا و بين هذا الشرر الملتهب المتطاير من أتون ذكاء.

و من أهم ما شاهدته بهذا الجبل شجر البلسم المعروف عندنا باسم (البيلسان). و وصف هذا الشجر- كما شاهدناه، أنه شجر ليس بالكبير و لا الصغير، ورقه دقيق صغير جدا يشبه من حيث الشكل لا الحجم، ورق شجر السدر، و ورق النبات المعروف هنا بالشذاب و إذا جرحت شجرة البلسم أو كسرت، تقاطرت المادة الصمغية من الموضع المجروح أو المكسور تقاطرا بطيئا متواليا. و تفوح رائحة البلسم من الشجر و من ورقه و غصونه على السواء.

و مما استرعى أنظارنا في عار، شجيرة رائعة الجمال اللوني و الشكلي معا، و لها ساق قوية كعمود المرمر النقي البياض، و تقوم فوق هذه الساق كتلة من الزهر إثمدية اللون، متجمعة من زهرات من هذا اللون و قد راعني منظر هذه الشجيرة الغريبة لأول وهلة، إذ كنت أخال أنها قطعة من الديباج الأحمر، شدت فوق هذه الساق بوضع هندسي محكم جذاب، أو أنها كمة (طاقية) شديدة الاحمرار، ضارب احمرارها إلى السواد- و قد وضعت فوق رأس هذه الشجيرة لتحميها من وهج الشمس، و تأثير تيار أشعتها القوي هنا.

و لكن بمجرد وصولي إليها فهمت كل شي‏ء ... و قد ورد في «تاج‏

365

(62) (جبل عير) نبتة من نباتات عنب الديب و هي من الفصيلة الباذنجانية.

العروس»: «و الغلثى كسكرى شجرة مرة يدبغ بها و إذا أطعم ثمرها السباع قتلها، قال أبو وجزة: (كأنها غلثى من الرخم تدف)».

و كنت سألت دليلنا الأعرابي عن اسم هذه الشجيرة و عن سرها و خطر ببالي قبيل توجيه هذا السؤال إليه، أن لهذه الشجيرة سرا، و أنها لم تبد بهذا الشكل الجذاب اللطيف البالغ في الجمال أقصى حدوده إلا لاحتوائها على خطر خفي ... و إذا هي سامة، و شافهت بعض الإخوان بهذا الرأي، قبيل إلقائي السؤال على الدليل البدوي فلما سألته أجابني بأن اسمها في عرفهم هو (الغلثي) (1)- بغين معجمة و لام مضمومتين وثاء مكسورة بعدها ياء. و قال: إنها من الأشجار السامة، و هم يضعونها مع قطعة لحم أو خبز لما يريدون قتله من السباع المفترسة، و بمجرد ابتلاعها تخر ميتة ... و هكذا تحققت فراستي إزاء هذه الشجيرة الغريبة. و شجرة الغلثي هذه شبيهة الشكل بالصبار المعروف، فيما عدا زهرها الموصوف. فهذا الزهر إثمدي اللون، مكون من عدة زهرات مخمسة الأضلاع في وسط كل واحدة منها نوار صغير ناصع البياض، يبدو لشدة بياضه و سواد ما حواليه ذا بريق و توهج كالنجم الساطع في السماء، في ليلة ظلماء.

و يحكي في هيئته و صغره، عيون العناكب، و في بريقه الألماس الأبيض. و قد لاحظنا تجمع الذباب على هذه العيون خاصة، ففهمنا بطريقة الاستنتاج أن طعمها حلو لأن الذباب لا يتجرع عادة إلا ما كان من هذا القبيل. و هكذا يندس السم في العسل، و لله في خلقه أسرار و شئون) (2).

____________

(1) في كتاب «الروض الأنف» شرح «سيرة ابن هشام»، وصف لشجرة الراءة: (قال أبو حنيفة:

الراءة من أغلاث الشجر. (4/ 2)، طبع مطبعة الجمالية بمصر سنة (1332 ه- 1914 م)، و إذا فقد حرف اسم الشجرة و بقي اسمها مع تحريفه لها حتى الآن.

(2) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 116، 117).

366

(63) (جبل عير) إحدى شجيرات العشار المنتشرة عند السفح الغربي للجبل و هي ما تعرف بالعشر و تنتمي إلى الفصيلة الصقلابية.

(64) (جبل عير) شجيرات من الحرمل أو ما يعرف بالحرمة و هي من الفصيلة الدقلية و تنتشر بكثرة عند الشعاب الغربية للجبل.

(65) (جبل عير) أحد أشجار السمر و المنتشرة بكثرة داخل الشعاب الجنوبية و تنتمي هذه الأشجار إلى الفصيلة البقولية.

(66) (جبل عير) شجيرات السلم و المنتشرة داخل الشعاب الجنوبية و الغربية و تعد من الأعشاب المفضلة للحيوانات و خاصة للإبل منها.

و بتجولي داخل شعاب هذا الجبل فقد رأيت الكثير من الأنواع و الأشكال من النباتات و الكثير منها سام و خاصة في النباتات الزاحفة حتى أن بعض الإخوان السودانيين الساكنين عند السفح الجنوبي لهذا الجبل و قد وضع سياجا لأغنامه تمنع دخولها إلى هذا الشعب لكثرة وجود النباتات السامة و خشية من تناولها و هي أنواع كثيرة قد يصعب حصرها أو تحديدها. كما أن الظروف القاسية من شدة الحرارة و قلة الأمطار جعلت أغلب هذه النباتات جافة و منها الميتة و التي يصعب في كثير من الأحيان التفريق بينها، و خشية من ذلك فقد وجدت الكثير من الأغنام و الإبل و قد تركت لترعى عند السفوح الخارجية للجبل، و منعت من دخول بعض الشعاب التي عرف سكان المنطقة بحكم سكناهم بجوارها أنها من الشعاب التي تكثر فيها النباتات و الأشجار السامة.

و من أشهر النباتات و الأشجار الموجودة على جبل عير و التي أمكن التعرف عليها المجموعة الشوكية المتمثلة بوجود أشجار السمر و السلم و العرسج و هي أشجار عالية و كبيرة، كما تنتشر أعشاب عشبة الضب أو ما تعرف بشوكة الإبل و هي من أخطر أنواع الأشواك حيث تصيب أقدام الإبل، و هي قوية و شديدة الصلابة لدرجة أنها قادرة على التأثير في خف الإبل و من ثم تعجزه عن السير، و هذه العشبة ذات شكل جميل من الخارج و تحمل أزهارا صغيرة منها الأزرق و الزهري في حين تظهر أشواك هذه العشبة الطويلة و الحادة فيما بين تلك الزهور و الأوراق، كما تنتشر عند هذا الجبل بعض أعشاب عشبة شكيرة أو ما تعرف في المنطقة بالربلة أو شكربل و هي مأخوذة من أصل الاسم (شوكة البر) اختصرها السكان إلى شكربل، كما يوجد على هذا الجبل بعض أعشاب الشفشاف و المعروفة بالفلاة أو الغفة و تنتمي هذه الأعشاب إلى الفصيلة النجيلية، كما توجد

367

(67) (جبل عير) عشبة السمار أو النمص و قد جفت لقلة المياه و هي من الفصيلة الجنكسية.

(68) (جبل عير) عشبة شكربل و هي من الفصيلة المركبة و تعرف عند أهل المنطقة بالربلة أو عشبة شكيرة.

(69) (جبل عير) شجيرة من الطرف الصحراوي و هو من الفصيلة المخملية و قد أخذت في الجفاف نظرا لقلة المياه.

(70) (جبل عير) شجيرة من الطرف أو ما يعرف بالطرفة و قد نمت أعداد كبيرة منها على أطراف الشعاب الجنوبية.

بعض أعشاب الثمام و أشجار السنا المعروفة بالسنامكي، و بعض أشجار القثاء أو ما يعرف بأكراد و هي من الفصيلة البقولية لها ثمرة طويلة تشبه الفاصوليا بنية اللون لها شوكة طويلة و هي من الأغذية المهمة للإبل، كما تنتشر على هذا الجبل الكثير من الأشجار الزاحفة و على رأسها أشجار الحنظل و هو نبات ذو ثمرة مستديرة تشبه القرع صفراء اللون و بعضها مخطط باللون الأخضر، كما تنتشر عند سفوح هذا الجبل بعض أشجار العشار أو ما يعرف بالعشر و هو من الفصيلة الصقلابية، هذا بالإضافة إلى الكثير من النباتات الأخرى الكثيرة التي يصعب حصرها أو تحديد نوعياتها، و إنما اعتمدت هنا على الأشهر و الأكثر انتشارا لأن موضوع النباتات يحتاج إلى كتب منفردة و متخصصة في هذا المجال، فأما ما سجلته و عرفته من هذه النباتات فما هو إلا معلومات و مسميات حصلت عليها من سكان هذه المناطق و أبناء البادية القاطنين بجوارها، كما أنني هنا لم أذكر أي تفاصيل علمية عن هذه النباتات و اكتفيت بما ذكرته سابقا في نباتات و أشجار جبل أحد حيث تتشابه هذه النباتات و الأعشاب مع بعضها البعض.

368

(71) (جبل عير) صورة للجهة الغربية لجبل عير و يظهر مجرى وادي العقيق و قد امتلأ بالمياه.

جبل عير ما عليه و حوله من المعالم و الآثار:

يمكننا حصر أهم و أبرز المعالم و الآثار بأربعة مواضع مهمة و هي كما يلي:

1- وادي العقيق (الوادي المبارك):

سمي هذا الوادي بوادي العقيق لأن لونه يميل إلى الحمرة التي تشابه حمرة العقيق ذلك الحجر الكريم، و يقع وادي العقيق غربي المدينة المنورة، يبدأ من جنوب جبال مكة و ينتهي عند مجمع السيول في الغابة، و يجري هذا الوادي في غربي جبل عير حيث يمثل أهم و أشهر معالمه الأساسية، و قد حظي هذا الوادي بمدح النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) إياه بقوله: (إنه وادي مبارك) (1).

و قد ورد أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد اضطجع به و قيل له إنك في واد مبارك، و روى السمهودي ما رواه ابن زبالة عن عامر بن سعد أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) ركب إلى العقيق ثم رجع فقال: (يا عائشة جئنا من هذا العقيق فما ألين موطئه و أعذب ماءه، قالت: فقلت يا رسول الله أفلا ننتقل إليه؟ فقال: كيف و قد ابتنى الناس) (2).

و سنتحدث عن هذا الوادي المبارك بالتفصيل إن شاء الله فيما بعد.

(72) (جبل عير) صورة لبعض أطلال و بقايا المباني و المنشآت الحربية على جبل عير (3).

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1038).

(2) المصدر السابق نفسه.

(3) حصلت على هذه الصورة من مجموعة الأخ/ سعيد الرحيلي.

369

2- المباني و المنشآت الحربية على جبل عير:

و تعتبر هذه المباني و المنشآت واحدة من تلك المباني و القلاع و الأبراج التي أقامها محافظ المدينة العسكري آنذاك فخري باشا في المدينة في الفترة بين عامي 1336- 1337 ه عندما ضرب الهاشميون الحصار على المدينة، فمهد لها الطرق و رصفها بالحجارة السوداء و قد استخدم هذه المباني و المنشآت لحفظ الذخائر و تثبيت المدافع و التي عرفت مواقعها بمضارب المدافع أو مضارب النيران.

و قد بنيت هذه المباني بنفس حجارة جبل عير السوداء و الحمراء و هي مشابهة تماما لنمط بناء و عمارة قلعة جبل أحد التي استخدمت في عمارتها حجارة الجبل فبنيت بطريقة حجر الدبش غير المنتظم.

3- مسجد ذو الحليفة:

هو أحد المساجد المأثورة التي صلى فيها النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، و يعرف هذا المسجد بمسجد الشجرة أو مسجد الميقات، و يقع هذا المسجد في منطقة آبار علي في الشمال الغربي من جبل عير، و في «صحيح الإمام مسلم» (رحمه الله) عن ابن عمر قال: بات رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) بذي الحليفة مبدأه و صلى في مسجدها. و روى السمهودي ما رواه يحيى عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) في مسجد الشجرة إلى الأسطوانة الوسطى، استقبلها و كانت موضع الشجرة التي كان النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) يصلي إليها. و عن أنس ابن مالك قال: صليت مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)‏ (73) (جبل عير) صورة لمسجد ذو الحليفة من الجهة الجنوبية الغربية قبل عمارته الحديثة.

370

بالمدينة الظهر أربعا و العصر بذي الحليفة ركعتين.

و سنتناول الحديث عن هذا المسجد المأثور بالتفصيل إن شاء الله في الفصل المخصص لذلك.

4- مسجد المعرس:

و مسجد المعرس من المساجد المأثورة التي عرس فيها الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) حتى الصباح.

قال السيد السمهودي فيما رواه عن أبي عبد الله الأسدي في كتابه: (بذي الحليفة عدة آبار و مسجدان لرسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) و المسجد الكبير الذي يحرم الناس منه، و الآخر مسجد المعرس و هو دون مصعد البيداء ناحية عن هذا المسجد و فيه عرس الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) منصرفه من مكة) و التعريس هو نوم آخر الليل و مبيته.

و المسجد قد أزيلت آثاره مع مياه وادي العقيق و لم يبق الا بعض أجزاء صغيرة من بنائه القديم.

و سنتحدث عن هذا المسجد المأثور إن شاء الله تعالى فيما بعد في الفصل المخصص لذلك.

ما جاء في جبل عير من الشعر:

لم يحظ هذا الجبل بمدح الشعراء كما حظي به غيره من الجبال الأخرى و لعل ذلك يرجع لكون ما جاء في هذا الجبل بأنه جبل من جبال النار و العياذ (74) (جبل عير) صورة لبعض أطلال و بقايا مسجد المعرس في جنوب مسجد الميقات.

371

بالله، و أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) قد بغضه و كره رؤيته و لقاءه فابتعد عن ذكره الشعراء حتى لم نجد من الشعراء في العهد الإسلامي من ذكره أو أشار إليه.

و قد نجد بعض الشعراء في العصر الجاهلي قد ذكروا هذا الجبل في أبيات من قصائدهم كان الهدف منها مجرد تحديد أو ذكر مجرد. ففي «الدر الثمين» ورد ذكر عير في سفر أبي طالب بقوله:

أعوذ برب الناس من كل طاعن‏* * * علينا بشر أو بمحق بباطل‏

و من كاسح يسعى لنا بمصيبة* * * و من مفتر في الدين ما لم نحاول‏

و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه‏* * * و عيرا وراق في حراء و نازل‏

و قال مؤلف الكتاب تعليقا على أبيات أبو طالب: (و قد يقول قائل أن أبا طالب من أهل مكة و الجبال التي ذكرها هي من جبال مكة فلماذا يذكر عير؟

و الجواب أن أبا طالب و غيره ممن يسافر في التجارة إلى الشام كانوا يمرون بالمدينة و يعرفون من جبالها ما يدل على قربها مثل أحد و عير) (1).

و يشير السيد السمهودي عند حديثه عن جبل عير إلى ما نقله عامر بن صالح الزبيدي عن الزبير قوله:

قل للذي رام هذا الحي من أسد* * * رمت الشوامخ من عير و من عظم‏

و نقل أيضا عن عمه مصعب الزبيري أبيات منها:

و على عير فما جاز الفرا* * * و ابل مار عليه و اكتسح‏ (2)

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 252، 253).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1270).

372

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

373

10 جبال الجماوات‏

- جماء تضارع.

- جماء أم خالد.

- جماء العاقر.

374

جبال الجماوات:

(1) (جبال الجماوات) صورة من أعلى جسر الجامعة الإسلامية الممتد على وادي العقيق حيث تظهر جماء أم خالد و جماء العاقر كأحد المعالم الرئيسية المسيطرة على المنطقة.

تمهيد:

تعتبر جبال الجماوات من أشهر جبال المدينة و قد ارتبط تاريخها بتاريخ و أحداث عمارة وادي العقيق في عهد الدولة الأموية، فبنيت عند سفوحها القصور و الدور و أقيمت المزارع و البساتين و حفرت الآبار.

و تتمثل هذه الجماوات بجماء تضارع و جماء أم خالد و جماء العاقر، و قد كانت تلك الجماوات من أكثر جبال المدينة زرعا و ضرعا، فقد انتشرت فيها الأشجار و النباتات الكثيرة التي غطت أغلب الشعاب و مجاري الأودية و مهابط الشرائع حتى أصبحت تلك الجماوات من أفضل مناطق الرعي في المدينة قديما.

و قد ورد في «طبقات ابن سعد» (ذكر غزوة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) لطلب كرز بن جابر و كان كرز- قبل إسلامه- أغار على سرح المدينة فاستاقه و كان يرعى بالجماء، قال و الجماء جبل ناحية العقيق إلى الجرف بينه و بين المدينة ثلاثة أميال) (1).

و قد ذكر ابن المولى هذه الجماء عند مدحه لجعفر بن سليمان و كان قد عزل عن المدينة فقال‏ (2):

أو حشت الجماء من جعفر* * * و طالما كانت به تعمر

(2) (جبال الجماوات) صورة توضح جزءا من جماء أم خالد فيما تظهر جماء العاقر في الجهة الغربية منه.

____________

(1) «طبقات ابن سعد»- (2/ 9).

(2) «أخبار الوادي المبارك»- د. محمد حسن شراب- (ص 121).

375

الجماوات في اللغة:

الجماوات جمع جماء بالفتح و تشديد الميم و بالمد، و هو مجرى الماء الغزير، و يقال الجماء هي المرأة التي كثر اللحم على عظامها، و شاة جماء أي لا قرن لها و الجماء هو جبل في المدينة.

قال مجد الدين الفيروز أبادي: (الجماء بالفتح و تشديد الميم و بالمد الملساء، و الجماء أيضا المرأة التي يكثر فيها اللحم على عظامها، و شاة جماء، لا قرون لها) (1). و قال السيد السمهودي: (الجماوات- جمع جماء بالفتح و تشديد الميم و المد، و هن ثلاثة) (2).

و في «عمدة الأخبار»: الجماء- بالفتح و تشديد الميم و بالمد: الماء و الجماء أيضا المرأة التي كثر اللحم على عظامها و شاة جماء لا قرن لها و الجماء جبل بالمدينة) (3). كما أشار محمد لبيب في رحلته إلى معنى الجماوات و عند حديثه عن القصور في عهد الأمويين فقال: (و حفروا الآبار في تلكم الصحراء- أي الأمويين- و غرسوا فيها البساتين و الرياض و سيروا إليها الجماوات- جمع جماء و هي مجرى الماء الغزير) (4).

ثم يطالعنا ياقوت الحموي في «معجم البلدان» بتوضيح شامل لهذا المعنى فيقول: (الجماء- بالفتح و تشديد الميم و المد، يقال للبنيان الذي لا شرفة له أجم و لمؤنثه جماء، و منه شاة جماء لا قرن لها، و الجم في الأصل الكثير من كل شي‏ء، و منه جمة الرأس لمجتمع الشعر، فأما أجم و جماء في البنيان فهو من النقص فيكون هو، و الله أعلم نحو قولهم أشكيته إذا أزلت شكواه و أعجمت الكتاب إذا أزلت عجمته، و له نظائر.

و الجماء: جبيل من المدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف.

و قال أبو القاسم محمود بن عمر: الجماء جبيل بالمدينة، سميت بذلك لأن هناك جبلين هي أقصرهما فكأنها جماء، و في كتاب أبي الحسن المهلبي: الجماء اسم هضبة سوداء، قال: و هما جماوان يعني هضبتين عن يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة، قال حسان بن ثابت:

و كان بأكناف العقيق و بيده‏* * * يحط من الجماء ركنا ململما

و في كتاب أحمد بن محمد الهمذاني: الجماوات ثلاث بالمدينة، فمنها:

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 90).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1177).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 389).

(4) «الرحلة الحجازية»- محمد لبيب البيتوني- (ص 263).

376

(3) (جبال الجماوات) صورة أخذت من مرتفع شعب جماء تضارع الغربي و الذي يفصلها عن جماء أم خالد من الجهة الغربية و يظهر جزءا من المنطقة المعمورة حول مسجد القبلتين.

(4) (جبال الجماوات) شعب جماء تضارع الغربي و يظهر جزء من السفح الشرقي لجماء أم خالد.

جماء تضارع التي تسيل إلى قصر أم عاصم و بئر عروة و ما إلى ذلك و فيها يقول أحيحة بن الجلاح:

إني و المشعر الحرام و ما* * * حجت قريش له و ما نحروا

لا آخذ الخطة الدنية ما* * * دام يرى في تضارع حجر

و منه مكمن الجماء، و فيه يقول سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:

عفا مكمن الجماء من أم عاقر* * * فسلع عفا منها فحرة واقم‏

ثم الجماء الثانية جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري و ما والاه و في أصلها بيوت الأشعث من أهل المدينة و قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي و فيفاء الخبار من أم خالد و الجماء الثالثة جماء العاقر بينها و بين جماء أم خالد فسحة، و هي تسيل على قصور جعفر بن سليمان و ما والاها و إحدى هذه الجماوات أراد أبو قطيفة الأموي بقوله:

القصر فالنخل فالجماء بينهما* * * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون‏

إلى البلاط فما حازت قرائنه‏* * * دور نزحن عن الفحشاء و الهون‏

قد يكتم الناس أسرارا و أعلمها* * * و ليس يدرون طول الدهر مكنوني‏ (1)

ما جاء في تسمية الجماوات:

لقد أجمع معظم المؤرخين و رجال اللغة على أن سبب تسمية هذه الجبال بالجماوات لأنها دون الجبال فهي أقصرها فكأنها جماء، تشبيها لها بالشاة الجماء التي لا قرون لها أو بالبنيان الذي لا شرفة له.

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى هذه التسمية فيقول: (قال الزمخشري: الجماء جبل بالمدينة سميت بذلك لأن هناك جبلين هي أقصرهما فكأنها جماء) (2).

كما يحدثنا الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن مصدر هذه التسمية فيقول: (و سميت جماوات لأنها دون الجبال، تشبيها لها بالشاة الجماء التي لا قرون لها) (3). و في «معجم البلدان» الجماء جبيل بالمدينة سميت بذلك لأن هناك جبلين هي أقصرهما فكأنها جماء، و في كتاب أبي الحسن المهلبي: (الجماء:

اسم هضبة سوداء، قال: و هما جماوان يعني هضبتين) (4).

و يطلق بعض أهل المدينة على تلك الجماوات بجماوات العقيق نسبة إلى وجودها بجوار وادي العقيق بل و تشرف عليه في بعض أجزائه.

____________

(1) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (2/ 158، 159).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 90)/ كما ورد في «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 389).

(3) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 82).

(4) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- ص 159.

377

الموقع العام للجماوات:

تقع جبال الجماوات الثلاثة في الجهة الغربية من المدينة المنورة بشكل عام إلا أننا نجد أن الجماء الأولى و هي جماء تضارع جانحة قليلا إلى جهة الجنوب و عليه يمكن القول أن جماء العاقر و أم خالد في غرب المدينة المنورة و غربي وادي العقيق.

و قد أشار إلى موقع تلك الجماوات الكثير من المؤرخين و الكتاب فمنهم من أشار إليها بالجبال الواقعة غربي المدينة المنورة و منهم من أشار إلى موقعها في غربي وادي العقيق و آخرين أوردوها بالهضاب الواقعة على يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة، و منهم من جعلهن واحدة فقالوا هن جماء و هذه الجماء جبل بالمدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق ... و من أشهر أقوال أولئك‏ (5) (جبال الجماوات) الموقع العام للجماوات الثلاثة و علاقتها بالمناطق المجاورة و مركز المدينة (1).

____________

(1) صورة مصغرة من المخطط العام للمدينة المنورة- الإستشاري دار الهندسة- أمانة المدينة المنورة.

378

(6) (جبال الجماوات) صورة للمدينة المنورة من الجهة الجنوبية أخذت من أعلى مرتفع شعب تضارع الغربي و يظهر جبل أحد و قد سيطر على خط الأفق في التكوين العام.

المؤرخين ما ذكره المؤرخ علي بن موسى في وصف الجهة الغربية من المدينة حيث قال: (و أما الجهة الغربية من غربي الحرة الغربية الجماوات الثلاثة اللاتي على مجرى العقيق إلى الجرف و العصيفرين في الحرة الغربية) (1). و قد جاء في مجلة «المنهل»: (الجماوات جمع جماء- و هي ثلاثة جماء العاقر و جماء أم خالد و جماء تضارع، و كلها تقع غربي المدينة على غربي وادي العقيق) (2).

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى موقع هذه الجماوات فيقول:

(و أقربها إلى المدينة جماء تضارع و هي التي يشاهدها الإنسان عندما يهبط من المدرج إلى بئر عروة، و حذاؤها غربا بشمال جماء أم خالد فجماء العاقر التي تصب على العرصة الصغرى) (3).

و في «عمدة الأخبار» يشير المؤرخ العباسي إلى موقع هذه الجماوات فيما نقله من قول أبو الحسن المهلبي بقوله: (هما جماوات و هما هضبتان عن يمين الطريق للخارج من المدينة إلى مكة) (4). ثم يشير محمد شراب إلى موقع هذه الجماوات عند حديثه عن وادي العقيق فيقول: (و حوله- أي وادي العقيق- جماوات و هي ثلاث هضاب سود كبار قائمة بطرف العقيق على شفيره الغربي) (5). أما السيد السمهودي فيقول: (و هن ثلاث تقدمن في الفصل الرابع ثم يشير إلى قول الزمخشري بقوله: الجماء جبيل بالمدينة) (6). و قد جعلهن أبو (7) (جبال الجماوات) المسار النازل لطريق الجامعات حيث تظهر جماء أم خالد و قد أشرفت على الطريق من الجهة الغربية فيما ظهرت جماء العاقر على يسار الصورة.

____________

(1) «وصف المدينة المنورة»- علي بن موسى (ضمن رسائل في «تاريخ المدينة» لحمد الجاسر- (ص 30)).

(2) مجلة «المنهل»- دار الهجرة- (ص 72)/ العدد 499 مجلد 54 عام 1413 ه.

(3) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 82).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 389).

(5) «المدينة في العصر الأموي»- محمد شراب- (ص 348).

(6) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (4/ 1177).

379

(8) (جبال الجماوات) السفح الشرقي لجماء أم خالد و قد استخدم كمقر لبعض الكسارات و خلاطات الخرسانة الجاهزة.

(9) (جبال الجماوات) الطريق الترابي الممتد داخل شعب تضارع الغربي و الذي يفصل بينها و بين جماء أم خالد و تظهر التكوينات الصخرية المتباينة لكلا الجماوتين.

المجد واحدة فقال في «المغانم المطابة»: و الجماء جبل بالمدينة على ثلاثة أميال من ناحية العقيق إلى الجرف) (1).

إن ما أشار إليه أبو المجد من أن الجماوات إنما هي جبل واحد بالمدينة فهذا مخالف للحقيقة فحقيقة الجماوات في المدينة إنما هي ثلاث جماوات معروفة و متعارف عليها منذ القدم منها جماوتين متلاصقتين و هما جماء تضارع و جماء أم خالد، أما الجماء الثالثة فبعيدة عنهما بما لا يقل عن كيلومتر تقريبا.

و لعل من أشار إلى هذه الجماوات بأنهم جماوتان أو هضبتان أقرب إلى الواقع حيث اعتبر أولئك المؤرخون أن جماء تضارع و جماء أم خالد عبارة عن جماء واحدة لاتصالهما و ارتباطهما معا، و أما الجماء الثانية فهي جماء عاقر الواقعة في الجهة الشمالية الغربية من الجماء الأولى.

و من الأفضل هو فصل كل جماء بذاتها فجماء تضارع غير جماء أم خالد، و جماء أم خالد غير جماء عاقر و على هذا نقول: إن الجماوات ثلاث تقع في الجهة الغربية من وادي العقيق و على أبعاد مختلفة، حيث تعتبر جماء تضارع هي أقرب الجماوات حيث تشرف على الوادي مباشرة ثم يليها جماء أم خالد التي تشرف على الوادي في جزء منها ثم تمتد هذه الجماء نحو الغرب، أما جماء عاقر فهي بعيدة عن الوادي و لا تشرف عليه مباشرة. و سنتحدث عن هذه الجماوات بالتفصيل، فيما بعد إن شاء الله.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 90).

380

(10) (جبال الجماوات) صورة توضح بعض بقايا و أطلال قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان الواقع عند السفح الشرقي لجماء تضارع.

الوصف العام للجماوات:

تعتبر الجماوات الثلاثة جماء تضارع و جماء أم خالد و جماء عاقر أو العاقر من أهم معالم المدينة المنورة بشكل عام، و من أهم معالم وادي العقيق بشكل خاص، فما نجد أحدا من الكتاب أو المؤرخين أشار إلى وادي العقيق إلا و قد أشار إلى هذه الجماوات التي ارتبطت ذكرياتها و أحداثها بأحداث و ذكريات وادي العقيق بقصوره و تاريخه المجيد.

و جماوات العقيق كما يسميها بعض الناس عبارة عن ثلاثة جبال كبيرة منها اثنتان متجاورتان بل و مترابطتان في الشكل و التكوين و هما جماء تضارع و جماء أم خالد، أما جماء العاقر فهي بعيدة عنهما نسبيا و تتكون هذه الجماوات من الصخور الصلبة ذات اللون الأحمر الداكن في كثير من أجزائه بينما نجد اللون الأحمر قد ظهر بجميع درجاته على الأجزاء العليا من الجماوات. إضافة إلى انتشار بعض الصخور السوداء التي اعتلت أعالي الشعاب و مهابط الأودية و قمم التلال العليا و نتيجة لذلك تبدو هذه الجماوات للناظر إليها من بعد أنها جبال سوداء اللون.

و يشير الدكتور عمر الفاروق إلى لون و نوعية هذه الصخور و تكويناتها الجيولوجية فيقول: (الجرانيت‏GM و لونه أحمر أو وردي، و يوجد في منطقة الجرف حيث يعرف بالجماوات و إلى شمال المدينة في جبل أم سلامة) (1).

و يشير الأستاذ عبد القدوس الأنصاري إلى لون هذه الجماوات فيقول:

(هي ثلاث هضاب سود كبار بطريق العقيق على شفير الغربي) (2). كما يحدثنا الأستاذ محمد شراب إلى وصف هذه الجماوات و ارتباطها بتاريخ وادي العقيق فيقول: (و هو له جماوات- أي حول وادي العقيق- و هي ثلاث هضاب سود كبار قائمة بطرف العقيق على شفيره الغربي و على أطراف الجماوات كانت تقام القصور و البيوت، و من الجماوات تصب المياه على وادي العقيق و لذلك ارتبط تاريخها به) (3).

و قد أقيمت على سفوح تلك الجماوات الكثير من القصور و المنازل المترفة و المفخمة لرجال الأمويين من قريش فامتلكوا الأراضي و سفوح الجماوات و أقاموا تلك القصور التي طالما حدثنا عنها التاريخ في الكثير من المناسبات. و في تاريخ و أخبار وادي العقيق الشي‏ء الكثير الذي يدل على مدى الارتباط الوثيق بين هذه الجماوات و وادي العقيق، و ما أقيم حوله من قصور. و يشير الأستاذ محمد شراب إلى تلك القصور التي أقيمت عند سفح تلك الجماوات فوصفها بأنها

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 52).

(2) «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 13).

(3) «المدينة في العصر الأموي»- الأستاذ محمد شراب- (ص 348).

381

(11) (جبال الجماوات) صورة لحوض وادي العقيق في عروة و قد أخذت الصورة من مرتفع السفح الشرقي لجماء تضارع بالقرب من موقع قصر و سد عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان.

قصور كثيرة لرجال من قريش‏ (1). و سنتحدث عن هذه القصور و مواقعها عند الحديث عن كل جماء بشكل منفرد و منفصل، كما سنتناول فيما بعد أهم و أشهر تلك القصور للحديث عنها بالتفصيل في الفصل المخصص لذلك إن شاء الله.

و جماوات العقيق تبدو للناظر إليها من أول وهلة أنها جبال صغيرة و سهلة يمكن الوصول إلى قممها بسهولة و يسر و لكن الحقيقة غير ذلك و خاصة بالنسبة لجماء أم خالد التي انفردت عن غيرها من الجماوات بوعورة المسالك و الانحدار الشديد لشعابه الوعرة التي امتلأت بالحجارة الحادة المقاطع و التي انتشرت فيما بينها الكثير من النباتات الشوكية التي تعيق الحركة أو المرور من خلال تلك الشعاب.

و تتميز جماوات العقيق الثلاثة بكثرة الرؤوس المتقاربة و المكونة لنهايات القمم العليا و التي تظهر من الخارج و كأنها قمة واحدة. كما تتميز هذه الجماوات بإشرافها المباشر على بعض الآثار و المعالم التي وجدت عند سفوحها و بالقرب منها و خاصة في الجهة الشمالية حيث مجرى وادي العقيق و بعض القصور الأموية.

كما تركز بعضها في الجهة الشرقية من جماء تضارع و جماء أم خالد حيث مجرى وادي العقيق و سد عروة و بئرها، بالإضافة إلى أطلال و آثار الكثير من القصور و المنازل الأموية التي انتشرت على جانبي وادي العقيق من تلك الجهة و من أهمها قصر عروة بن الزبير و بئره و قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان و سده المشهور عند جماء تضارع.

و سنتحدث فيما يلي عن كل جماء من تلك الجماوات بشكل منفصل:

____________

(1) «المدينة في العصر الأموي» الأستاذ محمد شراب- (ص 350).

382

أ) جماء تضارع:

تضارع بضم أوله، و بضم الراء، و يقال بكسر الراء و يقال بفتح التاء و ضم الراء على وزن تفاعل جبل بعقيق المدينة و يقال تضارع أيضا جبل بتهامة لبني كنانة و قال الصاغاني جبل بنجد (1).

و يشير السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) أن جماء تضارع تعرف عند أهل المدينة بجبل غرابة، فذكره باسمه مرادفا له‏ (2)، و تقع جماء تضارع في جنوب غرب المدينة المنورة على يمين السالك لطريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاصدا مكة، و تبتعد هذه الجماء عن مركز المدينة (الحرم النبوي الشريف) بمسافة أربع كيلومترات و نصف تقريبا، كما تبعد عن طريق عمر بن الخطاب المعروف سابقا بطريق عروة بمقدار مائتي متر تقريبا. كما لا يزيد بعدها عن مجرى وادي العقيق في الجهة الشرقية عن ثلاثمائة متر تقريبا، و تنحصر هذه‏ (1) (جماء تضارع) المسقط الأفقي لجماء تضارع حسب ما تظهر في المصورات الجوية القديمة لعام 1977 م‏ (3).

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 75).

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(3) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م، مقياس رسم 1/ 20000- الوكالة الفنية (أمانة المدينة المنورة).

383

(2) (جماء تضارع) صورة للسفوح الشرقية لجماء تضارع و المشرفة على مجرى وادي العقيق من الجهة الغربية.

(3) (جماء تضارع) صورة تمثل بعض التكوينات الجبلية لجماء تضارع من الجهة الغربية و تظهر و قد انتشرت بعض النباتات و الأشجار داخل بعض الشعاب الغربية.

الجماء بين الإحداثيان الرأسيان 559000 و رقم 556000 و أفقيا بين الإحداثيان رقم 2702000 و رقم 2705000.

و قد تحدث الكثير من المؤرخين و الكتاب عن موقع هذه الجماء فذكروها بأنها المقابلة للمسافر الذي يريد مكة المكرمة أو جدة عن يمينه‏ (1). كما يشير السيد العباسي إلى موقع هذه الجماء فيقول: (جماء تضارع المقابلة لمن يريد مكة ما لم يستبطن العقيق فإذا استبطنه كانت عن يمينه) (2).

أما السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) فيصف موقع هذه الجماء بقوله: (هي التي تلي آبار عروة من الغرب بعد فاصل الوادي و هي من الصخر الأسود متصلة تماما بجماء أم خالد في التكوين) (3).

كما يشير السيد السمهودي إلى وصف موقع هذه الجماء بشي‏ء من التفصيل عند حديثه عن الجماوات فيقول: (الأولى جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم و بئر عروة، و قال الهجري: أول الجماوات جماء تضارع التي تسيل على قصر عاصم و هو منزل أبي القاسم ظاهر بن زيمي) (4).

قال ابن شبة: (إن تضارع هو الجبل الذي بسفحه قصر ابن بكير العثماني، و قصور عبد العزيز بن عبد الله العثماني على ثلاثة أميال من المدينة على يمين الذاهب إلى مكة) (5). قال السمهودي: (قلت هذا الجبل هو الذي يقابلك و أنت بالمدرج تريد مكة فإذا استبطنت العقيق صار عن يمينك و الجبل‏

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 230).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

(3) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(4) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1036).

(5) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 149).

384

(4) (جماء تضارع) صورة تمثل بعض السفوح الشمالية لجماء تضارع و المشرفة مباشرة على وادي العقيق.

المعروف بمكيمن الجماء متصل به آخذ منه على يمين الذاهب أيضا) (1). و قد وردت هذه الجماء في الحديث النبوي الشريف: «إذا سال تضارع فهو عام ربيع» (2). و قد أورد هذا الحديث السيد السمهودي في تاريخه عن محمد بن إبراهيم مرفوعا: (إذا سالت تضارع فهو عام ربيع) (3).

كما روى ابن شبة عن أيوب بن النعمان بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده قال: (قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «لا يسيل تضارع إلا في عام ربيع») (4).

و في الجنوب الغربي من ركن جماء تضارع يقع جبل المكيمن بصيغة التصغير و هو أحد جبال جماء تضارع و متصل بها و يقال مكيمن بالتصغير.

قال عدي بن الرقاع يذكره‏ (5):

أطربت أم رفعت لعينك غدوة* * * بين المكيمن و الزجيج حمول‏

رجلا تراوحها الحداة فحبسها* * * وضح النهار إلى العشي قليل‏

و قد ذكرها بعض الشعراء مكبرا، فقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان‏ (6):

عفا مكمن الجماء من أم عامر* * * فسلع عفا منها فحرة واقم‏

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1063).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 75).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1063).

(4) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 149، 150).

(5) «أخبار الوادي المبارك» (العقيق)- محمد حسن شراب- (ص 118).

(6) المصدر السابق نفسه.

385

(5) (جماء تضارع) صورة لشعب تضارع الشرقي و المحدر من السفح الشرقي لجماء تضارع حيث تنحدر مياهه إلى وادي العقيق الواقع في شرقي الجبل.

و عند جبل المكيمن هذا قام الصحابي عبد الله بن أنيس بإكمال رجم ماعز الذي فر من إتمام الرجم‏ (1) حتى الموت رضي الله عنهم أجمعين.

و قد وردت جماء تضارع في كثير من أبيات و قصائد الشعراء و منها ما قاله أحيحة بن الجلاح:

إني و المشعر الحرام و ما* * * حجت قريش له و ما نحروا

لا آخذ الخطة الدنية ما* * * دام يرى في تضارع حجر (2)

الوصف الطبيعي لجماء تضارع:

جماء تضارع عبارة عن سلسلة من الجبال المتصلة بعضها مع بعض و تمتد هذه السلسلة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة، و تظهر هذه الجماء على هيئة شريط مستطيل يبلغ طوله أربعة كيلومترات تقريبا، و يبلغ عرضها في أقل عرض لها من الجنوب بمقدار كيلومتر واحد تقريبا و يزداد هذا العرض كلما اتجهنا إلى الشمال حيث يصل إلى كيلو و ستمائة متر تقريبا.

و تظهر جماء تضارع بشكلها العام على هيئة جبلين كبيرين يهبط بينهما شعب كبير يعرف بشعب تضارع، و تهبط مياهه من أعلى الشعاب فتسيل على قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان الذي يقع عند سفحها (6) (جماء تضارع) صورة لسد عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان الذي أقامه على شعب تضارع الشرقي لحماية قصره من مياه الشعب الساقطة من أعلى الجبل.

____________

(1) «طبقات ابن سعد»- (4/ 324)/ أنظر «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 230).

(2) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (2/ 159)/ كما وردت هذه الأبيات في «المغانم المطابة» لمجد الدين الفيروز أبادي- (ص 75)/ كما أوردها السيد السمهودي في «وفاء الوفاء»- (3/ 1036).

386

(7) (جماء تضارع) صورة تمثل أحد القمم الجبلية المطلة على شعب تضارع الشرقي من الجهة الشمالية.

(8) (جماء تضارع) صورة لبعض التكوينات الجبلية لجماء تضارع من الجهة الشرقية و تظهر أثار بعض أعمال التسوية لفتح الكورنيش المزمع إنشاؤه حول وادي العقيق.

الشرقي.

و قد قام عاصم بعمل سد من الحجر الضخم ليحجز المياه الهابطة من هذا الشعب داخله لعدم الإضرار بقصره كما يوفر له فرصة الاستفادة من مياهه ليزود بها قصره عن الآبار و مجرى وادي العقيق، كما يستفاد من مياهه في ري المزارع و بساتين القصر، و قد جعل لهذا السد بوابة صغيرة في نهايته.

و شعب تضارع هذا هو الشعب الذي ورد في حديث الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) بقوله: (لا يسيل تضارع إلا في عام ربيع). و تسيل مياه شعب تضارع بعد تجاوزها للسد لتهبط إلى وادي العقيق و قصر عروة بن الزبير في الجهة الشرقية.

و يعطينا المؤرخ السيد أحمد ياسين الخياري وصفا لهذه الجماء فيقول:

(جماء تضارع و تسيل إلى بئر عروة و على قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان، و هو الذي أنشأ سدا بالحجر الضخم على أحد شعاب الجبل المذكور خلف قصره و ذلك ليحجز ماء الشعب المذكور ليزود به قصره البعيد من الآبار و الماء الذي ببطن الوادي. و يقع في الجنوب الغربي من جماء تضارع جبل صغير يسمى «المكيمن» و يسيل ماء جبل المكيمن إلى وادي الدعيثة و يتلاقى مع ماء السيل القادم من البيداء إلى الدعيثة) (1).

كما يشير المؤرخ السيد إبراهيم العياشي (رحمه الله تعالى) إلى وصف هذه الجماء و لونها فيقول: (و هي من الصخور السود و متصلة تماما بجماء أم خالد في التكوين، و أم خالد من الشمال و هي حمراء و تضارع سوداء و من الجنوب و في وسط امتدادها مما يكون مقابل بئر عروة (الوسطى) شعب انفلق منها، و ينحدر

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 230).

387

(9) (جماء تضارع) صورة توضح بعض التكوينات الصخرية ذات الألوان المتباينة التي تميزت بها جماء تضارع عن بقية الجماوات الأخرى.

منه السيل إلى العقيق، و في هذا الشعب أقام عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان سدا يحجز ماء الشعب المذكور ليزود به قصره البعيد عن الآبار و الماء أسفلها من الجنوب في ناحية شعب الدعيثة) (1).

و عند سفح جماء تضارع كانت الكثير من القصور و المنازل التي بنيت في عصر الدولة الأموية حيث كان هذا العصر هو العصر الذهبي لتنمية و عمارة وادي العقيق فظهرت القصور المترفة و المباني الكثيرة على جانبي ذلك الوادي، و من أهم تلك القصور و المنازل التي بنيت عند سفح جماء تضارع ما يلي‏ (2):

* قصر طاهر بن يحيى.

* منازل لعبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان.

* قصر عاصم بن عمرو بن عثمان بن عفان.

* قصر عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن عثمان بن عفان.

و لا يوجد اليوم أي أثر لهذه القصور فيما عدا قصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان و التي كانت أطلاله و آثاره باقية إلى وقت قريب حتى أزيلت في الأونة الأخيرة، و لقد حظيت بتصويره و رفعه فرسمت له مسقطا أفقيا.

و سنتحدث عن هذا القصر بالتفصيل في الفصل المخصص للقصور إن شاء الله.

و تشرف جماء تضارع من الشمال على مسار وادي العقيق عند تغير اتجاهه من الجنوب إلى الشمال الغربي ثم يلي هذا الوادي من ضفته المشرفة على المدينة أراضي فضاء و مجموعة من المخططات الحديثة و المنظمة.

كما تشرف هذه الجماء من الجنوب بعضا بطريق الأمير سلطان بن عبد (10) (جماء تضارع) المجرى الرئيسي لشعب تضارع الشرقي الهابط من قمم الجبال المحيطة و المنحدرة مياهه إلى وادي العقيق.

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 223)، ذكر هذه القصور تحت عنوان (القصور الواقعة بسفح جماء تضارع).

388

(11) (جماء تضارع) أحد شعاب جماء تضارع الهابط من قمة الجبل من خلال بعض التكوينات الصخرية الرئيسية.

العزيز و بعضا بطريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه و المعروف سابقا بطريق عروة.

أما من الشرق فتشرف هذه الجماء على طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم مجرى وادي العقيق المنحدر من الجنوب إلى الشمال يليه بعض المخططات المعتمدة كمخطط الشندي و مخطط النهدي و مخطط الأركوبي. و يمتد في هذه الجهة طريق المدينة- مكة السريع.

في حين يحد هذه الجماء من الغرب طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين و يحصر هذا الطريق فيما بينه و بين هذه الجماء أراضي فضاء بها بعض مخططات الدفاع و بعض المخططات الخاصة.

و إذا تأملنا جماء تضارع عن قرب لوجدنا أنها تتكون من أعداد كبيرة من الهضاب و الجبال المتجاورة و المتحدة في أجزائها السفلى فيما تتباين في قممها المتجاورة و التي تبدوا للناظر لها من بعد على أنها عبارة عن قمتين عاليتين تمثلان جبلان عظيمان متجاوران، و لهذه الجماء عدد كبير من الشعاب و مهابط الأودية و التي تنتشر على سفوحها المختلفة. فيما يعد الشعب الشرقي و المعروف بشعب تضارع و الذي أقيم بجواره قصر و سد عاصم و الشعب الغربي الذي يفصل هذه الجماء عن جماء أم خالد من أكبر و أعظم شعاب الجبل.

و ينحدر إلى هذين الشعبين معظم مياه الشرائع الهابطة من الجماء بعد أن تتجمع في شرائع و مجاري صغيرة تنتهي إلى الشعبين الكبيرين، حيث تنحدر مياه الشعب الشرقي إلى وادي العقيق، و تنحدر مياه الشعب الغربي إلى الجهة الشمالية حيث تعبر إلى وادي العقيق عبر عبارة أقيمت أسفل طريق السلام.

و جماء تضارع ذات ألوان مختلفة يغلب عليها اللون الأحمر الداكن، أما اللون الأسود فيغطي بعض النهايات و القمم العليا لبعض التكوينات الجبلية الغربية و الشمالية.

و هنا يلاحظ أن ما أشار إليه المؤرخ السيد إبراهيم العياشي بقوله إن جماء تضارع جماء سوداء فهذا مغاير للحقيقة المشاهدة و القائمة اليوم، فاللون الأسود موجود و هو أحد ألوان بعض هضاب و قمم هذه الجماء، بينما اللون السائد هو اللون الأحمر الداكن، و لعل المؤرخ السيد إبراهيم العياشي قد اعتبر اللون الأحمر الداكن أسودا و أخذ ذلك على سبيل العموم.

و جماء تضارع تحتوي على تكوينات صخرية مختلفة ظهرت من خلالها الكثير من الفجوات و المهاريس المختلفة شديدة الوعورة التي تمتلى‏ء بالمياه عند سقوط الأمطار و سرعان ما تجف مياهها بعد مدة قصيرة، و تنتشر عند هذه الجماء الكثير من النباتات و الأشجار الشوكية و بخاصة عند تجاويف الشعاب و مهابط الأودية.

389

(12) (جماء تضارع) بعض النباتات و الأشجار المتناثرة داخل شعاب و مسارات الأودية الهابطة من سفوح جماء تضارع من الجهة الشرقية.

و تتميز جماء تضارع بوعورة سفوحها نتيجة وجود الكثير من الحجارة و الصخور المنحدرة إلى السفح من مرتفع الجبل مما أدى إلى تكسير بعض قطعها فجعلها قطعا حادة و ذات رؤوس مدببة يصعب العبور من خلالها إلى مرتفع الجبل.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة بتمهيد طريق كورنيش حول مجرى وادي العقيق يمر مساره الغربي عند سفح هذه الجماء حيث قامت بإزالة الكثير من الصخور و الأحجار المتناثرة عند السفح الشرقي و من ثم فرشها و تمهيدها في الأرض لفتح مسار طريق الكورنيش المقترح.

و حبذا لو تراعي الأمانة مسار و مجرى شعب تضارع الشرقي الذي يهبط في اتجاه الشرق و يتصل بوادي العقيق و ذلك إما بعمل قناة صندوقية أو جسر سفلي يسمح بمرور المياه إلى الوادي دون الإضرار بطريق الكورنيش المزمع إنشاؤه، مع ملاحظة ضرورة الأخذ في الاعتبار المحافظة على ما تبقى من السد الأثري القديم الذي أقامة عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان على وجه الشعب و ترميمه و إقامة مخرج و عبارة عند الجزء المتحطم من السد لضمان تصريف المياه من داخل الشعب إلى مجرى الوادي دون حدوث أي أضرار على ما تبقى من السد الأثري نتيجة حجز المياه داخل الشعب.

390

ب) جماء أم خالد:

جماء أم خالد و هي ثاني جماوات العقيق و هي ملاصقة لجماء تضارع من الجهة الشمالية، و تمتد من الجهة الجنوبية الشرقية إلى الجهة الشمالية الغربية، و تعرف جماء أم خالد بالجماء الوسطى لوقوعها بين جماء تضارع و جماء عاقر.

و يشير السيد أحمد ياسين الخياري إلى هذه التسمية عند حديثه عن الجماوات فيقول: (الثانية جماء أم خالد و تسمى اليوم بالوسطى) (1)، و يضيف السيد العياشي قائلا: (و تعرف قديما و حديثا بالوسطى) (2).

و لعل السيد إبراهيم العياشي يقصد بأنها معروفة في وقته بالوسطى أما اليوم فلا تعرف هذه الجماء إلا بجماء أم خالد أو جماء العقيق الشمالية، و يشير السيد السمهودي إلى ما قاله المجد في أصل جماء أم خالد حيث يقول: (جماء أم خالد جبل يقال له سفر) (3)، و أعتقد أن هذه التسمية غير معروفة اليوم.

(1) (جماء أم خالد) المسقط الأفقي لجماء أم خالد حسب ما تظهر في المصورات الجوية القديمة لعام 1977 م‏ (4).

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 231).

(2) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(3) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1064).

(4) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م، بمقياس رسم 1/ 20000- الوكالة الفنية (أمانة المدينة المنورة).

391

(2) (جماء أم خالد) صورة تمثل الواجهة الشمالية لجماء أم خالد و يظهر مسار طريق السلام الذي يحد الجماء من الجهة الشمالية.

(3) (جماء أم خالد) صورة لبعض التكوينات الصخرية ذات الألوان الحمراء المتجانسة و الجميلة في جماء أم خالد.

و تقع جماء أم خالد في غربي المدينة المنورة على يسار السالك لطريق الكورنيش المتجه إلى الغرب، كما يظهر جزء من هذه الجماء على يمين السالك لطريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاصدا مكة.

و تبعد هذه الجماء عن الحرم النبوي الشريف بمسافة ستة كيلومترات تقريبا، في حين تبعد عن طريق الأمير عبد الله (طريق الدائري الثاني) بحوالي كيلومتر و نصف تقريبا.

كما تبعد هذه الجماء عن طريق السلام الممتد في شماله في أقرب جزء منه بمسافة أربعمائة و خمسين مترا تقريبا، في حين تشرف مباشرة على طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين من الجهة الغربية. و تنحصر هذه الجماء بين الإحداثيان الرأسيان 557000 و رقم 555000 في حين تنحصر بين الإحداثيان الأفقيان رقم 2706500 و رقم 2704250.

و يشير السيد السمهودي إلى موقع هذه الجماء و علاقتها بفيفاء الخبار فيما نقله من حديث ابن شبة عن عبد العزيز بن عمران نحوه إلا أنه قال: (في أصلها بيوت الأشعت و فيفاء الخبار و بينها و بين جماء العاقر طريق من ناحية بئر رومة، و فيفاء الخبار من جماء أم خالد في مهب الشمال من الأولى مما يلي مسيل وادي العقيق منحدرا و فيفاء الخبار منهما) (1).

(4) (جماء أم خالد) صورة لبعض التكوينات الأخرى ذات اللون الأسود و التي ظهرت بشكل كبير في التكوينات الجنوبية لجماء أم خالد.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1064)/ «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 149).

392

(5) (جماء أم خالد) صورة لبعض السفوح الجنوبية لجماء أم خالد و التي تظهر عبر طريق الجامعات الذي يحد هذه الجماء من الجهة الغربية.

و فيفاء الخبار عبارة عن لفظين يعني أولهما «الفيفاء» أي الصخرة الملساء و «الخبار» وزن سحاب الأرض الرخوة ذات الحجارة، و يقال أيضا فيف الخبار و فيفاء الخبار من جماء أم خالد.

و لهذا المكان ذكر في السير النبوية، ففي «سيرة ابن هشام» (1) قال: (إنه قدم على رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) نفر من «عرينة» فأسلموا فاستوبأوا المدينة و قالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع و لم نكن أهل ريف، فسألوه أن ينحيهم من المدينة، فأخرجهم رسول الله إلى لقاح له بفيف الخبار فشربوا من ألبانها فلما صحوا، غدوا على اللقاح فاستاقوها و قتلوا يسارا- مولى رسول الله- و غرزوا الشوك في عينيه، فأرسل في آثارهم عشرين فارسا و استعمل عليهم كرز بن جابر الفهري فظفروا بهم، و أتوا بهم إلى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، فقطع رسول الله أيديهم و أرجلهم، و سمل أعينهم، و فيهم نزلت الآية الكريمة: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ‏ (المائدة: 33)).

و في غزوة ذات العشيرة قال ابن إسحق: (فسلك رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) على نقب بني دينار ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء «ابن أزهر» يقال لها «ذات الساق» فصلى عندها، فثم مسجده (صلى اللّه عليه و سلّم)، و صنع له عندها طعام فأكل منه و أكل الناس معه، فموضع أثافي البرمة معلوم هنالك، و استقى له من ماء به يقال له المشيرب) (2).

و يشير السيد إبراهيم العياشي إلى أن مسجد فيفاء الخبار يعرف اليوم بمسجد سلطانة، و المشيرب الذي شرب منه الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، قد يكون بئر سلطانة (3).

و قد جاء ذكر جماء أم خالد في كثير من كتب المؤرخين الأخرى، ففي «عمدة الأخبار» يشير السيد أحمد العباسي إلى هذه الجماء بالجماء الثانية فيقول:

(الجماء الثانية أم خالد في مهب الشمال من الأولى- و يقصد بالأولى جماء تضارع التي سبق ذكرها- و تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري) (4)، أي يسيل ماؤها على قصر محمد بن عيسى الجعفري الواقع عند سفحها و الذي أقيم في عصر بني أمية ضمن قصور وادي العقيق.

كما يشير السيد أحمد الخياري إلى وصف هذه الجماء فيقول: (هذه الجماء يسيل ماؤها على قصر محمد بن عيسى الجعفري و في أصلها بيوت‏

____________

(1) «السيرة النبوية»- ابن هشام- (2/ 248).

(2) «السيرة النبوية»- ابن هشام- غزوة العشيرة (2/ 176، 177).

(3) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(4) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

393

(6) (جماء أم خالد) بعض المباني و المنشأت المقامة عند الطرف الشمالي الغربي لجماء أم خالد و التي بنيت ضمن مخططات معتمدة.

الأشعت و قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي ... و يتابع السيد أحمد الخياري حديثه فيقول: و جماء أم خالد تقع شمال جماء تضارع) (1). و في «معجم المعالم الجغرافية»: (جماء أم خالد فتلاصقها من الغرب) (2)، أي تلاصق جماء تضارع الواقعة في شرقيها.

كما يشير المؤرخ السيد إبراهيم العياشي إلى موقع هذه الجماء فيقول:

(و جماء أم خالد تطل على الجرف من شماله كما يطل على البيداء من الغرب و يطل على العقيق مما يلي قصر عروة من مشرقه) (3).

و جماء أم خالد هي المقصودة في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل رجلان في موضع فسطاطهما في قبل الجماء) (4)، و هذه الجماء هي التي يسيل ماؤها على قصر محمد بن عيسى الجعفري و ما إلى ذلك.

و ينقل لنا السيد السمهودي الرواية التاريخية القديمة التي تناقلها كثير من المؤرخين و الكتاب التي ينص مقتضاها على أن هناك قبور قديمة وجدها المؤرخون القدامى على رأس جماء أم خالد فيقول بشأنها: (روى الزبير بن موسى بن محمد عن أبيه قال: وجد قبر آدمي على رأس جماء أم خالد مكتوبا فيه: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية.

و عن ابن شهاب قال: وجد قبر على جماء أم خالد أربعون ذراعا في أربعين ذراعا مكتوب في حجر منه: أنا عبد الله من أهل نينوى رسول رسول الله عيسى ابن مريم (عليه السلام) إلى أهل هذه القرية فأدركني الموت فأوصيت أن‏

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- (ص 231).

(2) «معجم المعالم الجغرافية»- عاتق البلادي- (ص 84).

(3) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(4) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 91).

394

أدفن في جماء أم خالد.

و قال عبد العزيز بن عمران: نينوى موضعان- أحدهما من أرض السواد بالطف حيث قتل الحسين رضي الله تعالى عنه، و الآخر قرية الموصل و هي التي فيها يونس النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و لسنا ندري أي الموضعين عنى) (1).

و قد أورد أبو المجد الفيروز أبادي هذه القصة برواية أخرى و بمزيد من التفصيل فيقول: (و عن عمرو بن سليم الزرقي قال: وجدت حجرين طويلين على رأس الجماء على قبر أرميا «؟» فعرضناهما على أهل الكتب، التوراة و الإنجيل و غيرهما فلم يعرفوها. فأتانا رجلان من أهل ماه فعرضناهما عليهما فقالا: مكتوب في أحد الحجرين «أنا عبد الله الأسود رسول رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) عيسى ابن مريم إلى أهل قرية عربية، قال: و قالا: كنا سكانها في أس الزمان.

و في لفظ: وجدوا قبرا إرميا على رأس جماء أم خالد مكتوبا عليه: أنا أسود بن سوادة رسول رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية. و في لفظ وجدوا قبرا بالجماء عليه مكتوب فهبط بالحجر فقرأه رجل من أهل اليمن فإذا فيه: أنا عبد الله رسول رسول الله سليمان بن داوود عليهما الصلاة و السلام إلى أهل يثرب، و أنا يومئذ على الشمال) (2).

(7) (جماء أم خالد) صورة تمثل الواجهة الشمالية لجماء أم خالد و تظهر بوضوح تام عبر طريق السلام.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1046)/ كما وردت هذه القصة في «تاريخ معالم المدينة المنورة»- السيد أحمد الخياري- (ص 231).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 90).

395

(8) (جماء أم خالد) نموذج لبعض التكوينات الصخرية لجماء أم خالد من الجهة الشمالية و يظهر تباين الألوان.

(9) (جماء أم خالد) صورة توضح بعض الشعاب الداخلية في جماء أم خالد و الناتجة من التغيرات المختلفة في التكوينات الصخرية.

و في «عمدة الأخبار»: (و نقل أنه وجد قبر آدمي على هذه الجماء مكتوب فيه: «أنا أسود بن سوادة رسول عيسى ابن مريم إلى هذه القرية». و في رواية إلى قرية عربية و في أخرى أن القبر أربعون ذراعا و في أخرى رسول سليمان بن داود إلى أهل يثرب) (1).

و قد جاء في «الدر الثمين» أن هذا الحجر الذي وجد على رأس جماء أم خالد لم يستطع الصحابة من قرائته لأنه مكتوب بخط حميري‏ (2)، حتى جاء رجل من أهل اليمن فقرأه بمضمون ما سبق الإشارة إليه.

و أن ما أشار إليه المؤرخون ليس بمعروف اليوم و لا يوجد له أثر واضح فلعل مرور الزمن و تعرض الجبل للكثير من عوامل التعرية قد تكفل بضياع تلك الآثار و المعالم.

كما أن نزول الحجر المكتوب الذي وجد على القبر من أعلى الجبل ليبحثوا عمن يعرف قراءته كما جاء في الرواية السابقة ساعد على ضياع هذا القبر و يحتمل أن هذا الحجر لم يرجع إلى مكانه بعد قراءته.

و قد سبقت الإشارة إلى أن جماء أم خالد قد انفردت عن غيرها من الجماوات بوعورة المنافذ و الانحدار الشديد في الشعاب و المسالك و مع هذا فقد صعدنا إلى مرتفع عالي من الجبل فلم نجد شيئا، فلعله في جزء آخر من الجبل أو أن يكون قد ذهبت آثاره و معالمه مع مرور الزمن و الله تعالى أعلم.

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 246).

396

الوصف الطبيعي لجماء أم خالد:

جماء أم خالد هي الجماء الوسطى بين الجماوات الثلاثة حيث تقع في غربي جماء تضارع و شرقي جماء العاقر، و جماء أم خالد عبارة عن شكل شبه مستدير تقريبا يبلغ طول قطرها حوالي كليومتر واحد و أربعمائة متر تقريبا.

و تشرف جماء أم خالد على الجهة الشمالية و الجنوبية و الغربية بينما تحجزها جماء تضارع عن الجهة الشرقية، و للجماء شرائع و شعاب كثيرة تهبط من الجهات الثلاثة غير الشرقية حيث تتجمع هذه الشرائع في هذه الجهة مع شرائع جماء تضارع فتهبط سويا إلى الشرق حيث تنحدر إلى شعب تضارع الذي يصل بعد فيضان سد عاصم إلى وادي العقيق و منها ما ينحدر إلى الشمال عبر عبارة أقيمت في طريق السلام لتصل إلى وادي العقيق.

و تعتبر الشرائع الهابطة من الجهة الشمالية من أكبر و أهم الشرائع حيث كانت تسيل في الماضي على بعض القصور الواقعة في سفحه الشمالي على جانب وادي العقيق، و من أشهر تلك القصور قصر محمد بن عيسى الجعفري.

و يشير مجد الدين الفيروز أبادي إلى ذلك بقوله: (و الجماء الثانية جماء أم خالد التي تسيل على قصر محمد بن عيسى الجعفري و ما والاه، و في أصلها بيوت الأشعت من أهل المدينة و قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي و فيفاء الخبار من جماء أم خالد) (1).

و في «عمدة الأخبار»: (فيفاء الخبار بينها و بين جماء العاقر- أي بين جماء أم خالد و جماء العاقر و هي من جماء أم خالد- طريقها من ناحية بئر روما و فيفاء الخبار من جماء أم خالد) (2).

(10) (جماء أم خالد) نماذج لبعض التكوينات الصخرية السوداء داخل الشعب الغربي لجماء تضارع و يظهر انحدار السلسلة الجبلية إلى الجنوب.

____________

(1) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 91).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

397

(11) (جماء أم خالد) نماذج مختلفة لبعض التكوينات الصخرية الحمراء في الجهة الشمالية من جماء أم خالد.

كما يحدثنا المؤرخ السيد إبراهيم العياشي عن وصف هذه الجماء فيقول:

(و هي كسابقتها- أي جماء العاقر- من الصخر الجرانيتي الأحمر القاني و تشكل جبلا قليل الرؤوس طوله في مثل عرضه) ثم يصف ما عليه من قصور فيقول:

(و هذا الجبل قد أكثر آل عثمان القصور فيه من الشرق و الشمال، و في شماله يقع جبل شعر ناحية الجامعة الإسلامية اليوم) (1).

و من أهم القصور التي أقيمت عند سفح جماء أم خالد حسب ما ذكره المؤرخون و الكتاب قصرين هما قصر محمد بن عيسى الجعفري (و هي في الأصل بيوت الأشعت من أهل المدينة) و قصر يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي‏ (2)، و لم يبق اليوم لهذه القصور أي آثار أو معالم.

و حاليا تشرف جماء أم خالد من الشمال على مجموعة من المخططات المعتمدة و الحديثة كمخطط ورثة الملك فيصل (رحمه الله) و مخطط العطار و مخطط الدفاع و الطيران، كما تشرف هذه الجماء من هذه الجهة على طريق السلام الذي يمتد من الشرق إلى الغرب. أما من الجهة الجنوبية فتشرف جماء أم خالد على منطقة فضاء واسعة تبدأ من السفوح الغربية لجماء تضارع و تنتهي بانحدار نحو الغرب، أما من الجهة الشرقية فتشرف هذه الجماء على جماء تضارع التي تحجزها من جهة الشرق في حين تشرف من الجهة الغربية على طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين، و بعض المخططات المعتمدة و الحديثة كمخطط حي طيبة و الاستاد الرياضي و بعضا من مخططات وزارة الدفاع و الطيران.

و إذا تأملنا جماء أم خالد عن قرب لوجدناها عبارة عن سلسلة من الجبال‏

____________

(1) «المدينة بين الماضي و الحاضر»- السيد إبراهيم العياشي- (ص 486).

(2) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 223): ذكر هذه القصور تحت عنوان القصور الكائنة بسفح جماء أم خالد.

398

(12) (جماء أم خالد) نماذج أخرى لبعض التكوينات الصخرية الواقعة في الجهة الشمالية لجماء أم خالد.

الكثيرة المترابطة و المتصلة بعضها مع بعض في أجزائها السفلى و التي تبدو و كأنها هضاب منفصلة متباينة في الحجم و اللون و الشكل، فمنها الهضاب السوداء ناعمة الملمس و منها الهضاب الوعرة و التي يغلب عليها اللون الأحمر الداكن، و منها الهضاب المكونة من مجموعة كبيرة من التكوينات الصخرية شبه المنفصلة، و تكثر هذه النوعية من الهضاب في الجهة الغربية من هذه الجماء.

و تنحدر الجبال المكونة لهذه الجماء في الغالب إلى جهة الجنوب فتنحدر عنها كثير من الشرائع و الشعاب الخطيرة التي تميزت بانحدارها المفاجى‏ء و الشديد فتهبط فيها المياه بسرعة عالية تجرف معها الصخور و الحجارة من أعلى هذه الشعاب و الشرائع إلى سفح الجبل، و نظرا لتلك الخطورة فقد بقيت معظم الأراضي المجاورة لمهابط تلك الشرائع و الشعاب خالية من السكن تظهر عليها علامات انجراف التربة نتيجة انحدار تلك المياه، و تعتبر جماء أم خالد من أكثر الجماوات و عورة، و خاصة عند الشعاب الشمالية و الجنوبية لكثرة الصخور ذات الرؤوس الحادة.

و تحتوي جماء أم خالد على الكثير من التكوينات الصخرية المختلفة التي ظهرت على هيئة تجاويف و منخفضات و مهاريس غير عميقة و صغيرة يمتلى‏ء بعضها بالمياه من خلال بعض الشرائع الصغيرة.

و ينتشر هذا النوع من التجاويف و المهاريس في الجهة الشرقية بالقرب من شعب تضارع الغربي حيث انحدار بعض شرائع المياه إلى الجهة الجنوبية، أما الأنواع الأخرى من التجاويف و المهاريس فهي عبارة عن مهاريس مسطحة ذات مساحات كبيرة تنتشر في الجهة الجنوبية الغربية، و غالبا ما تظهر هذه النوعية بين الجبال و الهضاب و تستمد مياهها مباشرة من إنحدار الشرائع من قمم الجبال و مسطحات الهضاب.

و تكثر عند هذا النوع من التجاويف و المسطحات الكبيرة الكثير من النباتات و الحشائش، و خاصة على أطرافها الداخلية، و لكن نظرا لقلة المياه و سرعة تسرب المياه من داخل تلك التجاويف فقلما نجد من تلك النباتات و الحشائش ما هو أخضر أو مستمر في النمو.

كما أن كثرة وجود الحيوانات و بخاصة الجمال منها قد ساعد على القضاء على الكثير من تلك النباتات أولا بأول، و بخاصة أشجار السمر و حشائش الشفشاف، فحبذا لو تقوم الأمانة بتنظيم عملية الرعي على هذه الجماوات للحفاظ على الطبيعة النباتية لها، و بخاصة في الأجزاء المنتشرة داخل الشعب الفاصل بين جماء أم خالد و جماء تضارع و المعروف بشعب جماء تضارع الغربي.

399

ج) جماء عاقر (العاقر):

جماء العاقر بالراء و قيل العاقل باللام جبل من جبال المدينة ينسب إلى جماوات العقيق و يقال له جماء عاقر أو العاقر بلام التعريف، و يقال جماء العاقل من العقل، و في «عمدة الأخبار»: (الثالثة- جماء العاقر بالراء و قيل باللام و إليها نسب قصر بن جعفر بن سليمان بالعرصة) (1).

و يشير السيد السمهودي إلى هذا المعنى بقوله: (الثالثة جماء العاقر- بالراء كما في كتاب ابن شبة و غيره، و في بعض نسخ ابن زبالة و الهجري و معارف العقيق للزبير باللام، و قال ابن شبة عقب ما تقدم عنه و جماء العاقر الجبل الذي خلفه المشاش) (2).

و تعرف هذه الجماء كما أشرنا بعدة مترادفات فيقال جماء عاقر أو العاقر أو عاقل أو العاقل، و في «آثار المدينة» قال الأستاذ عبد القدوس الأنصاري:

(القصور التي تقع بسفح جماء عاقر أو عاقل) (3). و يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى هذه التسمية فيقول: (الثالثة: جماء العاقر أو العاقل كما جاء في‏ (1) (جماء عاقر) المسقط الأفقي لجماء العاقر حسب ما تظهر في المصورات الجوية لعام 1977 م‏ (4).

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1065).

(3) «آثار المدينة المنورة»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 223).

(4) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م بمقياس رسم 1/ 20000- الوكالة الفنية (أمانة المدينة المنورة).

400

(2) (جماء عاقر) صورة لجماء العاقر من الجهة الشرقية و عبر طريق السلام.

(3) (جماء عاقر) جماء العاقر أحد المعالم الرئيسية و المميزة في المدينة بشكل عام و في المنطقة الغربية للمدينة بشكل خاص.

بعض الروايات) (1).

و تقع جماء العاقر في غربي المدينة المنورة جانحة إلى جهة الشمال قليلا، و تبتعد هذه الجماء عن المسجد النبوي الشريف بمسافة تسعة كيلومتر تقريبا، في حين تبعد عن طريق السلام الممتد في شماله في أقرب نقطة منه بمسافة مئة و عشرين مترا تقريبا حيث يفصل مخطط الأمير سلطان بين هذا الطريق و ذاك الجبل.

كما تبعد هذه الجماء عن طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين بمسافة ثمانمائة متر تقريبا، و من الغرب يشرف على طريق الملك سعود و الممتد من الجنوب إلى الشمال حيث يتقاطع مع طريق السلام. و تنحصر هذه الجماء بين الإحداثيان الرأسيان رقم 555000 و رقم 552000 كما تنحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2708000 و رقم 2705750.

و تقع جماء العاقر إلى جهة الشمال الغربي من جماء تضارع و أم خالد و تبعد عن جماء أم خالد بحوالي خمسمائة متر، و يفصل بين هذه الجماء و الجماوتين الأخرتين فضاء مد فيه طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين، و تشير الروايات التاريخية إلى أن هذا الطريق قد سلكته جيوش قريش عند محاربتها للرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في غزوتي أحد و الخندق، و هذا الطريق يؤدي جنوبا إلى الدعيثة و منطقة البيداء.

و يشير المؤرخ السيد أحمد الخياري إلى موقع هذه الجماء فيقول: (و هذه الجماء يفصل بينها و بين جماوتي- تضارع و أم خالد- طريق و هذا الطريق الذي سلكته جيوش قريش لمحاربة الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) في غزوتي أحد و الأحزاب «الخندق» و هذا الطريق هو إلى دعيثة البيداء، و هذه الجماء تسيل على قصور جعفر بن‏ (4) (جماء عاقر) صورة لجماء العاقر من الجهة الشرقية و قد تصدرت واجهة الطريق من الجهة الغربية.

401

(5) (جماء عاقر) طريق السلام أحد الطرق الهامة و الجميلة التي تتصل بالحرم النبوي الشريف من الجهة الشرقية.

(6) (جماء عاقر) طريق السلام عند نهايته الغربية و التقائه بطريق الجامعات و تظهر جماء العاقر و قد سيطرت على المنطقة بشكل كبير.

سليمان) (1). و قصور جعفر بن سليمان قد كانت عند سفح هذه الجماء عند السفح الشمالي لها و هي ضمن مجموعة القصور الكثيرة التي بنيت في المدينة بوجه عام و على جانبي وادي العقيق و بقربه خاصة. و في «المغانم المطابة»:

(الجماء الثالثة جماء العاقر بينها و بين جماء أم خالد فسحة و هي تسيل على قصور جعفر بن سليمان) (2).

و هذا السيل يعرف بالمشاش و هو سيل يهبط من السفح الشرقي لجماء العاقل فيصب في العرصة. و يشير السيد العباسي إلى ذلك فيقول: (جماء العاقر بالراء و قيل باللام و إليها نسب قصر بن جعفر بن سليمان بالعرصة، و خلفها المشاش و هو واد يصب بالعرصة) (3). و يشير السيد أحمد الخياري أن هناك جبلا يقع في الجهة الشمالية من هذه الجماء يقال له جبل عظم‏ (4).

و يشير السيد السمهودي فيما رواه عن ابن شبة بقوله: (و جماء العاقر الجبل الذي خلفه المشاش و إليه قصور جعفر بن سليمان بن علي بالعرصة) (5)،

____________

(1) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 231).

(2) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 92).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 442).

(4) «تاريخ معالم المدينة المنورة قديما و حديثا»- السيد أحمد ياسين الخياري- (ص 232).

(5) «تاريخ المدينة المنورة»- ابن شبة- (1/ 149).

402

(7) (جماء عاقر) الأستاد الرياضي أحد المنشآت الهامة في الجهة الشرقية لجماء العاقر.

و قال الهجري: الثالثة جماء العاقل، فيها طريق إلى جماء أم خالد تسيل بين قصور جعفر بن سليمان، خلفها المشاش و هو واد يصب في العرصة. و قال الزبير: جماء العاقل طريق بينها و بين جماء أم خالد خلفها المشاش و في المشاش يقول عروة بن أذينة:

إذا جرى شعب المشاش بهم‏* * * و أضيف تلمه الرخمة

و من البطحاء قد نزلوا* * * دار زيد فوقها العجمة) (1)

و قد أورد السمهودي فيما أورده عن ابن زبالة من حديث: (لا تقوم الساعة حتى يقتتل رجلان موضع فسطاطهما في قبل الجماء ...، و حديث:

نعم الجماء المنزل لو لا كثرة الأساود) (2).

و قد سبق و أن أشار المؤرخون و أوردوا حديث اقتتال الرجلين عند جماء أم خالد إلا أننا نجد فيما أورده السمهودي عن ابن زبالة أن الحديث قد أورده في جماء العاقر مع حديث نعم الجماء المنزل لولا كثرة الأساود، و بهذا يصعب الإشارة إلى أي الجماوتين نسب الحديث مع أن إجماع الكثير من المؤرخين على أن الجماء المقصودة هنا هي جماء أم خالد و الله أعلم.

و في «المغانم المطابة»: (و إحدى هذه الجماوات أراد أبو قطيفة بقوله:

الثغر فالنخل فالجماء بينها* * * أشهى إلى القلب من أبواب جيرون‏

إلى البلاط فما جازت قرائنه‏* * * دور نزحن عن الفحشاء و الهون‏

و قد يكتم الناس أسرارا و أعلمها* * * و ليس يدرون طول الدهر مكنوني‏ (3)

(8) (جماء عاقر) أحد القمم العالية لجماء العاقر و التي تشرف على طريق الجامعات من الجهة الغربية.

____________

(1) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1065).

(2) «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (3/ 1065).

(3) «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 92).

403

(9) (جماء عاقر) صورة تمثل الواجهة الجنوبية لجماء العاقر، و تظهر المباني و المنشآت المقامة ضمن مخططات العزيزية المعتمدة.

(10) (جماء عاقر) صورة تمثل بعض التكوينات الصخرية المتباينة لجماء العاقر من الجهة الشرقية.

الوصف الطبيعي لجماء العاقر:

تعتبر جماء العاقر هي أبعد الجماوات الثلاثة عن المدينة و بالتالي أبعدها عن وادي العقيق، و يظهر الشكل العام لهذه الجماء على هيئة جزأين يمثل الجزء الشرقي الرئيسي و البدن الأكبر للجماء. و يظهر هذا الشكل على هيئة شكل شبه مستدير يبلغ قطره حوالي كيلومترين تقريبا، أما الجزء الآخر و المتصل بنفس الجماء و هو الجزء الغربي فهو يمثل ذيل الجماء حيث يبلغ طوله حوالي كيلومترين تقريبا، في حين لا يزيد عرضه عن أربعمائة متر تقريبا، و على هذا فيكون طول هذه الجماء بالكامل حوالي أربعة كيلومترات تقريبا.

و تمتد هذه الجماء من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي و تظهر بوضوح تام لسالك طريق الجامعات قاصدا مكة، و تشرف هذه الجماء من الشمال على مخطط الأمير سلطان بن عبد العزيز، يليه امتداد طريق السلام الممتد من تقاطعه مع طريق الجامعات و حتى طريق الملك خالد المعروف بالطريق الدائري الثالث، ثم يلي هذا الطريق وجود حي طيبة- و بعض المناطق الجبلية الوعرة المنتشرة في المنطقة بشكل كبير.

أما من الجهة الجنوبية فيحد هذه الجماء مخطط حي طيبة الواقع في أقصى الشرق على طرف الجماء و بجواره الاستاد الرياضي، ثم تشرف في هذه الجهة على مجموعة من مخططات وزارة الدفاع و الطيران.

أما من الجهة الشرقية فتشرف هذه الجماء على مخطط طيبة و الاستاد

404

(11) (جماء عاقر) نماذج لبعض التكوينات الصخرية المختلفة لجماء العاقر من الجهة الشرقية.

الرياضي و يليه امتداد طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين و من ثم تظهر جماء أم خالد في أقصى الشرق و بعدها يظهر مخطط الدفاع، و مخطط العطار و مخطط ورثة الملك فيصل بن عبد العزيز (رحمه الله).

أما من الجهة الغربية فتشرف هذه الجماء على طريق الملك سعود و امتداد مخطط الأمير سلطان ثم أرض فضاء و عرة تكثر فيها الهضاب و المرتفعات و يرجح أنها لوزارة الدفاع و الطيران.

و جماء العاقر عبارة عن جبل عظيم و مرتفع، و يعتبر أضخم الجماوات السابقة و تتميز هذه الجماء بوحدة الكتلة الصخرية فتبدو للناظر إليها من بعد و كأنها جبل واحد مستمر، بينما تبدو هذه الجماء للناظر إليها من قرب و كأنها عبارة عن مجموعة من الهضاب المتجاورة و المتوالية بعضها فوق بعض.

بينما يظهر هذا التكوين مخالفا في الجهة الشرقية و الغربية حيث يظهر هذا التشكيل على هيئة جبال صغيرة و متناثرة تتصل فيما بينها من خلال بعض الهضاب و الصخور التي تكونت بينها.

و تعتبر هذه الجماء قليلة التجاويف و المهاريس إذا ما قورنت بجماء أم خالد أو جماء تضارع و يرجع ذلك إلى طبيعة التكوين الصخري و الكتل الحجرية المكونة لتلك الجماء، و جماء عاقر هي جماء حمراء اللون يتدرج فيها اللون‏