تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
305

و العالم المعول عليه و احتاج الناس إلى علمه و قصدوه بالفتاوى من النّواحي البعيدة (رحمه اللّه تعالى) لكنه قد يتساهل في الفتاوى، و يترك المراجعة لا سيّما في أواخر عمره، فاختلفت أجوبته و تناقضت فتاواه، و كان ذلك مما عيب عليه و اللّه أعلم.

[وفاة الشيخ شهاب الدين الحلبي‏] 584

و فيها (1) توفي الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن علي الحلبي تلميذ سيدنا الشيخ أبو بكر بن عبد اللّه العيدروس و أخذ عنه و تخرج به و اختصّ بنظره، و كان مكث في ملازمته نحو من عشرين سنة، ثم أمره بالدخول إلى الهند و الإقامة بها فدخلها، و أخذ عنه جماعة كثيرون، و انتفع به خلائق لا تحصى، و كان قبل دخوله في هذه الطريق من أعيان التجار فآثر زيّ الفقراء، و ترك ما كان عليه من أسباب التجارة، و كان حسن الخط حكي أنه كان بمكة و كان يتعانى تعلم الخط فلقيه رجل بالمسعى، و قال له: إذهب فقد أعطيناك الخط [و الحظ]، قال: فلما لقيت الشيخ أبا بكر و تلمذت له، قال لي: تذكر ما قال ذلك الشخص و تدري من هو و ما عنى بذلك، فالرجل أبو العباس الخضر و ما أشار إليه من الحظ فهو نحن نفع اللّه به.

[وصول الأروام إلى عدن‏] 585

و فيها يوم الأربعاء و العشرين من شهر رجب: توصلوا أربعة غربان أروام فيها نحو مائة رجع منها واحد إلى عدن و بقوا ثلاثة، و السلطان بدر بريدة المشقاص لأنه سار يوم الأحد ضحى و الأروام توصلوا يوم الأربعاء و ما سار حتى علم بهم في المكلا و استقوا و استخلصوا المجيمر (2) بالمكلا، ثم مروا بالشحر و إلى المشقاص فدخلوا حيريج، و وقع بينهم و بين أهل حيريج محاربة و كان فيها ربعين بن عفرار و عبود بن خردان، ثم صروا إلى قشن و طلبوا منهم قطعة مثل صاحب الشحر فامتنعوا فأحربوه و ضاربوه، و ذلك بعد تقدم الهدية و السّقاء فلما خالفوا عليه رجع إلى جهة

____________

(1) النور السافر: 214.

(2) كذا و في العدة «الحيمر». و لعله موضع بالمكلا.

306

خلفات‏ (1) و رجع إلى قشن، و قبض عبود بن خردان، و أحمد بن علي بن حقيبة المحمدي وجدهم في سنبوق حوالى سيفة (2) عتاب قبضهم و قيدهم، و قبضوا طرادا فيه حريم لآل كثير يريد ظفار، و معهم خط من السلطان بدر، فلما وقفوا على الخط تركوهم و علم السلطان بقبض المهرة فأرسل إليهم عبده يوسف التركي على أنهم يفكوهم.

و في يوم الخميس خامس و عشرين من رمضان: توصلوا الثلاثة الغربان من المشقاص إلى الشحر و اجتمعوا بالسّلطان بدر، ثم عزموا إلى المشقاص ثاني عيد الفطر فلحقوا طرادا لمحمد بن عبد اللّه بن عفرار صاحب سقطرى فيه جماعة أسروهم، و بعضهم أطلقوهم، و وجدوا برشه إفرنجي فيها بعض حمل و فيها ثمانية إفرنج فجحبوا (3) البرشة إلى الساحل فقتلوا واحدا من الإفرنج و أسروا واحدا قلت: و أظنها ساقطه من بعض بنادر الإفرنج.

[وقوع خلاف في بر سعد الدين و قتل الإمام المجاهد] 586

و فيها: وقع خلاف في برّ سعد الدين و قتل العباس بن الإمام أحمد المجاهد قتله الحطى و جماعة من الماخضه و أخذوا دواروا (4)، و بعد أن عثمان جهّز خلف الحطى إلى دواروا فأخذها و هزم جماعة الكفرة و أخذ بثأر العباس و أصحابه.

[وفاة الشيخ محمد بن أحمد باوزير] 587

و فيها: توفي الشيخ اللبيب الأديب الشاعر الفطن جمال الدين محمد بن أحمد باوزير البيتي، نسبة إلى مكان من أعمال غيل باوزير في شهر ربيع الثاني، و له شعر غالبه جيّد، و كان بينه و بين الفقيه عبد اللّه بن عمر بامخرمة صحبه أكيدة و مكاتبات لما أقام الفقيه بعدن، فمن شعره قصيدة يمدح بها الفقيه عبد اللّه أرسلها إلى عدن أولها:

____________

(1) في العدة: خلفائه. و في معجم بلدان حضرموت «خلفوت».

(2) كذا و في العدة «سيف».

(3) أي وصلوا بها إلى الساحل.

(4) دواروا: بلدة من الصومال أنظرها في فتوح الحبشة: 8 ..

307

خانت يد الدهر يا عليا و لم أخن‏* * * و كان في الكون تكوينا و لم أكن‏

كأنه قد قضى الرحمن فرقتنا* * * كما يفرق بين الروح و البدن‏

لم أرتض شطنكم لكن بغير رضى‏* * * مني و أي محب يرضى بالشطن‏

أقوت ديارك يا عليا فبت أسى‏* * * أبكي بها و حمام الأيك تسعدني‏

و من مديحها:

باجيرة بربى سمعون معذرة* * * الجسم عندكم و الروح في عدن‏

طابت محلا بمحيي العلم ناشره‏* * * مؤسس الحلم و الآداب و السنن‏

فتى يبرز للفتوى و أي فتى‏* * * له فتوة أهل الشام و اليمن‏

و منها و هو في آخرها:

من لي بفتح خفيات مكتمة* * * منهن سرا و باقيهن في العلن‏

يعّز إدراكها من غيره و له‏* * * تأتي على رسنها طوعا بلى رسن‏

فلما وصلت إلى الفقيه بعدن جوب عليها بقصيده أولها:

أهلا بشعر كدر في النظام سني‏* * * ما ان له و أبيك الدهر من ثمن‏

حكى الفصاحة في ألفاظه و غدا* * * من البراعة في أعلى ذرا القنن‏

من كل معنى عجيب مطرب عجب‏* * * صعب المرام على الأذهان و الفطن‏

و في تغزله للّه ناظمه‏* * * ذوق برقته قد كاد يسكرني‏

و كدت أسمع من أطرابه نغما* * * كأنما ناطقات العود في أذني‏

من سيّد من بني السادات أفضلهم‏* * * أعنى الجمال حباه اللّه بالمنن‏

وافى فهيج لي شوقا أكتّمه‏* * * و زاد تذكاره شجوا على شجن‏

و ذكّر الصب شجوا ما نسيه و هل‏* * * ينسى الفتى صحبة الأخيار و الوطن‏

يا نازحين رعى الرحمن ودّكم‏* * * و قصر اللّه طول البعد و الشطن‏

الروح عندكم ما أن تفارقكم‏* * * و إنما الجسم فرد حل في عدن‏

و الدّهر من طبعه الأضداد فهو إذا* * * ما سر أبدله في الحال بالحزن‏

و إن يجمع أحباب يفرقهم‏* * * و إن يؤلف أغرى القوم بالفتن‏

308

و غير مستغرب من أمر عادته‏* * * رفع النذول و وضع الفاضل الحسن‏

و كيف لا و أمور الطبع غالبة* * * و أمر دهرك مبني على دخن‏

أنظر إلى قول قوم قد مضوا سلفا* * * في أحسن الأعصر الغراء و الدّمن‏

أتى الزمان بنوهم في شبيبته‏* * * فسّرهم و أتينا الدّهر حين فني‏

غاض الوفاء و فاض الغدر و انفرجت‏* * * مسافة الخلف بين الفعل و اللسّن‏

و شان صدقك عند الناس كذبهم‏* * * فهل يطابق ذو عدل بمفتتن‏

يا دهر زد إن‏ (1) تشا ضري معاندة* * * فلست أرجع عن طبعي و عن سنني‏

و لو أردت أرى فوق النجوم علا* * * ما فاتني ذاك في شام و لا يمن‏

و كنت أسحب ذيل التيه منتصبا* * * فوق السما و أقود الدهر بالرسن‏

لكنني لست ممن يلهه طمع‏* * * يذله أو يبيع الدين بالثمن‏

إني أقاتل أهل التيه إن نظروا* * * بالتيه مني و أهل الوهن بالوهن‏

و لا أرى الذّل لي خذنا و إن بعدت‏* * * بي النوى عن الأوطان و السكن‏

____________

(1) تشا من كلام أهل اليمن «معروف».

309

سنة اثنتين و خمسين 588

[وفاة الشيخ أبي الحسن البكري‏] 589

في ربيع‏ (1) الأول الرّابع عشر منه: توفي الشيخ الكبير العارف باللّه الأستاذ قطب الوجود أبو الحسن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن يعقوب بن نجم الدين بن عيسى بن داؤد بن نوح بن طلحة بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديقي الشافعي الأشعري المصري (رحمه اللّه)، و أم جده الأعلى أحمد بن محمد فاطمة بنت السيد الشريف تاج الدين القرشي بن عبد الملك بن يزحم بن سليمان بن حسان بن محمد بن علي بن الحسين بن الحسن المثنى بن الحسن السبط، و كان من أكابر أهل العلم بل قيل أنه كان مجتهد زمانه و المجدّد على رأس المائة التاسعة، و كان أحق النّاس بالقضاء، و قد عرض عليه فامتنع منه فولى‏ (2) تفا المجمع على أنه فريد عصره علما و ولاية و حالا و أفصح أهل زمانه قلما و مقالا، و أعظمهم سؤددا و جلالا و رفعة و كمالا، عالم المسلمين دون نزاع و شيح مشايخ الإسلام الذي انقطعت عن مضاهاته الأطماع و انتشرت مصنفاته كالآخذين عنه إلى سائر البقاع، و اشتهرت كراماته و مكاشفاته حتى روتها الألسن و أوعتها الأسماع، خاتمة المحققين و لسان المتكلميّن حجة

____________

(1) النور السافر: 369. و انظر ترجمته في: شذرات الذهب 8: 292 و جامع كرامات الأولياء للنبهاني 1: 181 و الأعلام: 7: 57.

(2) كذا و في النور: قولا باتا.

310

المناظرين بقية السّلف الصالحين، و كان شيخ الطريقة و أحفظ من على وجه الأرض بالحقيقة، و أفصح أهل زمانه على الإطلاق و أعظمهم نورانية (1) بالاتفاق، أعماله أغلبها قلبية، و علومه أكثرها و هبية، لا يتكلّم في المحبة إلّا رأيته ذا شوق شديد، و لا يذكر باللّه إلّا ألان قلوبا في القساوة كالحديد، تخال من حضر مجلسه من القوم بسماع كلامه سكارى، و قلوبهم في شهود جماله عند تنزل التجليّات عليه والهة حيارى، لا يرتاب ناظره مع سماع كلامه أنه من أرباب القلوب، و أن المتنزل عليه من العلم اللدني قريب عهد برّبه بارز من حضرة علّام الغيوب، كيف لا و قد تربى في حجر الجلال و ارتضع من ثدي الكمال، و اتصل نسبه بالذروة الصّديقية و الشجرة المحمدية الحسنية، و لعمري أن الناظر إليه إذ ذاك يشهد طلعته عند ذلك نورا محضا بل ذاته و ملابسه كلها كذلك، و ذلك من أثر التجليّات الإلهية عليه، و كان مع ما هو عليه من الإشتغال بالتّصنيف و الإفتاء لا يزال يتكّلم على طريق الإملاء، و كان يجلس بالمسجد الحرام، و بالمسجد النّبوي، و في المسجد الأقصى، و في الجامع الأزهر بمصر، و ناهيك بهذه المواضع التي كان يجلس فيها، و كان نفع اللّه به كأنما يغترف من بحر.

و حكى: أنه كان لا يملي القرآن و الحديث حتى يطالع المحل الذي يتكلّم عليه كعادة غيره، قال: فبينما أنا أطالع في الكراس، و أنا قاصد إلى الجامع إذ نوديت في سّري: يا أبا الحسن أما القرآن و الحديث فإلينا و أما غيره فإليك، فمن ذلك العهد إلى تاريخه ما طلعت لاملاء (2) عليهما فلي على ذلك تسع و ثلاثين سنة، أو قال بضع و عشرين و إنما أجي إلى محل الإلقاء، و لا أدري ما يلقى على لساني، فيجري اللّه تعالى عليه نحو ما يسمعونه، و له تصانيف كثيرة لا تحصى من جملتها: تفسير القرآن العظيم، و إسمه تسهيل السبيل في فهم معاني التنزيل، و شرح العباب الفقهي‏

____________

(1) في الأصل نورية و أصلحناه من النور السافر.

(2) الأصل: الأملي.

311

بشرحين مبسوط و مختصر، و شرح روض ابن المقري في حجم نصف شرح شيخه زكريا و زاد فيه على شيخه اثنى عشر ألف فرع على كل فرع منها علامة على الحاشية بصورة «ف» و شرح منهاج النووي بخمسة شروح منها الكنز (1) و المغنى و المطلب، و شرح البهجة الوردية في النحو، إلى غير ذلك من المؤلفات الجامعة النافعة الدّالة على كمال إحاطته و علو شأنه نفعنا اللّه ببركاته آمين، و يقال إن مؤلفاته تنيف على أربعمائة تأليف، و ما أحسن قوله نفع اللّه به في كتابه نتائج الذكر في حقائق الفكر في أثناء كلام له: ألا ترى الحداد إذا أدخل حديدة ليحميها في النار لانت بعد أن كانت قاسية و برزت محمرة اللّون بعد أن كانت سوداء مظلمة و أضاء نورها و قوي إشراقها و انقدح شرارها فالاستغراق في المذكور بالتخلي عن السوى و التجلي بشهود نعوت ذي الجلال مستغرقا فيها تذهب أوصاف البشرية ما يكسبه الذاكر من أنوار المعارف القدسية، فيتبدل وصفه و يتغير جلاه، و تشرق أنوار علاه، فهناك تذهب الرّسوم و يتجلّى الحي القيوم، و إلى ذلك الإشارة [أشرت‏] بقولي:

أنوار ذاتك أشرقت في ذاتي‏* * * فمحيت عن كوني و كل صفاتي‏

و خرجت عن كل الوجود حقيقة* * * فجمال وجهك فائق اللذات‏

انتهى، و من شعره أيضا:

قد كان لي أرب قبل الوصول بكم‏* * * فمذ تجليتم صرنا بلا أرب‏

أدهشتموني عن الإحساس قاطبة* * * فصرت فردا لكم في سائر الرتب‏

و هو الذي أفتى بحليّة القهوة حتى قال في ذلك:

[يا فهوة تذهب همّ الفتى‏* * * أنت لحاوي العلم نعم المراد

شراب أهل اللّه فيها الشفا* * * لطالب الحكمة بين العباد

فطبخها قشرا فتأتي لنا* * * في نكهة المسك و لون الزباد

____________

(1) هنا سقطت نحو كراسة من (ح).

312

ما عرف اللّه سوى عاقل‏* * * يشرب في وسط الزبادي زباد

حرمها اللّه على جاهل‏* * * يقول في تحريمها بالعناد

فيها لنا بر و في حانها* * * صحبة أبناء الكرام الجياد] (1)

كاللبن الخالص في حله‏* * * ما خرجت عنه بغير السواد

[و قال أيضا:

يقولون قوم قهوة البن حرمت‏* * * مقالة معلوم المقال فقيه‏

لعمرك لو نيطت بأدنى كراهة* * * لما شربت في مجلس أنا فيه‏] (2)

و له أيضا في القهوة:

أقول لمن قد ضاق بالهم صدره‏* * * و أصبح من كثر التّشاغل في فكر

عليك بشرب الصالحين فإنه‏* * * شراب طهور سامي الذكر و القدر

فمطبوخ قشر البن قد شاع ذكره‏* * * عليك به تنجو من الهم في الصدر

و خل بن عبد الحق يفتي برأيه‏* * * و خذها بفتوى من أبي الحسن البكري‏

و كان مولده سنة تسع و تسعين و ثمانمائة (رحمه اللّه) و نفعنا به آمين، لخصت ترجمته من تاريخ السيد عبد القادر (رحمه اللّه)، ذكرها استطرادا في ترجمة ابنه الشيخ محمد بن أبي الحسن المتوفي في عام ثلاث و تسعين، و لما وقفت على تاريخه جعلتها ترجمة مستقلة من هذه السنة المتوفى فيها.

[وفاة الفقيه عمر بن عبد الله بامخرمة] 590

و فيها (3) يوم السبت و عشرين ذي القعدة: توفي الفقيه الصالح شجاع الدين عمر بن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة (رحمه اللّه) و دفن بمقبرة سيؤون في بلاد حضرموت قريب من قبر السلطان بدر بن عبد اللّه الكثيري (رحمه اللّه)، و كان مولده ليلة الثلاثاء وقت المغرب ثالث عشر رمضان سنة أربع و ثمانين‏

____________

(1) ساقط من النور السافر.

(2) ساقط من النور السافر.

(3) الدر الفاخر في أعيان القرن العاشر لمحمد بن عبد الرحمن سراج باجمال (خ).

السناء الباهر: 502.

313

و ثمانمائة، و كان من أهل الأحوال و الحقائق و الأسرار و الدقائق، و كان له كرامات خارقه و منامات صادقة، و كان مخرّقا في الظاهر معمور الأسرار و معمور السرائر، اشتغل بطلب العلم الظاهر على والده و اجتهد في العبادة و التقشف و أخذ الطّريقة عن الشيخ العارف باللّه تعالى الشيخ عبد الرحمن بن عمر باهرمز نفع اللّه به، قال (رحمه اللّه): وقفت بين يدي شيخي و سيدي عبد الرحمن بن عمر باهرمز عشية الاثنين ثاني رجب و قال لي: قد حكمتك و أنا شيخك فيها و في علوم لم يطلع عليها ملك مقرب و لا نبي مرسل، و أنت نائب عني بل أنت أنا، قلت أن لي وردا من أول آية الكرسي اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم و هو ألف كل يوم، قال: ابق عليه و إن زدت منه فهو خير لك و أبشر فإنهم معطينك أكثر مما توهم ما غير ما يجيئك إلا في العرض من غير ما تأمله، قال: و كان كثيرا ما يأمرني بالتّلبس بأفعال العامة، و يدلني على الظهور بما لا ينسب فاعله إلى طريقة القوم نفع اللّه به، قال: و استأذنت شيخي في دخول الأربعينية فقال لي أربعينيتك أن تحفظ لسانك و عينك و أذنك من المحّرمات أربعين يوما، و أما الأربعينية المعروفة فلا تدخلها انتهى.

قال الفقيه عبد اللّه باسنجلة: أخبرني الشيخ عبد اللّه بن محمد بن عمر عباد قال: اجتمعت بالفقيه عمر بامخرمة عند الشيخ محمد عباد و حصلت مذاكرة بينهم في علم التّصوف، و كان ذلك اليوم رابع شهر شوال سنة اثنتين و خمسين فقال الفقيه عمر بامخرمة:

أعط المعية حقها* * * و ألزم له حسن الأدب‏

و اعلم بأنك عبده‏* * * في كل حال و هو رب‏

و أشار إلى بعض الحاضرين، و قال: أتعرف معنى هذين البيتين فقال: لا، فقال: أنتم تضحكون على التصوف، ثم قال رضي اللّه عنه: أما المعية فهي الإجلال و التعظيم و علم التصوف في هذين البيتين، قال: و لم يعش الفقيه بعد هذا الكلام إلّا ستة و أربعين يوما، و توفي (رحمه اللّه تعالى)،

314

و نظمه كثير جدّا و هو مشتمل على كثير من إشارات الصوفية و اصطلاحاتهم و مسائلهم الدقيقة و عليه حلاوة و فيه طلاوة، على غناء أهل الجهة و أصواتهم و مواخذهم، و يقال له عندهم الدّان، و من أكثر شعره من ذلك يحتوي على مجلّدات، و لهذا يحفظه أهل تلك الجهة كثيرا و يتمثلون به، و هو سلس الألفاظ قريب المعاني يفهمه كل أحد بحسب حاله في المحبة المجازية و نحو ذلك، و هو مع ذلك مشتمل على كثير من الأمثال المتداولة بينهم، و لا بد أن نأتي ببعض من شعره في آخر الترجمة، و له مصنفات و وصايا و رسائل، منها مصنفه سّماها «أنوار مضمون ورد الوارد القدسي في كشف مكنون آية الكرسي» و في أسماء اللّه الحسنى مع إيجاز و اختصار عجيب، وجدتها بخط الفقيه الصالح المعلم عبد الرحمن بن عبد اللّه باغران الشحري.

و نقلت من خطه أيضا هذه الرسالة قال في آخرها: علّقها سيدنا و شيخنا و بركتنا الفقيه الصالح العلامة شجاع الدين عمر بن عبد اللّه بن أحمد بامخرمة كان اللّه له، قبيل ظهر يوم السبت ثاني شهر ذي الحجة سنة تسع عشرة و تسعمائة من الهجرة على صاحبها أفضل الصّلاة و السّلام على سيدنا محمد أفضل المخلوقين و على آله و صحبه أجمعين و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توّكلت و إليه أنيب: أعلم وفّر اللّه تعالى نصيبك و إياي، من رحمته العندية و علمه اللدنّي إن الطريق إلى اللّه أشرف الطرق و السّالك إليها أفضل السالكين المقاصد و فائدته أعظم الفوائد إذ كل علم له أجر و جزاء بحسب مقصده و نيّته‏ وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ‏ (1) و من كان في اللّه تلفه كان اللّه خلفه، ففرق يا ولدي بين الثّلاث المراتب، و يبن الثلاثة المريدين و استعن باللّه و اضرع إليه في أن تكون الثالث، فإذا وصلت إلى مسام همتك نسيم المحبة الأزلية على متن رياح العناية الامتنانية ريا عطر أنس القرب الجذبي‏

____________

(1) الآية 145 سورة آل عمران.

315

و الاتصال الوهبي و الاتحاد الحسبي فاشكر اللّه عز و جل و انطرح على باب إحسانه، فإن نسيت حوت الإرادة النفسية عند صخرة التبّري من الحول و القوة، و رجعت على سبيل الافتقار الحقيقي، وجدت خضر التوفيق عند مجمع بحري مجانبة الدّعوى و تلقى «أنا عند حسن ظن عبدي بي» (1) بالتّصديق الجازم، فيكشف عن قلبك حينئذ غلاف الأحسه‏ (2) و تنظر أهل الخصوصية نظر الارتياب فيه أجسامهم بين أهل الأرض تسعى، و قلوبهم في غياض الملكوت ترعى، فيأتيك جبريل سعادتك في غار حرا قباب عزة الولاية، فتلقى إليك من وحي شرائع عبادات أهل التوحيد و معاملات أهل التجريد و مناكحات محصنات التفريد، ما يغنيك من عقوبات خيانات أيدي الشرك الخفي، فإن كانت حوصلتك تحتمل الأغذية الثقيله من أطعمة الحقيقة، أعطاك من ذلك ما رآك أهلا، و إن كنت ضعيف المعدة واهي الطّبيعة غذّاك بلطائف الحقيقة في ظروف الطّريقة، فلا تعد خطه المستقيم و لا تطلب منه غير ما مّد اليك فتستوجب العذاب الأليم، و يحجبك قلّ أدبك عن نيل ثمرة الوصل الكريم، في رياض روضات رب الفضل العظيم، و عليك في غالب أحوالك بالتخلق بأخلاق الخاصة و التّزيي بزيّ العامة، فإن الرجل من لا يقص له أثر و لا يقدر غير دليله أن يأتي للقوم من نار شجرة حاله بشي من الخبر، و اجعل قوتك تكرير هذه الكلمة الجليلة التي قيلت لسيدنا عبد القادر الجيلاني رضي اللّه عنه: ثبت قدميك بين أيدينا، و لا ترى في الوجود تصريفا لسوانا، يدم لك شهودنا، و اجعل شرابك بعد أكل هذا الطّعام تدبّر معناها و اطراق عين النفس باصبع الوحدة عن رؤية الاثنينية يطيب لك العيش في جنات بنعيم المشاهدة، و يقبل عليك أفراد الوجود حين تسعى زائد همتك بأنواع المساعدة، و الحذر كل الحذر من مجالسة من يجلو على عينك محاسن زينة الحياة الدنيا و متابعة مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ‏

____________

(1) أخرجه بهذا اللفظ الذهبي في مختصر العلو: 94.

(2) كذا و لعله الأحجبة.

316

فُرُطاً (1) و إياك ثم إياك أن تنظر أو تسمع إلى ما يحرم نظره و استماعه معتمدا على ما تراه من فعل من شهر بالولاية و يشار إليه بالأصابع، فإن أكثر من يفعل ذلك كاذب في دعواه، متخذ إلهه هواه، و للصادقين من أهل التخريق أحوال لا يضبطها القياس، و لا يجوز أن يدعيها أحد من الناس، يضحك أحدهم سنه مما تبكي منه عيون أولي الألباب، و في قلبه من ذلك ما لو فاحت رائحته على الجلد لذاب، و بإجماع أهل الطريقة لا يجوز الاقتداء بمخرق، و لو كان صادقا في حاله، فهو غير كامل، و لا يقتدى إلا بالكمل من أهل الوراثة النّبوية، فالسلامة كل السلامة في لزوم الباب و التقيد عند شرب سلاف الأنس بأضيق الآداب، و التمسك من التحليل و التحريم بأوثق الأسباب، جعلنا اللّه و إياك ممن اتعظ، قبل أن يعظ، و عمل قبل أن يعلم، و لا جعلنا ممن قال بغير حال، و دل على عوالي المناصب قبل أن ينال، و صلى اللّه على سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم، و الحمد للّه رب العالمين.

و ذكر الفقيه محمد بن عبد الرحيم الجابري و من خطه نقلت قال:

ذكر الفقيه عمر بن عبد اللّه بامخرمة في بعض وصاياه و سمى ذلك «المطلب اليسير من السالك الفقير»: ثم الذي لا بد منه في الأوراد أن يلازم دعا الصباح و المساء الوارد عن النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فإن عجز فلا بد أن يقول في كل صباح و مساء: بسم اللّه الذي لا يضّر مع اسمه شي‏ء في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم ثلاث مرات، ثم يقول أعوذ بكلمات اللّه التامات من شر ما خلق ثلاث مرّات، ثم حسبي اللّه لا إله إلّا هو عليه توكلت و هو رب العرش العظيم «تسع مرات» إلى آخر كلامه (رحمه اللّه)، و من مرائيه الصّادقة (رحمه اللّه) قال: رأيت ليلة الأستاذ أبا القاسم القشيري (رحمه اللّه)، و سألته عن بعض المشايخ المشهورين، فأجابني بما يدل على نقص ذلك الشيخ، ثم ناولني كتابه الرّساله، و قال السر في هذا الكتاب، أو قال: في‏

____________

(1) الآية 28 سورة الكهف.

317

كتابي هذا و سر هذا الكتاب في هذا السطر و وضع إصبعه على سطر فيه ترجمة بنان الجمال و قوله سئل بنان الجمال عن أجل أحوال الصوفية فقال‏ (1): الثقه بالمضمون و اتباع الأمر (2) و مراعات السّر و التخلي من الكونين، فانتبهت و الكتاب في يدي، و له من الوصايا و المرائى العجيبة شي‏ء كثير جمعتها في كراريس و رأيت الاختصار في هذا أولى، و من شعره:

إذا نظرت بديع الصنع في الصّور* * * و كنت في ذلك المنظور ذا بصر

فلا يكن لك تدبير هناك و قل‏* * * ما ثم شي‏ء سوى التسليم للقدر

فاللّه يفعل ما شا في بريته‏* * * كما يشأ فاستعن باللّه و اصطبر

و قل أنا العبد لا حول لدي و لا* * * لي قوة في وجوه النفع و الضرر

و ناج مولاك في سر و في علن‏* * * بلا التفات إلى روح و لا بشر

فإن أتوك فقل أما إليك فلا* * * فيا لها كم لها بالصدق من أثر

فما سواه إليه فهو مفتقر* * * و إن علا شأنه أو كان ذو خطر

و إنما قام بالأمر العلي و ما* * * له به من وجود عن سواه بري‏

فهذه هذه قف و انزلنّ بها* * * و حط رحلك هذا منتهى السفر

و ها هنا في جهات الست بقي بقا* * * هو كل هو نالى هو بالبقا أشر

و قال رضي اللّه عنه:

أدار علينا كاس من لطفه الخفي‏* * * و قام يصافينا بذاك و يصطفي‏

و قال خذوها و أشربوها هنية* * * فإن لكم فيها الذي تطلبون في‏

فقلنا له لبيك سمعا و طاعة* * * و بات بها يبدوا علينا و يختفى‏

و يمزجها حينا و حينا يديرها* * * براحته صرفا بحسن تصرف‏

و يفرحنا طورا و طورا يريحنا* * * بنغمة داؤد و طلعة يوسف‏

فلما شربناها و دب دبيبها* * * إلى موضع الأسرار قلت لها تفي‏

____________

(1) أنظر الرسالة القشيرية: 24.

(2) الرسالة «و القيام بالأمر».

318

فما فتحت للسر بابا و لا رقت‏* * * حجابا و لا حلت له رمز أحرف‏

فيا لك من روع شذاها لنا غنا* * * و يا لك من ساق حنون بنا حفي‏

و من حضرة عنديه قادرية* * * ينادم فيها بالصفا الصوفي الصفي‏

فلا تك إلا في حماها و تحت ما* * * سماها فمن سامى بها و اكتفى كفى‏

و قال مضمنا للبيتين الأخيرين:

يا عاذلي دعني فما* * * سمعي يعي قول الوشاة

إني شربت فطاب لي‏* * * ما طاب من عين الحياة

لي سادة من عزهم‏* * * أقدامهم فوق الجباه‏

إن لم أكن منهم فلي‏* * * في حبهم عز و جاه‏

و قال مضمنا لآخر بيت من هذه الأبيات:

خليلي حطّا بالمطايا هنا فما* * * لذي حاجة عما وصلناه مذهب‏

فهذا عذيب الما لمن يشتكي الظما* * * و ذا المطلب الأقصى فلم يبق مطلب‏

أما زينب في خدرها قد بدت أما* * * نزلنا على ماها فيا قومنا اشربوا

فمأكل دار أقفرت دارة الحما* * * و لا كل بيضاء الترائب زينب‏

و قال (رحمه اللّه) لبعضهم هذا البيت:

وقفنا و سلمنا على المنزل الذي‏* * * تحلّ به ليلى فأرخت ستورها

فذيلت عليه بهذه الأبيات:

فيا عجبا منا و منها بدت لنا* * * فغابت بها عن شمس سلمى بدروها

و أعجب من ذا أن من نورها لها* * * حجابا و من هذا خفاها ظهورها

فمن مبلغ مني إليها رسالة* * * بأقلامها أوحت إلي سطورها

فقد حرت فيها بل تحيرت عندما* * * تحير بها و استهترى في أمورها

و كنت أنا فيها و لكن بلا أنا* * * و كانت و ما كانت فدر حول دورها

ترى عينها بالعين عينا لكل ما* * * تعانيه بالتعيين من نفخ صورها

319

و قل عند ذا سبحان من لم تحط به‏* * * عقول الورى في وردها و صدورها

و لم تدر ما كلا و لا كيف بل و لا* * * ترى أين جل اللّه مفنى دهورها

و له من هذا أشياء لا تحصى، و رأيت بخط العالم العلامة الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن سراج باجمال في كتاب له سماه «مواهب الرؤوف في مناقب الشيخ معروف» (1) ذكر فيه من زاره و أثنى عليه من مشايخ عصره قال: و منهم الشيخ العارف باللّه الفقيه عمر بن عبد اللّه بامخرمة (رحمه اللّه) و نفع به كان له كرامات خارقة و منامات صادقة، منها أنه رأي النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و سلم يطيبه فأصبح في ثوبه و بدنه ظاهر اللّون و الرائحة، و رأى أن الشيخ القشيري صاحب الّرسالة نفع اللّه به ألبسه كوفية فأصبحت الكوفية على راسة، و كان في بدايته كثير السلوك بالجدّ و الإجتهاد، قال:

مشيت بساحل بحر الشّحر فالتقطت منه مما يرميه الصيادون من ردي الصّيد لأفطر عليه، و عبرت على بئر في الطّريق و إذا بصوت منها يقول: و زعم أنه صوفي و يحمل إفطاره من النهار فرميته فيها، و مضيت، و كان سيدي الشيخ معروف يثني عليه و يقول: إن حاله أكبر من حال الشيخ عمر بن الفارض (رحمه اللّه تعالى) انتهى، و طولّت في ترجمته كثيرا فلنختصر، فهذا فيه كفاية و قليل من كثير (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به آمين و أعاد علينا من بركاته و بركات عباد اللّه الصالحين آمين.

[وفاة الإمام أبو السعود] 591

و فيها (2): توفي الإمام العلامة أبو السعود المشهور قاضي السّلطان سليمان سلطان الروم، و هو صاحب التفسير الجليل أتى فيه بأشياء غريبة، و هو موجود بالروم‏ (3)، و هو مفتي الرّوم في زمانه قال: و لماميه الانقشاري‏

____________

(1) في مجلد مخطوط بحوزتي، و الترجمه في ملحق الكتاب المذكور المسمى «الدر الفاخر في أعيان القرن العاشر» مخطوط.

(2) النور السافر: 214. و انظر ترجمته في شذرات الذهب 8: 398 و العقد المنظوم في تراجم علماء الروم 2: 282، و قد وهم صاحب النور السافر في وفاته صوابه سنة 982 ه.

(3) قلت: طبع عدة مرات.

320

في تاريخ وفاته:

أمسى بجوار ربه ذي الحلم‏* * * مفتي الإسلام بل سمّي الاسم‏

و العلم بكى مذ قيل في تاريخه‏* * * قد مات أبو السعود مولى العلم‏

هكذا نقلت هذه الترجمة من تاريخ السيد عبد القادر.

[وفاة السلطان محمد بن عبد الله الكثيري‏] 592

و فيها: جاء الخبر بوفاة السّلطان محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن علي الكثيري بصنعاء في شهر ربيع‏ (1).

[تجهّز السلطان بدر لحرب المشقاص‏] 593

و فيها: تجهّز السلطان بدر لحرب المشقاص وقت العصر يوم الأربعاء العشرين من رمضان طريق البر، فتقدم في نحو ست خيل إلى الريدة و تجهزت بعده العساكر أهل الخيل و جميع البادية و غيرهم ليلة الحادي و العشرين من رمضان بعد نصف الليل من أهل الكسر و وجوه آل عامر، شيخهم ثابت بن علي بن فارس، و أولاد حسان و الشويع، و جماعة نحو ست خيل، و آل عقيل من آل عامر أيضا و شيخهم عقيل بن فارس بن عبد اللّه كذلك، و من آل شحبل أربعة عشر خيّالا و من آل عبد اللّه نحو ست خيل، و هولاء الذين توصل بهم الأمير عطيف من دوعن و وادي عمد، و أهل الكسر، المذكورين ثلاثة و ستين خيالا، و الذين توصّلوا مع الأمير عمشوش من تريم و المسفلة ثلاثين خيّالا و خيل السلطان، فالذي خرجت تلك الليلة نحو المائة خيّال، و تجهيز البحر ثلاثة غربان و ثلاث جلاب و ثلاثة طراريد و عشرة سنابيق عدنية و ثلاثين سنبوق و ثلاثة سنابيق عبرية فيهن العدد و البنادق و الثقلة و الزّاد، تجهّزت ليلة الخميس الثاني و العشرين من رمضان المذكور، و بقية الخيل و الحاشية و العسكر من الزّيدية و يافع و بني حبيش، (2) و البنادق، سارت مع علي بن عمر و الأمير أحمد، و الفقيه بحرق بعد صلاة الجمعة الثالث و العشرين من رمضان، و كان تجهيزا عظيما لم يعهد مثله.

____________

(1) كذا في الأصل و العدة 1: 197.

(2) العدة: بني حسن.

321

[تجهّز السلطان بدر لحرب المشقاص‏] 594

و في يوم الاثنين ثامن شهر ذي القعدة: وصل سعيد بن عبد اللّه بن عفرار بروم يريد الحج في سنبوق صّياد هو و جماعة هاربين من قشن و السلاطين بها بدر و محمد أخيه، و كان دخول بدر بالعسكر قشن يوم الأحد و ثمان في شوّال.

322

سنة ثلاث و خمسين 595

[وصول السلطان بدر من قشن‏] 596

فيها: توصّل السلطان بدر و أخوه محمد من قشن ليلة السّبت الثاني من ربيع الثاني بعد أن استولى عليها و بنى بها حصنا و خلفوا الأمير محمد بن مطران و الفقيه محمد بحرق بقشن، فجاء الخبر يوم الثاني عشر من الشهر أن الأمير أحمد بن مطران خرجوا عليه المهرة و قتلوه و أخذوا أرضهم، و بقي الحصن الذي بناه السّلطان بدر لنفسه فيه رماة، و حصروا حصنه فاتهم السلطان بدر أخاه محمد أن عنده بطينة (1) من المهرة في قتله، فقيّده في حصن الشحر، ثم عزم مرة ثانية إلى المشقاص فكان خروجه ليلة الثلاثاء الثاني و العشرين‏ (2) من ربيع الثاني إلى أن دخل وادي بالحاف أقام فيه تسعة أيام بعد أن توصّل محمد بن بدر و أصحابه من حضرموت من طريق المسيلة، و حصل بينه في طريق المسيلة و بين بادية المهرة قتال بيّتوهم ليلة و قتلوا منهم نحو ستة جماعة، منهم علي بن حسن بن مهنا المقروم، و ناس من آل عامر، و عزم من الوادي إلى صيحوت ثم خرج من صيحوت يوم الأربعاء الخامس عشر من جمادى الأولى و اتفق بجماعة من بادية بيت زياد على العقبة الكبيرة فطلع عليهم قهرا و قتل منهم نحو خمسة عشر رجلا من خيار بيت زياد، و ذلك في يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الأولى المذكور، و عزم فالتقوه جميع المهره بيت زياد و باديتهم بعقبة لبين‏

____________

(1) بطينة: كأنها بطانة (معروف).

(2) من هنا ينتهي النقص من (ح).

323

و منعوا عليه العقبه ببنادق و زربطانات فطلع عليهم قهرا بجملة العساكر من الأروام و الزيدية و ناس مهرة من بيت محمد معه، فهزمهم و قتل منهم أجوادهم و مشايخهم، فمن جملة من قتل من بيت زياد شيخهم سعيد بن عبد اللّه بن عفرار، و ربعين بن سعد بن طوعري بن عفرار، و سعيد بن أحمد بن عفرار، و من بيت صوفح محمد بن عمر، و سليمان بن سعد بن حجوير، و أخوه محمد بن حجوير، و من بيت مسعود أحمد بن حرحى و عمرو بن إصحاح و عمر بن سليمان بن طهواسه و غيرهم، فجملة من قتل من بيت زياد بالعقبة نحو خمسة و عشرين رجلا، و المقصود أن الذي قتل في العقبة الأولى و الثانية عقبه ليبن من المهرة نحو الستين رجلا، ثم يوم الجمعة السّابع عشر من جمادى المذكور دخل قشن بالظفر و النصر و رجع السلطان من قشن إلى الشحر يوم الاثنين الثّامن و العشرين من جمادى الأولى، و في ذلك اليوم أطلق أخاه السلطان محمد من القيد، و في ذلك اليوم اتفق موت بنت للسلطان محمد، و هي زوجة علي بن عمر.

[وصول سعيد بن عفرار من الحج‏] 597

و فيها يوم الأحد سابع عشر ربيع الأول: توصّل سعيد بن عبد اللّه بن عفرار من الحج.

[توصّل الباشة أويس من مصر إلى زبيد] 598

و فيها (1): توصّل الباشة أويس من مصر إلى زبيد في عسكر في شهر رجب أو شعبان، و أرسل إليه السّلطان بدر حسن باكثير (2) بهدّية عظيمة و تخالف هو و قاصد من الباشة إلى الأمير ناصر بالجوف، و كان وصوله أول يوم في شوال إلى الشحر، فأرسل مع القاصد السّلطان علي بن عمر إلى الجوف، و كان مسير علي بن عمر و القاصد ليلة الخميس الثامن من شهر شوال.

[قتل الخواجا صفر سلمان‏] 599

و فيها: قتل الخواجا صفر سلمان، و ذلك أن المسلمين تحالفوا الخواجا صفر و جماعة أهل الديو و الإفرنج و حصل بينهم قتال و حصار

____________

(1) أنظر البرق اليماني: 95.

(2) هو الشيخ حسن بن عبد اللّه باكثير انظر ترجمته في البنان المشير: 18.

324

لكون الإفرنج ضيّقوا عليهم المسلمون، فقتل الخواجا صفر ببندق و قيل بمدفع، و ذلك آخر ربيع الثاني.

[قتل الأمير الكبير الخواجا صفر سلمان الرومي‏] 600

قال السيد عبد القادر (1) و فيها لست ليالي بقين من ربيع الثاني: قتل الأمير الكبير الخواجا صفر سلمان الرومي المخاطب بخداو ندخان و يجمع تاريخ موته، نبأ مقتل صفر، و كان مشهورا بالشجاعة و الرّأفة و فعل الخير و الإحسان (رحمه اللّه تعالى) انتهى، و بعد اعتدوا المخذولون و خرجوا على المسلمين و اقتتلوا أيضا مقتلة عظيمة قيل أنها دخلت عليهم غربان.

[قتل محرم بن الخواجا صفر و جوجار خان الحبشي‏] 601

و في النّصف من رمضان: قتل محرم بن الخواجا صفر و جوجار خان الحبشي طلعوا على الأفرنج بسلم في كوتهم من جهة البحر هم و جماعة من المسلمين فاقتتلوا بالكوت و انكسر السلم و اهتزموا أصحابهم و انكشف المسلمون، و هي آخر وقعة، و قتل من الإفرنج نحو ألف و سبعمائة إفرنج و متنصّرة، و من المسلمين نحو ألفين يقال أنه قتل من الوزراء عشرة، و رجعوا الإفرنج إلى كوتهم، فوصلت تجريدة للإفرنج كبيرة فخرجوا إلى البلاد فلما عرف المسلمون أنه لا طاقة لهم خرجوا من البلاد، و هذا الخبر وصل في طليعة للسّلطان بدر من الهند، فيها محمد بن حسمي المحمدي المهري، و كان وصوله يوم الخميس سادس شهر ذي القعدة من السنة المذكورة.

[وفاة السيد عبد الله بن علوي العيدروس‏] 602

و فيها (2) توفي السيد الجليل عبد اللّه بن علوي بن الشيخ عبد اللّه العيدروس المتزّوج بالسيدة الولية الصالحة مزنة بنت الشيخ الكبير أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس صاحب عدن بتريم، و قبر في قبر أبيه علوي، و السيد عبد اللّه هو والد سيدنا السيد الجليل وحيد عصره و فريد دهره الآتي ذكر بعض محاسنه البهيّة، و طرف من أوصافه المرضيّة عمر بن عبد اللّه العيدروس، و السيدة مزنة بنت الشيخ أبي بكر والدته نفعنا اللّه بهم آمين و أعاد علينا من بركاتهم.

____________

(1) النور السافر: 217.

(2) النور السافر: 217.

325

سنة أربع و خمسين 603

[تجهيز الأمير يوسف إلى سقطرا] 604

فيها يوم الأربعاء ثامن شهر صفر: سار تجهيز الأمير يوسف التركي في اثني عشر خشبة و جملة عسكر على أنهم إلى سقطرا ثم ترجح للأمير (1) أحور فاجتمع بمجرب صاحب دثينة و الهربي و ساروا إلى أحور، فالتقاهم صاحبها علي بن حنش فاقتتلوا فانهزم أهل أحور، فقتل منهم بدر بن حنش و جماعة نحو خمسين من أصحابه، و أخذها الأمير صلحا على سبعة عشر ألفا نقدا و خمسة دروع و خمس خيل و أربعمائة فرق كل سنة، و كانت الوقعة في ربيع الأول و رجع الأمير سالما هو و العسكر ما قتل إلّا رجل واحد، و هو النقيب سعيد الذيباني قتلوه أصحابه غلطا، و كان وصولهم إلى الشحر يوم الأربعاء الثاني عشر من ربيع الثاني.

[تولي القضاء سالم بن محمد معيبد] 605

و فيها شهر صفر المذكور: ولي القضاء سالم بن محمد معيبد مرة ثانية، و تأمّر بالشحر الأمير كثير بن مسعود، و سار السلطان بدر بالعسكر الذي مع الأمير يوسف، و الأمير يوسف إلى حضرموت و خرجوا بالمدفع معهم، و خرج السلطان بجميع أهله.

[أخذ علي بن سليمان التّولقي‏ (2) عدن من الأروام‏] 606

و فيها يوم الثالث و العشرون من جمادى الأولى: أخذ علي بن سليمان التّولقي‏ (2) عدن من الأروام، و سبب أخذها أن الأروام طلعوا من‏

____________

(1) أي ترجح للأمير الذهاب إلى أحور بلد معروف هنالك.

(2) في البرق اليماني: 100 «علي بن سليمان البدوي» و كذا في هدية الزمن: 99 و في-

326

زبيد و عدن إلى صنعاء مع الباشة أويس لأخذ صنعاء، و لم تبق في عدن رتبة إلّا قليل من الأروام و قتلهم لباشتهم في ذمار كما سيأتي، فلما علم بذلك وصل إلى عدن يوم ثالث و عشرين شهر جمادى الأولى و طلع عليهم من الخضراء و لم تدر الأروام إلّا بالتكبير فيها و القتل فيهم فانحازوا منهم مائة رومي إلى حسن أغتهم، فطلبوا الأمان فأمنهم علي بن سليمان و سيّرهم في غراب لأهل منيبار إلى الشحر، و كان وصولهم إلى الشحر يوم السّابع من شهر جمادى الآخرة من السنة المذكورة ثم إن الباشة أويس و هو الذي أخذ تعز من البصري‏ (1) أمير الإمام شرف الدين كما تقدم ذكر ذلك جمع العساكر إلى صنعا و سار يريد صنعاء، فلما وصل إلى ذمار قتل في ذمار قتله رجل رومي من أصحابه يسمى البهلوان و هرب‏ (2) فولوا العسكر أزدمر التركي فقاتلوا صنعاء و أخذوها من الشّريف مطهر بعد قتال وقع بينهم عظيم، ففتحوا (3) الأبواب أهل صنعاء و خرجوا منها، فدخلوها الأروام في شهر رمضان‏ (4)، و قتلوا فيها عالما كثيرا و استباحوا النساء و الذراري، ثم إن الباشة ألزم بعد أخذ صنعاء أخرج من الأروام خمسمائة مقدمهم مارزه الرّومي على علي بن سليمان‏ (5) إلى عدن فخرج للقائهم علي بن سليمان في عسكر يوم الثّاني من شوّال من السنة المذكورة التي أخذ فيها عدن، فلاقاهم بالرّعارع يوم الثالث عشر أو الرابع عشر من شوال فقتل حصل له بندق (رحمه اللّه) و انهزم أصحابه إلى خنفر، فقدموا الأروام إلى عدن ثاني يوم من قتل علي بن سليمان، و فيها ولده محمد بن علي بن سليمان، و فيها غرابين من الإفرنج و جماعة من المهرة فناوشوهم القتال‏

____________

فرضة عدن: 228 «علي بن سليمان الطولقي بالطاء نسبة إلى الطوالق شرقي أبين.

(1) كذا في الأصول و في روح الروح «النصيري».

(2) انظر خبر أويس في البرق اليماني: 96 و الإحسان: 31 و غاية الأماني.

(3) كذا و قد نبهنا على مثله فيما سبق.

(4) أنظر دخول العثمانيين صنعاء في البرق اليماني: 99.

(5) البرق اليماني: 100.

327

ثلاثة أيام، و طلعوا من باشورة (1) فيها رتبة من العبادلة (2) بمواطاتهم بين جبل المكريم‏ (3) و الخضراء فطلع منهم مئتان و خمسون روميّا فلاقوهم أهل البلاد فقتلوا من الأروام مائة و انهزموا إلى لحج و ارسلوا إلى زبيد و صنعاء لزيادة عسكر.

[وصول غرابين من الإفرنج إلى الشحر] 607

و في يوم السبت ثامن و عشرين رمضان: وصلوا غرابين إفرنج إلى بندر الشحر من هرموز برسالة لصاحب عدن علي بن سليمان، و معهم هديّة و مهاترة (4) و كتب إليه، و سيأتي أخذها في السّنة التي بعدها.

[وفاة العلامة جار الله ابن فهد الهاشمي‏] 608

و فيها (5) توفي الشيخ جار اللّه [محمد] (6) بن عبد العزيز بن عمر بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي، و كان مولده ليلة السبت العشرين من شهر رجب سنة إحدى و تسعين و ثمانمائة، و نشأ في كنف أبويه فحفظ القرآن و كتبا كأربعين النّووي و منهاجه، و سمع من السخاوي و المحبّ الطبري و أجاز له جماعة كعبد العزيز بن البساطي و غيره، و لازم والده في القراءة و السّماع و توجّه معه إلى المدينة و جاورا بها سنة تسع و تسعمائة، و سمع بها من لفظ والده تجاه الحجرة الشّريفة الكتب الستة و شفاء عياض و غيره على السيد السّمهودي بعضها و تاريخه المسّمى الوفاء و فتاواه، و ألبسه خرقة التّصوف، و قرأ على أبيه فيها «العمدة» «و الشمائل» و غيرهما، و لما عاد لمكة أكثر عليه من قراءة الكتب الكبار، و رحل إلى مصر و الشام و حلب و بيت المقدس و اليمن و أخذ بها و في غيرها من البلدان نحو السّبعين على جماعة من المسندين و أجازه خلق كثيرون، و اشتغل في فنون، و أخذ الفقه و الأصلين و النحو عن الشيخ عبد اللّه‏

____________

(1) تحقق هذه اللفظة و في اللغة الباشورة الحائط الظاهر أو مايرى منه.

(2) العبادلة: هم سلاطين لحج و هذا أول ذكر لهم و قد فات هذا صاحب (هدية الزمن).

(3) كذا. و يحقق إذا كان تصحف عن المنصوري أنظر فرضة عدن: 19.

(4) جمع مهتار: سبق.

(5) النور السافر: 217.

(6) ساقط من الأصول و أضفناه من عندنا.

328

باكثير (1)، و دخل الرّوم عودا على بدء، و تزوّج و رزق الأولاد و حدّث بالحرمين الشريفين و غيرهما.

____________

(1) هو الشيخ عبد اللّه بن أحمد بن محمد باكثير المتوفى سنة 925 ه انظر «البنان المشير»: 21.

329

سنة خمس و خمسين 609

[أخذ الأروام عدن‏] 610

فيها في شهر المحرم يوم الخميس الرّابع عشر: أخذ الأروام عدن و قتلوا محمد بن علي بن سليمان‏ (1).

[وصول الإفرنج من جوه إلى بروم‏] 611

و فيها يوم الاثنين التاسع من شهر صفر: وصل تجهيز الإفرنج خذله اللّه من جوه إلى بندر بروم أرسالا قاصدين إلى بندر عدن لما أخذها علي بن سليمان التولقي من الأروام و أطمعهم فيها، و قيل أنهم وصلوا إليه باستدعائه إياهم ليكونوا نصرة له على الأروام، فأول ما وصل إلى بروم اثنين و عشرين غرابا و برشة كبيرة، و قد سبق قبل ذلك ستة غربان كل ثلاثة وحدهن و الثلاثة الأولات وصلن بندر عدن، فما وصلوا إلّا و قد البلد مع الأروام كان أخذها على يد الأمير بيرى الرّومي، و قد قتل علي بن سليمان، و بعد ذلك ولده محمد فخرجوا الأروام على الثلاثة الغربان فأخذوا اثنين و انفلت أحدهم و هرب، ثم حدث يوم الجمعة ثالث عشر صفر المذكور ثلاثين غرابا و برشتين إلى بروم، فبعضهم دخل بروم استقى منها و صرين الجميع إلى الجزر و صحبتهم سعد بن عيسى بن عفرار، و ذلك أنه دخل جوه مستصرخا بهم لما أخذ السّلطان بدر بلاد مهرة قشن و أعمالها و الغرابين المأخوذات فيهم من الإفرنج نحو عشرين رموا بأنفسهم البحر يسبحون إلى ساحل خنفر يريدون إلى صاحبهم علي بن سليمان، و رجع‏

____________

(1) البرق اليماني: 101.

330

التجهيز لما سمع بخبر علي بن سليمان و أخذ الأروام عدن صحبة سعد بن عيسى إلى قشن يوم الأربعاء رابع و عشرين صفر فحصروا حصن قشن و قتل منهم جماعة نحو أربعين رجلا من الإفرنج قتلوا بالبنادق تحت الحصن و لم يحصلوا منه على شي‏ء حتى وصلت البرشتان الذي من تجهيزهم الكبار يوم السّبت، فقاتلوا الحصن بالمدافع ليلة السّبت و يوم الأحد، و ذلك يوم التّاسع و العشرين من صفر فاستولوا على الحصن و دخلوه عنوة و قتلوا النّقيب و جميع الرّماة الذي في الحصن إلّا سليمان بن سعد بن سليمان المحمدي احتصر معهم خفره‏ (1) سعد بن عيسى بن عفرار و سار معهم إلى الهند و رجع بضمانة سعد بن عيسى، و إنما عزموا به معهم ليخبر أصحابهم بما فعلوا فريق العرب، و سار التجهيز من قشن إلى جوه يوم الخميس ثالث عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، و بعد ذلك أرسلوا المهرة مبارك بن محمد الشيخاني‏ (2) و علي بن عبد الصّمد إلى الشحر للصّلح، و كان وصولهم يوم السّبت الحادي عشر منه و لم يفتحوا الكلام بل عزم السلطان على المسير إلى المشقاص ليلة الإثنين الرابع عشر من ربيع الأول، و تلك الليلة انكسف القمر و اضمحل نصف اللّيل، فسير تلك اللّيلة علي بن عمر و أهل الخيل و السّلطان توقف منتظرا وصول غربان من أحور و يوسف الصّغير من زيلع و يوسف الكبير من حضرموت، ثم لما كان ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأول عزم مبارك، السجاني‏ (3)، و سعد بن عيسى بن منقوش إلى قشن في كلام الصّلح فلما وصلوا عزم السّلطان إلى المشقاص في غربانه الثلاثه و كان مسيره بحرا و طلع معه سعد هواشي و اثنين آخرين مهرة، و ذلك وقت غروب الشّمس ليلة الاثنين ثامن و عشرين ربيع الأول، و وصل حيريج و قد سبقه إليها علي بن عمر و ولده و أهل الخيل، و كان قد جهزّ السّلطان غرابين قبل خروجه من الشّحر إحداهن فيه‏

____________

(1) خفرة: حماة.

(2) في الأصل بدون نقط و أثبتناه من العدة 1: 200.

(3) كذا و سبق بالشيخاني.

331

محمد بن مطران على أن كل من وصل من السّواحل من بيت زياد يقتله، فقتل جماعة من سفاره بيت زياد في البحر منهم محمد بن طوعري و صوفح و سعد بن عجاج و بن حرجى و عبود بن أحمد بن حروان‏ (1) و أخوه الصّغير نحو أربعة عشر رجلا، و لحقوا مركبا سواحليا فيه ولد سعد بن محمى و سليمان بن بشر قتلوهم و ذلك في آخر ربيع الأول من السّنة المذكورة و جماعة آخرين، و أخذ أموالهم، فلما وصل السلطان حيريج جاء إليه سعد بن عيسى بن عفرار ساقطا فقبله، ثم اصطلح هو و إياه على العدالة في الحصن و عدل النقيب علي بن طاهر الذيباني، و على أن لهم قواعدهم الأصلية و لا لأحد اعتراض في بلدهم، فاتفق الصّلح و رجع السلطان إلى الشحر و جميع العسكر، فلما وصل الشحر جاء مكتب من حضرموت من بحرق يخبره أنا قبضنا أولاد آل عامر و قيّدناهم في الهجرين، و قيدنا آل مخاشن في هينن، و الآن على رأيك فيهم و عنده في الشحر ثابت بن علي بن فارس و ريّس بن محمد بن علي بن فارس، و جماعة من آل عامر، فأمر بأخذ خيلهم، و شردوا آل عامر من الشحر ففرق السّلطان خيلهم على الناس، فكان هذا سبب دخولهم على العمودي و بعضهم الصائر إلى أخذ الكسر و إطلاق أولادهم كما هو مذكور.

[عزم السلطان بدر لحرب العمودي‏] 612

و فيها: عزم السّلطان بدر لحرب العمودي و آل عامر إذ ذاك حاصرين شبوة و العمودي محاصره الأمير يوسف و علي بن عمر بالمدفع، و كان صيالتهم على الشيخ بالمدفع في شعبان، و دخل رمضان و هم محاصرينه و غاروا آل عامر إلى هينن و الكسر في رمضان و أخذوا عليه حصن الماء، و قدموا إلى نحو بضة فالتقاهم العمودي فاهتزم عسكر يوسف و علي بن عمر و قتل جماعة من الفريقين فلما غاروا نهد إلى هينن، و حصل قتال بين الأمير عنبر و المقاريم و في عنبر كون‏ (2)، و سلم، و بعد أن السّلطان عزم من‏

____________

(1) كذا و سبق بخردان.

(2) كون بفتح الكاف و إسكان الواو: إصابة غير قاتلة.

332

الشحر إلى حضرموت ليلة الأثنين تاسع عشر رمضان، و أمر تلك اللّيلة ببناء المدرسة على يد حسن باكثير، و ذلك بشّوال، و أمر ببناء بيت لنفسه شرقي البلاد على يد الأمير كثير بشوال، ثم إن‏ (1) السلطان عيّد الفطر بسيؤون، و عزم إلى شبوة فلما علموا بقدومه آل عامر شردوا إلى عياذ، و أماكم أخرى فمنعها، ثم وصله ابن عبد الواحد صاحب حبّان إلى شبوة و طلبه المسير معه إلى خصوم له هناك مثل باقب صاحب يشبم‏ (2) و بن سدة، فعزم معه السلطان بجنده و طلّعه المصنعة، فلما علم باقب شرد إلى الجبال، و أما بن سدة فأرسل الفقيه عبد اللّه [بن عمر] (3) بامخرمة بخيل و دروع فقبل منه و تركه على حاله في بلده، و باقب اصطلح هو و السلطان على دروع و مال، ثم لم يف بما ضمنه فجهز السلطان عسكره إلى يشبم فنهبوها و أحرقوها، ثم رجع السّلطان إلى شبوة و أعطاها أناسا من الأنسيين، و رجع إلى هينن و قتل بها عبد اللّه بن محمد بن زامل باجري، فلم يلبث إلّا قليل ثم عزم إلى سيؤون و منها إلى الشحر، و جعل أمر الكسر و حضرموت إلى الأمير و الفقيه محمد بحرق، و كان وصوله إلى الشحر راجعا من حبّان و الكسر و حضرموت ليلة الجمعة الثالثة و العشرون من المحرم سنة ست و خمسين، ثم لما وصل السلطان إلى الشحر رجعوا آل عامر إلى حصار شبوة و بقي الفقيه محمد بحرق يكتب للسلطان، فقال السلطان: يعزم علي بن عمر و العسكر و جميع أهل حضرموت، ثم إن العمودي لما حصلت الهزيمة المذكورة، وردوا المدفع إلى صيف و تفرقت عساكر السلطان سار إلى جهة حبان، فأصلح بينهم هناك و اجتمع بثابت بن علي بن فارس، و محمد بن علي بن سليمان، و حالفوا خيلا كثيرا و عصبوا القبائل و تحمل بأكثر المصاريف‏ (4) و نزل بهم إلى شبوة، ثم أن علي بن عمر طلع إلى الجبل عند

____________

(1) انظر هذا النص نقلا عن باسنجلة في الشامل: 57.

(2) يشبم بلدة و واد من بلاد العوالق العليا.

(3) زيادة من الشامل.

(4) الأصل: المصارين.

333

آل كثير يبغاهم يسيرون معه إلى شبوة لما علموا بجمع نهد كثير تحت شبوة فلم يسيروا (1) معه فرجع إلى هينن، و حصل عنده شي من الخيالات هو و الأمير يوسف التركي، لأن الفقيه محمد بحرق أكثر عليهم الكلام عند السلطان، فمات الفقيه بحرق بهينن، فشلّوا ما كان معه على شي‏ء و الدّروع و انحدروا إلى شبام و تركوا الكسر هو و موسم فيه عظيم، فرجع الامير عنبر إلى سيؤون و سعيد بن عطيف إلى دوعن، و تفرقوا شذرمذر و جلس علي بن عمر و يوسف يحاولون رامي‏ (2) شبام فلم يحصلوا (3) على شي‏ء فساروا و آل عبد العزيز إلى البادية و اختلفوا هم و إياهم على مخالفته- أي السلطان- فعلم السلطان بذلك، فأرسل الشيخ محمد بن أبي بكر عباد، و جعفر بن محمد بن علي بن رابضة إلى آل عبد العزيز العوامر و الشنافر، فوجدوهم قد أرسلوا إلى آل عامر: إنكم تقبلون إلى الكسر و تبنون السور فأقبلوا نهد جميعهم هم و الشيخ العمودي فحطوا تحت السور و بنوها، و أقاموا بيوتهم في الحال و السلطان في الشحر فجاء باعباد و أعلمه أنهم معتصبين الجميع، و وصل مكتب بن عنبر: أن علي بن عمر و آل عبد العزيز دخلوا بور أدخلوهم آل باجري يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى، فلما وصل إلى سيؤون يوم الاثنين حادي و عشرين منه راسلهم فلم يجد عندهم طريقا فعزم يحصرهم فيها، فانتقلوا الجميع و جعلوها خالية و اصعدوا إلى الكسر وحد (4) إلى الجبل و حد منهم غار تريم، و قتل بها غانم بن عطيف و محرز رامي تريم، ثم قتلوهم العوامر و الخّراز أيضا قتل معهم، فأصعد السّلطان إلى هينن و أرسل إلى آل عامر بحديث فوقع صلح ضعيف على إطلاق أولاد آل عامر الذين هم مقيدون بالهجرين فأطلقوهم و أطلقوا أيضا آل مخاشن المقيدين بهينن، و أعطاهم بلادهم حوره فلما اطلقوا رجع السلطان‏

____________

(1) الأصل: يسيرون و الإصلاح من عندنا.

(2) كذا في الأصل و مثله في العدة.

(3) الأصل يحصلون. و في العدة أصلحه «يحصلان».

(4) حد: هي أحد بتخفيف الألف بمعنى بعض منهم.

334

إلى سيؤون و خالفوا الحديث في الصلح، و أرسلوا لآل كثير فوصلوهم هم و علي بن عمر فاجتمع بالكسر، و أخذوا آل عبد اللّه الأحروم و كلّ أخذ بلاده في الكسر، و حاصروا هينن و غاروا تحت شبام، فخرج السلطان و وصل الغرفة فاستقل خيله فرجع إلى سيؤون، و أرسل إلى الشريف ناصر بن أحمد صاحب الجوف أن يجمع له مائتي خيّالا بالطّمع‏ (1) يبغى يلقاهم.

[صلح السلطان بدر مع العمودي‏] 613

و في رجب منها: اصطلح السّلطان و العمودي.

[وفاة السيد الحسن بن علي بن أبي بكر السقاف‏] 614

و فيها (2): توفي السيد الشريف الولي الفاضل الكامل الصالح العابد الزّاهد الشيخ الحسن بن الشيخ علي بن أبي بكر بن الشيخ بحر الحقيقة العارف باللّه تعالى عبد الرحمن السّقاف باعلوي، و كان من المشايخ العارفين و عباد اللّه الصالحين صاحب هيبة عظيمة لا يراه أحد إلّا هابه، و كان يصلي في مسجد والده الشيخ علي، و كان إذا دخل الصلاة و أحرم ارتعدت فرائص الحاضرين لهيبته، فهمّ بالصلاة معه السّيد الولي المجذوب عبد اللّه بلفقيه باعلوي المتوفى بمكة، فلما سوّى الصفوف و كبّر طاش لبّه و دهش عقله، و قال: ما هولاء [إلّا بقر] (3)- يعني الحاضرين- و أخذ ثوبه و خرج هاربا و لم يصلّ معه، رضي اللّه عنه و نفعنا به آمين.

____________

(1) كذا. و كأنها بالأجر، أو ما يعطى لهم من النهب.

(2) النور السافر: 222.

(3) ساقط من (س).

335

سنة سبع و خمسين 615

[وفاة السّيد الشريف الفقيه شهاب الدين أحمد بن علي بن علوي‏خرد] 616

فيها (1): توفي السّيد الشريف الفقيه العلامة النبيه وحيد عصره و عالم قطره شهاب الدين أحمد بن علي بن علوي‏خرد بن محمد بن عبد الرحمن بن الشيخ الكبير عبد اللّه باعلوي، و يعرف (رحمه اللّه تعالى) بالقاضي أحمد شريف ولي القضاء بحضرموت من العقّاد (2) إلى قبر نبي اللّه هود لم يعارضه معارض و لم ينقض عليه ناقض، و لم يل القضاء من آل باعلوي غيره تخرج و تفقه بالفقيه الإمام عبد اللّه بن عبد الرحمن فضل، و الفقيه السيد جمال الدين محمد بن عبد الرحمن الأصقع باعلوي، انتهت إليه رئاسة العلم و الفتوى بحضرموت، و كان مولده يوم الجمعة تاسع شهر الحجة سنة ست و ثمانين و ثمانمائة، و كان من خلقه الصّبر و الاحتمال يسمع كلام الجفاء بأذنه و لا يتكلّم و لا يكافي صاحبه، (رحمه اللّه تعالى).

و فيها: توفي السيد الشّريف الصالح عبد الرحمن بن شيخ بن إسماعيل ببلاد القمر (3).

و فيها خامس شهر جمادى الأولى: توفي الجمال محمد بن عبد اللّه‏

____________

(1) غرر البهاء الضوي: 178. و المشرع الروي 2: 74.

(2) العقاد بالعين المهملة و القاف المعجمة المشددة قبل الألف و الدال و هو جبل قريب من شبام بحضرموت.

(3) كذا في الأصل و في (س) بيّض له. و بلاد القمر تقع في مضيق موزمبيق بين مدعشقر و الساحل الإفريقي.

336

الملقب صرموع الكثيري ابن أخي السّلطان بدر (رحمه اللّه تعالى).

و فيها (1) توفي السّيد الشريف الولي الصالح العارف باللّه تعالى الفالح شجاع الدين عمر بن شهاب بن الشيخ عبد الرحمن بن علي باعلوي (رحمه اللّه تعالى)، و كان سيدا مشهورا بالكرامات و الصلاح و الزّهد و الورع و المكاشفات نفع اللّه به.

____________

(1) النور السافر: 223.

337

سنة ثمان و خمسين 617

[وفاة الفقيه عبد اللّه بن الفقيه محمد بن الشيخ الفقيه حكم‏] 618

فيها (1) في شهر شعبان: توفي الشيخ الصّالح العلامة الفقيه عبد اللّه بن الفقيه محمد بن الشيخ الفقيه حكم بن‏ (2) سهل بن الفقيه الولي عبد اللّه بن محمد بن الشيخ الفقيه حكم باقشير الشافعي الحضرمي، و تسمى بلده العجز، و قبره في بلد من حضرموت تسمى قسم، و قبره بها معروف يزار، و كان من الأئمة المحقّقين و العلماء العاملين و الفقهاء البارعين، صاحب تصانيف مفيدة وحيد زمانه علما و عملا و زهدا و ورعا، و من تصانيفه المشهورة في الفقه كتاب «قلائد الخرائد و فرائد الفوائد» (3) في مجلد ضخم ذكر أنه جمع فيه ما لا يوجد صريحا في الكتب المختصرة في الفقه مما أخذه من المبسوطات و الفتاوى المتفرقات، و منها «القول الموجز المبين» (4) و منها كتاب «السعادة و الخير في مناقب السادة بني قشير» (5) و رسالة صغيرة في الفرج، و من مشايخه الشيخ الكبير و العلم الشهير أبو بكر بن عبد اللّه العيدروس نفعنا اللّه به، و الولي الصالح الشيخ عبد الرحمن بن علي باعلوي، و الفقيه الصالح عبد اللّه بن عبد الرحمن فضل.

____________

(1) النور السافر: 224. و انظر ترجمته لنفسه في البركة و الخير (خ).

(2) النور السافر (حكم سهل).

(3) طبع أخيرا سنة 1410 ه في مجلدين ضخمة.

(4) منه مخطوطة بحوزتي و أقوم بتحقيقه.

(5) في مجلد كبير منه مخطوطة مصورة بحوزتي.

338

[وفاة أمير الحاج الفاجر] 619

و فيها (1): وقع من أمير الحاج الفاجر (2) مما سوّلت له نفسه الخبيثة من الهجوم على السّيد الشريف صاحب مكة محمد أبي نمى بمنى يوم النحر ليقتله هو و أولاده في ساعة واحدة، فظفروا به و أرادوا قتله و جميع جنوده لكنه- يعني الشّريف- اشفق على الحاج أن يقتل عن آخره فلا يعقل منه عقال، فأمسك عن قتاله، ثم ذهب ليلة الغد إلى مكه و الناس في أمر مريج و لم يزد ذلك الجبار إلّا طغيانا فنادى أن الشريف معزول، فلما سمعت الأعراب ذلك سقطوا على الحجاج [و نهبوا] (3) منهم أموالا لا تعد، و عزموا على نهب مكة بأسرها و استئصال الحجاج و الأمير و جنده، فركب الشريف جزاه اللّه تعالى عن المسلمين خيرا و أثخن في العرب الجراح، و قتل البعض فخمدوا، ثم استمر ذلك الجبار بمكة و الناس في أمر عظيم‏ (4) بحيث بطلت أكثر مناسك الحج، و قاسوا من الخوف و الشدة ما لم يسمع بمثله، ثم رحل ذلك الجبار بأن يسعى في باب السّلطان بعزله و قتله.

قال بعض الصالحين من أهل اليمن: فخرجت من مكة في تلك الأيام إلى جدة و أنا في غاية الضيق و الوجل على الشريف و أولاده و المسلمين، فلما قربت من جده قبيل الفجر نزلت استريح ساعة حتى يفتح باب البلد فرأيت في النوم النّبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و معه علي (كرم اللّه وجهه) و في يده عصى معوجة الرأس، و كان يضرب عن الشريف أبي نمي و يقول: أخبره أنه لا يبالي بهؤلاء و إن اللّه تعالى ينصره عليهم، فما مضت إلّا مدة يسيرة و إذا الخبر أتى من باب السّلطان بغاية الإجلال و التّعظيم للشريف، فنصره اللّه تعالى على ذلك المفسد و من أغراه على ذلك، و عاد أمر المسلمين إلى ما عهد من الأمن الذي لا يوجد في غير ولايته.

____________

(1) النور السافر: 225. و انظر في ذلك خلاصة الكلام: 53.

(2) في خلاصة الكلام «محمود باشا».

(3) زيادة من النور السافر.

(4) النور السافر: مريج.

339

[وقعة الجرب‏] 620

و فيها (1): كانت مقتلة الجرب‏ (2) بجيم و موحّدة بينهما راء ساكنة، و هي مشهورة عند أهل حضرموت [بحسب‏] (3) تاريخ في هذه السنة، و هي أن جماعة من عبيد آل يماني، و كان السلطان أخصمهم لطغيانهم و قوتهم و شجاعتهم، فاتفق أنهم اجتمعوا كلهم في مكان أو قرية تسمّى الجرب بأسفل حضرموت فأخبر السّلطان بدر بذلك فجهز إليهم عسكرا و حاصرهم في تلك القرية إلى أن أضرّ بهم الجوع و التّعب من شدة الحصار حتى أكلوا الجلود و الميته، فدخلوا عليهم و قتلوهم عن آخرهم و كانو خمسمائة، و وجدت بخط سيدنا السيد الشريف عبد الرحمن بن أحمد البيض باعلوي (رحمه اللّه): أن حكاية الجرب هذه كانت في السنة التي بعدها و هي سنة تسع و خمسين في شهر صفر.

____________

(1) النور السافر: 225. و تاريخ الدولة الكثيرية: 52.

(2) محل بقرب مدينة تريم (العدة 1: 1206.

(3) زيادة من العدة.

340

سنة تسع و خمسين 621

[وقعة الجرب الحرام‏] 622

كانت‏ (1) عمارة في البيت الشريف زاده اللّه تعظيما و تشريفا، و تاريخ ذلك للسّيد عبد العزيز الزمرمي في المصراع الأخير من هذا البيت:

و قد أتي تاريخ ترميمه‏* * * رمّم بيت اللّه سلطاننا

و فيها (2): عمر السّلطان بدر مدرسته التي بالشحر لطلبة العلم، فأرخ فراغ بنيانها الفقيه أحمد بن محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه تعالى):

شاده البدر مسجد قد تعالى‏* * * بعلاه على النجوم المضية

رب من قال أرخوه فقلنا* * * مسجدا شيّدوه للشافعية

[و هذا نظير تاريخ سيّدنا السيد الشريف الولي الصالح حاتم بن أحمد الأهدل (رحمه اللّه تعالى) لمدرسة الخواجا قاسم الدابولي التي بناها في بندر المخا سنة أربع و ثمانين و تسعمائة للأئمة الحنفية فقال:

مسجد فيه جمال‏* * * فيه أنوار بهية

وافق التاريخ منه‏* * * مستقر الحنفية] (3)

____________

(1) النور السافر: 226. و انظر للتوسع في ذلك الأعلام للقطب النهروالي: 276 بهامش خلاصة الكلام.

(2) النور السافر: 226. و تاريخ الدولة الكثيرية: 53.

(3) ساقط من مطبوعة النور السافر.

341

[عزم عفيف الدّين عبد اللّه بلفقيه باعلوي من حضرموت يريد مكة] 623

و فيها (1): عزم من حضرموت يريد مكة سيدنا السيد الشريف الولي الوفي عفيف الدّين عبد اللّه بلفقيه باعلوي هو و أهله فأدركه يوم عرفة باللّحية.

[وقعة عتاب‏ (2) بين الأمير كثير و بين بيت زياد و رئيسهم سعد بن عيسى‏] 624

و فيها آخر جمادى الآخرة: وقعة عتاب‏ (2) بين الأمير كثير و بين بيت زياد و رئيسهم سعد بن عيسى بن عفرار المهري، هجموهم المهرة، و قاتل فيها محمد بن مطران، و قتل فيها أحمد بن سعدان و سعد بن شعبان و ابن مقعوش‏ (3) خفره سعد بن عيسى و اصطاب‏ (4) الأمير كثير بطعنة، و احتصر هو و جماعة من العسكر في دار طواف بن سلمان حتى أخذوا الأمان من سعد بن عيسى و انهزم باقي العسكر إلى حيرج.

و فيها يوم الاثنين و عشرين شهر ربيع الأول: توصلن غرابان كبار من الأروام أميرهن بيرى و جلس يومين في البندر و صرى‏ (5) ليلة الأربعاء.

____________

(1) النور السافر: 226.

(2) عتاب: مدينة ساحلية من بلاد المهرة سكنها عدة قبائل من آل حامد و غيرهم أنظر «بلاد المهرة لسالم ياسر: 51».

(3) العدة: مفغور و قد سبق بابن منقوش و لعله غيره.

(4) اصطاب: وقع به صوب: جرح أو أصيب.

(5) في (س): وصوا.

342

سنة ستين و تسعمائة 625

[وفاة السيد محمد بن علي خرد] 626

فيها (1): ليلة السادس أو السّابع من شهر رمضان توفي السيد الشريف العلامة الفاضل الكامل العالم جمال الدين محمد بن علي بن علوي المعلم خرد باعلوي (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به و كان من أكابر العلماء الصالحين الراسخين في العلم، و هو مصنف «غرر البهاء الضّوي و درر الجمان البهي في مناقب آل باعلوي» و ذكر بعض كرامات جماعة من السّادات العلوية و فقهائهم و نقلت في هذا التاريخ من وجدته من الفقهاء منهم من أهل هذا القرن و ذكر تاريخ موته نفع اللّه بهم و تغشاهم برحمته و رضوانه.

[وفاة القاضي تاج الدين المالكي المكي‏] 627

و فيها (2) توفي القاضي تاج الدين المالكي المكي بمكة المكرمة (رحمه اللّه تعالى)، و قال الشيخ محّب الدين بن فلاح مؤرّخا عام وفاته:

لتاج الدين أصبح كل حر* * * حزين القلب باكي الطرف أوّاه‏

أقام بسوح بيت اللّه حتى‏* * * دعاه إليه أقبل ثم لبّاه‏

فتاريخ اللقا لما أتاه‏* * * جنان الخلد منزله و مأواه‏

و فيها (3): وقع عمارة ميزاب الرحمة للبيت الشريف، و من غريب‏

____________

(1) النور السافر: 226 و السناء الباهر: 565. و المشرع الروي 1: 196.

(2) سقط هذا الخبر من مطبوعة النور السافر.

(3) النور السافر: 226.

343

الاتفاق أن جاء تاريخ ذلك رحمة من ربك، جعل هذا التاريخ الشيخ أبو بكر اليتيم باكثير المكي و نظمه في هذين البيتين فقال:

يا أيّها الملك الجليل و من له‏* * * المجد الأثيل الفائق المريخا

ميزاب بيت اللّه جدد فاقتبس* * * نا رحمة من ربك التاريخا

و فيها: في شهر صفر توفي السيد الشريف الصالح علوي بن أحمد مرزق باعلوي (رحمه اللّه).

344

سنة إحدى و ستين 628

[قتل السلطان محمود شاه‏] 629

فيها (1) ليلة ثلاثة عشر من ربيع الأول: قتل السّلطان محمود شاه بن لطيف شاه، صاحب كجرات شهيدا، و سببه أن رجلا من خدمه من أهل الهند اسمه ملك حسن برهان حي، و هو من خواص السلطان و ذلك في البلد المسماة محمود أباد، و كان ممن يلبس السلطان ثيابه و أقرب الناس إليه دخل على السلطان و هو نائم فقتله، و قتل معه ثلاثه من وزرائه أحدهما الوزير الصّالح آصف خان الآتي ذكره و ذكر فضائله، و أخوه خدا و ندخان، و أفضل خان مع جماعة قتلهم أيضا، و الفعلة كانت على ثلاثة أزوام‏ (2) من اللّيل وفك مخرخان من القيد و مخرجان عند الخواجا صفر الرّومي اسمه ياقوت، و طلب الوزراء و عزم على قتلهم، و كان معه جماعة في مكان قدام بيت السلطان محمود، و قال لهم: كل من دخل عليكم اقتلوه، و كان من عادته ما يطلب الوزراء للسلطان إلّا هو، فأتى إليهم و قال لهم: السلطان يطلبكم بعد ما قتل السّلطان، و ليس عندهم علما بذلك، و بعد أن الوزراء الباقين حذروا لسلامتهم، و بعد ذلك طلب العرب الجميع و قال لهم: أنا السلطان ولاني النبي (صلى اللّه عليه و سلّم)، فلما سمعوا بذلك عبيد السلطان و العرب و الحبوش و الترك قتلوه، و بقيت النّاس تموج أربعة أيام بلا سلطان فاتفق رأي الوزراء و ولوا سلطانا أمه من قرابة السّلطان محمود، و كان عمره‏

____________

(1) النور السافر: 226.

(2) أزوام: جمع زام بالزاي بمعنى فترات.

345

اثنتي عشرة (1) سنة و اللّه أعلم.

[قتل آصف خان‏] 630

و في تلك الليّلة: قتل آصف خان الوزير الأعظم كما تقدم، و كان وصل من مكة المشرفة إلى الهند بعد إقامته بمكّة أكثر من عشر سنين، و كان رجلا صالحا جوادا ممدحا شريف النّفس عالي الهمة ذا تهجّد و أوراد، و اشتغل بالعلم حتى مهر في كثير من الفنون وزر للسلطان بهادر شاه، و لما جاء السّلطان همايون إلى كجرات خشي السّلطان على حريمه و نفائس خزائنه، فوكل على خزائنه و حريمه آصف خان المذكور، و أرسله بها إلى مكة، فمكث المدة المذكورة بمكة مشتغلا مع العلم بالعبادات و أنواع الطّاعات حتى حكي أنه في تلك المدة لا يعرف أنه ترك صلاة الجماعة مع الإمام بالمسجد الحرام فرضا واحدا من غير مرض و نحوه و كان محبّا لأهل العلم محسنا إليهم مؤلفا لأهل الفضل، قال بعض العلماء: قد ذكرنا آصف خان ما يحكى عن الخلفاء المتقدمين و البرامكة، و ابان حقيقة ذلك و ما ذكروه في التواريخ عنهم حتى قيل أنه أنفق بمكة في نحو سنة مائة و خمسين صندوقا ذهبا حتى ألبس أهل مكة نساءهم و خدمهم حلي الذهب الذي لم يعهدوا مثله و توسّعوا في الملابس و المعايش بما لم يعرفوه قبل ذلك، فجزاه اللّه خير الجزاء و أكمله و أتمه و أشمله و أفضله بمنّه و كرمه، فلما بلغ أهل مكة خبر مصابه حزنوا عليه جدّا لما ينالهم من الإحسان بسببه، و رثاه الشيخ العلامة عبد العزيز الزّمزمي المكي بقصيدة عظيمة يقول فيها:

أي القلوب لهذا الحادث الجلل‏* * * أطواده الشم لم تنسف و لم تزل‏

و إن نازلة في الهند قد نزلت‏* * * بلفحها كل حبر في الحجاز صلى‏

أعظم بنازلة في الكون طار بها* * * برا و بحرا مسير السفن و الإبل‏

أخبارها طرقت سمعي فحملني‏* * * طروقها عبى‏ء رزء غير محتمل‏

____________

(1) في الأصل: اثني عشر.

346

أهدت لأهل الحجاز الياس بعد رجا* * * و اليأس بعد الرجا كالطعن بالأسل‏

و أصبح الناس في رهج و في فكر* * * كثيرة و مزاج غير معتدل‏

أصم أذني به الناعي و أسمعني‏* * * أمرا به صرت مثل الشارب الثّمل‏

و منها:

هل آصف خان وجدي لا يفارقني‏* * * أو تبلغ الروح مني منتهى الأجل‏

لهفي و لهف رجال العلم قاطبة* * * على إمام بتحقيق العلوم ملي‏

على الجواد الذي فاضت مكارمه‏* * * للآملين بما أربى من الأمل‏

مضى شهيدا إلى دار البقا ليرى‏* * * ما قدمت يده من صالح العمل‏

لقد أعد له عند النزول به‏* * * ربّ غفور رحيم أكرم النّزل‏

بكت عليه السما و الأرض إذ فقدت‏* * * تهجدا عنه طول الليل لم يحل‏

و ورد صوم ظماه عنه أدخله‏* * * جنات عدن من الديان في عجل‏

و كم طواف ببيت اللّه كان له‏* * * و كم وقوف بباب اللّه في وجل‏

سلوا مشاعر جمع كيف ليلتها* * * كانت تضي‏ء ببدر منه مكتمل‏

و كان شمسا بها لما يحل منى‏* * * أيام تشريقها إشراقهن جلي‏

سقيا و رعيا لأيام سلفن بها* * * و نحن في مجلس سام لديه علي‏

إذ الزمان عزيز وجهه خضل‏* * * بغرة من محيّا وجهه الخضل‏

و العيش غض بما يوليه من نعم‏* * * لدن الحواشي بأنس منه منقبل‏

و الدهر يلحظنا شزرا و يوهمنا* * * خديعة أنه عنا لفي شغل‏

فحين رد إلينا طرفه ارتجعت‏* * * يداه منا الذي أولاه من نحل‏

حتى رمانا فأصمتنا رمايته‏* * * عمدا بأسهم هذا الحادث الجلل‏

يا آصف خان لا يحصى تأسفنا* * * عليك ضبط بتفصيل و لا جمل‏

لقد فقدناك فقدان الربيع و لم‏* * * نجد بديلك‏ (1) بعد الفقد من بدل‏

تفديك منا ألوف لو فديت بها* * * من خيرنا لا من الدّهماء و السّفل‏

____________

(1) في الأصل عنك و أصلحناه من عندنا ليستقيم الوزن.

347

إني لأبكيك للجود الذي فضحت‏* * * أنواؤه كل وسمي و كل ولي‏

أبكيت للعلم و العقل اللذين هما* * * عماد دنيا و دين الحازم الرجل‏

و للحجاز و أهليه إذا فقدوا* * * مألوف برّ إليهم منك متصل‏

و للصيام و احياء الظلام إلى‏* * * حين الممات بلا و هن و لا ملل‏

مسافرا و مقيما ما كسلت و لا* * * عجزت حوشيت من عجز و لا كسل‏

قد كنت بحر علوم زاخرا و ندى‏* * * من فيضه كل بحر كان في خجل‏

ففاض ما فاض من أمواجه وطفا* * * منها و روّي الورى علّا على نهل‏

بموته مات ذكر الجود و اندرست‏* * * منه الربوع و رسم المكرمات بلى‏

عذلت في قتله دهري فقال أما* * * أحطت علما بسبق السيف للعذل‏

لبىّ نداء المنايا عندما هتفت‏* * * به و سار لها يمشي على مهل‏

لاقته و هي كمين فاستكان و لو* * * بدت له لم تجده كان ذا فشل‏

فإنه كان ثبتا حازما حذرا* * * و لم يكن رأيه يوتى من الزلل‏

اباد أحمد آباد هول مصرعه‏* * * و باء بعد الإبا من فيه بالوجل‏

قدم محمود أباد الناس حين بدا* * * منها عنا ما به للناس من قبل‏

و ريح نكبة كم باتت عواصفها* * * نكباء هبت خلال الدور و الحلل‏

و النار شبت بشب النير من فتن‏* * * تموج كالبحر مل‏ء السهل و الجبل‏

و الديوادوت بها أدواؤها و بدت‏* * * فيها أراجيف أهل الغل و النقل‏

فلا سلام على ميراث أن لبست‏* * * ملابس الحزن بعد الحلي و الحلل‏

أوفى و سلطانه السّامي المقام معا* * * على انتهى الأجل المحتوم في الأزل‏

عّز القرى و أزمان المسرة قد* * * ولّت و كل محب بالهموم ملي‏

عبد العزيز عزيز ما أصيب به‏* * * على المشايخ و الطّلاب و الملل‏

عبد العزيز عزيز ما أصيب به‏* * * على شهامة أهل الملك و الدول‏

عبد العزيز عزيز ما أصيب به‏* * * على مجالس أهل البحث و الجدل‏

كانت تتوق لأهل الهند أنفسنا* * * كما نحقق أن العز في النقل‏

فمذ نعيت فآه و المنى و غدا* * * أبواب نيل الغنا مسدودة السبل‏

يلومني فيك أقوام و لو علموا* * * عذري لما أكثروا لومي و لا عذل‏

348

محبب كل من يولي الجميل و قد* * * أوليتني جملا منها على جمل‏

و منها في آخرها و فيه تاريخ السنة في قوله «أن قضى»:

شلت يمين الذي بالقتل فاجأه‏* * * عمدا و شيّن كف المجد بالشلل‏

يا من يسائل عن تاريخ مصرعه‏* * * عنه الجواب «أن قضى» فاكفف و لا تسل‏

عليه و اللّه لا أنفك ذا أسف‏* * * أهدي إليه الدعا ما امتد بي اجلي‏

همت على روض قبر حله رقم‏* * * من الرضى ما همى دمع من المقل‏

و هي طويلة قدر ستة ثمانين بيتا فأتيت منها بهذا القدر و كلها محاسن رحم اللّه قائلها و من قيلت فيه.

[أخذ الفرنج الديو] 631

و فيها (1): أخذ الإفرنج «الديو» من المسلمين.

[وفاة السيد أحمد صاحب مكة] 632

و فيها (2): توفي السيد أحمد بن الشريف بن نمي بن محمد بن بركات صاحب مكة، و هو الذي دعس بساط السّلطان سليمان بن سلطان الروم، و لم يدعس غيره من سلاطين مكة و شوكته استقوت حياة أبيه، و حكاياته مشهورة.

[وفاة برهان نظام شاه الدكن‏] 633

و فيها (3): توفي برهان نظام شاه الدكن‏ (4).

[قتل السلطان بايزيد] 634

و فيها (5): قتل السلطان بايزيد بن السلطان سليمان العثماني، قتله شاه طهمان‏ (6) بأمر أبيه السلطان سليمان.

[عزل الباشا ازدمر] 635

و فيها (7): عزل الباشه أزدمر التركماني من اليمن و ولي‏

____________

(1) النور السافر: 227.

(2) النور السافر: 227. و خلاصة الكلام: 55.

(3) النور السافر: 227.

(4) الأصل الركن و أصلحناه من النور السافر.

(5) النور السافر: 227.

(6) النور السافر: طهماز و هو الصواب.

(7) البرق اليماني: 105.

349

الباشة (1) النّشار، و كان وصول النشار من الأبواب و قد ملك الباشة أزدمر أبين و أحور، و بنى حصن المحل و حصن في خنفر، و كان عزله آخر السنة المذكورة عشرين ذي الحجة، و عزم إلى الأبواب السلطانية من الصّليف في ستة عشر خشبة إلى سواكن يريد طريق البر إلى مصر.

____________

(1) هو مصطفى النشار السابق ذكره أنظر البرق اليماني: 107.

350

سنة اثنتين و ستين 636

[تولىّ اليمن الباشة النشار] 637

فيها: تولىّ اليمن الباشة النشار، و كان وصوله أواخر المحرم أول شهر صفر إلى زبيد.

[وفاة الشيخ الإمام حامد بن محمود الجبرتي‏] 638

و فيها (1): توفي الشيخ الإمام العالم العلامة الهمام حامد بن محمود الجبرتي‏ (2) (رحمه اللّه تعالى) نزيل مكة المشرفة، و كان إليه النهاية في العلم و العبادة و التقشف، و رثاه الشيخ عبد العزيز الزّمزمي (رحمه اللّه تعالى):

أيها الغافل الغبي تنبّه‏* * * إن بالنوم يقظة الناس أشبه‏

و تأمل فإنما الناس سفر* * * دار دنياهم لهم دار غربه‏

كل يوم يحل في السوح منها* * * عصبة منهم و ترحل عصبه‏

كيف يهنى الفتى بها و هو فيها* * * يشتكي دائما فراق الأحبه‏

واحد إثر واحد يتداعوا* * * للفنا يا لكربة بعد كربه‏

كل حلو بعد الأحبة مر* * * فحياتي من بعدهم غير عذبه‏

يا خليلي فرقة الخل و اللّه‏* * * على النفس الكريمة صعبه‏

سيما خلك الخصيص الذي لم‏* * * يزل الجنب منك يلصق جنبه‏

الوفي الذي يسرك فعله‏ (3)* * * أن يسوءك الزمان يوما بنكبه‏

____________

(1) النور السافر: 227.

(2) النور السافر: الجبروتي.

(3) الأصل: فعلا و أصلحناه من النور.

351

الحبيب الذي حوى كل وصف‏* * * حين يملي يملا القلوب محبّه‏

ذاك و اللّه حامد خير خل‏* * * قط ما ذمّ صاحب منه صحبه‏

قد مضى حامد حميدا فما لي‏* * * بعده في الحياة و العيش رغبه‏

أي حفظ و أي إيراد لفظ* * * مستلذ ينسى أخا الكرب كربه‏

من جميع العلوم حاز فنونا* * * فتسامى بها لأرفع رتبه‏

نازعته إلى سمو المراقي‏* * * همّة أنزلت من الأفق نهبه‏ (1)

بلغت غاية المطالب و الأغراض‏* * * أحبابه الجميع و صحبه‏

لم يكن راهبا سوى اللّه لكن‏* * * كان فيه للّه أعظم رهبه‏

كان يحي إلى الممات الليالي‏* * * آخذا بالنصيب من كل قربه‏

كم صلاة يطول وصفي فيها* * * قام عن فرشه لها و تنبّه‏

و منها:

بكت الأرض و السماء فقد عبد* * * كان يعصي الهوى و يعبد ربه‏

و سيبكيه حين يفقد منه‏* * * رمضان إذا أتي أي أهبه‏

طال ما قامه و شمّر فيه‏* * * مئزرا و استحث قوما و أنبه‏

نم هنيئا فطالما في الليالي‏* * * سهرت مقلتاك دينا و حسبه‏

و سلام عليك ما حنت الورق‏* * * فأبكت على حبيب محبّه‏

روّح اللّه منك في الخلد روحا* * * و سقى صيّب الحيا منك تربه‏

حذفت أكثرها للاختصار و لو لا خشية التّطويل لأتيت بها كلها لحسنها (2).

[موت السّلطان همايون بزبابر] 639

و فيها (3): كان موت السّلطان همايون بزبابر (4) و تولى بعده ولده‏

____________

(1) النور السافر: شيبه.

(2) انظرها بنصها في النور السافر: 227- 229.

(3) النور السافر: 229.

(4) كذا في الأصل و في النور السافر: ابن بابور قلت لعله بابر (انظر الدول الإسلامية:

696).

352

السّلطان أكبر، و كان سبب موته سقوطه من سقف، فقال مؤرخ وفاته بالفارسي:

همايون بادشاه، أزنام أفتاد.

سنة ثلاث و ستين 640

[توفى الفقيه جمال الدين الشيخ محمد بن عمر باجمال‏] 641

فيها رابع شهر جمادى الآخرة: توفى الفقيه العلامة الولي الصالح جمال الدين الشيخ محمد بن عمر باجمال‏ (1) بتشديد الميم، و كان من الأكابر الصالحين، و له رسائل في التّصوّف مفيدة و وصابا عديدة و هو صاحب عباده و ورع و زهد (رحمه اللّه تعالى) و وفاته ببضة من وادي دوعن.

و في آخرها ضرب الحيمر في الشحر و نواحيها، و لم يزل الخراب و الإضطراب بأهلها إلى سنة ثمان و ستين كما سيأتي‏ (2).

____________

(1) السناء الباهر: 584 في حوادث سنة 964.

(2) سقطت سنة 964 و لم ترد في الأصل.

353

سنة خمس و ستين 642

[وفاة الشيخ أحمد بن عثمان العمودي‏] 643

فيها (1) يوم السبت حادي عشر من شهر المحرم: توفي الشيخ الكبير القدوة الشّهير الولي العارف باللّه تعالى الإمام العالم العلامة شهاب الدين الفقيه أحمد بن الفقيه عثمان بن محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن محمد بن الشيخ الكبير الولي الشهير سعيد بن عيسى بن أحمد شهر بالعمودي بتعز، و كان (رحمه اللّه) من كبار أهل العلم و الفتيا و التّدريس مع الورع التّام و الزّهد العظيم و الإقبال على الطاعة و كثرة العبادة و السّلوك على نهج السلف الصالح و لزم الخمول، و ترك ما لا يعني، و الإحسان الدائم على الفقراء و المحتاجين و الطلبة و الملازمين و كان مع ذلك من أهل الولاية العظيمة و التّصريف النافذ في الوجود و قيل يعرف إسم اللّه الأعظم و كان ينفق من الغيب، و كانت الباشوات تعظّمه و تخضع لهيبته، و كان من محفوظاته الإرشاد في الفقه، و كانت تجي‏ء إليه الفتاوى من البلاد البعيدة فيجيب عنها، و كان ولي مدرسة تعز، و كان ينفق جميع ما يصل إليه من وقفها على الفقراء و الطلبة و لا يمسك منه لنفسه شيئا، و لم يزل على ذلك حتى مات، و بالجملة فإنه كان أوحد عصره علما و صلاحا و لم يخلفه بعده مثله، و كان مولده بزبيد و بنيت عليه بعد موته قبة عظيمة (رحمه اللّه تعالى)، و كان والده الفقيه عثمان بن محمد من أهل العلم و الصّلاح و كان انتقل من بلاده قيدون إلى زبيد و هو شاب لتحصيل العلم‏

____________

(1) النور السافر: 233.

354

فأخذ عن جماعة حتى برع في العلم و تزّوج هناك إمرأة، فولدت له صاحب الترجمة هذا، و هو الذي أخذ عنه و تخرج به الفقيه الصّالح علي بن علي بايزيد التولبي الدوعني صاحب «النكت على الإرشاد» و الفتاوى المشهورة، و كانت وفاة الشيخ عثمان في هذا القرن و تاريخ موته لم أعثر عليه و لهذا لم أفرده بالذكر في هذا التاريخ و إلا فهو حقيق بذلك، و بنو العمودي أهل صلاح و ولاية إشتهر منهم جماعة بالعلوم الظاهرة و مقامات الولاية الفاخرة و يقال أن نسبتهم ترجع إلى أبي بكر الصّديق رضي اللّه عنه و أما خرقتهم‏ (1)، فهي ترجع إلى الشيخ أبي مدين المغربي رضي اللّه عنه فإن جدهم الشيخ الكبير و العالم الشهير تاج العارفين و مربي المريدين الشيخ سعيد بن عيسى العمودي نفع اللّه به أخذها عن الشيخ عبد اللّه الصّالح رسول رسول الشيخ أبي مدين، فهي كخرقة قطب العارفين و إمام الأوليا المتمكنين الشيخ الكبير الفقيه محمد بن علي مقدّم التربة نفعنا اللّه به، حكى: أن الشيخ أبا مدين أرسل تلميذه الشيخ عبد الرحمن المقعد من الغرب‏ (2) نائبا عنه و أمره بالذّهاب إلى حضرموت، و قال له: إن لنا فيها أصحابا سر إليهم، و خذ عنهم عقد التحكيم و أخبره انه سيموت في أثناء الطريق، فكان كذلك فمات بمكة المشرفة، ثم أرسل تلميذه الشيخ عبد اللّه الصالح كما أمره شيخه، و قال له: إذهب إلى حضرموت تجد فيها الفقيه محمد بن علي يقرأ في الفقه على الفقيه علي بن أحمد بامروان و سلاحه على رجليه موضوع فأطلبه من عنده و حكمه، ثم إذهب إلى قيدون تجد فيها الشيخ سعيد بن عيسى العمودي فحكمه، فلما قدم إلى تريم وجد الفقيه بتلك الصفة التي ذكرها له شيخه ففعل ما أمره، و ذهب إلى قيدون كذلك، و كان الشيخ سعيد أحد كبار مشايخ حضرموت مشهورا بالولاية الكاملة و الكرامات العظيمة، و كان كاملا مربّيا مسلّكا، و به انتفع الشيخ أبو معبد و غيره، و له في ناحيته ذرية مباركون و أتباع و زاوية لهم مشهورة،

____________

(1) أي سند لبس الخرقة الصوفية.

(2) النور: المغرب.