تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
155

سنة ثمان و عشرين 225

و فيها (1): توفي العلّامة جمال الدين محمد بن أسعد جلال الدين الصديق الدواني 226،

بفتح المهملة و تخفيف النون نسبة لقرية من كازرون الكازروني الشافعي، القاضي بإقليم فارس، و المذكور بالعلم الكثير، و ممن أخذ عنه المحيوي الّلاري، و حسن ابن البقال، و تقدم في العلوم سيما في العقليات و أخذ عنه أهل تلك النواحي، و ارتحلوا إليه من الّروم و خراسان و ما وراء النهر، ذكره السخاوي في ضوئه قال‏ (2): و سمعت الثناء عليه من جماعة ممن أخذ عنه، و صنف المصنفات النافعة منها شرح على شرح التجريد للّطوسي عمّ الانتفاع به، و كذا كتب على العضد مع فصاحة و بلاغة و صلاح و تواضع، انتهى (رحمه اللّه).

و فيها (3): قبض السّلطان بدر على أحمد بن النقيب خادم الغيل «غيل أبي وزير» فأمر بسمل عينيه، فسمل و عزله عن الغيل، ثم تولى لهم الخدمة بحضرموت و هو أعمى 227.

و في شهر رجب‏ (4): وصل الأمير مطران من لحج، و أعيد إلى الإمارة بالشحر و عزل عطيف بن علي بن دحدح 228.

____________

(1) النور السافر: 123. و انظر البدر الطالع 2: 13 و شذرات الذهب 8: 160.

(2) الضوء اللامع 7: 133.

(3) النفحات المسكية 2: 115.

(4) النفحات المسكية 2: 115.

156

و في‏ (1) شهر شوال: ظهر على ساحل البحر على نحو ساعتين من الشحر، حوت كبير نحو ثمانية و ثلاثين ذراعا 229،

و ذرع الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة (2)، من طرف لحي الحوت إلى رأسه ثمانية أذرع، و هو حوت عظيم هائل.

____________

(1) العدة: 165 و النفحات المسكية 2: 115.

(2) في النفحات المسكية بزيادة «قال الشيخ الفقيه عبد اللّه بن محمد باسنجلة أخبرني العلامة عبد اللّه بن عمر بامخرمة قال: رأيته و ذرعت» الخ فدل هذا النص على أن صاحب تاريخ الشحر هذا و كتاب النفحات المسكية ينقلون عن مصدر واحد هو تاريخ باسنجلة الذي ينقل هو بدوره عن تقييدات العلامة بامخرمة و اللّه أعلم.

157

سنة تسع و عشرين 230

فيها ليلة سبع من شهر المحرم: توفي الشيخ العارف باللّه الولي الصالح شهاب الدين أحمد بن سهل باقشير (رحمه اللّه تعالى) 231

و نفع به و لم أقف له على ترجمة، إلّا إنه حقيق بذلك.

و في‏ (1) يوم الخميس تاسع ربيع الثاني: وصل الافرنجي المخذول خذله اللّه إلى بندر الشحر في نحو تسع‏ (2) خشب برش و غربان 232،

و نزل إلى البلد يوم الجمعة و ابتدأ بالقتال بعيد الفجر، و لم يثبت له أحد من الناس بل انهزموا انهزاما قبيحا و استشهد أمير البلد الأمير المرحوم مطران بن منصور (رحمه اللّه) أصابته بندقة من بعيد فسقط مكانه، و ممن استشهد في هذه الوقعة المعلم الصالح يعقوب بن صالح الحريضي [و أحمد بن‏] (3) رضوان و أخوه فضل و جماعة سواهم رحمهم اللّه تعالى، و نهب البلد نهبا فظيعا نهبها أولا الافرنج، ثم بعدهم الرّماة العسكر، و شياطين البلد، و افتقر لذلك خلائق، و في ليلة الثالث عشر من هذا الشهر، انتقل المخذول من بندر الشحر و عزم إلى دهلك.

و في‏ (4) هذه الأيام وصل الأمير عطيف من الريدة و حفظ البلد 233،

و أقام‏

____________

(1) العدة 1: 165. و انظر حول هذه الوقعة تاريخ الدولة الكثيرية: 40 و الشهداء السبعة للأستاذ محمد عبد القادر بامطرف ط بغداد. و النفحات المسكية: 115.

(2) النفحات: أربع عشر خشبة.

(3) ساقط من الأصل و أثبتناه من النفحات المسكية.

(4) العدة: 166.

158

بوظيفة الإمارة لأن السلطان في تلك الأيام، كان غائبا بحضرموت، فقرره السلطان على حاله، و في هذه الوقعة استشهد الفقيه العلّامة شهاب الدين أحمد بن الفقيه عبد اللّه عبد الرحمن بلحاج‏ (1) بافضل، و كان مولده يوم الجمعة خامس شوال سنة سبع و سبعين و ثمانمائة، و تفقه بأبيه و بالفقيه محمد بن أحمد بافضل، و أخذ عن قاضي القضاة العلّامة يوسف بن يونس المقري، و القاضي أحمد بن عمر المزجد، و غيرهما و برع و تميز و تصدر للإفتاء و التدريس في زمان والده، و كان متوليا الإعادة في درس الجامع في زمان والده، و لما توفي والده خلفه و صار عين المكان، و كان فقيها فاضلا حسن الاستنباط قوي الذهن شريف النفس، و كان والده يعظمه و يثني عليه و يشير إليه بالفقه، و حج مرارا و اجتمع في حجه الأخير بالشّيخ العالم العلّامة الولي الصالح محمد بن عراق، فصحبه و لازمه و تسلك على يديه، و كان سخيا كثير الصدقة، و فعل المعروف، مواظبا على الطاعة و له تصانيف مفيدة نافعة، منها نكت على روض المقري في مجلدين لطيفين، و هو تصنيف حسن في بابه مفيد جدا، و له كتاب مشكاة الأنوار، و اخترمته المنية و لم يكمله، و هو كتاب جامع للأوراد و الأذكار، قال في أثناء وصية له: عليكم بالأوراد التي علقتها كراريس و سميتها مشكاة الأنوار، عليكم بها عليكم بها فإني ضمّنتها و اللّه الاسم الأعظم الذي هو أكسير الأولياء، و لكن لا يظهر إلّا بالمداومة مع الصيانة و الديانة [و العفة] و السلامة من الوقوع في الشبهات و الشّهوات، عليك [بحفظ] بما فيها عن ظهر الغيب، و له وصية مختصرة، و من كلامه: من كان همه المعالف فاتته المعارف، و استشهد يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الثاني، و دفن عند والده (رحمه اللّه) و نفعنا به آمين.

و فيها: حصل مطر و ريح قوي و هو المسمى في جهة الشحر بالشلي 234

و أخرب في المشقاص و صريح‏ (2) و الوادي.

____________

(1) النور السافر: 125.

(2) كذا لعله تصحف عليه ب «حيريج».

159

و فيها (1): توفي السيد الشريف اللطيف الصالح الولي العلامة جمال الدين محمد بن أحمد بن علي [الخون‏] (2) بن علوي بن عبد الرحمن بن محمد بن الشيخ عبد اللّه باعلوي (رحمه اللّه تعالى) 235،

كان للعلوم محّصلا متعّطشا مشاركا متفننا، و له الفهم الثاقب و الرأي الصائب و هو للدنيا رافض و فيها زاهد، و عنها معرض، نقل الإرشاد للمقري و ألفية ابن مالك في النحو، و أوضح المسالك في النحو قراءة محققة، و نقل الشاطبية و قرأ المنهاج و الإرشاد على الفقيه أحمد بن علي علوي، و قرأ البخاري على الفقيه علي بن غوث‏ (3) بن عبد الرحمن باحرمي، و قرأ الشفاء على السيد محمد بن علي بن علوي خرد صاحب كتاب «غرر البها» و شارك في كل فن، و في العلوم اجتهد و أمعن، و مولده سنة أربع و تسعمائة و وفاته بمكة المشرفة في السنة المذكورة ذكرها السيد محمد بن علي خرد في كتابه «غرر البها» و اللّه أعلم.

و فيها توفي الشيخ الكبير السيد جمال الدين محمد بن يونس باعباد 236

بالغرفة.

____________

(1) غرر البهاء الضوي: 181.

(2) ساقط من الأصل و أضفناه من الغرر.

(3) ساقط من مطبوعة الغرر.

160

سنة ثلاثين بعد التسعمائة 237

و فيها أخذ سلمان الرّومي زبيد 238.

و فيها (1): يوم السابع و العشرين من ربيع الثاني سافر السلطان محمد بن عبد اللّه بن جعفر إلى الحج من طريق البحر، و دخل زبيد، 239

و أخرج له الأمير سلمان إبن أخيه مظفر بالعسكر للقائه و أعزه إعزازا لآئقا به، و تزوج بزبيد و عزم إلى مكة و حجّ و جاور بمكة، و اجتمع بالشريف بركات بن محمد صاحب مكة.

و فيها: حصل مطر و ريح لكنه أخف من الشكي‏ (2) في السنة التي قبلها 240،

و فيها: ليلة النصف من شعبان قيدوا آل محمد بن عبد اللّه، و هم محمد بن بدر بن محمد و سيف بن عبد اللّه بن محمد إلّا أنه أطلق في الحال 241.

و في‏ (3) فجر يوم الأحد: توفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام أحد الأئمة الأعلام ذو التصانيف المفيدة و الفتاوي السّديدة أحمد بن عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن القاضي يوسف بن محمد بن علي المزجّد 242

بميم مضممومة ثم زاي مفتوحة، ثم جيم مشدّدة مفتوحة، و دال مهملة السيفي المرادي‏

____________

(1) العدة 1: 166.

(2) كذا و لعله «الشلي» كما سبق ذكره ص: 158.

(3) النور السافر: 127. و انظر ترجمته في شذرات الذهب 8: 269 و كتابنا مصادر الفكر الإسلامي في اليمن: 209.

161

الزّبيدي ببلدة زبيد، و صلي عليه بجامعها الكبير، و دفن بباب سهام (رحمه اللّه تعالى)، و كان من العلماء المشهورين و الفقهاء المذكورين و أحد المحققين المعتمدين الراجع إليهم في النّوازل المعضلة و الحوادث المشكلة و كان إلى الغاية من التمكن في مراتب العلوم الإسلامية من الأصول و الفروع و علوم الأدب، و ذكروا له كرامات، و هو الذي أفتى بحليّة البن و القهوة، و تفّقه بالإمامين الفاضلين يوسف بن المقري، و الفقيه عمر الفتى و رثاه بقصيدة حسنة، و برع في علوم كثيرة و تمّيز في الفقه حتى كان فيه أوحد وقته، و من مصنفاته المشهورة المفيدة جّدا في الفقه كتاب «العباب المحيط بمعظم نصوص الشافعي و الأصحاب» و هو على أسلوب كتاب الروض جمع فيه مسائل الروض و مسائل التجريد، و هو كتاب جامع لأكثر أقوال الشافعي و أصحابه و أبحاث المتأخّرين منهم، على الغاية من جزالة الّلفظ و حسن التّقسيم، و اعتنى به غير واحد من علماء الإسلام، فشرحه شيخ الإسلام أبو الحسن البكري شرحين و شرحه أيضا الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي إلّا إنه لم يتم بل قارب ثلث الكتاب فيما أظن، و منها في الفقه «تجريد الزوائد و تقريب الفوائد» في مجلدين جمع فيه الفروع الزائدة على الروضة غالبا و كتاب «تحفة الطلاب» و نظم «الإرشاد» في الفقه، و له غير ذلك، و ممن أخذ عنه من الفقهاء الأعلام الفقيه عبد الرحمن بن زياد، و ولي قضاء عدن ثم قضاء زبيد و باشر ذلك بعّفة و ديانة، و طالت مّدته فيها، و من شعره في القضاء:

أما و اللّه لو لا ضعف حال‏* * * و عول ما أطيق لهم كفايه‏

لما فارقت عشي طول عمري‏* * * و لا سارعت يوما للولايه‏

و له مما كتب به إلى بعض فقهاء عدن:

وقفت على بابك الآهل‏* * * و لذت بمعروفك الشامل‏

و قلت لنفسي لا تسبحي‏* * * فإنّ السلامة في الساحل‏

لئن كنت في النّاس من خارج‏* * * فرزقك يأتيك من داخل‏

162

و له و قد أراد الذّهاب إلى بعض الرؤساء فحجب عنه، و كان له به أنس و مودة من قبل ذلك:

لا تصحب المرء إلّا في استكانته‏* * * تلقاه سهلا أديبا ليّن العود

و اتركه‏ (1) إن راقت الأيام دولته‏* * * لعل يوليك خلقا غير محمود

فانه في مها و [من‏] تغطرسه‏* * * لا يرعوي لك إن عادى و أن عودي‏

و قل لأيامه اللآتي قد انصرمت‏* * * باللّه عودي علينا مرة عودي‏

و له (رحمه اللّه تعالى):

قلت للفقر أين أنت مقيم‏* * * قال لي في محابر العلماء

إن بيني و بينهم لاخاء* * * و عزيز علي قطع الاخاء

و له أيضا:

إذا ولي الأمر لي صاحب‏* * * تأخرت للوقت عن صحبته‏

و أنكرته قبل إنكاره‏* * * و لم يرني قط من رفقته‏

و له أيضا نفع اللّه به:

أصبر على أحداث هذا الزمان‏* * * فالتبر يستخلص بالامتحان‏

و اشرب مرارات كؤوس القضا* * * و الأمر للّه و ما شاء كان‏

و له (رحمه اللّه) آمين:

لا تعدون بغير الحظ في الأدب‏* * * قيراط حظ و لا طود من الأدب‏

و الحظ و الفضل ضدان اجتماعهما* * * عند امرء كاجتماع الماء و اللهب‏

و له أيضا:

ما ثم إلّا ما أراد* * * فخل همك و اطرح‏

و اقطع علائقك التي‏* * * أثقلت ظهرك و استرح‏

و القي الشدائد إن عرتك‏* * * بخاطر سلس فرح‏

____________

(1) النور: و احذره إن كانت الأيام.

163

و اعلم بأنك لا يصير* * * إليك إلّا ما شرح‏

و له أيضا (رحمه اللّه) آمين:

يا حامل الفلك و أثقاله‏* * * على متون الأبحر الزاخره‏

تول أثقالي التي انقضت‏* * * ظهري في الدنيا و في الآخره‏

و له (رحمه اللّه) آمين و فيها وصية:

اذا شئت في الدنيا و الدين أن ترقى‏* * * تمسك من التقوى بعروته الوثقى‏

و لازم كتاب اللّه و السنة التي‏* * * هي الحجة البيضا كالشمس أو أنقى‏

و حافظ على الأوراد في وقتها الذي‏* * * تخيره المختار و استعمل الصدقا

و صن أبدا عن غيبة و نميمة* * * لسانك و اجعل ما نطقت به حقّا

و أنزل ذوي الأقدار في الموضع الذي‏* * * أراد لهم مولاهم و اترك الحذقا

و اخفض جناح الذل مرحمة لمن‏* * * تعاشره و احذر معاشرة الحمقى‏

و غضّ على زلات أخوانك الأولى‏* * * فصاحبهم في اللّه كي ودهم يبقى‏

و لا تركنن يوما لصاحب ريبة* * * فترمى بما يرمى و صار له خلقا

و صاحب ذوي الأعلام و العلم و التقى‏* * * فتوصف بين الناس بالفاضل الأتقى‏

و له (رحمه اللّه) في كتاب عدة الحصن الحصين:

إذا ما خفت من نوب يا فتى‏ (1)* * * فلازم عدة الحصن الحصين‏

وثق بجميع ما فيها لتظفر* * * سريعا بالتخلص عن يقين‏

فقد جربتها و وجدت فيها* * * أمان الخائفين من المنون‏

و فيها برء داء لا يداوى‏* * * و تفريج عن القلب الحزين‏

و له أيضا:

يا رب سائلك الغفران عن زللي‏* * * و أن تسددني في العلم و العمل‏

و أن توفق أولادي و تصلحهم‏* * * و أن تريني فيهم غاية الأمل‏

و له أشعار غير هذه حسنة، و انتفع به النّاس و أخذت عنه الطلبة

____________

(1) النور السافر: الفنا.

164

و استمر على عظمته و وجاهته حتى مات في دولة الأروام (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (1): في ليلة العشرين من شهر شعبان توفي الإمام البارع العالم العلامة و الحبر الفهامة المفتي القاضي جمال الدين محمد بن عمر بن مبارك بن عبد اللّه بن علي الحميري الحضرمي الشافعي 243

الشهير ببحرق، بحاء مهلة بعد الموحدة ثم راء مفتوحة بعدها قاف، و كان من العلماء الراسخين و الأئمة المتبحّرين اشتغل بالعلوم و تفنّن في المنطوق منها و المفهوم، و تمهّر في المنثور و المنظوم، و كان له اليد الطولى في جميع فنون العلم، و صنف في جميع العلوم كالحديث و التصوّف و النحو و الصرف و الحساب و الطب و الأدب و الفلك و غير ذلك، و ما رأيت أحدا من علماء حضرموت أحسن و لا أوجز منه، و له نظم حسن، و هو الذي يقول هذه الأبيات مجيبا لبعض الفضلاء الممتحنين له من أهل زمانه:

إن كنت ممتحني بذاك فإنني‏* * * لست الهيوبة حيث ما قيل انزلا

و إذا تبادرت الجياد بحلبة* * * يوم النزال رأيت طرفي أولا

قسما بآيات البديع و ما حوى‏* * * من صنعتيه موشحا و مسلسلا

لو كنت مفتخرا بنظم قصيدة* * * لبنيت في هام المجرة منزلا

من كل قافية تروق سماعها* * * و تعيد سحبان الفصاحة باقلا

و يرى لبيد بها بليد قلبه‏* * * حصرا و ينقلب الفرزدق أخطلا

و على جرير نجرّ مطرف تيهنا* * * و مهلهلا نبديه نسج مهلهلا

و لئن تنّبا ابن الحسين فانني‏* * * سأكون في تلك الصناعة مرسلا

أظننت أن الشعر يصعب صوغه‏* * * عندي و قد أضحى لدي مذللا

أبدي العجاب إذا برزت مفاخرا* * * أو مادحا للقوم أو متغّزلا

لكنني رجل أصون بضاعتي‏* * * عمن يساوم بخسها متبذّلا

و أرى من الجرم العظيم خريدة* * * حسنا تهدى للئيم و تجتلا

ما كنت أحسب عقربا تحتك بال‏* * * أفعى و لا هيفا تزاحم بزلا

____________

(1) النور السافر: 133.

165

و أنا الغريب و أنت ذلك و بيننا* * * رحم يحق لمثلها أن توصلا

و لقد أجاد فيها كل الإجادة (رحمه اللّه تعالى)، و بالجملة فإنه آية من آيات اللّه، و كتبه تدل على غزارة علمه و كثرة اطلاعه، و كان غاية في التحقيق وجودة الفكر و التدقيق، و كان مولده ليلة النّصف من شعبان سنة تسع و ستين و ثمانمائة بحضرموت، و نشأ بها فحفظ القرآن و معظم الحاوي و منظومة البرماوي في الأصول و ألفية النحو بكاملها، و أخذ عن جماعة من فقهاء حضرموت منهم الفقيه الصالح محمد بن أحمد باجرفيل، ثم ارتحل إلى عدن و لازم عبد اللّه بن أحمد بامخرمة، و اشتغل عليه في الفقه و أصوله و العربية حتى كان جلّ انتفاعه به فقرأ عليه في جميع ألفية ابن مالك في النحو و سيرة ابن هشام و جملة صالحة من الحاوي الصّغير في الفقه، و سمع عليه جملة من علوم شتىّ، و كذلك أخذ عن الفقيه الصالح محمد بن أحمد بافضل، ثم ارتحل إلى زبيد، و أخذ عن علمائها علم الحديث فأخذ عن زين الدين محمد بن أبي بكر الصايغ الحديث و التفّسير و النحو، و قرأ عليه شرح البهجة الوردية لأبي زرعة، و أخذ أيضا عن الشريف السّيد حسين بن عبد الرحمن الأهدل، و ألبسه خرقة التصوف، و صحب السيد الكبير الشيخ أبا بكر بن عبد اللّه العيدروس نفع اللّه به و أخذ عنه و انتفع به، و لما حج سمع من الحافظ السخاوي و سلك السّلوك في التصوف، و حكي عنه إنه قال: دخلت الأربعينية، بزبيد فما أتممتها إلّا و أنا أسمع أعضائي كلها تذكر اللّه، و لزم الجد و الإجتهاد في العلم و العمل، و أقبل على [نفع‏] (1) الناس إقراء و إفتاء و تولى القضاء بالشحر، فصدع بالحق، و حمدت أحكامه و عزل نفسه عن القضاء، ثم عزم إلى عدن و حصل له قبول و جاه عند الأمير مرجان الظافري، ثم لمّا مات مرجان عزم إلى الهند و وفد على السلطان مظفر فقربه و عّظمه و زاد في تعظيمه و تبجيله، و أنزله المنزلة التي تليق به، و بالجملة فمحاسنه كثيرة و فضائله شهيرة و من مقاطعيه في الشعر:

____________

(1) ساقط من الأصل.

166

أنا في سلوة على كل حال‏* * * إن أتاني الحبيب أو إن أباني‏

إغنم الوصل إذ دنى في أمان‏* * * و إذا ما نأى أعش بالأماني‏

و له أيضا:

لئن بلغ الزوار خيف منى منا* * * و أمنا برمي الجمر من لهب الجمر

فبالمنحنى من أضلعي و العقيق من‏* * * دموعي على التشريق شاركت في الأجر

و قال بعض المعتزلة:

زعم الجهول و من يقول بقوله‏* * * إن المعاصي من فعال الخالق‏

إن كان حّقا ما يقول فلم قضى‏* * * حّد الزنا و قطع كف السارق‏

فقال الفقيه محمد بن عمر بحرق ردا عليه:

يا تائها جعل القضاء مطابقا* * * للأمر جهلا و هو غير مطابق‏

إن القضا أعم إذ ما كلما* * * يقضي الاء له لأمره بموافق‏

فالحد مشروع لعاصي أمره‏* * * و قضاؤه لا عذر فيه لفاسق‏

قلت: أورد البيتين التي ردّ عليها و على صاحبها الإمام محمد بحرق الصّفدي‏ (1) في شرح لاميه العجم، قال: و وجدت منسوبا إلى أبي العلاء المعرّي، و ذكر البيتين يعني الصّفدي في شرحه‏ (2) و مكتوب على الحاشية على هذين البيتين و أجاب راقمه الفقير إلى اللّه تعالى عبد الرؤوف بن يحيى بن عبد الرؤف الواعظ بقوله:

يا ناسبا أوصافه لأئمة* * * ركبوا النجاة فمالهم من لاحق‏

لا وجه فيما قلته إلّا على‏* * * من قال لا فعل لغير الخالق‏

و نفا اختيار العبد في أفعاله‏* * * مع كسبه و الكل ليس بصادق‏

____________

(1) كذا في الأصل و هو خطأ لعل صواب الجملة هكذا: محمد بن عمر بحرق في مختصره شرح الصفدي.

(2) انظر الغيث المسجم شرح لامية العجم للصفدي 1: 82 ط العلمية.

167

فبخلقه و قضائه أفعالنا* * * فأصغ بقول للصّواب مطابق‏

و لنا اختيار قد توجه نحوه‏* * * أجر المطيع كذا عقاب الفاسق‏

من أجله حد الزناة لكسبهم‏* * * ما قد نهوا وقضوا بقطع السارق‏

و له هذا اللغز، و قد حله أيضا بالنثر بعد، و هو مذكور بعبارته قال:

يا متقنا كلمات النحو أجمعها* * * حدا و نوعا و افرادا و منتظمه‏

ما أربع كلمات و هي أحرفها* * * أيضا و قد جمعتها كلها كلمه‏

ثم قال: هذا في تمثيل الوقف على ها السكت أي قولك «لمه» (1) فالكاف في قولك كلمه للتمثيل، و اللام للجر، و الميم أصلها ما الاستفهامية حذفت الها (2) و الها للسّكت، و وجدت في بعض مجاميع أهل الأدب لغز ثلاثة أبيات و أجاب عليها العلامة محمد بحرق و هي:

و ذو خيلاء إذا ما بدا* * * يتيه و يفرط في عجبه‏

عطوف ألوف لأحبابه‏* * * و لكنما الكيد في قلبه‏

فبّينه يا من لديه العلوم‏* * * و سر الفهوم إلى سربه‏

فأجاب (رحمه اللّه) آمين:

أظن المعنى أبا منذر* * * فنعم المذكّر عن ربه‏

يقول أناديك قم فانتبه‏* * * و أني كلفظي في كتبه‏

فها هو في كتبه بيّن‏* * * فخذه و مع عجبه عج به‏

و من كراماته أنه حضر مجلس بعض وزراء الهند، و كان في ذلك المجلس رجلا من السحرة فبينما هم كذلك إذ ارتفع ذلك السّاحر و قعد في الهوى، قال فوقع عندي من ذلك الساحر، و استغثت بالنبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ثم أومأت إليه بفردة من حذائي، فما زالت تضربه إلى أن رجع إلى مكانه بالأرض‏ (3)

____________

(1) النور السافر: «كلمد».

(2) النور السافر: الفاء.

(3) قلت: و مثل هذه الحكاية وقعت لابن بطوطة في رحلته إلى الهند. انظر رحلة ابن-

168

و حكي: أنه وقع بينه و بين وزراء السلطان بحث فاحتقره ذلك الوزير، فتعب الفقيه من ذلك و دعا عليه فنهب بيته من ذلك اليوم، و أخذ جميع ما كان فيه، فجاء إلى الفقيه معتذرا و مستعطفا و وصله بشي‏ء، و طلب منه الدعاء فحسب أن فعل ذلك، و إذا (1) بالخبر يأتيه من عند السلطان بالإجلال و التعظيم، و ردّ جميع ما نهب له، و أن الذي وقع من ذلك إنما كان غلطا فإنه إنما أمر بنهب غيره، فرد جميع ما أخذ له، و أما ذكر أسماء مصنفاته فمنها: تبصرة الحضرة الشاهية الأحمدية بسيرة الحضرة النبوية الأحمدية، و الأسرار النبوية في اختصار الأذكار النووية، و مختصر الترغيب و التّرهيب للمنذري، و كتاب الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثيقة (2)، و كتاب عقد الدرر في الإيمان بالقضاء و القدر، و كتاب العقد الثمين في إبطال القول بالّتقبيح و التحسين، و كتاب الحسام المسلول على منتقص أصحاب الرسول‏ (3)، و ذكر في كتابه ترتيب السلوك: ان له على أبيات الشيخ عبد اللّه بن أسعد اليافعي ثلاثة شروح بسيط و وسيط و وجيز، و كتاب العقيدة الشافعية في شرح العقيدة اليافعية، و كتاب الحواشي المفيدة على أبيات اليافعي في العقيدة، و مختصر المقاصد الحسنة، و كتاب حلية البنات و البنين فيما يحتاج إليه من أمر الديّن‏ (4)، و كتاب النبذة المنتخبة من كتاب الأوائل للعسكري، و كتاب ترتيب السّلوك إلى ملك الملوك، و كتاب متعة الأسماع بأحكام السماع المختصر من كتاب الإمتاع، و كتاب النّبذة المختصرة في معرفة الخصال المكفرة للذنوب المقدمة و المؤخرة و كتاب مواهب القدوس، و كتاب شرح الملحة (5)، و شرح لأمية ابن مالك في‏

____________

بطوطة: 555 ط دار إحياء العلوم.

(1) الأصل: كان الخبر.

(2) طبع بمصر بتحقيق الشيخ محمد مخلوف سنة 1960 م.

(3) طبع بتحقيق الشيخ محمد مخلوف.

(4) طبع بمصر سنة 1346 ه.

(5) طبع بعنوان تحفة الأحباب سنة 1296 بمصر.

169

التصريف‏ (1)، و له أيضا عليها شرح أصغر منه و احتصر شرح الصفدي على لامية العجم‏ (2)، و منظومة في الطب و شرحها، و له ارجوزة في النحو سماها فتح الرؤف في أحكام الحروف و شرحها، و غير ذلك و حكي أنه مات بالّسم، و سبب ذلك أنه حظي عند السلطان إلى الغاية فحسده الوزراء على ذلك فوقع منهم ما أوجب له الشّهادة، و ناهيك بها من سعادة (رحمه اللّه).

و فيها (3): توفي الشهاب أحمد بن سليمان بن محمد بن عبد اللّه الكناني الحوراني المقري الحنفي المغربي 244،

نزيل مكة ببلدة غزة، و دفن بها و ولد في حدود ستين و ثمانمائة بغزة و نشأ بها و حفظ القرآن و مجمع البحرين و طيبة النّشر و غيرهما، و اشتغل بالقرآن، و تميز فيها، و فهم العربية و اشتغل بها، و قطن مكة على خير و انجماع، قال السخاوي: و قد لازمني في الدراية و الرّواية و كتبت له إجازة و سمعته ينشد من نظمه:

سلام على دار الغرور لانها* * * مكدرة لذاتها بالفجائع‏

فإن جمعت بين المحبين ساعة* * * فعما قليل أردفت بالموانع‏

و هو رجل مبارك صالح متقشف (رحمه اللّه تعالى).

و فيها: وصل حسين بيك من جدة إلى زبيد فأعزه الأمير سلمان و أكرمه، فاتفق إن مال إليه العسكر، و عزموا على الغدر به، فلما أحسّ بالشر منهم هرب و ركب البحر إلى دهلك، ثم منها إلى جدة، فوصلت مراسيم بالقبض عليه، و إرساله إلى مصر، فقبض و وجه إليهم، فلم يقابلوه بسوء بل أكرموه و وجهوا معه عسكرا كما سيأتي.

____________

(1) بعنوان فتح الأقفال طبع سنة 1373 ه.

(2) بعنوان نشر العلم طبع سنة 1283 ه.

(3) النور السافر: 140. الضوء اللامع 1: 309 و شذرات الذهب 8: 170.

170

سنة إحدى و ثلاثين 245

في‏ (1) شهر ذي الحجة: توفي الشريف صاحب مكة و الحجاز و غيرهما، بركات بن محمد بن بركات و تولّى بعده ولده السيد الشريف أبو نمي محمد بن بركات أبو نمي 246.

و فيها (2): عند طلوع فجر ليلة الجمعة مستهل رمضان توفي الشيخ الإمام العلّامة زين الدين أبو الفضائل عبد الحق بن الشيخ الإمام الأوحد الهمام العلّامة أقضى قضاة المسلمين شمس الدين أبو عبد اللّه محمد بن شرف الدين بن عبد الحق بن أحمد بن محمد بن أبي المعالي السنباطي المصري الشافعي 247

بمكة، و قدم إلى مكة ليموت بها، و كان مولده بأحد الجمادين سنة إثنتين و أربعين و ثمانمائة (رحمه اللّه تعالى)، فجهز في يومه و صلّي عليه عند باب الكعبة عقب صلاة الجمعة بعد النداء له على زمزم، و شيعه خلق بحمل جنازته على الرؤس، و طابت برؤيته النّفوس، و دفن بالمعلاة و رثاه جماعة بمراث مطوّلات، منهم تلميذه الزيني‏ (3) عبد اللطيف الديري الأزهري، و قال مضمّنا لتاريخ وفاته في ثلاثة أبيات‏ (4):

____________

(1) النور السافر: 141 في حوادث سنة 930. و انظر ترجمته في خلاصة الكلام: 52.

(2) النور السافر: 142. و انظر ترجمته في الكواكب السائرة 1: 221 و شذرات الذهب 8: 179.

(3) الأصل: الريمي.

(4) الأبيات في النور السافر: 142 و الكواكب السائرة 1: 222.

171

توفي عبد الحق يوم عروبة* * * بمكة عند الصبح بدء تمامه‏

قضى عالم الدنيا كان لم يكن بها* * * سقى اللّه قبرا ضمّه من غمامه‏

و زد واحدا فوق الثلاثين مردفا* * * بتسع مئي و اجعله عام حمامه‏

و فجع الخلق عليه و كثر الأسف بموته، و بالجملة فإنه كان بقية شيوخ الإسلام و صفوة العلماء الأعلام، نشأ ببلدة سنباط (1)، و حفظ القرآن و المنهاج الفرعي ثم أقدمه أبوه القاهرة في القعدة سنة خمس و خمسين، فحفظ بها العمدة و الألفيتين و الشاطبيتين، و المنهاج الأصلي، و تلخيص المفتاح و الجعبرية في الفرائض و الخزرجية، و عرض على خلق كالجلال البلقيني و المحلي و ابن الهمام و الديري، و عدّد في ترجمته خلق كثير ممن أخذ عنهم و الكتب التي قرأها عليهم اختصرت ذلك لئلّا يطول الكلام، و تصدّى للإقراء بالجامع الأزهر و غيره، و أقرأ الطلبة بالمسجدين المكي و النبوي متونا كثيرة، ثم ملّك كتبه أولاده، و نزل لهم عن وظائفه، و تخلّى عن الدنيا و تكفّل به أولاده و انتفع به خلائق لا يحصون، ثم عاد إلى مكة في موسم سنة ثلاثين بأولاده و عائلته و أقاربه و أحفاده ليموت بأحد الحرمين، فانتفعت به البلاد و اغتبط به العباد، فأخذ عنه النّاس طبقة بعد أخرى، و ألحق الأحفاد بالأجداد، و اجتمع فيه كثير من الخصال الحميدة كالعبادة و الحلم و التواضع و صفاء الباطن و التّقشف و طرح التّكلف، بحيث علم بهذا من طبعه كل من اجتمع به، و لا زال على جلالته و عظمته إلى أن لقي اللّه، نفعنا اللّه به و ببركاته.

____________

(1) سنباط: بليدة حسنة في جزيرة قوسنيا من نواحي مصر «ياقوت: معجم البلدان 3:

261».

172

سنة اثنتين و ثلاثين 248

فيها (1): اليوم الأربعاء لسبع خلت من شهر صفر توفي الشيخ الكبير العالم القطب الشهير العارف باللّه تعالى البدر المنير سلطان العاشقين أوحد عباد اللّه الصالحين صاحب الأحوال و الأقوال و الكرامات أبو عبد اللّه محمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن محمد السّودي الشهير بالهادي 249

اليمني نفع اللّه به، و قبره بتعز مشهور بها يزار و يتبرك به و عليه قبة معظمة، و مكانه مهيوب، و كان من العلماء الراسخين و الأئمة المتبحّرين درّس و أفتى ثم طرأ عليه الجذب.

و حكي: أنه كان يقرأ في الفقه على بعض العلماء فلما وصل إلى هذه المسألة: و العبد لا يملك شيئا مع سيده، كرّر هذا السؤال على شيخه كالمستفهم و اعترته عند ذلك هيبة عظيمة و بهت و حصل عليه الجذب، و صدرت منه أمور تدّل على أنه من العارفين باللّه، و رويت عنه كرامات، و له ديوان شعر عظيم رائق النظم مشهور على طريقة أهل التصوف على قواعد أهل البديع جاء فيه بكل معنى بديع، و قيل إن نظمه للشعر هذا ما وقع إلّا بعد الجذب، حكي: إنه كان ما يقوله إلّا في حال الوارد مثل الشيخ عمر بن الفارض، و الفقيه عمر بامخرمة و غيرهما من أولياء اللّه تعالى، و كان يكتبه بالفحم فوق الجدارات، و إذا أفاق محى ما كتبه من‏

____________

(1) النور السافر: 143. و انظر في مناقبه الفيض الجودي في مناقب السودي لابنه عبد القادر (مخطوط).

173

ذلك، و كان فقراؤه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجده من نظمه على الجدارات فيجمعونه بعضه إلى بعض و حكي: أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه فطرب لها و تمايل عليها، ثم سأل عن قائلها، فقيل إنها من نظمك فأنكر ذلك، و قال: حاشا، ما قلت شيئا مرتين، و كان نفع اللّه به مولعا بشرب القهوة ليلا و نهارا، و كان يطبخها بيده، و كان لا يزال قدرها بين يديه و قد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب، و كان كل ما يأتي إليه من النّذر و نحوه، إن كان من المأكولات طرحه فيها، أو من غيره أوقد به تحتها كائنا ما كان من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك و قيل: أن السلطان عامر بن عبد الوهاب بعث إليه بخلعة نفيسة فألقاها تحتها فاحترقت، فبلغ ذلك السلطان، فغضب و أرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار و أخرجها كما كانت، و دفعها إليهم، و بالجملة فإنه كان آية من آيات اللّه و أقواله تدلّ على حاله في المحبة، و مقامه في المعرفة، و كذا تدل على تفننه في العلوم الظاهرة مثل النحو و البديع و المعاني و غير ذلك، و على إطلاعه على الأخبار السالفة و الأمثال السائرة، حتى كأنما جميع العلوم و المعاني كانت ممثلة بين عينيه يختار منها الذي يريد، و على نظمه قبول عجيب، و فيه تأثير غريب، فإنه السهل الممتنع، يفهمه كل أحد من سهولته و سلاسته، مع متانة عبارته و يتأثّر به الناس غالبا و يكثر عليه وجد الواجدين، و يقال له فارضي اليمن، فهو في رقته يشبه كلام التلمساني و أبن الفارض، و ما أحسن قوله نفع اللّه به‏ (1):

قالت سعاد و قد رأت دمعي جرى‏* * * صدق المحدث فالحديث كما جرى‏

فدهشت من فرحي و قلت نعم نعم‏* * * ما كان حبكم حديثا يفترى‏

لي في هواكم صرفه و عتيقه‏* * * حاشاي من درديه‏ (2) أن أسكرا

باللّه يا حادي النياق لحيهم‏* * * فالصّيد كل الصيد في جوف الفرا

____________

(1) ديوان السودي: 181 ط دار الفكر.

(2) النور السافر: وردية. و الدردي: الكدر الراسب في أسفله.

174

سلّم على أهل الخيام و قل لهم‏* * * مات المحب من الغرام و ما درى‏

و من قوله‏ (1):

أيها اللّحظ المريق دمي‏* * * أنت في حل و في سعة

حبذا يافتنتي قدم‏ (2)* * * بي إلى حتف الهوى سعت‏

نسبتي في الحب ثابتة* * * همتي عن غيره سمت‏

كم معان فيك ياقمري‏* * * للمعنّى الصب قد دعت‏

من تمعناها و عاينها* * * عاش في خفض و في دعة

و له (رحمه اللّه) و نفعنا به‏ (3):

أفدي قمرا في حسنه نزّهني‏* * * قالوا ألهاك قلت بل ولهني‏

ما كنت على حديثه مطلعا* * * لو لا «مكحول» طرفه حدّثني‏

و له أيضا (4):

سلم لهم تلق من ألطافهم عجبا* * * و اخضع لهم يا طفيلي الهوى أدبا

و لا تقل سببي يوما و لا نسبي‏* * * يكفي بهم سببا يكفي بهم نسبا

و له أيضا (5):

يا سالب النوم عن جفوني‏* * * إجعل لهذا الصّدود حدّا

و اشرح بطيب الوصال صدري‏* * * نقدا و إن شئت كان وعدا

أنت لروح المحب قوت‏* * * و طالب القوت ما تعدّى‏

و السودي نسبة إلى سودة [شظب‏] (6) و هي على ثلاث مراحل من‏

____________

(1) ديوان السودي: 192.

(2) النور: قدمي.

(3) ديوان السودي: 171.

(4) ديوان السودي: 181.

(5) ديوان السودي: 173.

(6) ساقط من الأصل وسوده شظب مدينة في ذروة جبل حجاج من متوسط جبل السراة في بلد حاشد و بالشمال الغربي من عمران بمسافة 44 ك م (معجم: 333).

175

صنعاء، و نسبه يرجع إلى بني شمر (1) و هم من أولاد كندة، و كان للشيخ نفع اللّه به ولدان أحدهما عبد القادر، و الآخر محمد، و مات عبد القادر في حياة أبيه و خلف بنتا و لم يبق للشيخ نسل إلّا منها، و أما محمد فعاش بعد والده و صار متوليا قضاء تعز، و لما استولى الأروام على تعز لزموه و بعثوا به إلى مصر فمات هناك، و ذلك في حدود السّتين بعد التسعمائة.

و فيها (2): توفي السلطان الأعظم مظفر شاه بن محمود شاه صاحب كجرات 250،

و كان (رحمه اللّه) فاضلا عادلا صالحا محبا لأهل العلم، و كان حسن الخط، و كتب بيده جملة مصاحف أرسل منها مصحفا إلى المدينة الشريفة، و خرجت روحه و هو ساجد، و الظّاهر إنه هو الذي وفد عليه الشيخ العلّامة محمد بحرق الحضرمي و صنّف بسببه السيرة النبوية، و إن كان اسم الكتاب يشعر بغير ذلك، فإنه ما كان في ذلك الزّمان أحد ممن ولي السلطنة اسمه أحمد، و لم يزل عنده مكرما مجللا إلى أن مات.

و فيها (3): يوم الأحد الثامن من جمادى الأولى وصل الأروام إلى زبيد صحبة مصطفى شلبي بن حسين بيك بن محمد مراد الطغرائي‏ (4) من بندر الصّليف، و عند وصوله باب سهام وقع مطر عظيم جدّا.

____________

(1) في الأصل شمس و أصلحناه من النور السافر.

(2) النور السافر: 174.

(3) أنظر هذا الخبر بتوسع في البرق اليماني: 42.

(4) كذا من الأصول و لم أجد اسم المذكور كاملا في المراجع المعروفة و لعله اطلع على نسخة موسعة من تاريخ بامخرمة غير الموجودة الآن، قلت: هي المذكرات التاريخية لعبد اللّه بن عمر بامخرمة.

176

سنة ثلاث و ثلاثين 251

يوم‏ (1) الأحد سابع شهر صفر: توفي العلّامة الرّباني و القطب الصّمداني شافعي زمانه، و جنيد أوانه ولي اللّه بالاتفاق و شيخ المشايخ على الأطلاق المشهور في الأفاق جمال الدين محمد بن علي بن عراق بمكة المشرفة 252،

و كان وصوله من مدينة المصطفى لإطفاء الفتنة التي أطفأها اللّه تعالى بوصوله و كان وصوله في رمضان سنة اثنتين و ثلاثين، و كانت بين الشريف أبو نمي بن بركات و الأروام و أميرهم سلمان و معهم خير الدين، و إظهارهم أن نيتهم العزم على الافرنج و قتلا كلاهما باليمن كما سيأتي، و كان (رحمه اللّه) من كبار المشايخ العارفين، و بقية الصفوة من الأولياء الوارثين، و كان من رجال الطريق و مشايخ التّحقيق و خاتمة ذوي العرفان و عمدة في تربية المريدين من أهل الإيمان نفعنا اللّه به، و من أولاده الشيخ العلّامة الحبر الفهامة قدوة وقته في المعقول و المنقول، و المعول عليه في الفروع و الأصول شيخ الأنام بطيبة النبوية، و مرجع الخاص و العام بالحضرة المصطفوية، الشيخ علي بن محمد بن عراق، و كان من كبار أهل العلم، و له جملة مصّنفات، منها «تنزيه الشريعة» (2) و هو كتاب جليل عظيم الفائدة، و منها «الصراط المستقيم في فضل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» و سئل عن القهوة [و السائل له الشيخ العلّامة رضي الدين محمد بن إبراهيم الحلبي‏

____________

(1) النور السافر: 174. و انظر الكواكب السائرة 1: 59 و شذرات الذهب 8: 196.

(2) من أشهر كتب الموضوعات طبع عدة مرات.

177

المعروف بإبن الحنبلي (رحمه اللّه)‏] (1) بهذه الأبيات:

أيها السامي لكلتا الذروتين‏* * * بجوار المصطفى و المروتين‏

و العلي القدر علما و كذا* * * عملا فوق علو النيرين‏ (2)

من له في الزهد باع و يد* * * و هو في بذل الندى رحب اليدين‏

أفتني في قهوة قد ظلمت‏* * * حيثما شيب‏ (3) تعاطيها بشين‏

من تله هالنا مهيعه‏* * * و افتراق لأقاويل و مين‏

و مراعاة أمور شاهدت‏* * * فعلها (4) في الحال كلتا المقلتين‏

و حكى شرابها أهل الطلا* * * فالتداني بين تين الفرقتين‏ (5)

أودعوا في الطرس ما يرجو الفتى‏* * * أو دعوا فاليأس إحدى الراحتين‏

فأجابه بما نصّه:

أيها السامي سمو الفرقدين‏* * * و إمام العلم مفتي الفرقتين‏

يا رضي الدين يا بحر الندى‏* * * من رجاكم راح مملوء اليدين‏

جاءني منكم نظام قد حكى‏* * * في مصوغ اللفظ مسبوك اللجين‏

قلت فيه إن ذا القهوة قد* * * خلطوها بتله و بمين‏

و بمطعوم حرام و غنى‏* * * و برقص و بصفق الراحتين‏

و طلبت الحكم فيها بعدما* * * قد رأيتم ما ذكرتم رأي عين‏

[و جوابي أنها حل و لا* * * يقتضي ما قلتم تحريم عين‏] (6)

و على ذي الأمر إنكار الذي‏* * * شأنها حتى تصفى دون رين‏

و إذا لم يستطعه‏ (7) دون أن‏* * * يمنع الأصل ففعل منه زين‏

____________

(1) ساقط من النور السافر.

(2) النور السافر: ذا علا فوق زين النيرين.

(3) الأصل: شبهت. و النور شئت.

(4) ساقط من النور السافر.

(5) النور: الفردني.

(6) ساقط من النور السافر.

(7) في (س) يستعطه.

178

و التداني من حماها و هي في‏* * * وصفها المذكور شين أي شين‏

و الصفا في شربها مع فتية* * * أخلصوا التقوى و شدوا المئزرين‏

ثم ناجوا ربهم جنح الدجى‏* * * بخشوع و دموع المقلتين‏

فابتداء الأمر فيها هكذا* * * قد حكوه عن ولي دون مين‏

ذا جوابي و اعتقادي أنه‏* * * في اعتدال كاعتدال الكفتين‏

و تاريخ وفاته لم أقف‏ (1) عليه، و هذا هو الذي منعني أن أترجم له على حدته (رحمه اللّه) و نفعنا به، و كذلك صنوه من أولاد سيدنا الشيخ محمد بن عراق نفع اللّه به الشيخ أحمد عبد النافع بن محمد بن عراق و قد كان عالما فاضلا فصيحا بليغا رئيسا كبيرا، ذا أدب و طرف و ملح و لطف، و له أشعار رائقة و أخبار فائقة و من شعره:

كل له ورد يكون وسيلة* * * لمعاشه و معاذه و معاده‏

و جعلت وردي في الخروج عن السوي‏* * * و أكون مع مولاي تحت مراده‏

و من شعره أيضا:

يا غائبين‏ (2) و قولي حين أذكرهم‏* * * كم هكذا أغتدى في غربة و

فراق‏

لو سار ركب بعشاق الهوى رملا (3)* * * نحو الحجاز لما ذاق النوى ابن عراق‏

و مما نقلت من خطه قال لكاتبه‏ (4):

يا أيها المنكر من غيره‏* * * بعض الذي فيه تحرى هداك‏

أنظر إلى نفسك في كلما* * * توريكه مما بدا من سواك‏

____________

(1) قلت: وفاته سنة 963 انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2: 197 و شذرات الذهب 8: 337 و الاعلام 5: 12.

(2) النور: يا قائلين.

(3) الأصل: رماد.

(4) من هنا ساقط من مطبوعة النور السافر.

179

أن سلمت من بعضه يا فتى‏* * * و الا تحقق غلبها مع هواك‏

و منه قال و لكاتبه سامحه اللّه تعالى:

وجيه الدين يا من حاز حظا* * * من اللّه الكريم و نال بختا

عهدتك للجميل أبا و أما* * * و للمعروف أهلا منذ كنتا

فكيف نقصتني من بين صحبي‏* * * و إني في المحبة من عرفتا

كتبت جماعة المخدوم طرا* * * و اسمي بينهم فردا تركتا

فخاضوا في الكلام على صنوف‏* * * و كل يدعي وصفا و نعتا

أنا عندي لذلك اعتذارا* * * و لو أبدوا به نقصا و مقتا

كأنك لن تراني ذا احتياج‏* * * لغير الفضل منك إذا فتحتا

أنا راض بما ترضاه قسما* * * فدعهم يضربون الماء حتى‏

فلك مني الدعا سرّا و جهرا* * * و لك مني صفي الود بحتا

و من خطه (رحمه اللّه).

الحمد للّه و كفى سئل الفقير أحمد عبد النافع بن محمد بن عراق بمكة سنة 941 بما صورته، و السائل له بعض الطّلبة و هو محمد بن صلاح الدين الدمنهوي‏ (1).

شيخ علم يفوز يوم التلاق‏* * * بنعيم و روضة و رفاق‏

جئته سائلا و مسترشدا عن‏* * * طرق رشد يهدي لكل وفاق‏

هل يجوز إستماع صوت شجيّ‏* * * مطرب و هو من نوى أو فراق‏

أم حرام سماعه فأجبني‏* * * يا إمام العلوم بالاتّفاق‏

فأجاب بما لفظه:

أيها الحاذق الذكي الراقي‏* * * فنن العلم و هو خير المراقي‏

جاءني منك نظم در يحاكي‏* * * در ثغر الحبيب عند التلاق‏

فيه ما قد قضى بظرفك عندي‏* * * فاقض ما أنت أهله من وفاق‏

____________

(1) كذا في الأصل لعل صوابه الدمنهوري.

180

قلت هل جائز سماعك صوتا* * * يطرب السامعين من عشّاق‏

فأقول استمع هديت لرشد* * * و وفاق منزّه عن شقاق‏

هذه من مسائل قد أجاب العلم* * * اء عنها من ذوي الاشفاق‏

و أطالوا و حّرروا غير أن العل* * * م يجلوا مّحررا في المذاق‏

و قصدت استماع ما هو عندي‏* * * فأقول استمع بحسن خلاق‏

مطلق الصوت حيث كان حسينا* * * جاء في أصل شرعنا باتفاق‏

حبه و اختياره و اقتفاه‏* * * أي بتحسين ما بدا من نزاق‏

و خصوصا لدى التلاوة للقرا* * * ان وصفوا صفوة الخّلاق‏

و أذان و شبهه و إمام‏* * * و كداع لموجب الاشتياق‏

من حداء بعيس حّجاج بيت‏* * * لم يزل سيرها له ذا انطلاق‏

فبذا قد أتت أحاديث تروى‏* * * و سل الحافظين عنها تلاقي‏

كحديث به و ما أذن اللّه‏* * * لشي‏ء و غيره من رقاق‏

و كذا قوله و ما بعث اللّه‏* * * نبيا و شاهدي في الباقي‏

و مقال الرسول رفقا لحاد* * * قد حدا فيه شاهد بوفاق‏

و كفى با يزيد في الخلق في نا* * * ظر و اسأل معاشر الحذاق‏

ذا جواب لمطلق الحسن الصو* * * ت إذا ما بدا بحلّ النطاق‏

و سماع القصيد من شعر ركب‏* * * رام رمل الحجاز في عشاق‏

من رقيق الطباع و هو رقيق‏* * * حسن الصّوت طيب الأعراق‏

جائز مع شروطه و هو عندي‏* * * مثل بيض الأنوق في الإنفاق‏

عدم الآلة الحرام بحال‏* * * و اطراح المحرمات البواقي‏

من نبيذ و شبهة و افتنان‏* * * بمليح مفتّر الأحداق‏

و ادكار لجارية و سواها* * * من حريم لهن مثل الطلاق‏

و يكون القصيد ممن نزهوه‏* * * عن خناء و غلظة و نفاق‏

و كذا ذكر قد ذات دلال‏* * * و نهود و شبه ذا كاختلاق‏

غير أن كلام ساداتنا القوم‏* * * أرى استثناه من الاطلاق‏

فلهم محمل جميل نزيه‏* * * و اصطلاح و لو يرى ذا اغتلاق‏

181

فاذا ما عرا سماعك غمّا* * * منع الشرع فعله باتفاق‏

فاته و استمع و لو مع العيس‏* * * إذا ما به سوى الارتفاق‏

و بهذا الأخير خالف شيخ‏* * * من شيوخي فقال بالاطباق‏

ذا جوابي ملخص فاغتفره‏* * * قاله عبد النافع ابن عراقي‏

حامد و هو أحمد و صلاة* * * و سلام لصفوة الخلّاق‏

انتهى ما نقلته من خطه (رحمه اللّه)، و كان تولىّ الخطابة بالمدينة الشريفة، و تولى قضاء الأقضية باليمن‏ (1)، و للفقيه العلّامة عبد اللّه بن عمر بامخرمة فيه و هو يومئذ قاضي الأقضية بزبيد، لما غاب عنها إلى بندر المخا في أواخر شهر جمادى الأولى من سنة ست و خمسين و تسعمائة و ذلك:

رأيت زبيد في شهر جمادى‏* * * بأول ذا و آخر ذا كئيبة

و بدر جمالها فيه انكساف‏* * * و قد كانت محاسنها عجيبة

فقلت لها أخبرني أي شي‏ء* * * كساك الكسف قالت لي مجيبة

ألست نظرت في علم الطبيعي‏* * * ففي الهيئات علة ذا قريبة

و ذلك أن نور الشمس يعطي‏* * * الضيا للبدر فهي له حبيبة

فحين يحول ظل الأرض عنها* * * عراه كسفه و لقي المصيبة

و شمسي غاب عني فاعتراني‏* * * الكسوف و ضاق عني أنحائي الرحيبة

فإن شمسي تعود يعود نوري‏* * * و تصفوا كل أحوالي الشغيبة

فباللّه اطلبوا ربي يعده‏* * * و يحرسه من النّوب التّعيبة

و يصحبه بتأييد و لطف‏* * * فما يخشى الذي ربي صحيبه‏

[و منه‏] (2):

____________

(1) كذا في الأصل و لعل هناك سقط ورد في أصله الذي ينقل عنه، و هو في النور السافر قد ورد كما جاء هنا انظر النور: 179.

(2) ساقط من (س).

182

سألت زبيد عما قد عراها* * * من الاظلام في وجه و خد

و قلت لها أما سبب لهذا* * * فقالت لي مفارقة الأفندي‏ (1)

و لم أعثر على تاريخ وفاته (رحمه اللّه تعالى).

و في هذه السنة: وصل سلمان بنحو ألفين من الرّوم و عمر كوت‏ (2) كمران 253،

ثم اختلف هو وهم بسبب ميلهم إلى ولد حسين بيك والي زبيد، ثم عزموا إلى تعز و أخذوها من الشيخ عبد الملك بن محمد، و هرب منها و استولوا على جميع ما معه من خيل و سلاح و غير ذلك، ثم تقدموا إلى جبن و المقرانة، و استولوا على تلك الناحية بموالاة طاهر و غيره، ثم حصروا الشّيخ عبد الملك في مضرح‏ (3) مدة، ثم خرج متخفيا إلى آل عمار فنموا به إلى الأروام، فقبضوه و قتلوه بعد أن عذّبوه و بالغوا في تعذيبه و أقيم بعده في عدن أخوه أحمد، ثم إن الأروام نزلوا إلى عدن فقاتلوها فهزموا و قتلوا، و لم يظفروا منها بشي‏ء، فرجعوا و تشتتوا فظفر بهم سلمان فقتل منهم خلائق و سكنت فتنتهم.

و في هذه الأيام بعد إنهزام الترك: هرب الشيخ أحمد بن محمد صاحب عدن في غراب في البحر، فطلع إليه الشريف عبد اللّه بن شيخ العيدروس، و الفقيه عبد اللّه بن محمد بن أحمد بافضل و غيرهم ليردّوه إلى بلده 254

لتنتظم أحوال الناس، فرماهم بالبنادق فرجعوا و سار على نية دخول الهند، فلم يتفق له فدخل قشن‏ (4) بلاد مهرة، فدخلها و جلس فيها أياما، و رجع إلى اليمن فقبله إبن عمه عامر بن داؤد، و جعله في تعز لا يسمن و لا يغني من جوع، إلى أن أخذها الشّريف مطهر إبن الإمام شرف الدين،

____________

(1) الأفندي: لفظة أعجمية بمعنى السّيد.

(2) الكوت لفظة هندية بمعنى القلعة.

(3) مضرح: حصن منيع في بلاد العود و أعمال النادرة.

(4) قشن: مدينة يسكنها آل غفرار سلطنة بلاد المهرة و هي قاعدة ملكهم (العدة 2:

420).

183

فأخذه أسيرا إلى صنعاء كما سيأتي، ثم إن أهل عدن أجمع رأيهم و هم أهل الحل و العقد على تولية البلاد للأمير عبد الصّمد بن إسماعيل و هو عبد مولد لبني طاهر، على إنهم يكتبون لسلمان الرومي بتسليم البلد إليه، ثم إن عبد الصّمد لم يوافق على ذلك، و زعم أن عامر بن داؤد من بني طاهر باق في اليمن، و لا يمكن تسليمها إلى غير بني طاهر ما بقي منهم أحد، فكاتبوا عامر بن طاهر المذكور فدخلها و ملكها، ثم إنه طرد (1) عبد الصمد المذكور إلى زيلع بعد أن مهد له القواعد، ثم أرسل إليه و رضي عنه.

[ذكر الطاعون في اليمن‏] 255

و في هذه السنة: وقع في اليمن طاعون‏ (2) عظيم لم يعهد مثله منذ مائة سنة، و كان ابتداؤه بإب و جبلة و نواحيها، فمات خلق كثير، ثم انتقل إلى تعز و أعمالها فأفنى بها خلقا كثيرا و أخلى قرى من أهلها، ثم انتقل إلى صنعاء و أعمالها، قال الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة (رحمه اللّه): حتى إن سيدنا الفقيه الطّيب‏ (3) ذكر فيما كتب إليّ إنه سمع شخصا من بني الحداد يذكر أن الذي خرج من صنعاء في يوم واحد خمسمائة جنازة، قال:

و بلغني أيضا إنه خرج منها أيضا في يوم واحد ألف و سبعمائة، فسبحان الحي الذي لا يموت.

و في‏ (4) شهر شوال: توفي من هذا الطاعون بتعز الشيخ شجاع الدين عمر بن العفيف 256.

[وفاة الفقيه‏الفاضل القاضي جمال الدين‏]

و في شهر شوال من هذه‏ (5): من هذا الطاعون أيضا توفي الفقيه‏

____________

(1) في (س) طرم.

(2) أنظر خبر هذه الطاعون في روح الروح: 42.

(3) كذا و لعله الطيب عبد اللّه بن عبد اللّه بامخرمة صاحب قلائد النحر كتب إلى ابن أخيه.

(4) قلت: هذه الأخبار ينقلها المؤلف عن زيادة على كتاب. قلائد النحر لبامخرمة و هي من الأوراق التي عثر عليها من ابن أخي المؤلف الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة.

(5) النفحات المسكية 2: 116.

184

الفاضل القاضي جمال الدين محمد بن الفقيه الطيب بن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة (رحمه اللّه) بتعز، و دفن بها و ذلك بعد ان ضربه الطّاعون مرارا و قطعه (رحمه اللّه).

185

سنة أربع و ثلاثين 258

في يوم الخميس سادس المحرم‏ (1): ولي قضاء عدن الإمام العلّامة شيخ الإسلام الطّيب‏ (2) بن عبد اللّه بامخرمة (رحمه اللّه) 259،

و كان الذي سعى في توليته القضاء الذي كان في الوظيفة قبله، و هو القاضي وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد العليم القماط، و ذلك حين عزم على الاستغناء من القضا بعدن، و العزم إلى بلده زبيد، فعزل بالقاضي الطيب المذكور في تقلد الوظيفة، و سعى في ذلك جهده حتى أجاب إلى ذلك بعد امتناع شديد، و وافق ذلك حصول فاقة و ضرورة ألجأته إلى الإجابة و القبول، و اللّه ولي الإعانة و التسديد.

و فيها أول صفر: وصل صفر عبد الأمير سلمان إلى عدن في غراب برسالة من سلمان إلى أهل عدن، يدعوهم إلى السّمع و الطاعة 260،

فأجابه الأمير عبد الصّمد إلى المصالحة، على أن السّكة و الخطبة باسم السلطان سليمان شاه صاحب الّروم، و إن له نصف عشور الهندي‏ (3).

و في أواخر شهر صفر: وصل عامر بن داؤد من الجبل إلى عدن في جماعة قليلة فخرج عليه في الطّريق بدو التوالق‏ (4) فقاتلوه 261،

و قتلوا من‏

____________

(1) النفحات المسكية 2: 116.

(2) هو المؤرخ المشهور صاحب المؤلفات الكثيرة.

(3) أي الموسم الهندي: و هي المراكب التي تصل من الهند.

(4) كذا في الأصل لعله الطوالق بالطاء قبيلة هناك.

186

أصحابه اثنين أو ثلاثة و أثخنوه بالجراحة، فسقط و ظنوه أنه قد مات، فحمل إلى عدن و دخلها، و ذلك بعد أن خطب له بعدن قبل قدومه بنحو شهر، و استمر الحال على الخطبة للسلطان سليمان، و لعامر المذكور على ما ذكرنا في الصلح.

و في شهر ربيع الأول: رجع صفر من عدن إلى زبيد و ظاهر الحال بقاء أهل عدن على الصلح، و بواطنهم على خلافه، ثم إنهم نقضوا الصلح و خرجوا عن الطاعة إلّا أن الخطبة مستمرة بإسم السلطان 262.

و فيها (1): بهذا الشهر أمر السّلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر بضرب الفلوس في الشحر و التعامل بها 263.

و فيها: في شهر جمادى الأولى وصل الخبر بأن سليمان قتل الشريف محمد بن يحيى بن دريب صاحب جازان و ما إليها و استولى على نواحيه تلك و ولي فيها ابن مهدي 264.

و فيها (2): بهذا الشهر وصل الفقيه الصالح عمر بن محمد العمودي و معه جماعة من فقهاء قيدون، و جماعة من أولاده و أقاربه بنيّة الجهاد 265

و ذلك إن الأفرنجي المخذول وصل المشقاص في نحو أربعة عشر خشبة و تخوف أهل الشحر من وصوله، فصرفه اللّه عن الشحر، و كفى اللّه المؤمنين القتال.

و فيها (3): في شهر ذي القعدة أخذ السلطان بدر حريضة من آل علي بن فارس فأسكن فيها آل عبد اللّه 266.

و فيها: شرع السيد الشريف العفيف عبد اللّه بن الطيّب بن عبد الرحمن بن الفقيه محمد مولى عيديد باعلوي 267

في عمارة زيادة بجامع الشحر

____________

(1) العدة 1: 166. و النفحات المسكية 2: 116.

(2) العدة 1: 166.

(3) العدة 1: 166.

187

من جانبه الشرقي، و كذلك في هذه السنة شرع إسماعيل الكرعمي في زيادة للجامع المذكور من جهته الشمالية من الناحية التي فيها البرك و البئر، تقبل اللّه منهما.

و فيها (1): أخذ الإمام شرف الدين صاحب صنعاء رداع على يد ولده السيد مطهر 268.

و فيها (2): أيضا أخذ المقرانة، و وقع في هذه السنة أيضا طاعون بصنعاء و اليمن و أفنى خلقا كثيرا 269.

و فيها (3): أخذ الإمام المجاهد (4) صاحب بر سعد الدين مدينة هرر من بلاد الحبشة و قهر الكفار و واظب على الجهاد في سبيل اللّه 270،

و يحكى من أمر شجاعته أمور غريبة، و كان على قانون الشريعة في إخراج الخمس من الغنيمة و يصرفه من مصارفة في أهل البيت و الفقراء و المساكين، (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) روح الروح: 44.

(2) روح الروح: 43.

(3) النور السافر: 179. و انظر في ذلك تحفة الزمان: 9.

(4) النور السافر: الجواد أحمد.

188

سنة خمس و ثلاثين 271

فيها وصل الخبر بأنه انكسر من مراكب الأفرنج نحو أربعة عشر مركبا و خرج منها جملة من أسارى المسلمين الذين معهم سالمين 272.

و فيها (1) في آخر ربيع الثاني و أول جمادى الأولى: وقع بنواحي الشحر مطر عظيم و خربت ديار و مخازن كثيرة في شحير 273

و روكب‏ (2) و نواحيها، ثم ظهر عقب ذلك خطّ منير مستطيرا (3) من آخر نجوم الجوزاء إلى نحو محاذات بطن الحوت، لكنه متصل بآخر الجوزاء، و منحط إلى جهة الجنوب في الربع الذي بين القطب الجنوبي و مغرب الإعتدالين، و عرضه نحو ذراع أو زائد قليلا، و ليس هو من الآثار الحاصلة في الجو بل هو في نفس الفلك بدليل سيره بسير هذه المنازل التي يجاورها و طلوعه بطلوعها و غروبه بغروبها، ثم انه ضعف و انمحق قليلا حتى اضمحل، فاللّه تعالى يجعله دليل خير للإسلام و المسلمين، هكذا نقلته من خط الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة (رحمه اللّه).

و فيها (4): في شهر جمادى الثاني وصل الخبر بأن صيفا عدلت للسلطان بدر بعد أن خرج أهلها عن طاعة ولد علي بن فارس 274.

____________

(1) العدة 1: 166.

(2) شحير و روكب قريتان بالقرب من المكلا أنظر «أدام القوت: 21».

(3) العدة: مستطيل.

(4) العدة 1: 167.

189

و في‏ (1): يوم الأحد تاسع عشر جمادي الثاني وصل من الأفرنج خذلهم اللّه غراب إلى بندر الشحر،

و صادف فيه مركبا و فيه حمل فوّة و غيرها يريد الهند، فاستولى عليه، ثم إن صاحبه استفكه منهم في حيريج‏ (2) بألف و ثمانمائة أشرفي.

و في هذا الشّهر: وصل خبر بوفاة الشيخ الصالح العفيف بن مرزوق (رحمه اللّه)،

و ذلك بعد رجوعه من الحج.

و فيها: في شهر شعبان وصل خبر من السّواحل بأن مددا من الافرنج وصل من الروم و أخذوا منبسه و أخربوها خرابا عظيما.

و فيها (3): في آخر شعبان قتل الأمير سلمان الرومي بقرية (4) المحاملة قريبا من بندر البقعة (5)

قتله خير الدين ابن أخيه غدرا، ثم إن مصطفى بيرم‏ (6) ولد أخت سلمان رجع بمن معه من جازان، و حاصر خير الدين و زبيد، فخرج إليه خير الدين بمن معه فالتقيا تحت زبيد و قتل جماعة من العسكرين، و كان خير الدين من جملة القتلى و اهتزموا عسكره، و دخل مصطفى بيروم زبيدا ظافرا غانما فوجد أخاه رجب مقتولا تحت بساط ملقى، كان خير الدين عندما أراد الخروج للقاء مصطفى قتله، و استمر مصطفى بزبيد تلك السنة، ثم انتقل منها بجميع أمواله و حريمه و جهّز تجهيزا عظيما إلى حصر عدن، و فيها الشيخ عامر بن داؤد و أخذ في تجهيزه مراكب أهل الهند، و مراكب أهل الشحر، و جهزها مع غربانه و خشبه إلى عدن، و سار

____________

(1) العدة 1: 167. و الشهداء السبعة لبامطرف: 109.

(2) حبريح: مدينة مهربة قديمة تقع على الساحل من الضفة الغريبة من وادي المسيلة الذي يصب غربي مدينة سبحوت (الشامل: 117).

(3) النور السافر: 181.

(4) النور السافر: جزيرة المجاملة.

(5) البقعة: مينا قديم صغير لمدينة زبيد بالقرب منها، و يسمى الآن الأهواب (معجم:

52).

(6) النور السافر: بهرام.

190

بمن معه إلى الجبل من طريق البر، و ذلك بعد أن راسله إبن شوايا و وعده المساعدة على حصر عدن، و قطع برّها، و وصل الخبر في هذه المدة بأن صاحب عدن عامر بن داؤد ظهر له إن جماعة باعوا عدن للأروام، و إن الأمير عبد الصمد من جملة أهل البيع، فلما عثر على ذلك منهم أبدل بأهل الحصون غيرهم من عبيدة و حاشيته الذين يثق بهم و حبس الأمير عبد الصمد و رسم عليه.

و في تاسع ذي القعدة: وصل مصطفى بيرم و صفر في البحر إلى عدن لمحاصرتها،

و وصل جندهم في البر إلى الصادة (1) خامس عشر الشهر و حاصروا البلد، و قاتلوه أشد القتال، و حصل في البلاد غلاء عظيم جدا حتى بلغ الزبدي‏ (2) العدني عشر أشرفية و الجلجل ثمانية أشرفية و الحلبة ستة عشر أشرفيا و الرّطل السمن ستة عشر دينارا، و بلغ وزن القرص الخبز بها أوقيتين شاح و هو بدينار، و مات أناس كثير بسبب ذلك، و سيأتي باقي الكلام في السنة التي بعدها.

و فيها (3): في آخر رمضان رمضان وصل الخبر بأن آل علي بن فارس أخذوا «تولبة» بموالاة صاحبها بايحيى لهم،

و ذلك بعد أن سبق منهم أمور في نقض الصلح.

و فيها (4): في أول شوال عزم السّلطان بدر من الشحر إلى حضرموت ثم إلى دوعن، و حصر «تولبة» حتى أذعن أهلها لتسليمها،

و خرجوا منها على يد الشيخ عمر العمودي، و تسلمها السلطان و أبقى آل بايحي على أموالهم بشفاعة الشيخ عمر العمودي لهم في ذلك، ثم أن السلطان سار إلى السّور، و حط عليها أياما ثم انتقل منها و رجع إلى حضرموت.

____________

(1) يحقق هذا الموضع و لعله صيرة من عدن.

(2) مكيال معروف في ذلك الوقت.

(3) العدة 1: 167.

(4) العدة 1: 167.

191

و فيها (1) في اليوم التاسع عشر من ذي الحجة: وصل الخبر إن السّلطان أخذ المخارم‏ (2) من فارس بن عبد اللّه وردها لأهلها آل بن شحبل.

و فيه‏ (3): أيضا اصطلح السّلطان بدر و آل عامر الجميع عشر سنين و عدلوا له عنق‏ (4) و المنيظرة، و عدل لهم حريضه‏ (5) و القرين‏ (6)

بضم القاف و فتح الراء.

____________

(1) العدة 1: 167.

(2) بلدة تقع شمالي رخية «أدام القوت: 51».

(3) العدة 1: 167.

(4) عنق: بلدة من قرى وادي عمر أنظر «أدام القوت: 55».

(5) مدينة عامرة من وادي عمر «أدام القوت: 56».

(6) بلدة من وادي دوعن بين الخريبة و بضه. أنظر «أدام القوت: 74».

192

سنة ست و ثلاثين‏

في شهر صفر استولى السّلطان بدر على غيل بن يمين، و أخرج أولاد يمين منه.

و في‏ (1) أثناء هذا الشّهر: وصل الخبر بأن السلطان محمد بن عبد اللّه إغتاظ و تعب بسبب ما فعله أخوه السلطان بدر من أخذ غيل بن يمين و نهب أموالهم، و أظهر إنه محشوم من جهتهم حتى قيل إنه أمر ينادى في تريم، ثم إنه راجع السلطان بدر في ردها عليهم فاعتذر عليه فازداد تعبه، و لم يزل الأمر كذلك حتى انه أظهر الخلاف على أخيه بدر، و جاء إلى هينن و أراد الحصن فمنعه الرامي منها و كذلك تريس و تريم منعه الرامي منها، فلما رأى ذلك انتقل إلى بور عند آل كثير فأظهروا له الإجابة إلى ما أراد، و كان أكثرهم يؤد الفتنة بينه و بين أخيه، هذا كله و ابن يمين في جبل الحموم ملتجئا إليهم و مستغيثا بهم في زعمه، فأظهر الأحموم‏ (2) الخلاف على السلطان و تسلطوا على الضّعف‏ (3)، و نهبوا الّناس، و قطعوا السّبل و خوفوا الأظراف‏ (4) و غيرها، حتى إن أهل خرد- بلد قريب الشحر قدر ساعة- و غيرهم، هربوا إلى الشحر و جرت أمور يطول ذكرها، فلما كان‏

____________

(1) العدة 1: 167.

(2) العدة: الأحموم.

(3) العدة: الضعيف.

(4) كذا في الأصل بالظاء المعجمة: و في العدة: الأطراف بالمهملة.

193

يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الثّاني ورد الخبر بأن السلطان بدر انتظم الأمر بينه و بين أخيه السّلطان محمد، و أظهر كل منهما الطاعة و الإنقياد للآخر، و طلب السّلطان محمد من أخيه [السلطان بدر] (1) أن يجعل أمر الغيل إليه فأنعم له بذلك.

و فيها: في هذا الشهر وصل الخبر بأن مصطفى انتقل عن عدن و كان انتقالهم سابع عشر شهر ربيع الثاني،

و ذلك بعد أن طلع منهم جماعة إلى ذراع البرج، و بنوا على موضع منه شبه البرج من خشب و أعطال تراب و قابلوا البرج بالمدافع حتى هدموه، و وقع بينهم و بين عسكر عدن قتال عظيم نحو أربعة أيام، و نصر اللّه أهل عدن عليهم فهزموهم و أزاحوهم عن برجهم، و قتل منهم جماعة، و هلك منهم آخرون بالسقوط من الجبل، و ذلك بعد أن أيس أهل عدن أو كادوا، و أيقنوا بالهلكة فنادى فيهم مناد الفرج: لا تيأسوا من روح اللّه انتهى كلام الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة.

و قال الفقيه عبد اللّه باسنجلة (2):

و فيها اشتد حصار مصطفى على أهل عدن حتى أكلوا أهلها الميتة و الأهرار و الكلاب‏

و العياذ باللّه، و رجع منه خائبا بعد أن أفنى أموالا عظيمة، و جموعات من كل مكان ما اتفق لغيره جمعها، و لكن اللّه غالب على أمره، فرجع إلى زبيد فدخلها و حاله مضطرب من خوف الاستبداد بالأموال، و إقدامه على قتل أمير زبيد و عظمائهم، و لم يزل ذلك يتردد في خاطره، ثم انه استخلف مكانه بزبيد اسكندر موز (3) و بكمران النّاخوذ أحمد التركي و سار يريد الهند إنتهى، قال الفقيه عبد اللّه بامخرمة: و فيها في شهر ذي الحجة تجهز مصطفى بيرم إلى الهند خوفا من مخدومه و انتقل من كمران يوم الحج و ذلك بعد أن قرب عمارتها من مخدومه لأن صاحب جوّة تضرر بعمارتها بسبب الموسم، ثم‏

____________

(1) ساقط من (س).

(2) النفحات المسكية 2: 117.

(3) في الأصول: مور بالمهملة و أصلحناه من البرق اليماني: 56.

194

إنه أناب بعده بزبيد الشّريف الأعجمي فلما علم اسكندر بذلك تجهّز و دخل زبيد و تولاها، و لما وصلت خشبهم «المخا» غرقت برشة عظيمة من برشهم، فرفعوا منها بعض المال الخفيف و غرق الباقي، و ذكر أن فيها كثيرا من المدافع العظيمة العدد الوافرة، و لم يسلم من ذلك شي‏ء، و لما وصلت خشبهم قريبا من شرمة ردّهم الأزيب‏ (1) و اتفق أن دخلوا الشّحر، و من جملة الخشب التي دخلت الشحر برشة فيها مصطفى، و صفر، فخرج صفر إلى البلد بعد استئذان السلطان، و خرج معه بخلعه و كساء للسلطان بدر و الأمراء، و أما مصطفى لم يخرج بالكلية انتهى، و سيأتي باقي الكلام في السنة التي بعدها.

و فيها (2): في رابع و عشرين في شهر ربيع الثّاني ورد الخبر بأن السّلطان محمد رد الغيل إلى أولاد يمين، و خرج منها خادم السّلطان بدر و الجماعة الذين رتبهم فيها.

و فيها: في شهر جمادى الأولى أو الأخرى، وصل الشحر مركب من بادقل‏ (3) و فيه رجل من الأفرنج طلب الأمان على نفسه على أنه تاجر خرج للبيع و الشراء فأعطي الأمان و ابتاع و اشترى.

و في صباحية الاثنين تاسع عشر شهر رجب‏ (4): وصل من الأفرنج غراب فيه جماعة منهم و معهم جماعة أسارى من المسلمين،

فطلبوا الأمان ليخرجوا إلى البلد فأمنهم السّلطان، فخرجوا فابتاعوا و اشتروا فيها ثم عزموا إلى أصحابهم الذين ببر العجم.

و فيها: في حادي عشر شعبان وصل نحو سبع خشب من الأفرنج إلى عدن و وقع الكلام بينهم و بين صاحب عدن على صلح،

على أن الموسم‏

____________

(1) الأزيب: الجنوب من الريح أو النكباء تجري بينها و بين الصبا.

(2) العدة 1: 168.

(3) كذا في الأصل. و لعله اسم بلد بالهند.

(4) الشهداء السبعة: 109.

195

الصادر منها و الوارد إليها في الأمان منهم، إلّا ما كان إلى الديو وجوجة (1) أو منها فإنه لا أمان له، ثم لما عزموا على الرجوع أبقوا منهم جماعة بعدن مهاترة (2) و غيرهم نحو أربعين، فأقاموا بها و صاروا يزفّون مع العسكر يوم الجمعة ببنادقهم و سيوفهم و غير ذلك من أسلحتهم و زينتهم، و هذا الذي فعله صاحب عدن من الأمور المنكرة المذمومة و قد أنكره عليه الفقهاء، فلم يستمع، و سبب ارتكابه لذلك خوفه من الرّومي على بلده، و لعمري لقد أخطأ الرأي و أساء التّدبير، و أغضب ربه العلي الكبير، انتهى.

و فيها: ولد شيخنا الفقيه الصّالح العلّامة محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه)، و توفي سنة ست بعد الألف (رحمه اللّه).

____________

(1) كذا في الأصل و لم أقف على هذه البلدة و سيرد ذكرها في موضع آخر باسم «جوجلة».

(2) كذا في الأصل، و لعله جمع مهتار و هو لفظ فارسي يطلق على كبير كل طائفة من غلمان البيوت كمهتار الشراب خاناه، و مهتار الطست خاناه، و مهتار الركاب خاناه (معجم الألفاظ التاريخية: 146).

196

سنة سبع و ثلاثين‏

في يوم‏ (1) الأحد وقت الفجر رابع شهر محرم: سافر مصطفى بيرم، و صفر سلمان، و من معهم من بندر الشحر،

و ذلك بعد أن ذكروا للسلطان بدر أن مركبا من مراكبهم بعدهم فيه أولادهم و نسائهم، و أولاد سلمان و أخدامهم، و أوصوا السلطان انهم إن دخلوا الشحر يقيمون تحت نظر السلطان، فاتفق أن دخل المركب المذكور المكلا، فأرسل السلطان الجمال و الشقاديف‏ (2) و أنزلهم على نظره في البلد.

و في يوم الخميس ثامن الشهر: وصل غراب من الافرنج الذين كانوا مقيمين بعدن، و صادف قريبا من بندر الشحر مركبا فنهبوه،

ثم لما كان أول يوم الجمعة صادفوا جلبة دون الحامي، و قد علموا أنه افرنجي فقاتلوه فقتل من المسلمين ثلاثة بالبنادق، ثم لم يظفر الملعون منهم بشي‏ء، و انصرف بحسرته، و ظاهر أمره أنه عازم إلى الهند ينذرهم خروج الأروام، و بقي في عدن منهم نحو ثمانية.

و في‏ (3) يوم الاثنين ثاني عشر الشهر: رجع الأمير مصطفى و من معه إلى بندر الشحر ردهم الأزيب، ثم عزم أيضا فلم تساعده الريح، و رجعوا من جزيرة شرمة (4) إلى بندر الشحر يوم الثلاثاء سابع و عشرين شهر محرم،

____________

(1) العدة 1: 169.

(2) جمع شقدوف مركب كالهودج تحمله الجمال.

(3) العدة 1: 169.

(4) شرمة: فرضة على ساحل البحر شرقي الديس من ناحية الشحر أنظر «أدام القوت:-

197

و عزم على الإقامة بالشحر إلى أوان الموسم، و تلّقاه السلطان بدر عند خروجه إلى الساحل بالخيل و الجند، و دخل به البلد في موكب عظيم صباحة (1) يوم الجمعة سلخ محرم المذكور و أنزله في داره.

و في‏ (2) يوم الثلاثاء رابع شهر صفر: عزم السّلطان بدر إلى حضرموت و الكسر لمحاربة آل عامر،

و أعطاه الأمير مصطفى من الأروام مائة رجل و مقدّمهم صفر سلمان، ثم نزل على السّور بعد عشرين في هذا الشهر و حاصرها، ثم وصل الخبر بأن فارس وصل إلى المحطة و صالح السلطان هو و أخوه عمر على تعديل عنق على الطاعة و التبعية.

و في‏ (3) ليلة الأحد ثالث عشر ربيع الثّاني: سافر مصطفى من بندر الشحر قاصدا الهند خوفا من وصول الافرنج‏

و أمّا الجماعة الذين أرسلهم مع السلطان بدر فباقون هم و صفر سلمان في محطّة السلطان.

و في أواخر ربيع الثاني: اصطلح السلطان هو و آل علي بن فارس على تعديل مصنعة الهجرين و المنيظرة عشر سنين على السمع و الطاعة و التبعية له.

و في يوم الأربعاء سادس جمادى الأولى: وصل السلطان إلى الشحر.

و في‏ (4) يوم الخميس خامس عشر الشهر المذكور: وصل غراب من الافرنج و دخل بندر الشحر

و صادف فيه جملة مراكب وصلت من الديو فأراد أخذ ما فيها، فطلع إليه صفر بجماعة من الأروام، فقصدوه فلما رآهم هرب، ثم في اليوم الثاني و هو يوم الجمعة ورد الخبر بأن هذا الغراب‏

____________

43».

(1) العدة: صبيحة.

(2) العدة 1: 169.

(3) العدة 1: 169.

(4) العدة المفيدة 1: 169.

198

صادف على الحامي مركبا من الهند، و أخذه، فجهز السلطان جماعة من الأروام، مقدمهم صفر و طلعوا في غراب، و جماعة من المهرة في طراد، و قصدوا إليه، فلما عرف انهم تجهزوا أخذ الناخوذا و المعلم عنده، و لما قاربه التّجهيز هرب، فطرده فلم يلحقوه، و رجع بالمركب إلى الشحر سالما، و لم يفت من حمله شي‏ء.

و في أواخر جمادى الثاني: ورد الخبر من دايرن‏ (1) و غيرها بأن الافرنج خذلهم اللّه اجتمعوا بحرة (2) الجزيرة المشهورة في نحو ثلاثمائة مركب 302،

ثم إنهم تحصلوا بجمعيتهم في خيول على إنهم يريدون الديو اللّه تعالى يدمّرهم.

و في ليلة الأحد خامس عشر شهر رجب: سافر سلمان من بندر الشحر قاصدا الهند 303.

و في يوم‏ (3) الاثنين سادس عشرة: وصل الخبر من المشقاص بأن جماعة من حصويل‏ (4) و هي المشقاص طلعوا في سنابيق بالليل و أخذوا غراب من الافرنج الذي يتخطف على المشقاص و نواحيها، ثم قتلوا الجماعة الذي فيه من الافرنج 304،

و هذا الغراب هو الذي ذكرناه آنفا أنه قصد بندر الشحر و طلعوا له الأروام فطردوه فهرب.

و في‏ (5) ثاني و عشرين شهر شعبان: خلع الشيخ عمر بن الشيخ أحمد العمودي نفسه من ولاية الحصون التي تحت نظره منها صيف و بضة 305،

و تولى عوضه أخوه عثمان، و ذلك بعد أن ظهر من عثمان تشويش و تعصيبات على أخيه الشيخ عمر، و هو الذي أفضى بالشيخ عمر إلى‏

____________

(1) كذا و لم نعرف هذا الموضع.

(2) كذا و لعل صوابه جوه.

(3) العدة 1: 170.

(4) حصويل: من قرى قشن من بلاد المهرة انظر «بلاد المهرة لياسر: 51».

(5) العدة 1: 170.

199

الإنخلاع.

و في آخر الشهر المذكور: وصل الخبر من نواحي الديو بأن مصطفى دخل الديو بالسّلامة، و أن الافرنج خذلهم اللّه وصلوا عقبه بنحو سبعة أيام 306

بتجهيزهم و ذلك نحو ثلثمائة مركب و في بعضها نوره، على أنهم إن لم يظفروا بالديو بنوا بيت «شالجوه» (1) و هو موضع بقرب الديو، فوجدوا في بيت «شالجوه» نحو ألفين من الجند، فنزلوا إليهم و قاتلوهم، و قتلوهم عن آخرهم، و قتل من الأفرنج نحو الخمسمائة، ثم إنهم طلعوا خشبهم و قصدوا الديو، ثم إن اللّه سبحانه و تعالى نصر المسلمين عليهم و قتلوا منهم ألفا و خمسمائة سوى من سواهم من المتنصّرة و الأتباع من المنيباريين و غيرهم و أسروا خلقا كثيرا و أغرقوا من خشبهم نحو الأربعين خشبة، و استقلعوا منهم عشرين و رجعوا منها مهزومين مكسورين، ثم تواتر الخبر و استفاض من بلدهم «جوه» و غيرها بذلك و الحمد للّه على ذلك.

و في آخر الشهر المذكور: وصل غراب من غربان الافرنج و فيه مسلمون، و حقق هذا الخبر 307

و أرادوا الإحتيال من أخذ أصحابهم الذين بعدن لأن صاحب عدن خطب للسلطان سليمان بن عثمان صاحب الروم، و دخل في طاعته فأيس الإفرنج من موالاة صاحب عدن و موادّته، ثم لما شعر باحتيالهم للهرب أمر بتقييدهم فقيدوا، ثم حبسوا، ثم أن غالبهم أظهروا الإسلام ففرقهم في حصون اليمن و جباله لخدمة البندقه انتهى كلام الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة.

قال الفقيه عبد اللّه باسنجلة: و لما وصل الأمير مصطفى بييرم الهند حصل له عز عظيم عند سلطان «كجرات» و هو السّلطان بهادر شاه بن السلطان مظفر شاه، و جعل له «خطاب رومي خان» كما هو عادة سلاطين الهند، و الخواجا صفر سلمان أعطاه خطاب «خداوند خان» و بعد ذلك خالف عليه مصطفى لما خرج عليه سلطان المغل همايون صاحب أكره‏

____________

(1) في تحفة المجاهدين: 253 «شبيول».

200

و دلي، و أخذ جميع كجرات و هرب السلطان بهادر شاه إلى شتور، ثم إلى المندوين ثم إلى شب النير، و حمل بعض خزائنه معه، و خلف الأكثر، ثم دخل الديو، و صالح الافرنج و بنى لهم كوت في الديو، فاتصل بالبحر، و كان مصطفى بيرم فارقه من شتور، و دخل على السلطان همايون المغل، و فرح به و قربه و سار معه إلى الديو، و كان أهل مصطفى و عياله بالديو فأرسل إليه بعياله فأخذهم و رجعوا من الديو، و أما الخواجا صفر سلمان و جماعته فلم يخالفوا عليه بل لزموا الوقوف مع بهادر حتى قتلوا الافرنج كما سيأتي، و لم يزل بهادر يقاتل المغل مدة و نصره اللّه و خمدت الفتنة و رجعت له ولايته.

و فيها: في شهر ذي القعدة كان مولد السيد الشريف أبي بكر بن محمد بن الطيب بن عبد الرحمن بن الفقيه محمد بن علي مولى عديد باعلوي 308 (1)

و توفي إلى (رحمه اللّه) و رضوانه آخر يوم الجمعة، سبع و عشرين في شهر رجب سنة إحدى عشرة بعد الألف (رحمه اللّه).

و في ليلة الأحد بعد العشاء: هبّت ريح من جهة القطب الشمالي في غاية القوة و أتلفت كثيرا من النخل في جهة الشحر 309.

و في اثنى عشر ذي الحجة: ظهر كوكب من جهة المشرق له ذنب، مضي‏ء و ذلك قبيل الفجر فمكث نحو ثلاثة أيام ثم غاب 310.

و فيها: قتل السيد الشريف جمال الدين محمد بن عبد اللّه بن الحسين المشهور بالشويع صاحب صعدة و الجوف 311،

قتل بالجوف الأسفل بقرية يقال لها الخلق قتلوه بنو عمه ناصر بن أحمد بن محمد بن الحسين و بنو عمه في ملقاة التقوا فيها، و قتل بها المذكور و جماعة آخرون و دفن في براقش (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) هو المعروف ببافقيه قريب المؤلف و أظنه عمّه، و هذا المذكور هو ممدوح الشيخ عبد الصمد باكثير كما سبق ذكره في المقدمة.

201

سنة ثمان و ثلاثين 312

في ليلة السّادس أو السابع من المحرم: ظهر الكوكب المذكور من آخر سنة سبع من جهة المغرب بعد غروب الشمس 313،

و له كيفيه في تنّقله ليست لشي‏ء من الكواكب، و ذلك أنه أول ظهوره بالمغرب في مسامتة السماك الرامح بين يديه من جهة المغرب، و كان بينه و بينه إذ ذاك أكثر من مقدار منزله أعني في الطول بين المشرق و المغرب، ثم أنه صار يتنقل من موضعه ذلك في جهة الطّول و العرض جميعا، حتى وصل من آخر المحرم إلى قريب مسامتة الأعزل من جهة المشرق.

و في آخر يوم الاثنين تاسع و عشرين محرم: عزم السلطان بدر (رحمه اللّه) إلى حضرموت من الشحر و معه جماعة من بيت محمد منهم سليمان بن سعيد، و سليمان بن صنوه و علي بن شافع و آخرون 314،

و أظهر أن سبب عزمه أنه يريد نصر آل عبد العزيز و إعانتهم على القرا و أما بيت زياد فإنهم ظنوا ظنا قويا إنه يريد المشقاص بيت محمد و تمكينهم من بناء حصنهم، و ذلك بعد إن ظهر بين السلطان بدر و بين بيت محمد ما يقتضي ذلك، و مع ذلك فالسلطان غير مرتضى ذلك، و كذلك غالب الناس غير مستصوبين ذلك، و اللّه يفعل ما يشاء.

[وصل الخير من بر سعد الدين إن القراد أحمد بن إبراهيم غزا الحبشة]

و في هذه الأيام‏ (1): وصل الخير من بر سعد الدين إن‏

____________

(1) أنظر تحفة الزمان (فتوح الحبشة) لعرب فقيه: 17.

202

القراد (1) أحمد بن إبراهيم غزا الحبشة، و أنه استفتح منها مدنا عظيمة و جهات واسعة و التقى هو و الحطى، فهزم اللّه الحطى، و لم يزل مهزوما مخذولا، و القراد في أثره يستفتح المدائن و يقتل و ياسر حتى التجأ الحطى إلى جبال هناك في مفازة، و قيل أنه ركب البحر و التجأ إلى جزائر هناك، و صارت الحبشة أو غالبها في أيدي المسلمين بحمد اللّه، و لم يعهد مثل ذلك فيما بلغنا و للّه الحمد و المنة.

و في: شهر جمادى الأولى وقع في جهة الشحر و حضرموت و الكسر و دوعن برد عظيم 316

بإسكان الرّاء ما يعهد مثله منذ زمن طويل، حتى أن المياه في الكسر (2) و الهجرين جمدت في البرك و الحياض و الحباب، و تلف غالب الزرع بحضرموت و الكسر و غيرهما.

و في ليلة الثلاثاء مستهل جمادى الأخرى: قبض السلطان بدر على محمد بن علي بن فارس و قيده فتحشموا فيه الشّنافر و العوامر من آل عبد العزيز 317

لأنهم كانوا ضمناء في الصلح بينه و بين السّلطان، فأما الشنافر فدخلوا السور عند آل عامر، و أما العوامر فبقوا بجعيمة منتظرين وصول حطاب من نواحي ظفار، و هو شيخهم، و أما السلطان بدر فإنه عزم إلى هينن للصّياله على بلدان آل عامر، و ندب إلى آل جابر للمسير معه فلم يجيبوه، و يقال أنهم بينهم و بينه و بين نهد صلح لم تنقض مدته حينئذ، و ذلك بعد أن أباحهم السلطان زروع نواحي شبام و الغريب و موشح‏ (3) يرعونها مواشيهم، رجاء أن يجيبوه إلى الصيالة معه فلم يجيبوه لما ذكرناه.

و في‏ (4) أثناء هذا الشهر: وصل خبر بأن الشّيخ عثمان بن أحمد العمودي صاحب قيدون و ما إليهما اختلف هو و نهد و عدّلوا له الهجرين 318،

____________

(1) فتوح الحبشة: 6 «الجراد» بالجيم المعجمة و لعله لقب لملوكهم.

(2) الكسر: في وسط حضرموت جهة واسعة أنظر «أدام القوت: 101».

(3) موشح: قرية سيأتي ذكرها في آخر الكتاب في معجم البلدان.

(4) العدة 1: 171.

203

و بعد ذلك بأيام وصل الخبر بأنه استولى على الجبل، و هو من نواحي دوعن من جملة ممالك السلطان بدر، ثم وصل الخبر بعد أيام: بأن السلطان استأصل خراب القويرة.

و في جمادى الأخرى وصل طراد من المشقاص فيه رجل من الإفرنج و فيه بضاعة رز و غيره، فطلب الأمان و ابتاع و اشترى.

و في‏ (1) هذه المدة: وصل الخبر من المشقاص بأن أحمد بن جردان و سعيد بن عبد اللّه بن عفرار، حشدوا قبائل مهرة و أظهروا أنهم يريدون الشحر 319

و لم يساعدهم محمد بن طوعري، و بقي، أهل الشحر في هذه المدة في غاية ما يكون من الخوف بين فرنجي و مهري، و بدوي، لأنه شاع في هذه الأيام أن جماعة من آل عبد العزيز نحو المائتين ساروا من السور ما عرف إلى أين توجهوا، و قرع أهل الشحر على تباله و الغيل، لأن التجار و سواهم قد نقلوا غالب أثقالهم إليها.

و في هذه الأيام: وصل الخبر بأن الشيخ عثمان العمودي أخذ هدون و رحاب من دوعن 320.

و في عشية السبت سادس عشر جمادى الأخرى: ظهر غراب من الافرنج على بندر الشحر يقطع الطريق 321.

و في آخر ليلة الأحد سابع و عشرين: وصل سليمان بن أبي بكر باهبرى و هو من أتباع العمودي و أنصاره في نحو مائة و خمسين رجل من البدو إلى تبالة، و نهبوا فيها مواضع و امتنعت عليهم منها مواضع 322،

و ذلك بعد أن صار في تبالة مال عظيم للمتهومين الواصلين من جدة من جوخ و زئبق و مرجان و غير ذلك و سبب أخراجهم المال المذكور إلى تباله الخوف عليه في الشحر من الافرنج.

و في هذه الأيام: وصل الخبر بأن الشيخ عثمان العمودي أخذ القرين‏

____________

(1) العدة 1: 171.

204

أدخلوه أهلها، و أنه بقى الحصن محصورا، و كذلك وصل الخبر أن الشيخ قاتل الخريبة، فقتل من أصحابه أربعة و لم يظفر منها بشي‏ء 323.

و في صباحية الأحد المذكور: أصبح الغراب الافرنجي المذكور يطرد مركبا ظهر من الهند من بادقل، و تلاحق هو و إياه و وقع بينهما قتال بالمدافع و البنادق، ثم أن الإفرنج رموا على مركب المسلمين برمتين باروت من الدّقل فضعف حالهم و استسلموا بعد أن قتل منهم جماعة، و رمى جماعة منهم أنفسهم في البحر نحو الاثني عشر، و فيهم جراحات من البندق.

و في صبيحة يوم الجمعة ثاني يوم من شهر رجب: ظهر مركب من الهند فقصده الغراب الافرنجي فطلع جماعة من المتوهين في الشحر من الأروام و المغاربة و غيرهم في سفن صغار، ليقطعوا بينه و بين المركب 324

بادقلا فلما رآهم قاربوه رجع عن المركب الذي قصده و ترك مركب بادقلا و هرب، و ذلك بعد أن كان قد أخذ من مركب بادقلا لما استولى عليه شيئا خفيفا.

و في يوم الجمعة المذكور: انتقل السلطان من حورة إلى هينن قاصدا دوعن 325،

ثم وصل الخبر بأنه رجع إلى هينن و أمر الجند بالرجوع إلى أماكنهم إلى حضرموت.

و في هذه الأيام: وصل الخبر بأن الشيخ أخذ الخريبة بمساعدة أهلها على ذلك و بقي الأمير عطيف في المصنعة محصورا 326.

و في هذه الأيام: أذن السّلطان لصاحب سبيخ في بنائها فسار ليبنيها فاقتطع في الطّريق، فأتى به إلى ثابت فوبخه، ثم أذن له ثم لما بناها تبع الشيخ و أظهر له الطاعة 327.

و في يوم السّبت عاشر رجب وقت الفجر: ظهر كوكب الذنب 328

الذي ذكرناه أولا. و كان ظهوره في المرة الأولى من نحو مطلع العيوّق أو قريبا من ذلك، و في هذه المرة الثّانية كان ظهوره من نحو مطلع العقرب.