موسوعة عشائر العراق‏ - ج1

- عباس العزاوي المزيد...
518 /
109

12- امارة لخم الخامسة:

ولي بعد وقعة ذي قار المنذر بن النعمان بن المنذر سنة 634 ميلادية و هو الذي تسميه العرب المغرور و قتل بالبحرين يوم جؤاثى فكان آخر من بقي من آل نصر فانقرض أمرهم بزوال ملك فارس من العراق ... (1)

و في التواريخ الأخرى ان الذي ملك بعد ازاذبة هو الأسود بن المنذر أخو النعمان. و في أيامه اشتهر الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب، ثم ملك بعده المنذر بن النعمان المذكور.

هذا. و يلاحظ ان قائمة اسماء الأمراء من المناذرة و أسلافهم من آل نصر مختلفة جدا، و التواريخ ذكرتها بصورة مضطربة، فلا يعوّل على واحد منها، و اعتمدنا الطبري فانه من أوثق المراجع، و فيه بيان واف عن سني حكمهم و وقائعهم مما يصلح لتثبيت التاريخ نوعا. و قائمة امرائهم في اليعقوبي مبتورة (2). و في تاريخ سني ملوك الأرض ذكر لهم و لمن عاصرهم من ملوك ساسان، و قائمته تخالف سابقيه، و لا تأتلف مع ما ذكره صاحب (كتاب العرب قبل الإسلام) و ما أورد صاحب (الحيرة). و لا محل هنا لتحقيق هذا الاضطراب لأن موضوعنا عشائر العراق ... و الطريقة الصحيحة أن نبدأ بالوقائع المعلومة المقطوع بها و نمضي صعودا و نزولا فنعتمد التواريخ المعتبرة، و أساس ذلك ان من حفظ حجة على من لم يحفظ.

لنتدارك ما فات الآخرين من أسماء أمراء، و نقابل سني حكمهم بأزمان ملوك فارس و وقائع الغسانيين المعلومة و غيرها من وقائع المسلمين ... و أما وقائعهم التاريخية فانها معروفة و مدوّنة إلا أن في بعضها تداخلا ..

____________

(1) الطبري ج 2 ص 157.

(2) تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 236 و ما يليها.

110

- 13- الآداب العربية في القبائل العراقية

ظهر شعراء كثيرون برعاية امارة اللخميين من جهة، و في القبائل التي حلت العراق. و موضوع الآداب في البداوة واسع جدا ففي الأغاني ذكر النابغة الذبياني و عدي بن زيد و شعراء كل قبيلة ... و بين هذه قبائل عراقية كثيرة، و أورد ابن قتيبة جماعة، و كذا صاحب مهذب الاغاني ساق جملة ...

و في اسواق العرب كان لهم الذكر المعروف، و منهم من له معلقة، أو مختارة معتبرة ... و أمثال العراقيين و خطبهم و أخبار رجالهم مبسوطة في الميداني و غيره .. و تعين آثارهم الأدبية الدواوين المعروفة، و جمهرة أشعار العرب، و البيان و التبيين للجاحظ، و امالي القالي و العقد الفريد، و بلوغ الارب للآلوسي. و بينهم (أول من طرقت له العصى)، و بينهم العنبري الأسير في بكر بن وائل و هو من بني العنبر من تميم‏ (1) و محاورة عبد المسيح مع خالد بن الوليد ... و لا يخلو كتاب ادب من ذكر لهم، أو إيراد لأمثالهم ... و كتب التاريخ مملوءة من أخبارهم الأدبية .. و قصة وفود العرب على كسرى معروفة ... و كانت مكانتهم الأدبية اشتهرت أكثر أيام آل لخم فذاعت في الاطراف و انتشرت في انحاء العرب المختلفة ... و يضيق بنا القول هنا، و لا يسعنا التفصيل ... و جاءت الفصحى بكتابها العزيز ففاضت‏

____________

(1) راجع كتاب (الملاحن) لابن دريد و فيه انذار قومه بما عزم عليه بنو بكر. ص 4 طبعة مصر القاهرة سنة 1347 ه.

111

على آدابهم بمحسنات و معان جديدة كانت لها مكانتها السامية فكستها رقة، و زادت في تلطيف شعورها و سلاسة الفاظها، و نفخت فيها روحا طيبة لم تكن لتعهدها ..

112

- 14- أحوال القبائل و أوضاعها الأخرى‏

جالت أقلام الكتاب و المؤرخين في مواضيع لم تحافظ على مكانتها إلا قليلا و كانت الدواعي لطرق مباحثها متوفرة خصوصا ما كان منها رديئا، أو مخالفا للعقائد الإسلامية فتراعى فيه المقابلة و بيان مزايا الشريعة الغراء ..

و أهم ما يدور عليه الكلام ما يتعلق ببعض العوائد، و العبادات الوثنية، و المجوسية، و عقائد الزندقة، و اليهودية، و النصرانية، و عبادة الكواكب ... فتقص هذه الأمور، كل هذه كان يبحث عنها و تدقق للمصلحة الإسلامية و وسائل تأييدها، و بيان قوة عقيدتها، و صلاح عباداتها بالنظر لعقائد العصور السابقة و تقاليدها ... فغطت على الكل، و قبلها غالب العرب، و في مدة قليلة تم انتشارها و كادت تقضي على التقاليد و الأديان الأخرى ..

و كل ما عرف ان الزرادشتية و سائر الديانات الفارسية كالمانوية لم تؤثر على العرب، و لم تقبل العرب عقائد اولئك بسهولة من جراء انها عبادة اشخاص، و سيطرة على النفوس و تذليل لها .. فكانت في الغالب وثنية، فشت فيها الزندقة و عبادة الكواكب .. و من أوثان قبائل العراق (الضيزنان)، و (سبد). و باقي الأوثان معروفة عند كل المعتقدين بها في الجزيرة ... و شاعت في بعض القبائل اليهودية، و في أخرى النصرانية، و في القليل المجوسية .. إلا ان النصرانية انتشرت في أيامها الأخيرة ... و لما جاءت الإسلامية طمى سيلها، و قبل بها الاكثر ...

113

و هكذا يقال عن عاداتهم القديمة و هي كثيرة إلا ان اقتباسهم من العجم قليل بالرغم من المجاورة، فلم تنل رغبة لما للعرب من شمم و مكارم أخلاق لا توجد عند اولئك، أو لا تتألف و ما اعتادوه .. كما أن العقائد كذلك. و إنما تسلطت الإسلامية و نفذت في اعماق قلوب القوم فغيرت من عوائدهم لما في عقائدها من سهولة و قوة و بساطة و أحكام ..

و محت الكثير مما كانوا عليه فكان لها أثرها في نفوس القوم .. و من حين قبلت هذه القبائل بالعقيدة الإسلامية عادت متحضرة و سكنت المدن ..

و قضي على الكثير من أحكامهم البدوية و اعتياداتهم الشائعة آنئذ .. فتركوا ما كانوا عليه من عرف بما استطاعوا امتثالا لآية (أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ..

و لا يهمنا اثارة المندثر مما كانوا عليه و إنما بعض عوائدهم الباقية هي التي ستكون موضوع بحثنا عند الكلام على القبائل الحاضرة، و من ثم نكون قد جعلنا مواضيع اليوم ذات مساس مباشر بالماضي و درجة نفوذه ..

و حينئذ تخرج الأبحاث عما كانت عليه من حاجة الماضي للبحث فيها ..

و صار موضوع اليوم العوائد الحاضرة مراعىّ فيها القديم و أثره في نفوس القوم.

و على كل حال جدت المباحث و تماسها بالأوضاع الحاضرة، و تدقيقها تاريخيا من نواحي العلاقة و الارتباط بالماضي القريب و البعيد ..

كل هذا سننظر فيه في عشائرنا الحاضرة لتكون أقوى صلة و أشد علاقة ..

و في الكتب الأخرى ما يبرد غلة الماضي و ما كان عليه العرب في أزمانهم الغابرة مما لم يبق لغالبه أثر الآن ...

و لا يفوتنا أن نذكر هنا أن من أكبر الأبحاث علاقة و اتصالا بنا المناسبات بين القبائل و حالاتهم في جوارهم و حربهم، و كلأهم و حياة مواشيهم .. و كل هذه سندققها في حينها مع ملاحظة ما كانت عليه في ماضيها قدر الطاقة ..

114

- 15- آخر القول في العشائر و امارتهم‏

و لا نطيل القول في عشائر العراق القديمة، و المعروف انها قضت ادوارا مديدة في سكناه و بين هؤلاء العرب البائدة، و المتعربة و المستعربة و يهمنا أن نعين العلاقات. و مما مر نعلم ان إيران لم تسيطر على العرب سيطرة مباشرة و قد خذلت مرارا في تجارب عديدة .. و انما ساقتها تجاربها ان تتفاهم مع الأمراء و هؤلاء يقومون بادارة اقوامهم فلم يرضخ العربي لأعجمي، و قد ماشى بعض العرب العجم أحيانا و لمآرب خاصة، و في كل هذا لم يقطعوا صلتهم من قومهم .. يدل على ذلك (وقعة ذي قار) حينما رأوا الجد في الأمر، و شاهدوا العزم على انزال الضربة بالعرب. فهم و ان كانوا بينهم على العداء و الغضاضات القديمة و المفاخرات .. وجدوا الضرورة تدعوهم إلى الحلف و الاتفاق و دفن الضغائن فلم يذكروا القبائل التي كانت في جهة عدوهم بسوء .. فاتفقوا في الخفاء كما وقع قبل هذا بين القبائل التنوخية ... و هكذا كان يفعل بعض القبائل مع بعض من الاتفاقات الصغرى .. و لكنهم علموا ان هذه الحرب سوف تقضي على اكبر القبائل و يكون من السهل الوقيعة بالباقية حتى التي كانت متفقة معها ... و على كل نرى السياسة العشائرية كانت ترضى منها الحكومات في الغالب بالميل إلى جهتها و استخدامها على عدوّها و مناصرتها لها من اخرى كما وقع اثناء الحروب مع سورية .. و باقي أحوال العشائر العراقية لا تفترق بها عن سائر العرب في الجزيرة و في الأقطار الأخرى من اكرام ضيف، و شمم، و إباء،

115

و صبر على المشاق، و الحرية، و قلة الارتباط بادارتها العامة بصورة تقف عند اعتزاز القبيلة أو الامارة و ان لا تهان .. و قد اشير إلى ما كانوا عليه من آداب، و عوائد، و روحية، و حروب، و تعاملات. و البحث عن هذا سيبسط عند الكلام على قبائل العراق البدوية، و الريفية ... و هنا يلاحظ ان اكبر تبدل في حياة القبائل و روحيتها ما أحدثه الإسلام فيهم و لم يسر بهم خلاف مألوفهم و إنما راعى الاصلاح فيما هو المثل الأعلى، و الى ما حسّن عيشتهم، و أصلح عوائدهم و تقاليدهم و عقائدهم .. دون أن يهاجم بالامحاء فكان اصلاحه دعوة إلى خير طريقة مما يسيرون عليه و الندبة إلى الأمور التي تعود بالنعيم العميم ... و غاية ما يقال هنا ان العشائر و اماراتها لم تكن صاحبة السلطة و القول الفصل في مقدراتها و كثيرا ما نالها من الاهانات و التضييقات المرة مما مضى الكلام عليه من أيام بختنصر و إيران ... فمنهم من خلعت أكتافهم، و منهم من اودي باماراتهم .. و هكذا. فكان للدعوة الإسلامية أثر كبير في نفوسهم، و تحريك لهم في الثورة على القسوة و الظلم، و وقع عظيم في القوم، فتفادوا في النضال عنها، و النصر لمبادئها.

و من ثم ظهر في العراق من مالوا إلى الحضارة، و تركوا حياة البداوة من حين قبلوا الإسلامية فكانوا من أكبر الأعضاء الفعالة للمجتمع ... و خدموا مختلف الثقافات، فكانت اعمالهم خالدة و عامة ...

116

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

117

عشائر العراق الحاضرة

- 1- البدو

و يتناول البحث عن قبائل (شمر) و (عنزة) و (الضفير) و (حرب) و (صليب) الخ ..

و هم الذين غلبت عليهم البداوة و لم يتوغلوا في حياة الارياف‏

118

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

119

عشائر العراق الحاضرة

- 1- القبائل الإسلامية

كلمة:

هذا هو القسم الثاني من عشائر العراق و يتضمن الكلام على العشائر الحاضرة و يتناول بعض المباحث عن العشائر في صدر الإسلام كتمهيد للمباحث و توطئة للتوصل إلى أصل الموضوع ...

1- العشائر العراقية:

مضى الكلام على العشائر إلى ظهور الإسلام إجمالا. و كانت في الحقيقة مستعبدة نوعا فلا تخلو من تضييق قلّ أو كثر بالنظر لعلاقة العرب و قبائلها بالحضارة و تباعدها عنها ... و القبائل العربية أقل علاقة بالإدارة الفارسية .. و لما ظهر الإسلام جاءت قبائل جديدة و صارت تسرح و تمرح لا في العراق وحده بل في الأقطار الشرقية الأخرى إلا أننا نرى بعض عشائر الفتح قليل الميل إلى الحضارة و قبولها ... و القبائل الموجودة اليوم أكثرها قريبة العهد بسكنى العراق و إن الاحتفاظ بالاسم القديم، و إنه كان معروفا في العراق لا يعين قدم القبيلة و إنما نشاهد كل قبيلة في العراق القديم و الحديث ذات أصل قديم في الجزيرة. و توالي ورودها معروف تاريخيا، و مشهود حسا ..

120

2- تأثير الإسلام على العشائر العراقية:

كان قبل الإسلام يدبر شؤون القبائل أمراء إلا أن الامارات أصابها بعض الوهن، و صارت إيران في أيامهم الأخيرة تتدخل في شؤونهم أكثر ...

مما سبب النفرة و الضجر من العجم خصوصا أن وقعة (ذي قار) لا تزال ترن في الآذان ... فلما جاء خالد بن الوليد إلى العراق لم ير تصلبا كبيرا أو تعندا من هذه العشائر و كان من السهل التفاهم معها خصوصا بعد أن رأت شيبان قد مالت إلى الإسلام، و أميرها المثنى المشهور، و عجل أيضا ركنت إليها و حاربت في وجه أهل الأبلة، و الحيرة تفاوضت و مثلها الأنبار و قد ضرب الغزاة بعض القبائل من تغلب و بهراء و ما ماثل مما مرّت الإشارة إليه ..

و أساسا كان لمحاورة خالد بن الوليد رضي اللّه عنه مع عرب الحيرة و أعيانها أعظم أثر في قبول الإسلامية و بعض أقسامها ارتبط مع المسلمين بعهد و معنى ذلك أنها صارت معهم و هكذا الأمر كان في حروب العرب لفارس، فساعد العرب جيوش المسلمين لأنهم كانوا عربا و تعصبوا للعرب أبناء جلدتهم و من هذه القبائل قبيلة طيى‏ء و قبائل أخرى ..

و مهما يكن فقد كانت العرب تميل إلى إخوانها في الدم و اللغة يؤيد ذلك ما مر بيانه من الأشعار و الأقوال ... و المعلوم أن هؤلاء القبائل قد تولد فيهم النشاط، و زال الخمول و ذهب الخوف و الخور فاعتزوا و صارت كلمتهم العليا، و تركوا التقاليد السخيفة من عبادة الأصنام، أو نار كالمجوس و ما ماثل. فذهب عنهم البؤس بأمه ..

و لم يقف الأمر عند هذا الحد و إنما جاءتهم قبائل عديدة قوّت هذا النشاط و زادت في علو الهمة، و نفثت فيهم روح الحزم و العزم .. فصار الدور لهم و لم يكتفوا بالعراق وحده و إنما مضوا إلى الأطراف الأخرى، و الأقطار النائية، فصارت غنيمة باردة لهم، و أكلة مريئة.

مر بنا الكلام على القبائل القديمة ... أما القبائل الجديدة فكثيرة أيضا و لا تكاد تحصى عدا فكأن الجزيرة خلت من سكانها و مالت إلى العراق‏

121

و إلى سائر الممالك المفتوحة فشكلت عنصرا فعّالا، صار آلة فتح و دعوة خير، و تبشير بالدين الإسلامي القويم و قد رأوا في سبيل متابعته و الدعوة إليه ما لم يخطر في بال.

و التبدّل الفجائي الذي تمكن منه العرب سواء في العقائد أو في الفتوح غيّر من أوضاعهم و جعلهم بحالات غير معروفة و لا معتادة ..

فانتشروا في الأرض انتشارا هائلا ...

رأت الأمم أن الحاجة كبرى للخلاص من جور ملوكهم، و تحكم أرباب الأديان و تكاتفهم مع السلاطين لامتصاص جهود الشعوب و السيطرة عليها ... فساعدوا كثيرا لقبول الدين الإسلامي و صاروا من أعظم دعاته و معتنقيه ..

3- مصير العشائر القديمة و الإسلامية:

و هذه القبائل سواء منها الحديث العهد في سكنى العراق و قديمه لم يتمكن فيه إلا القليل منها و أكثر من فقد مزاياه القبائل القديمة في العراق فإنها كانت أقرب إلى الاستفادة من هذه الأوضاع فأخذت من المدينة بنصيب ...

و الآن صرنا لا نعرف الكثير منها لانتشارها في الأطراف. و العالم كله كان مفتوحا أمامها .. و هكذا يقال عن القبائل العديدة التي جاءته أيام الفتح فلم يبق منها إلا النزر .. و كانت لها مكانتها المهمة في حروبها و نضالها ..

و لا يهمنا في عجالتنا هذه أن نبحث عن مصير كل قبيلة في العراق، أو من وردت إليه و بيان ماضيها و إنما نقتصر على (العشائر الحاضرة) و نذكر ما له علاقة بالماضي و بيان الحالة التي كانت عليها .. تاركين جانبا القبائل التي حلت العراق في وقت و اندثرت بقبولها الحضارة ..

نكتفي هنا بالالماع إلى ما مضى و نشرع في بيان القبائل الحاضرة مع العودة إلى تاريخها بقدر ما تسمح به الظروف و النصوص ..

122

4- القربى في العشائر الحاضرة:

أنساب العرب القبائلية معروفة من قديم الزمان و لا يزالون محافظين عليها، و هي توافق روحيتها و مزاجها جمعاء، و لا يزالون يعتمدون عليها في القربى و العداء للتكاتف و المناوأة و نسب القبائل الحاضرة مهم لمعرفة أحوالها بالنظر لبعضها .. و لما كانت هذه العشائر كلها أمية تقريبا فلا يحصل فيها إلا الواحد أو الاثنان من المجموع ممن يستطيع القراءة و الكتابة و في أكثر الأحيان الأمية ضاربة أطنابها عليهم ... فمن هؤلاء لا يؤمل أن يحفظوا أنسابهم فيوصلوها برجال التوراة أو غيرها ..

- نعم يحفظون من أنسابهم أنهم لهم صلة قرابة مع القبائل الأخرى أو أنها ليست منها و يعينون درجة ذلك تقريبا و ذلك بطريق التلقي عن آبائهم و أجدادهم و أما تعداد آبائهم و أجدادهم بحيث يوصلونها بمن شاؤوا فهذا اختبرته و امتحنته مرارا عديدة فتبين لي غلطه أو التشكيك فيه و عدم صحته فلا يعوّل عليه لقدم العهد و اشتباه الأسماء و تداخلها بغيرها ..

فإذا كانوا يتمكنون من وصل الأفخاذ بالعشيرة أو القبيلة و هذا غالب فيهم فلا يستطيعون أن يعينوا الصلة القطعية بين قبيلة و قبيلة بسرد أفراد كل ... و هذا لا يمنع أن يقطعوا في القربى و درجتها بلا ارتياب .. و المعرفة و التلقي الصحيح .. قد يؤيدان بأدلة لغوية و أوصاف قومية، و أخلاقية، و عنعنات كثيرة مشتركة و محفوظات لا تقبل التردد .. فلو لم تعرف القبائل وصل القرابة بتسلسل الأجداد فلا تشتبه منها بوجه و إن كانت لا تقدر على تعيين الظهور و البطون بالضبط ... فالغالب فيهم حفظ النسب على وجه الصحة إجمالا و لا يغلطون في نسبة قبيلة إلى جذمها القحطاني أو العدناني وصلتها بأصلها ...

و يؤيد هذا التواتر في النقل من تلك القبيلة و القبائل المجاورة و النائية ... زيادة على اللغة، و المحفوظ لكل قبيلة. فلم نجد قبيلة انتسبت إلى غيرها أو ادعت أنها من غيرها كذبا، فالتضافر حينئذ للتكذيب و الطعن يكون قطعيا لا يقبل الاشتباه ..

123

و في الحال الحاضر نشاهد بعض القبائل قد اعتزت بكيانها و عرفت باسمها الجديد فلم يعد يعرف تقريبا الأصل الذي درجت منه ...

و قد بذلنا الجهد في إرجاع كل قبيلة من هذا النوع إلى قريبتها بحيث لم يبق لنا شك في النسبة و التحقيق من أكابر القبائل و حفاظ أنسابها و هم كثيرون. و هنا ليس غرضنا أن ندوّن جمهرة أنساب كما فعل ابن الكلبي و غيره بتعداد الأجداد و إيصالها برجال التوراة فذلك إذا كان متيسرا له فهو الآن صعب بل يكاد يكون ممتنعا ... و إنما المقصود بيان القربى بالنظر للمحفوظ، و اللغة، و النخوة و العوائد ... مما هو مؤيد بالشهادات للقبائل الأخرى و لا يهمنا تعيين آباء القبائل و تسلسلها خصوصا بعد أن قطعنا أنه مما لا يعوّل عليه و لا يوثق من المحافظة و إنما الأسماء قد تتشابه فيبتلع الكثير منها. و قد صحت الأنساب إجمالا و تواترا ..

رأينا الصعوبة العظيمة في إرجاع كل قبيلة و التحقيق عن نسبتها إلى أرومتها العدنانية أو القحطانية، أو نجارها الأصلي. مما هو موضع شبهة، و إلا فالكثير من القبائل لا يرتاب في نسبها و أنها عدنانية أو قحطانية ...

و لكن لا تزال بعض القبائل (متحيرة) و نسبتها إلى أحد هذين الجذمين مترددة أو غير معروفة مثل (الصليب) و من على شاكلتهم من القبائل أو متداخلة لا يمكن تمييز الأصلي فيها و الدخيل منها ...

و على كل ان القبائل مجموعات، أو كتلات تتصل مع بعضها لا في العروبة فحسب، و إنما تعوّل على القرابة النسبية القريبة، و تعد ذلك سببا قويا للتعارف، و البعيدة واسطة النفرة، خصوصا في أيام العداء و الحروب، أو في وقت يتوسم فيه الخصام ...

و من ثم تقوى جهة المنافرة، و المفاخرة، و تعداد المعايب، و المثالب، و إثارة الوقائع السالفة، و الحروب الماضية ... أو المزايا الداعية للفخر و التفوق، فنسمع الطعن من جهة و الفخر من أخرى ... و هكذا ...

124

5- آل و بني:

قسمة بعيدة العهد، و مقرونة بمثل شائع عن العشائر للتدليل على قدم الزمن يقولون (من آل و بني) أي من عهد تفرع القبائل إلى آل، و إلى بني.

و بالنظر إلى الأنساب الأصلية تركن إلى هذا الموضوع، و ذلك أن قبائلنا تقسم إلى (آل) و (بني) أو إلى (قبائل قحطانية) يقال لها (آل) و إلى قبائل عدنانية أو مضرية و نزارية تتسمى ب (بني). و هاتان المجموعتان معروفتان جدا و التقسيم بهما بهذا الطراز قديم لم يدرك أوله. و لا نرى قبيلة أو عشيرة لا تنتسب إلى أحدهما ما عدا (القبائل المتحيرة) المذكورة التي لا تحفظ انتسابها إلى أحد هذين الجذمين. و ذلك سواء في الجاهلية، أو في عهد الإسلام و ما يليه إلى أيامنا ..

و قد عدّد علماء الأنساب جماعة ليست بالقليلة من القبائل المتحيرة، و كذا صاحب العقد الفريد فإنه بيّن مقدارا جما من القبائل المتحيرة. و لا يزال عصرنا يقطع بأن بعض القبائل (متحيرة) و لا يعرف بالتحقيق انتماؤها إلى أي جذم من ذينك الجذمين ... لنسيان العلاقة، و الانتساب إلى الجد الأخير و الوقوف عنده ...

6- البدو و أهل الريف:

و هذا التقسيم قديم و معروف أيضا باعتبار ما قطنه العربان من (بادية) أو (أرياف) أو (مترددة) بينهما فتكون ثلاث مجموعات (بدوية) و (ريفية) و (مترددة). و لو راعينا هذه القسمة في تصنيف القبائل لخرجنا عن أنساب القبائل و مزجنا بعضها ببعض دون تروّ و هكذا الحال فيما لو لاحظنا المواطن الجغرافية خاصة و فصلنا مباحثها بالنظر إلى ما تسكنه من ألوية و أنحاء ... أو المعيشة و بهذا نكون قد أهملنا خصيصة سائدة لم يتركها القوم في تنقلاتهم، و أهملنا ما هم عليه للآن من الاحتفاظ بالأنساب. و اغفال هذا غير صحيح من وجوه:

1- إن الموطن غير مستقرة. و ذلك لتغييرهم الأمكنة بصورة فجائية

125

عند حدوث أحوال ضرورية و كثيرا ما تقع ... متمثلين بقول شاعرهم:

و لا يقيم على ذل يراد به‏* * * إلا الاذلان عير الحي و الوتد

2- لا نقدر حينئذ أن نراعي القبائل، و الحالة القبائلية بالنظر لاختلاط القبائل و تقربها من الحضارة بحيث لا يبعد أن تكون هذه المجموعة بعد لأي قرية أو قرى .. في حين أنهم لم يهملوها ...

3- نرى المزايا القبائلية مستقرة (لآل و بني) و متمايزة فيها و هي السبب الوحيد في وقائع عديدة ... فلو أهملناها كنا أغفلنا أهم خصائص القوم و عدلنا إلى اشتباك أنسابها، و هذا غير واقع حتى عند اختلاط بعض القبائل فكل فريق محتفظ بنسبه .. و الأمر لا اختيار فيه، و إنما الغرض تثبيت الحالة التي هم عليها لا إيجاد تقسيم غير معروف، أو أن نهمل أمرا لا يزال موجودا، و نكون قد زدنا في هذا الاشتباك، أو شوّشنا وضعا معروفا ..

4- إن كافة هذه القبائل حريصة على مراعاة أنسابها حتى الأفراد و لا يمكنها أن تنساها بعصور كثيرة. فاهمال ذلك و التغافل عما هو موجود غلط لا يغتفر ...

و هنا لا ننسى بأن القسمة الأصلية إلى قحطانية و عدنانية يصح الاستفادة منها بأن تكون واسطة تعارف و ألفة لاعداء و مقارعة ..

و لا ينكر أيضا أن القبيلة قد تنال مزايا جديدة بسبب ركونها إلى الأرياف من حيث العمل و الاستثمار و اهمال روح الغزو و تعاطي أسباب العمارة، و الوداعة و العيشة الهنيئة ... فسوف لا نترك أمر ذلك، بل نراعيه بوضوح و نفرق بين البداوة و العيشة الريفية، و ما بينهما من التردد و انتهاز الفرص للركون إلى العيشة الريفية لأول حادث أو استفادة من أي تطور في الأحوال الاجتماعية. و المسهلات لذلك و دواعيه كثيرة من قحط و وباء و حروب عامة أو خاصة، و سيل جارف. الخ الخ ...

126

7- العودة إلى الحياة العشائرية:

و قبل أن ننهي البحث لزم أن نقول إن العودة إلى عيشة العشائر نادرة خصوصا الانتقال من المدن إلى الحياة العشائرية أو من الأرياف إلى البداوة، و هذه إذا حصلت تكون شخصية أكثر منها قبائلية. و لذا نشاهد بعض الأفراد لظروف خاصة كعلائق تجارية مع البدو، أو ارتكاب جريرة تدعو إلى ضرورة الالتجاء إلى البادية و الاعتزاز بها، ثم طيب العطن و تحبب الاقامة في خلالها، أو يقسر عليها بأن يتربى أولاده عليها أو تمنعه موانع زواج و ما شاكل ...

كل هذه مما يسبب سكنى العشائر و التنقل بهم من الحضارة إلى البداوة، أو الأرياف ... و قد يكون المرء ابن بادية في الأصل و لم تنقطع علاقته من البادية فتعن له سكناها و يحن إلى أهله و أقاربه ... فيعود. و قد شاهدنا الكثيرين حينما يزول المانع لهم يعودون لباديتهم إذ لم ترتكز و سائلها في أذهانهم بعد، أو لم تنل رغبة منهم و لم تحبب إليهم. نرى هؤلاء يوردون المثل البدوي المعروف (عنّت عليّ ديرة هلي‏ (1)).

هذه دواعي التنقل من البداوة إلى الأرياف، فالمدن و بالعكس، و لا نطيل القول بأكثر من هذا ...

8- الجمع و التقسيم‏

و على كل يجب أن نرجع تقسيم القبائل إلى الجذمين المذكورين و بيان قبائلهما كل واحدة على حدة بالتفصيل ... سوى أننا نلاحظ بعض الأوصاف من البداوة أو الريفية، و نقدم بعض القبائل البدوية التي تقربت إلى الحضارة و لم تقبلها بعد، ثم نذكر القبائل الأخرى من ريفية ... و لم نفصل بين القحطانية و العدنانية إلا أننا نشير إليها حين الكلام عليها .. و لا نفوت الاجمال عن خصائص كل ... فلا نراعي الترتيب و نكتفي أن نشير إلى‏

____________

(1) أهلي.

127

العدنانية و القحطانية ... و نعين أصل القبيلة سواء كانت من أحد هذين الجذمين أو متحيرة ... كما أننا نذكر موطن القبيلة مجموعة أو متفرقة، و نقدم قوائم في القبائل المشهورة الموجودة في تقسيماتنا الادارية تسهيلا للمعرفة معززين لها بخارطة. و بهذا نكون قد جمعنا بين الحالات و الأوضاع المعروفة ...

128

- 2- القبائل البدوية و من يمت إليها

يهمنا جمعا بين القبائل المشتركة الصفات من بعض الوجوه:

أن نجعل القبائل مجموعتين أساسيتين و هما (القبائل البدوية) و خصيصة البداوة تجمعها، لبروز هذه الصفات فيها .. و من أهمها التنقل دون تقيد بمكان خاص، تتبع الكلأ و تراعي الغزو ...

و (القبائل الريفية) تميل إلى الأرياف و تتعاطى الزراعة و ما يتعلق بها من تربية المواشي و ما ماثل ...

و القبائل لا تخرج عن هاتين الخصيصتين و لكن قد تتداخل فترى من هؤلاء من قد مالوا إلى الأرياف، أو ركن بعض أهل الريف إلى البداوة ...

و هم أقرب إلى التداخل بالنظر لما يجدون من الأحوال التي تدعو لمثل هذا التطور، و الأوضاع .. و بيانها بهذه الصورة لا يغير ماهية الموضوع.

هذا و الآن نرى أن نبحث عن أشهر القبائل البدوية و خصائصها و نبدأ بقبائل شمر ...

129

- 3- قبائل شمّر

1- أصل شمر:

إن المدوّنات عن هذه القبيلة قليلة جدا و هي قحطانية، ذكرها الحمداني فقال: «بنو شمر بطن من العرب مساكنهم جبلا طيى‏ء أجأ و سلمى بجوار لام». كذا نقل صاحب السبائك (السويدي) و لم ينسبهم إلى قبيلة، و هذا محمول إلى أنه لم يتصل بهم و لم يتحقق ذلك من رجالهم، و آخر من ذكرهم القزويني قال:

«شمر بالتشديد و التخفيف. قبيلة من العرب ذات بطون تنسب إلى شمر ذي الجناح من قحطان منهم في نجد و منهم في العراق و منهم في الموصل إلى سنجار. و الظاهر أنهم ينسبون إلى شمر يرعش بن افريقس بن ابرهة ذي المنار أحد ملوك التبابعة من اليمن ...» ا ه.

و ما ذكره من أنه الظاهر فليس بظاهر، و النسبة التي نسبها غير معروفة. كما أن التخفيف لا قائل به، و لكن القزويني راعى اللفظة في قواميس اللغة و معانيها و ليس لدينا من العرب من ينطق بالتخفيف و يريد هذه القبيلة ...

و قال الحيدري: «و من أجل عشائر العراق شمر و هم عدة قبائل ..

و تبلغ قبائل شمر مائة ألف نسمة فأكثر و حمائلهم آل محمد من طيى‏ء.

و جميع قبائلهم تعود إلى قحطان ..» ا ه.

130

و قال البسام:

«شمر من ذرية حاتم ... من سكان الجزيرة و هم أكرم العشائر و أرفعهم عمادا، و أكرمهم أخوالا و أجدادا، و أصحهم في ذكر المكارم اسنادا، و أقدم في الحرب .. و شيخ هؤلاء يقال له (الجربا) و سقمانهم ألفان و فرسانهم ألف و مائتان ...» ا ه.

و المنقول المحفوظ عنهم أن شمر ليس جدا و إنما هو وصف لحقهم و ذلك أنهم آخر من خرج من اليمن و كانت قد ألحتهم السنون فهاجروا إلى أنحاء أجأ و سلمى فدفعوا بعض القبائل و أزاحوهم عن مواطنهم. فشمروا عن ساعد الجد و أوعز إليهم رؤسائهم ب (شمّروا). و من ثم دعوا ب (شمر) و اللغة تساعد على هذا التفسير قالوا:

و كانت قبائل طيى‏ء و زبيد هناك فدفعوهم و مال هؤلاء إلى انحاء العراق و سورية و غيرها. و الظاهر ان قبائل طيى‏ء (سكان أجأ و سلمى) كان بينها خصام و خلاف فحالف قسم منها قبائل قحطانية جاءت من انحاء اليمن فانتصر على عدوه و من ثم استقل في السلطة و صارت له الرياسة على قبائله و القبائل المتحالفة معه. و الكل يرجعون إلى القحطانية فإن طيئا من قحطان ايضا. فصار الكل يدعى باسم البطن (شمر) المنتصر على عدوّه و قيل للجميع (شمر) تغليبا و إلا فلا تزال قبائل (عبدة) من شمر تمت إلى القحطانية رأسا، و قبائل (الاسلم) إلى طيى‏ء. و كذا (قبائل زوبع).

هذا هو الذي نراه جمعا بين المحفوظ و النصوص المنقولة من طريق التاريخ .. و بسبب هذه الوقائع الوبيلة تمكنوا من ازاحة قبائل زبيد و قبائل طيى‏ء الاخرى كما مر .. و رئيس قبائل زبيد آنئذ و اميرهم يقال له (بهيج) و يعد في نظر القبائل الزبيدية جدا لها، و الحال انه كان رئيسا و الى هذا اشار الشمري مفتخرا بهذه الوقعة و الانتصار على القبائل الاخرى بقوله:

و كبلك‏ (1) بهيج حدّروه السناعيس‏* * * من عكدة ما تحلحل كناها (2)

____________

(1) قبلك.

(2) عكدة عقدة، و كناها قناها (قناتها).

131

يريد أن بهيجا المذكور كان قبلك و قد أصابته الضربة القوية منا فأنزلناه من أجأ و سلمى (جبلي طيى‏ء) فلا نخشاك و لا نبالي بك و أنت أقل قدرة منه ... و يراد بالسناعيس الذين ينتخون بالسنعوسية و هم قبائل مهمة من شمر ...

و يقولون بتكرار ان لفظ (شمر) ليس اسما لقبيلة باعتباره جدا لها و إنما هو ناشى‏ء عن الايعاز المذكور.

و أرى الذي أوقع في اللبس النقل المتقدم عن السويدي لأنه لم ينسبهما كما نقل عن الحمداني للسبب الذي ذكرته و الحال انني نقلت في ما سبق في قبائل العراق القديمة عن نشوان الحميري ما نصه:

«بنو شمر بطن من طيى‏ء» إلا أنه لم يصلهم بالبطون المعروفة. و يفسر هذا ما جاء في تاج العروس:

«و شمر أيضا اسم رجل قال امرؤ القيس:

فهل أنا ماش بين شوط و حية* * * و هل أنا لاق حي قيس بن شمرا

قال الصاغاني: قال ابن الكلبي قيس بن شمر و أخوه زريق ابنا عم جذيمة بن زهير بن ثعلبة بن سلامان الطائي.» ا ه.

و من هنا ظهر انهم بطن مستقلة و عرف طريق اتصالهم. و هذا جاء مؤيدا للمحفوظ الذي اتفقت كلمة المؤرخين عليه من أنهم من طيى‏ء، و تبين أنه اسم جد ...

ان شمر من طيى‏ء و بالاتفاق مع بعض القحطانية أزاحوا طيئا و زبيدا و حلوا محلهم .. و اشتهرت تسميتهم بشمر و تغلبت على القحطانية، و الكل الآن لا يفرق بينهم و يعدون من شمر، إلا أن القحطاني منهم معروف.

هذا مع العلم بأن التسمية بشمر كانت شائعة عند العرب فلم يبق مجال أن يقال إنه ناشى‏ء عن الايعاز فهم بطن من طيى‏ء، و عرفت مكانتهم بين البطون المذكورة سابقا ...

132

2- بيت الرياسة (الجربا- آل محمد):

كانت الرياسة و لا تزال في (آل الجربا) و هم (آل محمد) من طيى‏ء قطعا. و لم تفقد منهم الرياسة و لم تتحول إلى اليوم. أما امارة ابن رشيد فإنها لم تؤثر على سلطتهم، و إنما كانت امارة ابن رشيد صولة و سطوة واسعة، لم ينالوها في سالف أيامهم و كانت وقتية و لأمد، و بانقراض آل الرشيد استمرت الرياسة في آل محمد و دامت فيهم. و سنوضح امارة الرشيد في موطنها.

و الجربا نبز وصل إليهم من أمهم، و العرب لا يزالون يتنابزون بأمثال هذه يقال إنها أصابها (مرض جلدي) فتركها أهلها و رحلوا إلى موطن آخر ثم تعافت فلزمها هذا الاسم. و من عادة البدو أن يتركوا المصاب بالجدري و ما ماثله و يرحلوا عنه حتى يبرأ أو يموت تخلصا من عدواه و يراقبونه من بعيد و يضعون له ما يحتاج من أكل و شرب. و قبيلة أمهم على ما هو معروف، محفوظة و هي من الفضول من طيى‏ء (من بني لام).

و من القبائل القديمة التي سميت باسم أمها خندف، و بجيلة، و قبائل عديدة ... و هذه التسمية إما لغرابة في الاسم، أو لنبز كما تقدم. و ستمر بنا أمثلتها الكثيرة. و قد اتخذ هذه التسميات بعض أعداء العرب وسيلة للطعن بالأنساب و من لاحظ تكوّن الأفخاذ، فالعشائر، و العمائر، و القبائل، و حدوث النبز لأدنى علاقة و سبب .. قطع لا وجود للأمومة (الطوتمية) عند العرب ... و لا أثر لها في مدوّناتهم، و إذا كان هناك شي‏ء قبل التاريخ لم نشاهد بقاياه ...

و هذه التسمية قديمة ترجع إلى شيخهم الأول محمد الذي يدعون به فيقال (آل محمد) و الجربا هذه أم سالم بن محمد المذكور و هو المحفوظ أيضا و لم يقطعوا في صحة تاريخها لقدم العهد و هؤلاء لم يصح ما كان يشيع عنهم بعض العربان أنهم من الشرفاء، أو من البرامكة، فعلقت في أذهان بعضهم ... و نقل ذلك ابن خلدون في تاريخه و كذبه ... فهم من طيى‏ء كما قال الحيدري:

133

«و حمائهم من آل محمد من طيى‏ء» ا ه.

و يؤيد هذا ما قاله صاحب مطالع السعود (عثمان بن سند):

«و قد سمعته- (بنية)- ينتسب إلى طيى‏ء القبيلة المعروفة ..» ا ه (1)

و قد ذكر صاحب (قلب جزيرة العرب) (2) أن الجربا من قبيلة سنجارة و فرّعها إلى (العامود) و (الجربا) و بيّن أن من الجربا آل حريز، و الحسنة، و البريج. و المنقول عنهم ان سنجارة قبيلة زوبعية و ترجع إلى الحريث من طيى‏ء و الجربا من طيى‏ء رأسا و أنها من بطونهم القديمة.

3- عمود نسبهم:

هم (آل محمد) كما تقدم. و محمد رأس عمود نسبهم و أقدم من عرف من أجدادهم ممن لا يزال محفوظا إلى الآن ... و نبدأ في تعريفهم من أحد أجدادهم مجرن بن محسن بن مشعل بن مانع بن سالم بن محمد و الملحوظ أن قد ابتلعت بعض الأسماء نظرا لعدم القطع الذي علمته من كثيرين منهم فلم يتمكنوا من الحفظ التام.

***

____________

(1) ص 158 من المطالع مخطوطتي.

(2) لم يكن متخلصا للقبائل الا أنه أفرد لها بحثا خاصا و فيه من الأغلاط ما سيوضح الكلام عليه في حينه. راجع ص 163 من قلب جزيرة العرب.

134

... (1)

____________

(1) لم نتمكن من ذكر سلسلة الزيدان كاملة بتفريعاتها و انما اقتصرنا على رئيسها و اتصاله بزيدان المذكور.

135

و للشيخ فرحان بن صفوك أولاد كثيرون و هم:

1- عبد العزيز.

2- شلال.

3- فيصل.

هؤلاء أولاد درة.

4- عبد المحسن.

5- هايس.

6- ثويني.

أولاد السرحة.

7- العاصي.

8- مجول.

9- جار الله.

أولاد جزعة.

10- مطلك. و يقال له ابن العيط من زوجته بنت نوير العيط.

11- الحميدي.

12- زيد.

13- أحمد.

14- ميزر.

و يقال لهم الباشات (أولاد الجرجرية).

15- سلطان و هذا ابن بهيمة بنت ابن جشعم و يقال له ابن الجشعمية.

من هؤلاء فيصل و الحميدي و أحمد و زيد. و ان عجيل الياور و هو (أمير شمر) و شيخ مشايخهم و هؤلاء نقول فيهم ما تيسّرت لنا معرفته.

136

1- محمد:

و هو الجد الأعلى الذي تسمت به فرقة الرؤساء فيقال لهم (آل محمد). (و يقال إنهم كانوا سبعة من الإخوة أحدهم (الصديد) و هو جد (الصديد). و آخر هو جد البريج من الخرصة. و الباقون ماتوا بلا عقب. و من هذا يعلم أن (آل محمد) أو من يمتون إلى جد واحد هم هؤلاء).

2- سالم:

و هذا هو المعنيّ بقول شاعرهم:

من دور سالم و الشريف‏* * * محنّا للجاسي ليان‏

حنّا جما غش العراك‏* * * نلحكك على طول الزمان‏

و من هذا البيت يستدل البعض على أنهم من الشرفاء. و الظاهر أنه يشير إلى وقعة جرت لسالم مع الشريف المعاصر له، لا باعتباره جدا لهم.

و هذا القول للعاصي يقصد أننا من زمن سالم لم ينل مراسنا للقاسي الصعب المراس. و إنما نحن كحشرة العراق و يريدون بها (الأزريجي‏ (1)) نصل إلى غرضنا على طول الزمن و بلا استعجال. هذه الحشرة تقتل الابل على طول الزمن. يقول إننا ننتصر على عدوّنا و لو بعد حين فلا ينجو منا.

و هذه حالتنا من زمن سالم. و قرن به الشريف للاشارة إلى وقعة كانت معروفة. و الحق أن هذه الاناة و التؤدة أوضح صفة فيهم.

3- مانع.

4- مشعل:

و هذا يمتون إليه بالنسب الأقرب فيقال لهم آل مشعل. و نخوتهم الأخيرة نشأت من زمنه و هي (حرشة و أنا ابن مشعل) و يقول قائلهم:

مرد على سرد من أولاد مزيد* * * حماة الدار لياجاه البلا من ضديده‏

____________

(1) الزريقي ذبابة كبيرة تؤذي الابل بعضّها.

137

اليجمع الوكرين بيوكر واحد* * * العين توّه تهنّت بي رجيدة

تصافوا الصيدادهم و آل مشعل‏* * * تبشرت النوك بأيام عيده‏

يقول شبان من أولاد مزيد على خيل سرد يحمون ديارهم إذا جاءها البلاء من عدوهم. و هؤلاء يجمعون بينهم و بين أقاربهم فيخشى الأعداء سطوتهم و تهاب بطشهم و ينامون في رقدة هنيئة من جراء اتفاق آل صديد و آل مشعل فتبشرت النوق بأيام عيدها.

و آل مشعل هم آل محمد و الصيداد آل صديد و هم من آل محمد، أو كما قلت سابقا من اخوة آل محمد رؤساء الصايح على اختلاف في ذلك و يجمعهم مزيد و هو جد أعلى.

5- محسن.

6- مجرن.

7- الجعيري.

8- الحميدي:

و هو والد فارس الجربا. و يعرف ب (الأمسح) لأنه ولد و عينه مسحاء فلم يظهر لها أثر. و يعد من مشاهير شيوخ آل محمد. و قد ترك أولاده ذكرا ذائعا و هم مطلك و فارس و من يليهم. و هم ألصق بنا و حوادثهم قريبة منا و لا تزال ترددها التواريخ أو تتناقلها الألسن.

و من أولاد الحميدي (عمرو) و منه آل عمرو و أخو فارس ... و لا يزال فرعهم معروفا ..

9- مطلك:

يعرف ب (أخو جوزة) و هذا أراد مهادنة الامام ابن سعود (1) و لكن ابنه‏

____________

(1) كان و لا يزال يسميه أهل نجد بالامام. و وقائع هذه الأيام مبسوطة في تاريخ العراق بين احتلالين و هناك وسّعنا البحث فيها عن تكوّن هذه الأسرة المالكة و نطاق نفوذها و علاقاتها بوقائع العراق.

138

مسلطا لم يرضخ لمطالب الامام من زكاة و قص الشعاف (شعر الرأس) و ما ماثل. فشوق اباه على القيام في وجه ابن سعود فحاربه. و هذه مبادئ نزوحهم إلى أنحاء العراق و من بواعث الميل اليه.

و أساسا كانت حكومة العراق أيام المماليك تحرق الارم على الأمير ابن سعود و ترغب كثيرا في جلب عشائره لجانبها لتكون أعرف بما عنده ...

و قد حكى عثمان بن سند (1) حادثة له مع ابن سعود قال:

و أغار في سنة 1212 ه- 1798 م سعود بن عبد العزيز بن محمد السعود على بادية العراق و كان مطلك بن محمد (2) الجربا نازلا في بادية العراق. فقاتل جيش سعود فكّر على الفرسان مرة بعد أخرى. فكلما كرّ على كتيبة هزمها فحاد عن مطاعنته الشجعان. فعثرت فرسه في شاة فسقط من ظهر فرسه فقتل ...

و كان قتله عند سعود من أعظم الفتوح إلا أنه ودّ أسره دون قتله.

و مطلك هذا من كرام العرب، عريق النجار، شريف النسب، من الشجعان و الفرسان الذين لا يمتري بشجاعتهم إنسان. له مواقف يشهد له فيها السنان و القاضب و وقائع اعترف له بالبسالة فيها العدو و الصاحب.

و أما كرمه فهو البحر حدث عنه و لا حرج. و أما أخلاقه فألطف من الشمول و أذكى من الخزامى في الارج و أما بيته فكعبة المحتاجين و ركن الملتمسين ... (إلى أن قال):

يا بحر لا تفخر بمدك و اقصر* * * عن أن تضارع حاتميا شمري‏

____________

(1) هذا المؤرخ يتحامل على آل سعود و لا يهمنا إلا ما يوضح الوقائع العشائرية. فلا نشاركه في تحامله و نقل النص أمانة. و أشرنا بهذا هنا ليعلم القارى‏ء ان ابن سند كتب ارضاء لولاة بغداد و الحكومة العثمانية و كانوا اعداء ابن سعود إذ ذاك.

(2) ان محمدا هو الجد الأعلى و لكن البدو يسمون بأشهر أجدادهم المعروفين و إلا فان محمدا لم يكن جده القريب ... و هذا أساس تكون الفخذ أو البيت كما مر.

139

ما حل في كفيه مقسوم على‏* * * كل الأنام غنيهم و المعر

ما ثم مأثرة سمت الا روى‏* * * مرفوعها عنه لسان الاعصر

ففناؤه مأوى طريد خائف‏* * * و حباؤه مغن لضيف معسر

انتهى ما قاله صاحب المطالع. و أصل هذه الوقعة ان الحكومة العثمانية كانت تلح بازعاج لمحاربة ابن سعود و القضاء على غائلته، فقد كانت تعهدها من أكبر الغوائل في نظرها ... فجهزت ثويني شيخ المنتفق قبل هذه الوقعة بسنة (سنة 1211 ه- 1797 م). خصوصا بعد ان استولى ابن سعود على الاحساء وفر من وجهه آل عريعر أمراء بني خالد بقبائلهم ملتجئين إلى العراق فاغتنم القوم هذه الفرصة ... فلم ينجح بها ثويني و انتصر ابن سعود عليهم و قتل ثويني. فكان ذلك داعية الهجوم على العراق و ذلك انه في رمضان هذه السنة (سنة 1212 ه- 1798 م) سار سعود بن عبد العزيز آل سعود بجيشه و عشائره و أغار على المنتفق (سوق الشيوخ) القرية المعروفة ب (أم العباس) و قتل منها كثيرين ... و كان الشيخ حمود في البادية فلم يدركه و عاد إلى أطراف نجد، ثم عطف و أغار في سنته على تلك البادية و قصد جهة السماوة و قد علم ان العربان الكثيرة مجتمعة في الأبيض الماء المعروف قرب السماوة فأغار عليها. و بين هذه شمر و الضفير و آل بعيج و الزقاريط و غيرهم ... فكانت الوقعة التي قتل فيها مطلك الجربا.

و التفصيل في تاريخ العراق بين احتلالين ...

و له أيام منها يوم العدوة: و هذا ماء معروف و هو مزرع لشمر قرب بلد حائل و كان- كما قال الشيخ عثمان بن بشر- قد نهض سعود (سنة 1205 ه- 1791 م) إلى قبائل مطير و قبائل شمر و استنفر أهل نجد و قصدهم في تلك الناحية فوقع قتال شديد فانهزمت تلك القبائل و قتل منهم قتلى كثيرة و حصل قوم سعود على غنائم كثيرة ...

ثم أعادوا الكرة على جموع سعود و كان مقدمهم مسلط بن مطلك الجربا و كان قد نذر أن يجشم فرسه صيوان سعود فاراد أن يتم نذره فقتل ...

140

و التفصيل في عنوان المجد. (1) و قال ابن سند:

«العدوة: لسعود بن عبد العزيز عليه (على مطلك). و في ذلك اليوم قتل ابنه مسلط. و كان شجاعا ... طاعن ذلك اليوم حتى كف كل رعيل، و قرى كل ذابل و صقيل .. و أما مطلك فإنه في ذلك اليوم هزم الكتائب و أروى من دم الفرسان كل سنان و قاضب:

فلما ضاقت على سعود الأوهاد و النجود، تقرّب إلى ابن هذّال‏ (2) فلم يكن لمطلك مجال فنكص على العقب ... و نجا هو و بنو عمه فاناخ رحاله في بادية العراق إلى أن اخضر عيشه وراق.» ا ه (3)

و هذه الوقعة تعين تاريخ نزوحهم إلى العراق (سنة 1205 ه- 1791 م) ثم سار مطلك من العراق إلى سورية و توجه مع أحمد باشا الجزار إلى الحج فرجع إلى العراق و بقي في بادية العراق و له السلطة الكبيرة و النفوذ العظيم. و لما قتل رثاه ابن سند في قصيدة طويلة ... و الى المترجم ينسب آل (مطلك) «مطلق» ...

و منهم الآن سطام بن سميط بن سلطان بن فهد بن مطلك بن الحميدي ...

10- مسلط: (4)

هو ابن مطلك و يلقب بالمحشوش أي الغضوب. و هو شجاع مشهور بالبسالة و تفوق على كثير من القبائل كقبيلة بني خالد و كان رئيسهم ابن حميد آل عريعر و كان قد قال لابن حميد (ولد حمرة حزك) أي انهم يلتمسون الحسن و الجمال دون عراقة النسب و طيب الأرومة. و كان قد أبرز

____________

(1) عنوان المجد في تاريخ نجد ص 87 ج 1.

(2) لقد كانت هناك قربى منعت من الحرب ... و سنوضح هذه القربى عند ذكر قبائل عنزة.

(3) مطالع السعود ص 149.

(4) من الجربا مسلط آخر قتل سنة 1102 ه، أو 1103 ه. «عنوان المجد في تاريخ نجد ص 107».

141

لهم أمه و كانت بادية الأنياب مهولة المنظر فقال ان ابي التمس مثل هذه لتلد مثلي.

و مما يحكى عنه ان أمه كانت تخشى بطشه فتحذره. من ذلك انه سألها يوما أي أشجع، هو أو أبوه؟ فلم تجبه فلما ألحّ عليها قالت له كل منكما شجاع و بعد الالحاح الزائد ذكرت ان أباه أشجع فضربها ضربة كادت تطير بأم رأسها. و كان قد تحارب أبوه مطلك مع إحدى القبائل فقتل له ولدان فحملهما على بعير و مع هذا لم يبال و اتصل بأمهما في ذلك اليوم فولدت مسلطا هذا فصار من تلك العلقة و شاعت أخباره ...

و هو مشهور بالكرم. أجرى السمن سواقي و صار يأكله الضيوف مع التمر و قد شاهد كرمه الأعداء و الأقارب ... توفي قبل أبيه كما أشير إلى ذلك فيما مر.

و يحكى عنه أنه حينما قوي أمر ابن سعود و أمر بجز الشعاف و تأدية الزكاة امتنع أن يتكلم مع أحد و صار يراقب على رجم (تل) يبقى فيه طول النهار و قسما من الليل فحسبوا أنه عاشق أو مختل العقل فأرسل إليه أبوه أن يأتيه و يطيع أوامر ابن سعود فأبى و ضرب عبد ابن سعود. فأدمى جبينه.

و حينئذ غضب الأب و تناول سيفه و تقدم إليه قاصدا قتله فقال مسلط:

نطيت راسي مشمخرات العراجيب‏* * * الرحم الطويل النايف المجلح الزي‏

و نيت و نه ما تهجع بها الذيب‏* * * و أوجس ضلوعي من ضميري تنز

اشجي لاخو جوزة (1) ستر الرعابيب‏* * * الحر عند دار المذلة (2) ينز

ليصار ماناتي سواة الجلاليب‏ (3)* * * و كلايع بايماننا نبزي‏ (4)

____________

(1) هو مطلق.

(2) المملة.

(3) الجواليب.

(4) نطعن، نفرح، نتنومس بها.

142

يريد اعتليت عراقيب عالية و هناك ترى انيني لا يهجع له ذئب و يكاد قلبي يلتهب لها ... أشكو لابي صيانه عرضي، و الحر لا يرضى بدار الذل و الاهانة ... و لو منعنا من الغزو، فلا نستطيع ان تكون غنائمنا في تصرفنا ..

فما حياتنا حينئذ و ما عيشتنا ...!

و حينئذ أدرك الأب مرامي ولده فاجابه:

اصبر تصبرّ و اجمع الخبث للطيب‏* * * و هذي حياة كل ابوها تلز (1)

أخاف من كوم روسها جاليعابيب‏* * * و سيف على غير المفاصل يحز

يقول لابنه ناصحا له اصبر و تأن في الأمور، و اجمع خبثك إلى طيبك، و الحياة هذا شأنها، و السياسة ضرورية. و إنما أنا خائف من هؤلاء القوم فيها، و أخشى أن تحز سيوفهم غير المفاصل ...!!

و المغزى ظاهر، و النصح بيّن و لكن ابنه أبى أن يقيم في دار زعمها دار هو ان له و لم يفكر بابعد من هذا ..

فكانت هذه الوقعة على ما يحكى- منشأ الحروب فيما بينهم و بين الأمير ابن السعود ...

و قد قيل بعض الشعر في ابن السعود في بعض الأزمات مما حفظه قصاد شمر و كثير من أفرادهم ...

إلا أن هذه كانت أوقات نزاع و حرب و في مثلها تظهر الخصومات في الشعر و الكلام فضلا عن الأفعال و امتشاق السيف و هز الرماح .. و لكنها لا تلبث أن تزول، فلا تقلل من فضل آل سعود و خدماتهم الجلى لتوحيد القبائل العربية و جمع شمل البدو و اتفاق الكلمة مما دعا إلى تمكنها في جزيرة العرب و اخلاصها العظيم في حماية العقيدة.

قتل مسلط سنة 1205 ه- 1791 م كما ذكر اعلاه ..

____________

(1) تسايس في الحل، تبصر.

143

11- عمرو بن الحميدي:

و اليه تنسب الفرقة المعروفة ب (آل عمرو) و لا تزال قائمة برأسها.

12- شلاش بن عمرو:

و هذا معلوم عنه الكرم. و يقال له (تل اللحم) اشارة إلى ما يقدمه إلى الضيوف. قتل قرب هور عقرقوف، في محل يقال له (ابو ثوب) و قبره هناك.

13- فارس آل محمد:

جاء هذا و مطلق و سائر اقاربهم و أهليهم إلى أرياف العراق، فرحبت الحكومة بهم. و وقائع شمر في العراق تبتدى‏ء في الحقيقة من فارس هذا.

و في زمنه استقرت قدم شمر و نال فارس شهرة فائقة. و كان النفوذ في بغداد لآل الشاوي و قبيلة العبيد التزمت الحكومة فاعتزت بها ...

و المحفوظ عن بعضهم ان ابراهيم بك‏ (1) ابن عبد الجليل بك هو الذي جاء بفارس إلى العراق لمصلحة عداء ابن سعود، و لسحق العشائر و ما ماثل. و الصحيح ما قدمنا، و ان ابراهيم بك ينتسب إلى شمر من (الجعفر) الذين منهم آل الرشيد.

و بسبب هذا الرئيس اعني فارسا خضدت شوكة قبيلة العبيد نوعا بل كادت تمحى لو لا أن يتوالى نبوغ رجال مشاهير من آل شاوي يساعدون قبيلتهم العبيد في حين ان هؤلاء البدو لا ناصر لهم غير قوة ساعدهم و تمرّنهم على الحروب و الذكاء الفطري في معرفة الوضع السياسي للحكومة فاستغلوا الحالة عن معرفة و خبرة فنالوا مكانتهم الممتازة لدى ولاة بغداد.

و كانت الحكومة ترغب في إمالة قبيلة عظيمة مثل هذه اليها و استخدامها على العبيد و القبائل الأخرى و كانت تخشى بطشهم و ترهب سطوتهم .. و هي أيضا في حاجة لمعرفة ما يجري في جزيرة العرب و هذا ما كانت تنويه في‏

____________

(1) و ذرية ابراهيم بك هذا لم تزل في الحلة و يقال لهم آل عبد الجليل ابن سلطان و يسمون الآن «آل محمد نوري باشا».

144

بادئ الأمر ثم التفتت إلى الأوضاع الأخرى في حينها ... أو أنها نظرت للأمرين معا.

و كل آمالها مصروفة إلى محو البعض بالبعض تأمينا لحاكميتها و تأييدا لسلطتها و قهرها للأهلين. و لذا قامت بعد ذلك بوقائع تؤكد نواياها و تبين وضعها و سائر مطالبها و أغراضها نحو الأهلين. (1)

و أول ما رأته الحكومة من الشيخ فارس الجربا- عدا ما ذكر- و هو ما حدث سنة 1213 ه- 1798 م زمن الوالي سليمان باشا الكبير فانها أرادت الوقيعة بابن سعود فجمعت كل ما استطاعته من قوة عشائرية و عسكرية فكان فارس الجربا بعشائره و كذا شيخ المنتفق بمن معه من قبائل و محمد بك الشاوي و جماعات كثيرة جعلهم الوزير تحت قيادة علي باشا الكتخدا. إلا ان هذا لم يكن عارفا بالأمور الحربية و لم يسمع نصائح اكابر رجاله من رؤساء القبائل المتمرنين على حرب أمثال هذه خصوصا الجربا.

و في هذه الوقعة لم يسجل التاريخ سوى غارة على قبيلة السّبيع‏ (2) فغنم منهم ابلا و شاء. و في هذه الغارة كان فارس و ابن أخيه بنيّة بن قرينس غنموا ما غنموا و قتلوا من قتلوا من قبيلة السبيع و عادوا و لكن الكتخدا خذل في هذه الحروب و خسرت الحكومة خسائر فادحة لا تقدر و لو لا العشائر معه لدمّر شر تدمير. فانتهت بالصلح الظاهر و المغلوبية الحقيقية التامة ... (3) و قد أوضحت هذه في موطنها من تاريخ العراق.

____________

(1) راجع ما كتبته عن آل الشاوي في لغة العرب.

(2) هذه القبيلة قحطانية في نجد و الزعم بأنها مضرية غير صحيح ... و تتفرع إلى فروع عديدة. و جاء عنها في كتاب عشائر العرب للبسام ما نصه: «طائفة طافت أخبارها، و رويت آثارها، ملكت مقاليد المجد، و أدركته بالهزل و الجد، يحمدهم الطارق، و يحذرهم السارق، أعلوا منار الفضل و شادوه، و أنصفوا الضعيف على القوي حتى أسادوه، أخلاقهم حميدة، و آراءهم سديدة ...». ص 37 و فروعها مذكورة في قلب جزيرة العرب.

(3) مطالع السعود ص 119.

145

و في عام 1216 ه- 1801 م أغارت سرايا من أهل نجد على العراق فأرسل الكتخدا علي باشا لمقاتلتهم محمد بك الشاوي و فارس الجربا و معهما عسكر الوزير فوجدوا القوم قد تحصنوا بالرواحل و شمروا عن ساق الحرب بالبنادق و المناصل فأحجم من أرسله الكتخدا و رأوا ذلك أحمد فرجعوا إلى شفاثى (عين التمر) كارهين النزال فأنّبهم ابن سند في تاريخه بقوله:

رأوا البيض مصلتات فظنوا* * * أنها أنؤر بليل تشب‏

فانثنوا يهرعون عنها فهلا* * * و ردوها و بالشياظم خبوا

انكوصا عن أن تراق نفوس‏* * * بسيوف على الرؤوس تصب‏

هذا و لم يعلم ابن سند ان المخاطرة بلا أمل نصرة شطط و كان الجيش منهوك القوى فصادف على حين غرة أناسا مستريحين و قد عقلوا ابلهم و صاروا ينتظرون الحرب بهدوء و راحة فكف الجيش عن قتالهم و مال إلى جانبهم للأسباب المذكورة و لأحوال حربية ... و الظاهر أنهم أرادوا أن يسحبوا عدوّهم بحيلة حربية فيعقبوا أثرهم فلم يحصل مطلوبهم و لم يفلحوا.

فانقضت الوقعة بسلام ...

و لم يقف الشيخ فارس الجربا و قومه عند هذا الحد بل ازداد نفوذهم فإنهم أزاحوا العبيد و غيرهم و تمكنوا في مواطنهم، جاءوا بين النهرين- الجزيرة- في بادى‏ء الأمر بقصد أن يردوا المواطن و بعد ذلك جاءهم فارس بقوم كثيرين فوقعت بعض الحروب المؤلمة ...

و مما تناقلته الألسن أنه حين ورود فارس الجزيرة دعا رؤساء القبائل المجاورة و قدم لهم منسفا كبيرا جدا (جفنة) فيه الطعام الكثير و في أطرافه سكاكين مربوطة بأمراس لقطع اللحوم، فاستعظموا ما رأوا و حسبوا الحساب لما وراءه و كان بين المدعوين رؤساء العبيد و الجبور. و إن رئيس قبائل الجبور أبى أن يأكل بحجة أنه صائم لئلا يمنعه الملح و الزاد من أن يوقع بهذا الرئيس أو يغدر به و شاور أصحابه فيما أضمر له في أن يقتلوه‏

146

فيأمنوا شره قبل أن يتوارد إليه قومه و يعظم أمرهم. فلم يوافقه سائر الرؤساء لأنه نزيل و لأنه لم يأت محاربا فاضطر إلى العدول عن رأيه ...

و من ثم تواردت شمر حتى عظم أمرها، و احتلت الجزيرة، فدفعت هذه القبائل إلى أنحاء مختلفة، فمالت قبيلة العبيد إلى الحويجة، و أزاحت البيات إلى أماكنهم الحالية. و هكذا جرى على الجبور فتفرقوا ...

و في هذه كان الايعاز من الحكومة فأغارت على هذه القبيلة، و قد صور ابن سند مكانة فارس آنئذ فقال: «كانت لفارس و ابن أخيه بنية أيام الوزير علي باشا أبهة عظيمة و صدارة» ا ه. (1)

فتقلص ظل العبيد و كاد يمحى فعبروا إلى الحويجة. و لا يزالون بها إلى الآن و ان رؤساء القبيلتين يذكرون هذه الوقائع التي ولدتها السياسة و استغلت القدرة من احد الجانبين للوقيعة بالآخر. و ما ذلك إلا نكاية بآل الشاوي.

و لكن الحكومة لم تر من شمر النتائج التي كانت تأملها فرأتهم أصعب مراسا و لم يكونوا تابعين لكل أمر ..

و كانت وقيعة الوالي علي باشا بمحمد و عبد العزيز آل الشاوي حدثت في أوائل حكومته، كان قد ذهب بنفسه إلى سنجار. و بعد أن رحل غضب عليهما فخنقهما سنة 1218 ه- 1803 م و حينئذ قدم فارس الجربا و ابن اخيه بنية المذكورين فمحا بيت الشاوي و ناصر رؤساء (شمر). (2)

و من هؤلاء فرع لا يزال معروفا ب (آل فارس). و منهم مجول بن محمد الفارس ...

14- قرينص:

و يلفظ كرينص كما هو عادة تلفظ البدو و الحضر. و قد ضبطه ابن سند

____________

(1) المطالع ص 157 و علي باشا هو المعروف بالكتخدا.

(2) ص 122 من المطالع.

147

بضم القاف و فتح الراء فياء ساكنة فنون مكسورة فصاد و لم يذكر له من الوقائع شيئا مهما.

15- بنية.

هذا هو ابن قرينص. و يقال له الأشمل أي أنه يزاول أعماله و حروبه بيده اليسرى (شماله) و يقال لفرسه (الجنيدية) نوع من الخيل معروفة و ضبطه ابن سند بضم الموحدة و فتح النون و تشديد الياء و يليها هاء التأنيث. من فرسان العرب و كرمائهم كانت له كعمّه فارس أيام الوزير علي باشا أبهة عظيمة و صدارة. أما كرمه فهو الغيث بل البحر الخضم. و أما منع الجار ..

فهو منه في الذروة و الناس إنما يحذون حذوه ..

و أما النسب فهو من بيوتات العرب:

تنميه للشرف العالي بنو ثعل‏ (1)* * * أسد الشرى و سراة القادة الأول‏

النازلون من البيداء فوق ربا* * * و الشائدون بيوت العز بالأسل‏

الناحرو جزر الأضياف نحرهم‏* * * أسد العرين بما سلوا من النصل‏

و المانعو الجار بالأسياف لامعة* * * بين الخميسين و العسالة الذبل‏

و بنيه هذا عبر من الجزيرة لغربي الفرات عند ما تولى وزارة بغداد سعيد باشا لما بين عمه فارس و آل العبيد من الضغائن لا سيما اميرهم قاسم ابن محمد الشاوي. و قد كان سعيد باشا ولي زمام اموره لقاسم فلما بين فارس و قاسم المذكور لم يستقر بنية في الجزيرة فنزل بعشيرته على خزاعة في سنة 1231 ه- 1816 م ليكتال و من ثم حدثت المعركة التالية و ذلك: ان شيخ الرولة من عنزة المعروف بالدريعي أرسل إلى حمود بن ثامر شيخ المنتفق فاستنفره فنفر بفرسان عشيرته لمساعدة الدريعي لما بينهما من الائتلاف. و كذلك خرج عسكر الوزير سعيد باشا و هم عقيل و كبيرهم قاسم الشاوي فقامت الحرب على ساق و قائد شمر بنية و هذا ما كر على جناح أو

____________

(1) بنو ثعل من قبائل طيى‏ء.

148

قلب إلا هزمه حتى تحامته الفرسان فقدر الله عليه في بعض كراته أن أصابته رمية بندقية فخر من صهوة فرسه قتيلا. (1)

ثم قال صاحب المطالع أيضا:

و لما لبنية من المكارم و الشجاعة و ارتفاع الصيت و للمودة بيني و بينه رثيته ارتجالا ... (2)

و ذكر قصيدة طويلة مطلعها:

قضى فلدمعي في الخدود سفوح‏* * * هزبر عليه المشرفي ينوح‏

أغر كريم النسبتين من الأولى‏* * * فخارهم كالنيرين يلوح‏

و جاء في عنوان المجد في تاريخ نجد أنه كان لحقه فارسان فلما أحس بهم أو أنهم دعوه للمبارزة جذب عنان جواده جذبة منكرة ليجرفه عليهم فرفعت الفرس رأسها و يديها و سقطت على ظهرها إلى الأرض و هو فوقها فصار تحت السرج و الفرس فوقه فأدرك و قتل‏ (3). و كان عمه فارس معه في هذه الوقعة.

و أما أثر قتلته هذه فكان كبيرا و له وقع في نفوسهم.

و مما قاله ابن عجاج في وقعة المنتفق هذه مقابل انتصارهم الأول على آل الشاوي يخاطب شيخ المنتفق و يذمه على افتخاره في قتلة بنية.

و كان هاربا من آل محمد و نزيلا عند المنتفق. ينقلون أنه قال:

خذلت شيخ دوم يخذلك‏* * * و عطيت له حبل الشرك و ثم كفيت‏

تسعين راس من كومك غدت لك‏* * * و شعاد يا خصّاي الدياچ سويت‏

يرمي البدوي قبائل المنتفق في خصي الديكة و هذا ما يتهمهم به‏

____________

(1) مطالع السعود ص 157- 158، و عمر رمضان في حوادث سنة 1231 ه.

(2) مطالع السعود ص 159.

(3) عنوان المجد ج 1 ص 159.

149

و يعده أمرا معيبا ... و يقول خذلت شيخا كان يخذلك دوما و قد قتل تسعين من قومك فماذا فعلت ...؟!

و على كل حال كانت وقائعه مشهورة. و لكن نهضة آل الشاوي للمرة الثانية مما ضعفت من عزمه فتألب القوم عليه و حارب حتى قتل بمناصرة من الحكومة و المنتفق و عنزة .. و إن عمه كان و لا يزال حيا و معه في هذه الوقعة ..

و قد مضت مدة حتى استعادوا مكانتهم أيام داود باشا و بهم استعانت الحكومة و بغيرهم من العشائر على حرب العجم في أيام الشيخ صفوق (صفوك) ابن فارس و هذه المغلوبية التي أصابت بنية لم تؤثر على قبائل شمر و إنما هي حرب مبارزة و لم تكن حربا حاسمة ...

16- صفوك: (1)

و هذا أشهر من نار على علم و قد لقبته الحكومة بلقب (سلطان البر) سنة 1249 ه- (1835 م) (2)، خلف بنيه ابن عمه في مكانته و نال حظوة لدى الحكومة أيام داود باشا الوزير.

هذا و تكاثرت المدونات في أيامه أو أن الذي وصلنا أكثر لقرب العهد. و يمتاز بالممارسة على الحروب أكثر ممن سبقه، و تدابيره في سوق الجيش مهمة. و لا ينكر لأمثال هؤلاء أن ينبغوا في أمر الحروب و قد ذاقوا حلوها و مرّها و نالوا منها الامرّين و اعتادوها. فالفطرة السليمة، و عيشة البادية، و الرياسة، و التمرن الزائد في أمر الحروب، و الذكاء المفرط، مما يعوض نوعا عن التجارب الفنية خصوصا إذا كانت ترافقه رباطة جأش، و صبر على المكاره، و انتباه قد يحصل ببضع وقائع محفوظة مع الحالة العملية، فيعوض عن دراسات عديدة، و قضاياهم لا تحتاج إلى ما يحتاج اليه في الحروب المنظمة ...

____________

(1) ظبطه ابن سند بفتح الصاد و هو في الأصل الممتنع من الجبال، و اللينة من القسي، و الصخرة الملساء المرتفعة ... فسمي به. (ص 264 مطالع السعود).

(2) عشائر سورية.

150

و إذا كان المرء مشبوعا بحب الحروب و مائلا إليها بكليته، و بيئته مساعدة للقيام بأمرها دائما، أو مراعاة ما يعوض عنها من مطاردة الصيد أيام السلم، فهناك حدّث عن الشجاعة، و عن الخطط الحربية، و التدابير الصائبة و لا حرج. و لو دوّنت وقائعهم التي يقصونها، و الوسائل التي يتخذونها لتنفيذ خططهم لهال الامر أو لحصل الاذعان في الكفاءة لهم و المقدرة.

و من المؤسف أن تصرف الهمم لأمثال هذه الأمور في غزو بعضهم البعض و كل واحد نراه ماهرا فيما زاوله. و الخطر و الصعوبة في أن ينال الواحد من الآخر حظه ...

و مترجمنا هذا يعد في طليعة شجعان العرب و أكابر قوادهم و لو وجد له تربة صالحة و بيئة مناسبة لظهر أعظم.

وقعته مع العجم:

و قد قال صاحب المطالع في حوادث سنة 1238 ه- 1823 م عن وقعة العجم التي حدثت سنة 1237 ه- 1822 م:

«أخبرني ثقات عدة أن صفوكا غزا ابن الشاه و عبر ديالى بفوارس من عشيرته إلى ان كان من عسكر ابن الشاه بمرأى فركب فرسان العسكر لما رأوه و كرّوا عليه فاستطردهم حتى عبروا ديالى و بعدوا عنها فعطف هو و من معه من عشيرته و من الروم عليهم فادبرت فرسان العجم و قفاهم فوارس شمر و قتلوا منهم من ادركوا و أتوا بخيلهم و سلبهم ... و أخبرني غير واحد أن هذه غير الأولى التي ذكرها المؤرخ التركي.» ا ه. (1)

و المحفوظ في هذه الوقعة انها كانت بالاشتراك مع قبيلة العزة و أنهم أبلوا فيها البلاء العظيم فتكاتفوا على عدوهم و عولوا على أنفسهم و لا ناصر

____________

(1) ص 212.

151

الشيخ جلوب الطرفة من رؤساء شمر طوقه‏

152

لهم من جيش الروم (الترك العثمانيين) و اذا كان معهم من عقيل بعض افراد فلا تعطف لهم أهمية ...

و شمر هؤلاء في حروبهم يهارشون المقابل و يطمعونه في النصرة دون غلبة قطعية حتى يأتوا إلى مجال الطراد و موطن العطفة- كما عبر ابن سند- فيعودوا الكرة على عدوّهم. و لذا يسمون أهل (العادة) و هكذا فعل صفوك في ترتيب خطته و نجاحها و هم أكثر تعودا لها و أساسا من صغره يزاولها.

و تفصيل الوقعة في تاريخ العراق بين احتلالين.

و قد مدح ابن سند وقعته هذه مع العجم و مؤازرته للوزير و بيّن أنه كان قائد الجيش و معه العشائر حتى قال:

«و لما نصر صفوك هذا الوزير ... أقطعه عانة و ما يتبعها من القرى فنال منزلته عند الوزير فعادى أعداءه و والى أوليائه ...

و أما كرم صفوك فمما سارت به الأمثال و أقرت به الأمثال ...» ا ه (1) و لصفوك هذا مع قبائل عنزة وقائع أشهرها:

1- يوم بصّالة. و هو يوم انتصر فيه شمر على عنزة سنة 1238 ه.

2- في السنة التالية انتصرت عنزة عليهم و هي عام 1239 ه- 1824 م.

و في هذه الوقعة الأخيرة انكسرت شمر فشد الوزير عضد كبيرهم صفوك ... كذا قال ابن سند.

و على كل حال ان كسرة شمر هذه المرة لم تكن القاضية و إنما هي على عادة العرب في قولهم (الحرب سجال). و لذا لم تتركهم الحكومة و إنما أخذت بيدهم فاستعادوا مكانتهم الأولى فقاموا بمهماتهم الحربية مع العشائر المناوئة.

____________

(1) المطالع ص 266.

153

و كان للحكومة من العشائر ما هم بمنزلة جيش متأهب للطوارئ و حاضر للكفاح و الاستنفار ...

و حوادث صفوك الأخرى من هذا النوع. و منها ما يتعلق بالقبائل الشمرية و لكن حادثة سنة 1249 ه- 1833 م تدل على انه بقي على ولاء داود باشا الوزير و كره حكومة علي رضا باشا فلم يذعن له.

و ذلك ان والي الموصل يحيى باشا كان أيضا على رأي الشيخ صفوك الفارس و كانت بينهما مراسلات. حث صفوكا على القيام فناوأ الحكومة و تمكن من قطع الطريق بين بغداد و الموصل و صار يتجول بين النهرين فجمع قوة كبرى و جاء إلى قرب الامام موسى الكاظم فحارب علي رضا باشا الوالي و جيش الحكومة و أمله كبير في أن ينكل بالقوة التي أمامه و يستولي على بغداد فكان لهذا الحادث وقع عظيم في نفس الحكومة ...

و في نتيجة هذه الحرب اضطر الشيخ صفوك على الانسحاب و ترك الأثقال ... (1)

و لما اطلعت الحكومة على نوايا والي الموصل عزلته و عينت مكانه سعيد باشا الوالي السابق و كان في بغداد. (2)

إن الحكومة بعد وقعة صفوك هذه مع علي رضا باشا قد احتالت فقبضت عليه و أبعدته إلى الأستانة و معه ابنه فرحان باشا و كان صغيرا تعلم التركية خلال بقاء والده هناك. و كانت المدة التي قضاها ثلاث سنوات.

و من غريب ما يحكى عنه أنه جاء إلى السلطان بتوسط الشريف عبد المطلب فدخل عليه و عندئذ صار ينظر يمينا و شمالا. و هذا ما دعا ان يغضب عليه السلطان مرة أخرى و يطرده من عنده و لم يدر السبب في حين انه كان يأمل أن يكرمه. ذلك لما رآه السلطان منه من سوء الأدب ... هكذا

____________

(1) المفصل في تاريخ العراق.

(2) تاريخ لطفي ج 4 ص 112.

154

كان يظن السلطان فيه و لم يدر انه بدوي، و أمثاله لا يعرفون مراسم التشريفات .. و الحكومة أساسا لا تعرف تقاليد العرب و عاداتها فلا يستغرب من السلطان ان يعتقد فيه ما اعتقد و هو بعيد عن البداوة، و لم يتعود التجول، و لا السياحات الوطنية على الأقل ... و لا بيده من كتب العشائر ما يبصره بأوضاعهم ... و قد رأينا من المغفور له الملك فيصل الأول ملك العراق صبرا عظيما من جفاء العشائر و خشونتها و هو يسمع جميع هوساتها ... و يتلقاها بكل سعة صدر و ارتياح، لانه عارف بهم و بضروب طباعهم و أحوالهم.

ثم انه توسط له الشريف مرة ثانية في الدخول فوافق السلطان. و لكنه حينما جاء إلى الصدر الاعظم صار يوصيه بمراعاة المراسم اللائقة و ان لا يرفع بصره و لا يلتفت إلى جهاته ... فقال لا ادخل، و لا فائدة لي من ذلك الدخول و حينئذ ارجح البقاء لأني سوف أذهب إلى قبائلي و احدثهم اني رأيت السلطان و شاهدت بلاطه و ما فيه من كذا و كذا ... و لو قلت لهم اني خرجت كما دخلت فلم أنظر شيئا فحينئذ لا يصدقونني بل يكذبونني و قالوا لا نصدق انك دخلت ..

فاوصل خبر ذلك إلى السلطان فاستأنس بما قصه. و سمح له ان يدخل و اذن السلطان له بمشاهدته و ان يتفرج على الأماكن الأخرى و النظارات (الوزارات) و كل المباني البديعة، و القصور الفخمة و الآثار .. (1)

عفا عنه السلطان، و اختبر هو الوضع من جهة، و من أخرى ان قبيلته معتادة الغزو و النهب و لا يمكن تعيين أي السببين قد دعا لقيامه على الحكومة مرة أخرى زمن الوالي نجيب باشا (2).

____________

(1) هذه الآثار و الممتلكات و النفائس في قصر الملك و في غيره قد نشرت الآن للعموم و صار يراها كل احد و فيها من العجائب و الغرائب الشي‏ء العظيم، شاهدتها سنة 1353 ه- 1934 م في تموز و ايلول منها و قد خلت الديار من مالكيها السابقين فلا نرى إلا آثارهم ...

(2) مختصر عثمان بن سند- مخطوطة الآلوسي على الهامش.

155

و يقال في هذه المرة لم تعلن الحكومة مطاردته و انما اتخذت طريق المسالمة و الحيلة للقبض عليه و أرسلت اليه رؤساء القبائل المشهورين لتقريبه من الصلح و الانقياد و الطاعة، فجاءوا به كمطيع، مسالم لها و منقاد.

فلما وصل إلى هور عقرقوف و قارب بغداد سلّ محمد بك سيفه عليه و ضربه فقتله غدرا و على غفلة منه ...

و جاء في تاريخ لطفي: محمود بك و الصحيح محمد بك ابن محمد بك. مات ابوه و هو في بطن أمه فسمي باسمه، و انه من آل سيد بطال المشهور عند الترك و بيد ابنه حسين فرمان ينطق بذلك فقد كان اولا باشبوغ في أيام الهايتة، و انه عين إلى العونية برتبة ميرالاي عند تأليف العساكر النظامية، و ان ختمه كان (بنده صمد السيد محمد). توفي حوالي سنة 1306 ه- 1889 م و دفن في مقبرة الشيخ معروف و أولاده احمد توفي صغيرا، و علي توفي بلا عقب، و حسين ولد سنة 1298 ه- 1881 م تقريبا و لا يزال حيا و منه علمت بعض الايضاح عن والده بالوجه المذكور ...

و كان محمد بك شابا حين الوقيعة و من ثم سمي ب (كنج أغا) لاكتسابه هذا المنصب شابا.

و كان الشيخ صفوك قد قضى أكثر ايامه بالحروب فهو متمرن عليها، و لا يستريح بدونها. و قصصه أشبه بقصص الابطال القدماء و حروبهم، و مجالس شمر لا تخلو في وقت من ذكريات بسالته، و التغني بمآثره و مناقب شجاعته ..

و اليوم بيت الرياسة العامة على شمر في (آل صفوك).

قيل كان قتل صفوك على يد الأتراك بالوجه المذكور سنة 1840- 1841 م كما جاء في كتاب عشائر سورية و فيه نظر. لأن وقائعه مع علي رضا باشا بعد هذا التاريخ ... كما رأيت ... و من أولاده: فرحان، و عبد الكريم، و عبد الرزاق و فارس (والد مشعل باشا).

و ممن رثاه ردهان بن عنكة قال:

ونيت و انا من غفيله‏* * * ونة عجوز وكفت بالمتاريس‏

156

لكت ولدها غادي مع حليله‏* * * و عكب الطرب بدلت بالهداريس‏

و اويل كيل صفوك و اطول ويله‏* * * ويل يموّس بسرة الكلب تمويس‏

من غبت عنا يا بناخي سبيله‏* * * غاب السعد عن نزلنا و النواميس‏

و نجفل جفيل الصيد و نرتع رتيعه‏* * * و صرنا مثل فرج المواعز بلا تيس‏

أنت و انا من غفيلة أنة عجوز وقفت بالمتاريس و قد وجدت ابنها قد ذهب و حليلته معه فابدلوا الطرب بالهلاك. ويلى على قالة صفوك و يا طول ويلي عليه، فاجد سرة قلبي تتقطع تقطيعا حزنا عليه، و ألما لمصابه ... و لما غبت عنا يا ابن اخي سبيلة ذهب السعد عن ديارنا و الذكريات المشرفة، و صرنا نجفل جفلة الصيد و نرتع رتيعه خائفين وجلين، و نحن كقطيع المعز لا رئيس لنا ...

و لم نتمكن من ايراد جميع ما قيل فيه من المدح في حياته. فان ذلك يحتاج إلى سعة زائدة و الى طول اقامة في البادية. و قد كتبنا ما حضرنا من محفوظات البدو و غاية ما يقال فيه انه خلد صيتا مقرونا بالكرم و الشجاعة و العز، و اعاد للعرب مجد شجعانهم الأقدمين و طيب اخبارهم.

17- فرحان باشا:

هذا ابن صفوك. و كانت وجاهته عند الحكومة رفيعة. و لم يقع له من الحوادث ما يكدر صفو الأمن و لا عرفت منه معارضة للحكومة. و ان الحكومة العثمانية انعمت عليه برتبة باشا و كان قد ذهب مع ابيه صفوك مبعدا إلى الأستانة كما ذكر. و المعروف عند البدو انه صاحب بخت (حظ).

و يدعو البدو دائما ببخته فيقال (يا بخت فرحان).

و كانت مشيخته و علاقته ببغداد. و له راتب منها و هو في خدمتها للأمور المدلهمة ...

نعم انه سالم الحكومة. و لذا راعت جانبه و رضيت عنه. و كان يساعد الحكومة اذا كان قريبا منها أو أخوه عبد الكريم اذا كان الحادث قريبا من ارفة ...

157

و قد ترك فرحان باشا اولادا كثيرين و قد بينّاهم عند ذكر سلسلة بيتهم.

18- عبد الكريم (أبو خوذة):

و هذا ابن الشيخ صفوك الذي ولد في حدود عام 1835 و نشأ في كنف المحترم مع باقي إخوته. اشتهر اسمه و نال مكانة معروفة و كانت مشيخته في ارفة و له راتب. و هو أخو فرحان باشا. و يعرف (بالشيخ) فالقبيلة تعرف هذا شيخها فسمي أولاده (بالشيوخ) و قد شنق سنة 1868 م بعد ان احاق بالأتراك خطرا ... و قد اتخذت الحكومة التدابير للوقيعة به بعين ما قامت به في حادث صفوك او قريب منه ...

و هذا ترك محمدا، و عبد المحسن، و صفوكا و لهؤلاء أولاد.

و مما قيل في الشيخ عبد الكريم:

عبد الكريم اليارجب يعبوبه‏* * * ليجن رجله عند الكفا عايبه‏

جده من امه من موارث حاتم‏* * * و ابوه شيال الحمول النوايبه‏

حامي الرمك معطي الرمك‏* * * له هدة تكثر بها الجنايبه‏

لو يكضب الياكوت ما عيابه‏* * * تلكى الندى بين الجحاجين رايبه‏

يقول: كأن عبد الكريم قد عيبت رجله حينما نراه راكبا جواده، وجده لامه من ذرية حاتم و ابوه القائم بالاعباء الثقيلة، حامي الخيل، و معطي الصواهل، و ان هدّته (صولته) تكثر فيها الجنائب (الغنائم)، و لو امسك على الياقوت لما حرص عليه، و تجد الكرم معتاده ...

و مما قاله فجمان الفراوي من قبيلة المطير في الشيخ عبد الكريم:

نبي ناخذ على الهجن سجه‏* * * من بين ابو بندر و بين ابن سعود

و نبي ناخذ على الهجن هجه‏* * * لديار سمحين الوجيه الاكرام‏

ترى الكرم ما به عجه ولجه‏* * * و لا احد يغالطهم جنوب و شامي‏

مكابل الجربان فرض و حجه‏* * * هل السيوف اللي تكص العظام‏

158

قال نريد نأخذ شوطا على الهجن (الابل) بين ابي بندر و بين ابن سعود الامام، و نبغي نمضي بهن غارة ملحاحة إلى ديار سمحي الوجوه الكرماء. اعلم ان ملاقاة الجربان (آل محمد) فرض و حجة، و هم اصحاب السيوف التي تقطع العظم ..

و ان ولده فارسا عاش أيضا مسالما للحكومة و مراعيا جانبها و هو شيخ شمر في انحاء سورية، صاحب مقام رفيع هناك. و ممن جمع صفات الرجولة و الدهاء و حفظ الوقائع الماضية و علاقة القبائل الأخرى بهم و لكنه دائما يود ان يظهر علو قبيلته على سائر القبائل ...

19- فارس:

هو ابن صفوك‏ (1) و والد مشعل باشا. كان قد جاء عالي بك والي طربزون السابق و مدير الديون العمومية بسياحة رسمية إلى بغداد دوّنها في كتابه المسمى (سياحت زورنالي) (2) المحرر باللغة التركية و المطبوع عام 1314 ه- 1897 م كان قد كتبه كرحلة عن سنة 1300 ه- 1883 م إلى سنة 1304 ه- 1887 م مبينا ما رآه في طريقه من الأستانة إلى بغداد فالهند. قال:

«قد ذهبت لمواجهة الشيخ فارس الجربا- بعد مروره من ماردين- فاستقبلنا ابنه محمد (و محمد هذا ليس ابنه و انما هو ابن اخيه عبد الكريم) و ادخلنا خيمته. و هي من شعر و طولها من 60 إلى 70 ذراعا و عرضها من 25 إلى 30 و لها عمد كثيرة و هي جسيمة جدا. (و قد وصف بيوتهم و طعامهم و قهوتهم‏ (3) و مجلسهم و لكنه لم يعرف العربية أو أن المجلس‏

____________

(1) ورد سابقا ان فارس بن محمد سهوا. هو ابن صفوك.

(2) و هذا من التواريخ المهمة كان قد قدمه تقريرا لحكومته عن سياحته و هو في الحقيقة من الآثار المهمة لمعرفة العراق في هذه الأيام التي كتب عنها.

(3) قال: قدمت لي القهوة فصبوا فنجانا ثم آخر و هكذا فظننت اني سوف اضطر ان اشرب ما في الدلة فالتفت الى الشيخ فارس فأمره ان قد اكتفى ...!! و لم يعلم ان العرب يصبون لضيفهم القهوة حتى يقول «كفى» ...