موسوعة عشائر العراق‏ - ج1

- عباس العزاوي المزيد...
518 /
309

و كان قبيل ذلك قد حدث بين قبيلة مطير و الضفير بعض القتال فقتل من مطير احد رؤسائهم من الدوشان، و قتل من الضفير مسلط بن الشابوش ابن عفنان (و من فروعهم العفنان فخذ يسمى باسمه) فارسل اليهم سعود و هو في الدرعية فاصلح بينهم و كف بعضهم عن بعض و توعد من اعتدى منهم على الآخر. فلما سار سعود في هذه الغزوة اجتاز بقبائل الضفير و هم في الدهنا، من جهة (لينه) الماء المعروف فامرهم ان ينفروا معه غزاة فنفر معه شرذمة رئيسهم الشابوش بن عفنان. فاستقل سعود غزوهم فانتهر الشابوش و غضب عليه. فقال انهم عصوني و هم يريدون المسير لقتال مطير.

و كان سعود شرب من لينة و مال منها يريد العراق فحرف الجيوش اليهم و شن عليهم الغارة و أمر فيهم بالقتل، ثم بعد ذلك اعتق غالبهم من القتل و قتل من عامة الضفير قتلى كثيرة من كل قبيلة و اخذ جميع اموالهم من الابل و الخيل و الغنم و السلاح و الحلل و الامتاع و الازواد. و لم ينج منهم الا الشريد من اقاصيهم و تفرقوا ... فمنهم من هرب إلى المنتفق، و منهم من فرّ إلى جزيرة بين النهرين، و بعضهم هلكوا في نجد.

هذا و كان قد حدث من عربان الضفير حوادث أخرى عديدة علمها الأمير سعود منهم تضييع بعض فرائض الدين، و ايواء المحدثين و توهيلهم و اضافتهم و اتاهم غزو من قبائل الشمال فأغاروا على نجد و اجتازوا بالضفير فاضافوهم، و ذكر لسعود ان ناسا منهم يغزون مع أعدائه على قبائلهم ...

كل هذا كان منهم و علمه سعود، و ان الحادث الأخير قوّى الشبهة فيهم، و جعله يقطع في صحة ما نسب اليهم فكان ما كان ... و هذا سبب نزوحهم إلى العراق في هذه السنة و هي سنة 1219 ه. (1)

____________

(1) عنوان المجد في تاريخ نجد.

310

و بعد أن جاءوا إلى العراق ضبطت وقائعهم، و عرفت حوادثهم مع الحكومة ..

و من وقائعهم في العراق انهم في سنة (1220 ه- 1806 م) كان غزو منهم برياسة روخي بن خلاف السعدي الضفيري، و راشد بن فهد بن عبد اللّه السليمان بن سويط، و مناع الضويحي رؤساء الضفير. و أكثر هذا الغزو منهم و من رؤساؤهم و هم في الموضع المعروف ب (فليج) في الباطن قرب الحفر فصادفتهم سرية من جيش آل سعود فاستأصلتهم تقريبا و لم يسلم منهم الا الشريد ... (1)

و في هذه الحادثة و بعدها لم يبق أمل لهذه القبيلة في مقارعة آل سعود ... و تعدّ خاتمة الوقائع في الانتقام منهم، و الحكومة العثمانية بطولها و عرضها، و قوة جيشها و جمهرة قبائلها ... لم تتمكن من آل سعود فكيف بالقبيلة الواحدة و على كل حال هذه حاسمة الوقائع بينهم و بين آل سعود.

و في سنة 1224 ه- 1810 م حدثت للضفير و عنزة حادثة مع شمر و أمدّ الوزير سليمان باشا قبيلة شمر و لكن انتصر الضفير و عنزة على شمر و على الجيوش ...

و قال المؤرخ الشهير سليمان فائق ابن الحاج طالب كهية في تاريخ المماليك عن هذه القبيلة بعد ورودها العراق ما نصه:

«هذه القبيلة من القبائل النجدية العظمى، أرادت ألا تنقاد إلى آل سعود بأداء الزكاة عن أنعامها، و أن لا يسيطر عليها أحد فيما ترتكبه من الجرائر و المفاسد ففروا من سلطة الوهابيين و جاءوا إلى الخطة العراقية ...

و قد شوقهم على المجي‏ء أمراء المنتفق كسائر من تمكنوا من جلبه لجانبهم بقصد التقليل من صورة الوهابيين و تقوية جهتهم و اعزازها بأمثال هؤلاء مبدين لولاة بغداد صلاح ذلك و أنهم قاموا بخدمة مهمة في تزييد قوتهم و مكنتهم و اعتزاز عشائرهم ...

____________

(1) عنوان المجد ص 134 ج 1.

311

أظهروا ذلك و حسّنوه للوزراء و الحال ان هؤلاء انما رحبوا بهم و قبلوا دخالتهم لأغراض أخرى غير هذه و ذلك أنهم أضمروا أيضا أن يستخدموهم على حكومة بغداد فأمّنوا صولة الوهابيين في الظاهر و عادية الوزراء في الباطن إلا أن الوزراء لم يطلعوا على هذه الجهة فعدّوا ذلك منهم مفخرة، و خدمة جلى .. و لذا نالوا كل اعزاز و تكريم لما قاموا به ...!

و بذلك فتحوا بابا جديدا من الغوائل و هي غائلة الضفير.

كانت هذه القبيلة قد مضت إلى أورفة، و ان الوزير سليمان باشا عزم على التنكيل بها و لكنه عاد بالخيبة و لم ينل مطلوبه بل ان هذه الحركة منه بفيلق عظيم و تجاوزه حدود إيالة بغداد و تدخله في شؤون إيالة أخرى دون استيذان من حكومته مما أسخط عليه رجال الدولة ...» ا ه (1)

و على كل حال ان تاريخ نزوح هذه القبيلة إلى العراق قد عرف بالوجه المشروح و تعين بصورة واضحة، و لا يخلو من بعض المقدمات. إلا أن مؤرخها سليمان فائق تحامل على أوضاع هذه القبيلة، و اتصالها بأمراء المنتفق من جهة أطراد الوقائع، و من حدوث وقائع مستقلة قد فسرها تفسيرا لا يحلم به البدوي، و الحالة الراهنة هي التي تدعو، و التفسير حدث بعد الوقوع لا بالوجة المنوي أو المتفق عليه ...

وقائعهم معروفة، و مدونة في تاريخ العراق، و الملحوظ ان هذه القبيلة لا ترغب أن تحافظ على نظام بل من مصلحتها أن تشوش كما يفهم من تاريخها إلى عهد آل سعود، و لما قضى هؤلاء على عوائد كثيرة كلها حرب و غزو مالوا إلى العراق ..

و هذه القبيلة تتألف من فروع كل منها ينتسب إلى قبيلة ذلك ما دعا أن تضطرب كلمة النسابة فيهم .. و الصواب أن نسب كل فرق معروف‏

____________

(1) تاريخ الكولات ص 15.

312

و معترف به و النبز لا يعول عليه، و إنما يذكر كحادث أدبي كما ينقل عن جرير و غيره في مهاجاتهم ...

و فرقهم:

1- البطون: و هؤلاء يعدّون فروعا كثيرة و كل منها ينتسب إلى قبيلة و التسمية بالبطون توضح هذه الفكرة و أشهرها:

1) البويت. و هذا تنقاد له عشائر الجزيرة عند الخلاف في قضاء، و هو المعروف ب (المنهى)، و هو بمقام (محكمة التمييز) عندنا، و قوله الفصل، و لا يرد له قضاء.

2) بنو حسين: رئيسهم مسعود بن مرشد.

و هؤلاء مع البطن السابق يدعون أنهم من الشرفاء، و علاقاتهم التاريخية تؤيد دعواهم، و في النص المنقول عن الحيدري ما يحقق هذه.

و هم أعرف بنسبهم و نخوتهم (أولاد حسن).

3) آل سعيد: و من رؤساؤهم ابن خلاف من فرقة الضفير القائل:

ان سلت عنا يا سويطي كحاطين‏* * * حنا و عبده و الهيازع بجدين‏

و كان رؤساؤهم حماد المديهم و محسن بن خلاف و ثوات بن خلاف:

1. الخضور. رئيسهم عبد الرزاق بن خلاف.

2. العجالين. رئيسهم اللحيس.

4) بنو خالد.

5) آل كثير (آل جثير). رئيسهم ابن جريد.

6) الطلوح. يدعون انهم من عنزة.

7) السويط. الرياسة كانت من القديم فيهم و هم من آل ضويحي ...

و من رؤسائهم المعروفين قديما فيصل بن سهيل السويط، و سلامة،

313

و مسلط بن الشابوش بن عفنان و آخرون ذكرهم صاحب عنوان المجد في تاريخ نجد بلفظ (صويط) صحيحه سويط و رئيسهم اليوم جدعان السويطي و عجمي الحمود السويط و نخوتهم (خيال الكروه سويطي). و لا صحة للنبز القائل بأنهم من الصلبة.

8) السلطان.

9) آل مذعر.

10) الحولة.

11) البطاح.

12) العفنان.

13) الضويحي. و هؤلاء كانت الرياسة فيهم، و منهم آل سويط.

14) الرسمي. يدعون أنهم من شمر.

15) عدوان. و هؤلاء من القبائل القيسية.

2- الصمدة. و هؤلاء قديمون جدا و نخوتهم أخوة سلمة و وقائعهم مع عنزة كثيرة. و منها أيام دجيني بن سعدون باذراع. و رئيسهم لزام بن ظاهر با ذراع و فروعهم:

1) آل عريف. يدعون انهم من قحطان. رئيسهم نحيطر العصلب.

2) الجواسم. يدعون انهم من سبيع. رئيسهم محمد بن عفيصان.

و نخوتهم (خيال الصبحه طماح).

3) النفيسان.

4) آل معلم. يدعون انهم من تميم، و يقال لهم المعاليم. رئيسهم طميش البريكي.

5) المسامير. يدعون انهم من عنزة. رئيسهم محمد بن عفيصان أيضا.

314

6) العسكر. رئيسهم منوخ بن كحيصان.

7) العلجانات. رئيسهم محمد الهكيش.

8) الذرعان‏ (1). يدعون أنهم من قحطان، نخوتهم (أخوة سلمه) كنخوة سائر الصمدة و يتصلون بشمر. و هم رؤساء الصمدة (آل باذراع). و رئيسهم لزام بن ظاهر باذراع و لا صحة للقول بأنهم من العبيد الزنوج، و إنما ذلك ناشئ عن غضاضة و نبز بين القبائل فلا يعول عليه و باذراع هو القائل:

عاشت يمينك يولد* * * شوايعك جتنا من بعيد

هذي مراكيل الولد* * * ما يضرب الا بالوريد

يابا الخلا ذرب جوابك‏* * * يا شين محنا عبيد

حنا دراكم من شمال‏* * * يوم انت بالركعي تصيد (2)

قال ذلك لما أن سمع السويطي يتهمه بأنه عبد، و من هذا ما يقال ان السويطي سأل باذراع من أين مهب الريح يعرض بأن أصله صلبي فأجابه:

من مسكت ...!

و قال باذراع‏

ابو عجاجه وش بلاك‏* * * صارت براسك رابعه‏

ست أكوان مطبكات‏* * * و بعد عليك السابه‏

و من راجع تاريخ هذه القبيلة و وقائعها مع الحكومة و مع القبائل الأخرى علم درجة نشاطها و قوة تجولها، و هي في أوضاعها القبائلية من أذكى العرب و أنشطهم ... كابدت و جالدت لتعيش عيشة راضية فلم تفلح، و لا تزال في عناء و ضعف ... لم يطب لها القرار في موطن، و لا تزال على بداوتها إلا قليلا و شهرتها في الكرم و الشجاعة و الإباء معروفة.

____________

(1) بين في كتاب قلب الجزيرة أنهم (الظرعان) و هذا غير صحيح.

(2) و في رواية جاء عوض الشطر الأخير: ننحي العدو عنكم بعيد

315

- 13- قبيلة حرب‏

هذه القبيلة أصل مواطنها الحجاز و نجد، و في الأيام الأخيرة بسبب واقعة آل سعود في الحجاز مال قسم منها إلى العراق؛ و صارت تسكن الشامية قرب الاخيضر بين الأبيّض في انحاء الحجرة و بين عين التمر، و غالب الفرق متوزعة في القسمين كما أن الرؤساء منهم في العراق، و منهم في الحجاز رأيت رئيسها مرتين و جرت محادثات معه كثيرة حول قبيلتهم و هو الذي بين لي فروعها، و كنت سألته عن بعض عوائد القبيلة، و كان صريحا في لهجته كسائر البدو، و لما قلت له عن الحشم من جراء انتهاك حرمة امرأة قال ليس لدينا سوى القتل للاثنين، و لم يستطع أن يعلل قتل المرأة المعتدى على عفافها و ذكر انه لم يقع شي‏ء و لم ير حادثا من هذا النوع ... و لم يكن طاعنا في السن، و روح البداوة ظاهرة فيه، و الخشونة غالبة شأن من لم يألف المدن ورقة أهليها، أو مراعاة آداب معاشرتها ...!

قضت هذه القبيلة بضع سنوات و قد سمعت في هذه الأيام عودتها إلى مواطنها الأصلية في الحجاز و سكناها هناك فلم يطب لها المقام في العراق، و لم أقف على الأسباب التي دعت إلى العودة مع حسن الريف و كثرة النعيم، فلا لوم عليهم، و البدو عندنا لم يألفوا حياة الريف، و ما يتعلق بها من زراعة ... دون غزو و نهب ...!

و أصل هذه القبيلة على ما علمته من رئيسهم من القبائل العدنانية أخت عنز بن وائل، و تقول ان جدها معاز بن وائل و منه تكوّنت. و هذا لم‏

316

يعرف في كتب الأنساب، و في كتاب قلب الجزيرة ان اكثرها من العدنانية و هي مجموعة أحلاف يدخل فيها كثير من العناصر المتباعدة في النسب.

و في تاج العروس «قبيلة في الحجاز» و لم يزد علي ذلك. و كل هذا لا يبرد غلة إلا أن حفظ القبيلة يؤيده ما جاء في القلقشندي في أنسابه من أن «بني حرب من بكر بن وائل من العدنانية» (1) و لكن لم يعرف اسم (معاز) الجد الذي يدعون الانتساب اليه.

و فرقها:

1- بنو علي. و الرؤساء منهم، رئيسهم بندر بن سلطان الفرم، و رئيسهم في الحجاز محسن الفرم.

و هؤلاء يتفرعون الى:

. الجبور. و منهم الفرم و ولد مرير:

1) الكراشيف.

2) اللهامق.

3) الدواغره.

4) المشارطة.

5) الكلخه.

6) الكتمد.

7) الفقوع.

ب. ولد مرير. و ينقسمون الى:

1) آل دهيم. و هؤلاء رئيسهم نايف بن مبارك.

____________

(1) نهاية الارب في أنساب العرب ص 194.

317

2) الطرفا.

3) العبدة.

و عوارف بني علي:

1. نامي بن طريف.

2. مجول بن دهيم.

3. مطلك بن غنام.

4. صحن بن خربوش.

5. هايف بن جبر.

2- بنو عمرو:

و رئيسهم هندي بن ناهس الذويبي. و هو عارفة أيضا. و هؤلاء يتفرعون إلى الفروع التالية:

أ. العطور:

1) الذوية.

2) الربعة.

3) الطرمسان.

4) الحوامضة.

5) المواعزة.

ب. الشعب.

ج. البيضان.

د. الفيادين.

ه. البدارين.

318

و عوارفهم:

1. مبارك بن مسلط.

2. ناصر بن حمدان.

3. مسلط بن متروك.

3- بنو سالم:

رئيسهم حجاب بخيت. و هو عارفة أيضا. و من عوارفهم برك بن هادي و يتفرعون الى:

أ. مزينة. رئيسهم سلطان بن هادي.

1) آل مسعود.

2) آل عريمان.

3) الحضنان.

4) المشارية.

5) الهواملة.

ب. ولد علا:

1) الجملا.

2) الغربان.

3) الحنانية.

ج. ولد محمد:

1) الأحامده.

2) الزغيبات.

د. ولد سليم.

319

4- الفردة:

رئيسهم دعار بن حماد و يسمى الحماد. و هو عارفة أيضا. و فروعهم:

1) الحماد.

2) الهضان.

3) الفريد.

4) النومان.

5) الدواميك.

6) الخليفة.

و من عوارفهم:

1. مخلف بن هديب.

2. مطلك بن رشيدان.

3. عجب أبو العشائر.

5- مخلف:

رئيسهم ابن مطلح.

6- عوف:

رئيسهم سعيد الذجري. و هو من العوارف:

1) سويد.

2) السهليه.

3) اللهابه.

4) الصفران.

5) الكنادرة.

320

7- البدرين:

رئيسهم و عارفتهم رباح بن غليفيس.

8- الوهوب:

رئيسهم و عارفتهم دعار بن سعده، و من عوارفهم ماجد:

1) المضيخ.

2) العويض.

3) الخلصه.

4) الشراذين.

5) المضحان.

هذا ما علمناه من الرئيس و أضفنا إليه بعض التفريعات التي في قلب جزيرة العرب. و هم الآن عادوا إلى مواطنهم و لم يكن في الامكان التحقيق منهم رأسا عما جاء في نقول قلب الجزيرة، أو التوسع في موضوعها و قد أثبت ما علمته من الرئيس. و سوف أوضح عرفهم كما علمته منه في موطنه ...

321

- 14- قبيلة صليب أو الصلبة

هذه القبائل نستطيع ان نعدها من (القبائل المتحيرة)، و المشهود أنها من (آل) أي القحطانية و تلفظ (صليب). و هم بدو يترددون إلى انحاء العراق في كل سنة و لا يفترقون عن سائر البدو الا من جهة انهم يتعاطون امورا في نظر العرب سيئة كبيع ادوية نباتية يصنعونها، و نساؤهم يطرقن بالحصا و يقال له عندهم (الطشة). فيرتزقون منها في المدن و لا يأتيهم مريض إلا و يقولون له عندنا الشفاء و انه يكون بكذا و كذا بصورة مقطوع بها لا يتردد الواحد منهم. و لا يحملون السلاح للحرب و المناجزة أو الغزو و النهب ..

و هم منتشرون في انحاء مختلفة فلا يستطيعون أن يعيشوا كتلة كبيرة.

و أصلهم بدو قد قضت عليهم الحروب في أبعد الأزمان فانقرضوا و بقوا متفرقين فهم بقاياهم المنتشرة. و هم أعرف بالقيعان و أدرى بمواطن الماء (الآبار) و المياه الأخرى. فكم أنقذوا من الهلاك تائها كاد يقضي عليه العطش و الجوع في صحراء بعيدة المدى، لا يدرك لها ساحل و لا يعرف لها نهاية طبعا بالنظر لوسائط النقل المعروفة ...

و نرى العرب يعدون من أظلم الظلم التجاوز عليهم و لا يتصور أن يغدروا بتائه ضل الطريق. و العرب لا تعترف بسمو نسبهم. و لكنهم أنفسهم يعتقدون أنهم (صبة، صليبة) أي من العريقين في النسب و لكنهم نسي أصلهم أو أخفوه لأمر سياسي أو حربي لحقهم و كتموا نسبهم حتى عن أولادهم فبقي مجهولا ...

322

و ما قاله بعض الكتاب من أنهم من الصليبيين فهذا من أبعد الأمور و أغربها ... فلا علاقة لهم بالصليبيين و لا باليونان، أو الرومان ... فهم منقطعون عن الأمم الأخرى و لا نجد في لغتهم ما يؤيد فكرة الصليبيين.

و معرفتهم بالحيوانات الوحشية و النباتات للأدوية ما يمنع عدهم من الصليبيين ...

و إذا كانوا اقتبسوا بعض الألفاظ من أهل المدن مع أننا لا نرى منها شيئا بسبب المراجعة فهذا لا يدل على صلة سابقة أو قرابة بعيدة ...

و الصحيح أنهم أنفسهم لا يعرفون أصلهم فقد نسي بادئ بدء و أخفي عن الأولاد و عاشوا بمعزل عن العشائر ضاربين في البراري ... و كل فرع من فروعها ينتسب إلى قبيلة معروفة و هذا يؤول في أنهم تحت رعايتهم و حمايتهم في ترددهم إلى موطن ما.

و قد جاء ذكرهم في دائرة المعارف للبستاني في مادة (صليبية)، و في المقتطف في المجلد الثاني عشر و في مجلة المشرق ج 1 ص 675 و فيها بيان لبعض أوصافهم إلا أن الجميع لم يعينوا أصلهم بوجه الصحة و غاية ما ضربوا عليه وتر الصليب و وجود علاقة بينه و بينهم و لم يدعموا ذلك بأي دليل سوى مشابهة اللفظ و موافقة حروفه لا غير ...

و الاستدلال بأنهم ليسوا من العرب باستنطاق ملامحهم و بعض خصائصهم البدنية و نحافة جسمهم مما لا يدعمه برهان و لا يؤيده أثر خارجي ... في حين أنني رأيت نظمهم بدوية لا تفترق عن عوائد البدو من شمر و عنزة و سائر عشائر الشامية، و من عوائدهم المخالفة ما يعين أنها ناشئة من عدم اتصالهم بالعشائر الأخرى إلا معاشرة طفيفة و مؤقتة. و مثل هؤلاء ما ينقل عن سكان جبل عكاد الذين لا يختلطون بقوم كما نقل العرب عنهم في بداية تدوين اللغة و نقل كلام العرب من نفس المتكلمين باللغة العربية.

و أما ما يقال من أن العرب يعتبرونهم غير عرب فهذا غير صحيح.

323

عبود الخصيلي المعروف بالحاج سليمان طبيب البادية من الصلبة

324

و إنما يقولون إنهم يتعاطون أخس الأمور و لم يناوئوا قبيلة و لا يخفرون ذمة لضعفهم، و من جهة أنهم ليس لهم نسب معروف ... و ان لاختيار النسب علاقة في نبذهم كما نبذ العرب باهلة لصفات اختصوا بها. و منهم من يعدهم من باهلة. و الظاهر ان هذا ليس بصواب.

أما ديانتهم فلا يسع المرء انكار انهم مسلمون. و ان التقولات عن أصلهم عبارة عن اذاعات من النصارى و في طبعهم ألفة لكل أحد فلم ينفروا من أحد و لم يخالفوا امرءا و لكنهم على وضعهم البدوي. و هنا أمر جدير بالانتباه و هو أنهم لم يقوموا بالوجائب الدينية و المراسم و التقاليد الشرعية تماما فهذا غالب في أكثر البدو مما عدا اتباع ابن سعود.

و على كل حال هم بدو و لكن عيشتهم عيشة سيئة فلا يزاحمهم فيها أحد. يطاردون الغزلان و الحيوانات الوحشية و من جلودها يتخذون لباسهم و بيوتهم و يقتنون الحمر الوحشية و سائر الحمر التي لا يقتنيها البدو ...

و أكلهم بسيط جدا فهم قنوعون أكثر من كل العرب.

و لا صحة للقول بأنهم يتخذون المكيار. و لكنهم يتخذون البارودات في أقدم أشكالها مثل تفكه شيشخان و الكرطة و هي معروفة. و اليوم أسلحتهم لا تفترق عن سائر البدو.

و هم أعرف بمواقع الأمطار و من أخلاقهم ألا يسرقوا و لا يخادعوا و لا يمكروا، يؤدون الدين. و لكن الكدية غالبة في طباعهم. لا يحرم في نظرهم طعام إلا المحرمات الشرعية المعروفة. العفة و الطهارة غالبان فيهم.

و للزوجة علاقة و اتصال بزوجها تسير معه حيثما سار، و تعينه في مشاق حياته.

و يسكنون خيام الجلد- جلد الغزال- و لا يستقرون في مكان يرتادون الكلأ البعيد عن ممر الطريق أو ملاجئ العشائر، فلا يزاحمون أحدا ...

و ليس فيهم خلاعة و لا سوء أخلاق و لا ما يجلب الأنظار أو يخل بالآداب. و طبّهم نباتي صرف أي أدوية معمولة من النباتات. و لهم حذاقة في‏

325

صنعها و تكاد تمثل أقدم أزمان الطب عند الأمم العريقة في البداوة.

و يقولون (هذا دواء الكهر) أي دواء القهر أي المياسير. و يقومون بأنواع الكيّ. و هذه صنائع قديمة محفوظة لهم و لسائر العرب و الناس يركنون اليهم في اكثر الأحيان مع وجود أطباء العرب و أطباء المدن ...

فكم رأينا من أهل المدن و البادية عندنا من يميلون إلى تجاربهم في الطب و يرجحونها على الطب الحديث و يعتقدون ان مبناها التجارب و يرون ان فيها فائدة.

و من أدوية صليب: الفتيل و أدوية أخرى للدود ...

و لا يختلفون عن سائر البدو في الأمور الأخرى. و المهم ملاحظته ان الباحثين لم ينظروا إلى قبائلهم، و فروعهم، و لا إلى جماعاتهم مما يعين لدراستهم من جهاتهم البدوية و لا الاطلاع على حالاتهم الروحية، و لا أوردوا اشعارهم، و لا عينوا آدابهم و درجة علاقتها بآداب البدو ...

و لا نرى اتصالا بين هذه القبائل لنعد التفريع حقيقيا فنرجع فيه كل فريق إلى من يمت اليه و في الغالب نجد نخوتهم (أولاد صلبي) أو (أولاد غانم) الا أنهم يعدّون من (آل) فهم ينزعون إلى القحطانية أو ما ماثلها، و هي على كل حال تعتبر من (القبائل المتحيرة) التي نسي ماضيها .... و لا تزال قبائل قد جهلت ماضيها فلا تحفظ أنها قحطانية أو عدنانية على ان هذا لا يخرجها عن عروبتها ... و قد تحققت من الكثيرون منهم انهم لا يقطعون في معرفة جذمهم و في الغالب يرجعون إلى فروع من قبائل أخرى ... و الملحوظ أن بعضهم شتيت من قبائل منقرضة، و من قبائل لا تزال باقية و الحوادث دعت بعض أفرادها فعاشوا معهم و صاروا منهم ...

و هذه أشهر فروعهم أو مجموعاتهم:

1- نفس صليب:

و هؤلاء نخوتهم (عيال الصليبي) و رئيسهم ابن حليس. و هم لبة الصلبة كما يقولون. يتفرعون إلى فروع منها:

326

1.- الجميل. و هؤلاء في الشامية غالبهم مع ابن سعود. و رئيسهم غنيم ابن سريعة و نخوتهم (أخوة سلمة). و يقولون ترجع إلى الجميل من بني حسن و من جراء الاشتراك في النخوة صار يطعن القوم و ينبزون الصمدة من الضفير في حين ان الاشتراك في النخوة لا يعني دائما القربى. و هناك نخوات كثيرة تتشابه و بين قبائلها تباعد كبير.

و هم:

1. مضيان. يدعون انهم من السلقة من عنزة.

2. جميل. نخوتهم اخوة سلمة.

2.- آل ماجد في العراق و في أنحاء الكويت. و رئيسهم حمود الشنوف و نخوتهم عيال غانم و يرجعون إلى غانم بن صليب. و فروعهم:

1) الغوازي. قوم الغوزي. في انحاء سنجار. رئيسهم عابد الغوزي و مطير أخوه.

2) الحريج. رئيسهم ابن خلده.

3) الغنمي. نخوتهم أولاد غانم.

4) الضبيب. و يدعون انهم من الجواسم من الضفير.

5) الكبان.

6) الرويعي. نملان بن حمود العضب.

3.- البذاذلة. قوم سعران بن حاني و نخوتهم (الهديب). يسكنون في انحاء الجربا في سنجار. و فروعهم:

1) الهديب. سعران بن حاني.

2) المضحى.

3) الهرشان.

327

4.- الهزيم. رئيسهم فرج الفريخات و كانوص بن هذال. و هم خلفة بلادان و من اولاده كودر بن بلادان و هؤلاء يجمعون الكل. و هم في أنحاء شفاثة (عين التمر) في محل أبعد. و فروعهم:

1. البيّات.

2. الهزيم. منهم من أولاد غانم.

5.- آل مسيلم. و نخوتهم (عيال مسلم)، يرجعون إلى رشايده من ذوي رشيد. و منهم من يقول يرجعون إلى هتيم. و رئيسهم مطلك بن طمهور و الآن أخوه علي بن طمهور و هلال بن كطن و الآن أخوه هيجل بن حمدان ابن كطن. في الطكطكانه و الحدود من أنحاء كربلاء و النجف الأشرف.

و فروعهم:

1) العويويد. رئيسهم مطير السعود. و منازلهم حول الرحبة، و اللصفه، و الشبجه ...

2) الكطن. رئيسهم هيجل بن حمدان.

3) العليان. رئيسهم رواك بن رجعان:

1. الهويمل.

2. الصغير.

3. نفس العليان.

4. الجمعه (عيال جمعه). رئيسهم حبيّب بن عمر:

1. الصبيخان. رئيسهم ماجد بن محسن.

2. الدهام. رئيسهم عايد بن روضان.

3. الحديب. هم الرؤساء.

4. الوعلان.

328

6.- العناترة. رئيسهم خليف الخليوي (بتفخيم اللام)، في أنحاء السماوة نخوتهم (أولاد عنتر) و دياحين على نخوة بعض فرق مطير.

و فروعهم:

1) المخاشبه. رئيسهم سعدون بن ناصر.

2) الخليوي. فرقة الرؤساء.

3) المحارفة. بريم بن بريّم.

4) العسابلة.

5) الصبح.

7.- البناك. يرجعون إلى أولاد غانم و هؤلاء اقرب إلى الجوف في حدود لواء كربلاء. و رئيسهم فرحان بن كرموش و يتصلون مع الماجد بغانم.

و فروعهم:

1) الكرموش.

2) الحصاة.

3) الفرحان.

8.- السعد. نخوتهم اخوة سلمة. و يقال انهم أصل كل الصلبة و ينتسبون إلى سعد العشيرة من قحطان، و يقال لهم السعدات، و هم خلفة غانم عيال صليب. و فروعهم:

1) السيالان. في أنحاء قضاء سامراء و سنجار. رئيسهم ضبيعان الحنيان.

2) الحماد. رئيسهم مطر الصايد.

3) المعيبي. في نجد.

4) العرمان. في نجد.

329

5) النويشي. في نجد.

6) الطرفه.

7) العراكيه.

8) الحسن. في الجزيرة. رئيسهم ابن جراد.

9) الهدلان. خلفة جاسم.

9.- الخصيلات:

و هؤلاء يرجعون إلى العجمان إلى الجبعر. يتفرعون الى:

1) المزايدة. و نخوتهم عيال مزيد:

1. الكنيصات.

2. المبارك.

3. البريجان. رئيسهم عبود الخصيلي و يعرف في العراق باسم سليمان.

4. السميان.

5. الننه.

6. الظهران.

2) السليمان. و نخوتهم أولاد سليمان و أصلهم و المزايدة أولاد جد واحد:

1. الفرح.

2. الجبّور.

3. الخميس.

10.- الصبيحات.

330

11.- المالج.

12.- الهريريات.

13.- الصريرات.

3- هتيم:

قبيلة أخرى من الصلبه و كثير من قبائلهم ترجع اليها. و قد أورد في قلب جزيرة العرب بطونهم، و هي:

1) الذيبة.

2) الجلدة.

3) آل براك.

4) الدوامش.

5) الفجاوين.

و المعروف منهم عندنا:

1) الشرارات. و هم (عيال العود). و لهؤلاء فروع عديدة أشهرها:

1. الحلسة.

2. الفليحان.

3. العزام.

و لكل من هذه فروع ...

2) الحازم. رئيسهم معيذف بن خلف. و هم عشائر عديدة:

1. آل عيسى.

2. آل موسى.

3) العوازم. و هؤلاء يراجعون الكويت.

331

3- السبوت. الآن قليلون.

4- الهليّل. رئيسهم سارع بن المريخي.

5- الشيخات. ذكرهم في قلب جزيرة العرب.

6- آل رويعي. (ورد في قلب جزيرة العرب آل رويع). و هؤلاء تبع الماجد. و هم يرجعون إلى عبس.

7- الصليلات. هذه من القبائل المتحيرة و تعد من الصلبة و تعزى إلى عبس و نخوتها (أولاد عبس). و مواطنها في أنحاء الكويت و الزبير و جهات نجد، و لما كانت بعيدة عن العراق لم نتمكن من تحقيق صحة عزوتها و انتسابها.

و هذه أفخاذها:

1- الغافل. رئيسهم علي بن غافل.

2- الشعبان. رئيسهم معتك بن شعبان.

3- الهنادسة. رئيسهم الهنيدسي.

4- الرضيلات. رئيسهم عبدي الرضيلة.

5- الكواميخ. رئيسهم حمود الكاموخه.

6- المعيتك. رئيسهم حنيد المعيتك.

7- المغامس. رئيسهم جويعد.

8- الطواثيب. رئيسهم عبد الله.

و على كل حال ان الصليب معروفون بمخايلة البرق، و في التطبيب باستخدام بعض العقاقير النباتية، و عيشتهم بسيطة جدا، و لم يتطلبوا ما هو معروف عند البدو من الغزو و النهب و المفاخرة نظرا لضعف حالهم و قوة عصبيتهم. و الآن اعتزوا في نجد بقبولهم مذهب السلف و صاروا قوة لا يستهان بها. و قد عدد صاحب قلب الجزيرة الرؤساء الذين قبلوا العقيدة

332

السلفية. و هم الوحيدون الذين يعيشون على البداوة الأولى، و يتمكنون أن يحصلوا على رزقهم منها ... و يستغنون بها.

و لا يختلفون في الغالب عن سائر البدو إلا في بعض الخصال التي يأنف منها العربي ... و يقال لهم (ولد الخلا) ...

و عندهم لا تكره المرأة على الزواج، و إنما يؤخذ رضاها. و المهر عندهم تابع للرضا و هو متفاوت جدا. و عند المسيلم منهم المهر بعيران أحدهما يقال له (هفيان) و هو الذي يأخذه أهل الزوجة، و الآخر يسمى (نميان) و هو الذي تأخذه و يمنو لها. و إذ تفاختوا (تطالقوا) كان ذلك بناء على موافقة. أما إذا تزوجها غريب و علم بذلك ابن عمها و نهى لزمه ان يؤدي ما صرف و لو دخل بها .. و بهذا لا يختلفون عن كثير من القبائل.

و ممن اشتهر من نسائهم: 1- دكيس. و هي مزيدية من الخصيلات. قالت قصيدة في ماجد الدويش كان قد تزوجها، و يحفظها كثيرون. و هذه بعض أبياتها:

يا الله يا عايد على كل ديره‏* * * يرب يا منشيب مزن مصادير

يا الله ما تكره النفس خيره‏* * * يا والي الدنيا عليك التدابر

و جدي على اللي جدم‏ (1) بيته‏* * * حجيره اللي تمناه العجاف المعايير (2)

وليه يماجد تبتن بجبيره‏* * * و زود على تلطيخكم بالمعايير

صلبية يا شيخ ماني نحيره‏* * * و انتم ذبايحكم ركاب المناعير (3)

و ماجد ليارجب الجواد الظهيره‏* * * تكطعت حيرانها و المخاليل‏

خيال مال يردد نشيره‏* * * و غاد على روس النوازي‏ (4) دعاثير

____________

(1) قدم الرجل.

(2) الابل.

(3) الشجعان.

(4) الأماكن العالية.

333

زبن الحصان اللي كطاته جبيره‏* * * و فكاك بالضيجات زمل الغنادير (1)

و على هذه القصيدة أمر أن لا يؤلمها أحد بقول و أسكنها ...

و لهذا كانت تتغزل به:

برك مجنب عنك لو كان له نور* * * لا تستخيله و لو ربيعة شفاكه‏

و من لا يشورك لا تراجيه بالشور* * * و من لا يودك نور عينك فراكه‏

انا بشفى واحد من هل الكور (2)* * * و هو عشكني من ناجلين التفاكه‏

لعب بكلبي لعبة الغوش‏ (3) بالكور* * * و اوما بي أوماي العصا بالعلاكه‏

هو صار لي عوك و انا صرت عوك‏* * * و الكل منا صار شوفه شفاكه‏

عوك الظليم الياتحدر مع الخور* * * مخ الكرى يدرج على عظم ساكه‏

خليتني لحدي و لبدي و لا ثور* * * جني خلويّ عاجلينه و ساكه‏

و هذه قصيدة طويلة لم أتمكن من تدوينها كلها ... و هذه تعدّ من أديبات البادية، شعرها رقيق، و شعورها حي ...

كان لها ابن عم طلب أن يتزوجها و دعا الحليس ابو رثيعة رئيس الطرفة من السعد في قصيدة ليتدخل في أمره و يسعى في زواجها قال:

يا حليس يا للي للطراريش تومي‏* * * يا حاط فوك العصيب‏ (4) الادامي‏

يفدونك اللي ما بهم غير زومي‏* * * تخدمت وجيها بالأخدامي‏

أبيك تكصر لي عنان العزومي‏* * * تاخذ بنا بحليس اجر و ثامي‏

خلاف ذا يا راجب فوك كومي‏ (5)* * * و ملكطات من روك الجهامي‏ (6)

____________

(1) البنات الحسان.

(2) تلول.

(3) الأوطان.

(4) الشحم.

(5) الابل السمينة للركوب.

(6) آصل الجلال و المال.

334

دافي الحشا ودّك براسه تعومي‏* * * و عكب العشا ودّك بحضنه تنامي‏

و بريم‏ (1) يذبح ببطن هضومي‏* * * و مشرع فوك الثنايا الزمام‏

البارحة جني على الداب‏ (2) نومي‏* * * و أجالب الجنبين مدري علامي‏

من واحد حكمه جما حكم رومي‏* * * حكمه وزير و والي له نظامي‏

من واحد يبجي و انا له ملوم‏* * * و من جادل‏ (3) تسوى ثلاث الهجامي‏ (4)

يحليس ما بي و ارمات الجضومي‏ (5)* * * كبار العتارى‏ (6) وافيات الخصامي‏ (7)

و من جامع تجمع عليّ الهموم‏* * * و مهي لمثلي يا عشيرك و لامي‏

و ليندهته بالغرض ما تكومي‏* * * و ما تنتهض لو تضربه بالمكامي‏

2- ربده. و هذه أيضا جمعت لجمالها أدبا غزيرا ...

و مما قاله فدغم في ربده الصلبية:

و شيب عيني جان صليب حوال‏ (8)* * * اكفوا بربده سيد كل البنات‏

شدوا لها شهرية (9) بنت هروال‏ (10)* * * مضراب كينة بالدعث بينات‏

و الله لو لا لابه تلحجن عار* * * لا لبس جديد الفرو وارمي العباة

و يطول بنا ذكر ما قيل و الغرض الفات النظر و الا فلا حد للاستقصاء ..

____________

(1) السبتة.

(2) الحية.

(3) بنت جميلة مزيونة.

(4) قطيع ابل.

(5) الخدود.

(6) سمينة.

(7) ليس لها خصر.

(8) ضعنوا، و قطعوا حوله و هي مرحلة بعبده.

(9) شهرية هي الحمار الحساوي.

(10) الهروال ما يسمى بالرهوان و هذه اللفظة فارسية أصلها رهروان و تعني الهرولة.

335

3- منحه. و هذه من جميلات صليب.

قال رميح‏ (1) الخمشى من الدهامشة فيها:

يا ليت ابوي ابن عم هلال‏* * * من شان منحه و احيرها

و انزل برس شعيبه سال‏* * * من مزنة تو ما طرها

و اشد شدادي على الهروال‏* * * و اخذ حميري و دشرها

4- اللبيبة.

5- فتيخة.

و هاتان من العناترة و مما قيل فيهن:

عانكتني فتيخة و اللبيبة* * * حصتين على كل المعاني‏

و اللبيبة جما بكره حبيبه‏* * * و زامين شطها على الرجاب‏

و مما قيل في صليب:

يا باالخلا يا باالزنانيح‏* * * حطيت بالكلب ونّه‏

يا من حريمه بالكرايا مشاويح‏* * * يا من حميره مركب عالي ركنه‏

تنبيه:

الخصيلات قبيلة مستقلة، و كذا السليمان و من هذه الأخيرة يتفرع المزايدة.

و سائر الفروع.

____________

(1) شاعر بدوي مشهور.

336

- 15- استعراض‏

من مجرى المباحث و الحوادث المارة أن البدو في تنقل، و عداء أو صلح مع المجاورين، أو الحكومة و أساس هذا مراعاة المصالح، و ما يرافق الحالة الراهنة. و هذه العلاقات يتكوّن منها حقوق ضافية ... و البدوي لا يقف عند حالة أو وضع، و لكنه يراعي الوفاء بالعهد و لا يخرق الذمام ...

لا يطيق الذل أو الضعف، و إنما يميل إلى الأنفع، فلا يرضخ لقوة، و لا يستكين ...

و أقرب طريق لإدراك أوضاعهم إنما يكون بالرجوع إلى وقائعهم المدونة، و أن نلاحظ مغازيها، فهي تميل تارة لواحدة أو تقارع أخرى في أوقات مختلفة؛ و عند حدوث حالات متجددة ... و في كل هذه ليس للبدوي منهج معين، أو خطة ثابتة، فإذا كانت قبائل شمر مالت إلى الحكومة العثمانية لغرض تقوية نفوذها فقد ثبتت وضعها، و كذا الحكومة كانت راغبة في كسر قوة العبيد و استخدام شمر على ابن السعود و هذا كان لمنافع متقابلة. و مثله يقال في الضفير، و في عنزة، و آل الرشيد و بني خالد .. و هكذا ما كان يجري بينهم ...

و في التاريخ أمثلة كثيرة هي خير وسيلة للمعرفة. و فيها كفاية للاطلاع مجملا على سير القبائل بالاستفادة من الحالات الواقعية ... و للقربى دخل في تقوية أواصر الضعيف و اعتزازه، و للقوي سلطة زائدة ...

337

- 16- عرف البدو

1- الزواج- النسب‏

1- الحالة العامة:

مرّ البحث عن تكون القبائل و تفرعها، و حوادث انتشارها، و الاشارة إلى بعض وقائعها، و هناك تنقل مستمر، و تحول دائم وراء الغزو، أو رعي الابل .. و لا نريد أن نتبسط في هذه الحياة، و إنما نحاول هنا أن ندوّن بعض الظواهر، و الأمثلة الواقعة نشرح بها علاقاتها الاجتماعية المألوفة .. و هذه لا يتذوق بها إلا من عرف أهليها، و شاركهم في أوضاعهم لتظهر الخفايا بجلاء، لا تشوبها الرسميات و لا تدخلها الحالات المصطنعة ...

يستغرب الحضري، و يعجب كل العجب من عيشة البدوي، و وضعه و محيطه و أغرب ما يدعو لانتباهه أن يراه يقطع البيد، و يجتاز الفيافي، يشاهد مقتنياته مثله، موافقة لحاجته، و لا تختلف عن حياته، أقوى منه و أصبر على المشاق، و هكذا ابنه و عشيره، و تأخذه الدهشة حينما يرى الخريت لا يضل في أرض منقطعة، و بعيدة عن المياه يقدر مسافاتها، و يعين درجة تحمل مشاقها لحد في العطش، و يعلم مواطن مياهها و آبارها، و الطاقة و الصبر لها مدى ..

الحياة البدوية خشنة جافة، ما أصعبها و أقواها، و أقسى مصابها،

338

و أسوأ حالتها، و أنكى آلامها حينما تنقطع السبل في البدوي، حياة شظف، و عيشة عناء و مخاطر ..! و هذه لم تكن كذلك دائما، و إنما هناك أيام الربيع، و أيام الراحة، و الطرب، و مجالس الأنس، و أوقات الغنائم ... يتجول البدوي بين خمائل الأزهار، و يتحول من نفح و طيب، إلى تضوع و روائح ...

و يتمنى أن لو دام، و بقي هو و عشيره يرعيان البهم يردد معنى ما يقوله الشاعر:

فيا ليت كل اثنين بينهما هوى‏* * * من الناس و الأنعام يلتقيان‏

فيقضي حبيب من حبيب لبانة* * * و يرعاهما ربي فلا يريان‏

ربيع جميل، و خير متدفق، زائد عن الحاجة، و رخاء و نعيم، لا يعوزه الا الدوام، و الغنى الوافر، و الأمن الدائب، و القوة المنيعة ... و هناك الحياة الطيبة، و العيشة الراضية، و الأمل الكبير، و العمر الطويل ...

و كذا الحضري لو رآها تمنى أن يبعد عن غوغاء الحضارة؛ و ضوضاء المدن، و عفونة الهواء، و ضيق العطن، و الانهماك في ملاذ لا حد وراءها، نغض في العيش، و سهر دائم، و علل متوالية، و أمراض فتاكة، و إذا أضيف إليها قسوة المجتمع و ظلمه، فهناك الويل و الثبور ... و رغب في هذه الحياة الهادئة المطمئنة ...! و الحياة لا تبقى على حالة، و هذا النعيم لا يطول، قصير عمره، مستأهل تخليده، لو أن حيا خالد ... مشوبة بغزو و قتل، و نهب و سلب، و منغصات كثيرة، و مزعجات عديدة ...

هذه البادية في أقاصي المعمورة، و أبعد المنقطعات لا يرغب فيها المتنعمون، و لا أهل الثراء، منغصة دائما، و مكدرة دوما، ما أحلاها أيام الربيع و أصعب مركبها، و ما ألطفها في سني الخير و ألذ حياتها لو لا ما فيها من تلك المنغصات .. مشوبة أفراحها بأتراح و صحتها بعلل، و شبابها بشيخوخة، فإذا قال الأول:

لا طيب للعيش ما دامت منغصة* * * لذاته بادّكار الموت و الهرم‏

339

فكيف اذا كانت الحياة في بيداء جرداء، و عادية عوادي، و هجوم ضواري و حرارة قيظ، و برد و قر .. لا يهدأ البدوي من قلق و توقع اخطار ...

فهو دائما في بصيرة نافذة، و التفاتات جميلة، و دقة فكرة ... يصدق عليه انه «ثعلب البادية» او «جن الارض»، و مضرب المثل في الذكاء (العربان غربان): علمته البادية ما نحن بحاجة إلى الاخذ ببعضه، و مدرسته الصحراء، و كتبه الحوادث، و علمه حب الحياة، بل هو (شيطان الفلاة)، او (عفريت الموامي).

يهزأ من علمنا، و يسخر من فكرنا، بل يقطع في جهلنا، و يرى ان حياتنا مطردة و علمنا مكرر، و مثله عملنا هو كل يوم على رزق جديد، و في ابتكار عميق، و دقة فائقة، و لا تخلو حياته من افراح، و من مجالس أنس، و طيب عيشة، و يرى ان مزعجاته قليلة، و يعد عناءه راحة، و لا يشعر بخطر ... اعتاد هذه الحياة، و الف الحالات المفاجئة، بل قد يخطر باختياره، و يناضل برغبته ...

و كل ما نقوله عنه انه:

ينام بإحدى مقلتيه و يتقي‏* * * باخرى المنايا فهو يقظان هاجع‏

حياة رياضية بطبيعتها، في سباقها و صيدها، و في غزوها و افراحها و العابها، حياة النضال، و الجيش المدرب المعود، يقومون بهذه لا للتمرن وحده، بل للاستفادة.

و في بيان بعض عوائدهم منتزعة من امور واقعية تبصرة لما هم فيه، و هي ذات مساس بالآداب او لا تنفك عنها ... و لا تقتصر على فصل القضايا المصطلح عليها بالعرف القبائلي، و انما هي بعض هذه المطالب، نريد بها ان نعين الحالة التي هم عليها موضحة بأمثلة ترغيبا في تتبع زائد، و اتصال مكين، و تدوين صحيح ...

340

2- الزواج- النسب:

من سمر البادية، و من اكثر ما يلهج به البدوي اختيار الزوجة، و مراعاة أصلها، و طيب نجارها، و عراقة نسبها، و هي عونه في حياته، أو شقاؤه و مذلته، و يلهج العربي بقوله (العرق دساس)، و (ثلثا الولد لخاله)، و (دور على المنسب ترى الخال جرّار)، و (بنت الذلول ذلول) ... و كلها تدعو إلى لزوم التحري عن الزوجة اللائقة ... و أساسا ان الزوجة ليست بضاعة تشترى أو تباع، و تتداولها الايدي ... و القوم اذا رأوا أدنى عيب في القبيلة يتوقون من الاتصال بها، و يتباعدون خشية ان يدس العرق، و اذا كان المخول رديئا نراهم يتباعدون حذر ان يتورث عرق الخؤولة ... و هكذا الوراثة مرعية عندهم في الخيل و الابل ...

و في الوقت نفسه يحضون على اخذ النساء و الاكثار منهن ليكون للمرء اولاد يكيد بهم اعداءه، و يقهر منافسيه ... فيقولون: خوذ من النسا و جيد العدا (خذ من النساء و كد الاعداء) ... و لا يحصى القول في هذا الموضوع. و اني ذاكر بعض الحكايات في النسب، و اختيار الزوجة، و لا يختلف فيها البدو و المثال لا يقتصر على من قيل فيهم ... و انما الامر مشترك في الكل، و معتبر بين الجميع ... و لا يستثنى الا الصلبة فانهم يعدون غير اكفاء لسائر العرب في الاختيار ...

3- بنت رغيلان- ام شهلبة:

يحكون ان احد رجال شمر المعروفين، فهيد بن الفوري من العمود دعا ابنه ان يتزوج ابنة صالح بن رغيلان من قبيلة اليحيا من شمر و هم اخوال صفوك و فارس آل محمد. و لما كانت هذه الأسرة معتبرة عند البدو حض ابنه أن يتزوج ببنت صالح، و هو يعلم ان والد البنت لا يمنعها لما لعشيرته و أبيه من المنزلة النبيلة و المكانة المعتبرة عندهم ...

ذهب الولد فرحب به والد البنت، و بعد المفاوضة طلب مهرا (سياقا) عشرة من النوق الغتر (البيض) فلم يبد الابن موافقة و استكثر الطلب، و ان‏

341

يدفع لبنت هذا القدر من المال، و عنده أن كل ناقة تساوي امرأة، أو عشرة من النساء.!

رجع الولد دون ان يظهر غرضه .. و سأله ابوه فكان جوابه ان اباها لم يوافق على اعطائها له، فاستنكر والده ذلك، و غضب على ابنه و قال له:

طلب منك ما استكثرته، و لامه على فعلته، ثم حثه على العودة مرة اخرى، و في السنة التالية بين انه يقدم العشرة المطلوبة، فاجابه ابو البنت انها ليست بضاعة يساوم عليها فإن شئت ان تعطي عشرين ناقة من الغتر تقدم، فلا اوافق على أقل ..!

و في هذه المرة استعظم المقدار، و عزم ان لا يتزوجها و عاد بصفقة المغبون فلقي من والده لائمة اكبر، و أمره ان يأخذها بما كلفه الامر، و ان يقدم له ما يطلب منه و ان لا يتردد في القبول، أو يتأخر في أنهاء القضية ذاكرا أنه إذا حصل منها ولد فإنه النعمة التي لا يعد لها ثمن، و لا يقدر بإبل و شاء و ان اباها لا يردك إن رأى منك رغبة صادقة مراعاة لجاه ابيك ..!

و في هذه المرة نزل ضيفا عند الاب، و كان قد خرج إلى البر لقضاء حاجته، فوجد بنتا جميلة جدا خرجت من البيت ذاهبة للاحتطاب فاعجبته فسألها عن البنت المطلوبة فمدحتها و اثنت على جميل خصالها، و قالت:

انا لست بشي‏ء بالنظر اليها، و لامته بل عنفته على تأخره عن الاخذ، و ان والدها ليس له امل في اخذ المال ...!

طلب الاب منه هذه المرة ثلاثين ناقة، و أبدى أنه لا يعدل عن واحدة فلم يتردد الولد و أعطى المطلوب. اما الاب فانه اثر ذلك و بعد تمام العقد اعاد الابل جميعها و اعطى ناقة للبنت من ماله و اخرى لخادمتها، و سيّرها بالوجه اللائق و الاتم .. و بيّن انه اراد ان يبرهن للولد بان البنت عزيزة عنده و لم تكن ذليلة، و لا غرضه ان يساوم، أو يربح ربحا منها.! و بعد ثلاث سنوات ولدت له ابنا ثم آخر ...!

342

مضت مدة على زواجه، و في يوم من الايام صادف ليلا نارا موقدة في بيت من بيوت البدو فوجد عندها بنتا تصطلي على النار (تتشلهب)، فاعجبه بياض ساقيها، و نعومة بشرتها و في تلك الليلة طلبها من ابيها فتزوجها، و علقت منه و صار له منها ولد.

كبر الاولاد، و كانوا قد بلغوا مبلغ الرجال، و يؤمل منهم ما يؤمل من امثالهم للحروب و الغزو، أو حفظ المال و الاهل و النضال عنهما عند الملمات ...!! و كانت قد حصلت منافرة في هذه الايام بينهم و بين قبيلة عنزة المشهورة، فمال عليهم بعض غزاتها فنهبوا ابلهم، و كان من رأي ابن (أم شهلبة) ان لا قدرة لهم على الحرب، و الاولى ان يعودوا و يفروا بانفسهم فاعترضه ابنا (بنت رغيلان) بانهما كيف و بأي وجه يرجعان إلى جدهما و قد اخذت ابلهم و نهبت من بين ايديهم فاجاب ابن ام شلهبة نعوض له إبلا اخرى تعود لنا ... فلم يوافقوا على هذا، و لم يرجعوا و انما تحاربوا مع العدو و انتزعوا الابل المنهوبة و معها بعض (الكلايع) (1) و رجعوا غانمين، ظافرين ... و كان قد سبقهم ابن ام شلهبة فاخبر جده بما خاطر به الاولاد الآخرون، و ما جازفوا، فبقي صامتا ساكتا، لا ينبس ببنت شفة و آثار التألم بادية عليه، و لا طريق له في هذا الليل ان يعمل عملا ما و صار لا يهجع و كان يعبث بالنار، في عصا بيده و يزيد في الوقود .. و هو مضطرب ..

و على كل كان احر من الجمر، و بينما هو كذلك جاء احد الولدين و كان قد سبق صاحبه راكبا فرسه ليبشر جده، و بقي الآخر مع الابل يمشي على مهل ... فبشره بالنجاح و استعادة الابل، و ما جرى من انتصار، و انه سارع لاخباره .. ففرح الجد، و لقب الفارّ بابن (ام شلهبة) و بقي هذا النبز ملازما له و خاطب المنتصر قائلا:

ان جدت انا جاذبك من مجاذبك‏* * * و ان برت هو اولاد الصكور تبور

____________

(1) القلايع ما يغنمه الغزاة من خيل العدو بعد قتل فارسها و مفرده قلاعة (كلاعه) ...

343

و هكذا يقصون الحكايات الكثيرة من هذا الموضوع و كلها لا تخلو من دقة و عناية ادبية ... و عندنا ايضا (العرق دساس)، و (اياكم و خضراء الدمن) و الاشعار في هذا الباب كثيرة ...!

و البدو يتلاعبون في البيان و يراعون كل وضع ادبي، تصدر هذه ممن يعرف كيف يستهويهم بلفظه، و إشاراته، و تزويق رأيه مما يزيد في الحكايات رشاقة، و في الكلمات رقة و حلاوة، و في السبك طلاوة ...

و لا يتيسر هذا لكل بدوي فما كل من نطق خطيب، و لا كل من كتب بليغ، و لا من زاول النظم شاعر ... و انما هناك مواهب قرنت بممارسة و تمرين. و كل فتور، أو ظهور حوادث جديدة يتخذونها موضوعا لتقوية فكرتهم المعتادة من لزوم اختيار الزوجة من نسب عريق، و أخلاقهم العامة تأبى أن يتناولوا كل مأكل ... و هم كما قيل:

و لو كتموا أنسابهم لعزتهم‏* * * وجوه و فعل شاهد كل مشهد

أو نراهم يقولون:

خواله ما هم من عمامه‏* * * دور الاصل و المغني الله‏

ابن ابنك ابنك و ابن بنتك لا

و لا يراعون دائما الحب و العشق او الحسن في الدرجة الأولى، و انما يلتزمون الأصل الصريح ... و يقولون (مضرّبا) لمن أخواله ليس من اعمامه، أو من أصل ردي‏ء و هو المعروف ب (الهجين) ... و هكذا الأمر معتبر عند العرب القدماء، و في كتب الأدب مباحث خاصة في الخؤولة عند العرب‏ (1).

____________

(1) الخؤولة عند العرب- سمط اللآلي ج 2 ص 794- 795.

344

4- اختيار النسب- الحب:

عوائد القوم في الزواج مقرونة بتقاليد لم يكن اساسها الجمال وحده كما أن الاختلاط و اتصال الجنسين معروف في البدو، و يراعى اختيار الوالدين في انتخاب الزوجة ... و للتودد دخل، و أصله الرغبة الخالصة و مثل هذا ليس بالقليل، و قد يجتمع الأمران ...

إن الضرورة أو الحاجة تدعو إلى الاتصال الدائم و الاختلاط المستمر سواء في حلهم و ترحالهم ... و في الأفراح و الأعراس يختلط القوم و يشتركون جميعا و هم في هذه الحالة بمنزلة عائلة واحدة ... و كذا الأمور التي تجلب السخط، و الزرايا العامة، و المصائب الطارئة ... اثناء الغزو و هجوم الأعداء، أو موت عزيز أو قتله ...

و من ثم نرى التكاتف، و التأثر بما يحدث مما يؤدي إلى هذا الاختلاط نوعا و مثله الجيرة، و القربى، و المجالس المعروفة بالدواوين، بل و سكنى الخيام ...

كل هذه من دواعي التحابب و التقرب في الزواج، و لكن ذلك كله محاط بسياجات قوية من عفاف، و خوف هما نتيجة تقاليد موروثة مثل النهوة من الأقارب مما لم يبق أملا في العشق و الحب أو الرغبة و إلا عرض المرء نفسه لأخطار قد تشترك فيها جميع افراد القبيلة بالتناطح و التطاحن و تحول دون الرغبة في الزواج. و في هذا يراعى رغبة الزوجة فاذا قالت انا باغيته، أو أنا ما باغيته فلا يخالفون ذلك، و غالبا ما تلاحظ الزوجة الشجاعة و حسن السمعة و الكرم و سائر الصفات المرغوب فيها ...

كل هذا لا يمنع أن ينتقى النسب الصالح و يغالى فيه و التحوطات لها مكانتها مما تجب مراعاته في الغالب؛ و المرأة إذا لم تقبل بواحد و رفضته فلا يتقدم عليها أو يأنف قربها بعد أن تعلن أنها راغبة عنه ... و كذلك هو لا يتصل بها و ان ملكت جمال العالم و كان في نسبها خلل، أو في أصلها عذروبة (علة) كما يقولون ...

345

5- بنت الذلول ذلول:

هذا المثل يعين ناحية مهمة في اختيار الأصل و النسب المقبول بطريقة ان من لم يراع حكم هذا المثل يناله ما نال الرجل الذي كان مضرب هذا المثل فيقع بما لا يرضى و لا يحمد ... و ذلك أنهم يحكون أن رجلا أحب امرأة، و أراد أن يشاور آخر في أمر زواجها، و كان يأمل أن يشاركه في التشجيع على الأخذ في حين انه يعرف أن أصلها ردي‏ء، و كانت أمها مشتبها في عفافها ...

نهاه صاحبه أن يتصل بها نظرا لسوء جرثومتها، و ان لا يختار هذا المركب فلم يوافق على رأي المستشار و قال له ليس من المعلوم أن تتابع أمها، بل تتجنب ذلك السلوك الردي‏ء و لا تعلم عنه ... و لما كان عازما على التزوج نهاه صاحبه و لامه من جراء استشارته فقال مضطرا على مراعاة فكرتك ..!!

انتهى الحديث بينه و بين رفيقه و تزوجها ... و في أحد الأيام أراد أن يعبر من مكان فيه نهر و قد امتنعت عليه الابل من العبور، و تعسر عليه ذلك استطلع رأي زوجته في الأمر فقالت له:

- عندنا بكرة أمها ذلول، و هذه تعبر، و تتبعها الابل. فقال لها انها ليست ذلولا و لم تركب بعد. فقالت له:

- ضع زمام امها في رأسها و هي تعبر فاعترضها فقالت: انها

- (بنت ذلول) على كل تكون ذلولا. و حينئذ وضع الزمام في رأسها فانقادت و عبرت الابل.!

- و من ثم تيقن الرجل صحة قول رفيقه من ان (بنت الذلول ذلول) و قطع في هذه التجربة التي أجراها على يد زوجته، و على هذا اخبر زوجته بأنه سوف لا يرضاها، و أنه يخشى أن تكون ذلولا كأمها فطلقها، و لم يسمع منها دليلا أو كلاما آخر بعد أن وضح له الأمر عيانا في المثل المضروب ...

346

ثم تبين للزوج انها كانت قد خانته و لكنه لم يستطع ان يعلم ذلك و انما عرف الحقيقة بعد أن تزوجت بآخر فظهر عليها ما كانت تكتمه خفية ..

و هكذا تضرب الأمثال في رداءة النسب و ما يجرّ إليه، و صلاح النسب و قيمته الأدبية ..! و في الخؤولة لا تراعى القاعدة دائما، و انما يتزوجون من القبائل الأخرى المماثلة و من أكفاء القبائل، و لا يشترط ان يكون من نفس القبيلة، و انما يقصدون بالمخول الردي‏ء ... و قد مرّ ان بعض القبائل تزوج رؤساؤها بنساء من قبائل أخرى لا تمت اليها بصلة ..

6- المهر- الحداد:

يلاحظ في الزواج انه تابع للرضى، و مقدار المهر مختلف جدا، و الزوجة لها مهر يقال له (هفيان)، أو (الهافي) و هذا تستحقه بالزواج، و مهر آخر يقال له (النميان) و هذا عند النزاع و التفاخت (الطلاق) يعاد إلى الزوج و أكثر ما يتوضح في قضايا صليب ...

و هناك شي‏ء شبيه بالنهوة و هو أن الزوجة إذا لم تأتلف مع زوجها، ناصرها أقاربها في تقوية هذا الخلاف و تفاختوا (تطالقوا)، و لكنه في الأثناء قد يشعر الزوج بأن في ذلك تدخلا، و أن هناك من يرغب في التزوج بها بعد طلاقها ... و حينئذ يستعمل الزوج حق (الحداد). و هذا الحق هو أن ينهى الزوج أولئك المشتبه بهم فيهم في التزوج بها بعده، ينذر أولياء الزوجة فينهاهم بمحضر شهود و ينهى المشتبه فيهم، و من ثم تكون له المطالبة بهذا الحق عند حصول الزواج بعد الفراق و هذا محدد في التزوج بمن عينهم خاصة ...

7- جمال البادية:

وصف الشعراء في الجاهلية المتجردة و غيرها فأبدعوا، و المتنبي (ظباء الفلاة) و رجحهن على الحضريات فأجاد كل الاجادة ... و لكن لا يقل عنه في الابداع و الاجادة ما نسمعه من شعراء البدو من نعوت بنات اليوم،

347

و قد يزيدون في كثير من الخصال و الجمال الطبيعي ... فاذا تعشق البدوي ينطق و يستنطق، و ليس هناك ريبة، و لا ارتياب، بل قد يكون واسطة تحريك النفوس، و لا يتجاوزون في الوصف الا اذا كان بطريق التعمية دون ذكر الاسم، أو بيان ما يدفع الشبهة كأن يقول حبيبته في موطن بعيد يصعب الوصول اليه، و يبدي حيرته في عظم الشقة .. ليبعد سامعيه عن مراميه ...

يحكون أشبه ما هو معروف بالروايات، و تصوير حوادث أشبه بحادث المتجردة، أو يصف ما جرى بينه و بين محبوبته كأنه واقعي، و هناك الاستجواب و الحوار و لا يستطيع أحد أن يصرح باسم و انما يعد هذا عيبا كبيرا و يؤدي إلى نتائج و خيمة ... فهذا سالم بن عبيد الرشيد يصف وصفا لا يقل عن شعر عمر بن ابي ربيعة قال:

البارحة (1) يوم الكبابيل نعوسي‏* * * و خليف ساهر و المخاليج غافين‏

لكيت غرو (2) دالع باللبوسي‏* * * كالت لغيري، كلت انتي تسدين‏

كالت اصيحن كلت منتي عروسي‏* * * و الله لصيحن لو بغيتي تصيحين‏

كالت يجونك كلت ماني نسوسي‏ (3)* * * أله يحكم ابليس و انتي تشوفين‏

كالت تعلمّ كلت ماني بلوسي‏ (4)* * * و على العلم يا بنت ما حدني شين‏

و مثل هذا حكاية أخرى لشمري يصف بها امرأة، و لا تعدو التصوير قال:

غاب الحليل و شفت بالترف ميلاح‏* * * و جيت اتخطى جن أهلها نسابه‏

كالت تهلع لا رهج النزل بصياح‏* * * ماني من اللي بالردى ينهكى به‏ (5)

كمت اتبطح له و اديره بالمزاح‏* * * لان الحبيب و كام يضحك بنابه‏

____________

(1) بتسكين تاء التانيث في غالب الاسماء.

(2) كاعب حسناء.

(3) نسوسي- خائف، و أله- الا. ان‏

(4) بلوسي صاحب نميمة.

(5) تكلع- ول، ارهج- اعيط، ينهكى- يؤمل.

348

ثار الحبيب و طبك البيب بسياح‏* * * و كشفت عن نابي الردايف ثيابه‏

غطيت بالثوب الحمر زين الملاح‏* * * لمّا (1) شعاع الصبح بيّن سرابه‏

كالت تنكل هذا الصبح باح‏* * * و وداعتك عرضنا، و الحزابه‏ (2)

كلت ماني ولد عفن على السر بياح‏* * * اللي ليا كفّى رفيجه حجابه‏ (3)

و أراد أن يبعد المرمى، و يزيل الشبهة فقال:

علمي بهم بغنيم يوم المطر طاح‏* * * و اليوم مدري وين ربي دوابه‏ (4)

مدري مع اللي سندوا يم السياح‏* * * و الا و ياللي فيضوا يم طابه‏ (5)

و هكذا يقول آخر:

يضحك لي بحجاج العين كله رضى لي‏* * * مخفى كلامه، خايف من دناياه‏

و العارض المنكاد من دون خلي‏* * * و الوشم و سدير مع جملة كراياه‏

ما ياصل المجمول كود فاطرلي‏* * * متكمت المرباع و الصيف ترعاه‏

يريد ان عشيقته تضحك له بحجاج عينها، و لم تطق أن تظهر نفسها، و لا تبدي كلامها خوفا من أقاربها الأدنين .. و لما رأى أن قد أوجسوا منه، و شعروا أنه و هو لا يستطيع الوصول اليها، فشوش الغرض، و غير القصد، و أعلن حبه كما يريد و أبلغها ذلك ..!!

و لابن رشيد:

يحمود انا عارضي شابي‏* * * و طرد الهوى جزت انامنّه‏

كود وضّاح الانياب‏* * * هذاك مني و انا منّه‏

الزين لو هو ورا الباب‏* * * لزم عيوني يراعنّه‏

____________

(1) لما ان.

(2) احزب على نفسك، تأهب.

(3) اللي- الذي، اليا- اذا.

(4) دوا به- رمى به.

(5) و يا- مع، يم- عند.

349

نبنوبة حشو الثياب‏* * * و نهود للثوب زمنّه‏

و يا محلا جدع الاثياب‏* * * و اركاي سني على سنّه‏

فاجابه حمود:

- وصلت خيرا يا محفوظ!

و يطول بنا ايراد ما هنالك مما يصور نفسياتهم المختلفة من حب و خلاعة و اعلان أغراض متنوعة ...!

و لهم في الوصف و ابداء الحب تلاعب و تنوع، كل يحكي نفسيته و ينطق بما خالج ضميره، و هم اقدر على البيان، و أسرع في ادراك الدقة و الملاحظة و ما تأثر به من الجمال و هذا كثير لا يحصى حتى أن بعضهم قال لي لو اردت أن تكتب حمل بعير كتبت ... و قد يتهالك القوم، و يقع التزاحم على المورد العذب، فيكون ذلك من اسباب اهمالهن أو تأخرهن مدة خوف الفتنة، و من جراء كثرة الرغبات. و قد تطالب المرأة بشعر و تبدي رغبتها من جراء ما ترى من تزاحم و ان لا يتمكن الواحد من الاقدام عليها ...

و هذه البدوية و هي مويضي المطيرية تقول:

يا عم جيتك باتشكي‏* * * دوك الركايب بروكي‏

يا لعن ابو عمر ما تزكى‏* * * تر زكاة العمر هزّ الوروكي‏

و أحيانا تؤدي المنازعات إلى قتال عنيف ...

و بعض جميلات البادية طلبهن رؤساء كثيرون فلم يوافقن الا على من كان شهيرا في عراقة نسبه، و له الذكر الجميل في الشجاعة و الحرب.

و يطول بنا ذكر من اشتهر بالجمال ..

و الحاصل بعض عوائد القوم في الزواج مقبولة، و بعضها مثل (النهوة) مدخولة، و لا تلاحظ فيها الكفاءة وحدها و انما هناك المنع عن التزويج بمن تحبه لمجرد ان الناهي ابن عم، أو ما ماثل. و الزواج عندهم جار على‏

350

قانون الشرع، و على العقد الصحيح، بل اختيار النسب هو المقبول المعتبر ... و كل هذا لا يجعل ريبا في ان الامومة لا أصل لها، و أصول الزواج قديمة جدا، لا تفترق في أحكامها اليوم عن تلك ...

351

- 2- الأفراح و الأعياد

البدو يظهرون أفراحهم في أيام الاعياد و الاعراس، و اوقات الختان، و في مواسم الربيع، و حينما يعود رجالهم من الغزو ظافرين ... و اني ذاكر بعض ما يقومون به لاظهار شعورهم ...

1- الدحة:

ليس للبدوي من الوسائل و الوسائط التي يستخدمها الحضري لاظهار سروره و ابداء فرحه ... و إنما عنده الألعاب كثيرة، و السباق معروف، و النشيد او القصيد في الأحوال الداعية للفرح و السرور مما هو متداول و مشتهر و يتغنى به، و مثله في الاكدار و بيان الأحزان ... و كل ما يعبرون به في اوضاع و حالات خاصة لا يكاد يحصر أو يحد، و كله يشير إلى اظهار الشعور و الاحساس مهما كان ...

و من أشهر ما يجريه البدو في أفراحهم، و في الختان خاصة (الدحّة) المعروفة، و لا تقتصر على الختان و ان كانت خاصة به، و انما تراعى في الزواج، و في أيام الربيع و اوقات الراحة ... و هذه رقص بأوضاع خاصة، و أصول مألوفة تقوم بها بنات القبيلة، تتقدم الواحدة تلو الأخرى، و تلعب دورها، فتمسك سيفا في الغالب، و المتفرجون في الجانبين ... و يقال لهذه اللاعبة (الحاشي)، و توصف بأوصاف جميلة، فتتقدم، و هناك يجري اللعب بكل سكينة و هدوء ...

352

يجتمع القوم كحلقة طولانية، و تكون هي في الوسط ... و هناك كصاد (قصاد)، و دحاحة ... و قبل ان تشرع اللاعبة، أو تعرف من هي التي تدخل الدحة يقال في معرض التشويق و الترغيب ما نصه:

يا نعما لك بالطيب.

ان جبت الحاشي تكوده.

يجاب من آخرين:

قول و فعل يا ولد!

تستاهل حب النشمية!

يا هلابه يا هلابه! (اهلا به).

و قد تردد بأشكال اخرى مثل: يا من عين لي (فلان).

صلاة محمد مثنيه.

يسمع حسك يولد.

تستاهل حب النشمية.

و مثله: اطلع (يفلان) اطلب راسك الكصاد.

ابشر بالحاشي.

ابشر بالحاشي!

العب و العب!

ابشر بالخير ابشر!

353

دحيّ، دحيّ!

فاذا جاءت البنت و دخلت الدحه، قابلها الكصاد موجها كلامه نحو الدحاحين و نادى قائلا:

يا حاشينا يا بو بشيت!

على صيتك تعنيت!

فك روحك يا بالحوش!

اكلوا بالحويش اكلوه!

و يخاطبها: كومي العبي لي و العب لج!

و كلب الجاهل يطرب لج!

العبي لي يا زينه ...

و يقول أحيانا: كوم العب لي يا بالحوش!

و حبك بالبراطم نوش!

و هكذا يمضي في أقواله، و من ثم يحاول الدحاح الواحد، أو الدحاحة الكثيرون أن يختلس الفرصة للتقرب، أو لمس ناحية منها و هم على تباعد، و بيدها السيف تهارفهم، و تبدي انها عازمة على الضرب به فهي في حالة الرقص و اتقانه و الحذر أن تدع فرصة للدحاحة ... و لكنها قد تتهاون نوعا مع من تحب، و تغفر له خصوصا اذا كان خطيبها.!

و في هذه الحالة لا يقدر بوجه أن يقوم أحد بما يخالف الآداب، و لا تتردد هي أن تضرب؛ و يباح لها اثناء اللعب ... و أقارب البنت بالمرصاد، و الخلاعة لا محل لها، و لا تسمع هناك كلمات بذيئة، او اقوال رديئة ..!

354

و يقال للدحه هذه (سامري) أيضا، و يقصدون فيها قصيدا يرددونه، و الدحاح غير القوال او الكصاد (القصاد) ...

لا نرى في هذه اللعب الا مراعاة الأوضاع المألوفة، و لا نجد خلاعة، او ما هو معروف في دور الرقص ... بل نرى انه لا تدخله ريبة، و انما هناك الحب الحقيقي، و معرض الجمال و اللعب القومي، و غالب ما ينتهي الرقص البدوي غالبا بزواج. و بنات القبيلة لا يفرق بينهن في اللعب، و ليس هناك لا عبات يزاولن هذا الرقص، و هي عامة في كافة البدو، و آل محمد لا تدخل نساؤهم الدحة ...

و الملحوظ ان هذا يجري بين افراد اسرة، أو مجاوريها مما بينهم الفة، أو أفراد عشيرة، أو قبيلة واحدة ...

و المرأة في وضعها هذا اذا كانت حاشيا تتعب كثيرا، و ينالها عناء كبير، فهي في احتراس دائم، و حذر من ان يتمكن احد من لمس شي‏ء منها ...

و لا تفترق في الاحساس عما يسمى ب (الجوبي) الا ان هذا تقوم به واحدة ثم تتلوها أخرى و هكذا. و ليس فيه ما هو معروف عند أهل المدن و القرى من وسائل مساعدة كالدفوف و الطبول، و لكنه لا يخلو من غناء و تغني بالقصيد بنغمة خاصة و حالة معتادة من التغني ببعض المقطوعات.

و تغلب فيه ذكر (دح، دح ...) من الدحاحة و تتكرر مرارا، و من ثم سميت بالدحة اظهارا للوضع و حكاية للصوت الجاري الغالب تكرره فيها ..

و لكل قوم وسائل لإظهار الفرح و السرور، و أوقات طرب و أنس ..!

2- العراضة:

و هذه تجري أيام الأفراح الأخرى، و الأعراس، أو الحروب و النفير الذي يحدث أحيانا ... و العراضة ان تجتمع الخيل مستعرضة تلعب، و نساء القبيلة امامهن ... و في هذه يكثر القصيد حسب الموضوع الذي لأجله‏

355

احتفلوا ... و اذا كانت لفرح كثر فيها القصيد الذي فيه تشويق للشبان على الزواج، و نعتوت البنات الجميلات ...

و العراضة و ان كانت اجتماعا عاما إلا أنها ليس فيها أوضاع الدحة ...

و إنما تكون النساء بجانب، و الخيول مستعرضة، و الغناء، أو القصيد يجري بالوجه المرغوب فيه ...

3- العاب و احتفالات اخرى:

و هناك ألعاب أخرى منها ما يجري بين صبيان القبيلة مثل (الزاب) المعروف عندنا ب (الحاح) أو (البلبل)، و كذا (عظيم ضاح)، و (كبة)، و (كورة) و (ربعه) و يقال لها (البية)، أو مجالس الفرح و فيها يغني ب (الربابة).

و كلها ملاهي يتعاطاها الصغار، أو الكبار في أوقات الفراغ و الراحة و ليست عامة في الكل و إنما يقوم بها سائر الناس دون أهل الوجاهة و المكانة ..

و يلاحظ انه في أوقات الحزن و الألم لا نرى مراسم تجري، و لا مهرجانات و لا ما هو معروف عندنا ب (المعادة، و العياط)، و إنما يغلب ان يكتفى بالبكاء البسيط، و ذكر (واويلي، واويلي) أو ما شابه مما يردده الرجال و النساء و لا يشكل وضعا خاصا، أو مراسم معينة ...

356

- 3- الغزو أسبابه- حكاياته‏

أصل الغزو تابع للأخذ بالثأر، و الحرب المتقابل و هو الشغل البدوي الشاغل بل هو أكبر مشغلة له و أعظم مورد من موارد رزقه ... لا يقف عند العداء، و قد يكون سببه و أكثر آدابهم المنقولة و وقائعهم المعروفة إنما تتعلق بذكرياته ... قال الأول:

و لو ان قوما غزوني غزوتهم‏* * * فهل انا في ذا يا لهمدان ظالم‏

متى تصحب القلب الذكي و صارما* * * و أنفا حميا تجتنبك المظالم‏

و هناك حالات أخرى تدعو للغزو كعداء فجائي، و تجاوز آني، أو أن يكون على قوم ليس بينهم عهد؛ أو على الكلأ و المراعي، أو الآبار ...

و الأساس ان تعتبر الحالة حربية بين القبائل، و الغزو دائب ... و أسباب العداء كثيرة، و في الغالب تحترم العهود و الوقائع السابقة، أو تكون العامل في اثارة البغضاء .. و القصص التي ينقلونها لا تكاد تحصى، و القصائد المهمة كثيرة ...

و من البواعث عندهم ما لا علاقة له بأحد المتخاصمين كأن يقوم بالحرب و الغزو ارضاء لزوجته التي تنفر ممن لا تشيع اخباره في الشجاعة و الكرم ... كما ينقل عن أحد رؤساء بني لام الذي كانت له زوجة و توفي عنها فتزوجها أخوه، و كان يضارعه في رسومه و أشكاله، إلا أنه بعيد عن‏

357

الحروب و الغزو على خلاف ما كان عليه زوجها الأول، فلم يرق لها الزوج الجديد، و قالت قصيدة. منها:

الزول زوله و الحلايا حلاياه‏* * * و الفعل ما هو فعل ضافي الخصائل‏

تريد انه كزوجها الأول في شكله و حلاياه و لكنه لم يكن ضافي الخصائل مثله ... علم الخبر، و اطلع على مكنون سرها، و من ثم هاجت همته، و زاد حنقه، و عد ذلك اهانة منها له ... فعزم أن يظهر بما ترضاه، و يقوم بما كانت تأمله فذهب للغزو و صار إلى محل ابعد، فغنم غنائم وافرة، و قام بأعمال جليلة بغرض أن تكون له مكانة مرغوبة عندها، و يعمر ما قامت به من اهانة ...!

عاد من غزوته ظافرا، فاستقبلته بقصيد مدحته بها ليرضى عنها، ففتر غيظه، و زال غضبه، و عفا عنها، و عرفت له منزلته، و ذهبت منها الفكرة الأولى ...!

و البدوي لا يغزو قريبه، أو يسرقه ... الا أن يكون قد حصل عداء بين الفرق أو القبائل التي بينها قربى و الا يجل، و يضاعف عليه بدل المسروق غالبا و كذا لا يسوغ له أن يمد يده على الجار أو الحليف، و الغزو انما يكون على العدو او من جوز القوم نهب امواله، او اعتباره محاربا ..

و اذا قبل هذا الأساس نجد الاتفاقات تجري بين الأفراد، أو العشائر، أو أصحاب الغزو للوقيعة بالعدو، و الحرب معه، أو بقصد الحصول على غنائم ... و هذه الاتفاقات قد تعود بالويل و الخيبة، (الف تعبة على البدوي بلاش) ...! أو يكون العكس بأن يغنم الهاجم، و يربح الغازي ... و من ثم يقابل بالفرح و الابتهاج و يرحب به الترحيب الزائد ...

358

الصلح و الحرب‏

إن الصلح و الحرب من أعظم المسائل الاجتماعية عند البدو، و لهم حلول قد تخفى على الكثيرين، أو أن ادراكها بعيد عمن لم يكن ملتفتا إلى حقيقة ما عندهم ...

و إذا أردنا أن نتوغل في هذه الناحية وجب علينا ان ننظرها كحالات دولية، أو مناسبات سياسية، تابعة إلى حقوق واسعة النطاق، و بعيدة الغور في دقتها و أصلها و لكن بصورة مصغرة ...

و هذه الحقوق متعامل عليها، و معروفة من قديم الزمان، و مضى القوم عليها و ان لم تدون، أو تسجل في شريعة، أو قانون ... و الإسلام في اوائل ظهوره دوّن بعض الوقائع المخالفة، و سجل العلماء الشائع ... و هكذا استمر، بل ان الإسلام تأسست فيه الحقوق الصحيحة، و الوقائع المتعارفة ... و قد قبل ما يصلح ان يكون تشريعا عاما ... و لم توافق الشريعة الغراء على الحرب و الغزو بلا سبب صحيح، أو اعتداء ظاهر ...

و في سعة هذه العلاقات و كثرة وقائعها لا نستغني عنها اليوم لمعرفة الحقوق القديمة عندنا، و خاصة في جزيرة العرب، و فيها ما لم ينتبه إلى صور حله، و طريق حسمه، و لا يقلل من قيمة هذه الحقوق انها غير مكتوبة ... و لكننا نقول ان العربي احفظ لعهوده، و اقرب لسياسته الحقة و الصريحة، لا ينكث عهده الا ان يرى من مقابله ما يدل على العداء او التحرش او الاجحاف .. و هذا لا يقع دوما، و إنما هو قليل جدا ...