إثارة الترغيب والتشويق إلى المساجد الثلاثة والبيت العتيق‏ - ج2

- محمد بن إسحاق الخوارزمي المزيد...
208 /
393

فسمعت هاتفا من ناحية البيت يقول لى: ويلك ألم تحج، ويلك ألم تحج؟

فعصمنى اللّه تعالى بسبب ذلك.

و سئل الحسن البصرى- رضى اللّه عنه- عن الحج المبرور و ما علامته؟ فقال:

أن يرجع الشخص منه زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة.

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- أنها قالت: كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا فرغ من حديثه و أراد أن يقوم من مجلسه يقول: «اللهم اغفر لنا ما أخطأنا و ما تعمدنا، و ما أسررنا و ما أعلنا، و ما أنت أعلم به منا، أنت المقدم، و أنت المؤخر، لا إله إلا أنت».

و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله.

***

394

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

395

القسم الثالث فى ذكر فضائل بيت المقدس‏ (1) و ما يتعلق به‏

و فيه ثمان فصول:

الفصل الأول: فى ذكر ابتداء بناء المسجد الأقصى.

الفصل الثانى: فى ذكر شد الرحال إليه، و فضل إتيانه و إسراجه.

الفصل الثالث: فى ذكر فضيلة الصلاة فيه، و فضل الحج و الصلاة فى مسجد المدينة و المسجد الأقصى فى عام واحد.

الفصل الرابع: فى ذكر فضل الإحرام من بيت المقدس و الأذان فيه.

الفصل الخامس: فى ذكر فضل الصدقة و الصيام فيه.

الفصل السادس: فى ذكر فضل الصخرة و أنها من الجنة.

الفصل السابع: فى ذكر الساهرة، و فضل من مات فى بيت المقدس.

الفصل الثامن: فى ذكر جامع الفضائل لبيت المقدس.

***

____________

(1) جمع الزركشى من أسمائها سبعة عشر اسما. (إعلام الساجد 277).

396

الفصل الأول فى ذكر ابتداء بناء المسجد الأقصى و ذكر أى مسجد وضع أولا

روى البخارى فى صحيحه عن أبى ذر- رضى اللّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللّه، أى مسجد وضع فى الأرض أولا؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أى؟

قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصلها فإن الفضل فيه» (1).

و فى رواية: «فإن الأرض جعلت لنا مسجدا» (2).

و عن أبى ذر- رضى اللّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللّه، أى مسجد وضع فى الأرض أولا؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أى؟ قال: «المسجد الأقصى»، قال: قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» (3).

ثم قال: زاد الفراء فأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد» ثم قال: هذا حديث صحيح أخرجاه فى الصحيحين، و أخرجه النسائى، و القزوينى‏ (4).

و عن كعب- رضى اللّه عنه- قال: بنى سليمان (عليه السلام) بيت المقدس على أساس قديم. كما بنى إبراهيم (عليه السلام) الكعبة على أساس قديم، ثم قال:

و الأساس القديم الذى كان لبيت المقدس أسسه سام بن نوح- (عليه السلام)- ثم‏

____________

(1) أخرجه: مسلم 2/ 63 (المساجد: ذكر أى مسجد وضع أولا)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 35).

(2) أخرجه: البخارى 4/ 145 (الأنبياء: باب و اتخذ اللّه إبراهيم خليلا)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 36).

(3) أخرجه: مسلم 2/ 63.

(4) أخرجه: البخارى 2/ 189 ط الأميرية (بدء الخلق: باب يزفون النبلان فى المشى)، مسلم (المساجد: 1)، أحمد 5/ 15، ابن ماجه (753).

397

بنى داود و سليمان- (عليهما السلام)- على ذلك الأساس‏ (1).

و قال الإمام الخطابى فى كتاب «الأعلام» (2) له: أنه بنى المسجد الأقصى بعض أولياء اللّه تعالى قبل داود و سليمان (عليهما السلام)، ثم بناه داود و سليمان، و زادا فيه و وسعاه فأضيف إليهما بناؤه.

***

____________

(1) إعلام الساجد (283)، و لم يعزه، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 36).

(2) هو كتاب «أعلام الحديث» شرح صحيح البخارى، و طبع فى جامعة أم القرى، بمكة المكرمة.

398

الفصل الثانى فى ذكر شد الرحال إلى بيت المقدس و فضل إتيانه و إسراجه‏

و عن أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، و مسجد إبراهيم، و مسجد بيت المقدس». رواه البخارى و مسلم‏ (1).

و فى رواية أخرى: «المسجد الحرام، و مسجدى، و المسجد الأقصى» (2).

و فى رواية: عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: «تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، و مسجد الرسول (عليه السلام)، و مسجد الأقصى» (3).

و فى حديث آخر: أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تحمل المطى إلا إلى ثلاثة مساجد ...» و ذكرها (4).

____________

(1) لم أعثر على هذا الحديث فى صحيحى البخارى و مسلم و نص حديثى البخارى و مسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا، و مسجد الحرام، و مسجد الأقصى»، البخارى 2/ 60 (التطوع: فضل الصلاة فى مسجد مكة و المدينة)، و مسلم 4/ 126 (الحج: لا تشد الرحال إلا).

(2) أخرجه: البخارى 3/ 70، مسلم 4/ 126، الترمذى 2/ 123، ابن ماجه 1/ 452، أحمد فى مسنده 3/ 45، النسائى فى الكبرى (انظر: تحفة الأشراف 3/ 445)، ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 256)، الحميدى 2/ 330، ابن أبى شيبة 4/ 66.

(3) رواه ابن أبى شيبة 2/ 374، 4/ 65، و عبد الرزاق فى مصنفه 5/ 135، و الفاكهى فى أخبار مكة 2/ 94.

(4) أخرجه: أحمد فى مسنده 2/ 501، 6/ 7، النسائى 3/ 114، الفاكهى فى أخبار مكة 2/ 97، ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 252) كلهم من طريق يزيد بن الهاد، و رجال أحمد رجال الصحيح، و ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 4/ 3، و عزاه للبزار و الطبرانى فى الكبير و الأوسط.

و رواه عبد الرزاق فى مصنفه 5/ 133 من طريق ابن جريج.

399

و فى حديث آخر: عن ابن عباس- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، و مسجد المدينة، و المسجد الأقصى، فصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، و صلاة فى مسجدى بألف صلاة- و فى بعض الروايات: كألف صلاة- و صلاة فى المسجد الأقصى بعشرة آلاف صلاة» (1).

و عن ذى الأصابع أنه قال: يا رسول اللّه، إن ابتلينا بالبقاء بعدك فأين تأمرنا؟

قال (صلى اللّه عليه و سلم): «عليك ببيت المقدس لعل اللّه يرزقك ذرية يغدون إليه و يروحون» (2).

قال أبو أيوب: يعنى مسجد بيت المقدس.

و روى عن ميمونة مولاة رسول اللّه- رضى اللّه عنها- قالت: قلت: يا رسول اللّه، أفتنا فى بيت المقدس، فقال: «ائتوه فصلوا فيه» قالت: كيف إذ ذاك و الروم فيه؟! قال: «فإن لم تستطيعوا فابعثوا بزيت يسرج فى قناديله». رواه أبو داود و القزوينى‏ (3).

و روى عن أبى ذر- رضى اللّه عنه- قال: قلت: يا رسول اللّه، أخبرنا عن بيت المقدس قال: «أرض المحشر و المنشر ائتوه فصلوا فيه» (4).

و عن ميمونة بنت الحارث زوج النبى (صلى اللّه عليه و سلم)- رضى اللّه عنها- أنها قالت: يا رسول اللّه أفتنا فى بيت المقدس، قال: «أرض المحشر و المنشر ائتوه فصلوا فيه؛ فإن‏

____________

(1) أخرجه: عبد الرزاق فى مصنفه 5/ 133.

(2) ذو الأصابع: هو ذو الأصابع التميمى، و يقال: الخزاعى، و يقال: الجهنى، نزيل بيت المقدس (تعجيل المنفعة رقم 291).

و الخبر فى فضل بيت المقدس للواسطى (34)، الأنس الجليل 1/ 235، كنز العمال (24713) رقم (1373) حيث أخرجه من طرق عديدة.

(3) أخرجه أبو داود نقلا عن تيسير الوصول لابن الربيع 3/ 127، و الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 153، و عزاه لابن ماجه فى سننه 1/ 453

(4) ذكره المحب الطبرى فى القرى (ص: 693)، و الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 154، و عزاه لأبى داود فى السنن، مختصر تاريخ دمشق 2/ 322.

و المحشر: مفعل من الحشر و هو الجمع، يعنى: يوم القيامة، فإذا فتحت الشين فهو المصدر، و أما موضع الحشر فهو بالكسر. قال الجوهرى: المحشر بالكسر: موضع الحشر. انتهى.

400

صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه»، قالت: أرأيت يا رسول اللّه من لم يطق محملا إليه؟ قال: «فليهد زيتا يسرج فى قناديله» (1).

و عن ميمونة مولاة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قالت: يا رسول اللّه، أفتنا فى بيت المقدس، قال: «أرض المحشر و المنشر، ائتوه فصلوا فيه؛ فإن الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه». قالت: أرأيت إن لم يطق أن يتحمل إليه أو يأتيه؟ قال: «فليهد زيتا يسرج فيه؛ فإنه من أهدى إليه كان كمن صلى فيه» (2) أخرجه القزوينى.

و عن كعب- رضى اللّه عنه- أنه قال: لما فرغ سليمان (عليه السلام) من بيت المقدس وضع القربان فى رحبة المسجد، ثم قام على الصخرة، ثم قال ثناء و حمد:

اللهم إنى أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: أن لا يدخل إليه مذنب لم يتعمده إلا لطلب التوبة أن تتقبل توبته منه و تتوب عليه و تغفر له، و لا يدخل إليه خائف لم يتعمده إلا لطلب الأمن أن تؤمنه من خوفه و تغفر له ذنبه، و لا يدخل إليه مريض لم يعمده إلا لطلب الشفاء أن تشفيه من سقمه و تغفر له ذنبه، و لا يدخل إليه مقحط لم يتعمده إلا لطلب الاستسقاء أن تسقى بلاده، و أن لا تصرف بصرك عمن دخله حتى يخرج منه. اللهم إنك أجبت دعوتى و أعطيتنى مسألتى فاجعل علامة ذلك أن تتقبل قربانى. فنزلت نار من السماء فاحتملت القربان و صعدت به إلى السماء (3).

و عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لما بنى سليمان البيت المقدس سأل ربه خلالا ثلاثا، فأعطاه اللّه تعالى اثنتين، و أنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة أيضا: سأله ملكا لا ينبغى لأحد من بعده»- قال قتادة:

يعنى: لا تسلبنى إياه مرة أخرى- «فأعطاه ذلك. و سأله حكما و علما لا ينبغى لأحد من بعده، فأعطاه ذلك. و سأله أن لا يأتى أحد هذا البيت فيصلى فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ و أنا أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة أيضا» (4).

____________

(1) عزاه السيوطى فى الدر المنثور للواسطى 4/ 291، و عزاه الزركشى فى إعلام الساجد (ص: 289) لابن ماجه.

(2) مجمع الزوائد 4/ 7، المطالب العالية (1265) و ضعفه.

(3) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 39).

(4) ذكره الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 148، و عزاه لأحمد فى مسنده، و النسائى، و ابن-

401

و عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه قال: إن سليمان بن داود- (عليه السلام)- لما فرغ من بيت المقدس قرب قربانا فتقبل اللّه منه، و دعا اللّه تعالى بدعوات منهن:

اللهم أيما عبد مؤمن بك زار فى هذا البيت تائبا إليك إنما جاء ينفصل من خطاياه و ذنوبه أن تتقبل منه و تتركه من خطاياه و ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ (1).

و فى رواية: أن تنزعه من خطاياه.

و عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لما فرغ سليمان- (عليه السلام)- من بناء بيت المقدس سأل اللّه عزّ و جلّ ثلاث خصال: حكما يوافق حكمه، و ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، و لا يأتى هذا البيت أحد لا ينزعه إليه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فقال النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «أما اثنتين فقد أعطاهما اللّه تعالى، و أما الثالثة فأنا أرجو أن يكون قد أعطاه إياها» و قال: «دعاء نبى و رجاء نبى» (2).

و فى رواية: عن عبد اللّه- أيضا- عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أن سليمان بن داود- (عليه السلام)- لما فرغ من بناء مسجد بيت المقدس سأل اللّه عزّ و جلّ حكما يصادف حكمه، و ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، و لا يأتى هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه». فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «فأما اثنتان فقد أعطيهما إياه، و أنا أرجو أن يكون قد أعطى الثالثة» (3) رواه النسائى و ابن ماجه.

و عن أبى العوام أنه قال: ذكر لنا أن سليمان- (عليه السلام)- لما فرغ من بنائه ذبح ثلاثة آلاف بقرة و سبعة آلاف شاة، ثم قال: اللهم من أتاه من ذى ذنب فاغفر له ذنبه، أو ذى ضر فاكشف له ضره. قال: و لا يأتيه أحد إلا أصاب من دعوة

____________

- ماجه، و الحاكم فى المستدرك و صححه. و انظر: مجمع الزوائد 8/ 4، و إعلام الساجد (282)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 40).

(1) سبل الهدى و الرشاد 3/ 149، و عزاه السيوطى فى الدر المنثور أيضا للحكيم الترمذى فى نوادر الأصول و البيهقى فى الشعب 4/ 291.

(2) سبل الهدى و الرشاد 3/ 149، و إعلام الساجد (282)، ابن ماجه 1/ 451.

(3) المرجع السابق 3/ 149.

402

سليمان بن داود (عليهما السلام) خيرا كبيرا (1).

و روى الإمام البيهقى فى باب الإسراء من كتاب «دلائل النبوة» بسنده عن شداد ابن أوس- رضى اللّه عنه- قال: قلنا يا رسول اللّه: كيف أسرى بك؟ قال:

«صليت لأصحابى صلاة العتمة بمكة معتما، قال: فأتانى جبريل بدابة أبيض فوق الحمار، و دون البغل، فقال: اركب، فاستصعب علىّ، فدارها بأذنها ثم حملنى عليها. فانطلقت تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلنى، فقال: صلّ، فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدرى أين صليت؟ قلت:

اللّه أعلم. قال: صليت بيثرب، قال: صليت بطيبة. فانطلقت تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها حتى بلغنا أرضا، فقال: انزل فصلّ- أو قال: انزل، فنزلت، ثم قال: صلّ، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدرى أين صليت؟ قلت: اللّه أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة موسى (عليه السلام)، ثم انطلقت تهوى بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصورها، فقال: انزل، فنزلت فقال: صلّ، فصليت، ثم ركبنا، فقال: أتدرى أين صليت؟ قلت: اللّه أعلم، قال: صليت ببيت اللحم حيث ولد فيه أخوك عيسى المسيح ابن مريم (عليه السلام)، ثم انطلق بى حتى دخلنا المدينة من بابها اليمانى، فأتى قبلة المسجد فربط دابته، و دخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس و القمر، فصليت فى المسجد حيث شاء اللّه، و أخذ بى من العطش ما أخذ بى، فأتيت بإناءين فى أحدهما لبن و فى الآخر عسل أرسل إلىّ بهما جميعا، فعدلت عنهما، ثم هدانى اللّه عزّ و جلّ فأخذت اللبن فشربت حتى فرغت و بين يدى شيخ متكئ على مثراة له، فقال:

أخذ صاحبك اللبن الفطرة؛ إنه ليهدى، ثم انطلق بى حتى أتينا الوادى الذى فيه المدينة؛ فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابى»، قلت: يا رسول اللّه كيف وجدتها؟

قال: «مثل اللحمة السخنة، ثم انصرف بى، فمررنا بعير لقريش بمكان كذا و كذا قد أضلوا بعيرا لهم و قد جمعه فلان، فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم أتيت أصحابى قبل الصبح بمكة، فأتانى أبو بكر و قال: يا رسول اللّه‏

____________

(1) سبل الهدى و الرشاد 3/ 149، و عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 292 للواسطى فى فضل بيت المقدس عن كعب، بنحوه.

403

أين كنت الليلة فقد التمستك فى مظانك؟ فقال: علمت أنى أتيت بيت المقدس الليلة، فقال: يا رسول اللّه إنه مسيرة شهر. صفه لى. قال: ففتح لى صراط كأنى أنظر إليه لا يسألنى عن شى‏ء إلا أنبأته عنه. قال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللّه».

فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبى كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة. قال:

فقال: «من آية ما أقول لكم أنى قد مررت بعير لكم بمكان كذا قد أضلوا بعيرا لهم فجمعه فلان، و إن مسيرهم ينزلون بكذا ثم كذا و يأتونكم يوم كذا و كذا يقدمهم جمل أدم عليه مسح أسود و غرارتان سوداوان»، فلما كان ذلك اليوم انصرف الناس ينتظرون حتى كان قريبا من نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذى وصفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). هذا رأيته فى رواية الإمام البيهقى- (رحمه اللّه)- ثم قال عقيبه: هذا إسناد صحيح‏ (1).

***

____________

(1) أخرجه: البيهقى فى دلائل النبوة 2/ 355- 357، أحمد فى مسنده 2/ 282.

404

الفصل الثالث فى ذكر فضل الصلاة فى بيت المقدس و فضل الحج و الصلاة فى مسجد المدينة و المسجد الأقصى فى عام واحد

روى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص* * * رضى اللّه عنه- أنه قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «صلاة فى بيت المقدس أفضل [من ألف صلاة] فيما سواه إلا المسجد الحرام، و مسجدى هذا» (1).

و عن أبى الدرداء- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: «الصلاة فى المسجد الحرام تزيد على غيره بمائة ألف صلاة، و فى مسجدى ألف صلاة، و فى مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» (2).

و فى حديث آخر عن أبى المهاجر، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «الصلاة فى بيت المقدس بخمس مائة، الجماعة فيها تضاعف خمسا و عشرين درجة» (3).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلى فى بيت المقدس غفرت له ذنوبه كلها» (4).

و عن أنس بن مالك- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صلاة الرجل فى بيته بصلاة [واحدة]، و صلاته فى مسجد القبائل بخمس و عشرين صلاة، و صلاته فى المسجد الذى يجمع فيه بخمس مائة صلاة، و صلاته فى‏

____________

(1) ذكره المنذرى فى الترغيب و الترهيب 2/ 216.

(2) أخرجه: مسلم 4/ 125، النسائى فى المناسك 5/ 213، ابن ماجه (1405)، و ذكره السيوطى فى الجامع الكبير، و عزاه للبيهقى فى الشعب، و الخطيب فى المتفق و المفترق، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 45).

(3) إتحاف الأخصا 1/ 139، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 45).

(4) إتحاف الأخصا 1/ 138، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 45).

405

المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، [و صلاته على الساحل ألف صلاة، و صلاته بسواك بأربعمائة صلاة]، و صلاته فى مسجدى هذا بخمسين ألف صلاة، و صلاته فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة» (1).

و عن أنس- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من صلى فى البيت المقدس [خمس‏] صلوات نافلة كل صلاة أربع ركعات يقرأ فى خمس صلوات عشرة آلاف مرة: قل هو اللّه أحد فقد اشترى نفسه من اللّه تعالى و ليس للنار عليه سلطان» (2).

و فى حديث آخر عن ابن عباس- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«صلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، و صلاة فى مسجدى بخمسين ألف صلاة، و صلاة فى مسجد بيت المقدس بخمس و عشرين ألف صلاة» (3).

و عن أبى أمامة الباهلى‏ (4)- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من حج و اعتمر، و صلى فى بيت المقدس، و جاهد و رابط، فقد استكمل جميع سنتى».

و عن مكحول- رضى اللّه عنه- قال: من خرج إلى بيت المقدس لغير حاجة إلا إلى الصلاة فيه؛ فصلى فيه خمس صلوات صبحا و ظهرا و عصرا و مغربا و عشاء خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه‏ (5).

____________

(1) إعلام الساجد (ص: 117)، فضل بيت المقدس للواسطى (11، 12)، مسالك الأبصار 1/ 135، إتحاف الأخصا 1/ 17، باعث النفوس (ص: 59)، مجمع الزوائد 4/ 7 و عزاه للطبرانى فى الكبير. و ما بين المعقوفتين من الزيادات المنكرة.

(2) الأنس الجليل 1/ 208، إتحاف الأخصا 1/ 139، 140، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص:

46)، فضل بيت المقدس للواسطى (40).

(3) ذكره السيوطى فى الدر المنثور 2/ 53، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 46).

(4) هو: أبو أمامة الباهلى: الصدى بن عجلان بن وهب الباهلى، صحابى جليل. سكن الشام و توفى بحمص سنة (81 ه) (انظر ترجمته فى: شذرات الذهب 1/ 96، تهذيب التهذيب 4/ 420).

و الحديث فى فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 46).

(5) ذكره السيوطى فى إتحاف الأخصا 1/ 141، و لم يعزه، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص:

46).

406

و فى رواية أخرى عنه: من صلى ببيت المقدس ظهرا و عصرا و مغربا و عشاء، ثم صلى الغداة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ (1).

و عن مكحول أيضا- رضى اللّه عنه- أنه قال: من زار بيت المقدس شوقا إليه دخل الجنة مدللا، و زاره جميع الأنبياء عليهم الصلاة و السلام فى الجنة، و غبطوه بمنزلته من اللّه عزّ و جلّ. و أيما رفقة خرجوا يريدون بيت المقدس شيعتهم عشرة آلاف من الملائكة يستغفرون لهم و يصلون عليهم، و لهم مثل أعمالهم إذا انتهوا إلى بيت المقدس، و لهم بكل يوم يقيمون فيه صلاة سبعين ملكا، و من دخل بيت المقدس طاهرا من الكبائر تلقاه مائة رحمة ما منها رحمة إلا لو قسمت على جميع الخلائق لوسعتهم، و من صلى فى بيت المقدس ركعتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب و قل هو اللّه أحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، و كان له بكل شعرة من جسده حسنة. و من صلى فى بيت المقدس أربع ركعات: مر على الصراط كالبرق، و أعطى أمانا من الفزع الأكبر يوم القيامة. و من صلى فى بيت المقدس ست ركعات: أعطى مائة دعوة مستجابة أدناها براءة من النار، و وجبت له الجنة. و من صلى فى بيت المقدس ثمان ركعات: كان رفيق إبراهيم خليل الرحمن- (عليه السلام)- فى الجنة. و من صلى فى بيت المقدس عشر ركعات: كان رفيق داود و سليمان (عليهما السلام) فى الجنة. و من استغفر للمؤمنين و المؤمنات فى بيت المقدس ثلاث مرات: كان له مثل أجورهم و حسناتهم، و وصل إلى كل مؤمن و مؤمنة من دعائه سبعون مغفرة، و غفرت له ذنوبه كلها (2).

و عن محمد بن شعيب قال: قلت لعثمان بن عطاء الخراسانى: ما تقول فى الصلاة فى بيت المقدس؟ قال: و نعمت، ائته فصلّ فيه فإن داود (عليه السلام) أسسه و سليمان (عليه السلام) بناه و بلطه بالذهب لبنة ذهبا و لبنة فضة، و ليس فيه شبر من الأرض إلا سجد عليه ملك أو نبى؛ فلعل جبهتك توافق موضع جبهة ملك أو

____________

(1) أخرجه: الكنجى (ص: 276)، و السيوطى فى الدر المنثور 4/ 161، كلاهما عن الواسطى رقم (38)، و أخرجه أيضا أبو المعالى (ص: 34)، الأنس الجليل 1/ 203.

(2) إتحاف الأخصا 1/ 138، 139، الأنس الجليل 1/ 208، فضل بيت المقدس للواسطى (39)، باعث النفوس (ص: 60).

407

جبهة نبى‏ (1).

و عن سفيان الثورى (رحمه اللّه): أنه سأله رجل بمكة فقال: يا أبا عبد اللّه ما تقول فى الصلاة فى هذه البلدة؟ قال: بمائة ألف صلاة، قال: ففى مسجد بيت المقدس، قال: بأربعين ألف صلاة، قال: ففى مسجد دمشق؟ قال: بثلاثين ألف صلاة (2).

و روى عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- أنه قال: من حج و صلى فى مسجد المدينة و المسجد الأقصى فى عام واحد خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه‏ (3).

***

____________

(1) إعلام الساجد (281)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 47).

(2) إتحاف الأخصا 1/ 142، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 47).

(3) ذكره الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 157، و لم يعزه، و عزاه الزركشى فى إعلام الساجد (296) لابن المرجى فى «فضائل القدس».

408

الفصل الرابع فى ذكر فضل الإحرام من بيت المقدس و الأذان فيه‏

عن أم سلمة- رضى اللّه عنها- قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أهلّ بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و وجبت له الجنة» (1). رواه الدارقطنى.

و فى رواية عنها قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (2).

و فى رواية أخرى: «غفر له ما تقدم من ذنبه» (3) رواه أبو داود و القزوينى.

و عن أم حكيم قالت: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أهل بحج من بيت المقدس غفر له» (4).

و عن ابن عمر- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من أحرم معتمرا فى شهر رمضان من بيت المقدس عدلت عشر غزوات مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» (5).

و عن جابر- رضى اللّه عنه- أن رجلا قال: يا رسول اللّه، أى الخلق أول دخولا الجنة؟ قال: «الأنبياء»، قال: يا نبى اللّه، ثم من؟ قال: «ثم الشهداء»، قال: يا نبى اللّه، ثم من؟ قال: «ثم مؤذنوا بيت المقدس»، قال: يا نبى اللّه، ثم‏

____________

(1) أخرجه: أحمد فى مسنده 6/ 299، و أبو داود 2/ 196، و ابن ماجه 2/ 999، إعلام الساجد (289)، فضل بيت المقدس (92)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 49).

(2) أخرجه: أحمد فى مسنده 6/ 299، ابن حبان فى موارد الظمآن (ص: 251، 252)، الدارقطنى 2/ 283- 284، البيهقى فى السنن 5/ 30.

(3) سنن أبى داود 2/ 144 (باب فى المواقيت)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 49).

(4) أخرجه: ابن ماجه (3001، 3002)، أبو داود (1741)، البيهقى فى السنن 5/ 30، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 49).

(5) إتحاف الأخصا 1/ 149)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 49).

409

من؟ قال: «مؤذنوا المسجد الحرام»، قال: يا نبى اللّه، ثم من؟ قال: «ثم مؤذنوا مسجدى هذا»، قال: يا نبى اللّه، ثم من؟ قال: «ثم سائر المؤذنين على قدر أعمالهم» (1).

***

____________

(1) ذكره الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 156، و عزاه للخطيب فى الموضح. إتحاف الأخصا 1/ 147، و الزركشي فى إعلام الساجد (294)، الأنس الجليل 1/ 208، و قال الخطيب:

غريب.

410

الفصل الخامس فى ذكر فضل الصدقة و الصيام ببيت المقدس و شهود الموسم بمكة

عن الحسن البصرى‏ (1)- رضى اللّه عنه- أنه قال: من تصدق فى بيت المقدس بدرهم كان فداءه من النار، و من تصدق برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهبا (2).

و عن مقاتل- (رحمه اللّه)- أنه قال: من صام يوما فى بيت المقدس كان له براءة من النار (3).

و فى كتاب ابن الرجاء عن السرى- (رحمه اللّه)- أنه قال: إلياس و الخضر يصومان شهر رمضان فى بيت المقدس و يوافيان الموسم- الحج- كل عام‏ (4).

***

____________

(1) هو: أبو سعيد الحسن بن أبى الحسن بن يسار البصرى، من سادات التابعين كان إمام أهل البصرة (انظر ترجمته فى: وفيات الأعيان 1/ 354، شذارات الذهب 1/ 138)، و الخبر فى فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 50).

(2) إتحاف الأخصا 1/ 150، و الخبر فى فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 51).

(3) ذكره الصالحى فى سبل الهدى و الرشاد 3/ 154، و لم يعزه، و الخبر فى فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 50).

(4) حديث منكر (و انظر: المقاصد 27، كشف الخفاء 110، التذكرة 207، الموضوعات 1/ 196، الفوائد المجموعة 495، الشذرة 26).

411

الفصل السادس فى ذكر فضيلة الصخرة و أنها من الجنة

عن رافع بن عمرو المزنى- رضى اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«الصخرة و العجوة من الجنة» (1).

و عن على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقول:

«سيد البقاع بيت المقدس، و سيد الصخور صخرة بيت المقدس» (2).

و عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: صخرة بيت المقدس من صخور الجنة (3).

و عن كعب- رضى اللّه عنه- قال: إن الكعبة بميزان البيت المعمور فى السماء السابعة الذى يحجه ملائكة اللّه تعالى لو وقعت منه أحجار لوقعت على أحجار الكعبة، و إن الجنة فى السماء السابعة بميزان بيت المقدس و الصخرة و لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة، و لذك دعيت أورشليم- يعنى: بيتا مباركا و هو اسم لبيت المقدس- و دعيت الجنة دار السلام‏ (4).

و عن وهب- رضى اللّه عنه- قال: قال اللّه تعالى: الصخرة بيت المقدس، فيك جنتى و نارى، و فيك جزائى و عقابى، فطوبى لمن زارك، ثم طوبى لمن زارك، ثم طوبى لمن زارك‏ (5).

____________

(1) أخرجه: الحاكم فى المستدرك 3/ 588، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 53)، و عزاه السيوطى فى جامع الأحاديث لأحمد و ابن ماجه (14492).

(2) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 53).

(3) إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى 1/ 130، أنس الجليل 1/ 208، إعلام الساجد (289)، فضل بيت المقدس للواسطى (128)، و اللّه أعلم بصحته.

(4) إتحاف الأخصا 1/ 132، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 53).

(5) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 53).

412

و عن عبادة بن الصامت- رضى اللّه عنه- قال: قال النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «الصخرة صخرة بيت المقدس على نخلة، و النخلة على نهر من أنهار الجنة، و تحت النخلة آسية امرأة فرعون و مريم ابنة عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة» (1).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «الأنهار كلها و السحاب و الرياح من تحت صخرة بيت المقدس» (2).

و فى رواية: قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن المياه العذبة و الرياح اللواقح تخرج من أصل صخرة بيت المقدس» (3).

و عن أبى بن كعب- رضى اللّه عنه- أنه قال: ما من ماء عذب إلا و يخرج من تلك الصخرة التى فى بيت المقدس‏ (4).

و عن نوف البكالىّ- (رحمه اللّه)- قال: الصخرة تخرج من تحتها أربعة أنهار:

سيحان، و جيحان، و الفرات، و النيل‏ (5).

و عن كعب- رضى اللّه عنه- قال: قال اللّه عزّ و جلّ لصخرة بيت المقدس:

أنت عرشى الأدنى، و من تحتك بسطت الأرض، و منك ارتفعت السماء، و من تحتك جعلت كل ماء عذب يطلع على رؤوس الجبال‏ (6).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لما أسرى بى إلى بيت المقدس أتانى جبريل- (عليه السلام)- إلى الصخرة فقال: من هاهنا عرج ربك‏

____________

(1) أورده الهيثمى فى مجمع الزوائد 9/ 218. و فيه: محمد بن مخلد الرعينى يحدث بالأباطيل، و ذكره الهندى فى كنز العمال (34407). و عزاه للطبرانى فى الكبير، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 53)، السيرة الحلبية 2/ 18، تنزيه الشريعة 2/ 176، و قال الذهبى: إسناده مظلم و هو كذب ظاهر.

(2) فضل بيت المقدس (ص: 54).

(3) أخرجه: ابن الجوزى (ص: 39) عن الواسطى، و أخرجه أبو المعالى فى كتابه (ص: 38)، نهاية الأرب 1/ 336، مسالك الأبصار 1/ 138، إتحاف الأخصا 1/ 155.

(4) إتحاف الأخصا 1/ 156، الدر المنثور و عزاه لعبد بن حميد 4/ 581.

(5) إتحاف الأخصا 1/ 156، الدر المنثور و عزاه لعبد بن حميد 4/ 581، الأنس الجليل 1/ 205.

(6) الأسرار المرفوعة لعلى القارى (457)، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 41)، نهاية الأرب 1/ 338 و فى إسناده: إبراهيم بن أعين منكر الحديث.

413

إلى السماء، فألهمنى اللّه تعالى أن قلت: نحن بموضع عرج منه ربى، فصليت بالنبيين، ثم عرج بى إلى السماء (1).

و قوله: «عرج ربك» ليس المراد منه ما يفهم مثله فى حقنا؛ بل أمر يليق بجلال اللّه تعالى.

و عن إدريس الخولانى- (رحمه اللّه)- قال: يحوّل اللّه تعالى صخرة بيت المقدس يوم القيامة مرجانة بيضاء كعرض السماء و الأرض، ثم يضع عليها عرشه، و يضع ميزانه و يقضى بين عباده و يصيرون منها إلى الجنة أو إلى النار (2).

و عن ابن البحترى القاضى- رضى اللّه عنه- قال: تكره الصلاة فى سبع مواطن: على الكعبة، و على صخرة بيت المقدس، و على طور زيتا، و على طور سيناء، و على الصفا و المروة، و على الجمرة، و على جبل عرفة (3).

و عن أبى الحسن على بن أحمد الواحدى قال فى قوله تعالى: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ‏ (4): يدعو إسرافيل- (عليه السلام)- من صخرة بيت المقدس من حين ينفخ فى الصور بأمر اللّه تعالى للمبعث بعد الموت.

و عن أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «صليت ليلة أسرى بى إلى بيت المقدس غربى الصخرة» (5).

و عن عبد اللّه بن سلام- رضى اللّه عنه- قال: من صلى فى بيت المقدس ألف ركعة عن يمين الصخرة و عن يسارها دخل الجنة قبل موته؛ يعنى: يراها فى منامه‏ (6).

____________

(1) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 54)، و فى المطالب العالية (1263) موقوفا على كعب أن الرّب عرج من وجّ، و فى إسناده مجهول.

(2) إتحاف الأخصا 1/ 132، إعلام الساجد، بنحوه (292)، و عزاه لأبى نعيم.

(3) إتحاف الأخصا 1/ 162، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 54).

(4) سورة الروم: آية 30، و الخبر فى فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 54).

(5) إتحاف الأخصا 1/ 160، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 55).

(6) إتحاف الأخصا 1/ 162، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 55).

414

و عن كعب- رضى اللّه عنه- أنه قال: أحبّ الشام إلى اللّه تعالى: بيت المقدس: و أحب القدس إلى اللّه تعالى: الصخرة و الطور.

و روى أبو المعالى- أيضا- عن محمد بن شهاب الزهرى- (رحمه اللّه)- قال: لم يبعث اللّه تعالى نبيا منذ أهبط اللّه تعالى آدم إلى الدنيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس، و لقد صلى إليها نبينا محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، ستة عشر أو سبعة عشر شهرا.

***

415

الفصل السابع فى ذكر فضل الساهرة و فضل من مات فى بيت المقدس‏

عن حذيفة و ابن عباس و على بن أبى طالب- رضى اللّه عنهم- قالوا: كنا جلوسا ذات يوم عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: «يحشر الناس ...» الحديث. يقولوا:

و فيه: «فينتهون إلى أرض يقال لها الساهرة، و هى فى ناحية بيت المقدس، تسع الناس و تحملهم بإذن اللّه» (1).

و عن أبى عبلة فى قول اللّه عزّ و جلّ: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (2) قال: هى البقيع الذى إلى جانب الطور طور زيتا (3).

و عن أبى بكر بن إبراهيم قال: حديث مستفاض معروف ببيت المقدس: أن الساهرة على جبل طور زيتا موضع فيه مقابر مصلى عمر- رضى اللّه عنه- معروف بالساهرة (4).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «من مات فى بيت المقدس فكأنما مات فى السماء» (5).

و عن كعب قال: يقول اللّه عزّ و جلّ فى التوراة لبيت المقدس: من مات فيك فكأنما مات فى السماء، و من مات حولك فكأنما مات فيك‏ (6).

____________

(1) إتحاف الأخصا 1/ 222، الأنس الجليل 1/ 157، و لم يعزياء لأحد.

(2) سورة النازعات: آية 14.

(3) الأنس الجليل 1/ 157، فضل بيت المقدس للواسطى 71، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 65)، و عزاه السيوطى فى الدر المنثور لعبد بن حميد و ابن المنذر، بنحوه (6/ 512).

(4) إتحاف الورى 1/ 222.

(5) ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد 2/ 319، و عزاه للبزار و فيه: يوسف بن عطية البصرى، و هو ضعيف، و أخرجه الواسطى 64، ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 65)، أنس الجليل 2/ 410، تنزيه الشريعة 2/ 167، مختصر تاريخ دمشق 20/ 72.

(6) ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 65)، و عزاه السيوطى فى الدر المنثور للواسطى، بنحوه 4/ 294.

416

و عن كعب الأحبار- رضى اللّه عنه- قال: من دفن فى بيت المقدس فقد جاز الصراط (1).

و عنه أنه قال: مقبور ببيت المقدس لا يعذب‏ (2).

و عن وهب بن منبّه قال: من دفن فى بيت المقدس نجا من فتنة القبر و ضيقه‏ (3).

و عن خليد بن دعلج قال: سمعت الحسن يقول: من دفن فى بيت المقدس فى زيتون الملة فكأنما دفن فى سماء الدنيا، قال الخليد: فما عرفت الملة حتى قدمت بيت المقدس‏ (4).

و عن عبد الرحمن بن عدى المازنى قال: سألنى عبد الرزاق عن منزلى فأخبرته أنى من بيت المقدس، قال لى: هل تعرفون زيتون الملة؟ قال: قلت: نعم، قال:

بلغنى أنها روضة من رياض الجنة (5).

***

____________

(1) إعلام الساجد (ص: 294)، ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 65)، فضل بيت المقدس للواسطى 65.

(2) فضل بيت المقدس للواسطى 66، نهاية الأرب 1/ 333.

(3) الأنس الجليل 1/ 208، إعلام الساجد (ص: 294)، ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 65).

(4) إعلام الساجد (ص: 294)، ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 67).

و زيتون الملة أو ما ملا: مقبرة كبيرة من مقابر بيت المقدس. و أصلها: «مما من اللّه. و قيل: باب الملة. و قيل: زيتون الملة».

(5) الأنس الجليل 2/ 413، ابن الجوزى فى فضل بيت المقدس (ص: 68).

417

الفصل الثامن فى ذكر جامع فضائل بيت المقدس‏

عن أبى أمامة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أنزل القرآن فى ثلاثة أمكنة: مكة، و المدينة، و الشام، قال الوليد: يعنى بيت المقدس.

و عن أبى الفتح سليم الرازى- (رحمه اللّه)- أنه قال فى قوله تعالى: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ (1). جاء فى التفسير أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة أسرى به جمع له الأنبياء- (عليهم السلام)- فى بيت المقدس فأمهم و قيل له: سلهم، فلم يشكل و لم يسأل.

و عن عائشة- رضى اللّه عنها- أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «إن مكة بلد عظّمه اللّه تعالى و عظّم حرمته؛ خلق مكة و حفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئا من الأرض يومئذ كلها بألف عام و وصلها بالمدينة، و وصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعده بألف عام خلقا واحدا» (2).

و عن على بن أبي طالب- رضى اللّه عنه- قال: كانت الأرض ماء فبعث اللّه تعالى ريحا فمسحت الماء، فظهرت على الأرض زبدة فقسمها أربع قطع: خلق من قطعة مكة، و من الثانية المدينة، و من الثالثة بيت المقدس، و من الرابعة الكوفة.

و عن عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنه- قال: إن لهذا الحرم لحرم فى السموات السبع بمقداره من الأرض، و إن بيت المقدس [لمقدس‏] فى السموات السبع بمقداره فى الأرض‏ (3).

و عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أربع مدائن فى‏

____________

(1) سورة الزخرف: آية 45.

(2) فضل بيت المقدس للواسطى 18، الدر المنثور 1/ 124، و هو حديث واه منكر كما قال شهاب الدين المقدسى فى «مثير الغرام».

(3) عزاه السيوطى فى الدر المنثور لابن أبى شيبة و الواسطى 5/ 293.

418

الدنيا من الجنة: مكة، و المدينة، و بيت المقدس، و دمشق» (1).

و عن معاذ- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «يقول اللّه تعالى يا أورشليم أنت صفوتى من بلادى، و أنا سائق إليك صفوتى من عبادى، من كان مولده فيك فاختار عليك فبذنب يصيبه، و من كان مولده فى غيرك و اختارك على مولده فبرحمة منى، و فيه: يا أورشليم أنت مقدّس بنورى، و فيك محشر عبادى، أزفك يوم القيامة كالعروس إلى بعلها، و من دخلك استغنى من القمح و الزيت» (2).

و أورشليم: اسم لبيت المقدس.

و عن كعب- رضى اللّه عنه- قال: قال اللّه عزّ و جلّ لبيت المقدس: أنت جنتى و قدسى و صفوتى من بلادى، من سكنك فبرحمة منى، و من خرج منك فبسخط منى عليه‏ (3).

و عن وهب بن منبّه- رضى اللّه عنه- قال: أهل بيت المقدس جيران اللّه، و حق على اللّه عزّ و جلّ أن لا يعذب جيرانه‏ (4).

و عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما- قال: باب مفتوح من أبواب الجنة تخرج الرحمة من خلاله من جنان الجنة فتسقط على مسجدها و جبالها و صخورها، و صخرة بيت المقدس من صخور الجنة (5).

و عن كعب- رضى اللّه عنه- قال: باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة تنزل من الجنان الرحمة على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة، و الظل الذى ينزل على بيت المقدس شفاء من كل داء؛ لأنه من جنان الجنة (6).

و عن مقاتل رضى اللّه عنه: أن كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك من السماء إلى مسجد بيت المقدس؛ يهللون اللّه، و يسبحون اللّه، و يقدسون اللّه، و يحمدون اللّه،

____________

(1) رواه ابن عدى مرفوعا، و فى إسناده الوليد بن محمد المنقرى، كذاب (الفوائد المجموعة (ص: 428)، تنزيه الشريعة 2/ 48، و ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات فأصاب).

(2) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70)

(3) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 27)، أنس الجليل 1/ 203، نهاية الأرب 1/ 333.

(4) إتحاف الأخصا 1/ 102 فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 69).

(5) إتحاف الأخصا 1/ 101 فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(6) إتحاف الأخصا 1/ 101 فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

419

و لا يعودون إلى أن تقوم الساعة (1).

و عن أنس بن مالك- رضى اللّه عنه- أنه قال: إن الجنة تحن شوقا إلى بيت المقدس، و صخرة بيت المقدس من جنة الفردوس، و هى سرة الأرض‏ (2).

و روى الحافظ بهاء الدين عن مقاتل- رضى اللّه عنه- أنه قال: صخرة بيت المقدس وسط الأرض، و إذا قال العبد لصاحبه: انطلق بنا إلى بيت المقدس، يقول اللّه تعالى: يا ملائكتى اشهدوا أنى قد غفرت لهما قبل أن يخرجا، هذا إذا كانا لا يصران على الذنوب‏ (3).

و قال: إن اللّه تعالى تكفل [لمن سكن‏] ببيت المقدس بالرزق إن فاته المال، و من مات سقيما محتسبا فى بيت المقدس فكأنما مات فى السماء، و من مات حول بيت المقدس فكأنما مات فى بيت المقدس، و ما نقص من الأرضين زيد فى الأرض التى حول بيت المقدس، و المياه العذبة كلها تخرج من تحت صخرة بيت المقدس، و الأرض التى بارك اللّه تعالى فيها أرض بيت المقدس، و يجعل الرب جل جلاله مقامه يوم القيامة فى أرض بيت المقدس، و جعل صفوته من الأرضين كلها أرض بيت المقدس، و الأرض المقدسة التى ذكرها اللّه تعالى فى القرآن بيت المقدس، فقال: إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ هى أرض بيت المقدس‏ (4).

و قال اللّه تعالى لموسى (عليه السلام): انطلق إلى بيت المقدس؛ فإن فيه نورى و نارى و تنورى- يعنى: وَ فارَ التَّنُّورُ- و كلم اللّه موسى تكليما فى أرض بيت المقدس، و تجلى اللّه تعالى للجبل فى أرض بيت المقدس، و رأى موسى- (عليه السلام)- نور رب العزة فى أرض بيت المقدس، و صخرة بيت المقدس من صخور الجنة و هى وسط الأرضين كلها، فإذا قال الرجل للرجل: انطلق بنا إلى بيت المقدس ففعلا يقول اللّه تعالى: طوبى للقائل و المقول له‏ (5).

و روى أيضا عن مقاتل‏ (6)- رضى اللّه عنه- أنه قال: تاب اللّه تعالى على داود

____________

(1) إتحاف الأخصا 1/ 103 فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(2) إتحاف الأخصا 1/ 101، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(3) إتحاف الأخصا 1/ 104، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(4) إتحاف الأخصا 1/ 105، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(5) إتحاف الأخصا 1/ 105، 106، فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70).

(6) فضل بيت المقدس لابن الجوزى (ص: 70- 74).

420

و سليمان- (عليهما السلام)- فى أرض بيت المقدس.

و غفر اللّه تعالى خطايا بنى إسرائيل فى بيت المقدس.

ورد اللّه تعالى على سليمان- (عليه السلام)- ملكه فى بيت المقدس.

و بشر اللّه إبراهيم و سارة بإسحاق فى بيت المقدس.

و بشر اللّه تعالى زكريا بيحيى فى بيت المقدس.

و سخر اللّه تعالى لداود (عليه السلام) الجبال و الطير فى بيت المقدس.

و تسورت الملائكة على داود المحراب فى بيت المقدس.

و كانت الأنبياء- (عليهم السلام)- تقرب القربان فى بيت المقدس.

و تهبط الملائكة كل ليلة إلى بيت المقدس.

و أوتيت مريم- (عليها السلام)- فاكهة الشتاء فى الصيف و فاكهة الصيف فى الشتاء و أجرى اللّه تعالى لها نهرا من الأردن إلى بيت المقدس، و أنبت اللّه تعالى النخلة لمريم- (عليها السلام)- فى بيت المقدس، و أثمرت فى الحال رطبا جنيا فى بيت المقدس.

و تكلم عيسى فى المهد صبيا فى بيت المقدس، و ولد عيسى- (عليه السلام)- فى بيت المقدس، و رفعه اللّه تعالى إلى السماء من بيت المقدس، و ينزل عيسى- (عليه السلام)- من السماء إلى أرض بيت المقدس، و يقتل الدجال ببيت المقدس.

و يغلب يأجوج و مأجوج على الأرض كلها غير بيت المقدس، و يهلكهم اللّه تعالى فى أرض بيت المقدس.

و ينظر اللّه تعالى فى كل يوم بخير إلى بيت المقدس.

و أعطى اللّه تعالى البراق للنبى (صلى اللّه عليه و سلم) فحمله إلى بيت المقدس.

و أوصى آدم- (عليه السلام)- حين مات بأرض الهند أن يدفن ببيت المقدس.

و أوصى إبراهيم و إسحاق- (عليهما السلام)- إذا ماتا أن يدفنا فى أرض بيت المقدس.

421

و ماتت مريم- (عليها السلام)- ببيت المقدس.

و هاجر إبراهيم- (عليه السلام)- من «كوناريا» إلى بيت المقدس.

و تكون الهجرة فى آخر الزمان إلى بيت المقدس.

و رفع التابوت و السكينة من أرض بيت المقدس.

و صلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون زمانا إلى بيت المقدس.

و هبطت السكينة إلى بيت المقدس.

و نزلت السلسلة فى بيت المقدس، و رفعت السلسلة من بيت المقدس.

و رأى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة أسرى به مالكا خازن النار فى بيت المقدس.

و ركب النبى (صلى اللّه عليه و سلم) البراق إلى بيت المقدس.

و أسرى به إلى بيت المقدس.

و صلى نبينا بالنبيين ببيت المقدس.

و المحشر و المنشر فى بيت المقدس.

و يأتى اللّه تعالى بظلل من الغمام و الملائكة إلى بيت المقدس.

و تزف الجنة يوم القيامة إلى أرض بيت المقدس.

و تصير الخلائق كلهم ترابا غير الثقلين ببيت المقدس.

و الحساب يكون يوم القيامة فى أرض بيت المقدس.

و ينصب الصراط على متن جهنم إلى الجنة بأرض بيت المقدس.

و يوضع الميزان يوم القيامة ببيت المقدس.

و صفوف الملائكة يوم القيامة ببيت المقدس.

و ينفخ إسرافيل- (عليه السلام)- فى الصور على صخرة بيت المقدس، و ينادى:

أيتها العظام البالية و اللحوم المتمزقة و العروق المتقطعة أخرجوا إلى حسابكم ينفخ فيكم أرواحكم و تجازون بأعمالكم، و يتفرق الناس من بيت المقدس إلى الجنة أو

422

إلى النار فذلك قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ‏ (1)، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ‏ (2)، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (3).

و كفل زكريا مريم (عليها السلام) ببيت المقدس، و يقتل عيسى (عليه السلام) الدجال فى أرض بيت المقدس.

و فهم اللّه تعالى سليمان- (عليه السلام)- منطق الطير ببيت المقدس.

و سأل سليمان- (عليه السلام)- ربه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده فأعطاه اللّه ذلك فى بيت المقدس، و سأل سليمان- (عليه السلام)- أن يغفر اللّه لمن صلى فى بيت المقدس.

و من سره أن يمشى فى روضة من رياض الجنة فليمش فى صخرة بيت المقدس.

و يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ من صخرة بيت المقدس‏ (4).

و قوله تعالى: وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ‏ (5) هى بيت المقدس.

و قوله تعالى: وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ‏ (6) قال: هى بيت المقدس.

و قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ‏ (7)، و هو بيت المقدس.

____________

(1) سورة الروم: آية 14.

(2) سورة الحاقة: آية 18.

(3) سورة الشورى: آية 7.

(4) سورة ق: آية 41.

و الخبر له شواهد فى الدر المنثور 6/ 131، تفسير الطبرى 26/ 83، فضل بيت المقدس للواسطى (145).

(5) سورة الأنبياء: آية 71.

(6) سورة يونس: آية 93.

و عزاه فى الدر المنثور لعبد الرزاق و ابن المنذر و ابن أبى حاتم و أبو الشيخ و ابن عساكر 3/ 570.

(7) سورة الإسراء: آية 1.

423

و قوله تعالى: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (1) هى بيت المقدس.

و قوله تعالى: وَ واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ‏ (2) هو بيت المقدس.

و قوله تعالى لبنى إسرائيل: ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً (3) هى بيت المقدس.

و قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى‏ رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ‏ (4) هى بيت المقدس.

و قرب نوح- (عليه السلام)- القربان على صخرة بيت المقدس.

و فدى اللّه تعالى إسحاق- (عليه السلام)- من الذبح ببيت المقدس.

و قوله تعالى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ‏ (5) هى أرض بيت المقدس.

و قرب آدم- (عليه السلام)- القربان ببيت المقدس.

و سدد اللّه تعالى لداود- (عليه السلام)- ملكه فى بيت المقدس، و ألان له الحديد ببيت المقدس.

و تقبل اللّه تعالى من امرأة عمران نذرها ببيت المقدس.

و وهب اللّه تعالى لداود- (عليه السلام)- ذنبه فى بيت المقدس.

و أيد اللّه تعالى عيسى بروح القدس ببيت المقدس.

و آتى اللّه تعالى ليحيى- (عليه السلام)- الحكم صبيا ببيت المقدس.

و كان عيسى- (عليه السلام)- يحيى الموتى و يصنع العجائب فى بيت المقدس.

____________

(1) سورة الأعراف: آية 128.

(2) سورة طه: آية 80.

(3) سورة البقرة: آية 58.

و عزاه فى الدر المنثور لعبد الرزاق و ابن جرير و ابن أبى حاتم 1/ 138.

(4) سورة المؤمنون: آية 50.

و عزاه فى الدر المنثور لعبد بن حميد و ابن جرير و ابن عساكر 5/ 18.

(5) سورة المائدة: آية 21.

424

و لا يبقى مؤمن و لا مؤمنة إلا و ينزل ببيت المقدس.

و سرّة الأرض بيت المقدس، و من صلى فى بيت المقدس فكأنما صلى فى سماء الدنيا.

و تخرب الأرضون كلها و تعمر أرض بيت المقدس.

و يحشر اللّه تعالى الأنبياء- (عليهم السلام)- كلهم إلى بيت المقدس، و يحشر اللّه تعالى محمد- (عليه السلام)- إلى بيت المقدس.

و أول ما حسر ماء الطوفان عن صخرة بيت المقدس.

و يحشر اللّه تعالى الخلائق يوم القيامة إلى بيت المقدس.

و نشر اللّه تعالى الأنبياء- (عليهم السلام)- لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و صلى بهم ببيت المقدس.

و تصف الملائكة حول بيت المقدس.

و يغفر اللّه تعالى لمن أتى بيت المقدس.

و أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و معه جبريل و ميكائيل- (عليهما السلام)- إلى بيت المقدس.

و باب السماء مفتوح فى بيت المقدس، و تسجر النار فى بيت المقدس.

و يحشر اللّه تعالى مؤذنى المسجد الحرام و مؤذنى المسجد الأقصى و مؤذنى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بيت المقدس.

و دعا سليمان- (عليه السلام)- لمؤذنى بيت المقدس.

و من أتاه متوسلا أن يغفر اللّه له غفر اللّه له.

و حملت النخلة اليابسة لمريم- (عليها السلام)- رطبا جنيا فى بيت المقدس.

و تطير أرواح المؤمنين إلى أجسادهم فى بيت المقدس.

و قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «إن خيار أمتى سيهاجر هجرة بعد هجرة إلى بيت المقدس حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، و من توضأ و أسبغ الوضوء و صلى ركعتين أو أربعا فى بيت المقدس غفر اللّه له ما كان قبل ذلك» (1).

____________

(1) لم أعثر عليه فيما تحت يدى من مصادر.

425

و من صلى فى بيت المقدس خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، و كان له بكل شعرة من جسده مائة نور عند اللّه تعالى يوم القيامة، و كانت له حجة مبرورة متقبلة، و أعطاه اللّه تعالى قلبا شاكرا و لسانا ذاكرا و عصمة من المعاصى، و حشره اللّه تعالى مع الأنبياء (عليهم السلام).

و من صبر ببيت المقدس سنة على لأوائها و شدتها جاءه اللّه تعالى برزقه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و من فوقه و من تحته يأكل رغدا، و يدخل الجنة إن شاء اللّه تعالى غدا.

و أول بقعة بنيت من الأرض كلها موضع صخرة بيت المقدس.

و قال اللّه تعالى لسليمان- (عليه السلام)- حين فرغ من بناء بيت المقدس: يا سليمان سلنى أعطك. قال: يا رب أسألك أن تغفر لى ذنوبى، قال اللّه تعالى:

لك ذلك، و قال: يا رب و أسألك ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب، قال اللّه تعالى: لك ذلك، و قال: يا رب و أسألك لمن جاء إلى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه. قال اللّه تعالى:

لك ذلك، قال: يا رب و أسألك لمن جاءه سقيم أن تشفيه. قال اللّه تعالى: لك ذلك. قال: و أسألك يا رب أن تكون رحمتك عليه إلى يوم القيامة. قال اللّه تعالى: لك ذلك. قال: و ينظر اللّه تعالى بالرحمة كل يوم إلى بيت المقدس.

و يظهر اللّه تعالى عصى موسى- (عليه السلام)- فى آخر الزمان فى بيت المقدس.

و بشر اللّه تعالى مريم بعيسى- (عليه السلام)- فى بيت المقدس و فضل اللّه تعالى مريم- (عليها السلام)- على نساء العالمين فى بيت المقدس.

و تهبط الملائكة كل ليلة إلى بيت المقدس.

و يمنع اللّه تعالى عدوه الدجال من الدخول إلى بيت المقدس، و يغلب على الأرضين كلها إلا على بيت المقدس و مكة و المدينة.

و تاب اللّه تعالى على آدم (عليه السلام) فى بيت المقدس.

و من تصدق برغيف فى بيت المقدس فكأنما تصدق بوزن جبال الأرض كلها

426

ذهبا، و من تصدق بدرهم ببيت المقدس كان فداؤه من النار.

و من صام يوما ببيت المقدس كان له براءة من النار.

و صفوة اللّه من بلاده بيت المقدس، و فيها صفوته من عباده، و منها بسطت الأرض، و منها تطوى.

و يطلع اللّه تعالى كل صباح إلى بيت المقدس فينزل من رحمته و حسناته ثم ينزله على سائر البلدان.

و ما يسكن أحد فى بيت المقدس حتى يشفع له سبعون ألف ملك إلى اللّه تعالى.

و يقول اللّه تعالى للمقبور فى بيت المقدس: تجاورنى فى دارى، ألا و إن الجنة دارى لا يجاورنى فيها إلا السخاء و الحلم.

و قال النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لأبى عبيدة بن الجراح رضى اللّه عنه: «النجاء النجاء إلى بيت المقدس إذا ظهرت الفتن» قال: يا رسول اللّه فإن لم أدركه؟ قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

«فإن لم تدرك بيت المقدس فابذل مالك و أحرز دينك» (1).

و كذلك قال على بن أبى طالب- رضى اللّه عنه- لصعصعة رضى اللّه عنه: نعم المسكن عند ظهور الفتن بيت المقدس؛ القائم فيه كالمجاهد فى سبيل اللّه، و ليأتين على الناس زمان يقول أحدهم: ليتنى كنت تبنة فى لبنة فى بيت المقدس‏ (2).

و أحب الشام إلى اللّه تعالى بيت المقدس، و أحب جبالها إليه الصخرة، و هى آخر الأرضين خرابا بأربعين عاما، و هى روضة من رياض الجنة.

و يقول اللّه تعالى لصخرة بيت المقدس: و عزتى و جلالى لأضعن عليك عرشى، و لأحشرن إليك خلقى، و لأجرين أنهارك: نهرا من لبن، و نهرا من عسل، و نهرا من خمر، و أنا يومئذ ربهم، و داود ملكهم‏ (3).

***

____________

(1) إتحاف الأخصا 1/ 110، و لم يعزه.

(2) إتحاف الأخصا 1/ 110.

(3) إعلام الساجد (292) و عزاه لأبى نعيم.

427

القسم الرابع فى ذكر فضيلة قبر إبراهيم (عليه السلام) و ما يتصل به‏ (1)

و فيه فصل واحد:

فصل [في ذكر صلاة النبي ص في قبر إبراهيم (عليه السلام):]

عن أبى هريرة- رضى اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «لما أسرى بى إلى بيت المقدس مر بى جبريل- (عليه السلام)- إلى قبر الخليل- (عليه السلام)- فقال:

انزل فصلّ ركعتين؛ فإن هاهنا قبر أبيك إبراهيم (عليه السلام)» (2).

و عن ابن عباس- رضى اللّه عنهما-: لما أراد اللّه تعالى أن يقبض روح خليله إبراهيم- (عليه السلام)- أوحى اللّه تعالى إلى الدنيا: إنى قابض و دافن فيك خليلى، فاضطربت الدنيا اضطرابا شديدا، و تشامخت جبالها، و تواضعت منها بقعة يقال لها: «حبرى». فقال اللّه تعالى: يا حبرى أنت صفوتى، أنت قدسى، أنت بيت مقدسى، فيك خزانة علمى، و عليك أنزل رحمتى و بركاتى، و إليك أحشر خيار عبادى، و من ولد خليلى؛ فطوبى لمن وضع جبهته فيك لى ساجدا، أسقيه من حضرة قدسى، و آمنه من أفزاع قيامتى، و أسكنه الجنة برحمتى، فطوباك، ثم طوباك، ثم طوباك؛ أدفن فيك خليلى (عليه السلام).

***

____________

(1) ينظر: ما كتبناه فى مقدمة التحقيق، و رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية الملحقة بالكتاب.

(2) أخرجه الواسطى فى فضل بيت المقدس (117)، و الحديث فى نهاية الأرب 1/ 338، و هو حديث لا يشك عوام أهل الحديث أنه موضوع، فى إسناده بكر بن زياد الباهلى يضع الحديث على الثقات.

428

[خاتمة المؤلف‏]

اللهم ثبت أقدامنا على طريق الاهتداء بسيرة الصالحين، و نور أبصارنا بنور هداية بصيرة المقربين، و زين قلوبنا بزينة محبة الفقراء و الزاهدين، و ارزقنا عملا صالحا متقبلا إلى يوم الدين، و اجعل لنا لسان صدق فى الآخرين، و اغفر لنا و لآبائنا و لأمهاتنا و لجميع المسلمين، و لا تؤاخذنا بسوء أعمالنا يا أرحم الراحمين.

و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين.

فالمتوقع من مكارم أخلاق سادات العلماء و الإخوان الناظرين المتأملين المطالعين المطّلعين فيه أنهم إذا طالعوه و اطلعوا فيه على موضع سهو أو غلط من تصحيف و إعراب أن يصلحوا بأنامل قلم فضلهم، و ببنان بيان كرم علمهم؛ شرط أن يكونوا على يقين تام دون تحيز، و ظن حام؛ فإن الظن قد يخطئ و يصيب، و لا يكونوا ممن رأى ألف ألف صواب فغطاه، و إذا وجد أقل سهو قلم فناداه، و إذا عثروا على حديث ضعيف أو ما يوجب ضعفه أن ينبهوا على الصحيح و القوى من الأحاديث فى حاشية الكتاب.

و قد اتفق الحفاظ و العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال.

و قال ابن الصلاح: يجوز التساهل فى الأسانيد و رواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير تبيين ضعفها فى المواعظ و القصص و فضائل الأعمال دون صفات اللّه تعالى و أحكام الشريعة من الحلال و الحرام و غيرهما (1).

____________

(1) و لشيخ الإسلام «ابن تيمية» كلام نفيس فى هذا، نسوقه بنصّه لجلالته و أهميته.

يقول الإمام ابن تيمية: «قول أحمد بن حنبل: إذا جاء الحلال و الحرام: شدّدنا فى الأسانيد، و إذا جاء الترغيب و الترهيب: تساهلنا فى الأسانيد، و كذلك ما عليه العلماء من العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال، ليس معناه إثبات الاستحباب بالحديث الذى لا يحتج به، فإنّ الاستحباب حكم شرعى فلا يثبت إلا بدليل شرعى. و من أخبر عن اللّه أنه يحب عملا من الأعمال من غير دليل شرعى فقد شرع من الدين ما لم يأذن به اللّه، كما لو أثبت الإيجاب، أو التحريم، و لهذا يختلف العلماء فى الاستحباب كما يختلفون فى غيره، بل هو أصل الدين المشروع.-

429

فإذا تجلى فى مرآة نظر قبول عين قلوبهم فالمتوقع منهم أن لا ينسونى من صالح‏

____________

- و إنما مرادهم بذلك: أن يكون العمل مما قد ثبت أنه مما يحبه اللّه، أو مما يكرهه اللّه ينصّ أو إجماع، كتلاوة القرآن، و التسبيح و الدعاء، و الصدقة، و العتق، و الإحسان إلى الناس، و كراهية الكذب و الخيانة، و نحو ذلك.

فإذا روى حديث فى فضل بعض الأعمال المستحبة و ثوابها، و كراهة بعض الأعمال و عقابها فمقادير الثواب و العقاب و أنواعه إذا روى فيها حديث لا نعلم أنه موضوع جازت روايته، و العمل به، بمعنى: أنّ النفس ترجو ذلك الثواب، أو تخاف ذلك العقاب، كرجل يعلم أن التجارة تربح، لكن بلغه أنها تربح ربحا كثيرا، فهذا إن صدّق نفعه، و إن كذّب لم يضره.

و مثال ذلك الترغيب و الترهيب بالإسرائيليات، و المنامات، و كلمات السّلف و العلماء، و وقائع العلماء، و نحو ذلك مما لا يجوز بمجرده إثبات حكم شرعى لا استحباب و لا غيره، و لكن يجوز أن يذكر فى الترغيب و الترهيب، و الترجية و التخويف.

فما علم حسنه، أو قبحه بأدلة الشرع، فإنّ ذلك ينفع و لا يضر، و سواء كان فى نفس الأمر حقا، أو باطلا، فما علم أنه باطل موضوع لم يجز الالتفات إليه، فإنّ الكذب لا يفيد شيئا.

و إذا ثبت أنه صحيح أثبتت به الأحكام، و إذا احتمل الأمرين روى لإمكان صدقه، و لعدم المضرة فى كذبه.

و أحمد إنما قال: «إذا جاء الترغيب و الترهيب تساهلنا فى الأسانيد» و معناه: انّا نروى فى ذلك الأسانيد و إن لم يكن محدثوها من الثقات الذين يحتجّ بهم.

و كذلك قول من قال: «يعمل بها فى فضائل الأعمال» إنما العمل بها فيها من الأعمال الصالحة مثل: التلاوة، و الذكر، و الاجتناب لما كره فيها من الأعمال السيئة.

و نظير هذا قول النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، فى الحديث الذى رواه البخارى عن عبد اللّه بن عمرو: «بلّغوا عنى و لو آية، و حدّثوا عن بنى إسرائيل و لا حرج، و من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».

مع قوله (صلى اللّه عليه و سلم)، فى الحديث الصحيح: «إذا حدثّكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم و لا تكذبوهم» فإنه رخص فى الحديث عنهم، و مع هذا نهى عن تصديقهم و تكذيبهم، فلو لم يكن فى التحديث المطلق عنهم فائدة لما رخّص فيه، و أمر به. و لو جاز تصديقهم بمجرد الإخبار لما نهى عن تصديقهم، فالنفوس تنتفع بما تظنّ صدقه فى مواضع.

فإذا تضمنت أحاديث الفضائل الضعيفة تقديرا و تحديدا، مثل صلاة فى وقت معين بقراءة معينة، أو على صفة معينة لم يجز ذلك؛ لأنّ استحباب هذا الوصف المعين لم يثبت بدليل شرعى، بخلاف ما لو روى فيه «من دخل السوق، فقال: لا إله إلا اللّه كان له كذا و كذا» فإن ذكر اللّه فى السوق مستحبّ لما فيه من ذكر اللّه بين الغافلين، كما جاء فى الحديث المعروف: «ذاكر اللّه فى الغافلين كالشجرة الخضراء بين الشجر اليابس».

فأما تقدير: الثواب المروى فيه فلا يضر ثبوته و لا عدم ثبوته، و فى مثله جاء الحديث الذى رواه الترمذى: «من بلغه عن اللّه شى‏ء فيه فضل، فعمل به رجاء ذلك الفضل، أعطاه اللّه ذلك.-

430

دعائهم فى وقت مناجاتهم و حضور صلواتهم، ختم اللّه لنا و لهم بأحسن الحسنى بحق نبيه و حبيبه محمد المصطفى و على آله مصابيح الدجى و أصحابه نجوم الهدى صلى اللّه عليه و عليهم فى الآخرة و الأولى و سلم تسليما كثيرا و الحمد للّه رب العالمين.

***

____________

- و إن لم يكن ذلك كذلك».

فالحاصل: أنّ هذا الباب يروى و يعمل فيه فى الترغيب و الترهيب، لا فى الاستحباب، ثم اعتقاد موجبه، و هو مقادير الثواب و العقاب يتوقف على الدليل الشرعى».

(1)

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية 18/ 65- 68، و انظر: «تحذير الخواص من أكاذيب القصاص» للسيوطى، «الإسرائيليات فى التفسير و الحديث» لوالدنا الدكتور محمد حسين (رحمه اللّه)، و «الأقوال القويمة فى النقل من الكتب القديمة» للبقاعى (مجلة معهد المخطوطات العربية مجلد 26 الجزء الثانى ص 37- 96).

431

فصل فى زيارة بيت المقدس لشيخ الإسلام ابن تيمية

432

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

433

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه نحمده و نستعينه و نستهديه و نستغفره و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، و من يضلل فلا هادى له، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، صلى اللّه عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.

فصل فى زيارة بيت المقدس‏ ثبت فى الصحيحين عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد المسجد الحرام، و المسجد الأقصى، و مسجدى هذا» (1) من حديث أبى سعيد و أبى هريرة، و قد روى من طرق أخرى، و هو حديث مستفيض متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم على صحته و تلقيه بالقبول و التصديق.

و اتفق علماء المسلمين على استحباب السفر إلى بيت المقدس للعبادة المشروعة فيه؛ كالصلاة و الدعاء و الذكر و قراءة القرآن و الاعتكاف.

و قد روى من حديث رواه الحاكم فى «مستدركه» أن سليمان- (عليه السلام)- سأل ربه ثلاثا: ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، و سأله حكما يوافق حكمه، و سأله أنه لا يؤم أحد هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه إلا غفر له‏ (2).

و لهذا كان ابن عمر- رضى اللّه عنه- يأتى إليه فيصلى فيه، و لا يشرب فيه ماء لتصيبه دعوة سليمان لقوله: «لا يريد إلا الصلاة فيه» فإن هذا يقتضى إخلاص النية فى السفر إليه، و لا يأتيه لغرض دنيوى و لا بدعة.

____________

(1) أخرجه: البخارى (مواقيت الصلاة) 568، (الحج) 1864، مسلم (الحج) 827، الترمذى (الصلاة) 326.

(2) سبق تخريجه.

434

و تنازع العلماء فيمن نذر السفر إليه للصلاة فيه أو الاعتكاف فيه‏ (1): هل يجب عليه الوفاء بنذره؟ على قولين مشهورين، و هما قولان للشافعى:

أحدهما: يجب الوفاء بهذا النذر، و هو قول الأكثرين مثل: مالك و أحمد بن حنبل و غيرهما.

و الثانى: لا يجب، و هو قول أبى حنيفة؛ فإن من أصله أنه لا يجب بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع، فلهذا يوجب نذر الصلاة و الصيام و الصدقة و الحج و العمرة فإن من جنسها واجب بالشرع و واجب نذر الاعتكاف فإن الاعتكاف لا يصح عنده إلا بصوم، و هو مذهب مالك و أحمد فى أحد الروايتين عنه.

و أما الأكثرون فيحتجون بما رواه البخارى فى «صحيحه» عن عائشة- رضى اللّه عنها- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «من نذر أنه يطيع اللّه فليطعه، و من نذر أن يعصى اللّه فلا يعصه» (2) فأمر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) بالوفاء بالنذر لكل من نذر أن يطيع اللّه و لم يشترط أن تكون الطاعة من جنس الواجب بالشرع، و هذا القول أصح.

و هكذا النزاع: لو نذر السفر إلى مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)؛ مع أنه أفضل من المسجد الأقصى.

و أما لو نذر إتيان المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه الوفاء بنذره باتفاق العلماء (3).

و المسجد الحرام أفضل المساجد، ويليه مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم)، ويليه المسجد الأقصى. و قد ثبت فى الصحيحين عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «صلاة فى مسجدى هذا خيرا من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام».

و الذى عليه جمهور العلماء أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل منها فى مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم).

____________

(1) انظر: إعلام الساجد (ص: 269).

(2) أخرجه: البخارى (الأيمان و النذور) 6696، الترمذى (الأيمان و النذور) 1524، أبو داود (الأيمان و النذور) 3289.

(3) انظر: إعلام الساجد (ص: 212).

435

و قد روى أحمد و النسائى و غيرهما عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، و أما فى المسجد الاقصى فقد روى أنها بخمسين صلاة، و قيل:

بخمسمائة صلاة، و هو أشبه.

و لو نذر السفر إلى قبر الخليل- (عليه السلام)- أو قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أو إلى الطور الذى كلم اللّه عليه موسى- (عليه السلام)- أو إلى جبل حراء الذى كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يتعبد فيه و جاءه الوحى فيه، أو الغار المذكور فى القرآن، أو غير ذلك من المقابر و المقامات و المشاهد المضافة إلى بعض الأنبياء و المشايخ، أو إلى بعض المغارات أو الجبال: لم يجب الوفاء بهذا النذر باتفاق الأئمة الأربعة؛ فإن السفر إلى هذه المواضع منهى عنه لنهى النبى (صلى اللّه عليه و سلم): «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» فإذا كانت المساجد التى هى من بيوت اللّه التى أمر فيها بالصلوات الخمس قد نهى عن السفر إليها حتى مسجد قباء الذى يستحب لمن كان بالمدينة أن يذهب إليه لما ثبت فى الصحيحين عن ابن عمر- رضى اللّه عنه- عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه كان يأتى قباء كل سبت راكبا و ماشيا (1).

و روى الترمذى و غيره أن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «من تطهر فى بيته فأحسن الطهور ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان له كعمرة» قال الترمذى حديث حسن صحيح‏ (2).

فإذا كان مثل هذا ينهى عن السفر إليه، و ينهى عن السفر إلى الطور المذكور فى القرآن، و كما ذكر مالك فى المواضع التى لم تبنى للصلوات الخمس، بل ينهى عن اتخاذها مساجد، فقد ثبت فى الصحيحين عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال فى مرض موته:

«لعن اللّه اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا» (3).

قالت عائشة: و لو لا ذلك لأبرز قبره، و لكن كره أن يتخذ مسجدا.

و فى صحيح مسلم و غيره عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ألا و إن من كان قبلكم كانوا

____________

(1) سبق تخريجه.

(2) سبق تخريجه.

(3) أخرجه: مسلم (المساجد و مواضع الصلاة) 531، النسائى (المساجد) 703، الدارمى (الصلاة) 1403.

436

يتخذون قبور أنبيائهم و صالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، و إنى أنهاكم عن ذلك» (1).

و لهذا لم تكن الصحابة يسافرون إلى شى‏ء من مشاهد الأنبياء لا مشهد إبراهيم الخليل- (عليه السلام)- و لا غيره، و النبى (صلى اللّه عليه و سلم) ليلة المعراج صلى فى بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك فى الحديث الصحيح و لم يصل فى غيره، و أما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج أنه صلى فى المدينة و صلى عند قبر موسى- (عليه السلام)- و صلى عند قبر الخليل فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة.

و قد رخص بعض المتأخرين فى السفر إلى المشاهد و لم ينقلوا ذلك عن أحد من الأئمة و لا احتجوا بحجة شرعية.

[العبادات المشروعة فى المسجد الأقصى‏]

فصل: و العبادات المشروعة فى المسجد الأقصى: هى من جنس العبادات المشروعة فى مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و غيره من سائر المساجد إلا المسجد الحرام فإنه يشرع فيه زيادة على سائر المساجد: الطواف بالكعبة، و استلام الركنين اليمانيين، و تقبيل الحجر الأسود.

و أما مسجد النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و المسجد الأقصى و سائر المساجد فليس فيها ما يطاف به، و لا فيها ما يتمسح به و لا ما يقبل، فلا يجوز لأحد أن يطوف بحجرة النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و لا بغير ذلك من مقابر الأنبياء و الصالحين و لا بصخرة بيت المقدس، و لا بغير هؤلاء كالقبة التى فوق جبل عرفات و أمثالها، بل ليس فى الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة.

و من اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شرّ ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة؛ فإن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) لما هاجر فكانت قبلة المسلمين هذه المدة، ثم إن اللّه حول القبلة إلى الكعبة و أنزل اللّه فى ذلك القرآن كما ذكر فى سورة البقرة، و صلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و المسلمون إلى الكعبة، و صارت هى القبلة، و هى قبلة إبراهيم و غيره من‏

____________

(1) أخرجه: مسلم، كتاب المساجد 532.

437

الأنبياء، فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلى إليها فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب و إلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانا يطاف به كما يطاف بالكعبة، و الطواف بغير الكعبة لم يشرعه اللّه.

و كذلك من قصد أن يسوق إليها غنما أو بقرا ليذبحها هناك و يعتقد أن الأضحية فيها أفضل، و أن يحلق فيها شعره فى العيد، أو أن يسافر إليها ليعرّف بها عشية عرفه فهذه الأمور التى يشبه بها بيت المقدس فى الوقوف و الطواف و الذبح و الحلق من البدع و الضلالات، و من فعل شيئا من ذلك معتقدا أن هذا قربة إلى اللّه فإنه يستتاب و إلا قتل، كما لو صلى إلى الصخرة معتقدا أن استقبالها فى الصلاة قربة كاستقبال الكعبة؛ و لهذا بنى عمر بن الخطاب مصلى المسلمين فى مقدم المسجد الأقصى.

فإن المسجد الاقصى اسم لجميع المسجد الذى بناه سليمان- (عليه السلام)- و قد صار بعض الناس يسمى الأقصى: المصلى الذى بناه عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- فى مقدمه.

و الصلاة فى هذا المصلى الذى بناه عمر للمسلمين أفضل من الصلاة فى سائر المسجد؛ فإن عمر بن الخطاب لما فتح بيت المقدس و كان على الصخرة زبالة عظيمة؛ لأن النصارى كانوا يقصدون إهانتها مقابلة لليهود الذى يصلون إليها، فأمر عمر- رضى اللّه عنه- بإزالة النجاسة عنها، و قال لكعب الأحبار: أين ترى أن نبنى مصلى المسلمين؟ فقال: خلف الصخرة. فقال: يا ابن اليهودية! خالطتك يهودية، بل ابنيه أمامها؛ فإن لنا صدور المسجد (1).

و لهذا كان أئمة الأمة إذا دخلوا المسجد قصدوا الصلاة فى المصلى الذى بناه عمر.

و قد روى عن عمر- رضى اللّه عنه- أنه صلى فى محراب داود، و أما الصخرة فلم يصل عندها عمر- رضى اللّه عنه- و لا الصحابة، و لا كان على عهد الخلفاء الراشدين عليها قبة بل كانت مكشوفة فى خلافة عمر و عثمان و على و معاوية

____________

(1) مثير الغرام للمقدسى ص 38 (مخطوط)، فضل بيت المقدس للواسطى (63).

438

و يزيد و مروان، و لكن لما تولى ابنه عبد الملك الشام و وقع بينه و بين ابن الزّبير الفتنة كان الناس يحجون فيجتمعون بابن الزّبير، فأراد عبد الملك أن يصرف الناس عن ابن الزّبير فبنى القبة على الصخرة، و كساها فى الشتاء و الصيف ليرغب الناس فى زيارة بيت المقدس و يشتغلوا بذلك عن اجتماعهم بابن الزّبير.

و أما أهل العلم من الصحابة و التابعين لهم بإحسان فلم يكونوا يعظمون الصخرة؛ فإنها قبلة منسوخة كما أن يوم السبت كان عيدا فى شريعة موسى- (عليه السلام)- ثم نسخ فى شريعة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) بيوم الجمعة، فليس للمسلمين أن يخصوا يوم السبت و يوم الأحد بعبادة كما تفعل اليهود و النصارى، و كذلك الصخرة إنما يعظمها اليهود و بعض النصارى.

و ما يذكره بعض الجهال فيها من أن هناك أثر قدم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و أثر عمامته و غير ذلك فكله كذب، و أكذب منه من يظن أنه موضع قدم الرب.

و كذلك المكان الذى يذكر أنه مهد عيسى- (عليه السلام)- كذب، و إنما كان موضع معمودية النصارى.

و كذا من زعم أن هناك الصراط و الميزان أو أن السور الذى يضرب به بين الجنة و النار هو ذلك الحائط المبنى شرقى المسجد، و كذلك تعظيم السلسلة أو موضعها ليس مشروعا.

فصل: و ليس ببيت المقدس مكان يقصد للعبادة سوى المسجد الأقصى، لكن إذا زار قبور الموتى و سلّم عليهم و ترحّم عليهم كما كان النبى (صلى اللّه عليه و سلم) يعلم أصحابه فحسن؛ فإن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول أحدهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين و المؤمنات و إنا إن شاء اللّه بكم لا حقون، و يرحم اللّه المستقدمين منّا و منكم و المستأخرين، نسأل اللّه لنا و لكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، و لا تفتنا بعدهم، و اغفر لنا و لهم.

فصل: و أما زيارة معابد الكفار مثل: الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك مثل كنائس النصارى فمنهىّ عنها، فمن زار مكانا من هذه الأمكنة معتقدا أن زيارته مستحبة و العبادة فيه أفضل من العبادة فى بيته فهو ضال‏

439

خارج عن شريعة الإسلام يستتاب؛ فإن تاب و إلا قتل.

و أما إذا دخلها الإنسان لحاجة و عرضت له الصلاة فيها؛ فللعلماء فيها ثلاثة أقوال فى مذهب أحمد و غيره.

قيل: تكره الصلاة فيها مطلقا، و اختاره ابن عقيل، و هو منقول عن مالك.

و قيل: تباح مطلقا.

و قيل: إن كان فيها صور ينهى عن الصلاة و إلا فلا، و هذا منصوص عن أحمد و غيره، و هو مروى عن عمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- و غيره؛ فإن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة» (1).

و لما فتح النبى (صلى اللّه عليه و سلم) مكة كان فى الكعبة تماثيل فلم يدخل الكعبة حتى محيت تلك الصور، و اللّه أعلم.

فصل: و ليس ببيت المقدس مكانا يسمى حرما و لا بتربة الخليل و لا بغير ذلك من البقاع إلا ثلاثة أماكن:

أحدها: هو حرم باتفاق المسلمين، و هو حرم مكة شرفها اللّه تعالى.

و الثانى: حرم عند جمهور العلماء، و هو حرم النبى (صلى اللّه عليه و سلم) من عير إلى ثور، بريد فى بريد، فإن هذا حرم عند جمهور العلماء كمالك و الشافعى و أحمد، و فيه أحاديث صحيحة مستفيضة عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) (صلى اللّه عليه و سلم).

و الثالث: «وج»، و هو واد بالطائف؛ فإن هذا روى فيه أحاديث رواها أحمد فى المسند (2) و ليست فى الصحاح، و هذا حرم عند الشافعى لاعتقاده صحة الحديث، و ليس حرما عن أكثر الأماكن الثلاثة فليس حرما عند أحد من علماء المسلمين؛ فإن الحرم ما حرّم اللّه صيده و نباته، و لم يحرم اللّه صيد مكان و نباته خارجا عن هذه الأماكن الثلاثة.

____________

(1) أخرجه: البخارى (بدء الخلق) 3226، مسلم (اللباس و الزينة) 2106، النسائى (الطهارة) 261، أبو داود (الطهارة) 227، أحمد فى المسند 1292، و الحديث ليس من رواية عمر بن الخطاب.

(2) و نص حديث أحمد 17112: «إن آخر وطأة وطئها الرحمن عزّ و جلّ بوجّ».

440

فصل: و أما زيارة بيت المقدس فمشروعة فى جميع الأوقات و لكن لا ينبغى أن يولى فى الأوقات التى تقصدها الضلال مثل وقت عيد النحر، فإن كثيرا من الضلال يسافرون إليه ليقفوا هناك.

و السفر إليه لأجل التعريف به- معتقدا أن هذا قربة- محرّم بلا ريب.

و ينبغى أن لا يتشبه بهم و لا يكثّر سوادهم، و ليس السفر إليه مع الحج قربة، و قول القائل: «قدس اللّه حجتك قول باطل لا أصل له، كما يروى: «من زارنى و زار أبى فى عام واحد ضمنت له الجنة» (1) فإن هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث، بل و كذلك كل حديث يروى فى زيارة قبر النبى (صلى اللّه عليه و سلم) فإنه ضعيف بل موضوع‏ (2)، و لم يرو أهل الصحاح و السنن و المسانيد كمسند أحمد و غيره من ذلك شيئا و لكن الذى فى السنن ما رواه أبو داود عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «ما من أحد يسلم علىّ إلا ردّ اللّه علىّ روحى حتى أردّ (عليه السلام)» (3) فهو يرد السلام على من سلّم عليه عند قبره، و يبلغ سلام من سلّم عليه من البعيد كما فى النسائى عنه أنه قال: «إن اللّه وكّل بقبرى ملائكة يبلغونى عن أمتى السلام» (4).

و فى السنن عنه أنه قال: «أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة و ليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة على» قالوا: كيف صلاتنا تعرض عليك و قد أرمت؟ فقال: «إن اللّه- عزّ و جلّ- قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (5) فبين (صلى اللّه عليه و سلم) أن الصلاة و السلام توصل إليه من البعيد.

و اللّه قد أمرنا أن نصلى عليه و نسلم، و ثبت فى الصحيح أنه قال: «من صلّى‏

____________

(1) انظر: المقاصد 1126، كشف الخفاء 2490، الأسرار المرفوعة 489.

(2) انظر: المقاصد 1125، كشف الخفاء 2489، الشذرة 960، ميزان الاعتدال 2121، سنن الدارقطنى 2/ 278، البيهقى فى السنن 5/ 246، و يراجع وفاء الوفا (ص: 1236) و ما بعدها، و الصارم المنكى، و شفاء السقام، و فتح البارى 3/ 79.

(3) أخرجه: أبو داود (المناسك) 241، أحمد فى المسند 1043.

(4) أخرجه: النسائى (السهو) 282، أحمد فى المسند 3657. و نص الحديث: «إن للّه ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى».

(5) أخرجه: النسائى (الجمعة) 1374، أبو داود (الصلاة) 1047، ابن ماجه (الجنائز) 1636، أحمد فى المسند 15729.

441

علىّ مرة صلّى اللّه عليه بها عشرا» (1) (صلى اللّه عليه و سلم) تسليما كثيرا.

فصل: و أما السفر إلى عسقلان فى هذه الأوقات فليس مشروعا و لا واجبا و لا مستحبا، و لكن عسقلان كان لسكناها و قصدها فضيلة لما كانت ثغرا للمسلمين يقيم بها المرابطون فى سبيل اللّه؛ فإنه قد ثبت فى صحيح مسلم عن سلمان عن النبى (صلى اللّه عليه و سلم) أنه قال: «رباط يوم و ليلة فى سبيل اللّه خير من صيام شهر و قيامه، و من مات مرابطا مات مجاهدا و أجرى عليه عمله و أجرى عليه رزقه من الجنة و أمن الفتّان» (2).

و قال أبو هريرة: لأن أرابط فى سبيل اللّه أحبّ إلى من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود.

و كان أهل الخير و الدين يقصدون ثغور المسلمين للرباط فيها، ثغور الشام كعسقلان و طرسوس و جبل لبنان و غيرها، و ثغور مصر كالاسكندرية و غيرها، و ثغور العراق كعبدان و غيرها، فما خرب من هذه البقاع و لم يبق بيوتا كعسقلان لم يكن ثغورا و لا فى السفر إليه فضيلة، و ليس فيه أحد من الصالحين المتبسعين الشريعة الإسلام و لكن فيه كثير من الجن، و هم رجال الغيب الذين يرون أحيانا فى هذه البقاع، قال تعالى: وَ أَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (3).

و كذلك الذين يرون الخضر (4) أحيانا: هو جنى رآه، و قد رآه غير واحد ممن أعرفه و قال: إننى الخضر، و كان ذلك جنيا لبس على المسلمين الذى رأوه، و إلا فالخضر الذى كان مع موسى- (عليه السلام)- مات، و لو كان حيا على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لوجب عليه أن يأتى إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و يؤمن به و يجاهد معه؛ فإن‏

____________

(1) أخرجه: مسلم (الصلاة) 384، الترمذى (المناقب) 3614، النسائى (الأذان) 678، أبو داود (الصلاة) 523.

(2) أخرجه: مسلم (الإمارة) 1913، الترمذى (الجهاد) 1665، النسائى (الجهاد) 3167.

(3) سورة الجن: آية 6.

(4) و قال ابن القيم: الأحاديث التى يذكر فيها الخضر و حياته: كلها كذب، و لا يصح فى حياته حديث واحد. و انظر: «المنتظم» 1/ 357، و «الزهر النضر» لابن حجر.

442

اللّه فرض على كل نبى أدرك محمدا- لو كان من الأنبياء- أن يؤمنوا به و يجاهدوا معه كما قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى‏ ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ‏ (1).

قال ابن عباس- رضى اللّه عنه-: لم يبعث اللّه نبيا إلا أخذ عليه الميثاق إن بعث محمد و هو حى ليؤمنن به و لينصرنه، و أمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد و هم أحياء ليؤمنن به و لينصرنه.

و لم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر و لا أنه أتى إلى النبى (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فإن الصحابة كانوا أعلم و أجل قدرا من أن يلتبس الشيطان عليهم، و لكن لبّس على كثير من بعدهم فصار يتمثل لأحدهم فى صورة النبى و يقول أنا الخضر، و إنما هو شيطان، كما أن كثيرا من الناس يرى ميّته خرج و جاء إليه و كلمه فى أمور و قضاء حوائج فيظنه الميت نفسه، و إنما هو شيطان تصور بصورته.

و كثير من الناس يستغيث بمخلوق إما نصرانى كجرجس، أو غير نصرانى فيراه قد جاءه و ربما يكلمه، و إنما هو شيطان تصوّر بصورة ذلك المستغاث به لما أشرك به المستغيث تصوّر له؛ كما كانت الشياطين تدخل فى الأصنام و تكلم الناس، و مثل هذا موجود كثير فى هذه الأزمان فى كثير من البلاد.

و من هؤلاء من تحمله الشياطين فتطير به فى الهواء إلى مكان بعيد، و منهم من تحمله إلى عرفة فلا يحج حجا شرعيا و لا يحرم و لا يلبى و لا يطوف و لا يسعى و لكن يقف بثيابه مع الناس ثم يحملونه إلى بلده، و هذا من تلعب الشياطين بكثير من الناس كما قد بسط الكلام فى غير هذا الموضع، و اللّه أعلم بالصواب، و صلى اللّه على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم.

***

____________

(1) سورة آل عمران: آية 81.