معالم المدينة المنورة بين العمارة والتاريخ‏ - ج1

- عبد العزيز الكعكي المزيد...
747 /
405

(12) (جماء عاقر) نماذج أخرى لبعض التكوينات الصخرية لجماء العاقر من نفس الجهة، و قد أحاطتها الأمانة ببعض الطرق المسفلتة التي تساعد على حمايتها.

بدرجاته المختلفة فنجد أن من صخورها الحمراء و منها الحمراء الداكنة و هو اللون الغالب على معظم صخور هذه الجماء.

أما اللون الأسود فيظهر على بعض قطع الصخور و التكوينات، و لكن بشكل قليل و غالبا ما تكون هذه الصخور السوداء منفصلة تماما عن الألوان و الدرجات الحمراء الأخرى.

و على العموم فلو تأملنا جميع الجماوات الثلاثة لوجدنا أن لونها الغالب هو الأحمر الداكن مع وجود بعض التداخلات الأخرى من الألوان كالأسود و الأخضر، و يعتبر التفاوت في اللون بين هذه الجماوات قليل جدا، لذا نجد أن القليل من المؤرخين من تطرق إلى التفريق بين ألوان هذه الجماوات.

فمن المؤرخين من أشار إليها بالثلاثة هضاب السوداء (1)، و منهم من أشار إليها بالجماوات الحمراء و هكذا، و ما الاختلاف في تحديد اللون إلا إختلاف في وجهة النظر، فمنهم من اعتبر اللون الأحمر الداكن أسود، و منهم من اعتبر اللون الأحمر الداكن أحمر، و اختصارا للموضوع نقول أن كل الجماوات الثلاثة يغلب عليها اللون الأحمر الداكن مع وجود بعض التكوينات و الصخور السوداء القليلة فنجدها على قمم الجبال و أعالي الشعاب و في بعض صخور مهابط الأودية و قمم التلال.

و ينحدر من جماء العاقر بعض الشرائع و الشعاب المختلفة فمنها الشرائع و الشعاب الغربية التي تنحدر من أعلى الجزء الأكبر من هذه الجماء و المتمثل بالجزء الشرقي الذي يعتبر الجسم الرئيسي لهذه الجماء.

و تتصل هذه الشرائع بعد هبوطها بشرائع الهضاب و السلسلة الجبلية الغربية و الممتدة إلى الغرب و التي تعتبر الجزء الثاني من هذه الجماء، كما تنحدر بعض الشعاب و الشرائع الصغيرة و المتفرقة على السفوح الشرقية و الجنوبية و الشمالية حيث ينمو ضمن مساراتها بعض النباتات و الأشجار الصحراوية الشوكية التي تظل فترة من الزمن حتى تموت و تتلاشى تبعا لقلة الأمطار و زيادة معدلات الرعي.

و قد قامت أمانة المدينة المنورة بعمل بعض الطرق الجيدة حول بعض السفوح الشرقية و الجنوبية ضمن المخططات الجديدة التي أعدتها الأمانة في تلك المناطق، فحبذا لو تقوم الأمانة بإحاطة باقي الجماوات الأخرى بتلك الطرق لحمايتها من غزو المباني و المحافظة على البيئة الطبيعية لها.

____________

(1) «المدينة في العصر الأموي»- محمد شراب- (ص 348)/ «بين التاريخ و الآثار»- الأستاذ عبد القدوس الأنصاري- (ص 13).

406

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

407

11 جبل الحرم (الجبل الأحمر)

408

(1) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم من الجهة الشمالية و هو على مقربة من الطريق العام.

جبل الحرم (الجبل الأحمر):

تمهيد:

يعتبر جبل الحرم أو ما يعرف بالجبل الأحمر من أهم معالم المدينة المنورة حيث ارتبطت ذكرياته بأحداث عمارة و توسعة المسجد النبوي الشريف في عهد السلطان عبد المجيد الأول الذي تولى الخلافة (1255- 1277 ه 1839- 1861 م)، حيث جرى عليه الاختيار في أن تستخدم أحجاره في عمارة هذا المسجد العظيم.

و جبل الحرم في الحقيقة ليس جبلا واحدا إنما هو عبارة عن ثلاثة جبال متقاربة أو ثلاثة تلال كما ذكرها بعض المؤرخين، و لكن أشاروا إليها بمفرد الجبل الواحد نسبة إلى أكبر هذه الجبال، و هو الموجود في غربي الجبل الأول و في شمالي الجبل الثاني، فإذا أطلق مفرد جبل الحرم يعني ذلك مجمل الثلاثة جبال أو الهضاب الموجودة في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة المنورة و في غربي وادي العقيق.

و يعرف هذا الجبل بتسميتين مشهورتين و معروفتين عند أهل المدينة فيعرف بجبل الحرم لكون استخدام حجارته في تشييد و عمارة الحرم النبوي الشريف كما يعرف أيضا بالجبل الأحمر أو الجبال الحمراء نسبة إلى لونها الأحمر المميز عن باقي جبال المدينة.

(2) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم من الجهة الجنوبية و يظهر الجبل الأكبر و في شرقيه الجبل الأصغر.

409

(3) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأصغر من الجهة الغربية و هو أصغر جبال الحرم ارتفاعا.

(4) (جبل الحرم) جبل الحرم الأصغر و قد أحيط بأراضي فضاء في حين تظهر بعض التكوينات الجنوبية لجماء تضارع من الجهة الشرقية.

و يقع جبل الحرم الأكبر في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة المنورة و يبعد عن الحرم النبوي الشريف مركز المدينة بمسافة عشرة كيلومترات تقريبا، و يبعد عن طريق الجامعات المعروف بطريق غير المسلمين إلى الغرب بمسافة ثلاثمائة و خمسين مترا في حين يبعد عن طريق عمر بن الخطاب المعروف سابقا بطريق عروة و الممتد في الجهة الشرقية بمسافة ألف و ثمانمائة متر تقريبا، و ينحصر هذا الجبل بين الإحداثيان الرأسيان رقم 555000 و رقم 554500 و الإحداثيان الأفقيان رقم 2702750 و رقم 2702000 أما الجبل الثاني فيقع في شرقي الجبل الأول و هو جبل صغير قليل الارتفاع ذو شكل مستدير يبعد عن الجبل الأول (الأكبر) بأقل من مئة متر و يبعد عن طريق الجامعات بحوالي مائتين و خمسين مترا و ينحصر هذا الجبل الثاني بين الإحداثيان الرأسيان رقم 555000 و رقم 554750 و بين الإحداثيان الرأسيان رقم 2702750 و رقم 2702500

أما الجبل الثالث من جبال الحرم فهو جبل متوسط الارتفاع يقل ارتفاعه عن الجبل الأول و يزيد عن الجبل الثاني، و يقع هذا الجبل في أقصى الركن الجنوبي الغربي للمدينة حيث يبعد عنها بمسافة أحد عشر كيلومتر تقريبا.

و يبعد هذا الجبل عن الجبل الأكبر الموجود في شماله بمسافة كيلو و نصف تقريبا في حين لا يزيد بعده عن الجبل الثاني الموجود في شماله أيضا عن كيلومتر و ثلاثمائة متر تقريبا، و ينحصر هذا الجبل بين الإحداثيان الرأسيان رقم 554000 و رقم 553000 فيما ينحصر أفقيا بين الإحداثيان رقم 2701250 و رقم 2700500.

و يقع الجبل الثالث من جبال الحرم عند الإشارة الضوئية الثانية بعد مركز وزارة الدفاع، و قد شق هذا الجبل إلى جزئين بعد تقطيع و استخراج أحجار قلب الجبل لاستخدامها في عملية بناء الحرم مما أدى إلى فصل الجبل إلى كتلتين امتد بينهما طريق حديث يتجه إلى الشرق ليؤدي إلى السجن العام متفرعا من طريق الجامعات الرئيسي المتجه جنوبا عند الإشارة الضوئية الثانية.

410

(5) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأوسط من الجهة الجنوبية و قد هذبت أجزاؤه المطلة على الطريق.

(6) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأكبر من الجهة الشمالية و يظهر بلونه الأحمر المميز عن بقية الجبال المجاورة.

و قد أشار كثير من المؤرخين و الكتاب إلى موقع هذا الجبل عند الحديث عن توسعة و عمارة السلطان عبد المجيد الكبرى للحرم النبوي الشريف و التي ابتدأها عام 1265 ه/ 1848 م و استمرت حتى عام 1277 ه/ 1861 م، أي استمرت حوالي اثنتي عشرة سنة. فيقول المؤرخ إبراهيم رفعت باشا بعد أن رفع داود باشا شيخ الحرم آنذاك إلى السلطان عبد المجيد وضع المسجد و حاجته إلى العمارة و التجديد فقال: (فأرسل السلطان من قبله من استبان الحقيقة- أي حقيقة وضع المسجد- و تعرف حال المسجد و بناءه فأمر بعمارته و وكل أمر ذلك إلى رجال انتخبهم أن يقتطعوا الأحجار و الأعمدة من هضاب بوادي العقيق عند آبار علي) (1).

كما يشير الأخ/ ناجي محمد الأنصاري إلى موقع هذا الجبل فيقول:

(و بعد وصولهم إلى المدينة المنورة- أي وصول العمال و الفنيين الذين بعث بهم السلطان عبد المجيد لعمارة الحرم النبوي الشريف في الأول من شهر رجب سنة 1266 ه أخذوا في البحث عن جبل لاستخدام حجارته في بناء المسجد حتى اهتدوا إلى جبل قرب الجماوات في الجنوب الغربي من المدينة في منطقة آبار علي- ذي الحليفة بوادي العقيق- يقرب لونه من لون العقيق الأحمر فقرروا صلاحيته) (2).

و في «الدر الثمين»: (بعث أولئك الفنيون ينقبون في الجبال حتى وجدوا في بعض جبال المدينة من جهة الجنوب الغربي ما يصلح لما يريده) (3).

و قد أخبرني الشيخ عبيد الله محمد أمين كردي بأن هناك رواية متواترة بأن‏ (7) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأكبر من الجهة الشمالية و يظهر التجويف العميق نتيجة قطع و قص الأحجار التي استخدمت في عمارة الحرم النبوي الشريف.

____________

(1) «مرآة الحرمين»- إبراهيم رفعت باشا- (ص 465).

(2) «عمارة و توسعة المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ»- ناجي محمد حسن الأنصاري- (ص 146).

(3) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 102).

411

(8) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأكبر من الجهة الجنوبية و هو عبارة عن تل مرتفع مجوف من الداخل.

(9) (جبل الحرم) صورة من الجهة الجنوبية الشرقية حيث يظهر جبل الحرم الأكبر و يظهر بجواره جبل الحرم الأصغر في الجهة الشرقية منه.

الاهتداء إلى هذا الجبل الذي أخذ منه حجارة لبناء المسجد النبوي كان بدلالة أحد العربان الذي ظهر لهم أثناء البحث فجأة في الموقع فسألهم عن غايتهم، فدلهم على الجبل المذكور ثم غاب عنهم الرجل فجأة، و قد اعتبر السلطان عبد المجيد هذه الحادثة قرينة على سداد قراره بإعادة بناء المسجد النبوي.

و من خلال ما سبق يتضح أن موقع هذا الجبل متطابق تماما بين ما جاء به المؤرخون و بين الواقع و الحقيقة المشاهدة اليوم، و تعد عمارة السلطان عبد المجيد الأول للمسجد النبوي الشريف في ذلك الحين من أكبر العمارات التي حظي بها المسجد النبوي الشريف.

و يحدثنا المؤرخ علي بن موسى عن سبب هذه العمارة فيقول: (إن أحدى قباب المسجد قد سقطت على بعض زوار الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) سنة 1265 ه- 1848 م فقضت عليهم، فرفعوا الأمر إلى المرحوم السلطان عبد المجيد خان أمير المؤمنين في ذلك الوقت فأخذ في أسباب تجديد الحرم الشريف بتمامه) (1). كما سبق سقوط هذه القبة أن ساءت حالة المسجد و دب الخراب إلى بعض قبابه و سقوفه و أعمدته‏ (2).

و قد مضى على عمارة المسجد السابقة التي أجراها السلطان قايتباي في عمارته الثانية بعد الحريق و التي كانت سنة 886 ه- 1481 م حوالي أربعة قرون و لم يحظ المسجد بعدها بأي إصلاح أو عمارة سوى هدم قبة القبور الشريفة عام 1228 ه- 1813 م بعد ظهور كثير من التشققات و الشروخ و عمارة القبة

____________

(1) «وصف المدينة المنورة»- علي بن موسى/ ضمن رسائل في تاريخ المدينة- حمد الجاسر- (ص 57، 58).

(2) «عمارة و توسعة المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ»- ناجي محمد حسن الأنصاري- (ص 145).

412

(10) (جبل الحرم) صورة تمثل الواجهة الشرقية للجزء الأول من جبل الحرم الأوسط و قد شقه الطريق من منتصفه.

الجديدة التي غطيت بألواح من الرصاص و تم طلاؤها باللون الأخضر بدلا من اللون الأزرق‏ (1) و كان ذلك في عهد السلطان محمود الثاني (1223- 1255 ه 1808- 1839 م) و قد ظل المسجد النبوي على وضعه طيلة الفترة الماضية دون القيام بترميمات أساسية حتى قام شيخ الحرم آنذاك داود باشا و بتوجيه من بعض وجهاء المدينة برفع الأمر إلى السلطان عبد المجيد الأول عام 1265 ه- 1848 م فشرحوا له الأمر و أوضحوا حاجة المسجد إلى العمارة و الترميم و بينوا له سوء حالة المسجد و خراب قبابه و سواريه، و استجابة لهذا الالتماس و تلبية لهذا النداء قام السلطان عبد المجيد على الفور بإرسال من يثق به ليأتيه بحقيقة الأمر و أرسل معه مهندسا و خبيرا و كان ذلك في نفس السنة 1265 ه- 1848 م‏ (2).

و ما أن وصل الوفد إلى المدينة حتى اشترك معهم بعض من وجهائها لدراسة وضع المسجد، و بعد أن تحقق الجميع من أن المسجد في حالة خطيرة و لا بد من سرعة إخضاعه للتجديد و العمارة عاد الوفد إلى الأستانة (إستنبول) (3) و عرضوا الأمر على السلطان و شرحوا له التقرير الذي يتضمن ضرورة العمارة و التجديد بالمسجد النبوي الشريف حيث أن حالته خطيرة و لا تتحمل التأخير.

و عندها قرر السلطان عبد المجيد عمارة المسجد النبوي الشريف بتمامه، فعين اللجان و حدد المهندسين و المأمورين و المعلمين و النحاتين و الحجارين و الحدادين و البنائين و بعث معهم المهمات اللازمة و النقود الكافية و مواد البناء اللازمة و انتدب على القيام و الإشراف على هذه المهمة مدير بعثة المباني الخاصة بإستنبول آنذاك «عبد الحليم أفندي» ليتولى عملية الإشراف على البناء.

(11) (جبل الحرم) الواجهة الشرقية للجزء الأول من جبل الحرم الأوسط بلونه الأحمر المميز.

____________

(1) «المسجد النبوي عبر التاريخ»- د. محمد السيد الوكيل- (ص 158).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 102).

(3) «عمارة المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ»- ناجي محمد حسن الأنصاري- (ص 145).

413

(12) (جبل الحرم) صورة من الجهة الشمالية لجبل الحرم الأكبر و تظهر الكتل الصخرية الهائلة التي تشرف على تجويف الجبل من الجهة الجنوبية.

و قد وصلت هيئة الإشراف و بصحبتها اللجان و فريق العمل و العمال و مواد البناء اللازمة بالبواخر عن طريق ينبع البحر و كان ذلك في الأول من شهر رجب سنة 1266 ه، و ما أن وصلت هذه الهيئة العامة للبناء إلى المدينة المنورة حتى بعث رئيس الأشراف فريقا من الفنيين و الحجارين ينقبون في الجبال ليبحثوا عن جبل مناسب يستخدمون أحجاره في عمارة و بناء المسجد.

و قد يسر الله تبارك و تعالى مهمة هذا الفريق فعثروا على بعض الجبال الحمراء غربي وادي العقيق، و هي عبارة عن جبال حمراء جميلة متجاورة، و قد وجدوا في هذه الجبال مطلبهم و أنها مناسبة و صالحة لما ينشدون عنه فخيموا بجوارها و أخذوا المطارق و قطعوا من الجبل قطعا عظاما و استخرجوا منها سبائك الأحجار (1) لبناء العقود و الاسطوانات لأنه حجر سهل في النحت و جميل في اللون.

و أقاموا بجوار هذه الجبال ورشا لنحت الحجارة و تسويتها حسب المقاسات المطلوبة للعمارة فقطعوا الأحجار الصغيرة و الكبيرة و المتوسطة و منها الاسطوانات ذات القطعة الواحدة و بعضها ذات القطعتين. و خصصوا الحجر الأسود لبناء جدران المسجد لقوة صلابته‏ (2)، و قد جلب هذا الحجر الأسود من الحرات السوداء المجاورة للمسجد من الجهة الشرقية و الغربية، بينما خصصوا الحجر الأحمر للعقود و الاسطوانات لما يتميز به هذا الحجر بشدة مقاومته للضغط.

و قد قام الفنيون بفتح طريق للعربات التي تجرها الدواب من آبار علي مرورا بالباب الشامي إلى شارع الساحة فباب الرحمة فدار الضيافة التي كانت‏

____________

(1) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 103).

(2) «عمارة و توسعة المسجد النبوي عبر التاريخ»- ناجي محمد حسن الأنصاري- (ص 146).

414

(13) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأكبر و تظهر التجاويف الهائلة في وسط الجبل حيث استخدمت أحجاره في تجديد و عمارة الحرم النبوي الشريف.

تقع شمال المسجد حيث خصصت كمنطقة عمل‏ (1).

و قد جهز هذا الطريق لنقل الأحجار من المحاجر إلى منطقة العمل و احتراما لمشاعر سكان المدينة المنورة من حدوث ما يعكر صفوهم، و يشير إبراهيم رفعت في رحلته بأن الفنيين قد فتحوا بابا في السور مما يلي باب الرحمة لتمر منه العربات و لا تزلزل أبنية المدينة (2).

و يصف لنا السيد البرزنجي وصفا لحالة المسجد قبل هذه العمارة بشكل كبير و مفصل حيث يمكن من خلاله أن نقول: (كان المسجد النبوي الشريف أكثر سقوفه على هيئة عبّارات من خشب و عقود من الآجر و أساطين من الحجر الأسود المنحوت قطعا ململمة مصنوعة أنثى في ذكر بأعمدة الحديد مفرغا بينها الرصاص مضخمة بتلبيس الجص و النورة و متقاربة بعضها عن بعض) (3).

و قد شرعت اللجنة المكلفة بعمارة المسجد في العمل حيث بدأوا بهدم المظلة الشمالية من المسجد النبوي، و في تلك السنة حج «عبد الحليم أفندي» المشرف على العمارة فأدركته المنية في منى فمات بها سنة 1266 ه مما أعاق سير العمل حتى تولى الإشراف بعده بعض المهندسين الموكلين بالعمارة على رأسهم «المهندس محمد رائف باشا» الذي احتاج إلى فتح باب في السور الداخلي للمدينة مما يلي الشمال سماه باب المجيدي‏ (4) ثم شرع المهندسون في هدم المسجد جزءا جزءا و وجها وجها حتى لا يعطل الناس عن الصلاة في هذا المسجد المبارك و كانوا كلما نقضوا جزءا قديما أقاموا مكانه جديدا حتى أتموا العمارة في اثنتي‏

____________

(1) «عمارة و توسعة المسجد النبوي الشريف عبر التاريخ»- ناجي محمد حسن الأنصاري- (ص 146).

(2) «مرآة الحرمين»- إبراهيم رفعت باشا- (ص 465).

(3) «نزهة الناظرين»- السيد جعفر البرزنجي- (ص 147).

(4) «نزهة الناظرين»- السيد جعفر البرزنجي- (ص 28 إلى (31) بتصرف).

415

(14) (جبل الحرم) المسقط الأفقي للمسجد النبوي الشريف عام 1908 م و هو على الهيئة التي بناها السلطان عبد المجيد الأول من الفترة بين عامي (1265- 1277 ه 1848- 1861 م) (2).

عشرة سنة.

و قد تناولت هذه العمارة المسجد بكامله ما عدا المقصورة بما فيها من جدر فلم ينقضوها لأنها كانت محكمة البناء كما لم ينقضوا الجدار الشمالي و الجدار الغربي إلا الجزء الذي يلي المئذنة المجيدية (1)، كما لم ينقضوا المحراب العثماني لإتقانه و حسن صنعته الأولى، فشرعت العمارة في تغيير الأعمدة القديمة بأخرى جديدة، و أكثرها عبارة عن قطعة واحدة من الحجر الأحمر يرتكز كل منها على مربع حجري و في علوه مثله و أقاموا عليها عقودا من الحجر الأحمر المنحوت و على تلك العقود أقاموا قبابا كثيرة جعلوا لها طاقات و شبابيك تغطيها الشبكات النحاسية و عليها و حدات الزجاج الملون الذي ينفذ الضوء إلى داخل المسجد.

و يشير الدكتور محمد الوكيل إلى هذه العمارة فيقول: (و بدأوا العمل من الجهة الشرقية، و زادوا في هذه الجهة من المنارة الرئيسية إلى جدار مخزن الأغوات إلى جهة الشرق أربعة أذرع بذراع العمل- أي ما يعادل متران و ثلاثة و ستون سنتمترا- و الغرض من ذلك توسيع المساحة بين المقصورة و الجدار الشرقي الذي به باب جبريل و باب النساء كذلك وسعوا من جهة الشمال بقدر ما أقيمت فيه مكاتب- كتاتيب- عرفت باسم المكاتب المجيدية، و كذلك أضافوا إلى هذه التوسعة جزءا من ميضأة الأغوات التي كانت تقع في الشمال. و كان بابها من داخل الحرم، و لم يزيدوا شيئا في الحرم سوى ذلك، و أما الأساطين‏

____________

(1) «مرآة الحرمين»- إبراهيم رفعت باشا- (ص 466).

(2) أخذ المسقط من بطاقة قديمة مؤرخة بعام 1330 ه لصاحب الامتياز فؤاد حبيب عبد الرحمن- عن طريق الأخ صالح حجار.

416

(15) (جبل الحرم) صورة تمثل جزءا من جدار القبلة عمارة السلطان عبد المجيد الأول (1255- 1277 ه 1839- 1861 م) (1).

فأعادوها في مواضعها الأولى من غير تغيير) (2) و في قول آخر لعلي بن موسى أن الزيادة في الجهة الشرقية كانت خمسة أذرع‏ (3).

ثم يتابع الدكتور محمد السيد الوكيل وصفه لهذه العمارة فيقول: (بني المسجد بالحجر الأسود المأخوذ من الحرة، و أما الأسطوانات و العقود فكلها من الحجر الأحمر لأنه أسهل في النحت، و أجمل في اللون، و أوفق لما عمل به من غرائب الصناعة، و غطيت بطبقة من الرخام المزخرف المزين بماء الذهب، كما عملت أعمدة جديدة من قطعة واحدة، عليها عقود تحمل أعلاها قبابا، و دعمت الحوائط بالأكتاف لمقاومة الدفع الخارجي للعقود) (4).

و هذه الأعمدة المغطاة بالرخام و المزينة بماء الذهب هي أعمدة الروضة الشريفة، لأن هذا هو المشاهد، حيث بقية الأعمدة ليست مغطاة بالرخام، و في هذا يقول علي بن موسى: و عدد الأساطين التي في الحرم النبوي الشريف مائتان و تسع و عشرون أسطوانة، ما عدا النصف اللاصق من تحت رجل كل عقد على جدران الجهات الأربع‏ (5).

قال: و من الأساطين المذكورة وسط الروضة المطهرة و ما حولها خمس و عشرون نحو الثلث منها ملبس بالمرمر المموه بماء الذهب، و خمس لا رخام عليها، و إنما هي مموهة بماء الذهب، و كذا رؤوس الأساطين مموه بالذهب‏ (6).

____________

(1) أخذت الصورة من مجلة «الفيصل».

(2) «المسجد النبوي عبر التاريخ»- د. محمد الوكيل (ص 159).

(3) «وصف المدينة المنورة»- علي بن موسى- ضمن رسائل في تاريخ المدينة المنورة لحمد الجاسر- (ص 57، 58).

(4) «المسجد النبوي عبر التاريخ»- د. محمد الوكيل (ص 159).

(5) «المدينة المنورة تطورها العمراني و تراثها المعماري»- د. صالح لمعي- (ص 95).

(6) «المدينة المنورة تطورها العمراني و تراثها المعماري»- د. صالح لمعي- (ص 95).

417

(16) (جبل الحرم) صورة لمنبر المسجد النبوي الشريف بداخل الروضة المطهرة و قد رفع سقف المسجد من خلال الأساطين الحجرية الحاملة للأقواس و القباب‏ (3).

و قد نقلت حجارة الأعمدة على عربات من جبل بعيد عن المدينة المنورة في الجهة الغربية من وراء الجماوات، و كانت العربات تنقل الحجارة إلى المدينة مسافة أربع ساعات) (1).

و تتميز هذه العمارة المجيدية باللون الأحمر مع الجمال و الزخرفة و القباب و الأعمدة الحجرية و كتابة الآيات و السور القرآنية على الجدران و بخاصة جدار القبلة و بداخل القباب و لا يزال الباقي من هذه العمارة متميزا بطابعه و شكله الخاص و زاده بقاءا حرص المملكة العربية السعودية على ذلك حيث ترمم منه ما احتاج إلى الترميم و تزين منه ما احتاج إلى الزينة دون تغيير أو خدش لطبيعته و شكله، و قد زين الجدار القبلي للمسجد بكتابة أسماء الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) و أيات قرأنية، و تم ما كتب في جميع نواحي المسجد في خلال ثلاث سنين.

تمت هذه العمارة سنة 1277 ه و كلفت هذه العمارة أربعة عشر ألف كيس من الذهب، و في الكيس الواحد خمس ذهبات مجيدية و عمل فيها ثلاثمائة و خمسون عاملا دون الكتبة و المهندسين و المأمورين‏ (2).

ثم يحدثنا السيد جعفر برزنجي ما حدث عند قرب نهاية هذه العمارة من إقامة احتفال كبير عند الجبل الأحمر و الذي عرف فيما بعد بجبل الحرم ثم أشاروا إلى بعض مميزات و عناصر جمال هذه العمارة فيقول: (صنع لذلك و كيرة عظيمة عند الجبل الأحمر الذي أخذ منه أحجار المسجد النبوي كما تقدم دعا إليها شيخ الحرم و نائب الحرم و محافظ المدينة و غيرهم من المأمورين و أكبر أهل البلدة من مفاتيها و علمائها و غيرهم (و كنت) من جملتهم فخرجنا جميعا صبح يوم الخميس أواخر شهر ربيع الأول سنة سبع و سبعين و خرج لذلك عامة الناس من الأهالي و المجاورين و الفقراء و المساكين و نصبت الخيام هناك بسفح الجبل ...

إلى أن قال: ثم مدت الموائد و السماط لكافة من حضر ثم قمنا لنشاهد الجبل فإذا هو قد صار نصفين أخرج قلبه و لم يبق منه إلا شي‏ء قليل بأعلى جانبه الأيسر لوحا مكتوب فيه أخذ من هذا الجبل أحجار الحرم الشريف و منقارين من المناقير التي كانوا ينقرون بها الجبل علامة لذلك ثم لما صلينا العصر هناك نزلنا في موكب عظيم و صلوات و تسليم على النبي الكريم و دعوات لمولانا السلطان إلى باب السلام، و نزل بعد ذلك أهل الصنائع بأيام و تمموا الرواقين المذكورين و شرعوا في بناء باب السلام و اتخذوا له عقدا من داخل المسجد عظيما صنعوه من حجرين عظيمين و عقدا آخر نظيره بخارج الباب المذكور و اتخذوا على ذلك‏

____________

(1) «المسجد النبوي عبر التاريخ»- د. محمد السيد الوكيل- (ص 160).

(2) «الدر الثمين»- غالي الشنقيطي- (ص 104).

(3) «وزارة الأعلام السعودية» (مناظر للحرم النبوي الشريف).

418

كله قبة لطيفة لم تكن قبل و قد أنتج الصناع في ذلك نتائج من الصنعة غريبة كباقي أبواب المسجد، لكن الصفة في الباب المذكور أحفل، و رخموا أرض المسجد كلها و النصف الأسفل من الجدار القبلي و نقشوا القبب كلها برسوم تضمنت أشكال أشجار مختلفة الصفة و الألوان مائلات الأغصان بثمرها:

و من يجتهد في أن في الأرض روضة* * * تماثلها قل أنت مجتهد مخطي‏

أمثل شوقا شكها في ضمائري‏* * * فتتبع عين ذلك الشكل بالنقط

و بالجملة فقد اتخذوا فيها أشكال أشجار لا تحصى و أزهار لا تتقصى تسلسلت الجداول بأطرافها و تزين الأفق بنجوم سمائها مشتملة على قواعد حسنة و أوضاع بديعة مستحسنة، و لو تأملت في أغصان رياضها الأنيقة لرأيت كل قبة بمفردها حديقة) (1).

و لربما يقول قائل لقد أطلنا حديثنا عن عمارة المسجد النبوي في هذا العصر مع أن موضوع حديثنا هو الحديث عن جبل الحرم أو الجبل الأحمر، نقول أن الحديث عن هذا الجبل هو الحديث عن المسجد النبوي و في تلك الفترة بالذات أي فترة عمارة السلطان عبد المجيد الأول التي أجراها عام 1265 ه 1848 م و التي استمرت حتى عام 1277 ه 1861 م، و ذلك للارتباط القوي بين هذا الجبل الذي أعطى حجارته و لب جوفه لعمارة و بناء مسجد النبي الأعظم (صلى اللّه عليه و سلّم) الذي يعد من أعظم مساجد الإسلام.

(17) (جبل الحرم) صورة للمحراب النبوي الشريف بداخل الروضة و قد أحيط بالزخارف و النقوش التي ميزت عمارة السلطان عبد المجيد الأول‏ (2).

____________

(1) «نزهة الناظرين»- السيد جعفر برزنجي- (ص 48، 49).

(2) أخذت الصورة من مجلة «الفيصل».

419

(18) (جبل الحرم) القبة الخضراء أحد أهم معالم المسجد النبوي الشريف‏ (1).

____________

(1) أخذت الصورة في عام 1403 ه من سطح مكتبة عارف حكمت.

420

(19) (جبل الحرم) صورة لعمارة السلطان عبد المجيد الأول للحرم النبوي الشريف حيث الأساطين الحجرية ذات القطعة الواحدة و القطعتين و التي جلبت من الجبل الأحمر (1).

(20) (جبل الحرم) صورة لجزء من سطح المسجد النبوي و قد غطي بمجموعة من القباب عليها شرائح الرصاص الواقي‏ (2).

(21) (جبل الحرم) صورة للمسجد النبوي الشريف في محرم 1326 ه و هو على هيئة عمارة السلطان عبد المجيد الأول‏ (3).

____________

(1) «وزارة الأعلام السعودية»- مناظر من الحرم النبوي الشريف.

(2) الصورة من مجموعة الأخ صالح حجار.

(3) «مرآة الحرمين»- إبراهيم رفعت- صورة رقم 183 صفحة 479.

421

(22) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض الهضاب و الصخور القائمة حول التجويف العظيم داخل جبل الحرم الأكبر.

(23) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض الصخور داخل التجويف الرئيسي لجبل الحرم الأكبر.

الوصف الطبيعي للجبل:

يعتبر جبل الحرم أو ما يعرف بالجبل الأحمر من المعالم المميزة و الهامة للمدينة المنورة، و أحد المعالم المعروفة و المشهورة في منطقة العقيق خاصة و في منطقة آبار علي عامة. و يظهر المسقط الأفقي لجبل الحرم و المتمثل بجبال الحرم الثلاثة الجبل الأكبر و الأوسط و الأصغر على هيئة شكل مستدير في الأكبر و الأصغر، بينما يبدو مستطيل الشكل في الأوسط، و يبلغ طول قطر أكبرها بمقدار مئتا متر تقريبا في حين يبلغ طول أوسطها بمقدار ثلاثمائة و أربعون مترا تقريبا و عرضه لا يزيد عن مئة و ثلاثين مترا، و هذا البعد يشمل كلا من جزأي الجبل، قبل شق الجبل بالتكسير و التقطيع و فصلهما بمرور الطريق المتفرع من طريق الجامعات و المتجه شرقا ليصل بطريق مكة- المدينة السريع و المعروف اليوم بطريق الهجرة، و أما جبل الحرم الأصغر فلا يتجاوز طول قطر مسقطه عن ثمانين مترا تقريبا.

و يعتبر جبل الحرم من الجبال النادرة في المدينة من حيث اتحاد اللون و انسجام التكوين و خلوه تقريبا من العروق و الشروخ في الطبيعة و يمتاز هذا الجبل بلونه الأحمر العقيقي الجميل الذي يبدو بدرجاته اللونية المشتقة من لونه الأساسي الأحمر. كما تميز هذا الجبل بعدم وجود أي شوائب أو متغيرات لونية أو تكوينية ذات سيطرة تؤثر على الشكل العام سواء من الناحية اللونية أو الطبيعية لتكوين الجبل.

و يظهر هذا الجبل على هيئة صخور حبيبية صلبة تحتوي على بعض الجزيئات الصغيرة ذات البريق الزجاجي فما أن تكسر قطعة من هذا الصخر إلا و تلاحظ وجود بعض الجزيئات الصغيرة و هي تعطي بريقا على هيئة زجاج براق يتخللها بعض جزيئات و ذرات صخرية بيضاء تضفي على هذه الأحجار مزيدا من الجمال و الروعة.

كما تبدو هذه الصخور أكثر جمالا و لمعانا إذا غسلت بالماء فسرعان ما يغمق لونها و يتغير إلى اللون الأحمر العقيقي الداكن و كأنه قطعة نادرة من حجر كريم، كما أن ما تميزت به هذه الصخور من خلوها من العروق و الشروخ الطبيعية ساعد على إمكانية إستقطاع قطع كبيرة من هذه الصخور و من ثم نحتها بأشكال و أحجام مختلفة. فيحدثنا المؤرخون أن بعض أساطين الحرم النبوي الشريف و كانت عبارة عن قطعة واحدة من الحجر أو قطعتين، كما أن عقد باب السلام قد بني من قطعتين فقط من الحجر الأحمر، و هذا يرينا مدى ضخامة و حجم القطع المنحوتة من هذا الجبل، كما تميز هذا الجبل بسهولة قطعه و نحته مع حفاظه على صلابته و تماسكه و خاصة تحمله الشديد للضغط لذا استخدم في العقود و الأساطين.

422

(24) (جبل الحرم) صورة مصغرة توضح شكل المسقط الأفقي لجبل الحرم الأكبر و الأصغر و علاقتهما بشبكة الطرق و الشوارع المجاورة.

(25) (جبل الحرم) صورة مصغرة توضح شكل المسقط الأفقي لجبل الحرم الأوسط و علاقته بالطرق و الشوارع المجاورة.

(26) (جبل الحرم) مخطط مصغر يوضح الموقع العام لجبال الحرم الثلاثة و علاقتها ببقية الجبال و شبكة الطرق و الشوارع‏ (1).

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي لعام 1977 م (أمانة المدينة المنورة).

423

(27) (جبل الحرم) صورة لأحد الكتل الصخرية الهائلة و القائمة في الجهة الجنوبية الشرقية للتجويف.

(28) (جبل الحرم) صورة لأحد الكتل الصخرية الهائلة و المطلة على التجويف الرئيسي لجبل الحرم الأكبر من الجهة الغربية.

كما تميزت حجارة هذا الجبل بسهولة النحت فظهرت الكثير من الزخارف الحجرية التي انتشرت في كثير من أرجاء العمارة الحديثة و متوجة بالزخارف و النقوش الحجرية أعلى باب السلام، و في بعض العرائس و المسننات التي اعتلت الواجهة الشمالية للحرم و المطلة على الفناء المفتوح، و قد توسط هذه المسننات و العرائس تلك اللوحة التي أحيطت بمجموعة من الزخارف الحجرية غاية في الدقة و الجمال. و قد أشار بعض المؤرخين إلى بعض خصائص هذه الحجارة فقال الدكتور محمد السيد الوكيل: (أما الأساطين و العقود فكلها من الحجر الأحمر لأنه أسهل في النحت و موافق لما عمل به من غرائب الصناعة) (1).

كما استخدمت هذه الحجارة في نحت باب المئذنة الرئيسية و زخارف حائط القبلة و بعض التيجان و زخارف أعلى الأبواب و مواقع الكتابة. و يعتبر جبل الحرم من الجبال الخالية من التجاويف أو المهاريس الطبيعية فيما عدا التجويف العظيم الذي توسط قلب الجبل الأكبر و الذي تم نتيجة تقطيع و استخراج الصخور بهدف الحصول على الأحجار اللازمة لعملية البناء كما ظهر هذا التجويف أيضا في كلا الجبلين الآخرين الوسط و الأصغر إلا أن الأوسط قد

____________

(1) «المسجد النبوي في التاريخ»- د. محمد السيد الوكيل- (ص 160).

424

(29) (جبل الحرم) صورة للجزء الشرقي من جبل الحرم الأوسط بعد فتح الشارع و يظهر و قد زرعت بعض الأشجار الصحراوية على جانبي الجبل.

تعمق فيه التجويف حتى أدى إلى فصل الجبل إلى جزأين فصار منفذا سهلا لفتح طريق ينفذ من خلاله إلى الجهة الشرقية.

و يلاحظ على صخور هذا الجبل التماسك القوي و الصلب حيث تشاهد قطع هائلة و ضخمة من الحجارة و قد ظهرت بتشكيل مفرغ طائرة في الهواء دون سقوط أي جزء منها أو تأثرها بالعوامل الطبيعية و نجد هذه الصخور بشكل واضح في التجويف العظيم داخل الجبل الأكبر، فما أن يدخل الشخص داخل هذا التجويف و يرتفع بنظره إلى تلك الصخور المعلقة في الهواء إلا و يخرج بقناعة تامة تؤكد صلابة و تماسك تلك الصخور و انفراد هذا الجبل بهذه الخصائص عن غيره من الجبال الأخرى، و يظهر في داخل تجويف هذا الجبل آثار القطع و القص الرأسي لقطع الأحجار مما ساعد على انتظام الكتل الصخرية و إمكانية الاستفادة من أغلب أجزائه عند الحاجة.

و قد غطيت أجزاء كبيرة من صخور هذا الجبل ببقايا و نواتج القص و القطع و التي ظهرت على هيئة أتربة صخرية ناعمة، فحبذا لو أزيلت هذه البقايا و الرواسب حتى لا تؤثر على طبيعة هذه الصخور الجميلة و بقائها بلونها و طبيعتها المميزة لها.

و نظرا لأهمية هذا الجبل قامت الدولة أيدها الله بالحفاظ عليه و إحاطة بعضها بسياج من السلك لحمايتها من العبث، و قامت بتسليمه إلى المؤسسة الوطنية مؤسسة بن لادن المكلفة بعمارة و توسعة خادم الحرمين الشريفين للحرم النبوي الشريف حيث يمكن استخدامه للحصول على بعض القطع الحجرية الضرورية لعملية ترميم المسجد القديم.

425

و الجبل اليوم خال تماما من أية نباتات أو شجيرات شوكية أو صحراوية و لعل ذلك يرجع الى طبيعة هذا الجبل الخالية من الشروخ أو العروق أو الفجوات أو المهاريس الطبيعية التي تتجمع فيها المياه.

كما أن الانحدار الشديد للسفوح الجانبية كان له الدور البارز في عدم الاحتفاظ بأي برك أو فجوات مائية، فيما عدا الفجوة العظيمة داخل الجبل الأكبر و الناتجة من عملية القطع و استخراج الصخور و قد وجدت داخل هذه الفجوة بعض آثار فجوات أرضية مائية إلا أنها جافة تماما و ليس هناك أي آثار لنباتات أو شجيرات داخل تلك التجاويف الناتجة من القطع و القص. و قد قامت أمانة المدينة المنورة بتهذيب السفوح المطلة على الطريق المحدث و المتفرع من طريق الجامعات عبر جبل الحرم الأوسط و قامت بزراعة بعض الأشجار الصحراوية على جانبيه.

فحبذا لو قامت الأمانة بعمل سياج من السلك على الأجزاء المتبقية من الجبل الأوسط على نمط ما تم عمله حول الجبلين الأكبر و الأصغر مما يساعد على المحافظة عليها و حمايتها من العبث بالقطع أو التكسير في أي استخدامات غير ترميم و عمارة الحرم النبوي الشريف.

(30) (جبل الحرم) صورة للجزء الغربي من جبل الحرم الأوسط بعد فتح الشارع المتفرع من الطريق الرئيسي.

426

(31) (جبل الحرم) صورة لجبل الحرم الأوسط من الجهة الجنوبية الشرقية و يظهر كلا جزئي الجبل على جانبي الشارع النافذ من خلاله.

(32) (جبل الحرم) صورة تمثل استمرارية بعض الصخور المتصلة بالجزء الشرقي لجبل الحرم الأوسط و هي على هيئة مجموعة من الهضاب المتصلة و الممتدة نحو الشرق.

(33) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض النماذج الخاصة بلون صخور الجبل و يظهر مدى التجانس بين درجات اللون المختلفة.

(34) (جبل الحرم) صورة تمثل التداخلات اللونية المشتقة من نفس درجات اللون مما أعطى الجبل لونه المميز.

(35) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض التدرجات اللونية الحمراء بدرجاتها المختلفة أعلى الكتل الصخرية الشرقية لتجويف جبل الحرم الكبير.

(36) (جبل الحرم) صورة التداخلات اللونية الجميلة و التي تظهر على هيئة خطوط كنتورية متعرجة و يوجد هذا التكوين على سطح الكتلة الصخرية المطلة على التجويف الكبير من الجهد الشرقية لجبل الحرم.

427

(37) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض نماذج من قطع الصخور المتعرضة للقطع و القص و قد تأثرت الأجزاء العليا من الصخور المطلة على التجويف الكبير.

(38) (جبل الحرم) بعض نماذج من الصخور التي تعرضت للتكسير باستخدام الألغام و الانفجارات النارية و التي أدت إلى تأثر القطع الصخرية المجاورة.

(39) (جبل الحرم) صورة لأحد أجزاء الصخور الشرقية المطلة على التجويف الكبير لجبل الحرم الأكبر و تظهر بعض حفر الألغام النارية التي استخدمت في عملية التكسير.

(40) (جبل الحرم) بعض نماذج للصخور العليا في داخل التجويف الكبير لجبل الحرم الأكبر و قد تشققت نتيجة استخدام الألغام النارية التي حفرت أرجاء الجبل.

428

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

429

(41) (جبل الحرم) صورة تمثل القمة العليا لجبل الحرم الأكبر و التي تشرف على التجويف الكبير من الجهة الجنوبية الغربية، و يظهر التجويف الأوسط بين هذه القمة و بين الصخور العليا للجهة الجنوبية الشرقية.

430

(42) (جبل الحرم) صورة تمثل أحد القطع الصخرية القائمة في الهواء و المشرفة على التجويف الكبير لجبل الحرم الأكبر من الجهة الجنوبية الشرقية.

431

(43) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض آثار القطع و التهذيب الذي حظي به الجزء الغربي لجبل الحرم الأوسط بعد فتح الطريق.

(44) (جبل الحرم) صورة تمثل بعض التكوينات الصخرية المختلفة في الجزء الشرقي لجبل الحرم الأوسط بعد تهذيبه و تحسينه.

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

434

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

435

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

436

[المجلد الثاني الحرات و الأدوية]

القسم الثاني قسم الحرات (اللابات)

كهوف و تجاويف من الحرة.

437

مقدمة في الحرات (اللابات).

حرة واقم (الحرة الشرقية).

حرة الوبرة (الحرة الغربية).

حرة شوران (الحرة الجنوبية).

438

(*) (الحرات) مزارع شرق المدينة و التي تحيط بها الحرات.

____________

* مجلة أمانة المدينة المنورة، إنجازات و أرقام لشهر صفر عام 1411 ه.

439

الحرات (اللابات):

تمهيد:

الحرات أو ما تعرف باللابات هي عبارة عن مكونات بركانية ذات طبيعة و عرة سوداء اللون تغطي مساحات و مسطحات كبيرة من الأرض تظهر بوضوح تام في سلسلة الحجاز بين دائرتي عرض (30؟- 20؟)- 28؟ شمالا (1).

و تمتد سلسلة الحجاز بمحاذاة ساحل البحر الأحمر لمسافة حوالى 1760 كيلومتر تقريبا و بين دائرتي عرض (30؟- 12؟)- (30؟- 29؟) شمالا، و يطلق على هذه الحرة أسماء مختلفة محلية مشتقة من منطقتها، و تقع المدينة المنورة عند النهاية الشمالية لأكبر هذه الحرات امتدادا و مساحة. و تحتل موقعا استراتيجيا بين الحرات الثلاث المشهورة و التي تتمثل بحرة واقم (و المعروفة اليوم بالحرة الشرقية) التي تحتل كامل الجزء الشرقي من المدينة.

(1) (الحرات) مخطط يوضح مواقع أهم و أشهر الحرات في المدينة المنورة و ما حولها (2).

____________

(1) «المدينة المنورة، اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 58).

(2) المخطط مشتق من المصور الجوي بمقياس رسم 1/ 250000 (وزارة الشؤون البلدية و القروية).

440

(2) (الحرات) مخطط قديم يوضح الموقع العام لأشهر الحرات في المدينة المنورة.

(3) (الحرات) مخطط تقريبي يوضح موقع الحرات الثلاث المشهورة في المدينة حسب ما جاء في كتاب آثار المدينة (1).

أما من الجهة الغربية فتوجد حرة الوبرة (و المعروفة اليوم بالحرة الغربية) و تشير دراسات التاريخ إلى أن حرة واقم قد كانت أكثر حضارة و عمرانا من حرة الوبرة حيث كان يسكنها بعض قبائل اليهود من بني قريظة و النضير كما سكنتها قبائل الأوس و التي لا تزال آثارهم باقية هناك، أما الحرة الثالثة فهي الحرة الجنوبية و التي تعرف بحرة شوران، و تغطي هذه الحرة كامل الجزء الجنوبي من نهاية الحرة الغربية و حتى بداية الحرة الشرقية أي انها تشكل همزة وصل بين الحرتين الشرقية و الغربية من الجهة الجنوبية.

و تنتشر هذه الحرات بشكل واضح و مميز حول المدينة في أقرب ما يكون من جهاتها الثلاث الشرقية و الغربية و الجنوبية بينما تظهر بعض الحرار في الجهة الشمالية الشرقية (كحرة مديسيس و حرة الحزم) و في الجهة الشمالية الغربية (كحرة مريخة)، و الحرة الشرقية أكبر الحرات و أعظمها و تشغل مسطحات و مساحات عظيمة من الأرض حتى تتصل بحرة كرماء الواقعة في الشرق، و يطلق على الحرة الشرقية عدة مسميات مختلفة مرتبطة بالمنطقة الموجودة فيها، و من أشهر هذه الحرات المتفرعة عن الشرقية ما يلي:

____________

(1) صورة مصغرة من المخطط الموجود في كتاب «آثار المدينة»- عبد القدوس الأنصاري.

441

حرة الناعمة:

و تقع هذه الحرة في الجهة الشرقية من المدينة المنورة مقابلة صماخ و تبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة خمسين كيلومتر تقريبا، و يحد هذه الحرة من الجنوب امتداد الحرة الشرقية، و التي يظهر من خلالها جبل الأفيهد الذي يبعد عنها بمسافة خمس كيلومترات تقريبا.

كما يحد هذه الحرة من الشرق مجرى شعيب المفارق المتصل بوادي مخيط الذي يهبط من أقصى الشمال إلى الجنوب ليلتقي مع أودية أخرى فتتجه معا إلى الشرق في وادي كبير يعرف بوادي حضوضاء.

حرة القفيف:

و تقع هذه الحرة في الجهة الشرقية من المدينة المنورة و تبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة خمسة و خمسين كيلومتر تقريبا، و تقع هذه الحرة في الشمال الشرقي من حرة الناعمة و تبعد عنها بمسافة خمسة عشر كيلومتر تقريبا، و يحد هذه الحرة من الشرق مجرى شعيب الشقرة الذي يهبط من الشمال إلى الجنوب فيفصل بين هذه الحرة و حرة هرمة الواقعة في الجهة الشرقية منها.

(4) (الحرات) حرة واقم و قد غطت صخورها البركانية أغلب المساحات الشرقية من المدينة.

442

(5) (الحرات) تكوينات و تشكيلات مختلفة من صخور الحرة.

(6) (الحرات) مخطط يوضح امتداد و مساحة الحرات الكبرى حول منطقة المدينة المنورة (1).

كما يظهر في الجهة الشمالية الغربية من هذه الحرة جبل السدير الذي يشرف على الحرة و يبعد عنها بمسافة ست كيلومترات تقريبا، أما من الجهة الجنوبية الغربية فيظهر جبل و فل الذي يبعد عن الحرة بمسافة اثني عشر كيلومتر تقريبا.

حرة هرمة:

و تقع هذه الحرة في الجهة الشرقية من المدينة المنورة، و تبعد عن الحرم‏

____________

(1) صورة مصغرة من المصور الجوي 1/ 250000 (وزارة الشؤون البلدية و القروية).

443

النبوي الشريف بمسافة سبعين كيلومتر تقريبا، و تحتل هذه الحرة الجزء الوعر و المرتفع من الحرة الشرقية و تنتشر في هذه الحرة كثير من الشعاب و المجاري المائية التي تكونت مساراتها بين تعرجات الصخور البركانية، فظهرت كثير من القيعان و البرك المائية المحاطة بالصخور و التي سرعان ما تفقد مياهها بتسربها داخل الحرة.

كما تنحدر المياه داخل الشعاب و المجاري بشكل سريع نتيجة لطبيعة الحرة و اتجاهات الميول التي تنحدر في غالبيتها إلى الجهة الجنوبية.

و يحد حرة هرمة من الجهة الغربية كل من الحرتين (الناعمة و القفيف) أما من الجهات الأخرى فتتصل هذه الحرة بالحرة الشرقية الأم و التي توالى امتدادها جنوبا و شرقا و لمسافات طويلة.

أما من أشهر الحرات الموجودة في الجهة الشمالية الشرقية فهي كما يلي:

حرة مديسيس:

و تقع هذه الحرة في الجهة الشمالية الشرقية من المدينة المنورة و تبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة مئة كيلومتر تقريبا، و يشق هذه الحرة من وسطها مسار طريق المدينة- الرياض الممتد في الجهة الشمالية الشرقية، و تشرف هذه الحرة على قرية الحناكية الواقعة في الجهة الشرقية منها و هي لا تبعد عن هذه الحرة بأكثر من خمس كيلومترات تقريبا، و يحد هذه الحرة من الجنوب مجرى شعيب ضبع و الحماد، كما يظهر في هذه الجهة جبال غزال بسلسلتها العظيمة.

حرة الحزم:

و تقع هذه الحرة في الجهة الشمالية الشرقية و تبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة خمسة و خمسين كيلومتر تقريبا، و يحد هذه الحرة من الشمال و الشرق أراضي و عرة و صحراوية تكثر فيها النتوءات و الرؤوس الحادة.

(7) (الحرات) غطت الحمم البركانية كافة سفوح الجبال الشرقية حتى أحاطتها من جميع جهاتها.

444

(8) (الحرات) تناثر الجبال و الهضاب داخل الحرة و قد بقيت بلونها و شكلها الطبيعي المميز.

أما من الجنوب فيحد الحرة أراضي حرة سوداء اللون يظهر من خلالها جبل الخطيباء الذي يبعد عن حرة الحزم بمسافة عشر كيلومترات تقريبا، و تنتشر في هذه الحرة بعض الشعاب التي تجري فيها المياه عند سقوط الأمطار حيث تنحدر نحو الجنوب بعد اتحادها في شعب واحد.

أما من الجهة الشمالية الغربية فتظهر أهم حرات هذه الجهة بما يلي:

حرة مريخة:

و تقع هذه الحرة في أقصى الشمال الغربي و تبعد عن الحرم النبوي الشريف بمسافة اثنين و أربعين كيلومتر تقريبا، و يحد هذه الحرة من الشمال جبل شوفان الذي يشرف على الحرة من هذه الجهة، و يليها امتداد حرة خيبر الكبيرة التي تمتد إلى جهة الشمال حتى مدينة خيبر.

كما يجري في هذه الجهة شعيب السيلة الذي يفصل بين هذه الحرة و جبل شوفان، أما من الجنوب فيحد الحرة جبال البيضاء و التي لا تبعد عن الحرة بأكثر من ثلاث كيلومترات تقريبا.

أما من الشرق فيجري انحراف وادي السيلة و تظهر بجوارها جبال العرقوبة و جبل اللحيان، و هذان الجبلان لا يبعدان عن طرف الحرة بأكثر من خمسة كيلومترات تقريبا حيث يفصل بين هذين الجبلين و هذه الحرة مجرى وادي السيلة و بعض المناطق الصخرية الوعرة.

أما من الجهة الجنوبية فتوجد حرة الرحضية ... و التي تجنح إلى الشرق قليلا، و تعد هذه الحرة من أشهر و أكبر الحرار في هذه المنطقة و تبعد هذه الحرة عن الحرم النبوي الشريف بمسافة سبعين كيلومتر تقريبا، و تتصل هذه الحرة بحرة رهط العظيمة و التي تمتد حتى مدينة الطائف جنوبا.

445

و تظهر حرة الرحضية من خلف جبال الزور و على بعد سبعة كيلومترات تقريبا، و تشرف هذه الجبال على هذه الحرة إشرافا كاملا، و تنحدر على سطحها الكثير من الشعاب و مجاري المياه الهابطة من السفوح الشرقية لتلك الجبال.

و يحد هذه الحرة من الشرق ضليعات أم العشاش و مجرى وادي حضوضاء فيما تقع جبال خراب في الجهة الغربية من الحرة.

هذا بالإضافة إلى الكثير من الحرات الأخرى الكثيرة التي ظهرت حول المدينة، و قد تناول الكثير من الكتاب و المؤرخين بعضا من هذه الحرات فمنهم من أشار إليها و منهم من تحدث عن أحداث حصلت بها.

و قد اختلفت تسميات هذه الحرات من مؤرخ إلى آخر و خاصة بالنسبة للحرة الجنوبية فمنهم من ذكرها بالحرة الجنوبية (1) مجملة و منهم من أشار إليها بحرة شوران‏ (2).

و منهم من ذكرها على هيئة حرات صغيرة تكون بمجملها الحرة الجنوبية أو ما تعرف بحرة شوران و من أشهر هؤلاء المؤرخين السيد العباسي الذي أورد الحرة الجنوبية بمسمياتها الفرعية فذكر منها حرة قباء و هي الواقعة قبلي المدينة و حرة ميطان و هي في بني قريظة مقابلة لجبل شوران من ناحية المدينة. و حرة معصم و هي الحرة العليا بها و ذو الجذر ناحية سيل بطحان، و حرة بني عضيرة: بضم العين و فتح الضاد المعجمة غربي وادي بطحان‏ (3).

و تعتبر حرة واقم و حرة الوبرة و حرة شوران هي أقرب هذه الحرات إلى المدينة المنورة حيث تحيط بها من جميع جهاتها الشرقية و الغربية و الجنوبية.

و قد أشار الدكتور عمر الفاروق إلى هذه الحرات و علاقتها بالمدينة فقال:

(فالمدينة تقع بين ثلاث حرات تحيطها من الشرق «حرة واقم» و الغرب «الوبرة» و الجنوب «شوران» و هي تمتد فيما يشبه الرؤوس متداخلة مع الكتلة السكنية، كما أن بعض أجزائها من مواضع السكن القديمة في منطقة المدينة، حيث كانت مواضع قرى قديمة اتصلت مبانيها الآن مع مباني المدينة) (4).

و تتميز معظم الحرار في المدينة المنورة و ما حولها بوجود الشقوق و الانكسارات التي تجري خلالها الأودية و مجاري السيول و التي منها انحدار وادي مهزور الذي عرف في الماضي «بوادي الغاوي» حيث يتشعب في الحرة إلى شعب تتصل عند «صفصف» (5) شمال الماجشونية، و يتصل به وادي «مذينب» و يصبان مع بطحان عند زغابة.

____________

(1) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 59).

(2) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 350).

(3) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 299، 303).

(4) «المدينة المنورة و اقتصاديات المكان»- د. عمر الفاروق السيد رجب- (ص 58).

(5) المصدر السابق نفسه.

446

(9) (الحرات) صورة توضح نهاية الحرة البركانية من الجهة الشمالية الشرقية.

(10) (الحرات) ظهور كثير من التجاويف و الفراغات بين التكوينات المختلفة للحرة البركانية.

و تتميز الحرتين الشرقية و الجنوبية بوجود بعض المنحدرات الطبيعية التي تتجمع فيها مياه الأمطار فتشكل مجموعة من الوديان التي تنحدر إلى الأودية الرئيسية كوادي بطحان و وادي العقيق و التي تنحدر إلى الشمال الغربي لتصب عند زغابة، و تعتبر هذه الحرات و ما تحتويه من أودية عميقة من إحدى معاقات النمو و الامتداد العمراني في السابق، حيث كانت تنتشر الكثير من التكوينات البركانية و المختلطة بالصخور البازلتية شديدة الانحدار في مواضع صالحة للسكن، و قد أدى ذلك إلى تقوقع المدينة القديمة حول نواتها و استمرار مساحتها المبنية على حالها زمنا طويلا. و هذا ما يلاحظ بالفعل ففي عهد الدولة الأموية عند ما انتشر العمران و انتعشت عمارة وادي العقيق لم تستمر هذه العمارة و لم يبق هذا العمران لفترة طويلة فسرعان ما تركت هذه المباني فهجرت مواضعها و عادت المدينة إلى وضعها الأصلي و استدارت حول نواتها الأولى، و ظلت بهذه الطريقة حتى تم فتح الطرق و الشوارع و امتداد المحاور الرئيسية التي خلخلت تلك المسطحات الهائلة من الحرات المحيطة ففتحت مجالات جديدة للنمو السكني و خلصت المدينة من حصارها القديم.

و قد ظلت هذه الحرات محافظة على بعض أجزائها و تجاويفها و خاصة تلك التجاويف التي انحصرت بين ألسن الحرة و التي أقيمت فيها مزارع و بساتين النخيل و خاصة في بعض أجزاء من حرة الوبرة المعروفة اليوم بالحرة الغربية و كثير من تجاويف الحرة الجنوبية و المعروفة اليوم بحرة شوران.

و تعتبر هذه الحرات من أهم المعالم و المميزات التي ميزت المدينة المنورة عن غيرها من المدن الأخرى، فقد حمى الله تبارك و تعالى هذه المدينة بوجود هذه الحرات كما حماها بطوق من الجبال التي أحاطتها من جميع جهاتها و لنا في قصة غزوة الخندق ما يؤكد ما لعبته هذه الحرار من دور كبير في حماية المدينة فقد

447

(11) (الحرات) ظهور المزارع و البساتين على أطراف الحرة و عند الأخاديد و الشقوق الطبيعية.

(12) (الحرات) نماذج من التكوينات المختلفة لحجارة الحرة البركانية.

كانت حاجزا طبيعيا يمنع دخول المشركين إلى المدينة، و قد اكتفى النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بإقامة الخندق في شمال المدينة فقط فربط طرفه الشرقي بالحرة الشرقية و طرفه الغربي بالحرة الغربية و ترك كلا الحرتين الشرقية و الغربية و المعروفة قديما بحرة واقم و الوبرة على طبيعتهما الوعرة التي كانت بمثابة الحصن الحصين لمنع أي اعتداء أو إغارة على المدينة المنورة من تلك الجهة حيث لا تستطيع الخيل و الإبل السير فيها.

و نظرا لما تميزت به المدينة المنورة من كثرة وجود هذه الحرار فقد سميت بها فمن أسماء المدينة «ذات الحرار- بكسر الحاء ورائين مهملتين- جمع حرة بفتح الحاء و هي الحجارة السود لكثرتها بها (1).

الحرات (اللابات) في اللغة:

الحرة بصيغة المفرد أو الحرتان بصيغة المثنى و جمعها حرات و حرار هي أرض ذات حجارة نخرة و سوداء تغطي مسطحا كبيرا من الأرض، و في «القاموس المحيط»: (الحرة: الأرض ذات حجارة نخرة سود كالحرار، و الحرات و الحرين ..... و الحرة لبني مرة، و قرب خيبر و هي حرة النار و بظاهر المدينة تحت واقم و بها كانت موقعة الحرة أيام يزيد» (2).

كما يشير ياقوت الحموي إلى معنى الحرة في اللغة و ذلك عند حديثه عن الحرار في ديار العرب فيما نقله عن صاحب كتاب العين و قول الأصمعي فيقول: (قال صاحب كتاب «العين»: الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار و الجمع الحرات و الأحرون و الحرار و الحرون، و قال الأصمعي:

الحرة- الأرض التي ألبستها الحجارة السود فإن كان فيها نجوة الأحجار فهي الصخرة و جمعها صخر فإن استقدم منها شي‏ء فهو كراع).

و قال النضر بن شميل: الحرة الأرض مسيرة ليلتين سريعتين أو ثلاثة فيها حجارة أمثال الإبل البروك كأنها تشطب بالنار و ما تحتها أرض غليظة من قاع ليس بأسود و إنما سودها كثرة حجارتها و تدانيها.

و قال أبو عمرو: (تكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شي‏ء مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع و اللابة و الحرة بمعنى ...)، ثم يشير ياقوت الحموي إلى كثرة تلك الحرار حول المدينة فيقول: (و الحرار في بلاد العرب كثيرة أكثرها حوالي المدينة إلى الشام) (3).

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- محمد الصالحي الشامي- (ص 49).

(2) «القاموس المحيط»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 478).

(3) «معجم البلدان»- ياقوت الحموي- (ص 245).

448

(13) (الحرات) التكوينات الوعرة للحرة و التي تركزت في أجزائها الشمالية و الشمالية الشرقية.

و تعرف الحرات في المدينة باللابات مفردها لابة و تثنيتها لابتان و هي الحرة و جمعها لاب و لوب في الكثرة و لابات في القلة. و يشير السيد العباسي و مجد الدين الفيروز أبادي إلى معنى اللابة في اللغة فيقولان: (اللابتان- و يقصد بهما اللابة الشرقية و اللابة الغربية-: تثنية لابة و هي الحرة و جمعها لاب و في الصحيح أن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) حرم ما بين لابتيها- يعني المدينة- لأنها بين حرتين.

ثم يشير المؤرخ أحمد العباسي إلى ما قاله الأصمعي في تعريف اللابة فيقول: (قال الأصمعي: اللابة الأرض التي قد ألبت الحجارة السود و جمعها لابات من الثلاثة إلى العشرة فإذا كثرت فهي لاب و لوب) (1).

و في «فضائل المدينة»: (لابتي المدينة- تثنية لابة و هي الحرة و هي أرض ذات حجارة سوداء، و للمدينة لابتان شرقية و غربية و هي بينهما، و يقال لابة، و لوبة و نوبة، ثلاث لغات، و جمع اللابة في القلة لابات و في الكثرة لاب و لوب) (2).

و الحرة و اللابة بمعنى واحد، و قد اشتهر لفظ الحرة عن اللابة اليوم، فلا نكاد نجدها متداولة بين كثير من الناس كما لم نعد نسمعها أو نقرأها إلا بين صفحات الكتب.

ما جاء في حرات المدينة من الأحاديث و الآثار:

تعتبر الحرة الشرقية و التي كانت تعرف بحرة واقم و الحرة الغربية المعروفة قديما بحرة الوبرة من أشهر و أهم حرات المدينة و هي المقصودة باللابتان الواردة في الحديث النبوي الشريف القاضي بتحريم المدينة، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي (صلى اللّه عليه و سلّم): (إن إبراهيم حرم مكة و إني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها و لا يصاد صيدها) رواه مسلم‏ (3). و عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها» رواه مسلم‏ (4).

و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما و إني حرمت المدينة حرام ما بين مأزميها، أن لا يهرق فيها دم، و لا يحمل فيها سلاح لقتال ....

الحديث». رواه مسلم‏ (5).

____________

(1) «عمدة الأخبار»- السيد العباسي- (ص 406)/ «المغانم المطابة»- مجد الدين الفيروز أبادي- (ص 361).

(2) «فضائل المدينة المنورة»- محمد الصالحي الشامي- (ص 116).

(3) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- حديث (رقم 458).

(4) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- حديث (رقم 459).

(5) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب الترغيب في سكنى المدينة- حديث (رقم 475)- 478.

449

(14) (الحرات) شروخ و تصدعات على الصخور البركانية عند أطراف الشعاب.

و في رواية للإمام أحمد و ابن أبي شيبة و الطبراني في «الأوسط»: (إن الله حرم على لساني ما بين لابتي المدينة ...) (1)، و يعلق الدكتور خليل ملا خاطر عقب ذكر هذا الحديث فيقول: (فالله تعالى هو المحرم و النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) هو المظهر لذلك التحريم و الله أعلم) (2).

و تحت عنوان تحديد الحرم من الشرق إلى الغرب فيقول الدكتور خليل:

(إن الأحاديث التي وردت في تحديد الحرم النبوي من الجهتين الشرقية و الغربية جاءت الروايات فيها بلفظ «اللابتين» و هما الحرتان الشرقية و الغربية، و الحرة:

حجارة سود منتشرة و هما معروفتان في المدينة إلى اليوم) (3).

و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: حرم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) ما بين لابتي المدينة- قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها- و جعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى. متفق عليه‏ (4).

و عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم): (إني أحرم ما بين لابتيها ...) متفق عليه‏ (5).

و عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (أن الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) قال: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسي») و اللفظ لمسلم‏ (6).

و أما بالنسبة للحرة الجنوبية و هي المشهورة اليوم بحرة شوران فقد روى الزبير بسند عن محمد بن عبد الصمد قال: رأى رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) إبلا في السوق فأعجبه سمنها، فقال: «أين كانت ترعى هذه؟ قالوا:

بحرة شوران، فقال: بارك الله في شوران» (7). و قال عرام: ليس في جبال المدينة نبت و لا ماء غير شوران فإن فيه مياه سماء كثيرة و في كلها سمك أسود مقدار الذراع و دون ذلك أطيب سمك يكون‏ (8).

و كان أهل المدينة يستفيدون فائدة كبرى من سقوط الأمطار، و يفرحون‏

____________

(1) «مسند الإمام أحمد»- (2/ 286، 376)/ «مصنف ابن أبي شيبة»- (14/ 199)/ «المعجم الأوسط»- (2/ 438).

(2) «فضائل المدينة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 66).

(3) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (1/ 67).

(4) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب فضائل المدينة: باب لابتي المدينة/ «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة- حديث (رقم 472)- (2/ 1000).

(5) «صحيح الإمام البخاري»- كتاب الجهاد: باب فضل الغزو/ «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الحج: باب فضل المدينة حديث (رقم 462)- (2/ 993).

(6) «صحيح الإمام مسلم»- كتاب الأشربة: باب فضل تمر المدينة حديث (رقم 2047- ص 1618).

(7) «عمدة الأخبار»- السيد أحمد العباسي- (ص 350).

(8) المصدر السابق نفسه.

450

(15) (الحرات) نماذج لبعض الكهوف المنتشرة داخل الحرة.

(16) (الحرات) نموذج آخر لبعض الفجوات و الكهوف العميقة داخل الحرة.

(17) (الحرات) نماذج لبعض الفوهات البركانية المنتشرة على الحرة.

لقدومها، فيسقون بها مزارعهم، لهذا استفادوا من شراج الحرة (*) التي تستمد ماءها من الحرة لسقي مزارعهم. و كانت للزبير بن العوام مزرعة على هذه الأشراج، و اختلف مع أحد الأنصار الذي كان له مزرعة عليها، فاحتكما إلى الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم)، الذي قضى بينهما، و قال: «اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك»، فقال الأنصاري: «يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم)، ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع الماء إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فاستوعب النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) للزبير حقه في صريح الحكم‏ (1).

في الحكم الأول لرسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم) راعى مصلحة الأنصاري أكثر و اختصر من حق الزبير لأنه ابن عمته و يمن عليه، و حين لم يرض الأنصاري بهذا الإكرام أعاد الرسول (صلى اللّه عليه و سلّم) الحكم إلى أصله الشرعي الحقيقي.

و حرات المدينة و عرة جدا أغلبها سوداء اللون نتيجة الحمم البركانية الناتجة من انصهار الجبال، و قد أخبر النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) بحادثة نار الحرة كما في الحديث المروي في الصحيحين بقوله (صلى اللّه عليه و سلّم): (لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز)، و في لفظ للبخاري: (تخرج نار من أرض الحجاز تضي‏ء أعناق الإبل ببصرى).

و إن ظهور هذه النار كان في عام 654 ه/ 1256 م، و كان ظهورها بشكل مخيف و مرعب، نقل العلماء و المؤرخون الكثير من أحداثها و تواتر النقل فيها (2)، و قد بدأت هذه النار بظهور زلازل في أواخر شهر جمادى الأولى و بداية جمادى الثانية سنة 654 ه/ 1256 م، و قد كانت خفيفة لم يدركها الناس ثم اشتدت هذه الزلازل في يوم الثلاثاء و اشترك في إدراكها العام و الخاص و زادت قوتها و عظمتها ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل و استمرت إلى يوم الجمعة، لها دوي عظيم و صوت مثل الرعد حتى وصل عدد هزاتها في اليوم الواحد عشرة مرات و في رواية أربعة عشر مرة حتى اضطرب من قوة اهتزازها منبر المسجد النبوي الشريف و قناديل الحرم، و سمعت أصوات اضطراب سقف المسجد، حتى إذا كان يوم الجمعة السادس من شهر جمادى الآخرة لعام 654 ه/ 1256 م و في منتصف النهار ظهرت تلك النار في واد يقال له «وادي الأحيلين» و هو وادي شرقي المدينة.

____________

* الأشراج: مسايل الماء في الحرار (انظر «فتوح البلدان»- البلاذري- (ص 25)).

(1) «الحياة الإجتماعية و الاقتصادية في المدينة المنورة في صدر الإسلام»- نورة آل الشيخ- (ص 120).

(2) انظر «وفاء الوفاء»- السيد السمهودي- (ج 1/ 140، 145)/ «البداية و النهاية»- ابن كثير- (13/ 187، 192).

451

(18) (الحرات) تكوينات و تشكيلات من داخل الحرة.

(19) (الحرات) بعض أشكال لأجزاء من الحرة بعد تجمد الحمم البركانية.

و يقال ظهرت هذه النار في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في موضع يقال له فارع على قرب من مساكن يهود بني قريظة و هو موضع يقال له أحيلين.

و قد ذكر المؤرخون أن هذه النار استمرت تأكل الحجارة و الجبال و كل ما يقابلها و يعترض مسارها.

و قد كانت من شدة إضاءة هذه النار أن ظهر المسجد النبوي الشريف و مساكن المدينة و كأن عليها الشمس مشرقة، و قد استمرت هذه النار لمدة اثنين و خمسين يوما تصهر الجبال و تسيل سيلا ذريعا في واد طوله أربعة فراسخ و عرضه أربعة أميال و عمقه قامة و نصف.

و عند ما شاء الله تعالى تجمدت بعض أجزائه فاسودت بعد أن كانت سوائل صخرية حمراء من شدة الحرارة، ثم تجمدت هذه الحمم البركانية في آخر الوادي عند منتصف الحرة بعد ما قطعت إلى جهة جبل عير (حد حرم المدينة الجنوبي) فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجارة المصهورة بالنار، و استقرت إليه و انطفأت، و كان ذلك في يوم الأحد السابع و العشرين من شهر رجب لعام 654 ه/ 1256 م.

و إن ظهور هذه الحادثة لهي من معجزات النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) لوقوع ما أخبر به (صلى اللّه عليه و سلّم) قبل حدوثه و إن أبلغ ما فيها من إعجاز عدم توغل هذه النار داخل حدود الحرم الذي حرمها رسول الله (صلى اللّه عليه و سلّم).

و يحدثنا الدكتور خليل ملا خاطر عن قصة هذه النار و ظهورها فذكر خلاصة النقول التي أوجزها من أقوال المؤرخين و الكتاب ثم تناول بعضا من الروايات و الأحداث التي رواها عن بعض من أولئك المؤرخين كالقسطلاني و أبو شامة رحمهما الله تعالى، و مما قال: (1) قال القطب القسطلاني (رحمه الله)- و هو ممن كان بمكة، و له عناية خاصة بها، و ألف كتابا عنها.

و قال أبو شامة (رحمه الله): عن مشاهدة كتاب القاضي الشريف سنان، الذي كان آنذاك في المدينة: إن سيل هذه النار انحدر من وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد، و كادت النار تقارب حرة عريض، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة، و طفئت مما يلي العريض، و رجعت تسير في المشرق.

و لم يزل يجتمع منها في وسط وادي شظاة إلى جهة جبل و عيرة عند منتهى الحرة، حتى سدت الوادي المذكور بسد عظيم، من الحجر المسبوك بالنار، و يسمى هذا السد بالحبس، و أما قوة نارها و شدة لهيبها، فأمر يصعب وصفه.

قال القطب القسطلاني (رحمه الله) عمن يثق به: إن أمير المدينة (و هو

____________

(1) «فضائل المدينة المنورة»- د. خليل ملا خاطر- (ص 253- 261).

452

(20) (الحرات) نماذج لبعض التشققات المنتشرة داخل الحرة.

(21) (الحرات) صورة لنموذج من أشكال و تكوينات الحرة بعد انخماد البركان.

(22) (الحرات) نماذج لأحد الشعاب المنحدرة من الحرة إلى القاع الرئيسي.

عز الدين منيف بن شيحة) أرسل بعض الفرسان إلى هذه النار، للإتيان بخبرها، فلم تجسر الخيل على القرب منها، فترجل أصحابها و قربوا منها، فذكروا أنها ترمي بشرر كالقصر، و لم يظفروا بجلية أمرها، فجرد الأمير عزمه للإحاطة بخبرها، فذكر أنه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر (أي رميتين بالحجر) و لم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض، و أحجار كالمسامير، تحتها نار سارية، و مقابله ما يتصاعد من اللهب، فعاين نارا كالجبال الراسيات، و التلال المجتمعة السائرات، تقذف بزبد الأحجار، كالبحار المتلاطمة الأمواج و عقد لهيبها في الأفق قتاما، حتى ظن الظان أن الشمس و القمر كسفا، إذ سلبا بهجة الإشراق في الآفاق، و لو لا كفاية الله كفتها، لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان و النبات و الحجر.

و قال القسطلاني (رحمه الله): إن ضوءها استوى على ما بطن من القيعان، و ظهر من القلاع، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، و جملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، و دام على ذلك لهبها، حتى تأثر له النيران، و صار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، و لونها من تصاعد الالتهاب يعتريه حمرة، و القمر كأنه كسف من اضمحلال نوره.

و قال أبو شامة (رحمه الله): و ظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف، من ضعف النور على الحيطان، و كنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار، و كل ما ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: و عجائب هذه النار و عظمتها يكل عن وصفها البنان و الأقلام، و تجل عن أن يحيط بشرحها البيان و الكلام.

فظهر بظهورها معجزة للنبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، لوقوع ما أخبر به، و هي هذه النار، إذ لم تظهر من زمنه (صلى اللّه عليه و سلّم) قبلها و لا بعدها نار مثلها.

و قال القرطبي (رحمه الله): و يخرج من مجموع ذلك نهر أحمر و أزرق، له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور و الجبال بين يديه، و ينتهي إلى محط الركب العراقي، فاجتمع من ذلك ردم، صار كالجبل العظيم، و انتهت النار إلى قرب المدينة، و مع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، و شوهد لهذه النار غليان كغليان البحر. و قال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام.

و سمعت أنها رؤيت من مكة، و من جبال بصرى. و أما المسافة التي رؤيت منها تلك النار فبعيدة، حيث رؤيت من أماكن بعيدة جدا.

و في خطاب القاضي سنان- قاضي المدينة: .... و أنها إلى الساعة و ما نقصت، إلا ترمي مثل الجمال حجارة من نار، و لها دوي ما يدعنا نرقد و لا نأكل و لا نشرب، و ما أقدر أصف لك عظمها، و لا ما فيها من الأهوال، و أبصرها أهل ينبع، و ندبوا قاضيهم «ابن سعد» و جاء، و غدا إليها، و ما أصبح يقدر يصفها من عظمها، و كتب الكتاب يوم الخامس من رجب، و هي على حالها، و الناس منها خائفون،

453

(23) (الحرات) نماذج أخرى لأحد الشعاب المنحدرة من الحرة.

(24) (الحرات) صورة لجزء من القاع الرئيسي الذي تنحدر إليه شعاب و أودية الحرة.

(25) (الحرات) صورة لجزء آخر من القاع الرئيسي.

و الشمس و القمر من يوم ما طلعت ما يطلعان إلا كاسفين، فنسأل الله العافية.

و قال القسطلاني (رحمه الله): و أخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان: أنهم شاهدوا ضوءها على ثلاث مراحل للمجد، و آخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية.

و نقل أبو شامة عن خطاب قاضي المدينة أيضا: أن هذه النار رؤيت من مكة، و من الفلاة جميعها، و رآها أهل ينبع. و قال أبو شامة: و أخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة: أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها.

و قال ابن كثير (رحمه الله تعالى): و أما بصرى، فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، و جرى ذكر هذا الحديث، و ما كان من أمر هذه النار في هذه السنة، فقال: سمعت رجلا من الأعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز.

و هذه معجزة من معجزات النبي الكريم عليه و آله الصلاة و السلام، تضم إلى معجزاته الكثيرات الباهرات، و دلائل نبوته الساطعات، و آيات الله تعالى في صحة هذا الدين و سلامته. و الله تعالى أعلم.

و قد قال الشعراء فيها كثيرا، و من ذلك ما نقله ابن كثير (رحمه الله تعالى):

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا* * * لقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها* * * حملا و نحن بها حقا أحقاء

زلازل تخشع الصم الصلاب لها* * * و كيف تقوى على الزلزال شماء

أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت‏* * * عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجري فوقه سفن‏* * * من الهضاب لها في الأرض إرساء

ترمي لها شررا كالقصر طائشة* * * كأنها ديمة تنصب هطلاء

تنشق منها بيوت الصخر إن زفرت‏* * * رعبا و ترعد مثل السعف أضواء

منها تكاثف في الجو الدخان إلى‏* * * أن عادت الشمس منها و هي دهماء

قد أثرت سعفة في البدر لفحتها* * * فليلة التم بعد النور ليلاء

تحدت النيّرات السبع ألسنها* * * بما تلاقى بها تحت الثرى الماء

و قد أحاط لظاها بالبروج إلى‏* * * أن كاد يلحقها بالأرض أهواء

و بعد هذا الاستعراض سنسلط الضوء بالتفصيل على أشهر و أهم هذه الحرات، و نقصد بها الحرات المماسة للمدينة مباشرة و تتمثل هذه الحرات بحرة واقم من الجهة الشرقية و حرة الوبرة من الجهة الغربية و حرة شوران من الجهة الجنوبية.

454

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}