تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
105

فبعث إليهم الأمير علي بن محمد البعداني‏ (1) في جيش فلاحقوهم فولّوا مدبرين، و رجع الأمير بالعساكر إلى صنعاء سالمين، و كان ذلك سبب تغير خاطر السلطان على أشراف صعدة و موجبا لطول إقامته في صنعاء، و في إقامته بصنعا قدم عليه قاصدا من سلطان مصر الملك الأشرف قانصوه الغوري بهدايا نفيسة فأكرم نزله و أحسن جائزته، كذا في تاريخ الفقيه عبد الرحمن الديبع‏ (2) فإن كان مراده قدوم الطّواشي مختص فهو [و هم منه فإن قدومه كان في سنة سبع عشرة و ثمان عشرة و إن كان مراده قدوم علي خالص ثانيا بعد رجوعه هو و الطواشي مختص‏] (3) إلى مصر فهو ممكن، و اللّه أعلم انتهى من تاريخ القاضي الطيب بامخرمة (رحمه اللّه).

و في [مدة] (4) إقامة السلطان بصنعا هرب حيدرة بن مسعود الهيثمي من صنعاء إلى دثينة 164 (5)

و أرسل إلى ولده مجرب بوادي لحج أن يتبعه إلى دثينة فهرب من لحج إليها، و استولى على حصن دثينة و أخرجا رتبة السلطان منه و استوليا عليه، و ذلك أول و هن دخل على الدولة.

و في‏ (6) هذه السنة: حج ولد السلطان قانصوه الغوري صاحب الديار المصريّة بأمه زوجة قانصوه 165،

ففعلا في الحرمين برا و خيرا كثيرا، و صحبهما في رجوعهما إلى مصر الشريف بركات بن محمد صاحب الحجاز، و واجه قانصوه فأكرمه إكراما تاما، و ردّه إلى بلده متوليا أمورها على عادته ليس لأحد معه كلام.

و في شعبان: توفي الشيخ الصّالح عبد الرحيم بن عمر باوزير (رحمه اللّه تعالى) 166.

____________

(1) الأصل: البغدادي، و أصلحناه من الفضل المزيد: 351.

(2) الفضل المزيد: 351.

(3) ساقط من الأصل و أثبتناه من القلائد.

(4) ساقط من الأصل. و أثبتناه من القلائد.

(5) دثينة: بفتح أوله و كسر ثانيه بلدة تقع في الشمال الشرقي من مدينة عدن، فيما بين البيضاء غربا، و بلاد العوالق شرقا (معجم: 232).

(6) النور السافر: 97. و الفضل المزيد: 271. و النفحات المسكية 2: 113.

106

سنة إحدى و عشرين 167

فيها (1) في شهر ذي القعدة من هذه السّنة: توصّل التجهيز (2) المصري الذي أميره سلمان الرومي و حسين التركي إلى جزيرة كمران و ذلك مبتدأ وصول الأنراك اليمن 168

و سبب جميع الفتن قال القاضي الطّيب بامخرمة: و في يوم الأربعاء سابع عشر القعدة من السّنة المذكورة، وصل التجهيز المصري إلى كمران و لم يعلم بهم الشّيخ عامر الا و هم بجازان، فأرسلوا قاصدا من جازان إلى الشيخ يعلموه بوصولهم و إن خروجهم لجهاد الافرنج و يريدون المعونة و المساعدة من الشيخ بالزّاد و الدراهم، فانزعج السلطان لذلك و أعرض عن جواب القاصد، فلما وصلوا إلى كمران أرسلوا بهدايا إلى السّلطان والى ولده عبد الوهاب بزبيد يطلبون من السلطان فيما هم‏ (3) بصدده من الجهاد، فيقال إن السلطان أراد مساعدتهم بالمال و الزاد بعد أن شار عليهم الأمير علي بن محمد البعداني أن يتكفّى‏ (4) شرهم بذلك و يحمل البعداني من عنده الزاد من الحنطة و الزّبيب مساعدة للسّلطان، فأشار عمر الجبرتي على السلطان بترك ذلك، و أن لا يظهر لهم الذل و أنهم لا يسوون شيئا و حدّهم البحر لا يتجاوزنه، فقبل السّلطان شور الجبرتي‏

____________

(1) قلائد النحر: 193. و الفضل المزيد: 277.

(2) القلائد: وصل الجهاز.

(3) الأصل و هو.

(4) الأصل يكتفي.

107

و أعرض عن القاصد و عن الإرسال إليهم بشي‏ء، بل كتب إلى ولده عبد الوهاب يأمره بتحيير الطعام لا يشحن في البحر إليهم إلى جهة الحجاز، و أمره بأخذ حذره منهم بأن لا يخرج من زبيد و بنى المصريون بكمران حصارا (1) و جبانه و صلوا بها عيد الأضحى.

و في أواخر القعدة: توجه السلطان عامر إلى ذمار من صنعاء و منها إلى رداع العرش 169،

و عيد هناك عيد الأضحى، و أمر بفك خاليه الشيخ محمد و الشيخ إبراهيم ابني عامر بن طاهر، و ابن عم أبيه الشيخ عبد الباقي بن محمد بن طاهر و رضي عنهم و أنعم عليهم.

و في منتصف الحجة: خربت قرية (2) الحديدة و هرب أهلها منها 170،

و ذلك لما حيّرت السفن عن الوصول بالطّعام إلى كمران ضاق المصريون من ذلك فأرسلوا غرابين أو ثلاثة يمتارون لهم طعاما من الحديدة، فأرسل أهل الحديدة إلى الشيخ عبد الوهاب بن عامر بزبيد يعلمونه بذلك، فأمدّهم بخيل و رجال، فلما قدموا الحديدة طلبوا من أهلها سبرة (3) أنفسهم و خيلهم، فامتنعوا من ذلك و خرجوا من الحديدة مضمرين الخوف من المصريين، و ما سبب ذلك إلّا مطالبتهم بسبرة الخيل و الجند، فلما علموا المصريون بخلو (4) الحديدة من أهلها سألوا، أين توجّهوا، فأخبروهم بالجهة التي نزلوا بها خارج البلدان، فرموا إلى تلك الجهة مدفعا فيه حجر عظيم فوقع قريبا من عسكر الدولة، و لم يغيّر على أحد منهم فزادهم ذلك رعبا و خوفا منهم، ثم دخل المصريون الحديدة فلم يجدوا بها أحدا، فأخذوا دروف‏ (5) بيوتها و الأخشاب التي وجدها بالساحل و شحنوها في‏

____________

(1) كذا في الأصل و القلائد، و الفضل المزيد: 359 ط الدراسات.

(2) في (س) قريرة.

(3) الأصل: تسبره قلت: السبره بالباء المثناة من تحت: الميرة (محيط المحيط: 445).

(4) كذا في الأصل، و الفضل المزيد نجلو، و القلائد و خلو قلت: نجلوا: هنا بمعنى انتقلو أو رحلوا.

(5) الأصل. دروب و الدروف. هي أبواب الطيقان.

108

أغربتهم‏ (1) و توجّهوا إلى كمران.

و فيها (2): توفي الشيخ الصالح الفقيه محمد بن المقبول صاحب القصب‏ (3) بن الفقيه أحمد بن موسى بن أبي بكر صاحب الحال الزّيلعي 171

بقرية اللحيه منتصف شعبان من السنة المذكورة.

و فيها (4) بآخر صفر أغار الزيديون على قرية الضحى في نحو ستة آلاف راجل و مائة فارس، و بها الأمير عيسى بن علي الحجري من جهة الدولة في عسكر قليل، فقاتلهم فنصره اللّه عليهم 172

فانهزموا هزيمة عظيمة، و قتل منهم أكثر من خمسمائه.

و في‏ (5) آخر الحجة: طلع الفقيه عبد الحق‏ (6) بن محمد النّظاري من زبيد إلى الجبل لجمع العساكر السلطانية 173.

و فيها (7) يوم الخميس الثّاني و العشرين من شهر جمادى الأولى: توفي الفقيه الأجل جمال الدين محمد بن محمد النظاري 174

(رحمه اللّه) بمدينة إب بعد أن طلع إليها متوعكا بنحو شهر، و ترك ولده الفقيه عبد الحق عوضا عنه، و كان قطب المملكة السلطانية الظّافرية، و عين الأعيان في الجهة اليمانية، و من ماثره المخلّدة لذكره بناء جامع ببيت الفقيه بن عجيل عمره عمارة متقنة إلى الغاية، و مدرسة بمدينة إب و وقف عليها وقفا جليلا، و وقف جملة من الكتب النفيسة، و له من الآثار الحسنة ما يجل عن الوصف.

____________

(1) أغربتهم: جمع غراب نوع من السفن الحربية (السفن الإسلامية: 104).

(2) قلائد النحر: 193. الفضل المزيد: 358.

(3) كذا في الأصل و القلائد و الفضل المزيد ط صالحية: 276 و ط شلحد: القضيب بالضاد.

(4) قلائد النحر: 193. الفضل المزيد: 274 ط الكويت. و النفحات المسكية 2:

113.

(5) الفضل المزيد: 359. قلائد النحر: 192.

(6) الفضل المزيد: عبد الباقي.

(7) النور السافر 98. قلائد النحر: 192 الفضل المزيد 355.

109

سنة اثنتين و عشرين 175

في سلخ‏ (1) المحرم: توفي الشيخ أحمد بن الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس 176

بعدن و دفن بقبة أبيه، و عمره يومئذ أربعون سنة تقريبا فهو الوارث لأبيه وجده و حامل الراية من بعده، و ولي عهده فقد قام بالمقام أتمّ قيام و نهض بما نهض به آباؤه الكرام، و واضب على إطعام الطعام وصلة الأرحام و الإحسان إلى الفقراء و الأيتام، قائما بكفالة الفقراء نفقة و كساء صيفا و شتاء حتى أن ثمن الكسوة التي اشتراها آخر رمضان بلغت خمسمائة دينار، و محاسنه أكثر من إن تحصر و أشهر من أن تذكر (رحمه اللّه تعالى) و نفع به آمين، و للعلامة الفقيه الولي الصالح جمال الدين محمد بن عمر بحرق مرثاة فيه في غاية الحسن و هي هذه‏ (2):

لمن تبني مشيدات القصور* * * و أيام الحياة إلى قصور

و حتام التهالك و التفاني‏* * * على الخّداعة الدنيا الغرور

فما يغتر بالدنيا لبيب‏* * * و لو أبدت له وجه السرور

فغاية صفوها كدر و أصفى‏ (3)* * * حلاوتها إلى الكاس المرير

____________

(1) النور السافر: 98. و الفضل المزيد: 279.

(2) انظرها في النور السافر: 100.

(3) النور السافر: و أقصى.

110

ألم تر كيف هدّت ركن مجد* * * و غاضت‏ (1) بحر مكرمة زخور

و روّعت الأنام بفقد شخص‏* * * رزيته على بشر كثير

شهاب ثاقب من نور بدر* * * تبقّى من شموس من بدور

نماه العيدروس و كل قطب‏* * * غياث للورى فرد شهير

تناثر عقدهم نجما فنجما* * * تغيّب تحت أطباق الصخور

فأظلم بعدهم دست المعالي‏* * * و اكسف قطرنا بعد الزهور

فوا أسفا على أطواد* * * حلم إذا اشتكلت‏ (2) ملمّات الأمور

و واحزنا على تّيار جود* * * يمد بصيّب الغيث الغزير

و يا لهفا على أخلاق لطف‏* * * تفوق الزّهر في الروض النظير

لئن ذهبوا فقد أبقوا فخارا* * * يضيق لحصره صدر السطور

ففاقوا الناس أحيا وفاقت‏* * * ضرائحهم على أهل القبور

فلا يأتي الزمان لهم بمثل‏* * * و هل الشّمس ويحك من نظير

على تلك الوجوه سلام رب‏* * * رحيم غافر برّ شكور

إلهي كن لنا خلفا و ذخرا* * * فإنك جابر العظم الكسير

و صلّ على أجلّ الخلق قدرا* * * محمد البشير لنا النذير

و من والاه من آل و صحب‏* * * على مرّ الأصائل و البكور

و فيها (3): فقد السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري 177

الشركسي و لم يظهر له خبر، و ذلك أن السّلطان سليم شاه بن عثمان وصل إلى موضع يسمى مرج دابق في شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة لأخذ مصر فالتقيا بالمرج المذكور في شهر رجب، و اللّه أعلم، أنه كان في الخامس و العشرون منه فقد السلطان قانصوه في تلك الوقعة و لم يدر كيف فعل به، و قتل غالب الأمراء و الجند و انهزم من بقي إلى حلب، و يبعد المرج المذكور نحو نصف شهر إلى جهة الروم، ثم تبعهم السلطان سليم‏

____________

(1) النور السافر: و فاضت.

(2) النور السافر: استشكلت. قلت بهذه سيختل الوزن.

(3) العدة 1: 163. و انظر للتوسع في ذلك ابن إياس: بدائع الزهور 5: 33- 72.

111

إلى مصر بعد وقعة أخرى بغزة من الشام، و انهزم العسكر المذكورون إلى مصر، فلما كان بعد ذلك و قد وصلت أخبار فقد السلطان الغوري، و كان يوم الأربعاء عشر من شهر رمضان، فتولّى السلطان بمصر ولد أخيه، و هو السلطان الملك الأشرف طومان باي يوم الخميس عشرين شهر رمضان المذكور، فلما كان يوم الثلاثين من شهر الحجة الحرام، وصل السلطان سليم إلى البويب بالقرب من بركة الحاج، ثم أصبح يوم الخميس مستهل شهر المحرم الحرام سنة ثلاث التقيا كما يأتي.

و فيها (1): في منتصف شهر صفر قدم عبد الحق بن محمد النظاري من الجبل إلى زبيد بجمع عظيم أكثرهم من المشايخ أصحاب الرّباطات 178

و الضّعفاء الذين لا غنى منهم و فسح جماعة و منهم سلموا أموالا و بقي الضعفاء الذين لا يقدرون على شي‏ء و لا يعرفون القتال، و كان الفقيه أبو بكر بن المقبول الزيلعي صاحب اللحية مساعدا للمصريين بماله و نفسه و واصلوه بخلع و صلات من صاحب مصر، و أمروه أن يخطب في اللّحية لصاحب مصر ففعل، فلما علم أبو بكر بن المقبول باخراب المصريين لبندر الحديدة طلع من اللحية إلى كمران، و قال للمصريين: نحن نوثق‏ (2) لكم طريق البر من بندر اللّحية، و نعينكم على ما أحببتم فأرسلوا معه إلى اللحية، بغراب فيه [مائة] (3) مملوك، فتقدّم بهم إلى جهة مور و بها يومئذ الأمير محمد بن سليمان [بن جّياش السنبلي‏ (4) أمير من قبل السّلطان فخرج إليهم بمن معه من العسكر فرماهم المصريون بالبندق و لم يكن معهودا باليمن فقتل الأمير محمد بن سليمان‏] (5) في جماعة من أصحابه و استولوا المصريون على مور، فعزم جماعة الزيديين إلى الأمير حسين بيك إلى‏

____________

(1) قلائد النحر لوحة: 194 الفضل المزيد: 261 في حوادث سنة 921.

(2) القلائد: نفتح.

(3) ساقط من الأصل.

(4) الأصل السنبكي. و أصلحناه من الفضل المزيد.

(5) ما بين المعكوفتين ساقط من مخطوطة قلائد النحر نسخة ليدن.

112

جزيرة كمران، فبايعوه و طلبوا منه أن يرسل معهم من جنده مائتي مملوك و تكفلوا بجوامكهم و أداء خراج البلاد إليه فأرسل معهم مائتي مملوك فوصلوا بهم قرية الضحى‏ (1) و بها جمع من عسكر السّلطان عامر، فلما التقى الجمعان انكسر عسكر عامر، و قتل منهم جماعة بالبندق و نهب المصريون و الزيديون قرية الضحى و أحرقوها و خربت، و انتقل من بها من الدولة إلى الغانمية (2)، و لما بلغ الشيخ عامر، و هو ببلدة المقرانة ما جرى بتهامة أرسل أخاه عبد الملك لكشف الأمور، فقدم مدينة زبيد حادي عشر ربيع الأول، ثم تقدّم منها إلى الجهات الشامية، حتى بلغ المرجف‏ (3) فلما علم الأمير حسين بوصول الشيخ عبد الملك إلى المرجف نزل من جزيرة كمران إلى بيت الفقيه بن‏ (4) حشيبر، و معه من الجند نحو ألف [مقاتل غالبهم من الرّوم و عسكر سلطان الرّوم سليم شاه بن بايزيد العثماني أرسلهم على يد الأمير سلمان مددا لصاحب مصر قانصوه الغوري على قتال‏] (5) الإفرنج الذين بالهند و لم يعلم صاحب الروم بما انطوى عليه صاحب مصر و أميره حسين من طلب الاستيلاء على اليمن، فلما استقر الشيخ عبد الملك بالمرجف قدم الشريف عز الدين بن أحمد بن دريب أخو العزيز صاحب جازان في جمع من الترك و الروم و المعازبة (6) فلما التقى الجمعان كانت بينهما وقعة عظيمة، قاتل فيها الشيخ عبد الملك فارسا و راجلا، و أبان عن شجاعة عظيمة و نفس كريمة، و قتلوا من الأتراك جماعة و مات تحت الشيخ عبد الملك ثلاثة أفراس، و قتل فيها من جند السلطان جماعة من الشجعان و كان يوما عظيما، قال القاضي الطيّب: سمعت‏

____________

(1) الضحى: بلدة في وادي سردد جنوبي الزيدية بمسافة 18 ك م. (معجم): 395.

(2) الأصل: الغنيمة و أصلحناه من قلائد النحر.

(3) كذا في الأصل و القلائد. و في الفضل المزيد: 361 المزحف.

(4) كذا صوابه: الفقيه ابن عجيل. معروفة هناك.

(5) ما بين المعكوفتين ساقط من القلائد مخطوطة ليدن.

(6) الأصول: المغاربة و أصلحناه من عندنا.

113

الشريف أحمد بن الصديق الأهدل يقول سمعت الشيخ عبد الملك يقول:

قاتلت يوم المرجف و علي درع و من تحته مشمع، فكانت الجليلات تصيبني و تحرق الدرع و إذا بلغت إلى المشمع طفيت من الشمّع [فلما انقضى القتال و نزعت الدرع أخرجت المشمع‏] (1) فنفضته فسقط منه ثمانية عشر ما بين بندفة و جليلة (2) انتهى.

و أقام الشيخ عبد الملك بالجبيل‏ (3) بعد الوقعة ثلاثة أيام و رأى من جنده تخاذلا فاستمر راجعا إلى زبيد، فدخلها عاشر جمادى الأولى و معه رؤوس القتلى، و وصل العلم إلى عدن من طريق البحر من المخا بالكسرة في المصريين و هزيمتهم فنوروا الحصون و لبّسوا الخانات و دار صلاح‏ (4)، و أظهروا الفرح، ثم وصل الخبر إلى عدن بأخذ المصريين لزبيد، و عاد اللّباس لم ينزع و نجم النفاق من العرب، و مالوا إلى الأمير حسين و حرّضوه على اللّحاق بالشيخ عبد الملك إلى زبيد و وعده بالمناصرة، فجعل يعدهم و يمنّيهم إلى أن تحقّق منهم قاطبة (5) فسار بهم إلى زبيد بّرا و بحرا في عسكر عظيم، و كان هو في عسكر البر، و سلمان في عسكر البحر، فلما وصل حسين إلى بيت الفقيه بن عجيل دخل عليه جماعة من المعازبة (6) فقربّهم و آنسهم و استحلفهم و سار بهم إلى قرية المزجاجة (7) ثم إلى‏

____________

(1) ساقط من الأصول و أثبتناه من القلائد.

(2) الجليلة: بكسر الجيم و اللام. تطلق عند أهل اليمن الآن على القذيفة من المدفع و غيره.

(3) القلائد: الجبل.

(4) دار صلاح. من دور عدن المعروفة في ذلك الوقت. أنظرها في تاريخ ثغر عدن 1:

12.

(5) في الأصل: باطنه. و أصلحناه من قلائد النحر.

(6) يرد في الأصل: المغارية و أصلحناه من عندنا قلت: المعازبة من قبائل بيت الفقيه بن عجيل و هم الزرانيق و طول منطقتهم من شمال بيت الفقيه إلى جنوبها 70 ك. م و عرضها 60 ك. م (معجم: 1606).

(7) المزجاجة: بلدة خربة كانت قائمة بالغرب من مدينة زبيد (معجم: 588).

114

القرشية (1) ثم التحيتا (2) ثم إلى نخل وادي زبيد، و أقام هو و عسكره هناك ثلاثة أيام ينتظرون عسكرا يقدم عليهم من قبل سلمان من البحر من طريق المتينة (3) فلما وصل إليهم عسكر سلمان تقدم الأمير سلمان، ثم تقدم الأمير حسين بالجميع صبح يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى، فوصلوا إلى زبيد ضحى ذلك اليوم و المدينة مغلقة فنزلوا خارج باب النخل في عسكر تجاهه من الترك و المغاربة و الشاميين، و ممن انضاف إليهم من العرب من أهل جازان و الزيدية و المعازبة و القرشيين و من والاهم، و في صحبتهم الشّريف عز الدين بن دريب و الفقيه أبو بكر بن المقبول الزّيلعي، فخرج إليهم الشيخ عبد الملك و ابن أخيه الشيخ عبد الوهاب في عسكرهما إلى خارج باب النخل، فلما التقى الجمعان قاتل الشيخ عبد الملك و ابن أخيه قتالا شديدا لم يسبقا إلى مثله، أبانا فيه عن شجاعة زائدة، فتكاثرت عليهما جنود المصريين، و تخاذل بهم عسكرهم فانكسروا و دخلوا المدينة بعد أن أصيب الشيخ عبد الوهاب ببندقة أثرّت فيه تأثيرا عظيما، فدخل المدينة قبل عمه إلى الدار الكبيرة فلما استقر بها لحقه عمّه و وقف له بباب الدار و صاح به، فركب فرسه، و خرج إلى عمّه فجعله عمه بين يديه و سار به إلى باب الشبارق، و قد اسطفت حوله المصريون، و فرسان العرب المعسكرين‏ (4) هناك، فشق الجموع بإبن أخيه ثم خلص به منهم بعد أن قتل منهم جموعا لا تحصى، و أبان عن شجاعة عظيمة، و قلب حاضر ثم توجّه بمن بقي معه من عسكره إلى تعز في ضحى‏ (5) ذلك اليوم، و في صحبته الفقيه علي بن محمد النظاري، و الشرف الموزعي الذي كان سببا لهذه‏

____________

(1) القرشية: بلدة و مسكن قبيلة القرشيين من الأشاعر (معجم: 511).

(2) التحيتا: قرية تهامية في وادي زبيد (معجم: 88).

(3) الأصل: المسبة. و أصلحناه من القلائد و الفضل المزيد: 367 قلت: المتينة. عزلة في وادي زبيد. على ساحل البحر الأحمر (معجم: 557).

(4) كذا في الأصل و في القلائد: ليمسكوه.

(5) القلائد: صبح.

115

الفتنة بسوء الرّاي و التّدبير، و هلاك الصّغير و الكبير، و بعد خروج الشيخ عبد الملك و ابن أخيه دخلها الأمير حسين قهرا فنهبوا البلد نهبا عظيما، و سفكوا الدماء و انتهكوا المحارم و ارتكبوا العظائم و أحرقت المدينة، و حصل على أهلها من الفضيحة و هتك الحجاب ما لم يكن لأحد في حساب، و لم تصلّ الجمعة ذلك اليوم بزبيد، و دخلها حسين بعد عصر الجمعة، فلما استقر بالدار الكبيرة صاح للناس بالأمان و أمر العسكر بالكف عن النّهب فلم يمتثلوا لأمره و لا أصغوا إلى كلامه، فأقاموا ينهبون البلاد ثلاثة أيام، و سكنوا البيوت و أخرجوا أهلها منها، و استولوا على ما فيها من الخبايا، و الدفائن، و قتلوا جمعا من أهلها، فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون، ثم استناب حسين بزبيد مملوكا لسلطان مصر يقال له برسباي، و عضده بالشريف عز الدين بن أحمد بن دريب، و خرج حسين من زبيد و ركب في السفينة [من المتينة] (1) و صاح برسباي للناس بالأمان، و توجه حسين و سلمان بمن بقي معهما من العساكر إلى زبيد، و زيلع فأمدوهما بالبر و السمن و الكباش و الدراهم و غير ذلك، و عزما من زيلع إلى بندر عدن‏ (2)، و كان الموسم على ظهر (3) سفر فلما رأى سلمان مراكب الموسم صارية (4) قدم إلى مركب السلطان عامر و إسم المركب «الهاشمي» و أخذ منه الناخوذا و الكراني‏ (5) و أنزلهم عنده، و لم يغير على أحد من التجار شي‏ء، و طلع في المركب «الهاشمي» ناس من قبله ليقبضوا في الهند ما كان فيه بإسم السّلطان لا غير، و طرد مركبا لشخص من‏

____________

(1) ساقط من الأصل و أثبتناه من القلائد لوحة: 195.

(2) هنا حذف من قبل المؤلف على أصل القلائد الذي ينقل عنه.

(3) الموسم هنا هو موسم البحر أي أن هذه السفن على و شك الإقلاع.

(4) من عبارات البحارة في ذلك الوقت و هي بمعنى السفينة التي تمخر عباب البحر و اللفظة كلمة حضرمية دارجة أنظر الشهداء السبعة: 124.

(5) الكراني: كاتب المركب و المكلف بتقديم قائمه لمحتويات مركبه عند وصولها إلى المواني (البحر الأحمر: 162).

116

البانيان‏ (1) فرمى‏ (2) به صاحبه على ساحل أبين إلى البر، فتغير المركب بما فيه و سلم الركبة، و دخلوا عدن من طريق البر، فلما وصل حسين بالخشب إلى البندر رمى البلد بجملة مدافع كبار و رمى أهل البلد فلم توثر مدافعه‏ (3) و مكث في البندر يومين، ثم نزل بعسكر لمحاربة البلد إلى الممشى الذي جعلوه الدولة متّصلا بجبل صيرة (4) فخرج إليه عسكر البلد، فحصل بينهم قتال عظيم قتل فيه جمع من المصريين، و انهزم حسين راجعا إلى مراكبه، و نوّرت‏ (5) الحصون و اصبح حسين راحلا عن البندر بخشبه، فصادف رجوع سلمان و من معه فلامهم عن ارتفاعهم عن البندر، و قصدوا جميعا البندر، و كان الرتبة الذي بحصن صيرة قد [قل عليهم الزّاد] (6) فطلبوا من الأمير مرجان أن يمّدهم بالزّاد و الرّجال فلما رأى الأمير مرجان ارتفاع الأمير حسين‏ (7) من البندر تهاون في امدادهم و بحسب‏ (8) أن رأوا الرّتبة المراكب راجعة (9) إلى البندر نزلت الرتبة الذين كانوا بصيرة جميعهم إلى البلد، فلما رآهم سلمان طلع إلى صيرة في جمع من أصحابه و استولى على حصن صيرة، و نصب‏ (10) بها عليهم مدافع، و ظنّ الناس بأخذه صيرة يأخذ البلد

____________

(1) البانيان: كلمة هندية معناها «التاجر» (البحر الأحمر 162) قلت أطلقت هذه اللفظه عند أهل اليمن على التجّار الكفرة الوثنيين. من أهل الهند و لا تطلق على المسلمين.

(2) القلائد: جدح.

(3) كذا و عبارة القلائد: و رمى إلى البلد بجملة مدافع كبار و رموه أهل البلد فلم يؤثر فيهم و لم يؤثروا فيه.

(4) صيرة: بكسر الصاد جزيرة صغيرة في أعلاها قلعة حصينه تقع شرق مدينة عدن، و ترتبط معها بواسطة جسر حجري يمتد وسط مياه خليج حقات (لعله الممشى المذكور هنا).

(5) نوّرت. أشعلت النيران إظهارا للفرح و الزينة.

(6) بياض في مخطوطات القلائد.

(7) الأصل: الأمر حبز و أصلحناه من القلائد.

(8) في (س) و بحتسبب و في القلائد: فحسب.

(9) القلائد: صارية.

(10) هنا سواقط كثيرة في مخطوطة القلائد و كذا في مخطوطة. صاحب البحر الأحمر.

117

و يستولي عليها، فسقط ما في أيديهم و فشلوا و هربوا ناس من البلد، فرمى سلمان في صيرة بجملة مدافع و لم تأثر في البلد لاستعلائها، فكانت مدافعة تقع في أطراف البلد مما يلي شمسان و نحوها، فلما رأى أهل البلدان أخذه صيرة لم يؤثر في البلد شيئا قويت قلوبهم، و تراجعوا و بذل الأمير مرجان المال لعسكره فاستقوت همتهم و استعدوا لمحاربة المصريين، فلما لم يظفر سلمان من البلد بطائل نزل من صيرة و ركب مدافعه على الممشى المتقدم ذكره ليضرب السّور من قريب، فرمى السور بمدافع عظيمة فهدم‏ (1) من السور جانبا كبيرا، فلما كان الليل سدّ أهل البلد ما انهدم من السور، بقطع الفوة (2) و جعلوا عليها من جهة الساحل مزاهى الكبير (3) تلف‏ (4) بالخشب، فكانت جليلة المدفع‏ (5) تصيب الخشبة و تمرق منها إلى الفوة، فلما رأى سلمان ذلك لا يجدي شيئا استعد للقتال، فنزل بعساكره سحر ليلة الأربعاء قبيل الفجر بساعة في شهر شعبان، فرموا إلى البلد بالنّبل و الجليلات و المدافع، و علا بعضهم على السّور، فنصب به العلم فتقدّم إليه بعض عسكر البلد فقتله و رمى بالعلم، فلما أصبح الفجر خرج عسكر البلد لقتالهم، فلم يزل الحرب بينهم مستقيمة إلى نحو ربع النهار، ثم رجع سلمان إلى مراكبه منهزما، و أما برسباي فإنه لما استقر بزبيد قرّب أحوال الناس، و أظهر حسن السّياسة و التدبير و مشى بالنّاس مشيا حسنا، و أقام بزبيد إلى أثناء شهر شعبان، و أمر بنصب خيامه خارج باب الشبارق، و أقام ثلاثة أيام، فجمع العساكر ثم سار بهم إلى حيس، يقال كان غرضه المسير إلى عدن طريق‏

____________

(1) القلائد (الصوفي) كتاب البحر الأحمر: 164 «فحتف».

(2) الفوة: بنت يصبغ به و يبدو من عبارة المؤلف أن الفوه هنا هي المخلفات المتبقية منها.

(3) كذا في الأصل و في القلائد مزاهي الكسى و مخطوطه (البحر الأحمر): الكبنى.

(4) القلائد: ملئت بالخيش.

(5) القلائد: فكانت حجر المدفع تثقب الخيشة و تمرق منها إلى الفوة فتنشب فيها.

118

البر (1) ليحصرها مساعدا لأصحابه في حصرها بحرا، فلما بلغ حيس بلغه أن حسين بالمخا قد رجع من عدن، فرجع إلى المخا، و اجتمع بحسين، ثم سار برسباي إلى موزع و انتهبها، و كان جماعة قد أودعوا أموالهم في بيت الشيخ عبد اللّه بن سلامة، فنهبها بعد أن كان أمن الشيخ على نفسه و ما معه، ثم قتل مقدم الفجر (2) الذي معه، فلما قتله خاف على نفسه فرجع إلى زبيد فدخلها في ثاني عشر رمضان، و أما السّلطان فإنه لما بلغه أخذ زبيد و موت ولده، و هو يومئذ بالمقرانة، خرج منها إلى مدينة إب فدخلها في أوائل شهر رجب، و أقام بها إلى أثناء (3) شعبان، و توجّه منها إلى زبيد و عرج عن دخول تعز و أقام بها بحذرار (4) أياما، ثم تقدم إلى القويرين‏ (5) فصام هنالك رمضان و عيّد الفطر، ثم توجه إلى زبيد، فلما تحقق المصريون ذلك أرسلوا إليه رسلا صحبة القاضي الفقيه أحمد بن عمر المزجد يطلبون الصلح، على أن يسلموا البلد و ما بأيديهم من الخيل و السلاح، فاجتمعوا بالسّلطان و سمعوا كلامه، و ميله إلى الصلح فطابت أنفسهم، فأشار بعض خواص السّلطان عليه بعدم قبول ذلك، و أوقع في خاطر السلطان أن ذلك مكيدة منهم، فأعرض عن الرسل وردّهم خائبين و أمسك القاضي عنده ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، ثم سار السلطان بعساكره إلى قرية التريبة فحطّ من غربيها، و خرج إليه المصريون يوم الأربعاء تاسع عشر شهر شوال، فكانت بينهم وقعة عظيمة قتل جماعة منهم، و رجعوا إلى زبيد فأمسوا بها ليلة الخميس متأهّبين‏ (6) المعاودة

____________

(1) في (س) البحر.

(2) الفضل المزيد: (الغجر) ط شلحد: 368.

(3) الأصل اثنى عشر شعبان.

(4) في الأصل بحدر و الفضل المزيد ط صالحيه: 286 بحدزاد و أصلحناه من الفضل المزيد ط شلحود: 368 قال: وادي حذرار يقع غربي تعز.

(5) في الأصل الغوري. و أصلحناه من الفضل المزيد ط شلحود: 368 قال: القويرين موضع قرب بزبيد.

(6) في الأصل: ساهنين.

119

للقتال و أمسى أصحاب الشيخ ما بين جريح و من الجوع طريح، و كان صحبة الشيخ جملة أحمال زبيب و دقيق، فأشار بعض أصحابه أن يعطى الجند منه القوت ليتقووا به على معاودة الحرب، فلم يفعل، ثم خرج المصريون صبح يوم الخميس ثاني الوقعة، فكان بينه و بينهم وقعة أشد من الأولى، و قاتل في اليومين المذكورين بنفسه، و ولده أحمد، و ولد خاله الشيخ محمد بن أحمد بن عامر، و خواص عبيده كفرحان‏ (1) و غيره، و لم يثبت معه سواهم و أبلوا بلاء عظيما و أبانوا شجاعة لم يعهد مثلها، ثم تخاذل بهم باقي العسكر، و انكسروا في آخر ذلك اليوم، و السلطان حينئذ في المعركة، فلما رأى جيشه منهزمين، رجع إلى المحطة ليحميها (2) فوجد العسكر المصري قد هجمها و نهبوا جميع ما فيها من الأموال و الذخائر السلطانية، فجمع باقي العسكر و رجع من حيث جاء، و لم يلحقه أحد من المصريين لاشتغالهم بالغنائم، و سار السلطان إلى تعز، فدخلها سادس عشر شوال، و أقام بها إلى أن طلع عليه المصريون في أوائل السنة التي بعدها كما سيأتي.

و فيها (3): يوم الخميس الذي من شهر صفر، توفي الفقيه العالم الكامل الفاضل جمال الدين محمد بن موسى بن عبد المنعم الضجاعي 179

أحد المدرسين بزبيد، و دفن بها، و كان له مشهد عظيم.

و في‏ (4) يوم عصر الثلاثاء خامس شعبان: توفي الفقيه العلامه الشيخ العامل الفاضل إبراهيم بن عبد الرحمن بن إسمعيل البرهان، أبو الوفا بن الزين المقري الكركي 180

الأصل القاهري المولد الدّار، و يعرف بإبن الكركي توفي غريقا شهيدا في بركة الفيل تحت منزله بها، و كان مولده وقت الزّوال‏

____________

(1) في الأصل: كمرجان.

(2) في الأصل: ليحملها.

(3) النور السافر: 100. الفضل المزيد: 279 ط الكويت.

(4) النور السافر: 101. و انظر ترجمته في شذرات الذهب 8: 102 و الأعلام 1: 46.

120

يوم الجمعة تاسع رمضان سنة خمس و ثلاثين و ثمانمائة بالقاهرة، و أمه أم ولد جركسية، نشأ فحفظ القرآن و الأربعين للنووي و الشاطبية، و مختصر القدّوري، و ألفية بن مالك و غيرها، و عرض على أئمة عصره كالشهاب بن حجر، و العلم البلقيني و العلمان القلقشندي و الولي سعد الدين بن الديري، و ابن الهمام و جماعة آخرين، و كتبوا كلهم له، و سمع صحيح مسلم أو أكثره على الزين الزركشي، و تلا القرآن العظيم على بعضهم و جوّده، و قرأ الصحيحين على الشّهاب أحمد بن محمد بن صالح الحنفي الحلبي ابن العطار، و حضر دروسه بل حضر درس الكمال ابن الهمام، و لازم التّقي الحصني، و كذا التقي الشمني و الكافياجي، و عظم و كثر اختصاصه بهم، و مما أخذ عن الشمني التفسير، و علوم الحديث و الفقه و الأصلين و العربية و المعاني و البيان و المنطق، و غيرهما و دخل معهم و أذنوا له في إقرائها، و لما سافر قايتباي في أيام إمارته قبل أن يصير (1) إليه الملك إلى بعض البلاد استصحبه إماما، و لم يلبث إلى أن ارتقى إلى الملك فقربه و أدناه و أحّبه، فبلّغه مناه و اختص به ممن عداه، و خوله مزيد النعم و شمله فيما يلتمسه بنعم، و أعطاه قراءة البخاري بالقلعة، و ولّاه تدريس أماكن متعدّدة و مشيخة الصوفية و خطابة بعض المدارس، و رتب له في كل يوم دينار، و صنّف و أفتى و حدّث و روى و نظم و نثر و نقب و تعقب، و خطب و وعظ، و من تصانيفه في الفقه فتاوى مبوّبة في مجلدين و حاشية على توضيح ابن هشام، هذا كله مع الفصاحة و البلاغة، و حسن العبارة وجودة الخط و حسن العشرة و الظرف، و الميل إلى النادرة، و اللّطف و مزيد الذكاء و التفنن و سرعة البديهة (رحمه اللّه).

و فيها (2) ليلة الثلاثاء عاشر جمادى الأولى: توفي الشيخ العالم الفاضل الجمال أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد بن إسمعيل 181

بن‏

____________

(1) الأصل: يصل.

(2) النور السافر: 103. و انظر: الكواكب السائرة 1: 108 و الضوء اللامع 1: 77 و شذرات الذهب 8: 104 و الأعلام 1: 53.

121

محمد بن إسمعيل بن علي القلقشندي الأصل القاهري المولد و الدار الشافعي بالقاهرة، و كان مولده في حادي عشر (1) سنة إحدى و ثلاثين و ثمانمائة بالقاهرة، و نشأ بها و حفظ القرآن و الشاطبية، و عرض على خلق كثير كالبساطى و المحب بن نصر اللّه، و الحافظ بن حجر العسقلاني و سمع على آخرين و أبيه و جدّه و التّاج الشرابشى‏ (2) و الفاقوسى و الزركشي و ابن ناظر الصلاحية، و أجاز له خلق كثير منهم العلامة البخاري، و قرأ على أبيه في التّفاسير و الحديث و غير ذلك، و كذا على المحلي شرح المنهاج و جمع الجوامع، و حج في حياة أبيه، و كان دخوله مكة في سنة [إحدى و خمسين‏] (3) و سمع على المراغي و الأسيوطي، ثم أخذ بالمدينة في سنة سبع و خمسين عن عبد اللّه بن فرحون، ثم حج ثالثه في سنة سبع و ثمانين، و استقر في مشيخة الداودارية (4) و خزانة الكتب الأشرفية برسباي، و غيرها بعد أبيه، و كذا في تدريس الحديث بجامع طولون مشاركا لعمّه، ثم استقل به بعد موته (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (5) يوم الأحد رابع عشر ذي القعدة: توفي الفقيه الفاضل برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي 182 (6)

الحنفي نزيل المؤيديّه‏ (7) من القاهرة بمدرسته بالقاهرة، و صلي عليه فيها و دفن بالقرافة، و كان مولده في سنة ثلاث و خمسين و ثمانمائة بطرابلس، و أخذ بدمشق عن جماعة منهم الشرف بن عيد، و قدم معه القاهرة حين طلب‏

____________

(1) كذا في الأصل و النور السافر و لعل الساقط اسم الشهر.

(2) في الأصل (الشرابيني) و النور (السّرابيسى)، و أصلحناه من ترجمة المذكور في الضوء اللامع 1: 78.

(3) بيض له في الأصل.

(4) في الأصل: الداودية. و أصلحناه من النور السافر.

(5) النور السافر: 104. و انظر ترجمته في شذرات الذهب 8: 105 و الأعلام 1: 76.

(6) الأصل: الطرابيسى و أصلحناه من النور.

(7) في الأصل: الزيدية. و النور السافر: الريدية و أصلحناه من الضوء اللامع (ترجمه المذكور) 1: 178.

122

لقضائها، و لازم الصلاح الطرابلسي، و أخذ عن الديمي‏ (1) شرح ألفية العراقي للنّاظم و عن السنباطي‏ (2) أشيا و فضل كل فقيه بإجماعهم‏ (3) على علمه و خيره و صلاحه، و ألف عدة مؤلفات منها «الإسعاف في حكم الأوقاف» (4) و جاور بمكة في سنة خمس عشرة و تسعمائة ثم عاد إلى القاهرة (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) الأصل و النور السافر: الريمى و أصلحناه من الضوء اللامع.

(2) الأصل و النور السافر: الشيباني و أصلحناه من الضوء اللامع.

(3) كذا و في النور السافر: و فصل كل قضية لإجماعهم.

(4) طبع سنة 1292 ه بعنوان الإسعاف في أحكام الأوقاف.

123

سنة ثلاث و عشرين 183

فيها: زالت دولة الشركسية، و قد تقدّم الكلام في السنة التي قبلها فقد قانصوه الغوري و تولية ابن أخيه طومان باي 184 (1)

. و في صبح يوم الخميس مستهل شهر المحرم أول هذه السنة (2): التقى الجيشان بالريدانية جيش سليم شاه الرومي، و جيش طومان باي الشركسي 185

وقت طلوع الشمس، فما كان غير قليل حتى انكسر عسكر طومان باي، و ولىّ منهزما، و استولى السلطان سليم على مصر و أعمالها من ذلك اليوم، و قتل طومان باي بعد الوقعة بثلاثة أشهر قتله السلطان سليم شاه غدرا من بعض العرب أتى به إلى سليم شاه و اللّه أعلم، و لما دخل سليم شاه مصرا نقل جميع تجارها إلى الروم، و صادر أهلها بمال عظيم، قال الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة: سمعت خطيب المدينة الشريفة يقول: لما أخذت مصر انشدني الوزير ابن الجبعان، و كان وزير الملك الأشرف قانصوه الغوري لما قتل و تولى السلطان سليم شاه، هذين البيتين:

ليت شعري من على مصر دعا* * * مخلصا للّه حتى سمعا

ملؤوها و حشوها نكدا* * * فهي تبكينا و نبكيها معا

و كان أول من صودر و أخذ منه مال كثير، قال المؤرخ: سمعت‏

____________

(1) في (س) طرمان باي.

(2) انظر بدائع الزهور 5: 102.

124

الفقيه عبد الرحمن الأزهري المصري يقول: كان إسم المذكور عبد العزيز بن الجيعان، و كان بنو الجيعان وزراء مصر و رؤسائها، فلما دخلها سليم شاه صادرهم و أخربها، فتنكرت أحوالها، و للّه الأمر من قبل و من بعد و اللّه أحكم و أعلم.

و فيها في يوم الخميس رابع و عشرين ربيع الأول: قتل الشيخ السلطان عامر بن عبد الوهاب بن داؤد بن طاهر بن معوضة بن تاج الدين العمري القرشي الأموي 186

كذا ذكره الفقيه أحمد بن عمر الديبع‏ (1) في تاريخه‏ (2)، و نقلت من خط السيد الشريف الشيخ عمر بن عبد اللّه العيدروس ذكر نسب الظافر (3) فهو السلطان عامر بن عبد الوهاب بن داؤد بن طاهر بن معوضة العمري الأموي نسبه إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه انتهى.

قلت: و قد تقدم في السنة التي قبلها قتاله تحت زبيد مع برسباي، و لم يحصل منها على شي‏ء و رجوعه إلى تعز، فلما (4) دخل تعز كان السّلطان عامر تحقّق من عسكره عدم النصيحة معه فاستخدم جماعة من المهرة (5) و أجزل عطيتهم على غيرهم من بقية الجند و الأعوان، فتغير خاطر العسكر حيث آثر المهرة عليهم، و كان غالب جنده الرّعية و الجبالية من أهل اليمن و غيرهم، و ما المهرة فيهم إلا كالرّقم من ذراع الحمار، و خرج برسباي بعساكر من زبيد إلى تعز، و بها السّلطان عامر حينئذ، فقدم صبح الجمعة سادس شهر صفر، فلما شاهدهم عسكر السلطان، انهزم كل قبيلة

____________

(1) كذا في الأصل صوابه عبد الرحمن بن علي ابن الديبع الشيباني المتوفى سنة 944.

(2) بغية المستفيد: 121 ط شلحد.

(3) في الأصل الطاهر.

(4) قلائد النحر لوحة: 196.

(5) المهرة بالتحريك قبيلة من قضاعة في الجنوب الشرقي من حضرموت، و هم ولد مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف، و مساكنهم سيحوت و الغيضة و المشقاص (المعجم: 64).

125

منهم إلى جهة بلده و لم يبق معه إلا المهرة و خاصة عبيده، فأرادوا القتال فمنعهم و ولى عنهم إلى جهة إب من غير قتال و لا حرب، فدخل المصريون تعز و صادروا التجار و فعلوا بها و بأهلها أعظم مماّ فعلوا بزبيد و أهلها، و أقاموا بتعز إلى الجمعة الثانية، ثم عزموا من تعز يوم الجمعة ثالث عشر صفر إلى جهة المقرانة، و كان السلطان لما خرج من تعز أقام بإب، فلما علم خروج المصريين إلى المقرانة توجّه إليها، فدخلها قبلهم بليله عشية الخميس، فحمل نساءه و ما خفّ من الذخائر و الأموال، و أحرق بعض ما لم يقدر على حمله و فتح الخزائن و أمر كل أحد أن يحمل ما يقدر عليه، فلما كان صبح يوم الجمعة أصبح المصريون تحت المقرانة و لم يتجاسروا على دخولها حتى أخبروا أنها خليّة من السلطان و جنده فدخلوها، و استولوا عليها و نهبوا ما وجدوا في الدار من الذخائر و الأموال و كان جملة مستكثرة، و ظفر برسباي بجماعة كانت عندهم ودائع للسلطان فأخذها منهم، و دخل عليه جماعة من آل عمار فبايعوه، و سألوه المسير معهم ليمكنوه من بلادهم، فسار معهم في جمع كثير من شجعان أصحابه، فلما توسّطوا بهم في بلادهم ثاروا عليهم من كل مكان، فقتلوا الأمير برسباي و أصحابه عن آخرهم و لم ينج منهم إلّا المخبر بهم، فلما بلغ الخبر إلى من بقي من المصريين في المقرانة ضاق بهم الحال، و اجتمعهم رأيهم على تولية رجل منهم يعرف بالإسكندر، و كان شجاعا ظلوما غشوما فبايعوه و أمّروه عليهم، فلما تم له الدست ظفر برجل من خواص السلطان يسمى عمر الجبرتي فتهدّدوه فدلهم على مال عظيم يقال أن مبلغه خمسة لكوك ذهب قديم، فأخذه منه و قسمّه في العسكر، ثم سار الإسكندر من المقرانة بعساكر إلى جهة صنعاء، فلحقه عسكر السلطان بموضع يسمى عفرة (1) فكانت بينهما وقعه قتل فيها من الأتراك و جموعهم و أشراف جازان و من معهم جمع عظيم، و حصرهم عسكر السلطان من كل جانب، و كاد

____________

(1) الفضل المزيد: الغفرة. و عفرة: موضع قرب بيت البندري من آل عمار ما بين الرضمة و قرية الأجلب، قرة العيون: 469.

126

يحاط بهم فبذلوا مالا جزيلا لعبد النبي بن سعيد حتى أرخى قليلا من جانبه فنفروا إلى جهة رداع و استولوا عليها من غير قتال، ثم تقدموا إلى صنعاء، و أما السلطان عامر، فإنه لما خرج من المقرانة توجه إلى الخلقه‏ (1) فتبعه طائفة من المصريين، فهرب من الخلقة إلى قرب بلد يافع و ألقى اللّه الرعب في قلبه منهم حتى بلغني أنه رأى فارسا واحدا من أصحابه يركض فظنّه من التّرك أو أنه يطرد هاربا منهم، فهرب من ذلك الموضع، و طلب من يافع بعض حصونهم يكنّ فيه نفسه و حرمه، فلم يساعدوه و قاسى من الذّل و الهوان هو و أهله ما لم يقاسه إنسان، فسبحان المذّل بعد العزة و المقل بعد الكثرة [و لما بلغه ما حصل على المصريين في الغفره استفزه الفرح و طمع في الظفر بهم‏] (2) فسار من الخلقة، و دخل المقرانه، و ترك بها ابنه أحمد، و خرج مسرعا بباقي الجند و العسكر ملاحقا للمصريين إلى صنعاء و من معه أخوه الشيخ عبد الملك، و ابنه أبو بكر و ابن أخيه عامر بن عبد الملك، و بلغني أن أخاه عبد الملك عذله عن ملاحقة المصريون إلى صنعاء، و قال له: أنت تعرف عداوة الزيدية، فتقع بين عدوين المصري و الزيدي فلم يصغ إلى كلامه، و نسبه إلى الجبن و الذل منهم ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا، فسار إلى أن وصل قريبا من صنعاء بحيث يراها و المصريين يومئذ محاصرين لها و لأهلها، و لم يقدروا منها على شي‏ء، فلما علم الجند المصري بوصول السلطان، قصدوه قبل أن يحط الأحمال، فكانت بينهم و بين العسكر السلطاني وقعة قتل فيها أخو السلطان عبد الملك أصابته جليلة في وجهه، و عاده لم يلبس للقتال فسقط ميتا و قتل معه أكثر عبيده و عسكره، و ذلك يوم الخميس رابع و عشرين ربيع الأول، فلما علم السلطان ذلك عدل إلى جهة جبل نقم بعد أن أخذه شبه الوله لفقد أخيه، فلاحقه الجند المصري و حصروه بالجبل فبات به ثم انحدر منه صبح‏

____________

(1) الخلقة بالفتح بلدة بيافع سرو حمير تعرف اليوم بخلاف و هو حصن و قرية قرة العيون:

468.

(2) ساقط من الأصل و أثبتناه من القلائد ليتضح المعنى.

127

يوم الجمعة ثاني يوم قتل أخيه متوجها إلى حصن ذمرمر ليتحصّن به فأدركه الجند المصريون في الطريق يمشي و قد زحف و عجز عن المسير فلم يعرفوه فقتلوه، ثم تحققوا أنه السّلطان فأخذوا رأسه و رأس أخيه فتقدموا بالرّاسين و بإبنه أبي بكر و ابن أخيه الشيخ عامر بن عبد الملك أسيرين و أرسلوا بالراسين إلى صنعاء صحبة الشهاب الجبرتي ليخبر الأمير البعداني أمير صنعاء بذلك، فلما تحقق الأمير ذلك بكى و سأل الذّمة ليسلم عليهم‏ (1) البلد فأعطوه الذمة، و دخلوا البلد و استقروا بها، و مالوا على أهلها فقتلوا منهم جمعا كثيرا ينيفون على الخمسمائة أكثرهم من آل عمار الذين قتلوا برسباي، و أقاموا بصنعاء نحو شهرين و أخذوا منها أموالا جزيلة من النّهب و مصادرة التجار و غير ذلك، و استصفوا أموال الأمير علي بن محمد البعداني، و كانت أموالا عظيمة، و لما عزموا على التّوجه من صنعاء خنقوا الأمير علي بن محمد البعداني، و تركوا جماعة منهم بها و ساروا إلى زبيد على طريق يخار (2) و لقيتهم جملة جموع من بني حبيش و من والاهم إلى الطريق، و كانت بينهم وقعة هناك عظيمة ظفر فيها بنو حبيش عليهم فنهبوا الأموال، و قتلوا الأبطال و استنقذوا الشيخ عامر بن عبد الملك منهم، و أخذوا عليهم جميع ما أخذوه من المقرانة و صنعاء، و كان وقر ثمانية آلاف جمل من الذخائر و الجواهر و الذهب و الفضه و المصاغ و النفائس و القماش و العدد و غير ذلك و انهزموا في كل جهة، و تفرقوا شذرمذر، و دخل الأمير اسكندر و الشريف عز الدين إلى زبيد ليلة التّاسع و العشرين من جمادى الأخرى مهزومين مكسورين و معهم ولد الشيخ عامر أبو بكر أسيرا [و أسروا ابن عمه الشيخ عامر بن عبد الملك بن عبد الوهاب بعد قتل أبوهما كما

____________

(1) القلائد: إليهم و هو الصواب.

(2) الأصل: نجار و أصلحناه من القلائد و في الفضل المزيد ط صالحية نقيل التجار خطا و ما أثبتناه من ط شلحد و قرة العيون: 470 قال: يخار بضم الياء من تحت و خاء معجمة و راء جبل عال من يحصب العلو ثم من سبا و في أعلا يخار حصن و إليه ينسب نقيل يخار.

128

تقدم تحت صنعاء] (1) رحمهما اللّه تعالى و تغمّدهما برضوانه، و كان مولد الشيخ عامر بن عبد الوهاب سنة ست و ستين و ثمانمئة 866، و مدة عمر سبعين سنة و مدة ولايته تسع و عشرين تقريبا لأن أول دولته عقب أبيه عبد الوهاب سنة أربع و تسعين و ثمانمائة في جمادى الأولى، انتهى من تاريخ العلامة الإمام عبد الرحمن الديبع (رحمه اللّه) ملخصا، و للعلامة الوجيه عبد الرحمن الديبع‏ (2):

أخلاي ضاع الدين من بعد عامر* * * و بعد أخيه أعدل النّاس في الناس‏

فمذ فقدوا (3) و اللّه و اللّه إنني‏* * * من الأمن و السلوان في غاية اليأس‏

و له فيه أيضا (4):

تحطم [من‏] (5) ركن الصلاح مشيده‏* * * و قوّض من بنيانه كل عامر

فما من صلاح فيه بعد صلاحه‏* * * و لا عامر و اللّه من بعد عامر

و كان‏ (6) الشيخ عامر (رحمه اللّه) على جانب عظيم من الدين و التّقوى نشأ في طاعة اللّه لا تعلم له صبوة، و كان ملازما للطّهارة و التّلاوة و الأذكار لا يفتر آناء الليل و أطراف النهار، كثير الصّدقات و فعل المبرات.

و من مآثره المخلدة لذكره على الدوام، الموجبة لحلول دار السّلام عمارة الجامع الأعظم بمدينة زبيد لم يسبق إلى مثلها، انفق في ذلك جملة مستكثرة من أمواله و خالص حلاله، و عمارة مدرسة الشيخ الكبير إسمعيل بن إبراهيم الجبرتي بها، و عمارة مشهد الفقيه أبي بكر الحداد

____________

(1) ساقط من الأصل و أضفناه من القلائد.

(2) أنظرهما في قلائد النحر لوحة: 197 و الفضل المزيد ط شلحد: 370 و قرة العيون:

470 و النور السافر: 111.

(3) الأصل: و من بعدهم و أصلحناه من المصادر السابقة.

(4) البيتان في النور السافر: 111 و الفضل المزيد: 371 ط شلحد.

(5) ساقط من الأصل.

(6) النور السافر: 110 و الفضل المزيد: 372 و قرة العيون: 470.

129

خارج باب القرتب بظاهر مدينة زبيد، و مدرستان بمدينة تعز، و أجرى العين بها و الجامع الكبير، بالمقرانة و مسجد القبه بها، و مدرسة عظيمة برداع العرش، و مسجد بداخل عدن، و أجرى المياه بظاهر باب البر منها، و صهريح عظيم لم يسبق إلى مثله، و آخر بقرية عسيق‏ (1) و له مساجد و صهاريج في أماكن محتاجة إلى ذلك كثيرا و آبار في الأماكن المحتاجة إليها و المواضع المنقطعة، و له من أعمال البر ما لا يحصى كثرة، ضاعف اللّه له الثواب و أحسن له المرجع و المآب.

و فيها (2): في يوم الأحد سادس عشر المحرم، توفي الشيخ الكبير العارف باللّه تعالى عبد الرحمن بن الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي 187

بتريم و دفن بها (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به، و كان مولده سنة خمسين و ثمانمائة، و كان من الأولياء العارفين و المشايخ الصالحين زاهدا عابدا ورعا و حكي عن مجاهداته أنه كان و هو صغير يخرج هو و ابن عمه الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس نفع اللّه بهما إلى شعب من أشعاب تريم يقال له «النّعير» بعد مضي نصف الليل للتهجّد فينفرد كل واحد منهما بقراءة عشرة أجزاء في الصلاة، ثم يرجعان إلى منازلهما قبل الفجر، و قرأ الأحياء على والده أربعين مّره، و بلغني أنه يغتسل لكل فرض، و من مشايخه أبوه الشيخ علي، و الفقيه الدوسري، و كان يحفظ الحاوي في الفقه للقزويني و الوردية في النحو، و اجتمع بالشيخ العلامه الصالح يحي العامري و له منه إجازة و حكى لما اجتمع به و كان معه ابن عمه الشيخ أبو بكر فالتمسا منه أن يريهما موضع الأصابع النبوية من ظهره، فكشف لهما عنها، فرأوها بالعيان و قرأ «منهاج العابدين» و الأربعين الأصل، «و نشر المحاسن» «و الروض» و «الإرشاد» لليافعي، و كتاب «عوارف المعارف» للسهروردي، و قرأ من كتب الشيخ محي الدين ابن عربي جملة منها «الفتوحات المكية» و «قوت‏

____________

(1) الأصل عسيب و أصلحناه من أصول الكتاب.

(2) النور السافر: 105 و الغرر لخرد: 433 و المشرع الروي 2: 134.

130

القلوب» لأبي طالب المكي و رسالة القشيري و قرأ الأذكار و التبيان و كتاب «موجبات الرحمة» للردّاد «و التفسير» للواحدي «و الشفا» للقاضي عياض و البخاري، و كذا سمعه على الفقيه محمد بن أحمد بافضل و غيره من الكتب، و قرأ عليه في سائر العلوم، و على الفقيه عبد اللّه بن عبد الرحمن بلحاج بافضل، و قرأ على عمه الشيخ عبد اللّه، و على الفقيه محمد بن علي صاحب عبديد و هو صغير، و قرأ الانفرادة (1) لنافع و أبي عمرو، و كانت قراءته لحفص، و حجّ بيت اللّه و زار قبر نبيه (صلى اللّه عليه و سلّم) و انتفع به النّاس في حياته و قرأ عليه الفقيه الصّالح عبد اللّه بن محمد بن سهل بن عبد اللّه بن الإمام الفقيه الشيخ محمد بن حكم باقشير، و الفقيه عمر بن محمد باشيبان باعلوي كتبا جليلة، و قرأ عليه ولده الشيخ شهاب الدين كتبا كثيرة، و تأدّب بأدبه و تربّى بسره نفعني اللّه بهما و رضي عنهما، و أما كراماته (رحمه اللّه تعالى) فكثيرة مشهورة.

و فيها (2) في ليلة الجمعة سابع المحرم: توفي العلامة الحافظ أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن حسين بن علي القسطلاني 188

المصري الشّافعي بالقاهرة، و صلي عليه بعد صلاة الجمعة بالجامع الأزهر و دفن بالمدرسة العينية جوار منزله، ذكره السخاوي في ضوئه‏ (3) و إن مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إحدى و خمسين و ثمانمائة بمصر، و نشأ بها و حفظ القرآن و تلا للسّبع، و حفظ الشاطبية و الجزرية و الوردية و غير ذلك، و ذكر له عدة مشايخ منهم الشيخ خالد الأزهري النحوي، و حج غير مرة و جاور سنة أربع و ثمانين و سنة أربع و تسعين، و كان يعظ بالجامع العمري و غيره و يجتمع عنده الجم الغفير، و أنه لم يكن له نظير في الوعظ، و ذكر من تصانيفه العقود السنية في شرح المقدمة

____________

(1) كذا.

(2) النور السافر: 106. و انظر ترجمته في الضوء اللامع 2: 103 و الكواكب السائرة 1:

126 و شذرات الذهب 8: 121 و الاعلام 1: 232.

(3) الضوء اللامع 2: 103.

131

الجزرية في علم التجويد، و الكنز في وقف هشام و حمزة على الهمز، و شرحا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره، و شرحا على البردة سّماه الأنوار المضية، و كتاب نفائس الأنفاس في الصحبه و الإلتماس‏ (1)، و الروض الزّاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، و تحفة السامع و القاري بختم صحيح البخاري، و رسائل في العمل بالربع المجيب انتهى ما ذكره السخاوي ملخصا.

قلت‏ (2): و ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطي السعد في قلمه و كلمه، و صنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته، و من أجلها شرحه على البخاري مزجا في عشرة أسفار كبار لعلّه أحسن شروحه و أجمعها و ألخصها (3) و منها «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية» و هو كتاب جليل القدر عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير في بابه.

و يحكى أن الحافظ السيوطي (رحمه اللّه) كان يغض منه و يزعم أنه يأخذ من كتبه و يستمد منها و لا ينسب النّقل إليها، و أنه أدعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا، فألزمه بيان ما ادّعاه فعدّد عليه مواضع، قال أنه نقل منها عن البيهقي، و قال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي، و لكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمّته، و كان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عن البيهقي، و حكى الشيخ جار اللّه بن فهد (رحمه اللّه): أن الشيخ القسطلاني قصد إزالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى إليه من القاهرة إلى الروضة، و كان الجلال السيوطي معتزلا عن الناس بالرّوضة، فوصل إلى باب السيوطي، فقال له: من أنت، فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي، فقال قد طاب خاطري و لم يفتح له‏

____________

(1) كذا في الأصل و في الضوء اللامع و النور السافر «الالباس».

(2) النور السافر: 106.

(3) الأصل: و أخصها.

132

الباب، و لم يقابله، و بالجملة فإنه كان إماما حافظا متقنا جليل القدر حسن التقرير و التحرير (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (1) في شهر المحرم: توفي فقيه مدينة تعز و مفتيها و مدرسها الفقيه العالم العلامة عفيف الدين عبد الباري بن سليمان الطويل (رحمه اللّه تعالى) 189.

و فيها (2) في عصر الجمعة التاسع و العشرين من الشهر المذكور توفي العلامة الإمام الشيخ الكبير مفتي زبيد و عالمها كمال الدين بركة الإسلام و المسلمين موسى بن زين العابدين الرداد (رحمه اللّه تعالى) 190 (3)

. و فيها (4) في ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الأخر: توفي الفقيه النبيه العلامه الشيخ الكبير الصّالح شجاع الدنيا و الدين عمر بن محمد بن أبي بكر جعمان ببيت الفقيه بن عجيل (رحمه اللّه تعالى) 191.

و فيها (5) في يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة: توفي الشيخ الإمام العلامه شهاب الدنيا و الدين أحمد بن أحمد بن عبد اللّه بن زهير الرّملي ثم الدمشقي الشافعي المقري 192

الشاعر، إمام مقصورة جامع بني أمية بدمشق و دفن بباب الصّغير، و كان مولده في ربيع الأول سنة أربع و خمسين و ثمانمائة بالرملة (6) و نشأ بها ثم تحوّل إلى دمشق، و حفظ المنهاج و ألفية النحو و الحديث و الشاطبيتين و الدّرة في القرآت الثلاث، و عرض على جماعة، و ممن أخذ عنه أبو زرعة المقدسي و ابن عمران و خطاب و عمر

____________

(1) النور السافر: 107. و انظر الفضل المزيد: 372.

(2) النور السافر: 107. و الفضل المزيد: 372 و شذرات الذهب 8: 127.

(3) كذا أتت هذه الترجمة ناقصة مبتورة و هي مستوفاة في النور السافر في نحو صفحة و نصف فلعله سقط من أصل الكتاب و اللّه أعلم.

(4) النور السافر: 109. و الفضل المزيد: 372.

(5) النور السافر: 109. و شذرات الذهب 8: 123 و منه أحمد بن محمد و الكواكب السائرة 1: 131.

(6) الأصل: الرمل.

133

الطيبي و الزّين الهيتمي، و جعفر بالقاهرة و دمشق، و تميز فيها، و ولي مشيخة الاقراء بجامع بني أمية و بدار الحديث الأشرفية بعد الخطاب، [و بالجملة] (1) ففضائله كثيرة (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (2) وصل الإفرنج لعنهم اللّه من الهند إلى بندر عدن في ثلاثين خشبة ما بين غربان و برش، مظهرين‏ (3) السعدة لأهل عدن على المصريين 193

و لم يغيروا شيئا في البندر، و نزل منهم جماعة إلى السّاحل، ثم واجههم الأمير مرجان بالساحل، و قدم لهم الضيافة العظيمة إلى مراكبهم، و طلبوا ربانين‏ (4) يسيروا (5) بهم إلى جّدة، فدفع إليهم الأمير مرجان جملة ربابين من أهل الشام بالكره من الربابين، و كل ذلك كفاية لشر الإفرنج، ثم ساروا إلى جدة فأرسوا ببندرها، و بها الأمير سلمان في جمع من الترك و غيرهم قد علموا بمسيرهم‏ (6) إلى جدة فاستعدوا لقتالهم و لم ينزل أحد من الإفرنج إلى ساحل جدّة بل قصدهم الأمير سلمان في غراب أو غرابين، فلما قرب منهم رماهم بالمدافع، فاتلف عليهم في مراكبهم مركبين أو ثلاثة، ثم إن المدافعي‏ (7) طرح في الباروت شيئا حتى تغير المدفع و أحرقت النار بعض الغراب الذي فيه سلمان و يقال إن المدافعي كان نصرانيا يخدم مع سلمان فقتل سلمان المدافعي [في الحال‏] (8) و رجع إلى جدة سالما، و ترفع الإفرنج عن بندر جده راجعين إلى جهة اليمن، فتبعهم سلمان أو بعض أصحابه في غراب إلى قرب اللحيّة، ثم استنقذوا من الإفرنج غراب فيه‏

____________

(1) ساقط من الأصل و أوردناه من النور السافر ليستقيم السياق.

(2) قلائد النحر لوحة: 197.

(3) الأصل فظهر ابن. و أصلحناه من القلائد.

(4) مثنى ربّان و هو الذي يرشد السفينة في البحر على المعالم البرية أنظر «الشهداء السبعة: 124».

(5) كذا في الأصل و في القلائد «يسير».

(6) الأصل: مسيره.

(7) الأصل: المدافع.

(8) ساقط من الأصل.

134

جماعة من الإفرنج قدموا بهم إلى جدة، ثم عزموا بهم إلى السلطان صاحب الروم، و بعض‏ (1) الإفرنج إلى بندر عدن، و أعطاهم الأمير مرجان ما يحتاجون إليه من الماء و غيره و استفك‏ (2) منهم بعض الأسارى ثم رجعوا إلى هرموز (3) خائبين، خذلهم اللّه تعالى.

____________

(1) القلائد: و استمر.

(2) القلائد: و استنقذ.

(3) هرموز أو هرمز: جزيرة على بحر فارس في الخليج تربط الخليج ببحر عمان (المنجد: 728).

135

سنة أربع و عشرين و تسعمائة 194

[قتل الشيخ عامر بن عبد الوهاب‏] 195

قد ذكرنا تاريخ‏ (1) قتل الشيخ عامر بن عبد الوهاب في السّنة التي قبلها، و كان ولده أحمد إذ ذاك بالمقرانة نافذ الأمر و النهي فيها، و كان الأمير مرجان يمضي أوامره و نواهيه بعدن و أعمالها، و تضاف الخطبة مع ذلك لعامر بن عبد الملك بن عبد الوهاب، إلى أول جمعة من هذه السنة، أمر الأمير مرجان خطيب عدن أن يخطب للشيخ أحمد بن عامر وحده، فخطب له جمعة أو جمعتين، ثم وصل العلم بوفاته و تولية الشيخ عامر بن عبد الملك باتفاق أهل الحل و العقد بالمقرانة كالنّقيب عبد النبي و الفقيه علي النظاري و غيرهم، فخطب له الأمير مرجان بعدن و أمضى خطوطه و أوامره و أقبلت عليه الجند و الناس و قبائل العرب و أهل اليمن، و خطب له بإب و جبلة و اللّه أعلم.

و فيها (2) توفي السلطان سليم شاه سلطان الروم و تولى بعده ولده السلطان سليمان 196،

و في أيامه زال ملك الجرامكة (3).

و فيها (4) توفي الإمام العالم قاضي عدن عفيف الدين عبد اللّه 197

بن عبد

____________

(1) قلائد النحر: 198.

(2) النور السافر: 111.

(3) كذا في الأصل و في النور السافر: الجراكسة و هو الصّواب.

(4) قلائد النحر لوحة: 198. النفحات المسكية 2: 114.

136

الدائم‏ (1) القماط، و دفن بتربة الشيخ جوهر (رحمه اللّه).

و فيها (2) أو في التي قبلها: توفي قاضي لحج العلامة عبد اللّه بن محمد الصائغ 198

بالوهط (3).

و فيها يوم الأحد ثامن عشر المحرم: توفي الشيخ الإمام الفاضل الكامل نور الدنيا و الدين علي بن عبد اللّه بن عقيل بن أحمد أبي عباد (رحمه اللّه تعالى) 199.

و فيها لخمس و عشرين من رمضان: توفي الشيخ الكبير الشهير شهاب الدنيا و الدين أحمد بن محمد العمودي 200

بقيدون (رحمه اللّه تعالى)(4).

و فيها (5) توفي السيد الشريف الفقيه الصالح الولي الصالح جمال الدنيا و الدين، السيد محمد بن علوي بن محمد بن علي الملقب مولى عيديد باعلوي 201

كان (رحمه اللّه تعالى) من أهل العلوم و الفهوم مشاركا في المنطوق منها و المفهوم، تفقّه بالفقيه الصالح أحمد بن يحيى بن أحمد بارشيد بعدن، و قرأ الاحياء للغزالي مرارا و كثيرا من كتب القوم و حققها على المشايخ الأكابر من السادة، و أتى فيها بالعجب العجاب، و كان ورعا زاهدا تاليا (6) لكتاب اللّه العزيز تاركا للفضول (رحمه اللّه)، نقلت ترجمته هذه من غرر البهاء.

____________

(1) كذا في الأصل و في القلائد عبد اللّه بن عبد العليم و هو الصواب.

(2) القلائد، لوحة: 198. النفحات المسكية 2: 114.

(3) كذا بالأصل و في القلائد «بالسائله».

(4) هنا وضعت أوراق في المخطوطه (س) في غير موضعها.

(5) غرر البهاء الضوى: 140. و المشرع الروي 1: 102. النفحات المسكية 2: 114.

(6) الأصل: تلا.

137

سنة خمس و عشرين و تسعمائه 202

فيها (1) و في التي قبلها: جهز الشيخ عامر بن عبد الملك بن عبد الوهاب جيشا كثيفا و مقدّمهم الشيخ عبد الملك بن محمد بن عبد اللّه بن داؤد إلى رداع لمحاربة الشيخ أحمد بن محمد بن عامر بن طاهر 203

فالتقى الجمعان و انهزم عسكر أحمد بن محمد و نجا هو بنفسه و تحصّن بحصن رداع و نهب العسكر رداع، و قطعوا أثمارها من العنب و غيرها و رجعوا إلى المقرانة، ثم إن الشيخ أحمد بن محمد أصطلح هو و الشيخ عامر و دخل في طاعته و وصل إليه إلى المقرانة فأكرمه الشيخ عامر.

و فيها (2) آخر شهر رمضان من هذه السّنة: توفي الشيخ عامر بن عبد الملك فجأة 204،

و ذلك أنه صلىّ العشاء و التراويح، و سمر مع خواصه منهم السيد الشريف عبد الرحمن بن الحسين بن عبد اللّه بن أبي بكر العيدروس‏ (3) فأصبح ميتا فأسف عليه الجند كثيرا لكرمه، و اتهم السيد عبد الرحمن المذكور إنه سمّه فوثب عليه شخص من الجند بندقاني‏ (4) يعرف بالحسيني، فقتل الشريف عبد الرّحمن المذكور (رحمه اللّه تعالى)، و اتفق الجند بالمقرانة على تولية الشيخ أحمد بن محمد بن عامر بن طاهر، فبايعه النّقيب‏

____________

(1) قلائد النحر لوحة: 198.

(2) قلائد النحر لوحة: 199.

(3) قلائد النحر «باعلوى» و لم يذكر العيدروس.

(4) نسبة إلى آلة الرمي المعروفة أي رام بالبندقية.

138

عبد النبي و الفقيه النّظاري، و بقية العسكر و الجند و اتفقت الكلمة عليه، و لما بلغ الخبر الأمير مرجان بعدن لم تطب نفسه بمبايعته و لام صهره عبد النبي على إقدامه على ذلك، و لم يمكنه في الظّاهر إلّا موافقة الجماعة، فأمر الخطيب بعدن أن يخطب للشيخ أحمد بن محمد، و نفذ خطوطه و أوامره، و لما بويع الشيخ أحمد بن محمد إرتاب منه الشيخ عبد الملك بن محمد بن عبد الملك، لما قد سلف من نهبه تحت رداع، و كان إذ ذاك بجبن، فنزل منها مستخفيا حتى وصل لحج ليس معه إلّا غلامين أو ثلاثة من أصحابه و استجار بالأمير مرجان من الشيخ أحمد بن محمد فأجاره و حماه، و كتب [إلى‏] (1) الشّيخ أحمد بن محمد بذلك فأمضى جواره.

و فيها (2): في آخر ليلة من صفر توفي الشيخ العارف باللّه تعالى الولي الصالح المكاشف شعيب بن عبد اللّه باشعيب (رحمه اللّه) 205

تعالى و نفع به، وقفت على كتاب مجموع بخّط شيخنا الفقيه العلّامة جمال الدنيا و الدين محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه) و في ديباجته مكتوب:

الحمد للّه هذا المجموع من كلام الشيخ العارف باللّه تعالى شعيب بن عبد اللّه الحضرمي (رحمه اللّه) نقلته بخطه و هو بخط معلّق و ليس بمخرق‏ (3) و قد جمعه لنفسه و لم يبيضه و سّماه كتاب «العلم النافع و الإيضاح البالغ لكل سالك صادق قابل سامع للنصح و إتباع الشرائع» نقلت هذه الترجمة من خطه (رحمه اللّه) آمين، انتهى كلام الفقيه محمد (رحمه اللّه).

قلت: و على ما ذكر إنه نافع عظيم الفائدة، هذا الكتاب قوله في الذكر: و اعلم أن الفخر و الكمال في الجمع بين القلب و اللسان و الظاهر و الباطن في جميع العلوم و الأعمال فإن لم يكن إلّا واحدا فالقلب أفضل من اللسان و النّية محلها القلب، و ذكر اللّسان دون ذكر القلب قليلة

____________

(1) ساقط من الأصل.

(2) النفحات المسكية 2: 114.

(3) كذا.

139

الجدوى، و لكن يؤجر عليه و يثاب، و أفضل العبادات البدنية الصلاة، و القلبية معرفة اللّه، و أفضل العلوم العلم باللّه و ملائكته و رسله و أفضل الأذكار لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له له الملك و له الحمد و هو على كل شي‏ء قدير إنتهى، و فيه أشياء عجيبة غريبة نفع اللّه تعالى بمصنفه، و كان مقيما بالشحر، و انتقل إلى غيل أبي وزير، و دفن بها (رحمه اللّه عليه) ذكر السيد عبد القادر بن شيخ في تاريخه‏ (1) موته في هذه السنة و هي سنة خمس، و المؤرخ باسنجلة ذكر تاريخ موته في سنة ست التي بعدها و اللّه أعلم.

و فيها (2): ليلة السبت ثالث عشر ربيع ثاني توفي الفقيه الصالح العلّامة الحبر الفهامة عفيف الدين عبد اللّه بن أحمد باكثير الحضرمي 206

ثم المكي بمكة المشرفة، فجهز في ليلته و صلي عليه صبح يومها عند باب الكعبة، و دفن بالمعلاة في الشّعب الأقصى (رحمه اللّه تعالى)، و كان من العلماء العاملين و الفضلاء البارعين ولد تقريبا في سنة ست أو سبع و أربعين و ثمانمئة بحضرموت، و نشا بها سبع سنين و نقله والده إلى غيل أبي وزير، فحفظ القرآن في سنة و عمره ثمان سنين، و حفظ المنهاج و البهجة لابن الوردي و خلاصة ابن ظفر، و ألفية ابن مالك و غيرها، ثم سأل والده الاجتماع بشيخ من الصّوفية فأشار عليه بالشّيخ عبد اللّه العيدروس باعلوي نفع اللّه به، فتوجه إلى تريم و أخذ عنه و تربّى على يديه، و كان يقول: لو اجتمع شيوخ الرّسالة في جانب الحرم ما كنت أهتز إلى [ما] (3) عندهم لما ملأني الشريف يعني الشيخ عبد اللّه، و حكى إنه كان سبب انتقاله إلى مكة ما روي أن شيخه الشيخ عبد اللّه العيدروس، قال: من حصل كتاب الأحياء و جعله في أربعين جزء ضمنت له على اللّه بالجنة، فسارع الخلق إلى ذلك، و كان الشيخ عبد اللّه باكثير المذكور ممن حصّله و جعله أربعين جزء

____________

(1) لم أجده في تاريخ النور السافر. فيحقق.

(2) النور السافر: 116. و البنان المشير: 21 «تحقيقنا».

(3) ساقط من الأصل.

140

لكل جزء كيسا و زيّنه في أوله زيادة على ما شرطه الشيخ، فلما أتاه به و رآه، قال: إنك قد زدت فيه فيحتاج لك زيادة على الجنة فتمنّ ما تريد فقال: أريد أن أرى الجنة في هذه الدنيا فأجابه‏ (1) الشيخ إلى ذلك، و قال:

لا يمكنك الجلوس بعدها عندي، فأمره بالعزم إلى مكة و المجاورة بها، فعزم إليها إلى أن توفي بها، و لقي جماعة من العلماء و أجازه بعضهم بالإفتاء و التدريس، فتصدى لذلك و نظم و نثر فمن نظمه كتاب «الدرر اللوامع في نظم جمع الجوامع» و له كتاب يسمى «تتمة التمام وسف‏ (2) المدام في عقائد أهل الإسلام» و هو كثير الفوائد و قرّضه جماعة من فضلاء مكة، و كان من المدرسين بمكة مع الزّهد و الصّلاح و التقشف و التعفف و الإحتمال و السكون و الإنجماع عن أبناء الدنيا و خلف أولادا ذكورا و إناثا نحو العشرة، و من شعره:

من كان يعلم أن كل مشاهد* * * فعل الاله فما له أن يغضبا

بل واجب أن يرتضي ما شاهدت‏* * * عيناه من تلك الفعال و يطربا

و نقلت من خط شيخنا الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه) قال: رأيت في كتاب «إيصال النافع العليم إلى الإيصاء بالنافع العميم» للشيخ أحمد بن عبد النافع بن الشيخ الإمام محمد بن عراق رحمهم اللّه تعالى، و هو كتاب شرح وصية والده المسماة «الوصية المنبه عليها التي يشد الرّحال إليها» فرأيت قد قال في أثنائها: و للّه دّر ما أنشدناه لبعض من أدركناه من مشايخ قرننا العاشر عليه رحمة الرحيم الغافر، و هو الإمام الجليل ذو الفضل الغزير الشيخ عبد اللّه إبن أحمد باكثير الحضرمي المكي:

أتدري قبل كونك أين أنت‏* * * و بعد الكون أين تصير أنت‏

____________

(1) قلت مثل هذه الحكايات يجب أن تؤخذ على محمل السلامة و أن الشيخ العيدروس كان قد رجا من واسع فضل اللّه ما طلبه الشيخ أبو كثير و اللّه أعلم.

(2) النور السافر: سفك.

141

فإن لم تدر لا هذا و لا ذا* * * فأي الجهل مع هذا تركت‏

و له أيضا فيما نحن فيه:

تجرد عن الأكوان و اطرح السوا* * * فلن يصل الإنسان إلّا مجردا

و لا تترك الأسباب و اتبع الهدى‏* * * و كن لأمور الشرع عبدا مقيدا

و وجدت بخّطه أيضا قال: وجدت بخط والدي عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه) قال الفقيه عمر بن عبد اللّه بامخرمة: سألت الفقيه الفاضل عبد اللّه باكثير بمكة المشرفة عن قول إبن عربي فيما يقول إنه ختم به الولاية فيما يزعم، قال الفقيه عمر قال: الفقيه عبد اللّه: نعم» قلت له: ما الدليل قال:

لم يأت أحد بعده أكمل منه رضي اللّه عنه اطلع على ما لم يطلع عليه غيره، و فهم من العلوم أسرارا و لاحت عليه أنوارا، انتهى و اللّه أعلم.

142

سنة ست و عشرين و تسعمائة 207

يوم الجمعة (1) رابع ذي الحجة: توفي الشيخ الإمام العالم العلّامة شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدين الشيخ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي القاهري الأزهري الشافعي 208،

و دفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي (رحمه اللّه تعالى)، و حزن الناس عليه كثيرا لمحاسنه الشريفة الكثيرة، و أوصافه و علومه الشهيرة، و رثاه جماعة من تلامذته بقصائد مطولات و مختصرات، و كان مولده في سنة ست و عشرين و ثمانمائة بسنيكة من الشرقية، و قرأ و اجتهد و دأب و اشتغل بالّطلب عند علماء زمانه حتى فاق في جميع العلوم الظاهرة و الباطنة، و لم ينفك عن الاشتغال على طريقة جميلة من التّواضع، و حسن العشرة و الأدب، و العفة و الانجماع عن بني الدنيا مع التقلل و شرف النفس و مزيد العقل و سعة الباطن، و الاحتمال و المداراة إلى أن أذن له غير واحد من شيوخه في الإفتاء و الإقراء، و ممن كتب له شيخ الإسلام ابن حجر، و نّص كتابته على بعض الإجازات له: و أذنت له أن يقري‏ء القرآن على الوجه الذي تلّقاه، و يقرأ الفقه على النمط الذي نص عليه الإمام و ارتضاه و اللّه المسؤول أن يجعلني و إياه ممن يرجوه و يخشاه إلى أن نلقاه، و كذا أذن له في إقراء شرح النّخبة و غيرها و تصدّى للتدّريس في حياة غير واحد من شيوخه، و انتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة و شرح عدة كتب، و له مصنفات عديدة

____________

(1) النور السافر: 111 في حوادث سنة 925. الضوء اللامع 3: 234.

143

في جميع الفنون خصوصا الفقه و الحديث و النحو و الأصول و غيرها، و كتبه مشهورة عن أن تذكر، فلا نطيل بذكرها و قصد بالفتاوى، و زاحم كثيرا من شيوخه فيها و له تهجّد، و توجه و احتمال و صبر، و ولي المناصب الجليلة كتدريس مقام الإمام الشافعي، و لم يكن بمصر أرفع منصبا من هذا التدريس، إلى أن رقي إلى المنصب الجليل و هو قاضي القضاة بعد امتناع كثير و تعفف زائد، و وقع ذلك في شهر رجب سنة ست و ثمانين و ثمانمائة، ثم استمر قاضيا بعد ولاية السلطان قايتباي (رحمه اللّه)، ثم استمر بعد ذلك إلى أن كف بصره فعزل بالعمى (رحمه اللّه تعالى)، و لم يزل ملازما للتّدريس، و انتفع به خلائق و درّس تلامذته في حياته، و أفتوا و تولوا المناصب الرفيعة ببركته و بركة الإنتساب إليه، و لم يزل كذلك في نشر العلم و كثرة الخير و الإحسان إلى أن توفي (رحمه اللّه)، و قال الشيخ ابن حجر الهيتمي في معجم مشايخه: و قدمت شيخنا زكريا لأنه أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين و الأئمة الوارثين، و أعلى من عنه رويت و دريت من الفقهاء الحكماء المسندين، فهو عمدة العلماء الاعلام، و حجة اللّه على الأنام حامل لواء مذهب الشّافعي على كاهله، و محرر مشكلاته و كاشف عويصاته من بكره و أصائله، ملحق الأحفاد بالأجداد المتفرد في زمنه بعلو الإسناد، كيف و لم يوجد في عصره إلّا من أخذ عنه مشافهة تارة و عن غيره ممن بينه و بينه نحو سبع وسائط تارة أخرى، و هذا لا نظير له في أحد من أهل عصره، فنعم هذا التّمييز الذي هو عند الأئمة أولى و أحرى لأنه حاز به سعة التلامذة و الأتباع، و كثرة الآخذين عنه و دوام الانتفاع، انتهى كلام ابن حجر.

قلت: و يقرب عندي إنه المجّدد على رأس المائة التاسعة لشهرة الإنتفاع به، و تصانيفه، و احتياج غالب النّاس إليها فيما يتعلق بالفقه و تحري المذهب بخلاف غيره، فإن مصنفاته و إن كانت كثيرة فليست بهذه المثابة، على ان كثيرا منها مجرد جمع بل تحرير، حتى كأنه حاطب ليل، و من أحسن ما رثي به قول بعضهم:

144

قضى زكريا نحبه فتفّجرت‏* * * عليه عيون النّيل يوم حمامه‏

لتعلم أن الدهر راح امامه‏* * * و ما الدهر يبقي بعد فقد إمامه‏

سقى اللّه قبرا ضمّه مزن‏ (1) صيب‏* * * عليه مدى الأيام سحّ غمامه‏

و حكى: إن بعض قضاة مصر كان يسمى صالحا و كانت أحكامه غير مرضية، و كان شيخ الإسلام المذكور يكره أفعاله القبيحة و يتأذى منه جّدا حتى هجاه بهذين البيتين و هما:

الاسم غير المسمى‏* * * و الحق أبلج واضح‏

إن كنت تنكر هذا* * * فانظر لسيرة صالح‏

و فيها (2): ضحى يوم الثلاثاء توفي الشهاب الفاضل أحمد بن الحسين بن محمد بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم الشهاب البدر (3) المكي 209،

و يعرف بأبيه بإبن العليف بضم العين تصغير علف بمكة، فجهز في ظهر تاريخه و دفن في المعلاة، مولده في جمادى الأولى سنة إحدى و خمسين و ثمانمائة بمكة، و نشأ بها فحفظ القرآن و الألفية النحوية، و الأربعين النووية و عرضها، و سمع بمكة على التقي ابن فهد و ولده النجم و الزين عبد الرحيم الأسيوطي و أبي الفضل المرجاني، قال السخاوي‏ (4):

و تكسب بالنساخة مع عقل و تودد و حسن عشرة، و ألف لسلطان الروم بابزيد بن عثمان «الدر المنظوم في مناقب سلطان الروم» و مدحه فرتب له خمسين دينارا في كل سنة فتجمل بها، و مدح صاحب مكة السيد بركات بن محمد فاقتصر (5) في مدحه و حظى عنده لبلاغته حتى صار متنبي زمانه، ثم أصيب بكثرة الأسقام في آخر عمره حتى مات (رحمه اللّه تعالى)، و من نظمه‏

____________

(1) الأصل: عون.

(2) النور السافر: 117. و انظر شذرات الذهب 8: 141 و الاعلام 1: 117.

(3) النور السافر: المبذر.

(4) السخاوي: الضوء اللامع 1: 290.

(5) الأصل: فاقتضى.

145

الحسن هذه القصيدة «العظيمة» المشتملة على الفصاحة التامة و الأمثال العجيبة و من أولها:

خذ جانب العليا ودع ما يترك‏* * * فرضى البرية غاية لا تدرك‏

و اجعل سبيل الذل عنك بمعزل‏* * * فالعز أحسن ما به يتمسك‏

و امنح موّدتك الكرام فربّما* * * عز الكريم وفات ما يستدرك‏

و إذا بدا لك من عدوك فرصة* * * فافتك فإن أخا (1) العلا من يفتك‏

ودع الأماني للغبي فإنما* * * عقبى المنى للحر داء مهلك‏

من يقتضي سببا بغير عزيمة* * * ضلت مذاهبه و عز المدرك‏

تعست مداراة العدو فإنها* * * داء تحول به الجسوم و توعك‏

لا يدرك العليا إلّا من له‏* * * في كل حي من عداه منسك‏

ندب عريق لا يرام مرجب‏* * * ضرب جزيل في الأمور محكك‏

و هي طويلة جدا فتركت باقيها للإختصار.

و فيها (2) في صبح يوم الخميس تاسع عشر ذي القعدة: توفي الفاضل الأديب البارع العلّامة حمزة بن عبد اللّه بن محمد بن أبي بكر بن علي بن محمد الناشري (رحمه اللّه تعالى) 210،

و كانت ولادته ثالث عشر شوال من سنة ثلاث و ثلاثين و ثمانمائة، و أخذ الفقه و الحديث عن العلّامة قاضي القضاة الطيب بن أحمد الناشري مصنف الايضاح على الحاوي، و على والده قاضي القضاة عبد اللّه، و العلّامة محمد بن أحمد حميش و غيرهم، و له مصنفات حسنة غريبة منها الأربعون التهليلية «و مسالك التحبير في مسائل التكبير» «و انتهاز الفرص في الصّيد و القنص» (3) و كتاب النبات‏ (4) العظيم‏

____________

(1) الأصل: إخلاء.

(2) النور السافر: 120. و انظر: الضوء اللامع 3: 164 و شذرات الذهب 8: 142 و البدر الطالع 1: 238 و الاعلام 2: 278.

(3) قام محقق هذا الكتاب بتحقيقه و نشره سنة 1408 ه في 348 صفحة.

(4) الأصل: الشات.

146

و «حدائق الرياض»، و كتاب «عجائب الغرائب و غرائب العجائب» و غير ذلك، و من مؤلفاته أيضا مجموعا حسنا مفيدا في بابه في الفقه يسمى مجموع حمزة و ذلك‏ (1) في فتاويات علماء اليمن، و غالبه في فتياء علماء زبيد (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (2): تجهز الشيخ أحمد بن محمد بن عامر بن طاهر لحرب المتغلبين على تعز برأي الأمير مرجان 211،

و أمده من عدن بالعسكر و العدة التامة، و خرج معه النّقيب عبد النبي و معه الهياثم، و مقدمهم مجرب بن حيدرة بن مسعود و آل أيوب، و مقّدمهم أحمد بن بشر (3) و اجتمعوا بالشّيخ أحمد بحياز و ساروا جميعا من عدن إلى تعز، و خرج إليهم الترك الذين بتعز، و التقى الجمعان بموضع قرب تعز، و حصل بينهما معركة عظيمة جاد فيها الشيخ أحمد بن محمد و أحمد بن بشر، و أبانا عن شجاعة و بسالة عظيمة، و كان النقيب عبد النبي ظاهره مع أحمد و باطنه بخلاف ذلك، فلما رأى النصر و الظّفر لزم يده و يد الجماعة عن القتال و استمال كبير (4) الهياثم مجرب حتى وافقه على ترك القتال، فحمل عليهم الترك فانهزم النقيب عبد النبي و مجرب و جماعتهما، فوقعت الهزيمة في بقية العسكر، فلما رأى الشيخ أحمد بن محمد ذلك لف أطرافه، و استمر راجعا من حيث جاء، و كان الأمير مرجان و كافة قبائل اليمن منتظرين أخذ الشيخ أحمد بن محمد لتعز، فإن أخذها انقادوا له الجميع و تبعوه، فلما انهزم تفرقت قبائل اليمن عن الانقياد له و متابعته، و تغير عليه باطن الأمير مرجان، فكان لا يمضي من أوامره إلّا ما شاء منها، فلما رأى الشيخ أحمد من الأمير عدم انفاذ أوامره و خطوطه نزل من الجبل على نية الدّخول إلى عدن ليكشف عن حقيقة الأمر أن يكن سلطانا

____________

(1) الأصل: و كذلك.

(2) قلائد النحر: 199.

(3) القلائد: شر نسر.

(4) الأصل: كثير.

147

حقيقة (1) أدخلوه، و إن يكن غير ذلك عرفه، فوصل إلى صهيب و صحبته أحمد بن بشر الأيوبي في جمع من آل أيوب و غيرهم، فلما عليم الأمير بذلك تعب أشدّ التعب، و لما وصل الشيخ أحمد إلى صهيب أرسل الشيخ عبد القادر بن محمد العمودي إلى الأمير ليستعطف خاطر الأمير، و يعلمه إن أهل الجبل لم ينقادوا له، و قالوا له: لا نعرف إنك سلطانا حتى تدخل عدن، و إنما غرضه [الا أن يدخل عدن و يقيم فيها أياما ثم يخرج‏] (2) إلى الجبال على رأي الأمير ليتحققوا أهل الجبال إن الأمير منه ظاهرا و باطنا، فوصل الشيخ العمودي إلى عدن بالرسالة صبح الجمعة فحجبه الأمير، فلم يمكنه الاجتماع بالأمير قبل صلاة الجمعة، فلما خرج الأمير إلى الجامع أمر الخطيب أن يخطب للشيخ عبد الملك بن محمد بن عبد الملك ابن داؤد، فخطب له و اجتمع الشيخ عبد القادر العمودي بالأمير بعد الصلاة فبلّغه الرّسالة و أطلع‏ (3) عليه أوراق الشيخ [أحمد بن محمد] فقال الأمير:

الجواب ما قد سمعته من الخطيب، و أخرجه من البلد في الحال، و أرسل إلى أحمد بن بشر شيخ آل أيوب بمال جزيل، و أوعده بوعد جميل أن يتخلى من الشيخ أحمد، و كذلك أرسل لأمراء الدويدارية (4) و العبيد الذين مع الشيخ أحمد بمال على أن يتخلوا عنه، فاتفق أن الشيخ أحمد خرج من محطته لبعض أغراضه، فأظهر العساكر المقاومة و المقاتلة بينهم البين، فرجع الشيخ ليصلح أمرهم، فلم يصل إلى محطته إلّا و قد نهب آل أيوب مخيمه، و أخذوا جميع ما فيه و انقلب بقية العسكر و راموا (5) فيه الشر،

____________

(1) الأصل: حينئذ. و أصلحناه من القلائد.

(2) ساقط من الأصل.

(3) الأصل: و أطلق.

(4) الدويدار: الكاتب بالفارسية (المنجد) و في مصطلحات القلقشندي: 139 «الداودارية.

وظيفة يحمل صاحبها دواة السلطان أو الأمير أو غيرهما و يتولى أمرها مع ما يلحق ذلك من المهمات نحو تبليغ الرسائل عن السلطان أو الأمير أو إبلاغ عامة الأمور».

(5) الأصل: و ربما.

148

فسلمه اللّه منهم فاستمر راجعا إلى حياز بعد أن تحقق عزل الأمير له من غير سبب، و لا موجب ذلك سوى مجرد الهوى لا جرم إنه لاقى غبّ ما صنع فسلبه اللّه عّزه سريعا، فسبحان من لا يزول ملكه و لا ينفد سلطانه.

و فيها (1): خرج الأمير مرجان من عدن إلى التلاج‏ (2) و صحبته الشريف عبد اللّه بن شيخ بن عبد اللّه بن أبي بكر العيدروس، و هلال عتيق الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس 212

و القائم بتربته، و قدم الشيخ عبد الملك من لحج إلى التلاج فاجتمع به الأمير و من معه فبايعه الأمير، و حلف له، و امره بالتّقدم إلى الجبل و مقاتلة ابن عمه الشيخ أحمد بن محمد فإذا صفي الجبل نزل إلى لحج، و دخل عدن، ثم رجع الأمير و جماعته إلى عدن، و رجع الشيخ عبد الملك و من معه إلى لحج، و كان ذلك في صفر من السنة المذكورة.

و فيها (3): عزم الشيخ عبد الملك بن محمد إلى الجبل و جهّز معه الأمير ابن بنته عبد اللّه بن عبد النبي 213

و معه جلّ العسكر و معه المال و مصروف العسكر، و كان يتصّرف في ذلك على ما يشاء من غير مراجعة الشيخ عبد الملك، فكان يرحل الناس برحيله، و ينزلون بنزوله، و الشيخ عبد الملك معه تبع، فأقاموا بالجبل أوائل السنة الآتية.

و فيها (4) مات النقيب عبد النبي بعدن 214.

و فيها (5): وصل حسين بيك في خمسة أو ستة أغربة، و نزل إلى زبيد 215،

فعلم بوصول الأفرنج إلى العارة (6) فرجع بعسكره إلى غربانه.

____________

(1) قلائد النحر لوحة: 200.

(2) الأصل: البلاح.

(3) قلائد النحر لوحة: 200.

(4) قلائد النحر لوحة: 199.

(5) قلائد النحر: 199.

(6) الأصل: الغارة قلت: العارة بلدة عامرة بالسكان على ساحل البحر بين عدن و موزع جنوبي المخا (معجم: 418).

149

و فيها (1): وصل الأفرنج في نيف و عشرين خشبة ما بين غراب و غليون‏ (2) و برشة 216،

و فيها برشة كبيرة جدا فيها غالب زادهم و مدافعهم، و كان غرضهم الوصول إلى عدن [فغلط معلمهم و وقع‏] (3) مندخهم‏ (4) على العارة و الريح أزيب، فلم يمكنهم الرجوع إلى عدن فغرقت عليهم البرشة الكبيرة، فحملوا ما خفّ منها إلى الخشب، و تركوها و توجّهوا بزعمهم إلى جدة فلما كانوا بالقرب منها، علموا ان بجدة عسكرا كثيرا من الترك و الأروام و المغاربة و غيرهم، فداخلهم الفشل و الخذلان فدبّروا (5) إلى دهلك، و صاروا بها إلى أن رّد الشمال ثم رجعوا من حيث جاؤا فوصلوا إلى بندر عدن مظهرين المسالمة، فأمدهم الأمير مرجان بالمال و الزاد و استفك من أيديهم بعض الأساري، ثم عزموا إلى هرموز.

و فيها (6): بعد صلاة المغرب ليلة السبت عاشر ربيع الثاني، قبض السلطان بدر بن عبد اللّه على الأمير مطران بن منصور، و حبس و صودر بجملة مال، و أخرج بعد أيام و ولي الإمارة (7) بعده الأمير عطيف بن علي بن دحدح 217.

و فيها (8): بشهر رجب طلع السلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر بالترك إلى حضرموت 218

____________

(1) قلائد النحر: 199.

(2) الغليون: نوع من المراكب عالي الأطراف (السفن الإسلامية: 113).

(3) ساقط من الأصل و أضفناه من قلائد النحر.

(4) ندخه يندخه صدمه و منه قول راكب البحر أندخنا المركب الساحل أي صدمناه به (قاموس). و عند أهل حضرموت:

المنتخ: إشارة على البر كجبل أو نحوه تنزل عليها السفن عند دخولها ميناء معين أنظر «الشهداء السبعة: 124».

(5) دبروا: أي عادوا بسفنهم إلى بلدهم وقت الخريف أي الرياح الموسمية. أنظر الشهداء السبعة: 124.

(6) العدة المفيدة 1: 164. و النفحات المسكية 2: 114.

(7) النفحات: الوزارة.

(8) العدة: 164. و تاريخ الدولة الكثيرية: 27. و النفحات المسكية 2: 114.

150

، و مقدمهم رجب التركي و أخذ شبام و ما يليها من آل أحمد (1) و الأحروم، و ما يليها من آل عبد اللّه، و قبض بني عمه آل محمد أهل شبام ليلة السبت حادي و عشرين شعبان، و قصد تريم في شهر الحجة من السنة المذكورة فتحصّنوا أهلها نحو عشرين يوما، ثم استسلموا و بذلوا الطاعة و سلموا البلاد و أجلاهم منها آل يماني و آل عمر إلى اليمن، و بقي العبيد بها، و كانت أول دولة آل جعفر بتريم هذه السّنة سابع عشر ذي الحجة و قيل سنة سبع و عشرين أخذ السلطان بدر تريم و ما يليها، و كان صاحب تريم محمد بن أحمد بن جردان‏ (2) الصوقحي الرويدي و فارس و عيسى السخاني‏ (3) و جماعة أحرقوا عليهم، في حوش‏ (4) و جماعة سلموا.

____________

(1) النفحات: محمد.

(2) العدة: الصولحي. و في النفحات محمد بن أحمد بن سلطان.

(3) العدة: الشيخاني. و تقرأ هذه اللفظة في (م) «السخافي».

(4) الحوش: يطلق على ما حول الدار و الحظيرة (محيط).

151

سنة سبع و عشرين و تسعمائة 219

فيها (1): نزل الشيخ عبد الملك بن محمد، و النقيب عبد اللّه بن عبد النبي من الجبل إلى حياز 220

فاستقر عبد اللّه ابن عبد النبي بحياز حتى نزل إلى لحج مبادرة على أن يقيم الشيخ و الجند بحياز لسلاك طريقها فحسب ان نزل عبد النبي‏ (2) نزل بنزوله [جميع الجند و العسكر و بقي الشيخ عبد اللّه وحده ليس معه إلّا خاصته و جماعته، فتبعهم في النزول إلى لحج، و علم الأمير بنزول عبد النبي و لم يعلم بنزول‏] (3) الشيخ عبد الملك إلّا و قد هو في طرف الوادي و الأمير إذ ذاك بلحج فخرج للقائه و لام عبد اللّه على ما فعل فمكث الأمير أياما بلحج و دخل أوائل ربيع الأول منها، و طلب‏ (4) الشيخ عبد الملك الدخول معه إلى عدن فاعتذر إليه، و كان قد وعده الدخول إلى عدن و يخرج منها ليتحققوا أهل الجبال إنه سلطانها (5) فأكثر الشيخ من الكتب إلى الأمير و إلى الفقيه عبد اللّه بن محمد بن أحمد بافضل‏

____________

(1) قلائد النحر لوحة: 200.

(2) الأصل: عبد اللّه و أوردناه من القلائد.

(3) ساقط من الأصل و أضفناه من القلائد.

(4) القلائد: و لازمه.

(5) قلت: هنا اختصار و حذف عما ورد في القلائد.

152

في إنجاز الوعد بالدخول إلى عدن، و الأمير يعتذر حتى تلطف في ذلك و تقرب عند الأمير إنه ما عسى أن يكون عمله إن أدخله فالحصون بيد الأمير و العسكر على رأسه و المال تحت يده، فرأى أن يدخله ليقيمه في عدن أياما ثم يجهزه إلى الجبل، فأذن له في الدخول فدخلها أواخر ربيع الأول فخرج الأمير إلى ملاقاته فنزلا جميعا إلى دار السعادة، و قد هيأ بها ضيافة عظيمة حضر فيها أعيان البلد و الجند، و أسكنه في بيت من بيوت دار السعادة السفلى البحرية، فكان لا يدخل على الشيخ عبد الملك من الناس أحد لا يعلم الأمير، فضاق حال الشيخ عبد الملك من ذلك و لم يزل يتلطّف بالإمير حتى أذن له بالانتقال إلى بيت الزيبق، و هو بيت معروف بعدن، و هو مظهر الإنقياد لأمر الأمير و اتباع رأيه، و إنه متى أمره بالخروج من البلد خرج و ما يريد من الأمير إلّا أن يجهزه بما لا بد منه من مؤن سفره و يحضر كل يوم عند الأمير على الغدا و العشا، و في الباطن إذا اختلى بالعسكر و كبرائهم يستميلهم في القيام معه و نصرته و يعدهم و يمنيهم، فكل منهم يقول لا يمكن إظهار القيام معك إلّا إذا كان معك يافع، لأنهم كانوا أكثر أهل البلد عدة و عددا، فلم يزل يستميل و يحتال‏ (1) بكبار يافع و يعدهم و يمنيهم حتى مالوا معه و حلف لهم و حلفوا له، و ربما كان الواسطة بينهم و بينه الشريف علي بن سعيد (2) الحسيني فإنه شمر في القيام معه تشميرا كاد أن يكون فيه هلاكه و لكن حماه اللّه، فلما توثق من يافع و عبيد اللوا و الجبالية بما طابت به نفسه ما خلا العبيد، و ربما استحسن الأمير بشي‏ء من ذلك، فلازمه بالخروج من عدن فاعتذر بعدم المال و الجند و لا يمكنه الطلوع إلى الجبل إلّا بجند كثيف و مال جزيل و مراده بذلك الاستعانة على محاربته، فلم يمكنه الأمير شي‏ء مما ذكر، و همّ عبد اللّه بن عبد النبي و غيره من أصحاب الأمير بلزم الشيخ عبد الملك أو بقتله في الجامع فأدخلوا الحسيني الكردي المقصورة ليفتك بالشيخ لزما أو قتلا، و يقال إن‏

____________

(1) كذا و في القلائد و يحيل و لعله و يختلى.

(2) الأصل: معبد.

153

ذلك كان من غير علم الأمير، فجاء من أحذر الشيخ و لم يصل الجمعة، و أما الأمير فمذ دخل الشيخ عدن لم يصل الجمعة البته، و الظاهر أنه كان به مرض يكتمه عن الناس، و في يوم الاثنين أظهر الشيخ عبد الملك المنابذة و المخالفة للأمير، و أطبقت معه يافع البلد بأسرها تجارها و غيرهم، و أسعده بعض تجارها بالمال على سبيل القرض و قام معه عبيد اللوا، و غالب أهل الجبل، و رتب العسكر، و همّ بالهجوم على دار صلاح و الاستيلاء على ما فيها، فأرسل طائفة من عسكره فوجدوا الأمير قد أشحنها بالرّجال في مجالسها و طيارمها (1) يرمون بالحجارة و المدافع فمنعوها بذلك، و قتل واحد من أصحاب الشيخ، و في ذلك اليوم قتل الحسيني البندقاني قتله أصحاب الشيخ، فبعث الأمير في ذلك و قصد جماعة من يافع دار الناصري و بها عبد اللّه بن عبد النبي، و قد أستعّد بها العسكر، فكانوا يرمون من قصدها بالحجر و البندق، فقتلوا جماعة من يافع نحو خمسة أو ستة و اللّه أعلم‏ (2).

و فيها (3): توفي الأمير مرجان الطاهري‏ (4) و تولى الشيخ عبد الملك، ابن محمد بن عبد الملك بن داؤد 221.

و فيها: بشهر صفر وقعة المحرقة (5) بين السلطان بدر، و بين آل عامر 222

و من معهم من المسفلة و آل عامر، و قتل من أهل المسفلة ولد أحمد بن‏

____________

(1) طيارمها: جمع طيرمانه و هي العلو المرتفع من المنزل كالسطحة و اللفظة من الفارسي.

(2) من هنا انتهى تاريخ قلائد النحر لبامخرمة الذي ينقل عنه المؤلف نقلا عن ابن أخيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة في تقييداته كما ذكر.

(3) النور السافر: 123.

(4) الأصل «الظاهري».

(5) كذا لعل صوابه (المحترقة) قرية هنالك. قال العلامة عبد الرحمن بن عبيد اللّه السقاف: المحترقة هي واقعة في شرقي القروقر و هي المسماة في سابق الزمان «أنف خطم» انظر ادام القوت في بلدان حضرموت للسقاف لوحة: 123.

154

محمد بن سلطان و ولد دويس.

و في شهر ربيع الثاني منها: كتب السلطان محمد بن عبد اللّه بن جعفر بخطه إلى خطيب الشحر يذكر له إنه خلع الأمر لأخيه السّلطان بدر و أمره أن يسقط اسمه من الخطبة، و أن يخطب لأخيه السلطان بدر 223.

و في يوم الاثنين رابع الحجة: جاء البشير بأن السلطان بدر أخذ هينن و ما يليها 224.