موسوعة عشائر العراق‏ - ج1

- عباس العزاوي المزيد...
518 /
359

و في الوقت نفسه نرى البدوي يثأر فلا ينسى ما أصابه من حيف، أو ناله من ظلم ... و لهم أشعار كثيرة في الثأر و الترة، مدوّنة في غالب كتب الأدب مثل ديوان الحماسة لأبي تمام، و للبحتري و سائر الكتب الأدبية ...

و هذه حالتهم حتى اليوم. و عندهم المحالف، أو الجار لا تنتهك حقوقه بوجه و انما هو محل رعاية، و كذا النزيل فان رعايته اكبر، و احترامه أزيد.

و هم في كافة أحوالهم يتجنبون الحرب و وقائعه المؤلمة بكل ما يستطيعون من قدرة و قوة، و عقلاء القوم دائما يكبحون شر المتهورين الجامحين، و يحذرون الفتن ... و مع هذا اذا وقع العداء و تمكن لا تكون الحرب حاسمة، يتفقون مع المجاورين، و من لهم صلة قربى ... بل يجري الغزو بين آونة و أخرى، و ينتهب الواحد ما تصل اليه يده ... و في الغالب لا يهاجمون على وجه نهار، و لا دون مبالاة، و انما يأتون على حين غرة و بنتيجة حساب للأمر و افتكار فيه؛ و الغالب ان القتل في الغزو غير مقصود، و انما المقصود المال، و قد يكتفون بالتهويل ... و هكذا ...!

و في هذه الأيام مات الغزو تقريبا. و الفضل في منعه راجع إلى وسائط النقل الحاضرة، و سهولة استخدامها، و تكاتف الحكومات المجاورة لقطع دابره، و تفوق الأسلحة و العدد التي لا تستطيع القبائل مقاومتها كالمدرعات و الرشاشات ...

و الملحوظ ان الغزو اذا قام من البين، و ان (البدو) حرموا منه، و منعوا وجب ان نساعدهم في مراعيهم، و في تجولاتهم، و تسهيل مهمتهم ليكونوا مثمرين لا أن يكونوا عاطلين ..!

و هذا كل ما يتطلبه البدوي، يريد ان يسير على البسيطة بسكينة و ينتفع من المراعي ... و في هذا ترفيه لحالته و تحسين لها ... و هو أول عمل يجب مراعاته و تقديمه على كل عمل، ثم تراعى طرق اصلاحه الأخرى ...

360

وقائع الغزو المشهورة

مرّ بنا ذكر بعض الحوادث، و لكن هذه كثيرة لا تحصى، و لها شواهد و قصائد مقولة و محفوظة ليست بالقليلة .. و هذه في العراق غالبا. و لا يعوزنا تدوينها الا أن الصعوبة كل الصعوبة في معرفة تاريخ حدوثها. و لا تعد الوقائع مدونة فيما بين نفس قبائل شمر بعضها مع بعض، أو بين عنزة، أو ما يقوم بها بعض هذه القبائل نحو الأخرى ... و منها يتكوّن سمر القوم، و حديث مجالسهم ... و محفوظ كل قبيلة لا يعتبر عاما، و ان كان يلهج به القوم، و يتناقلونه ... الا انه لا تعطف له أهمية عظيمة، و لا تكاد تعد وقائع مثل هذه، و ما يتحدث به القوم من حوادث شجاعة، و ما يتغنى به القوم ...

و للصائح و لزوبع و للسبعة و لغيرها وقائع كثيرة و قد تكون فيها من الغرابة ما لا يوجد في الوقائع المهمة بين القبائل العظيمة و اني اشير إلى بعض الحوادث التي نالت شهرة و صارت حديث المجالس ...

لعيون حصة:

حصة هذه بنت الحميدي و أخت عبد المحسن جد الشيخ محروت، و هذه شاع فيها المثل (لعيون حصة). و تفصيل الواقعة ان قوم ابن هذال من عنزة اصابتهم سنة فأمحلت ارضهم، فاقتضى ان يعبروا إلى الجزيرة، و كان يسكنها قبائل شمر. و كان الذي عبر هو الحميدي ابن هذال، و عبرت عنزة معه، و هذه لا تفكر الا في قبائل شمر و تعدها عدوها، أو ضدها. و من مألوف البدو أن يبعثوا ركبا يدعون الضديد (الضد) إلى المسالمة. و يطلبون‏

361

أن يقضوا سنتهم ... و الى مثل هذه يميل الضعيف و يطلب ما يطلب من المهادنة ...

و لكن القوي لا يمنعه مانع، و لا يركن إلى هذا النوع بل يعده ذلا، و اعترافا بالضعف، و عنزة لم ترضخ لشمر في وقت، و لم تبد اذعانا، أو ما ماثل. و ان كانت الحروب بينهم سجالا إذا غلبت قبيلة مرة، استعادت قوتها و أخذت بحيفها مرة أخرى ...!

عبروا و لم يبالوا، و مضوا لسبيلهم. و أما شمر فقد اتخذت هذه فرصة سانحة عرضت، و من ثم تناوخوا، و الكل متأهب لقتال صاحبه، و طال المناخ لمدة شهرين و لم تكن النتيجة لصالح عنزة، و انما انتصرت شمر انتصارا باهرا ...

و في هذه الوقعة كانت حصة بنت الحميدي بين من أسر و استولوا عليه من نساء عنزة، و العادة ان لا يتعرض القوم للنساء، و لا يمسهن احد بسوء، و لكن هذه المرة رأت حصة اهانة من بعض افراد شمر عرف انها بنت الحميدي فتطاول عليها و طعنها .. و من ثم صاحت حصة «الدريعي يا رجالي»!

وصل خبر هذه الصيحة إلى الدريعي، و كان من رؤساء عنزة المعروفين آنئذ و عادت عنزة في هذه الحرب مكسورة. أما الدريعي فانه لم ينم على هذه الندبة من حصة و أمر قبائله في سورية أن تتأهب للحرب المقبلة، و إن من كان عنده فرس ذبح مهرها لئلا تذهب قوتها من الرضاع ...

تأهبوا لأخذ الثار و نفروا للحرب، و صاروا يخاطبون أمهارهم بقولهم:

«لعيون حصة» أي أن أخذ ثأر حصة دعا إلى حرمانك من الرضاع من ثدي امك. و البدوي متأهب بطبعه للغزو، و لكن الاهتمام في هذه الوقعة زاد، و التأهب و العناية بلغا حدهما ...

و من نتائج هذه ان تحالف الهذال و الشعلان على ان يصدقوا الحرب، و ان يكون المتقدم للحرب الهذال بقبائلهم، و طلبوا إلى الشعلان‏

362

أن ينهبوا و يقتلوا من يتخلف عن الحرب من قبائل الهذال، و شاع أمر ذلك، ليكون القوم على يقين من القتل و النهب فيما إذا لم يتفادوا، و يحاربوا عدوهم، و هو قوي مثلهم، لا يقعقع له بالشنان.

و في هذه الحرب في السنة التالية لتلك الواقعة طال المناخ ثلاثة أشهر، و لم يظهر الغالب؛ و (الحمل وزان) كما يقول المثل و كان يقتل بعض الفرسان من الطرفين، و ضاق الأمر بآل هذال من عنزة، و كادوا يفشلون في هذه الحرب لو لا أن علم آل الشعلان بأن التناوخ دام، و طال، و علموا أن سرح شمر كان يجري على مرادهم و لم يكن عليه خطر، بخلاف ابل عنزة فإنها لا تستطيع أن تخرج فتسرح و تمرح ... فعلم آل الشعلان أن الأمر ضاق بآل هذال، و نفروا بعضهم لمناصرة عشائر الهذال و انقاذهم مما أصابهم من ورطة ...

و من ثم مضوا اليهم، و أرسلوا من يخبرهم بالقصة، و أعلموهم أنه في يوم كذا سوف يهاجمون السرح لقبائل شمر، و يضعضعون أوضاعهم، و يهاجمهم آل هذال من أمامهم تأمينا للانتصار ففعلوا ...

و في هذه المرة، و بهذه الطريقة تمكنوا من شمر، و انتصروا عليهم، و في هذا أظهر ابن جندل من رؤساء الجلاس تدبيره في لزوم المساعدة السريعة، مضوا اليهم بلا ظعون و لا اثقال، و اختاروا من يعولون عليه، و تمكنوا بسرعة من اللحاق و الانتصار ... بل و أخذ الانتقام بطعن بنت الجربا بالصورة التي رأتها حصة ...!

و في هذه نشاهد التدابير الحربية، و طرق الغزو للوقيعة، و الشجاعة، و حسن الإدارة و ما ماثل مما يتخلل الوقعة، و قد يصعب بيان قيمة بعض الأشخاص و ما قاموا به، أو زاولوه من أعمال ...

و يتكون من هذه مجموع سمر قد يغني عن مطالعة الكتب، و إنما هو التحدث بالمجد، و أشخاص الوقائع لا يزالون في قيد الحياة، أو يحدث عنهم أبناؤهم، و تظهر مفاخرهم ... و هناك القصائد، و ذكر المخاطر،

363

و السمر اللذيذ ... نرى البدوي يهول في مواطن الهول، و يظهر المهارة و القدرة في موطنها، و العزة القومية. و صفحات بيانه تكتسب أوضاعها، و يكاد المرء يشعر أن الوقعة أمامه و يشاهد مخاطرها ...!

و على كل حال ان العداء و المنازلة، و الانتصارات و المغلوبيات، كل هذه تجري مع الأسف لما يفيد اذلال بعضنا البعض و الافتخار في التغلب عليه، و تهييج العداء الكامن ... و الوجهة ان نربح من هذه الأوضاع و نستخدمها لصالح الأمة و عزتها القومية، و أبهتها بين الشعوب، و فخرها على غيرها، و يعز علينا أن نجد صناديدنا و شجعاننا يذهبون ضحية وقائع أمثال هذه، و نخرب بيوتنا بأيدينا.!

و لو كانت نشوة الانتصار هذه على عدو حقيقة ممن لم يكن من قومنا لشكل فخرا كبيرا، أما هذا فهو في الحقيقة ضياع لأكابر الرجال .. و كل واحد من هؤلاء يصلح أن يكون قائدا لجيش عرمرم ..

و ملحوظتنا أن هذه الوقعة كانت بين شمر و عنزة، و لم تكن للحكومة علاقة بها مما دعا إن لم تدوّن ... و أعتقد أنها وقعة يوم بصالة، و تاليتها يوم سبيخة ..

و كل حوادث البدو متقاربة، و تلخص بغزو بعضها بعضا ... و المهارة المعروفة و قدرة القواد تبز بأوضاعها، و أحوالها الكثير من وقائع التاريخ مما لا يسع المقام تفصيله ...

المهاجم من عدوّه:

و الطرف المقابل الذي قد هوجم يتهالك في الدفاع، و يستميت عند ماله و حريمه، و يناضل نضال الأبطال، و هناك يشتهر بالشجاعة من يشتهر، و كم صدوا العدو و اعادوه على أعقابه خائبا، أو مغلوبا بصورة فاحشة خصوصا إذا علم القوم و أخبرهم (السبر) بنوايا عدوّهم، أو بتوجه الغزو إلى ناحيتهم و ما أصدق قول المتنبي على الكثير من قبائل البدو:

364

و لو غير الأمير غزا كلابا* * * ثناه عن شموسهم ضباب‏

و لاقى دون ثايهم طعانا* * * يلاقي عنده الذئب الغراب‏

و خيلا تغتدي ريح الموامي‏* * * و يكفيها من الماء السراب‏

و يتحاشى البدو كثيرا من الحرب عند الضعون، أو الهجوم على العدو عند البيوت ... و في هذه الحالة تكون له (غوارات) و هي الخيول التي تهاجم، و (ملزمه) و هم الذين يكمنون و يحافظون خط الرجعة و لذا يقول المثل (غوارات و ملزمة) ...

العمارية- العطفة:

العمارية بنت يعدّ لها قتب في (هودج)، يقال له (العطفة)، و هو حصار يزين لها بأنواع الزينة، و البنت في الغالب تكون من أعز بنات القبيلة، بنت الشيخ، أو العقيد، و من جميلات البنات الأبكار، و فيها همة و نشاط، تحث القوم و تحرضهم على القتال، و إذل رأت منهزما عنفته، و طلبت اليه أن يعود لنصرة اخوانه و ان لا تذل النساء بيد الأعداء و (العادة)، أو (العودة) إلى القتال كثيرا ما تؤدي إلى انتصار المغلوبين بسبب ما يبدونه من استماتة، و شمر أهل العادة، و لهم الشهرة فيها ...

و هذه البنت تفرع (تكشف رأسها)، و تتدلع، و تنخى القوم و تشوقهم على القتال، و تكون من العارفات برجال الحي و أوصافهم المقبولة، و مزايا الكل؛ تمدح في مواطن المدح، و تحض على الحرب ...!

و لما ان ترى رجوعا في الرجال، و غلبة طرأت، أو كسرة عرضت تستحثهم على العودة، فلا يطيقون الصبر على لائمتها و عتابها، أو تقريعها، تشجع و تعيد المنهزم، تستعيده فيستميت القوم في القتال ...!

و كثيرا ما يناضل الأبطال عنها و هي تقصد العدو، و تتقدم اليه، ليكون الحرب أشد و أقوى ...!

و بسبب هذا التشجيع و التثريب لمن ترى منه ضعفا يعود القوم‏

365

الكرة ... و لهذا نرى بني لام يسمونها (العيادة) باعتبار انها تدعوهم إلى العودة و تعتلي بيتا أو محلا بارزا، و تصرخ بهم قائلة:

العودة! العودة! أو العادة، العادة!

عليهم! عليهم!

و على كل حال تعرف ب (العمارية) أيضا، تسوق ناقتها إلى الأمام بأمل أن ينقذوها، و أن يتقدموا نحو أعدائهم، و يتفادوا في سبيل خلاصها ...!

و مثل هذه تكون صاحبة جنان قوي لا تهاب الموت، و كثيرا ما تصاب قبل كل أحد، و يقصدها العدو خشية أن تشجع القوم، و تجعلهم في حالة استماتة و تفاد عظيم في الدفاع ...!

و هذه عادة قديمة في البدو، و لم تكن من عوائد هذه الأيام، و لا دخيلة في العرب، و إنما هي موجودة من زمن الجاهلية:

يقدن جيادنا و يقلن لستم‏* * * بعولتنا اذا لم تمنعونا

و غاية ما ينتفع من هذه العمارية، أو العماريات حينما يشعر القوم بضعف، أو قلة في العدد، و خور في العزائم، فيركن النساء إلى ما يشجع و يقوي العزائم ..

و الأمم لا تزال تستخدم أنواع الأساليب لإثارة الهمم، و تقوية العزم و توليد العقيدة الراسخة للاستماتة، كاستعمال خطابات، و اذاعة نشرات، و ركون إلى تهييج عداء سابق و تذكير به، و نظم أشعار حماسية ... و إلا فالقوة و العدد الكاملة ليس فيها ما يكفل النجاح، و إنما يجب أن تقوى الروح في التفادي و التهالك في سبيل الدفاع الوطني ...

و هذه الحالة النفسية لا يجرد منها البدوي كما لا يجرد المدني ...!! و النزاع لا يقتصر على الكلأ و المراعي، و لا لسوء معاملة من المجاور، و لا من جراء انتهاك حرمة دخيل، فقد يكون من جرائم قتل، أو من تعرض لعفاف ... مما لا يحصى ...! و الغزو من أشهر أسباب حروبهم ...

366

و العمارية تتخذ لها (عطفة) كما مر و هو هودج خاص، و يعمل من خشب، و يغطى بريش النعام، و له شكل معروف عندهم. و الآن ليس له وجود في القبائل إلا عند ابن شعلان ...

و المعتاد عند القبائل ان من تذهب عطفته في حرب كأن استولى عليه العدو لا يستطيع أن يأخذ عطفة غيرها ... و ذلك ما دعا أن تنعدم من جميع البدو، و لا تستعاد إلا أن تكون القبيلة أخذت عطفة عدوها و غنمتها، فيحق لها أن تتخذ عطفة جديدة ...

و قد انعدمت العطفة من اكثر القبائل، بل كلها. فاعتاضوا عنها ب (العمارية) في سائر القبائل ما عدا الشعلان ..

و تعد العمارية من أكبر الوسائل لاستنهاض الهمم، و تقويتها بعد الفتور و الضعف و خور العزم ...

و هوادج النساء غير العطفة:

1- الحصار.

2- ظلة.

3- كن. و هو نوع هودج، أو هو مرادف له، و يسميه الزراع (باصور)

367

الغنائم‏

في المثل البدوي (من طوّل الغيبات جاب الغنائم) فإذا تم الحرب أو الغزو بالربح و الغنيمة فكيف تقسم الغنائم و توزع بين الغانمين؟ يكون هذا تابعا لما اتفق عليه القوم أو جروا عليه. و الرئيس، أو العقيد إذا كان شجاعا و بصيرا بأمر الحروب أخذ المرباع المعروف قديما، أو حسب ما اتفق عليه مع الذين غزوا معه ... و هؤلاء لا يشترط أن يكونوا من فخذ واحد، أو من قبيلة، بل قد يتجمع اليه أناس مختلفون لا يجمع بينهم إلا قرابة بعيدة، أو مجاورة، و قرابة قريبة ... و الكل على الغريب و البعيد الذي ليس بينهم و بينه عهد ... و هكذا .. و لكن في حالة العداء و المنافرة بين قبيلة و أخرى، أو قبائل مع معاديتها كانت الجموع تابعة للقدرة، و قد مرّ بنا ما تعتبره عنزة، و تسمي كل الف أو ما قاربه (جمعا)، و كان له قاعدة أو زعيمة ...

و الغنائم تابعة في قسمتها إلى احكام عديدة، و مختلفة تبعا للمقاولات، أو المعتاد في امثالها و الكل تابعون للعقيد المسمى (منوخا) و هذا العقيد من حين سلموا اليه القيادة صار يتحكم بنفوسهم و أرواحهم فهو مطاع، بل مفترض الطاعة، لا يعصى له قول ...! و هو الذي عناه شاعرهم:

و قلدوا أمركم لله دركم‏* * * عبل الذراع بأمر الحرب مضطلعا

- نعم ان امره حاسم، لا يقبل ترددا، و هو في الوقت نفسه يشاور

368

اصحابه الذين يجد في آرائهم فائدة فيمضي دون تردد، و يقطع فيما يرون القطع فيه ...

و غالب المنازعات، و الأثرة نراها تظهر عند تقسيم الغنائم، و الاختلافات تؤدي إلى مراجعة العارفة، و الحلول قطعية اذا كانت من (منها)، أو تقبل عادة النظر اذا كانت صحيحة و طريقها معتاد ... و العارفة في امثال هذه ربحه وافر، و غنيمته انما تكون وافرة عند حدوث النزاع على الغنيمة ... و هكذا.

و الغنائم في الغزو غيرها في الحروب الحاسمة كما مر في قصة (حصة) ...

قسمة الغنائم:

و هذه نوضح فيها بعض المصطلحات ثم نصير إلى طريق قسمتها ...

1.- جماعات الغزو: و هذه متفاوتة جدا بالنظر لمقدار الغزاة و هم:

2.- الركب. و يقال للعشرين فما دون.

3. الجمعه. جيش على ذلول و هم من مائة إلى ألفين.

4. السربه. مثل الركب إلا أن أصحابها فوارس يركبون الخيل دون الابل.

5. اللواء. و يقال له (البيرك). و هذا للرؤساء يقودون الالوف.

6. الراكضة. و هي في مقام الجمعه من الخيالة من مائة إلى ألفين.

و يسمى بالجمع ما كان (ألفا) أو نحوه، و في المثل (يا محورب حورب) قال: (تلاقت الجموع).

1.- العقيد: و يسمى المنوخ اذا كان عقيد الجمعة، و هذا يتولى قيادة الجمع أو أقسامه المذكورة أعلاه، و نصيبه متفاوت على ما سيجي‏ء.

2.- الخشر: و ذلك بأن يتفق الغزو على ان تكون الغنائم لجميع الغزاة ... و لقسمتها قواعد تابعة لنوع الغزو و ماهية الغنائم ...

3.- كل مغيرة و فالها: و من هذه يتفق الغزاة على ان تكون الغنيمة لغانمها و لا يشاركه فيها أحد إلا أن نصيب المنوّخ أو العقيد محفوظ و معترف به ...

369

4.- العقادة و نصيب الغانمين: و هذه تابعة لنوع الأغراض التي غزا القوم من أجلها و شروط العقد الجاري. و غالب ما هناك أن نصيب العقيد مختلف. ففي (الركب) يأخذ العقيد النصف اذا كان الكسب من (المرحول)، أو يكون نصيبه (المرحول) وحده اذا كانت الغنائم مختلطة ...

و عادة الركب في الغالب أن تكون الغنائم بينهم (خشرا)، و لا يدخل الخشر ما استولى عليه الغازي بصورة (القلاعة) و هي ان يجندل محاربه و يستولي على فرسه. و هذه تسمى (قلاعه). و من يتناول الغنائم قبل كل احد فيربح نصيبا و تكون له (طلاعة) و هي ناقة أو ناقتان إلى ثلاثة و تسمى (حوايه). و سربة الخيل لا تختلف عن الركب في حكم الغنائم. و غالب الجمعه أن تتفق على أن تكون (كل مغيرة و فالها) أي أن يكون الكسب لمكتسبه .. و في هذه يؤخذ العقيد الخزيزة و تسمى ناقة الشداد يختارها من كل الغنيمة ... ثم يأخذ العوايد و هي ما يسمى ب (أبكع ظهر) و يقال له المرحول و يراعى الطيب مع من يوده فيبره ببعض العطايا أو يمنح من ظهرت له قدرة و مهارة ... و الباقي في حالة الخشر يوزع بين الغانمين.

و في البيرك (البيرق) أو (اللواء) يأخذ الشيخ و هو العقيد ما يختاره مما يمرّ من أمامه، و يسمونه (مسربا)، و لا يأخذ من المعروفين من العشيرة ممن هم لزمته (أقاربه الأدنون)، و كذا لا يأخذ من الفارس الطيب و هو الذي يتفادى في حروبه، و لا من المحترمين ... و بعض الأحيان لا يأخذ الرئيس إلا أنه إذا أخذ يوزع القسم الأكبر منه ...

و على كل حال لقسمة الغنائم طرق متبعة، و الاختلاف فيها كبير، و من جراء هذا يرجعون إلى العوارف ...

العكلة- الحذية:

قد يرجع إلى الغزاة الغانمين بعض من نهبت أمواله، و يطلب منهم أن يعيدوا له قسما منها فيقول (الحذية) و يقال له (ابشر بالعطيه). و هذا يرى إنه سوف لا يتمكن أن يعيش بعد أن ذهب كل ما عنده، يلتمس و يطلب أن‏

370

يعطوه، و لم يكن من المحتم أن يبذلوا له، فقد يمنعونه و يحرمونه، إلا أن العطاء يدل على نبل و كرم في النفس، و المنع يدل على لؤم و خسة في الطبع ... و لا يقع في الأغلب، و قد تكون نفس من نهبت أمواله أبية لا ترضى أن يطلب العون و المساعدة من عدوّه، و إذا كانت الغضاضة قوية و فيها قتل و إيلام فلا يعطى طالب العكلة و المنع نادر جدا ... و العكلة هي المال الذي يعطى للمنهوب منه و يسمى (حذية). و الحذية أيضا ما يمنح به المختلف عن الغزو لسبب، أو يكون الطالب فقيرا، و فيه من الضعف ما لم يستطع به أن يقدر على الغزو ... فتكون له شرهه على اقاربه الغانمين.

و كل ما نقوله في العكلة أو الحذية أن البدوي كبير النفس، نراه يعفو في أشد ساعات الحرج، و في النجاح و أوقات الربح يمنح، و يعد عندهم العفو عند المقدرة من كريم الخصال؛ و نرى القوم يفتخرون دائما بما عفوا به، او منحوه لطالب العكلة ... و كأن طالب العكلة يريد ما يتقوت به كما أن العكلة واسطة نجاة الحياة ...

ملحوظة: يقال للآبار ثبرة و جمعها (ثبار) في البادية و تسقى منها الابل و يقال لها (عكلة) أيضا. و غالب الحروب بين البدو على العكلة هذه، و قد يتقاسمون الوقت بينهم، بسبب تدخل العاذلين خصوصا إذا كانوا أقارب ..

و لكل عكلة اسم خاص بها مثل (الحزل).

و من آبارهم المعروفة: البريت، و المجمي، و اللصف، و المعنيّه، و النصاب، و الحمّام، و العاشورية، و اللعاعه، و الشبرم، و واقصه، و الشبجه، و الصيكال، و الصميت، و الامكور و هي عكل كثيرة ...

و بين هذه الآبار المطوي، و العكلة ... و الوقائع عليها كثيرة لا تحصى ... للمؤرخين تدوينات في آبار العرب ...

371

ما قيل في غزاة البدو

اشتهر كثيرون بالشجاعة و الحروب. و يطول بنا ذكر من اشتهر، أو كل من قيل فيه شعر لما برز من شجاعة، و ابدى من تفادي ..

و مما قيل في عبد المحسن والد فهد و عجيل آل هذال:

يا مزنة غرّه تمطر شمالي‏* * * ترمي على روس المعالي جلاميد

زبيديها (1) يفهيد روس الرجالي‏* * * و عشبها كرون‏ (2) منيهبن الأواليد

يتلون ابو عجيل ماضي الفعالي‏* * * ماص الحديد (3) الي يكص البواليد

و مما قيل فيه في وقعة عبد الكريم قالها شارع ابن اخيه:

يا عم يا مسجي الكبايل هدب شيح‏* * * يا حامي الوندات‏ (4) يوم الزحامي‏

جيف الفرس تركض على الكاع و تميح‏* * * يا عاد ما يجعد صفاها (5) اللجامي‏

جيف الفرايش‏ (6) تنهزع للمفاتيح‏* * * ليا صار ما يركى عليها الابهامي‏

و هذا عبد الله بن تركي من آل سعود يخاطب آخر و يفتخر بحروبه و يلوم صاحبه قال:

____________

(1) الزبيدي الكماة.

(2) كرون هي القرون و يراد بها خصلة الشعر.

(3) الماص اقوى من الفولاذ.

(4) الخيل.

(5) رأسها.

(6) سيفه.

372

و شعاد لو لبسك حرير تجره‏* * * و انت مملوك الى حمر العتاري‏

الزاد سوالك سنام و سرّه‏* * * من الذل شبعان من العز عاري‏

يوم كل من خويه تبرّه‏* * * أنالي الأجرب‏ (1) خوي مباري‏

نعم الصديج و لو سطا ثم جره‏* * * يدعي مناعير النشامى حباري‏

من طول المسره سرى و استسره‏* * * و يمدح مصابيح السرى كل ساري‏

قال محمد من الصكور:

يمزنه غره من الوسم مبدار* * * بركج جذبني من بعيد رفيفه‏

كطعانّا ما يكبلن دمنة الدار* * * يرعن صحاصيح الفياض النظيفة

و ترعى بها كطعانّا غر و جهار* * * و تربع بها العر النشاش الضعيفه‏

يبني عليها بنيه اللبن بجدار* * * و عكب الضعف راحت ردوم منيفه‏

و ترعى بذر الله و متعب‏ (2) و مشعان‏ (3)* * * و مغيزل‏ (4) يروي حدود الرهيفه‏

و حنه ترى هذا لك الله لنا كار* * * و عن جارنا ما عاد نخفي الطريفه‏

واحد على جاره بخترى و نوار* * * واحد على جاره صفات محيفه‏

و خطو الولد مثل النداوي لياطار* * * و صيده جليل و لا يصيد الضعيفة

و خطو الولد مثل البليهي‏ (5) لياثار* * * و زود على حمله نكل حمل اليفه‏

و خطو الولد يبنش على موتة النار* * * و عود على صفر تضبه جتيفه‏

و الجار ليبده مجفي عن الجار* * * و كل على جاره يعد الوصيفه‏

نرفي خماله رفيه العيش بالغار* * * و ندعي له النفس الجوية ضعيفه‏

و من القصائد المقولة نعلم أوضاع البدو، و روحياتهم في حروبهم،

____________

(1) الفراشه حديد الفرس.

(2) أخو محروت.

(3) صجري.

(4) من الصكور.

(5) الزمل من الابل.

373

و شعورهم مما تعين آدابهم في الغزو و هي غزيرة و فياضة جدا ... و هم عند الغلبة قد يلجأون إلى ما يسمى ب (المنع). و هذا يعني ان المنهزم أو المنهزمين قد يجدون أنفسهم في خطر فيكونون في (منع) أحد و جهاء الغانمين، و يتمكن هذا من اعطاء حق المنع لواحد فأكثر إلى مائة ... و يدفع عنهم القتل إلا أنه تباح له خاصة أموالهم، و لا يستطيع أن يتعرض لهم أحد لمجرد أنهم دخلوا في منعه .. و في بعض الأحوال لا تقبل الدخالة، و لا يجري (المنع) اذا كان بين المتحاربين ثارات و وقائع مؤلمة أدت إلى قاعدة (الطريح لا يطيح) فيقتل كل من استولوا عليه ... و هذا يجري حكمه في الحقوق المتقابلة و انتهاك حرمتها بين المتقاتلين ... و (المنع) في الغزو غير (الوجه) المعروف بين القبائل ...

374

- 4- الصيد و القنص‏

البدوي اذا جاع افترس، و اذا شبع لعب، و اذا اصابه ضيم سهر، و على كل حال لا يهجع على حالة، و لا يستقر على رأي، و لا ينام على مكروه ... يترقب الأوضاع تارة، و يثير العداء تارة أخرى، و يغزو آونة ... فاذا قل عمله حارب الوحش، و اتخذ الصيد، و طارد القنص ... و كأن حياته مشوبة بشغب، أو أنه خلق من زعازع ... لا يهدأ، و لا يطمئن بل الهدوء و الطمأنينة خلاف طبعه و ضد ما يلائمه ... و لهم في الحيوانات المفترسة و طريق قتلها و الانتصار عليها حكايات لا تحصى ...

لا يستعصي عليه الصيد، و هو أسهل عليه، و أقرب إلى متناوله ... و هو في حياته يكافح الصناديد فلا يبالي ان يدرك قنصه. و الغالب أنه في غنى عنه، لا يقنص إلا ما هو مهم:

و شر ما قنصته راحتي قنص‏* * * شهب البزاة سواء فيه و الرخم‏

و البدو لا يميلون كثيرا للصيد العادي، و لا يقنصون إلا في أيام الربيع بقصد اللعب و الأنس ... إلا أن صليب يغلب عليهم تعاطي الصيد اعتياديا، و يتخذون الوسائل الغريبة للحصول عليه، و تراهم يطاردون الظباء، و النعام، و الوعول، و حمار الوحش و سائر القنص الذي يستفيدون منه لحاجياتهم، تلحهم الضرورة اليها في الغالب.

و طيور الصيد لا يتعاطى البدو جميع أنواعها دائما. و المعروف منها:

375

1- المانعيات و هذه في الشامية. رقبتها طويلة أطول من الصقر. و هي من نوع الحر.

2- البدريات. طيور حرة في البحر.

3- الكبيدي. يصاد بين النخيل يأتي من البحر.

4- الوجري (الوكري) الوجاري. و هذا في جبل حمرين، و جبل مكحول، و غيرهما.

5- الفارسي. طير حر في البحر.

6- الباز. و هو البازي، في حدود إيران. و هو يصيد الدراج، و الحبارى، و الإوز ... و الباقيات للصيد كله.

7- الحر الكطامي. و هو مقبول.

و يستعان في الصيد بالكلاب السلوقية و يطاردونها على ظهور الخيل، و غالب صيدهم الغزال، و باقي الصيود لا قيمة لها.

و هناك من الطيور ما يصيد لنفسه مثل (ابو حكب)، و (الحدأة)، و (الشاهينة) و (النسر)، و (الباشق).

و صليب في كل موسم لهم صيد، و من صيدهم الغزال، و الوضيحي، و الوعل و النعام، و من صيدهم الوبر و هو أشبه بالأرنب و يسمى (جليب الدو) و سائر الطيور و الحيوانات الوحشية .. و يستعملون في الصيد (الزنانيح) و (الفخ) ...

376

- 5- أموال البدو

1- الخيل‏

قال المتنبي:

و ما الخيل الا كالصديق قليلة* * * و ان كثرت في عين من لا يجرب‏

اذا لم تشاهد غير حسن شياتها* * * و اعضائها فالحسن عنك مغيب‏

1- الخيل:

كان العرب و لا يزالون في حب شديد لخيولهم، و تعد من أنفس ثرواتهم، يتغالون بها و يعنون بأنسابها و أرسانها، و يلحظون شياتها و عيوبها، و ما يجب أن يراعى في تربيتها، و استيلادها، و ذكر الوقائع العظيمة التي جرت على يدها، و هي عندهم كالأهل و الولد، و ربما كانت أعز، و أحق بالعناية و الرعاية، عليها المعول في حياة المرء، و غنمه و ربحه، و عزه و مكانته، أو تكون سبب هلاكه، أو خسرانه، و العربي القديم لا يفترق عن ابن اليوم و ان كانت السيارات قد صارت تطاردها، و تسابقها في طريق نجاتها، و لكنها لم تقلل من قيمتها ...

و اذا كان البدوي ممن يتعاطى الغزو و الحروب، و له أمل في النجاة، و الخلاص من المخاطر، فإنه يراعي حسن اختيار فرسه، و رسنها المعتبر ...

377

و له حكايات كثيرة يتكون منها آداب سمرهم و محادثاتهم، و هي صفحات مهمة ولاذة، يصفون نجابتها، و أشكالها و عدوها، و فعالها في الحرب، و يتشاءمون من بعض شياتها ...

و مواضيع الخيل يتكون منها آداب قد تعجز الأقلام عن الاحاطة بها او استيعابها، و كتب الخيل القديمة و الحديثة لم تف بالبيان، و لم تتمكن من الاحاطة بكل المباحث، و وجهات الأنظار متفاوتة. و الاستقصاء يطول.

يتردد على الألسن دائما (الخيل معقود في نواصيها الخير)، و (نواصي و اعتاب) و من الخذلان على الأمة ان تكون قد تركت شأن خيولها، و أهملت الركوب و الطراد على ظهورها، و لكن لا بطريق السباق المعروف اليوم. فالسباق المرغوب فيه اختبار قدرة الفرس بامتحان ركوبها، و الفارس و تجربته، و تعوده بتقوية عضلاته، و ممارسته على المشاق ... و في ذلك ما يجلب الانتباه إلى حالة الفرس و أوصافها البدنية، و معرفة صحة أصلها و نجابة نجارها ...

و من لم يزاول الغزو ير في ركوب الخيل، و مطاردة الصيد، و التعود على الرياضة و الخشونة أكبر فائدة و أعظم نفع ... بل ان الحضارة تتطلب الحصول على خشونة البداوة بمزاولة هذه الرياضة، و هي خير من الرياضة الصناعية، فيها حركات في الركوب و الغارة، و قطع الفيافي، و الاستفادة من القوة، و تنشق النسيم الطلق، و امتحان البصر، و مراقبة الصيد و ترصده، و مطاردة الوحوش ... و كلها من خير وسائل الصحة و التمرن على الفروسية ...

2- أنسابها: (أرسانها)

عرفت خيول كثيرة قديما و حديثا، و نجحت في حروب عديدة، و صارت عزيزة و معتبرة عند أصحابها ... و هذه هي السبب في تكون الرسن، فهي الصديق الذي ينقذ صاحبه من مهلكة، أو ورطة عظيمة، و وقعة خطرة ... و البدوي يحفظ لها هذا، و وفاؤه يمنع أن يبذلها، أو يتهاون في شأنها .. و يتحدث دائما عن الوقائع التي أدت إلى نجاته بسببها .. و لابن‏

378

الكلبي كتاب (نسب الخيل في الجاهلية و الإسلام). و فيه عدد المشهور من خيل العرب ... و لأبي عبد الله محمد ابن الاعرابي (كتاب اسماء خيل العرب و فرسانها) (1)

و العراق مشتهر بخيله الأصيلة، ذاع صيتها، و صارت تطلب من انحاء العالم خصوصا في السباقات الدولية، و قد يقتنيها الملوك للركوب و الزينة ..

و لكن البدوي لا يلتفت إلى كل هذا و لا يبالي بتجارتها، و لا شهرتها ...

و إنما تعرف عنده بما تقوم به من جولات حربية، و حوادث مهمة، فتنال شهرة بعدوها، و براكبها و شجاعته في حومات الوغى و حسن تدبيره لها ...

هذا و توالي الوقائع مما أكد له عراقة نسبها و كون لها رسنا مقبولا عنده ...

يا بني الصيداء ردوا فرسي‏* * * انما يفعل هذا بالذليل‏

عودوه مثل ما عودته‏* * * دلج الليل و إيطاء القتيل‏

و على كل يحافظ على الرسن كثيرا، و الحصان الصالح يستولد منه، و لهم العناية الزائدة و يتقاضون أجرا على هذا فيقولون (حصان شبوة) ...

و كان يراعى في أنساب الخيل أن بعض هذه تقع حادثة، فينجو بها صاحبها و تكون سبب حياته فيسميها باسم يلازمها دائما، و اذا تكررت الحوادث منها أو من نسلها فهناك يتكون الرسن و لا تنسى، و في هذا اعتزاز بسلسلتها، و وفاء لما قامت به ... و قد يلازم الرسن البيت مدة فيسمى به.

و الملحوظ هنا أن الاحتفاظ بالرسن دون مراعاة الاعتبارات الأخرى قد أدى إلى انعدام الخيل الأخرى مما لم يشتهر لها رسن، أو أن يقل الاهتمام بها، و لا يكثر رسنها ... و هذا نقص أو يشير إلى عدم التغالي فيها ... و فيه وقوف عند الجنس الردي‏ء و إن كان أصله مقبولا. و حرصوا حرصا زائدا و قالوا (الأصل يجود) ترقيعا لما رأوا من عثرات لمرار عديدة، فتصلبوا في المحافظة، و تعصبوا تعصبا لا يكادون يسمعون‏

____________

(1) طبعا معا في مطبعة بريل لندن سنة 1928 م.

379

خلافه ... على ان أيام الطراد، و الرهان قد عينت خيولا مقبولات، و صار يحتفظ بهن.

و من أشهر أرسان الخيل: 1) الجدرانية. و هذه عند حسن العامود من شمر، وصلت اليه من الفرجة من عنزة، و اسم صاحبها الأول جدران فسميت باسمه، و وبيران اخوه، و اليه تنسب (الوبيرانية).

2) العبية. عند ابن عليان من السبعة، و عند الشيخ عجيل الياور، و عند المرحوم السيد محمود النقيب و الآن لا أعرف اين صارت؟ و منها (السحيلية) عند السحيلي من فداغه، و (ام جريس) عند مدحي بن زهيان البريجي، و (الشراكية) عند نوري الشعلان، و يقال لها الشراكية الاخدلية، و الاخدلي من الفدعان من ضنا ماجد و منها (الهونية).

3) المعنكية. و هذه منها:

1. الحدرجية.

2. السبيلية. و هذه من الحدرجية و هي عند ابن سبيل من الرسالين و عند ابن غراب من شمر.

4) الكحيلة. و هذه يضرب المثل بعراقة أصلها؛ فاذا وصفت امرأة بنجابتها قيل (كحيلة)، منها:

1. كحيلة العجوز. و هي كثيرة و منها الاخدلية عن الاخدلي من الخرصة و جبيحة للصائح و الآن عند شيخ محروت الهذال.

2. كحيلة الأخرس. عند الاسبعة.

3. كحيلة كروش. عند (العلي) من المنتفق. و عند الدويش في نجد.

و هذه على ترتيبها ارجح الخيول المعروفة عند البدو كما هو المنقول عن الشيخ فهد الهذال.

380

5) حمدانية سمري. و تسمى (العفرية) عند العفارة فخذ من السلكه و عند ابن غراب من شمر، و عند داود آل محمد باشا.

6) الصقلاوية. منها الدغيم من الهذال، و عند زبينة من الفدعان و عند ابن عامود، و عند الاوضيح من الثابت، و الاجويدي من الثابت.

و منها:

1. الجدرانية.

2. الوبيرية.

3. النجيمة.

7) النواكيات. عند الدويش من آل محمد، و النواك أصلا عند الجاسم من الاسبعة.

8) الوذنه. في نجد، و عند المريجب من المضيان (السلكة) في العراق.

9) الربده. عند لابد الرزني من عبدة.

10) ريشه. عند ابن عيده من الرسالين «سبعة» و عند ابن هتمي «من عبدة».

11) شويهة ام عركوب. عند الرولة.

12) الدهمة. من خيل ابن هيازع. وصلت من امام اليمن إلى آل سعود و منهم صارت إلى ابن يعيش «من ضنا مسلم» خال فهد الهذال و منه تفرقت و تكاثرت. و الآن قليلة. و قد يقال «دهمة عامر».

و يظهر من هذه التسميات، و المعروف من أصولها انها سميت باسم اول من اقتناها فاشتهرت عنده أو بصفة خاصة بها أو ما ماثل ...

قال البدوي:

الخيل عز للرجال و هيبة* * * و الخيل تشريها الرجال بمالها

381

و عارضه آخر:

العز بوروك النسا* * * و اللي عريب ساسها (1)

تطلع منه كطم الاخشوم عنابر* * * عنابر تسجي العدوّ امرارها

هذا و تعد من نوع اهانة الفرس و انتهاك حرمة رسنها أن يحرث عليها، أو يجعلها دابة حمل و نقل أثقال ... و على هذا يترتب (الحشم) عندهم، اعتزازا بأصلها، و زيادة اهتمام به.

3- شياتها و أسنانها:

في البدو أرباب معرفة في أوصاف الخيل و بيان جمالها و حسن شكلها و تناسب أعضائها و منها المقبولة، و المشؤومة. فإذا كانت فيها سيالة (غرة في جبينها)، و مثلها محجلة الرجلين، و تسمى (المرسولة)، و اذا كانت فيها غرة فهي مبروكة. و كذا يقال في محجلة اليسرى، و تسمى (المرجبة)، و هناك (المخوضة) و هي التي كل ايديها و ارجلها بيضاء، و اذا كانت اليد اليسرى و الرجل اليسرى مخوضة، أو محجلة قيل لها (الزنية) و صاحبها يركب على بياض، و ينزل على بياض ...

و هذه كلها مقبولة.

و مما يتشاءمون به من الخيول و تظهر المقدرة في تعيينها (الشعرة) تكون في الجبهة، أو في الصدر، أو في الرقبة، أو البطن ... و من ثم يدركون بركتها أو شؤمها و عندهم تجارب عديدة، و معارف موروثة ..

و غالبها ملازمة لما يفسرون به فالذي يسقط من فرسه فيموت، أو يدخل الغزو فيصاب، أو يكون تكلع أو ما ماثل يقولون انه ما ناله ما ناله لشؤم في فرسه، و لا يرغبون ان ينفروا من حرب ... و لعل هذا هو السبب في توليد هذه الخرافة ...

____________

(1) اصلها.

382

و عندهم محجلة الايدي رزقها محدود، و الشؤم عندهم في محجلة اليد اليسرى و يقال لها (كفن) فكأنها بمثابة كفن لراكبها .. و هكذا الشقراء الخالصة مشؤومة ...

و الفرس اذا ذرعنا مؤخرها من الحافر إلى القطاة و كان أطول مما بين حافر اليد إلى الحارك تكون سريعة الجري، و اذا كانت صدور الخيل عريضة، و مناخرها واسعة، و عيونها كبيرة، و جبهتها مربعة فهي مرغوب فيها ...

و قد نعت بدوي فرسه فقال:

فيها من صفات الأرنب: نومه، و سرع كومه. و من صفات الظبي:

فزه، و كبر وزه‏ (1).

من خيول الحويجة بالأصل جلعة ماتت عند سيد صبار في تموز 1935

____________

(1) الوز القطاة من الظهر.

383

و من الثور: كصر جين‏ (1)، و وسع عين.

و من الجاموسة: وسع حجب‏ (2)، و قوة عصب.

و من البعير: وسع جوف، و بعد شوف.

و في (كتاب الخيل) للأصمعي بيان عن أوصاف الخيل و تفصيل اعضائها، و الاستشهاد بأبيات قديمة لشعراء كثيرين. و عندي نسخة مخطوطة منه، و رسالة مخطوطة في (فضائل الخيل) لم أقف على اسم مؤلفها تبين جياد الخيل، و ترتيب سبقها ... و رسالة أخرى منسوبة لامرئ القيس في الفراسة و معرفة الخيل، و العلامات الحسنة و غيرها، و (إسبال الذيل في ذكر جياد الخيل)، لنجم الدين بن خير الدين الرملي ...

و أسنان الخيل أو أعمارها في الحاضر:

1- الطريح. اذا كان قد سقط لمدة ستة أشهر

2- الحولي. اذا ولد لمدة سنة واحدة

3- الجذعة. التي تبلغ من العمر سنتين. و تشبى في هذا السن.

4- الثنية. لها من العمر ثلاث سنوات.

5- الرباع لها من العمر اربع سنوات‏

6- الخماس. لها من العمر خمس سنوات و تسمى كرحة (قرحاء).

4- التجفيل- التجبيش: (السباق)

تعويد الفرس، و تنفيرها باجراء تمارين و ممارسات عديدة لها يعرف ب (التجفيل) أو (التجبيش) ... و هذا من خير الطرق لنجاح الفرس في السباق أو في الغزو أو الحرب ... و لتربيتها أصول، و طرق اعتناء، و مراعاة الحالة

____________

(1) الجين الرسغ.

(2) الحجب وسعة ما بين الفخذين.

384

التي يجب ان يجريها، و العناية ضرورية، و نعلم ان البدوي يهتم بفرسه، و يلاحظها اكثر من نفسه، و لكن السباق يحتاج إلى وصايا صحية، و أوضاع خاصة في أكلها و شربها ... و ركضها و تمرينها و لا يقوم بهذا عندهم سوى مالكها.

و البدوي على حالة غير حالة الريفي فانه يجفل فرسه دائما، و يطارد عليها فتكون في وضع تأهب على الغارة، و تابعة لأدنى اشارة .. بخلاف الريفي فانه لا يراعي هذه إلا في اوقات خاصة و لا مجال له ان يطارد في اراض محدودة، فالخيل لا ترى ميدانا فسيحا، و تحتاج إلى تمرين لتنال مكانة في الركض، و غالب الخيل القوية النشيطة هي التي تعيش في مكان عذي (هواؤه عذب و نشيط) و من ثم يكون النجاح كفيلها ... و الألعاب، و السباق على ظهور الخيل من ألذّ ما يجري بين العربان في أيام افراحهم، أو ابان التمرن على الحروب ... و التأهب للغزو.

و هنا يظهر المجلي من الخيول، و هذه تابعة لتقدير قوة الأعصاب للعدو ... و نفس الركض و ميدانه حتى ان بعض الخيل قد لا تسبق اذا لم يطل ميدانها، و تنال السبق على الكل اذا طال المدى ... فاذا لم تقدر هذه النواحي و أمثالها فلا أمل في نجاح غيرها، و يضرب العرب الأمثال في المدى و طوله ... و على كل حال هناك أمور يجب الانتباه اليها و تحتاج إلى خبرة و فكرة قويمة، و غالب من يقوم بهذه المهمة متمرن عارف ...

و في هذه الأيام راج سوق الخيل في السباق، و تولدت بينهم مصطلحات كثيرة لما رأينا من عناية الأجانب بها، و استفادتهم منها، و تعيين درجات السبق، و الرهان عليه ... و من ثم رجحت من نالت السبق لمرات، و صاروا يتغالون في أثمانها بالنظر لما تربحه، و اشتهرت كثيرات قد لا تكون علاقة للرسن بهن، و انما انحصر ذلك في خيل معينة، و بهذا حصل انتقاء في السوابق، و طوي ذكر الخيل الأخرى، و ان كن من الخيل العراب ... و في المثل (عند الرهان تعرف السوابق).

385

و هذا من ضروب المقامرة بل من اعظم المقامرات، و من أشد الاضرار على الخيل و الاجحاف بحقوقها بل التجاوز عليها، و يجب ان لا يشيع بكثرة و انهماك في أمة حريصة على اوضاعها الحربية، و الانتفاع من نشاط خيلها، و قيمتها الحربية ... و قد مر الكلام على السباق المرغوب فيه ... و من المؤسف أن يروج سوق الخيل من طريق سباق المقامرة، و تزيد العناية بها من أجله ...

5- أسماء الخيل:

و أسماء الخيل المعروفة قديما و حديثا كثيرة عندنا، و لها في هذه الأيام اسماء جديدة، و اشتهر من الخيل القسم الكبير لما كان لها من مواقف بارزة في الحروب كما اشتهر شجعانها فحافظت من جراء ذلك على أرسانها، و اليوم يعوزنا احصاء اسماء الخيول المعروفة ... و تعداد كل ما عرف و اشتهر في السباق و غيره يطول كثيرا. و هذه بعض المشهورات:

1) عسيلة.

2) تاج عطية.

3) ردحة.

4) حمية.

5) فضيلة الهوى.

هذا و يضيق المقام عن التعداد. و للأسف كل هذه الخيول العراقية لم تشتهر بوقائعها و انما عرفت بسباقها ...!!

6- سرقة الخيول:

من ابدع ما يجلب الاسماع، و يدعو للانتباه و اللذة معا ما يورده البدو عن سرقة الخيول من اناس تعودوا على ذلك و تمرنوا .. و كل ما يوردونه من حكايات و قصص يدل على عزة الخيل و منزلتها عندهم؛ فهي‏

386

من أعز ما عندهم، و لذا يبالغون في اطرائها، يذكرون شطارة السراق و حسن مهارتهم، و ما يقدم لهم من فداء أملا في استعادة الفرس المسروقة، و التهالك و بذل الجهود في استعادتها، و ما عاناه صاحبها، أو ذكر خيبته ...

و السراق منهم (الحايف) و هو الذي يسرق ليلا و خلسة، و (البطاح) هو الذي يركب الفرس و يفر بها على مرأى منهم ...

و (ربيط البدو) في الغالب من كان متعودا على سرقة الخيول و هو الذي يبطح على الفرس. و هذا يحبس و يحدد بحديد الفرس، و يبقى حتى يسلم المسروق أو يفك نفسه بمبلغ يتقاضونه منه أو من كفيله و الربيط قد يكون مطلوبا سابقا بأموال أخرى أو (وسكة)، و يحتاج إلى أن يفك نفسه.

7- شركة الخيل- بيوعاتها:

يعتز البدوي بفرسه كثيرا، و لا يهون عليه ان يعطيها، أو يملكها لغيره ببيع و سائر التمليكات الا لضرورة، او لحاجة تعرض له ... و قد يكتفي ببيع حصة شائعة كأن يبيع (عدالة)، أو نصفا شائعا، أو رجلا، أو نصف رجل.

و هذه شاع البيع بها حتى عند غير البدو، و حافظوا على ارسانها، و البيع في مثل هذه الحالة لا تظهر غرابته في بيع الكل و قطع العلاقة كما هو المعتاد في سائر البيوعات و الامتعة و تداولها .. و كل الخيل ليست كرائم، و انما هناك خيول تباع و تشترى على المعتاد كالضأن و البقر ... الا ان البدوي في الخيل خاصة لا يريد ان يقطع علاقته بفرسه. و هذه أشهر بيوعاتهم:

1) بيع مثاني. و ذلك بأن تكون أول بطن للبائع، و بعدها للمشتري و الثالثة للبائع، و من ثم تنقطع العلاقة بها ... و اذا كان المولود (فلوا) فلا عبرة به، و تجري القسمة على ما عداه ...

2) بيع النصف. و في هذا تكون القسمة على البائع، و الخيار للمشتري لأنه هو الجاني (المربي) للفرس. و قد تبقى الشركة لمدة طويلة ..

3) بيع العدالة. و في هذا يكون البطن الأول اذا كان انثى للبائع‏

387

و تفك على ان يكون للمشتري منها البطن الأول أيضا و تنقطع العلاقة.

4) بيع الرجل. و هي الربع على الشيوع.

و من هذه كلها اذا كانت الخيل مشتركة قسم الشريك و كان الخيار لصاحب الرسن و هو القائم بتربية الخيل، و ينقطع الخيار لمرتين و في الثالثة ليس له ان يرجع عن اختياره و ذلك انه يختار فاذا وافق الطرف الآخر فله ان ينكل عن الخيار، ثم يقسم الشريك مرة أخرى و له أيضا ان ينكل، و في الاثلثة ليس له ان يرجع عما اختاره، و يكون هذا قطعيا ...

388

- 2- الإبل‏

اذا كانت الخيل وسائط نجاة مهمة لحياة البدوي فلا شك ان الإبل قوام هذه الحياة و وسيلة بقائها و طريقة سد حاجياتها .. فمنها لبنه، و منها و بره و منها لحمه، و جلدها نافع له ... و هي واسطة نقله من مكان إلى آخر، و حمل اثقاله فهي في نظره (سفن البر) ... و لولاها لكانت حياته منغصة، و عيشته مرة، و آماله ضيقة ... و هذه فيها غناه و ثراؤه بل من اعظم ثروة له، و من أهم تجارته، و أكبر واسطة لنماء أمواله ...

لا تعيش للبدوي أنعام و هو في حالة غزو، و تنقل سريع من مكان إلى مكان الا اذا كانت كهذه الابل تتحمل المشاق، و تتكبد الصعوبات و الاراضي الوعرة، و الفيافي البعيدة عن العمران ... فهي بحق تعدّ أعظم نعمة ناسبت اوضاعه فكأنها خلقت لأجله، و قدرت له في أصل الخلقة ...

و في آية أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ‏ دليل الامتنان بهذه النعمة، و لو لا الابل لما تمكن البدوي ان يبلغ المكان الذي يريده الا بشق الانفس و صعوبتها، و هكذا المشاهد و المنتفع به أكبر دليل و أعظم نعمة ...

و العرب في آثارهم الكثيرة من كتب الأدب و اللغة تعرضوا للكلام عليها، و اوسعوا المباحث و من اقدم من كتب، و خص الإبل بمباحث خاصة الأصمعي فقد نشرت له في الأيام الأخيرة رسالتان في الإبل وردتا في (الكنز اللغوي) للدكتور أوغست هفنر استاذ اللغات السامية في كلية فينا. طبعت هذه المجموعة في بيروت سنة 1903 و الرسالتان احداهما

389

جاءت في صحيفة 66 و الأخرى في صحيفة 137.

و على كل حال يهمنا ان ننظر إلى ثروة البدوي، و نقدر قيمتها و مكانتها و نعين طريق معيشته من وراء هذه الثروات لنتخذ له التدابير الملائمة للانتاج، و الطرق الصالحة للتكثير، و مخارج للبيع و الصرف في المواطن الأخرى للاستفادة من نواح عديدة منها.، فنكون قد ساعدناه و جعلنا حالته في رفاه و ربحنا منه في تجارتنا، و ضرائبنا، و سهلنا له مهماته ...

و الابل في العراق كثيرة، و كانت لها فائدتها قبل شيوع السيارات؛ فهي من أرخص وسائط النقل، و إن كانت بطيئة ... اهمال هذه الثروة دون عناية في امرها غير صحيح، و من اهم ما يعرض للبدوي قلة المراعي لها، و من الوسائل الفعالة افساح المجال له للسرح في مواطن لا يستفيد منها سواه، و في هذا تخيف لويلاته و مصائبه مما قد يؤدي إلى ضياع كافة ابله ...

و الابل انواع كثيرة، و بينها ما هو معروف قديما، و يعد من نجائب الابل لما فيه من المزايا المختارة من سرعة، و تحمل مشاق، أو ما ماثل ...

أنواع الابل:

و أشهر المعروف منها مما ينتفع به للحليب و الحمل: و يسمى (البعير) و يقال له (الرحول):

1- الخواوير. و واحدها خوار، و هي اباعر عنزة و شمر و غالب البدو بصورة عامة، و هذه ابل بادية الشام، تصبر على العطش، و تستخدم للغزو، تعيش خارج المياه في البادية الجرداء. و هذه لا تعيش في العراق في الأرياف من جهة القارص (الزريجي) و المعروف منها (بنات و ضيحان)، و (بنات عبجلي)، و (النجبانيات)، و (الشراريات).

2- الجوادة. واحدها الجودي و هذه في الغالب عند المنتفق و غزية و الصمدة من الضفير و سائر القبائل الريفية كالزكاريط (الزقاريط) و غيرها.

390

و لا تصبر هذه على الظمأ، و لا تتحمل المشاق التي تصيب البدو ... و إبل شمر طوقه كلها (جواده).

و هناك قسم آخر يستفاد منه للركوب غالبا و يقال له (الذلول) و من أنواعه:

1- التيهية. و هذه صغيرة، و لها رسن، تفيد للسرعة و للمغازي، و تقطع مسافات بعيدة. و هي عند الشرارات من الصلبة، و الحويطات منهم.

و هذه تطرح النعام، و الغزال، و هي للركوب خاصة، و يقال ان اضلاعها سبعة في كل جانب.

2- الحرّه. تعيش في البادية، و تصبر على الماء، و هي عند شمر و عنزة، و عند الشرارات. و بها يتمكنون من اللحاق بالخيول ...

3- العمانية. من نوع الجودي، و هي جميلة و وافية، و غالب ما تكون عند المنتفق و يحتفظون بها، و قليلة في سائر الأنحاء، و مواطنها على ساحل خليج فارس.

4- الباطنية. و هذه قليلة في العراق.

قال صلبي يخاطب عشيقته: (للسيلان منهم)

يا نديبي شد لي كور مهذالي‏* * * من ضراب التيه و امه شرارية

لشنطته بالرسل صابه حفالي‏* * * مثل دانوك حدته الشماليه‏

نحره يم الغضى طيب الغالي‏* * * عين خشف مرتعه له بوسميه‏

ألوان الإبل:

1- الوضحة. بيضاء

2- الصفرة. دبسة، غامقة.

3- شعلة. أقل انكشافا، و الجواده القسم الأعظم منها هذا لونه.

4- الملحة. سوداء.

391

5- الزركه. عشمه.

6- الشكحة. بين البيضاء و الشعلة.

و هذه كلها في الخواوير.

7- حمرة. على احمرار و فيها غمق.

و البيض منها كلها تدعى (المغاتير)، و ما كان فيه سواد، أو ملح يقال لها (السحمية)، أو (السحمة).

و من أوصافها: (الصجرية)، و (ابكع ظهر) ...

شواذيب و عذاريب الإبل:

من العيوب في الإبل ما يسمى الشاذب، أو الشاذوب و الضبطه فيقال ليس فيه (ضبطه و شاذب)، و العذوربه أو العذاريب و قد يطلق الواحد على الآخر كلفظ مترادف و يقال (سالم العذاريب). و هذه أشهر ما هو معروف:

1- الطير. سكتة دماغية

2- الخراش. نوع جنون‏

3- الضلع.

4- الجرب.

5- الجدري. و هذا يكون في صغره‏

6- الورك. مرض في الابط.

و أصل الشاذب عظم زائد في صفحة زور البعير. و هناك عيوب لا عن مرض و انما هي عيوب في الخلقة، أو نقص في الأعضاء:

1- الجدعه. مقطوعة الاذن.

2- العصلة. مقطوعة الذنب‏

392

3- الحرده. تضرب بيدها على الأرض؛ و هو نوع فالج.

4- الخطلة. مرتخية أعصاب الرجل عكس الحرده.

5- جنفه. فيها لحمة كبيرة تحت أبطها

6- النجبه. مخلوعة الزند (مفسوخته).

أسنان الأبل:

1- المخلول. عمره (1) سنة

2- المفرود. عمره (2) سنة

3- اللجي. عمره (3) سنة

4- الجذع. عمره (4) سنة و هذه يبتدئ فيها اللقاح و هو الضراب.

5- الثني. عمره (5) سنة

6- الرباع. عمره (6) سنة

7- الخماس. عمره (7) سنة

8- الجالس. عمره (8) سنة

و مدة الحمل 12 شهرا و من النوادر أن يكون 13 أو 14 شهرا.

الوسم و الشاهد للإبل:

و للإبل عند كل قبيلة، أو فرع من فروعها علامة يسمونها بها لتعرف و هذه تختلف اشكالها بالنظر لما تتخذه القبائل و لا نجد تقاربا في الوسم الا قليلا، و كذا يقال للشاهد و هو نوع الوسم الا انه لا يعول عليه في التفريق، و إنما هو أشبه بالاشارة الخاصة ...

و الوسم يكون على اليمين أو على اليسار، أو على الرقبة ... و الشاهد يكون على يمين الوسم، أو يساره، و قد يكون الوسم على اليد اليمنى، أو

393

اليسرى ... و الشاهد على الرقبة، أو يكون قريب الخشم و يصير محاذيا للعين، أو نازلا إلى الفك و على كل لا يعول على الشاهد.

و سم شمر طوقة كاشارة+ على يمين الناقة، و الصلتة منهم يجعلون الشاهد قدامه، و الغرير منهم في يساره، و الزقاريط عندهم الوسم اشبه بحرف‏T اللاتينية و يكون في اليسرى و شاهدهم في الوجه على الجانب الأيسر في منحدر الرسن و النصر لله (فرقة منهم) على الفك ... و لا يكاد يحصى الوسم لكل قبيلة و شاهده، و لقبائل عنزة لكل منها و سم خاص، كما لقبائل شمر كذلك ...

شركة الابل:

و شركة الابل للانتفاع منها تكون بأمور عديدة و لكن هذه لا تظهر إلا في القضايا الجزئية و المطالب الصغيرة مما يجرى بين الطبقة الضعيفة، أو بين ضعيف و غني ... و من هذه:

1) شركة عظم. و ذلك أن يشتري الموسر الابل، و يشغلهن عند آخر حتى تفك اثمانهن من النماء و الربح، و حينئذ يشترك معه مناصفة ... و لكن هذه الشركة يصح ان تفك عند الطلب، و لا تكون مقيدة بشرط، و مع هذا اذا وجد شرط لزم مراعاته ... و في هذه الحالة اذا طلبها صاحبها قبل ان تفك فحينئذ تباع و ما زاد عن قيمتها يقسم بينهما ... فالتعب الذي بذله العامل لا يهمل بوجه، و لا يضيع ...

2) شركة العدالة. و تكون في الغالب في الغنم، و تقل في الابل و ذلك بأن تعطى الشياه او الابل إلى آخر و يشارك في النماء، و لا يكون شريكا في العظم الأصلي بل في الصوف و الدهن ...

3) ان تودع الابل. على ان تكون الاجرة مثالثة، ثلث للجاني و هو الذي قام باعارتها ... و يتسلمها المكاري كاملة الحدايج و الثاية ... و اذا كانت كثيرة فيصح ان يشترط على صاحب الابل اكثر، و ان يستخدم معه آخر

394

فيكون نصيبه النصف ...

و يطول بنا تعداد كل ما هو معروف، و انما الغرض الفات الأنظار إلى هذه النواحي، و عند الاختلاف يرجعون إلى العارفة، و الضعيف يلجأ و ان كانت القضايا تافهة.

بيوعات:

في الابل قد يكون البيع صفقة واحدة و تنقطع العلاقة و قد لا يكون كذلك و تبقى العلاقة لمدة بأن يشتري المخلول و الغركان، و المخلول منهما تراه، و يكون مولودا، و يؤخذ وقت طلوع سهيل، أو أن يسلم صيفا ... و إن المشتري في هذه الحالة يسمى (شراي حبل) و المفرود و يقال له الغرقان، كأن يشترى في بطن أمه ثم يأخذه المشتري بعد أن يفطم من أمه و ذلك بأن يحول عليه الحول أو أزيد و اذا مات المبيع في هذه الحالة فهو مضمون ..

و يسمى (المجفوت).

هذا ما يعين البيوعات عندهم، و ان الضمان يترتب لأنه لم يسلم إلى المشتري في الوقت المضروب، و غالب هذه يجريها الضعفاء و الفقراء فيما بينهم، و هي التي توضح بقايا بيوعهم .. و الغرض من هذه البيوعات الشراء سلفا، و ان يكون تحت ادارة البائع لمدة ...

الرعي:

اذا أراد أن يسرح في الابل يعطى مخلولا و مبلغا معينا يقدر بدينار أو أكثر، أو مفرده وحده، أو مبلغ وحده و ذلك حسب قلة الابل و كثرتها ...

الدخيل:

تعطى الابل إلى آخر فيذهب بها إلى نجد أو إلى مكان آخر، و ذلك الراعي أو آخذ الابل ضامن و يجعل الابل مرخوصا من قبله يقال له (الدخيل) و الوصي و هذا هو الذي و كله ... فاذا رفض وكالته فحينئذ يصرح‏

395

بذلك و يشهد ثم يخلط الأموال (الابل) بما عنده، و لا يضمن المقدرات أي لا يتوجه عليه ضمان الدرك، فاذا مات بعير يثبت الشهود على موته و حينئذ لا يبقى حق. اما لو طالب المالك ببعيره فامتنع من اعطائه إلى الوصي ضمن أي انقلبت يده إلى يد ضمان.

وداعة البدو للبدو:

و هذه امانة لا تفرق عن سائر الامانات الا انه يتصرف بها و ينميها، أو يبقيها امانة على حالتها دون تصرف ... و البدوي في أحوال عديدة يريد أن يسير إلى أهله، و ليس في امكانه الا ان يكون مجردا، و تكون هذه محترمة و محتفظ بها للأمرين المذكورين، و للأمين الحق في اختيار احداهما، و لا يفترق المودع بين ان يكون بدويا أو غير بدوي، و لكن يصرح غير البدوي بغرضه فيقول هذه (وداعة البدو للبدو) أي أنها الوديعة المصطلح عليها عندهم. و للامين الحق في حفظ عينها، او التصرف بها.

فاذا كانت الوديعة شاة مثلا تكاثرت عنده، أو حوارا، أو بعيرا كان الأمر كذلك، و اذا باعها اشترى بثمنها ما ينمو، كأن كانت بعيرا فحلا كرى عليه ما عنده و نمّى الحاصل، أو باع البعير و اشترى به ناقة، فاستولدها ...

و الحاصل لا يسوغ له بوجه ان يخون هذه الأمانة، و إنما يستثمرها لصالح المودع، و اذا كانت مبالغ اشترى بها ما فيه فائدة إلى آخر ما هنالك، و قد يعين المالك الذي ائتمنه ان يتقاضى أجرا عوض العناية، و هذا غير ما يعطى للراعي أجرة رعيه و سرحه ...

396

- 6- الشيم و الأخلاق‏

ضيق المعيشة، و ضنك الرزق، و قلة الموارد قد تجعل المرء في لبس من تصديق ان البدوي لا يكذب، و انه صريح القول، ينفذ ما عزم على فعله و ما قطع في امره ... و هو في هذه الحالة لا يشهد كذبا، و لا يحابي ...

و فيه من الشمم و الإباء و العفة بمعناها الصحيح، و اكرام الضيف، و حمى الجار و النزيل ما لا يوصف.

شاهدنا وقائع اعترف فيها البدوي انه قتل، أو أنكر القتل فلم يحلف، و لم يخن أمانة، و وفى بعهده و هكذا .. و كم أخذتنا الحيرة في وقت لا نراه يقدم على الكذب و هو في أشد المواطن خطرا، و أعظمها حرجا ...

نرى أوصافا كثيرة عند البدو و لا نجدها عند غالب اخوانهم من الحضر فكأن البداوة ملازمة للصدق، و الانفة من الخديعة و الكذب، و كأن الحضر غير منفكين من الأوصاف الرديئة الا من عصم الله تعالى ... ذلك ما دعا ان يأمن الحضري معاملته مع البدو، و يتخوف البدوي من أهل المدن و حيلهم و الطرق التي يتخذونها لسلب ما عنده، فهو في حذر و خوف حتى انه اذا اشترى بضاعة يشترط أن تكون (سالمة، مسلمة للمناخ) و هكذا ...

و نخشى في هذه الحالة أن تتطرق اليهم بعض صفات أهل المدن الرديئة، و تنتقل عدواها و ان القائمين بأمر اصلاح المجتمع يحتم عليهم الواجب ان يلاحظوا هذه المهمة، و ان يتذرعوا بوسائل مانعة من التسرب إلى هؤلاء، و أن يسيروا بهم إلى التربية الحقة ...!

397

عبيان و له من العمر خمس سنوات‏

398

مرت أمثلة كثيرة تبين صراحة البدوي و صدق لهجته، و صفاء سريرته ... و نحن في حاجة كبرى إلى أن نتعلم منه المهم من الأخلاق الفاضلة، و السجايا النبيلة ... و ان لا نتهاون في أمرها، لا أن نفسده و هو سهل الخديعة، فيتذرع بالوسائل الرذيلة ... و نتمنى ان لا يدخله الاصلاح قبل ان ننال قسطا منه و الا سقناه إلى ما نحن فيه، و بهذا انتهكنا حرمة أخلاقه و علوها و سموّ سجاياه و فضائلها ... و هل من الصلاح ان نتولى امر الاصلاح و نحن لم نتسلح بما عنده من سجايا، و نتطلب منه ما هو مفقود و قد قيل (فاقد الشي‏ء لا يعطيه) ..

جلّ آمالنا ان يحتفظ هذا البدوي بحسن سلوكه، و طيب اخلاقه، و صفاء نيته إلى ان تتبدل حالة التربية العامة بخير منها، و تكون اولى مما هي فيه ...

- نعم قد تكون في البدوي بعض الصفات التي اكتسبها من حاجته و محيطه، و يهزأ بمن يذمها، أو يلومه من أجلها أمثال الغزو ... و لكن هذه بالنظر إلى منع حوادث الغزو، و الاتفاق و التكاتف بين الدول المجاورة على منعه تغيرت هذه الحالة، و ماتت من نفسها، و صار يشعر بأن ماله ما اقتناه من طريق مشروع ... و ستقوى هذه الخصيصة و يتعود مغزاها في حين انه قبل هذا اذا قيل له:

- الله يحرمك من غارة الضحى!

كان يجيب:

- و هل‏ (1) وجه، و هل وجه ...!

يريد بل أنت تحرم منها!! و كانوا يؤدون من غارة الضحى بعض الصدقات عن موتاهم ..!! و غرضهم من غارة الضحى أنها على وجه نهار، و لم تكن خفية، أو خلسة ...!

____________

(1) هل مخفف (هذا ال) يريد و هذا الوجه!

399

و مهما كان الأمر فالبدوي يغزو و ينهب، و يقتل و لكنه لا يكذب، و لا يخدع، و لا يخون الامانة، و لا يقبل بذلّ، و لا يرضخ لقوة ..!! يعيش بعزّ، و لا يرضى ان يهان، حر الضمير، صريح القول، و عفيف الذيل في غالب أحواله .. و هو أيضا كريم بطبيعته، شريف في نفسه، أبي، لا يتردد عن معونة، و لا يحجم عن مساعدة ... و القلم يعجز ان يجري في بيان كل خصاله الحميدة المقبولة ... و المرء ينجذب بل يكون مغرما بأوصافه هذه و أتمنى أن تكون هذه بصورة عامة عندنا ... و أن نمضي على كثير منها ...

سجايا قوية، عالية، لا تفترق بوجه عن أوصاف العرب القدماء؛ و لا تقل عنها، و يعوزها ما أعوز تلك من اصلاح حقيقي، و تهذيب اجتماعي، لا يشبه ما نحن عليه اليوم، و لا يأتلف و ما نحن فيه ... و لم أكن في قولي هذا ساخطا على المجتمع أو غاضبا عليه الا أني أرغب أن يتحلى بأكمل صفات الرجولة، و أن ينال حظه من الحضارة مقرونة بتلك السجايا الفاضلة ...

و هم كما نعتوا انفسهم:

حنّا جما صافي الذهب‏* * * و انظف من الخام الجديد

و لا نريد أن يزيف هذا الذهب، أو تنال ذلك الخام نكتة تكدر لونه او تودي بصفائه و جميل رونقه ... فاذا كان:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية* * * و في البداوة حسن غير مجلوب‏

فالأخلاق فاضلة، و عزيزة، لم تدخلها التطرية، حسنها طبيعي، و سالم من العذاريب الكثيرة كما يصطلحون عليها ...

و هنا نذكر بعض أوصافهم العامة:

1- النخوة:

و هذه من أكبر وسائل التكاتف، و يقال لها (العزوة) أيضا، و فيها

400

تتشارك القبائل التي تمت إلى نجار واحد، و غالب القبائل تعرف القربى بينها بسبب هذه النخوة ... و قد مرّ بنا ما ينتخى به القوم، و هي دليل الأخوة، و شارة التكاتف و الظاهر ان اصلها (انا اخوة) و منه اشتقت (النخوة) و مثلها العزوة و يراد بها الانتساب إلى نجار واحد ...

قال الشاعر:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم‏* * * في النائبات على ما قال برهانا

و هذه هي النخوة، و الندبة مثلها ... و اذا صرفت النخوة إلى ناحية التكاتف على اتباع الحق، و نصرة المظلوم، و مقاومة الشر فما أحلاها.

و التلقين إلى هذه الناحية قد يؤدي إلى نتائج مرضية ...

2- الدخيل، الدخالة:

في القتل يدفع عن القاتل لمدة ثلاثة أيام على ان لا يسارى و لا يبارى ... و في المطالب الأخرى غير قتل النفس يكون الوجه لمدة سنة، فلا يتعرض له أحد. الا أن (فورة الدم) لا يصد احد فيها، و الوجه لا يمنع غالبا الا أن يكون قويا و يتمكن من زبن الهاجمين ...

3- الوداعة:

و هم أحفظ للأمانة، و أحرص على الوديعة، و قد مرّ بيان بعض حوادثها الخاصة، و يتفادى البدوي في صيانة الوديعة ...

و على كل حال تظهر أوضاعهم العامة و أخلاقهم الاجتماعية، و كذا الفردية من طريق تثبيت الوقائع الاعتيادية، و في مواطن الحروب و اوقات الغزو و قد اشير إلى ذلك فيما مرّ، و سيأتي من الأمثلة في خصوماتهم مما يعين أخلاقهم في بعض الأوصاف و الأقوال التي يعابون من أجلها، و يحق لهم أن يطالبوا بالحشم، أو يعقروا من جراء ما نالهم من اهانة، أو يلتمس منهم العفو أو التعويض ... و ليس لهم حكومة يلجأون إليها، و إنما يستعينون بقوتهم.

401

و لا مجال لحصر المقبول من فضائلهم، و الأخلاق المعتبرة فيهم ...

و تتجلى اكثرها في حالاتهم الشاذة، و خصوماتهم، و منازعاتهم .. و لو استثنينا الغزو و الوسكة و ما ماثل لقلنا هناك الانسانية الكاملة ... و لكن للضرورات، و للمحيط حكمهما، و طبعهما ... و التربية الصحيحة تعدل في الأوضاع المدخولة، و تؤدي إلى الاصلاح الكبير و للتعديل القليل حكمه و أثره في الحياة الفردية و الاجتماعية ...

هذا و لا تفيد التعديلات المادية، و إنما الأثر النافع للمبادئ القومية، و التربية الفاضلة، و العوامل النفسية، فهي شديدة الأثر، و كبيرة الفائدة ...

و الأخلاق تحتاج إلى حسن ادارة و خبرة تامة، و علاقة قوية بالعقيدة ..!!

402

- 7- العقائد و العبادات عند البدو

العقيدة عند البدو قليلة الكلفة، بسيطة، و أساسها قبول ما كان قريبا من أذهانهم، و أحق بالأخذ ... و من حين دخلهم الإسلام زالت منهم عبادة الأشخاص و الأصنام، و حل التوحيد، فلا يميلون إلى الرسوم، و الأوضاع الزائدة ...

و مما يحكى عن الشيخ صفوك انه كان في مجلس ببغداد، فرأى ان قد جاء شيخ، و نال احتراما من أهل المجلس فقالوا له هذا الشيخ فلان! قال هو شيخ أي قبيلة فأجيب بأنه شيخ الطريقة النقشبندية، و هي طريقة دينية ... فكان جوابه ان الدين ليس له نقوش ...!!

و من المعلوم ان الإسلام أعلن عقائده بأوجز عبارة، و هي ايمان و عمل صالح، او استقامة ... مع قبول الارشاد لتعيين هذا المطلب، و البدوي لا يريد أن يعرف غير ذلك و لا يشغل ذهنه بأكثر ...

و في هذه الحالة يجب ان لا نخرج به في تهذيبه الديني عن هذا، و بعض الايضاح المتعلق به و الا كان نصيبنا الخذلان في نهجنا ... و من طبع البدوي ان لا يميل إلى زيارة المراقد، و لا يهتمون بها، و هم أقرب إلى التوحيد الخالص، و تراهم في نفرة من مراقد الصلحاء .. و غالبهم على مذهب السلف بسبب المجاورة لنجد، أو هم قريبون منهم ...

رأيت فرحان بن مشهور حين وروده العراق في ديوان المرحوم السيد

403

محمود الكيلاني النقيب السابق، و كنت حاضر المباحثة معه في بعض اوضاعنا الدينية، و كان ابن مشهور ينقدها، و يورد الآيات و بعض الأحاديث تقوية لحجته، و ان سماحة النقيب يوضح له، و يوجه أغراض اهل بغداد، و يعتذر له من أخرى و يقول: هؤلاء صلحاء لا أكثر، و لا نعتقد فيهم غير ذلك! اما ابن مشهور فانه استمر في بيان تلك الأوضاع حتى قال: ما هذه اذن؟ (و اشار إلى قبة الشيخ عبد القادر الكيلاني) ألم تكن طاغوتا ألم يقدم لها الاحترام!!

و هكذا نسمع الشمري يقول و كان قد رأى ما يخالف عقيدته:

يا عون من طالعك برزان‏* * * و نام بشناكك هني‏

و يا عون من فاركك البرغوث‏* * * و فراك عبادة علي‏

و برزان قصر ابن رشيد في نجد، و أراد بعبادة علي الشيعة في حين انهم لا يعبدون الامام عليا «رض» و انما يعتقدون فيه الامامة، و هؤلاء البدو لا يفرقون، و يرون مجرد الانقياد إلى الشخص عبادة ...

و من حاول اصلاح هؤلاء وجب عليه ان يلقنهم العقيدة من ناحية تفكيرهم دون أن يدخل فيها ما لا تقبله افهامهم ... بأن تلخص له أساسات العقيدة بلا توغل في تفرعات زائدة، و ان لا يعرف بالمذاهب الا انهم علماء معروفون لا اكثر ... و أرى أن يكثر له من تدريس القرآن الكريم، و أن لا يعدل عنه، و ان يسترشد بأحكامه ... و في هذا اصلاح لأخلاقه و عقيدته معا، و فيه أبعاد عن كل نعرة طائفية، و استهواءات حزبية ... فيكون مصروفا إلى ادلته الحقة، و أن نقربها لفهمه .. و هم في الغالب مالكية، أو حنابلة و يجب أن يلقنوا العبادات على مذاهبهم بما لا تصح بدونها، و ان يلاحظ تقليل التكليفات قدر الامكان، و الدين يسر ...

و على كل حال رغبة الاصلاح تستدعي التفكير الطويل، و استطلاع الآراء حتى تظهر الفكرة القوية الصالحة ... و أرى من الضروري تدريسهم مجمل التاريخ الإسلامي، و ذكر الغزوات و الملاحم الإسلامية بحيث يتجلى‏

404

لهم النشاط، و صفاء الأخلاق، و التفادي في سبيل هذا المبدأ الجليل، و ان لا تنسى العلاقة، و ان يحتل هذا التاريخ محل القصص الخرافية، و الحكايات التي لا يؤمل منها نفع تهذيبي ...

405

- 8- الخصومات- الدعاوى‏

يقولون:

المرجله ما بين حيل و حيله‏* * * و الحك يبري للي سيوفه كواطع‏

أو:

ما ينفعك زاد كليته ليافات‏* * * «و لا ينفع المفلوج عوج الطلايب»

1- العرف القبائلي:

ان القدرة، و الشجاعة من اكبر الوسائل لحفظ الحقوق، و أعظم الحواجز دون انتهاك الحرمات، و يردد البدو «الحك بالسيف و العاجز يريد شهود» و في هذا لا يقصد غالبا الا حماية الحق؛ و البدو من خير مزاياهم ان لا يكذبوا، و لا يتخذوا الوسائل لإبطال الحقوق و قد قالوا «و لا ينفع المفلوج عوج الطلايب»، و لا يخلو المرء من لدود و خصام، و هم اصحاب حجة، و منطق عذب، و فكرة قويمة في الغالب و النزاع في الأكثر بين المتكافئين، و الحكم بينهم يجب ان يكون ذا قدرة على حل القضايا و الا فلا يتنافرون اليه، و إنما يميلون إلى صاحب مواهب كافية لإدراك ماهية هذه الخصومات و الوقوف على جهات التلاعب في ادلاء الحجج ... و هؤلاء لم يكونوا ملائكة، و انما هناك بواعث مهمة تثير الخلاف و غالبها يقع على المنهوبات (الغنائم)، أو على (حقوق النساء)، أو على (البيوعات) و (الامانات) و هكذا مما لا حد له لتعيين قضاياهم و هذه لا تخرج عن مادة

406

الفقه. و أصل مواضيعه ... و تسمى في مصطلح اليوم ب (العرف القبائلي) من دون سائر العوائد ...

و لا نريد في عجالة كهذه ان نتوسع في حقوق القبائل البدوية (عرفها)، و فصل خصوماتها، و طريق حلها ... و كفانا أن ندوّن بعض القضايا الواقعية، و نشرح بعض الأمثلة، و نراعي صور الحسم من محادثات مع بعض العوارف، و مناقشات في خصوماتهم، و مباحثة معهم و معارضة لأفكارهم بقصد أن نتبين حقيقتها، و نعلم ماهيتها ... و اقتصرنا على ما يكفي للمعرفة و الألمام و إلّا طال الأمر، و صعب كثيرا، و تشعبت أطرافه .. و على كل حال النظر يقتصر على ما يدعو للخصام و مراجعة العارفة ... هذا و أحكام عرفهم متقاربة، و ليس فيها تفاوت كبير و التغلب و الاثرة أبقيا أثرا محسوسا فيها من مخالفات و أوضاع تعاملية منها ما لا يأتلف و الشريعة الغراء ..

2- العارفة و العوارف:

لا يقصد البدوي من الالتجاء إلى العارفة سوى حلّ قضيته حلا مرضيا يقطع النزاع، و الا فالتحكم، و الاجبار على صورة حل ترضي جانبا و تغضب الآخر و تضطره أن يقبل بقوة و قسر مما لا يميت الحقوق، و ليس الغرض مجرد الحسم ... و يصدق على مثل هذا قول (حكمت و لا أبالي) ...

و لعل التجارب العديدة بصرت بمراعاة (فصل الخصومات) من طريق (العوارف) ... و الملحوظ أن الناس كانوا يلجأون إلى الأقوى لحسم النزاع دون ان تلاحظ الصحة استنادا إلى هذه القوة أو أن يميل القوم إلى الطاعن في السن و يطلب حله ... ثم قطع البدو مراحل حتى وصلوا إلى طريق القضاء بواسطة من أهّب نفسه، و أعدها لفصل الخصومات و كانت له بصيرة. و قديما يقال له (الحكم) ... و يقول أمراء شمر نحن الذين نصبنا عوارفنا و اخترناهم من جهة اننا نظرا لمشغولياتنا لا نقدر أن نرى الخصومات بأنفسنا، فأودعناها إلى من اعتمدناه، و بمرور الأيام صارت موروثة فيهم، و لا يعتبر عارفة الا من كان ابوه عارفة ...

407

و هذه الفكرة اقرب للصواب في تعليل موضوع العوارف، و لكنها قديمة جدا، و حكام العرب في الجاهلية لم ينالوا منصب القضاء، و لم يشتهروا الا لما فيهم من المواهب، و ان كان هناك آخرون لم يلجأ اليهم أحد، و العارفة القدير يميل الناس اليه و لا يعدلون عنه كما انهم لا يجبرون على احد بعينه ...

3- محادثة مع عارفة:

قد جرت بيني و بين حسن بن عامود من شمر المحادثة التالية:

- هل تقرأ و تكتب؟

- لا!

- كيف تقضي بين الناس؟

كان آبائي و أجدادي عوارف ... و كنت أشاهد قضاياهم، و أسمع ما حكموا به، و تناقلوه ... و أنا أنظر في القضية، و عندي قلب واع ... فماذا تريد وراء هذا؟

و كأنه يقول عرفت تاريخ الخصومات و العرف ممن سبقني، و أدقق المسألة الموضوعة البحث، ولي بصيرة و إدراك ... و هذه من وسائل معرفة المحق من المبطل، و هي من دواعي الحكم ... هذا مع العلم بأن هذا العارفة ليس هو من أكبر العوارف و أعظمهم. (لم يكن منهى).

و لا أظن الحقوقي يحتاج إلى اكثر من معرفة تاريخ الحقوق، و النظر في الموضوع، و استعمال عقله فيه ... و بحق قال الزمخشري (العربان غربان) ... و لم يراع هؤلاء أصول مرافعات، و لا قانونا يرجع اليه سوى المعهود من تعاملاتهم إلا أن القضايا السابقة التي كان قد حلها عارفة آخر قبلا تعتبر أساسا و ليس للمتأخر أن يتعداها، أو يتجاوزها في حكمه .. و كأن هذه المعلومية تكسبها قوة و يمهل المتضرر أن يأتي بدليل على هذا الحكم السابق. و هي بمثابة رجوع إلى فتاوى، أو إلى مقررات محكمة التمييز ...

408

و الآن في حكومة ابن سعود يسمون العوارف ب (الطواغيت). لأن حكمهم لم يبن على أحكام الشرع و إنما هو على تعامل قديم، و وقائع سابقة و لا يرجع فيها إلى الأحكام الشرعية و هذه قد تكون موافقة، أو مخالفة، و لكن الشرع و موافقته غير مقصودين ...

4- المنهى: (محكمة تمييز البدو)

و هناك من لا يرضى بحكم العارفة و لا يقبل بطريقة حسمه، و حينئذ له أن يعارض حكمه و يطلب ان يرجع إلى (المنهى) و هو آخر محكمة بل آخر حاكم يلجأ اليه في نظر البدوي فيأذن له. و هؤلاء المناهي قليلون، لا يختلفون عن العوارف إلا في القدرة المسلمة لهم لا بانتخاب رئيس و لكن بحكم الشيوع و الشهرة ... و قد يعارض الحكم بما قضى به من سبقه، و يشترط أن يقدم شهادة من عارفة آخر كان قد حكم بما خالفه ...

و على كل حال سواء العارفة، أو المنهن لا يجوز مخالفة أحكامهم، أو مراجعة غيرهم و إلا أدى أن يطالب العارفة بالحشم، و يعد تحقيرا له إذا راجع أحد غيره كما أن غيره إذا عرف لا يقضي و لكن يجري ذلك تحت تحوطات خاصة، فإذا أودعت قضية إلى عارفة فليس لآخر التعرض لها، أو التدخل فيها فإن فعل أخذ منه الحشم. و عند قبيلة حرب إذا عرض قضية إلى عارفة و كان قد عرضها لآخر قبله أخذ منه الحشم.

و من هذا يعرف ان حكم العارفة قطعي، و حسمه لا يقبل النظر مرة اخرى إلا بالتحوطات المارة أو ما ماثلها و لذا نجد العربي القديم يفتخر بقوله:

أنا الذي لا يعاب لي قول، و لا يرد لي قضاء.

أو كما قيل:

و منهم حكم يقضي‏* * * فلا ينقض ما يقضي‏

و المشهور ان القدماء من العرب وضعوا قاعدة (البينة على من ادعى‏