تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
355

و روي عنه أنه قال: زيارتي بعد وفاتي أفضل من زيارتي في حياتي، و روي عنه أيضا أنه قال: من أحبني أو أحب من أحبّني أو زارني أو زار من زارني أو صافحني أو صافح من صافحني فأنا ضمينه بالجنة.

و حكي عنه: أنه عمر في القطبية ثمانية عشر يوما، و روي عنه أيضا أنه قال: من رضي بي شيخه فليشهد اللّه على نفسه أنه رضي بي شيخه دنيا و أخرى، و أنا شيخه و لا يمدّ يده إلى أحد، و روي عنه أنه قال: من زارني ثلاث مرات يتعنى ماله حاجة إلا زيارتي فأنا ضمينه بالجنة، و كان الشيخ سعيد رضي اللّه عنه أميا و يرد على الفقهاء في المسائل الفقهية و على القاري إذا غلط أو لحن، و توفي سنة إحدى و سبعين و ستمائة و تربته مقصوده للزيارة و التبرك نفع اللّه به آمين.

[وفاة السيد أحمد بن علوي مقيبل‏] 644

و فيها: ليلة الجمعة ثمانية و عشرين مضت من ربيع الثاني: توفي السيد الشريف الولي الصالح أحمد بن علوي مقيبل باعلوي و عمره نيف و مائة سنة (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة الشيخ أحمد بن عمر بادهمج‏] 645

و فيها يوم الثلاثاء وقت الظهر: توفي الولي الصالح شهاب الدين المعلم أحمد بن عمر بادهمج بمكان يسمّى البرح قريب البلد المسماة عرف و حمل إلى الشحر و دفن بها ضحى يوم الأربعاء سادس و عشرين رمضان (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به.

[وفاة السيد أحمد بن محمد شنبل‏] 646

و فيها يوم الاثنين ثاني ذي القعدة: توفي السيد الشرف شهاب الدين أحمد بن محمد شنبل باعلوي (رحمه اللّه تعالى) و بينه و بين المعلم بادهمج خمسة أيام.

[وفاة جمال الدين محمد بن عقيل باعلوي‏] 647

و فيها: توفي السيد الشرف جمال الدين محمد بن عقيل بن أحمد بن عقيل باعلوي بتريم (رحمه اللّه تعالى).

[انتقال آل علي بن بدر الكثيري إلى القبلة] 648

و فيها: انتقلوا آل علي بن بدر الكثيري إلى القبلة في شهر صفر و وصلوا عند الشريف ناصر بن أحمد الجوفي و أقاموا إلى آخر جمادى الثاني، و رجعوا يبغون حضرموت، فلما كانوا قريب من ريدة الصيعر

356

إعترضهم الأمير سعيد بن عطيف من هينن هو و جماعة من نهد و الحمدة بنو شبيب و غيرهم، خيل و ركاب و بنادق، فالتقوا فقتل يماني بن عبد اللّه و ولده و السّويبق عبد اللّه بن يدرين يماني، و معطى ولد بدر بن علي، و أخوه عبد العزيز بن بدر بن علي و معهم جماعة من الشاوين بني شبيب، قتلوا منهم أربعة أيضا و أسروا الباقين نحو عشرين رجلا و دخلوا بهم هينن و قيدوهم، و ذلك بسبب قتل عامر بن رضيم الشبيبي المكنى هجلان، آخر شهر الحجة سنة أربع و ستين الذي قبل هذه السنة المذكورة، قتله السويبق الكثيري المذكور أولا، و اللّه أعلم.

357

سنة ست و ستين 649

[وفاة الإمام عبد القادر الشافعي‏] 650

فيها (1): توفي الإمام عبد القادر الشافعي (رحمه اللّه تعالى) و رثاه صاحبه الأديب الفاضل السيد محمد السمرقندي نزيل طيبة المشرفة على صاحبها أفضل الصلاة و السلام بهذه القصيدة.

مات الإمام فعيشي بعده كدر* * * و دمع عيني لا ينفك ينحدر

قضى و لم يقض لي من وده وطر* * * و أصبحت دوره بعد العلا الحفر

قد كنت أحذر هذا اليوم من عمري‏* * * لو كان ينفع في مقدوره الحذر

حتى رميت بسهم ليس يمنعني‏* * * منه صديق و لا خدن و لا وزر

مالي و ما لليالي كلما جنحت‏* * * سالمتها و هي لا تبقي و لا تذر

حملت من جهلها ماليس يحمله‏* * * قلب و ما عجزت عن دركه الفكر

و أنت يا رائحا عني و تاركني‏* * * و نار وجدي في الأحشاء تستعر

إن جئت دارا أعز اللّه جانبها* * * و جادها المزن لا ينفك ينهمر

بلغ سلامي إلى من بالتراب ثوى‏* * * ما كان ظني فيه ينزل القمر

بلغ تحية محزون إلى جدث‏* * * به الذي طاب منه الخبر و الخبر

إمام مكة عبد القادر ابن أبي‏* * * اليمن الذي خير من قد أنجبت مضر

____________

(1) النور السافر: 236.

358

من تبعة المصطفى الهادي أرومته‏* * * أكرم بفرع بذاك الأصل يفتخر

يا ابن الأئمة و القوم الذين هم‏* * * على الحقيقة فينا الأنجم الزهر

إليك قد كان يعزي الفضل منتسبا* * * و اليوم فيك يعزّى البدو و الحضر

تبدي التّواضع للإخوان منبسطا* * * و لو وضعت على هام لهم شكروا

كم خطبة لك عند البيت فائقة* * * بها تسلسل عن خير الورى الأثر

للّه كم من مقام بالمقام لكم‏* * * حلت بترديده الآيات و السّور

يبكي المقام على هذا الإمام كما* * * يبكيه منبر بيت اللّه و الحجر

أبكي عليه و هل يشفي البكا كبدا* * * كادت لموقع هذا الخطب تنفطر

قد كان يجدي التأسي عنك دمع أسى‏* * * لو كان مثلك في أم القرى بشر

سقى ضريحك صوب المزن منتحبا* * * حتى يضاحك أقصى تربه الزهر

تاريخه «جنة الفردوس منزله»* * * ثم الصلاة على من حفّه الحجر

انتهى ما لخصته من هذه القصيدة و هي أكثر من هذا فآثرت الاختصار.

و فيها (1): قتل الوزير عماد الملك (رحمه اللّه) يوم سابع و عشرين في رمضان، و قتل معه جماعة منهم مصطفى القرماني عيدال‏ (2) خان و غيره قتلهم رجب خداوند خان، ولد الخواجا صفر.

____________

(1) النور السافر: 237.

(2) النور: عيدل.

359

سنة سبع و ستين 651

[وفاة الشيخ عبد الرحمن بن عمر العمودي‏] 652

يوم‏ (1) الجمعة تاسع و عشري شهر رجب الحرام: توفي الشيخ الكبير و الولي الشهير قدوة العارفين و حجة اللّه على السالكين وجيه الدين عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد العمودي و هو الذي يلتقي نسبه مع ابن عمهم الشيخ أحمد بن عثمان الذي تقدّم ذكره بمكة المشرفة، و دفن بالمعلاة، و قد تقدم ذكر أبيه الشيخ عمر المدفون بالقنفدة، و كان صاحب الترجمة الشيخ عبد الرحمن من الأولياء الصالحين و المشايخ العارفين كثير العبادة و الإجتهاد عظيم الورع و الزهد و المثابرة على الطاعة و الأعمال الصالحة مع الإشتغال بالعلوم النافعة و كان مشاركا في كثير من فنونها، و كان يحفظ «الإرشاد» في الفقه و من مشايخه الشيخ أبو الحسن البكري و الشيخ الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي، و من تصانيفه حاشيه على «الإرشاد»، و كان أراد محوها فمنعه الشيخ ابن حجر من ذلك و منها «النور المذرور»، و كان كثير التعظيم لأهل العلم مع الخمول المفرط و التواضع الزايد و الاستقامة العظيمة و الانقطاع إلى اللّه، فلم يتزوج لذلك مدة عمره، مقبلا على الطّاعة مذ نشأ، روي أنه قدم تريم لزيارة من بها من المشايخ فاجتمع بالشيخ الكبير الولي العارف باللّه شهاب بن عبد الرحمن أبو الشيخ علي باعلوي، فأخبر بأنه اجتمع بالإمام الغزالي في غرفة بداره من طريق الكشف و استجاز منه كتبه‏

____________

(1) النور السافر: 237.

360

فأجازه بها، فطلب منه الشيخ عبد الرحمن أن يجيزه بالإجازة المذكورة فأجازه بذلك، و كانت له أحوال فاخرة و كرامات ظاهرة، قال الفاكهي:

و مناقبه أفردتها برسالة، جاور بمكة المشرفة سنينا و مات بها (رحمه اللّه) و كان لا يقبل من أحد شيئا، و حكي أن الشريف أبو نمي سلطان مكة أرسل إليه مائة دينار فلم يقبلها و استحى ذلك الرّجل أن يردها على الشّريف، فبقيت عنده حتى مات الشيخ عبد الرحمن نفع اللّه به، فأخبر الشريف عند ذلك فأمره أن يدفعها إلى السيد الشريف عبد اللّه بن الفقيه باعلوي الآتي ذكره، قال الفاكهي: و سمعت من لفظ شيخنا صاحب الكرامات الباهرة و المجاهدات المعلومات الظّاهرة ولي اللّه عبد الرحمن العمودي نفع اللّه به، يقول: أن شخصا من آل العمودي يخرج من مقبرة المعلاة، و هو من السبعين الألف الشافعين‏ (1) و لا أعلم في المعلاة من العموديين أجل منه، و إن كان بها عمّه و آخرون منهم، بل سمعت منه أيضا ما دلّ دلالة صريحة [أن‏] (2) أباه الشيخ عمر المدفون بالقنفده من السّبعين الألف الشافعية (3) و لا يستعظم هذه المنقبه عليه و على أبيه إلّا جاهل بحالهما، و لو من مخالطيه، و من نظمه هذه الأبيات في القهوة قوله:

أسرار قهوتنا خذها مبيّنة* * * تعين سالكنا في الليل ما سهرا

و تشرح القلب و الأعضاء تنشطها* * * و تذهب الهم و الأحزان و الكدرا

فاشرب فديتك منها ما قدرت له‏* * * و قم نصحتك بالأسحار ما يسرا

و اخلص لنا (4) نية مهما شربت لها* * * و كن كسوبا (5) بها الخيرات مدخرا

و اقتد بشرابها من مضى خلفا* * * ذوي الصّلاح و لا تقتد بمن خسرا

و اسأل الهك أن يفضل برحمته‏* * * على نبيك خير الخلق و البشرا

____________

(1) الأصل: الشافعية.

(2) ساقط من الأصل.

(3) كذا في الأصل و في النور: الشافعين و قد سبق مثله.

(4) النور: لدى.

(5) النور: كئيسا.

361

و فيها (1): كانت وفاة أحمد شاه بأحمد أباد قتيلا.

[وصول جنكز خان إلى السرت‏] 653

و فيها (2): جاء جنكز خان إلى سرت، و أحرق دورها و خربها و خرب أهلها، ثم صالحه صاحب سرت خداوند خان و ذهب إلى بروج.

____________

(1) النور السافر: 241.

(2) النور السافر: 241.

362

سنة ثمان و ستين 654

[وصول جنكز خان إلى سرت ثانيا] 655

فيها (1): جاء جنكز خان ثانيا إلى سرت و أخرب جانبا من كوت سرت و أخرب جمعا من أهل سرت و منير من التجار و الرعية و غيرهما ثم ذهب إلى بروج في أواخر رمضان، و كان صاحب سرت خداوند خان خرج من الكوت خفية ليلا فذهب إلى بلاد الكفار، ثم وصل إلى أحمد آباد ثاني شوال فقتل يوم الثلاثاء بعد العصر آخر يوم من ذي القعدة، قتله بجلي خان و أغاريخان و رستم خان مع عسكرهم، و في العسكر جمع من عبيد خداوند خان هربوا منه من رهبته، و كان خداوند خان (رحمه اللّه تعالى) أميرا كبيرا جليل القدر رفيع المنزلة حسن الأخلاق كثير الإنفاق جيّد الصورة طيب السيرة، جوادا سخيا شهما أبيا شديد البأس محبّبا إلى الناس متواضعا ممدحا ليّن الجانب مشهورا في المشارق و المغارب، كثير الإحسان و الإفضال مقصودا بشدّ الرّحال، محبا لأهل الخير و الصّلاح حسن العقيدة في الأولياء و الصّالحين محسنا إلى الفقراء و المساكين عظيم الصدقة و المعروف كثير الإحتفال بالوفود و الضّيوف و كان عريق الرئاسة، حسن السياسة ظريفا لطيفا و في آخر الأمر اعتراه نوع من الوسواس حمله على الاستيحاش من النّاس اختل به نظام تدبيره فخذله وزيره و مشيره و قل معاونه و ناصره‏ (2) و تفرقت بسببه عساكره و الكمال للّه، فكان هذا هو السّبب‏

____________

(1) النور السافر: 241.

(2) بياض في (س).

363

في زوال الملك عنه و ظفر العدو به، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و رثاه الشيخ العلامة أبو السعادات الفاكهي بقصيده عظيمة أولها (1):

الدهر في يقظة و السهر للبشر* * * و الموت يبدو ببطش البدو و الحضر

و كان أبو السّعادات المذكور من المشمولين بعنايته و المنتظمين في سلك نعمته كغيره من الصّلحاء و العلماء فإن «سرت» في أيامه السعيدة كانت طافحة من المشايخ و الفضلاء، مشحونة بأكابر الناس من سائر الأجناس، مملؤة بأعيان التجار الأكابر و بلغني أنه يجعل لكل من يدخل إليه من الغرباء مرتّبا بحسب حاله، و إذا أراد الذهاب كذلك زوّده من ماله، و بالجملة فمحاسن هذا الرجل كثيرة و أخباره معروفة شهيرة (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة أحمد بن حسين العيدروس‏] 656

و فيها (2) في سابع شهر جمادى الأولى: توفي السيد الشيخ الكبير القطب العارف باللّه تعالى الشهير شهاب الدنيا و الدين بركة الإسلام و المسلمين صاحب الولاية و التمكين الشيخ شهاب الدين أحمد بن الشيخ حسين بن الشيخ عبد اللّه العيدروس بتريم (رحمه اللّه) و نفع به آمين، و كان من سادات مشايخ الطريقه المكاشفين بأنوار الحقيقة، جمع اللّه له بين كمال الخلق و حسن الأخلاق، و بسط المعرفة و صحّة النيه و صدق المعاملة مناقبه كثيرة و أحواله شهيرة و كراماته لا تحصى، منها ما روى عن الشيخ الولي الصالح أحمد بن عبد القوي بافضل (رحمه اللّه تعالى) أنه رأى الشيخ أحمد عيانا واقفا بعرفات، و شاهده مشاهده يطوف بالبيت العتيق و يسعى بين الصفا و المروة (رحمه اللّه تعالى).

[حصل غلاء عظيم في الجهة الشحرية و الحضرمية و غيرها] 657

و فيها: في شهر رجب و شعبان و رمضان حصل غلاء في الجهة الشحرية و الحضرمية و غيرها عظيم و جدب و جوع حتى أن النّاس يموتون‏

____________

(1) أنظرها في النور السافر.

(2) النور السافر: 242.

364

في الطّرقات من الجوع، و البوادي هلكوا، هم، و نشرهم، و بلغ السعر مبلغ و لم يوجد، و كان أوله من سنة ستين كما تقّدم و هلم جّرا كما يرى و يسمع في سنة السّبعين و بعدها.

[وفاة معروف بن عبد الله باجمال‏] 658

و فيها (1) ليلة السبت خامس عشر صفر: توفي الشيخ الكبير القدوة الشهير العارف باللّه تعالى أبو محمد معروف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد موذن بن عبد اللّه بن محمد بن أحمد جمال بوادي دوعن، و كانت ولادته بشبام ليلة الجمعة خامس عشر شهر رمضان سنة 893، ثلاث و تسعين و ثمانمائة و كان شيخا كبيرا عظيم الشّأن ذا كرامات ظاهره و أحوال و آيات باهرة، و بلغني أن مناقبه أفردها بعض الفضلاء بتصنيف (رحمه اللّه تعالى)، و كان من المشايخ المشهورين و الأساتذه الكبار المذكورين بتربية المريدين و تخريج السّالكين و له جاه عظيم و قبول عند الخاص و العام، و سبب خروجه من بلده إلى وادي دوعن أن واش وشى به إلى السّلطان بدر بن عبد اللّه الكثيري (رحمه اللّه تعالى) في أشياء، منها فرط اعتقاد الناس فيه و امتثالهم لأوامره و نواهيه، فأمر بنفيه من البلاد و اهانته بين العباد و أن ينادى عليه عند خروجه: هذا معبودكم يا أهل شبام، و جعل في عنقه حبلا و طيف به بين الأنام، و من غريب ذلك أن السّلطان أمر بعض أمرائه و حاشيته أن يتولى ذلك بنفسه، و كان ذلك من معتقدي الشيخ المذكور فتوقف ذلك، فأرسل إليه الشيخ معروف (قدّس اللّه سره) أن أفعل ما أمرت به و أنا ضمينك على اللّه بالجنة، فانظر إلى مشهد هذا الشيخ الجليل العظيم الذي يرى الأشياء كلّها من اللّه الحكيم، و ما وقع عليه من الامتحان له فيه أسوة بغيره من الأعيان أراد اللّه أن يرفع به في درجاتهم و يضاعف بسببه في ثوابهم و حسناتهم، على أن هذه الطائفة العلية كما قيل في نعوتهم السنيه أنهم رضي اللّه عنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذّذ

____________

(1) النور السافر: 246 و في مناقبه «مواهب البر الرؤوف في مناقب الشيخ معروف» مخطوط.

365

غيرهم بالنّعيم و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشا (رحمه اللّه) و نفعنا به آمين.

[وفاة محمد بن عبد الله العيدروس‏] 659

و فيها في شهر رجب: توفي السيد الشريف جمال الدين الشيخ محمد بن عبد اللّه بن علوي العيدروس يريد الحج إلى بيت اللّه فانتقل قريب جدة في البحر فحمل إلى مكة و دفن‏ (1) بالمعلاه و قبر قرب الشيخ عبد الرحمن بن عمر العمودي رحمهما اللّه.

[وصول ثلاثة غربان إلى قلهات‏] 660

و فيها: وصل ثلاثة غربان بأروام خرجت من عدن و مروا الشحر و قشن و ظفار، و وصلت إلى قلهات‏ (2) و أخذوا برشة من الهند فيها إفرنج أسروا قنبطانها و عشرة معه، و دخلت الشحر يوم الثلاثاء ثامن شهر ربيع الثاني و جلس يومين فيي البندر و صروا إلى عدن، و أميرها بيرى أمير التجريدة التي دخلت هرموز كما سبق في سنة سبع و خمسين.

[أخذ الباشة محمود الرومي حصن حب‏من النظاري‏] 661

في شهر شعبان: أخذ الباشة محمود الرومي حصن حب‏ (3) من النظاري بعد قتل النّظاري، و قتل الخواجا عبد اللّه الريامي و ولده علي الرّيامي، و أخذ جميع أموالهم و أولاده، و أخذ جميع أموالهم‏ (4).

و فيها: توفي الشيخ مزاحم بن حسن بن مزاحم ببروم في شهر شعبان.

و في شهر رجب أو شعبان: التقى خمسه غربان و ثلاث برش إفرنج فبرشة عظيمة خرجت من آشي فيها مسلمين جماعة من آل آشي، و فيها:

جماعة من الأورام تجار و تقاتلوا ثلاثة أيام حتى هلكوا أكثر الإفرنج و المسلمين الجميع و احترقن براش الإفرنج و برشة المسلمين، و قتل خلق و ما سلم من المسلمين إلا نحو عشرين رجلا دخلوا عدن، واحد منهم دخل أحور.

____________

(1) في (س) و دفع.

(2) قلهات: مرفأ في عمان شمال شرقي راس الحد (المنجد: 556).

(3) حب حصن من عزلة سير في بعدان. من أمنع حصون اليمن.

(4) أنظر خبر استيلاء محمود باشا على حصن حب في مطالع النيرين: 107- 110.

366

سنة سبعين و تسعمائة 662

[وقوع أمطار في مدينة الشحر] 663

بشهر شوال ليلة الثّلاثاء الثاني منه و آخر ليلة من نوء الاكليل:

حصل على الشحر و نواحيها غيث عظيم هائل مع ريح عاصفة مزعجة نسأل اللّه اللّطف أن لا يبلي المسلمين بمثل ذلك، و استمر ذلك ليلا و نهارا إلى ليلة الخميس، فحصل مطر عظيم غزير من غير ريح أكثر و اغزر من الأول، فخربت البيوت و المساجد و عمّ ذلك جميع نواحيها و قراها و اتصل الخراب بجميع الجهة و وقع الخلق في حالة يعجز عنها الوصف، حتى إن الناس خرجوا من بيوتهم و عرّشوا (1) لأنفسهم و أولادهم في الطرقات أمام بيوتهم خوفا من انهدام البيوت عليهم و على حريمهم و أطفالهم، و ذلك شي‏ء لم يعهد و لم يسمع بمثله و لا اتفق عمومه بجميع جهة الشحر و نواحيها، و كان ذلك مهول ذهلت فيه الألباب و العقول، فإنّا للّه و إنا إليه راجعون و أخذ سيل حضرموت جملة خلائق من النساء و الرّجال من المسفلة فمنهم من ظهر ميتا في البحر نحو حيريج و سواحل جوانبها رجال و نساء بحليهن لأنه كان يوم زينة عيد الفطر و قليل منهم تعلق بخشب النّخل و سلم و أخربت أسوار كثيرة، و أخذ من النخيل شي‏ء لا يحصى و أخذ جميع ذبر المسيله بوادي بالحاف و الغيظ و جعله رحبة، و أخذ أجمل نخل غيل «الأسفل» و غيل «الأعلى» و علوب‏ (2) و أخذ نحو مائة (3) و سبعين في ميفع، و أخذ في‏

____________

(1) عرشوا: بتشديد الراء للتكثير من عرّش بمعنى صنع عريشا (معروف).

(2) علوب: جمع علب، قال أبو زيد: العلوب منابت السدر و الواحد علب (اللسان 1: 629).

(3) هنا سقطت أوراق من نسخة (ح).

367

شبام حضرموت جميع وادي ذهبان و قد ضمن تاريخه صاحبنا الفقيه الفاضل عبد اللّه بن أحمد بن فلاح الحضرمي في بيتين و هما (1):

سيل بوادي حضرموت أذاه عم‏* * * في‏ (2) نحو اكليل النجوم أخذ نسم‏

وضعوا له تاريخ ناسب جوره‏* * * يلقاه من يطلب في أحرف «ظلم»

و أخذ جملة من المراكب في نواحي جهة الهند و هرموزة نحو بضع و ثلاثين مركبا شي‏ء منها شاحنة في البحر، و شي‏ء في البنادر، و أخذ السيل مراكب في خلفات معليّه في البر أدخلها البحر، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و قد قال النّاس في هذا الحادث العظيم أشعارا كثيرة توضح أخباره.

[وفاة الفقيه سالم بن محمد بامعيبد] 664

و فيها: سابع عشر جمادى الأولى توفي الفقيه‏ء العالم القاضي سالم بن محمد بامعيبد بغيل باوزير (رحمه اللّه تعالى).

[تولي القضاء الفقيه عبد اللّه بن عقيل بافضل‏] 665

و فيها: ولي القضاء الفقيه عبد اللّه بن عقيل بافضل (رحمه اللّه).

[غارة الجرادف من أصحاب العمودي و نهب بيت السيد محمد بن عبد اللّه عيديد باعلوي‏] 666

و فيها: كانت غارة الجرادف من أصحاب العمودي و نهب بيت السيد محمد بن عبد اللّه عيديد باعلوي و هو جوره‏ (3) و ذلك ليلة السبت لست عشرة ذي الحجة.

[ولادة مؤلف الكتاب‏] 667

و فيها: كان مولد مؤلف هذا التاريخ، بلّغه اللّه من الخيرات أمله و ختم بالسعادة عمله، آخر السنة المذكورة.

____________

(1) البيتان في النور السافر: 247.

(2) النور: سنو.

(3) جوره: كأنه في جواره أو مستجير به.

368

سنة إحدى و سبعين 668

[وفاة الشيخ السيد عبد الرحمن بن حسين الأهدل‏] 669

فيها (1) في شهر جمادى الأولى: توفي الشيخ الكبير و العالم الشهير تاج العارفين و بقية الأولياء الكاملين وجيه الدين السيد الشّريف عبد الرحمن بن حسين بن الصديق الأهدل اليمني (قدس اللّه روحه) بمدينة زبيد و قبره بها، مشهور يزار و عليه قبة، و كان من أكابر المشايخ أرباب الأحوال الفاخرة و الكرامات الظاهرة وحيد عصره و فريد دهره، و لم يخلفه مثله في مصره، و شهرته تغني عن ترجمته، و من ببعض كراماته أنه جاء إليه مريض و قد عظم بطنه من الإستسقاء فقرب اليه طعاما و أمره أن يأكله جميعه، فحسب أن فعل ما أمره زال عنه ذلك المرض في الحال و استوى بطنه و كراماته كثيرة، و أنشد لوالده الحسين:

قد كان من سنّة خير الورى‏* * * صلّى عليه اللّه طول الزّمن‏

إن لا يرد الطيب و المتكى‏* * * و اللّحم و التمر كذا و اللبن‏

و منه:

لا تعتب الدهر و لا أهله‏* * * في حط مقدار و لا منزله‏

نحن قسمنا بينهم قاله‏* * * إلهنا و الفضل و العدل له‏

و الحمد و الشكر لمن قد جرت‏* * * أحكامه بالقسمة العادله‏

[وفاة السيد علي بن أحمد باجبهان‏] 670

و فيها (2): توفي السّيد الشريف العالم الفاضل الكامل النسابة مؤلف‏

____________

(1) النور السافر: 247.

(2) النور السافر: 249. المشرع الروي 2: 219.

369

الشجرة العلوية نور الدين علي بن أحمد باجبهان باعلوي بتريم (رحمه اللّه تعالى)، و السيد الشريف الولي الصالح بدر الدين حسين الملقب الكربي بقشن بلاد المهرة في آخر شعبان (رحمه اللّه تعالى)، و المعلم الصالح وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد اللّه باعزان يوم الاثنين ثمان و عشرين شهر رجب (رحمه اللّه تعالى).

[فيضان أودية مكة المشرفة بسيول عظيمة و دخول السّيل الحرم الشريف‏] 671

و فيها (1): فاضت أودية مكة المشرفة بسيول عظيمة و دخل السّيل الحرم الشريف و علا على الركن اليماني ذراع، فكان ذلك تاريخا، فنظمه الأديب صلاح الدين القرشي (رحمه اللّه تعالى) فقال:

إني رأيت السّيل في مكة* * * قد أخرب الدور و أخلى البقاع‏

لاذ بباب اللّه مستعصما* * * و طاف بالبيت طواف الوداع‏

تاريخ ان رمت تعريفه‏* * * علا على الركن اليماني ذراع‏

____________

(1) النور السافر: 248.

370

سنة اثنتين و سبعين 672

[وفاة الشيخ عبد الله بن أحمد الفاكهي‏] 673

فيها (1): توفي الشيخ الإمام العالم العلامة الفاضل الكامل الشيخ عبد اللّه بن أحمد الفاكهي الشافعي المكي (رحمه اللّه تعالى)، و كان مولده سنة تسع و تسعين و ثمانمائة، و كان من كبار العلماء الفضلاء مشاركا في جميع العلوم، و له فيها مصنّفات كثيرة [منها شرح الأجرومية و شرح على متممتها للحطاب‏] (2) أجاد فيها كل الأجادة و شرح على قطر بن هشام في غاية الحسن صنفه سنة ستة عشر و تسعمائة، و كان عمره حينئذ ثمانية عشر سنة، و شرح على «الملحة» و استنبط حدودا للنحو و جمعها في نحو كراسة ثم شرحها أيضا في كراريس، و لم يسبق إلى مثل ذلك، و بالجملة فإنه لم يكن له نظير في زمانه في علم النحو و كان فيه آية من آيات اللّه، حتى قيل إنه سيبويه عصره (رحمه اللّه)، و حكى أنه حضر في الجامع الأزهر و قارى‏ء يقرأ شرح القطر على بعض المشايخ فأشكل عليهم بعض العبارات فيه فحلها المذكور، و ذكر انه هو الشارح فلم يصّدقوه حتى أقام البيّنة على ذلك و شهد له من كان من أهل مكة بذلك.

[وفاة الإمام العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة] 674

و فيها (3) في ليلة الاثنين لعشر ليال مضت من شهر رجب الحرام: توفي الإمام العالم العلامة مفتي اليمن و علامة الزّمن عفيف الدين‏

____________

(1) النور السافر: 249.

(2) ساقط من الأصل.

(3) النور السافر: 250.

371

عبد اللّه بن عمر بن أحمد بامخرمة بعدن و عمره خمس و ستون سنة، و كان آية في العلم خصوصا الفقه و الفلك أخذ عن والده الولي عمر و عمه العلامة الطيب و القاضي العلامة عبد اللّه بن أحمد باسرومي، و كان يقول حال قراءته عليه: إني استفدت منه أكثر مما استفاد مني، وجّد و اجتهد حتى برع و انتصب للتدريس و الفتوى، و صار عمدة يرجع إلى فتواه. و انتهت إليه رئاسة العلم و الفتوى في جميع الجهات و قصد بالفتاوى من الجهات النازحة و الأقاليم البعيدة، و كان عمه الطّيب يقول: لا أستطيع على ما يستطيع عليه ابن أخي في حلّ المشكلات و تحرير الجوابات على المسائل الغامضات، و كان الشيخ الإمام العلامة جمال الدين محمد بن الإمام عبد القادر الحباني يعظمه جدّا و يرجحه على والده و كان معظم تحصيله و انتفاعه به، و ممن أخذ عنه من العلماء الأعلام شيخنا الفقيه جمال الدين محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه تعالى) و مدحه الأديب أبو زكريا الدمشقي ببيتين:

يا عمري الأصل أنت مالكي‏* * * و نافعي بفضله بين البشر

ها قد رفعت سندي إليكم‏* * * لمالك لنافع لابن عمر

و بالجملة فكلامه و أبحاثه في كتبه و أجوبته تدلّ على قوّة فطنته و غزارة مادته، و كان مع ذلك تغلب عليه الحرارة حتى على طلبته و الكمال للّه، و كان بليغا فصيحا كاملا فاضلا في الأدب نادرة الوقت في النّظم و النثر، فمن المقطّعات الغراب التي تحتمل قافيته معنيين و يسمى أيضا الإكتفاء عند أهل البديع:

قلت سلام اللّه من مغرم‏* * * ما إن سلا عنكم فقالوا سلا

فقلت هل ترضون لي وقفة* * * قالوا فما تطلب قلت الكلا

و له أيضا في المعنى:

يا بدرتم ماله مشبه‏* * * و من الحسن البديع الجلي‏

اثقلني بعدك غبّ الهوى‏* * * فامنن بوصل لي أكون الخلي‏

372

و من مقاطيعه:

قالت لأترابها لما عرضت لها* * * يوما و قد سفرت في الحلي و الحلل‏

باللّه تعرفن من هذا فقلن لها* * * صبّ عميد بذات الغنج و الكحل‏

قالت و تعرفن من يهوى فقلن نعم‏* * * رفقا به خلق الإنسان من عجل‏

قالت و قد عرفت أن قد فطن لها* * * وساها (1) فهي بين الخوف و الخجل‏

أكتمن ذاك فأني قد شغفت به‏* * * و قد بليت بما مني الحبيب بلى‏

و منه:

و زارني طيف من أهوى مستترا* * * عني و ليس ما أدريه من صفته‏

فقلت يا عجبا الرؤيا و رؤيته‏* * * شتان في منع ما ابغيه من جهته‏

و هبه في يقظة يدري و كيف به‏* * * في النّوم أن يهتدي صّبا بمعرفته‏

و له أيضا في المعنى قاله و هو في بدر الموضع المبارك المشهور و هو راجعا من المدينة بعد زيارة نبيه المصطفى (صلى اللّه عليه و سلّم) في أول سنة خمسين و تسعمائة:

ذكرت في بدر بدري عندما غربت‏* * * شمس النهار و ضاء البدر في الأفق‏

فقيل يدرك هذا قلت بينهما* * * فرق و شاهده في الليل و الشفق‏

و كان السلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر الكثيري وقف على آخر بيتين من الشعر في رقعة قد أكلها العث الأول منها «كيف حاله» و الثاني «لاكراله» فطلب من الفقيه المذكور إن يعمل له من نظمه ما يناسب ذلك فقال‏ (2):

و قائلة باللّه صف لي متيّما* * * أضّر به طول النّوى كيف حاله‏

فقلت على نوعين أما نهاره‏* * * فيبكى و أما ليلة لا كرى له‏

و له في الفتوة و الأبوة و الكرم:

____________

(1) كذا في الأصل. و لعله و ساءها.

(2) النور السافر: 252 و هذا الشعر ليس لأبي مخرمة.

373

فو اللّه ما جانبت أرضي عن قلا* * * و لكن لعجزي عن حقوق لوازم‏

و ما العذر لي أن كنت عند قرابة* * * يرجّون نفعي من فقير و عادم‏

و ما اشتهي طول الحياة للذة* * * فعيش ذوي اللّذات عيش البهائم‏

و لكن لكسب، المجد ما عشت و الثنا* * * و نفع الورى طرا و بذل المراحم‏

فأما أنل هذا و أما منيّة* * * تعد لمثلي مثلها في المغانم‏

و منه هذان البيتان وفد ضمنهما قول إلى تمام:

الواو من صدغه في العطف يطمعنى‏* * * و السيف من لحظه يومي إلى العطب‏

فحين ما حرت قام الهجر ينشدني‏* * * السيف أصدق انباء من الكتب‏

و له هذان البيتان و قد ضمنها قوله أيضا «سيّد قومه المتغابي».

قالت أراك من الذكا في غاية* * * جلت عن الإسهاب و الإطناب‏

و أراك تبدي في الأمور تغابيا* * * فأجبت «سيد قومه المتغابي»

و أيضا هذين البيتين ضمّنها قول المتنبي «لكل امرء من دهره ما تعودا».

و عاذلة أبدت لفقري توجعا* * * فقالت أتاك الفقر من جانب الغنا

فقلت لها لا تطمعي في تغيري‏* * * «لكل امرء من دهره ما تعودا»

و منه أيضا:

لا تنس من لم ينس ذكرك ساعة* * * و انظر إليه بعين ود و اعطف‏

أو ليس منسوبا إليك و إنه‏* * * فرض عليك عرفت أم لم تعرف‏

و منه أيضا:

يا سادة عودوني كل مكرمة* * * لا تقطعوا الود عن مملوككم وصلوا

374

و جملوا الحال [فالدنيا مجاملة] (1)* * * و الخير أبقى و كل المال ينتقل‏

و منه ايضا:

يا قريب الفرج‏* * * عبدك على الباب واقف‏

كلما آيس ترجّى‏* * * من جنابك لطائف‏

و له أشعار غير هذه مقطّعات و قصائد عظام حكمة و مواعظ و مدائح في السّلطان بدر بن عبد اللّه الكثيري طنانات جسام، و قد ولي القضاء في الشحر مرّتين، و في آخر عمره قام بعدن و وليّ بها مشيخة التّدريس في مواضع متعدّدة، و من تصانيفه حاشية ينكت فيها على شرح المنهاج للشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي في مجلدين و فتاوى كثيرة في مجلدين و كتاب «المصباح لشرح العدة و السلاح» و شرح الرحبية و ذيل على طبقات الشافعية للإسنوي كان تركه مسوّدّة فبيضه ولده الطّيب في حدود ثلاث و ثمانين و سماه «رشف الزلال الروي في التكميل و التذييل لطبقات الأسنوي» و له منظومات في الفلك كثيرة و جداول و أشياء عجيبة مفيدة في طبقات الأسنوي (رحمه اللّه)، و تأليف لطيف في علم الحساب، و تأليف لطيف في علم «المساحة» و تأليف في الرّبع المجيّب، و له مؤلفات لطاف كثيرة مفيدة و اللّه أعلم.

[توجه السلطان عبد الله إلى القبلة] 675

و فيها (2) بيوم الأربعاء السّابع من جمادى الآخرة: سار السلطان عبد اللّه و أخوه عمر، و الأمير سعيد بن عطيف بجيش عظيم الى القبلة نصرة الشريف محمد بن ناصر بن أحمد و أخذوا الزاهر و الجوف، و رجعوا سالمين و استفتحوا الدّرب أيضا و عسيلان.

[وصول القنبطان صفر إلى المخا] 676

و فيها: وصل القنبطان صفر الرومي من الروم في عشرة غربان كبار و جملة عدة و عساكر و كان مسيره من السّويس ثاني شهر رمضان من السنة

____________

(1) بياض في الأصول.

(2) العدة 1: 211.

375

المذكورة، و دخل المخا و لبث يوما واحدا، و كذلك عدن و قيل، أكثر و طرح فيها جملة مدافع و صروا إلى جهة برّ العجم يريد الإفرنج الذين بفيلك المرابطين لموسم جدة الواصلين من جزيرة آشي‏ (1)، فوصلوا إليها و قد عزم عدو اللّه إلى جهة هرموز، و دخلت منهم برشه إلى قشن، و صروا يوم تسع و عشرين في شهر رمضان المذكور، فرجع إلى بروم يوم ثاني شوال من السنة المذكورة، و حصل عليه بعض مرض فرجعوا إلى عدن فلبث أياما قلائل و توفي يوم الثامن و العشرين في شهر شوال المذكور و جعل كخيته‏ (2) وصيه على العسكر و الخشب و العدد في عدن حتى يصل الجواب من الأبواب، و دفن في قبة الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس في قبر الأمير مرجان الظافري (رحمه اللّه تعالى).

[عزل الباشا محمود من اليمن‏] 677

و فيها: عزل الباشة محمود من اليمن، و وصل الباشة رضوان باشة على اليمن.

[وفاة الصدر فضل بن محمد الهمداني‏] 678

و فيها ليلة الأحد الثامن و العشرين من شعبان: توفي الصدر الأجل فضل بن محمد الهمداني (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة الفقيه عبد القادر بن حاتم‏] 679

و فيها: ليلة الأحد أول شهر شعبان توفي الفقيه عبد القادر بن حاتم (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة العلامة سعيد بن يعقوب بالرعية] 680

و فيها: توفي الفقيه العلامة سعيد بن يعقوب بالرّعية ليلة الجمعة رابع شهر رمضان (رحمه اللّه تعالى)، و كان إمام الجامع و مدرّس به و ولي إمامة الجامع في مرض الفقيه سعيد المذكور الفقيه القاضي عبد اللّه بن عقيل بافضل، يوم الأحد الثاني و العشرين من شهر شعبان.

____________

(1) آشى: أقصى بقاع جزيره سومطرا في الشمال (المنجد: 4).

(2) مصطلح عند الأتراك بمعنى وكيل أعمال.

376

سنة ثلاث و سبعين 681

[وفاة السيد أحمد بن علوي باجحدب‏] 682

فيها (1) يوم الثلاثاء عند طلوع الشمس ثامن عشر شهر رمضان: توفي السّيد الشريف الولي الصّالح العابد الزّاهد القطب الفرد شهاب الدين أحمد بن علوي بن المعلم محمد بن علي باجحدب بن عبد الرحمن بن الشيخ عبد اللّه بن الشيخ علوي بن الشيخ الفقيه القدم محمد بن علي بتريم (رحمه اللّه تعالى)، و كان يعّد في حكم رجال الرسالة القشيرية لشدة ورعه و تقشفه و استقامة طريقته، روى ذلك عن الشيخ الولي عبد الرحمن بن عمر العمودي نفع اللّه به، و كانت له الكرامات الخارقة للعادة، فمن ذلك أنه لما عزم بنيّة الحج في البحر رئي يشرب من مائه فقيل له في ذلك، فقال:

أليس كل أحد يشربه فأخذ بعضهم ما بقي في الإناء فشريه، فإذا هو حلو، و كف بصره آخر عمره و حصل عليه قرب انتقاله جذبة من جذبات الحق فاندهش بها عقله و تحيّر لبه و انغمر بها سرّه و أخذ عن نفسه، فكان يقوم إلى الصلاة بطريق العادة و هو مأخوذ عن حسّه، و ربما صلى إلى غير القبلة، و ذلك لما استولى عليه من سلطان الحقيقة، و تلاشت العبدية في كعبة العندية، و نودي بفناء الفنا من عالم البقاء و رفعت القبلة، و ما بقي إلّا اللّه‏ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ (2) و مكث على ذلك أربعة أيام و توفي‏

____________

(1) النور السافر: 254. و المشرع الروي 2: 70.

(2) الآية: 115 سورة البقرة.

377

(رحمه اللّه تعالى)، و بالجملة فإنه كان سيدا كامل الأوصاف فكيف و فضائله و كراماته بين الأنام باهرة كالشّمس في الآفاق سائرة (رحمه اللّه) و نفعنا به آمين.

[وفاة السيد محمد بن حسن السقاف‏] 683

و فيها (1) ليلة الاثنين خامس عشر شوال: توفي السيد الشريف السيد الكبير و العلم الشهير العالم العلامة الشيخ الفقيه جمال الدين محمد بن الشيخ حسن بن الشيخ علي بن أبي بكر السّقاف باعلوي (رحمه اللّه) و نفعنا به بتريم، و كان من العلماء العاملين و الفقهاء البارعين، و كانت له اليد الطولى في جميع العلوم سيّما الفقه و النحو، و جاور بمكة لطلب العلم سنتين، و من محفوظاته الإرشاد للمقري و الألفيه في النحو و قرأ على الشيخ العارف باللّه علامة الوقت أبي الحسن البكري التيمي القرشي و مقروآته كثيرة، و كان متحليا بالعبادة و النسك سالكا منهاج السلف الصّالح مع السمت و الصّلاح و حسن الأخلاق و له كرامات ظاهرة باهرة، و بالجملة فإنه كان وحيد عصره و فريد دهره و لم يخلفه بعده مثله (رحمه اللّه تعالى).

[وفيات جماعة من العلماء] 684

و فيها ثامن شهر شوال: توفي السيد الشريف فخر الدين أبي بكر بن عبد اللّه بن شيخ العيدروس نفع اللّه به.

و فيها ثاني ذي القعدة: توفي السيد الشريف الولي الصّالح الشيخ فقيه بن عبد الرحمن باعلوي (رحمه اللّه) و نفع به.

و فيها: آخر ذلك اليوم توفي السيد الكبير الشهير الفقيه النبيه نور الدين علي بافرج باعلوي (رحمه اللّه تعالى).

و فيها: توفي شيخ المهرة سعيد بن عيسى بن عفرار بقشن فجأة في ربيع الأول.

و فيها (2): توفي الشهاب القبّاني الحادي، و كان له اليد الطولي في‏

____________

(1) النور السافر: 255.

(2) النور السافر: 256.

378

علم الموسيقي و قد أرخ نقلته صلاح الدين القرشي:

الأنس من بعد الشهاب‏* * * لقد توفي شيخه‏

و البسط قال لموته‏* * * «القبض في تاريخه»

[عمارة سبيل بمكة المكرمة] 685

و فيها (1): عمر القاضي حسين المالكي (رحمه اللّه تعالى)، سبيلا بأعلى مكة شرفها اللّه تعالى و أرخ ذلك بعض الفضلاء فقال:

عين هذا الزمان أنشأ محلا* * * وسط روض الجنان عالى مكه‏

فيه كرم و روض أنس و ورد* * * و مياه كالبحر تحمل فلكه‏

و قلال تجري بوسط سبيل‏* * * سلسبيل لا يسع الناس تركه‏

هو بدر العلا حسين ابن طه‏* * * مالكي المليكي‏ (2) سيد مكه‏

المنى و الأمان ما بين فكيه‏ (3)* * * فكم معشر من العسر فكه‏

جاء تاريخ ما بناه مليكي‏* * * «يملك المجد خلّد اللّه ملكه»

____________

(1) النور السافر: 257.

(2) الأصل المالكي.

(3) النور: يديه.

379

سنة أربع و سبعين 686

[وفاة السيد عبد الله بن محمد الأصقع‏] 687

و فيها (1) ثامن شهر جمادى الأولى: توفي السيد الشريف الولي الصالح المحبوب المجذوب عبد اللّه بن الفقيه محمد بن عبد الرحمن الأصقع باعلوي بمكة (رحمه اللّه) و نفع به، و كان يوم موته مشهودا و قبره بالشّبيكه معروف يزار، و كان من الأولياء العارفين و الأئمة المقربين السّالكين المجذوبين المخطوبين أولي الكرامات الخارقة و الأنفاس الصادقة و المقامات العلية و الأحوال السنيه، انتشرت مناقبه و عمت مواهبه و فاضت على الخليقة أسراره و نفحاته، و وسعت البرية بركاته، انتقل بأهله و ولده إلى مكة و جاور بها إلى أن توفي بها، و قد تقدم تاريخ انتقاله إلى مكة من حضرموت، و كان له بمكة جاه عظيم و قبول عند الخاص و العام تام جسيم، و حكي عن الشريف شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن خرد باعلوي أن السيد الشريف عبد الرحمن بارقبة كان يصحب السيد أحمد بن حسين العيدروس و السيد أحمد بن علوي باجحدب و السّيد عبد اللّه بن الفقيه الأصقع رضي اللّه عنهم و نفعنا بهم، و ربما كان يأمره بعضهم بضد ما يأمره به الآخر فشق ذلك عليه و تحير فيه، فخرج إلى ضريح الشيخ عبد اللّه بن أبي بكر العيدروس و آلى على نفسه أن لا يذهب من عنده حتى يعلمه بأحوال الثلاثة و بمن يقتدي به منهم، فنام فكلّمه الشيخ و قال له:

جئت تسأل عن أحوال الثلاثة أما الشيخ أحمد بن علوي فأفرده اللّه، و أما

____________

(1) النور السافر: 258. و المشرع الروي 2: 196.

380

عبد اللّه بن الفقييه فله توبة تضرب في السّماء و نوبة تضرب في الأرض و شرب من كأس الحمّيا حتى روي أو كما قال.

[وفاة العلامة أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي‏] 688

و فيها (1): في شهر رجب توفي الشّيخ الإمام شيخ الإسلام خاتمة أهل الفتيا و التدريس ناشر علوم محمد بن إدريس الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري بمكة، و دفن بالمعلاة في تربة الطبريين‏ (2) و كان بحرا في علم الفقه و تحقيقه لا تكدرّه الدلاء، و إمام الحرمين كما أجمع على ذلك العارفون، و انعقدت عليه بخناصرها الملا، إمام اقتدت به الأئمة، و همام صار في إقليم الحجاز أمه مصنفاته في العصر آية يعجز عن الإتيان بمثلها المعاصرون، و فتاويه في الدّهر غاية يقصر عن بلوغ مداها العالمون، فهم عنها قاصرون، و أبحاثه في المذهب كالطّراز المذهب، طالماطاب للواردين من منهل تدريسه صفاء المشارب، و طالما طاف حول كعبة مناسكه من الوافدين من يريد وفاء المآرب، ولد في رجب سنة تسع و ثمانمائة، و مات أبوه و هو صغير فكفله الإمامان الكاملان علما و عملا العارف باللّه شمس الدين بن أبي الحمائل و شمس الدين الشّناوي، ثم إن الشمس الشناوي، نقله من بلده محلة أبي الهيتم إلى مقام القطب الشريف سيدي أحمد البدوي نفع اللّه به، فقرأ هناك على عالمين به في مبادي العلوم، ثم نقله في سنة أربع و عشرين و هو في سن أربع عشرة سنة إلى الجامع الأزهر مسلما له إلى رجل صالح من تلامذة شيخه الشناوي و ابن أبي الحمائل، فحفظه حفظا بليغا و جمعه بعلماء مصر في صغر سنه فأخذ عنهم، و كان قد حفظ القرآن في صغره و من مشايخه الذي أخذ عنهم شيخ الإسلام القاضي زكريا الشافعي، و الشيخ الإمام المعمر الزيني عبد الحق السنباطي، و الشيخ الإمام مجلى النفس الشافعي، و جماعة لم أذكرهم خوف الإطالة، و أذن له‏

____________

(1) النور السافر: 258. و انظر في ترجمته «ابن حجر الهيتمي» لعبد المعز الجزار طبع سنة 1401 ه.

(2) الأصل: الضريس.

381

بعضهم في الإفتاء و التدريس و عمره دون العشرين، و برع في علوم كثيرة كالتّفسير و الحديث و علم الكلام و أصول الفقه و فروعه و الفرائض و الحساب و النحو و الصّرف و المعاني و البيان و المنطق و التّصوف و من محفوظاته في الفقه «المنهاج» للنّووي و مقروءاته كثيرة لا يمكن عدها و أما إجازات المشايخ له فكثيرة جدا، و قد استوعبها (رحمه اللّه) في معجم مشايخه، و قدم إلى مكة في آخر سنة ثلاث و ثلاثين فحجّ و جاور بها في السنة التي تليها، ثم عاد إلى مصر ثم حج بعياله في آخر سنة سبع و ثلاثين، ثم حج سنة أربعين، و جاور من ذلك الوقت بمكة المشرفة، و أقام بها يؤلف و يفتي و يدرس إلى أن توفي، فكانت مدة إقامته بها ثلاث و ثلاثين سنة. و من مؤلفاته شرح «المشكاة» نحو الربع، و شرح «المنهاج» للإمام النووي في مجلدين ضخمين و شرحين على «الإرشاد» للمقري كبير و صغير: الإمداد و فتح الجواد، و شرح همزية الأبوصيري، و شرح الأربعين النووية و «الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع و الضلال و الزندقه» و «كف الرعاع عن محرمات اللّهو و السماع» و «الزواجر عن اقتراف الكبائر» و «نصيحة الملوك» و شرح مختصر الفقيه عبد اللّه بن عبد الرحمن بلحاج بافضل المسمى «المنهج القويم في مسائل التعليم» و «الأحكام في قواطع الإسلام» (1) و شرح «العباب» المسمى بالإيعاب و «شرح قطعة صالحة من ألفية ابن مالك، و شرح مختصر أبي الحسن البكري في الفقه، و شرح «الروض» و حاشية غير تامة على شرح «المنهاج» و حاشية على «العباب» و اختصر «الإيضاح» و «الإرشاد» و «الروض» و مناقب أبي حنيفة (2) و مؤلف في الأصلين و التصوف، و منظومه في أصول الدين و شرح «عين العلم» في التصوف لم يتم، و الهيتمي نسبة إلى محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية (3)

____________

(1) الأصل: الأحكام و أصلحناه من النور السافر و هو مطبوع سنة 1310 ه بعنوان الأعلام بقواطع الإسلام».

(2) بعنوان الخيرات الحسان طبع سنة 1326 ه.

(3) الأصل: الفرسه.

382

بمصر، و السعدي نسبه إلى بني سعد بإقليم الشرقية من أقاليم مصر أيضا و مسكنه الشرقية، لكن انتقل إلى محلة أبي الهيتم بالغربية، و أما شهرته بابن حجر فقيل أن أحد أجداده كان ملازما للصّمت لا يتكلّم إلا عن ضرورة أو حاجة فشبّهوه بحجر ملقى لا ينطق، و اشتهر بذلك، و قد اشتهر بهذا اللّقب أيضا شيخ الإسلام العسقلاني، و كان صاحب الترجمة يشبهه في فنه الذي اشتهر به و هو الحديث مع ما منحه اللّه به من الزّيادة عليه من علم الفقه الذي لم يشتهر به الحافظ العسقلاني هذا الاشتهار، و ما أحسن ما قال الشيخ عبد العزيز بن علي الزمزمي في قصيدة:

منك المعارف فاضت عذبة و لكم‏* * * عذبا زلالا فاض من حجر

و لصاحبنا الفقيه النبيه أحمد بن محمد الجابري (رحمه اللّه تعالى):

قد قيل من حجر أصم تفجرت‏* * * للخلق بالنّص الجلي أنهار

و تفجرت يا معشر العلماء من‏* * * حجر العلوم فبحرها زخّار

أكرم به بحرا (1) محيطا بالعلا* * * و رحاؤه حقّا عليه تدار

و وقفت على مسودة في شهر ربيع الأول لرجل منشى‏ء من أهل الهند تاريخ سنة ست و تسعين و تسعمائة: و أنا محمد بكر (2) و الرجل يسمى حاجي دبير قال: و ضابط وفاة حافظ العصر شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي بمكة المشرفة (رحمه اللّه تعالى) جاء «شيخ مكة» بزيادة عدد واحد فأشرت إلى هذه الزيادة بطريق المعنى بقولي:

حافظ السنة لما* * * مات في خير المشاهد

قال في ضابط موت‏* * * شيخ مكة غير واحد

[وفاة السلطان سليمان بن سليم‏] 689

و فيها (3): توفي السّلطان سليمان بن سليم في شهر صفر، و كان‏

____________

(1) النور: قطبا.

(2) كذا في الأصل و لعله محمد بن أبي بكر بافقيه. و إذا صح هذا فيكون مؤلف الكتاب هو المذكور و ليس الطيب إلا أن يكون الأخير قد أكمله و اللّه أعلم.

(3) النور السافر: 263.

383

فاضلا عادلا عاقلا محسنا إلى الرعية صالحا (رحمه اللّه)، و ممّا أنشأه الأديب الفاضل ماميه الانقشاري تاريخ وفاته:

انتقل العادل من دنيته‏* * * جاور الرحمن و المولى الرحيم‏

قالت الأقطار في تاريخه‏* * * مات سليمان بن سلطان سليم‏

و له فيه مرثية أجاد فيها كل الإجادة منها هذه الأبيات:

لعمرك ما الأعمار إلّا مراحل‏* * * و فيها مرور الحادثات مناهل‏

لقد جدّد البيت الحرام جدادة* * * و قد وشحت طرز السواد المحامل‏

كأن بني العباس سنت سوادها* * * عليه و بالأعلام قاست دلائل‏

و ما كان عماد الدين في كل حادث‏* * * و سلطانها بالنّصر و الشرع حافل‏

و كان علمي قبل فقد سما (1) العلا* * * بأن الثرى للنيرين منازل‏

و جثته في الأرض أضحت دفينة* * * و من شأنها تحوى الكنوز الجنادل‏

بسبع أقاليم بكى النّاس واحدا* * * على السّبع يطوي في الوغى و هو حائل‏

فصبر و غض العين سار و سارح‏* * * و دمعي على الخدّين هام و هامل‏

فكم حي قلب قد تقلب في الغضا* * * عليه و كم عقل غدا و هو ذاهل‏

و كم أنفق الأموال في الغزو قائلا* * * ألا في سبيل اللّه ما أنا فاعل‏

شياطين أهل الكفر ولّت لأنها* * * سليمان وافى و هو للشرك خاذل‏

غزاهم بعزم كالشهاب و قد سما* * * و من حوله عد النجوم جحافل‏

أسود لها كهف الدروع مواطن‏* * * و غاياتها سمر القنا و القنابل‏ (2)

و هي طويلة و لحسنها ذكرت منها هذه الأبيات و فيها إشارة لبعض مآثره (رحمه اللّه تعالى).

و حكى: أنه لما مات السلطان سليم و تولى ولده سليمان سمع قائلا يقول:

____________

(1) الأصل: سلما.

(2) النور: العوامل و القنابل هنا: الطائفة من الناس و الخيل ما بين الخمسين فما فوق.

384

قل لشياطين البغاة إخسأوا* * * و قد أوتي الملك سليمان‏

و لما توفي السلطان سليمان تولى بعده ولده سليم بن سليمان إلى أن توفي كما سيأتي.

[ماميه الانقشاري‏] 690

قلت: و هذا الشاعر المذكور و هو ماميه الإنقشاري حجّ سنة [خمس‏] (1) و ستين و تسعمائة و حصل له قبول عظيم و طارح أدباء مكة بأشعار، قال الشيخ عبد الرؤف بن يحي الواعظ تلميذ الشيخ بن حجر الهيتمي في وصفه: إنه ممن توحّد في عصره بصناعة الشعر و برع في الصناعتين الغزل و التشبيب، و كاد أن يكون ثاني الحاجري في الرقه و حسن السبك، و من شعره (رحمه اللّه) في القهوة و هو شعر حسن.

طاف يسعى بقهوة في مقام‏* * * شمس حسن سما بصبح المحيا

كأسها البدر و الحباب نجوم‏* * * و هي ليل تجلى بكف الثريا

و منه:

قد شربنا قهوة بنية* * * و لها شربنا غدا بالنيه‏

لونها قد حكى أذايب مسك‏* * * أو زباد وسط النهار الجليه‏

و قوله بيته المشهورة في القهوة، و كم رأيت عليها من تخاميس:

أتتنا قهوة من قشر بن‏* * * تعين على العبادة للعباد

حكت في كف أهل اللطف صرفا* * * زباد ذائب وسط الزباد

و له أيضا على لسانها:

أنا المعشوقة السمرا* * * أجلي في الفناجين‏

و عود الهند لي عطر* * * و ذكري شاع في الصين‏

و له ديوان شعر لطيف مشهور عند الأدبا و من شعره على لسان أهل الإشارات:

____________

(1) ساقط من الأصل.

385

كل الوجود تجليات جماله‏* * * لكن بدا متحجبا بجلاله‏

نور و لا شي‏ء سواه و إنهم‏* * * ظنوا السّوى لتشكلات خياله‏

لا تشهدن النقص لو في ذرة* * * فجميع ما في الكون فيض كماله‏

و إذ أرى الإنسان نقصا إنما* * * مرآته تجلى عليه بحاله‏

فاطلب و لو افنيت عمرك طالبا* * * فعساك إن تحظى بكنز وصاله‏

و لم أقف على تاريخ وفاته‏ (1) (رحمه اللّه).

[تطاير نجوم آخر الليل‏] 691

و فيها ليلة ثالث عشر ربيع الأول: حدث في آخر الليل نجوم كثيرة تتطاير من جهة القبلة يمينا و شمالا مضيئة جدا.

[كسوف القمر] 692

و في ليلة النصف من الشهر المذكور من السنة المذكورة: انكسف القمر بعد صلاة المغرب كسوفا متكاملا شنيعا و جلت منه القلوب و الذين رأوا النجوم أعظم فزعا، فإنا للّه و إنا إليه راجعون فلبث مدة ثم انجلا.

[سقوط نجم عظيم جهة المشرق‏] 693

و في ليلة النصف من شهر شعبان في السنة: خر نجم عظيم من جهة المشرق الى جهة المغرب و ذلك قبل غروب الشمس.

[وفاة السيد الشريف جمال الدين محمد بن الشاطري باعلوي بزيلع‏] 694

و

[وفاة السيد محمد الشاطري‏] 695

فيها: توفي السيد الشريف جمال الدين محمد بن‏ (2) الشاطري باعلوي بزيلع في شهر رمضان الحادي و العشرين منه (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة السيد شيخان بن باعبود] 696

و في: ذي القعدة آخر السنة: توفي السيد الشريف الولي الصالح المنيف شيخان بن‏ (3) باعبود باعلوي بمكة المشرفة (رحمه اللّه تعالى).

[وصول السلطان عبد الله بن بدر إلى حضرموت‏] 697

و فيها: كان وصول السلطان عبد اللّه بن بدر و أميره سعيد بن عطيف إلى حضرموت في شهر ذي الحجة أو أواخر القعدة.

____________

(1) قلت وفاته سنة 987 و هو محمد بن أحمد بن عبد اللّه المعروف بماميه (ريحانة الألباء 1: 158).

(2) بياض في الأصل. قلت و لعله محمد بن عمر الشاطري المذكور في فتوح الحبشة:

93.

(3) بياض في الأصل.

386

سنة خمس و سبعين 698

[وفاة العلامة حسام الدين المتقي‏] 699

فيها (1): توفي العالم العلامة الولي الصالح العارف باللّه تعالى نور الدين أوحد عباد اللّه الصالحين علي المتقى بن حسام الدين الهندي ثم المكي بمكة المشرفة بعد مجاورته بها مدة طويلة، و كان من العلماء العاملين و عباد اللّه المقربين و كان على جانب عظيم من الورع و التقوى و الزّهد و الاجتهاد في العبادة و رفض الشهوات و السوى، و له مصنفات عديدة أكثرها في التصوف و علم القوم و أخبار حميدة من العبادة و الصّلاة و الصّوم، و من مناقبه العظيمة أنه رأى النّبي (صلى اللّه عليه و سلّم) في المنام، و كانت ليلة جمعة و سبع و عشرين في رمضان فسأله عن أفضل الناس في زمانه فقال له: أنت ثم قال من فقال محمد بن طاهر بالهند، و رأى تلميذه الشيخ عبد الوهاب أيضا في تلك الليلة النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) فسأله مثل ذلك فقال له: شيخك ثم محمد بن طاهر بالهند فجاء إلى الشيخ علي المتقي ليخبره بالرؤيا، فقال له قبل أن يتكلم: قد رأيت مثل الذي رأيت، و كان يبالغ في الرياضة حتى نقل عنه أنه كان يقول في آخر عمره: وددت أني لم أفعل ذلك لما وجد من الضعف في جسده عند الكبر و عاش طويلا و لم يحضرني تاريخ ولادته (رحمه اللّه) و نفعنا به.

[وفاة العلامة عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد] 700

و فيها (2): توفي العالم العلامة الشيخ الإمام شيخ الإسلام الكبير

____________

(1) النور السافر: 283. و انظر ترجمته في الكواكب السائرة 2: 221 و شذرات الذهب 8: 379.

(2) النور السافر: 283.

387

الشهير مفتي اليمن و خاتمة علماء الزمن وجيه الدّين عبد الرّحمن بن عبد الكريم بن زياد (رحمه اللّه)، و لم أقف له على ترجمه فيها ذكر مصنفاته و مآثره‏ (1).

[وفاة الفقيه علي بن علي بايزيد التولبي الدوعني‏] 701

و فيها يوم الأربعاء ثامن شهر جماد الآخرة: توفي الفقيه العالم العلامه الولي الصالح نور الدين و بركة الإسلام و المسلمين علي بن علي بايزيد التولبي الدوعني (رحمه اللّه)، و كان مدرسا بالمدرسة البدرية بالشحر المحروسة إلى أن توفي بها و دفن نجدى البلاد و عليه بناء يزار و يتبرك بضريحه، و له مصنفات و فتاوى مفيدة جدا و لم أقف له على ترجمة، و ممّا وقفت عليه بخط الفقيه الأديب الأريب عبد اللّه بن أحمد باسنجلة (رحمه اللّه تعالى) من مكاتبة طويله كتبها إلى الفقيه علي فيها: و بعد فإنه جرى في بعض مذاكرة اتفقت بمجلس الفقيه محمد بن عبد الرحيم باجابر، ذكر كتابكم المؤلف «العزيز الوجيز الغالي الموسوم بعقد اللآلي و النكت الغوالي فيما يتعلق بإرشاد الغاوي» فلعمري نعم النكت المفيدة البديعة السديدة المحتوية على الإفادة العجيبة و الإجادة الغريبة الموضّحة.

[وفاة الشيخ جمال الدين محمد ياقوت‏] 702

و فيها: توفي الشّيخ الصالح الولي جمال الدين محمد ياقوت بمكة (رحمه اللّه).

[أخذ الشريف مطهر بن الإمام شرف الدين عدن‏] 703

و فيها: أخذ الشريف مطهر بن الإمام عدن يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر جمادى الآخرة، و كان حصل على أهل عدن قحط عظيم مع الحصار الشديد حتى ماتوا غالب أهلها من الجوع و أكلوا الكلاب، و كان و اللّه أعلم من أول السنة المذكورة، و معظم ذلك في شهر ربيع الأول و الثاني و جمادى الأولى إلى أن دخلها الشريف علي بن الشويع نائبا عن الشريف مطهر صاحب اليمن فافترجت بذلك الكروب بالتاريخ المذكور.

____________

(1) قلت: ترجمته في النور السافر مستوفاة هنالك و فيها ذكر مؤلفاته. و لعل المؤلف وقف على مخطوطه من الكتاب تختلف عن المطبوعة. أنظر النور السافر: 273- 283.

388

[زوال دولة الأروام من صعدة] 704

و فيها: زالت دولة الأروام من صعدة و صنعاء و تعز و اليمن و عدن و معاقل اليمن المنيعة كحب بعدان و التعكر و صبر و غير ذلك، و وليها الشريف مطهر بن الإمام شرف الدين.

[وفاة الفقيه عبد الله بن محمد بامخرمة] 705

و فيها يوم الأحد ثاني شهر رجب: توفي الخطيب المحدث الفقيه عبد اللّه بن الفقيه محمد بن الطيب بامخرمة (رحمه اللّه تعالى).

[وصل السلطان محمد إلى الشحر] 706

و فيها: وصل السلطان محمد إلى الشحر و صحبته جماعة من المهرة منهم بركين بن محمد بن سعد البيحاني، و علي بن عبد الصمد بن حقيبة و أحمد بن زنجي باحسين، و ذلك يوم الاثنين الثالث عشر من رجب.

[وفاة السلطان محمد بن عبد الله الكثيري‏] 707

و في ليلة الأحد الثالث و العشرين من شهر ذي الحجة آخر السنة المذكورة: توفي السلطان محمد بن عبد اللّه بن جعفر الكثيري‏ (1) بالشحر و دفن بتربة والده (رحمه اللّه تعالى).

[توجه سفن السلطان بدر إلى المشقاص لحرب ابن طوغري‏] 708

و فيها: سافرت غربان السّلطان بدر إلى المشقاص لحرب عمر بن محمد بن طوعري و أصحابه، و هي ثلاثة أغربة ليلة الأثنين أول ليلة من شهر رمضان تقدمها الغراب الكبير فيه مطران بن مطران و النصعي و أصحابه يافع و الأوسط فيه عسكر و أولاد السلطان بدر بن عمر و عبد اللّه و علي و حاشية الدولة و بعض من آل كثير منهم أولاد علي بن عمر بن جعفر بدر و عمر و أولاد المرهون محمد و علي و بدر بن جعفر بن أحمد و أولاد عبد اللّه بن جعفر بن أحمد و حاشية آل كثير و الأمير سعيد بن عطيف عزموا من طريق البر، و الغربان صرين ليلة الأثنين أول ليلة من شهر رمضان، و الذي عزموا من طريق البر عزموا بعد صلاة الظهر يوم الاثنين أول يوم من رمضان، و هم عدة خمسين خيال و العسكر كثير و أهل البنادق نحو أربعمائة.

____________

(1) أنظر ترجمته في تاريخ الدولة الكثيرية: 30- 33.

389

سنة ست و سبعين 709

[وفاة السيد شيخ بن عبد الله العيدروس‏] 710

فيها يوم الاثنين آخر النهار ثاني شهر صفر: توفي السيد الشريف الولي الشهير شيخ بن عبد اللّه بن الشيخ علي بن أبي بكر باعلوي بتريم، و دفن يوم الثلاثاء و كان من أهل الكشف و البراهين و الكرامات الباهرة و الأسرار العجيبة الظّاهرة (رحمه اللّه تعالى)، و حكى: أنه كان ببر سعد الدين في مجلس فكان يأتي ذلك المجلس رجل في زي سائل أو مجنون و يشتمه من بين الجماعة من غير موجب لذلك و لا سبق معرفة بينه و بينه، و كأنه كان و اللّه أعلم يريد اختباره و ينظر صبره على المكروه و احتماله للأذى و تكرر منه ذلك، و ربما كاد الحاضرون أن يقعوا فيه فيمنعهم الشريف من ذلك، فلما كان في بعض الأيام قال له تعالى إلى الموضع الفلاني و أصحب معك دواة و قلم و موسى نريد نذبحك بها فأعطاه إياها، ثم طلب منه الدواة و القلم و علمه الوفق الثلاثي و أراه وضعه أو علمه إسم اللّه الأعظم، ثم ذهب ذلك الرجل و لم يعد بعد ذلك فصار الشريف إلى ما صار إليه من التصريف، و أخبرني بعض الثقات قال: بينما أنا أسير معه بتريم إذ أخذ من ورق بعض الأشجار و أكل منه و أعطاني، فإذا هو ورق القات المشهور باليمن و هو لا يوجد بحضرموت أصلا و مناقبه و كراماته كثيرة نفعنا اللّه به.

[وفاة العلامة عبد العزيز الزمزمي‏] 711

و فيها (1): توفي العلامة المشهور بالذكر الشيخ عبد العزيز الزمزمي‏

____________

(1) النور السافر: 287. و انظر شذرات الذهب 8: 381 و الأعلام 4: 23.

390

المكي (رحمه اللّه تعالى)، و قد تقدّم له مراث من شعره في بعض الفضلاء، و كان (رحمه اللّه) فصيحا بليغا من أعيان علماء مكة و فضلائها و كبرائها و رؤسائها و له قصيدتين عظيمتين في مدح النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) أجاد فيها كل الإجادة عارض فيها أم القرى لكن أم القرى القصيدة التي للأبوصيري بالضم، و هذه بالفتح و سماها «الفتح المبين في مدح سيد المرسلين» و حيث كانت أم القرى مرفوعة و القيراطية مكسورة جعل قصيدته مفتوحة، و ما ألطفه فيها في التعبير عن ذلك بقوله:

فاز بالرفع مفلق لك وشى‏* * * كيف ترقى و أفحم الشعراء

و بخفض الجنان جوزي منشي‏* * * ذكر الملتقى جزاء وفاء

جئت من بعد ذا و ذاك أخيرا* * * فلهذا نظمي على الفتح جاء

و بالجملة فإنه كان أوحد الفضلاء و بقية العلماء حسن الشعر و الإنشاء.

و فيه يقول الشيخ الكبير العارف باللّه محمد بن أبي الحسن البكري الصديقي من أبيات:

أجل جيران بيت اللّه قاطبة* * * علما إذا وضعوا في مكة العلما

و له فيه أيضا:

أنت الذي بصفات الفضل أجمعها* * * في بلدة اللّه أولى سائر العلما

فليهن مكة بل وليهن ساكنها* * * وليهن أبطحها و البيت و الحرما

و من شعره الحسن أبيات الفرج التي استغاث فيها بعالي الدرج سيّد المرسلين و رسول رب العالمين:

يا رسول اللّه عجل بالفرج‏* * * قد تولى الكرب و اشتد الحرج‏

يا رسول اللّه في جاهك بي‏* * * سعة أن ضاق بي كل نهج‏

قسما باللّه مالاذ إمرؤ* * * بك في خطب رجا إلّا انبلج‏

كل وصف في معاليك انطوى‏* * * كل لفظ في معانيك اندرج‏

391

بضيا السؤدد و الفخر انتهى‏* * * عند بيت فاخر منه خرج‏

طيب الأعراق ما فاح له‏* * * عرق إلا هفا طيب الأرج‏

حسن الخلق جميل مشرق‏* * * من رأى حسن محيّاه ابتهج‏

أبلج أن لاح في جنح الدجى‏* * * خلت من لألائه الصبح انبلج‏

وسعت أخلاقه الخلق فلم‏* * * يك فحّاشا غليظ القلب فج‏

كرما يعفو عن الجاني الذي‏* * * سدّ عنه ذنبه كل الفرج‏

و رماه الغي و الجهل على‏* * * ساحل البحر و في البحر ولج‏

قدمته الرسل في موقفها* * * ليلة الإسراء فصلّى و عرج‏

و ارتقى السبع السموات إلى‏* * * قاب قوسين و في الأنوار زج‏

وجهه حجتنا البيضاء في‏* * * يوم تأتي الناس فيه بالحجج‏

يا وجيه الوجه طالت غربتي‏* * * كل يوم مر منها كحجج‏

عظم الكرب و لكن نرتجي‏* * * برسول اللّه يأتينا الفرج‏

قد توسّلنا إلى اللّه به‏* * * ولجا كل لمولاه ولج‏

شرعة آدم قدما سنها* * * لبنيه فانتهجنا ما انتهج‏

يا أعز العرب يا من بابه‏* * * قط من سائل رفدا ما ارتتج‏

نسأل اللّه يجلي ما بنا* * * حلّ من كرب شديد و حرج‏

يا الهي بالنبي المصطفى‏* * * خير من حج و من ثج و عج‏

أطو بعد السير عنا سيدي‏* * * و اجعل العقبى سرورا و فرج‏

و أنل كل امرء ما قد نوى‏* * * و اطف حرابين جنبي اعتلج‏

و اجبر المكسور بالعود إلى‏* * * بيتك المحجوج كي يحظى بحج‏

رب قربنا إلى أوطاننا* * * فلنار البعد في الأحشا وهج‏

ربّ و اجعلنا بجاه المصطفى‏* * * في حمى بيتك لا نخشى هرج‏

إن ركبنا الذنب جهلا ما سوى‏* * * عفوك اللهم في النفس اختلج‏

فاعف عنا ما مضى و اغفر لنا* * * نوبة شد التقى منها السّرج‏

و اختم الأعمال بالخير فقد* * * ذهبت في اللّهو منهن حجج‏

و صلاة و سلام منهما* * * أرج المسك على الهادي نفج‏

392

و على أصحابه و الآل ما* * * آوب‏ (1) الركب إليه أو دلج‏

و هي طويلة لخصت منها هذه الأبيات و ما أحسن من طابق تاريخ وفاته في ذلك العام و هو بعض الفضلاء في عدد حروف بجنان الخلد قد أصبح فقال:

أن من أجرى الدموع على‏* * * عز دين اللّه قد أفلح‏

قد أتى تاريخه ضبطا* * * «بجنان الخلد قد أصبح»

[دخول الأروام مدينة عدن‏] 712

و فيها: دخلوا الأروام عدن يوم الأحد ثامن و عشرين شهر القعدة، و قتلوا الأمير قاسم بن الشويع و أسروا ولده و جماعة من أصحابه منهم عبد العمودي المهري.

[قبض السلطان بدر و اعتقال من قبل ولده‏] 713

و فيها (2): قبض السلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر، طلع عليه ولده السّلطان عبد اللّه في حصن سيؤون، و كانت الولاية له، و لكنه استعجل على والدة بالقبض أصلح اللّه دولتهم و أيدها، و كان ذلك ليلة الجمعة الثالث و العشرون من ربيع الثاني من السنة المذكورة، و أخذ الحصون و حالف القبائل و أخاه جعفر و الأمير ناصر بن مسعود وصلا إلى الشحر ثلاثة عشر جمادى الأولى.

[وقعة هجمة الذراع‏] 714

و في ليلة الاثنين ثاني عشرين شهر رجب: وقعة هجمة الذّراع تحت العقبة من أصحاب جعفر على السلطان و قتل من قتل، و رجع جعفر و الأمير ناصر إلى الشحر و احتصروا في القرية هم و أصحابهم، و وصل السلطان عبد اللّه إلى الشحر عصر يوم الثلاثاء و خرج آخر القوم من القرية ليلة الأثنين لسبع و عشرين رجب و جعفر و الأمير ناصر احتصروا في الحصن قال المؤرخ‏ (3): أول ما ملك السّلطان عبد اللّه بن بدر حصن سيؤون، و أخذ الهجرين يوم الاثنين و عشرين و قيل يوم الاثنين و عشرين من شهر جمادى‏

____________

(1) الأصل: أرق.

(2) أنظر تاريخ الدولة الكثيرية: 54.

(3) يعني المؤرخ عبد اللّه بن أحمد باسنجلة.

393

الآخرة من السنة المذكورة بعد أن أخذ جميع حصون حضرموت و دوعن و وادي عمد رخية و بعد أربعة أيام أو أقل أخذ هينن و حورة و ما بقي متغلب عليه إلّا صاحب الشحر و عوره و تولبه، و الباقي أخذه من غير قتال و لا تعب و لا نصب.

[بناء حصن الخريبة] 715

و في رمضان منها: بنى الشيخ العمودي حصن ساقية الخريبة فضرها مضرة عظيمة، و كان خروج جعفر و الأمير ناصر من حصن الشحر و عزمهم مع المهرة بحرا في الغربان ثامن شوال إلى قشن بعد أن أخذوا الأمان فأمنهم السلطان عبد اللّه و تودّى الحصن للسّلطان عبد اللّه بن بدر ثامن عشر شوال المذكور و رجعوا إلى حيريج.

394

سنة سبع و سبعين 716

[دخول المهر مدينة الشحر] 717

فيها: كان دخول المهرة عمر بن طوعري و جعفر بن بدر و ناصر بن مسعود إلى الشحر، و ذلك يوم الأحد خامس و عشرين شهر جمادى الآخرة برّا و بحرا، و لم يحركوا على أحد شيئا لا قليل و لا كثير أمنوا الناس و صابرهم أهل القرية و قتل من أصحاب جعفر عبد هندي ببندق، و قد كان يوم الأربعاء الحادي و العشرين من شهر جمادى الآخرة المذكور، وصلوا أربعة أغربة من المهرة و خمسة سنابيق مهرة إلى بندر الشحر، و وقفت في البندر إلى يوم السبت و رجعوا إلى الحامي في وعد أصحابهم أهل البر فالتقوا ضحى يوم الأحد خامس و عشرين شهر جمادى الآخرة كما سبق و لطف اللّه، فلم يلبثوا في البلاد إلا بقية يومهم المذكور، فلما كان نصف اللّيل ساروا هم و خشبهم بعد أن قتل منهم ثلاثة جماعة بالبنادق، و لم يعلموا الناس ما سبب مسيرهم.

[توجه السلطان عبد الله إلى حيريج‏] 718

و فيها ليلة السّبت ثامن شهر صفر: عزم السلطان عبد اللّه في الخريف وجر المدفع يريد حيريج، و طلع عمر بن طوعري و جعفر و ناصر وادي بالحاف و معهم جماعة من المهرة، و تبع بعدهم السلطان عبد اللّه إلى وسط الوادي، و حصل بينهم قتال و حصل الوهن و الكسرة في أصحاب السلطان و قتل منهم خمسة و تسعين مقتول و خفروا جماعة من العسكر و غيروا المدفع و كانت الوقعة يوم الثلاثاء ثامن عشر صفر و رجع السّلطان عبد اللّه إلى الشحر دخلها رابع و عشرين صفر.

395

[وفاة السلطان بدر بن عبد الله الكثيري‏] 719

و فيها: توفي‏ (1) السلطان بدر بن عبد اللّه بن جعفر الكثيري سلطان حضرموت فصحّ بين قبضه و موته سنة و أربعة أشهر و أربعة أيام (رحمه اللّه تعالى)، و كان مولده سنة اثنتين و تسعمائة، و ولي الولاية و هو شاب، و كان حسن الأخلاق جوادا كثير الإنفاق وافر العقل ظاهر الفضل عريق الرئاسة حسن السياسة لطيف المعاشرة طريف المحاضرة، شجاعا مقداما و هزبرا ضرغاما، فلكم أباد أحزاب الضلال و مزقها، و أزال فرق الفساد و فرقها، و كان محظوظا جدا حتى كان لا يقصد بابا مغلقا إلا انفتح، و لا يقدم على أمرمهم إلا اتضح، و لا يتوجه إلى مطلب إلا نجح، و هو أول من أظهر بحضرموت هيبة الملك بسعده، و أسس قواعد السلطنة و مهدها لمن بعده، و سمعت أنه يقال: أن ثلاثة من السلاطين كانوا في عصر واحد و كانوا متقاربين في السن و الولاية رزقوا السعد و الإقبال و طالت أيام ملكهم أحدهم صاحب الترجمه السلطان بدر و الثاني الشريف أبو نمي محمد بن بركات و الثالث السلطان سليمان صاحب الروم، و قد مدحه العلماء مثل الفقيه الولي الصالح عمر بن عبد اللّه بامخرمة، و ولده الفقيه العلامة عبد اللّه بن عمر بامخرمة و غيرهما من الشعراء و لهم فيه القصائد العظيمة الطنانة و يجيزهم عليها الجوائز السنية و قصدته مشايخ العرب و أكابرها فأحسن نزلهم و أسنى جوائزهم و خلع عليهم الكساء الفاخر حتى كان يسمى عندهم ببدر الكرم، و كاتبوه الملوك من جميع الجهات الحجاز و اليمن و ملوك الهند و وزرائهم، و أرسلوا له الهدايا و التحف فقابلهم فيها بما هو أسنى منها من الخيل العربية و غيرها من الهدايا الفاخرة، و كاتبه سلطان الروم سليمان العثماني و عظمه فيه و أثنى عليه و عقد له لواء المسمى صنجقا، و جعله أميرا من قبله، و ساعده على أعدائه إذا احتاج إلى عسكر و غيره من العدد، و لم يفعلوا لغيره من الملوك و السلاطين ما فعلوا له من الحشمة و التعظيم (رحمه اللّه تعالى)، ثم تولى بعده ولده السلطان‏

____________

(1) النور السافر: 293 و تاريخ الدولة الكثيرية: 34- 54.

396

عبد اللّه‏ (1)، و هو الذي قبض على أبيه و حجر عليه حتى توفاه اللّه، و غلب على الملك و وثب على السلطنة، و كان قد رأى بعض الصّالحين في المنام رؤيا حاصلها: أنه رأى أربعة من الصالحين عرف منهم الولي الشهير محمد أبا وزير كل منهم قد مسك ركنا و قالوا: نريد نولي عبد اللّه فلم تمض بعد ذلك إلا مدة يسيرة و هجم المشار إليه على أبيه و استولى على الملك، و ذلك دليل ما رئي أنه ما يقوم سلطان في هذا العالم عالم الشهادة إلّا بعد أن ينصبه أولياء اللّه تعالى بإذن من عالم الغيب، و كان حسن الاعتقاد في الصالحين محبا للفقراء و المساكين، و تولى بعده ولده السلطان جعفر (2) و لم تطل أيامه و مات مقتولا في سنة تسعين، ثم تولى بعده عمه السلطان الفاضل الملك الكامل السلطان عمر (3) بن بدر (رحمه اللّه تعالى)، و كان أوحد العصر و أعجوبة الدهر، جم الفضائل حسن الشمائل ذو سيرة مرضية في الرعيّة، و سلوك حسن في البرية حسن السّياسة صادق الفراسة صاحب أخلاق ألطف من النّسيم و أبهج من الدّر النظيم، قل أن ورد عليه أحد إلّا و صدر يثني عليه الثناء الجميل أو وفد إلى ساحته بعض الفضلاء إلّا و انصرف يشكر ما أسدى إليه من البر الجزيل و للّه درّ بعض واصفيه فيه‏ (4):

ثناء جميل عنك يثني معطر* * * و وفرك مبذول و عرضك سالم‏

وسعت الورى حلما و بشرا بهيبة* * * و بذلك المعروف و الثغر باسم‏

بصدر رحيب واسع قد وسعتهم‏* * * و جودا حكاه الوابل المتراكم‏

دماثة أخلاق عطية خالق‏ (5)* * * وخيم كريم أصله‏ (6) متقادم‏

جمعت خصالا يا بن بدر حميدة* * * بواحدة يسمى الفتى و يساهم‏

____________

(1) تاريخ الدولة الكثيرية: 60- 62.

(2) تاريخ الدولة الكثيرية: 62.

(3) تاريخ الدولة الكثيرية: 63- 66.

(4) أنظر هذا الشعر في النور السافر: 295 و تاريخ الدولة الكثيرية: 63.

(5) تاريخ الدولة الكثيرية: «سماحة حاتم».

(6) تاريخ الدولة الكثيرية: «و أصل كريم جللته المكارم».

397

حياء و معروفا و جودا بشاشة* * * و علما و حلما جلّ من هو قاسم‏

توفي (رحمه اللّه) في سابع شهر شعبان سنة إحدى و عشرين بعد الألف و تولى بعده الملك الصالح المولى‏ (1) الأوحد الوفي ذو الأخلاق الرضي ولده السّلطان عبد اللّه بن عمر (2).

رجعنا (3) الى حكاية السلطان عبد اللّه بن بدر و المهرة و ما جرى له معهم في هذه السنة.

[وصول غرابين للمهرة بندر الشحر] 720

و في ليلة الأحد السادس من ربيع الثاني: توصلن غرابان للمهرة إلى بندر الشحر أحدهما فيه الأمير ناصر بن مسعود و الآخر فيه مرغوف الزبيدي القشمي، و أخذوا مراكب لأهل مقدشوه على الريدة و دفعوا أهل الريدة تمرا و طعاما زوادا للعسكر و أخذوا ثلاث جلاب لأهل الشام فارغة و مركب لباحفان فارغ من بندر الشحر.

و لما كان ليلة الثلاثاء: توصل غراب كبير من غربان مهرة مقدمه سعد بن سليمان بن عروان و علي بن منقوش وردّوا الجلاب و مركب باحفان إلى البندر و صروا إلى خرد و عمر بن طوعري، و جعفر و حردان بحيريج.

و بليلة الأربعاء: وصل غراب و هو الرابع فيه حردان بن أحمد بن حردان.

____________

(1) بياض في الأصل.

(2) تاريخ الدولة الكثيرية: 67.

(3) العدة 1: 217.

398

سنة ثمان و سبعين 721

[صلح السلطان عبد الله مع المهرة] 722

فيها يوم السّبت السادس و العشرين من ذي القعدة: أمر السلطان عبد اللّه بتكوير أربعة غربان ثم ثلاثه- و هو التّجهير الرّابع- أميره عكاس، ثم بطل بصلح بين المهرة و السلطان، و تم الصلح سنتين من غير عدالة بل قبلاء من جهة السلطان جيش و عون و عبد اللّه و المرهون، و محمد كعشم طلع إلى المهرة من طريق المسفلة و أخذ الصلح و رجع إلى الشّحر، و طلع إلى السلطان عبد اللّه‏ (1) بحضرموت و القبلاء من المهرة عمر و حردان و عيال سليمان بن عمرو.

[أعطاء السلطان عبد اللّه الريدة لمحمد بن حقيبة و أخيه عبود] 723

و فيها: أعطى السلطان عبد اللّه الريدة لمحمد بن حقيبة و أخيه عبود ليلة العاشر من المحرم من السنّة المذكورة، و وصل إليهم والدهم في المحرم سنة تسع و سبعين إلى الريدة.

[وفاة الشيخ محمد بن عبد الرحمن العمودي‏] 724

و فيها أول ليلة من شهر الفطر (2) يوم الاثنين: توفي الشيخ الصالح ذو الهمة العلية و النفس الزكية و الكرم السخى جمال الدين محمد بن عبد الرحمن العمودي (رحمه اللّه تعالى).

قال سيدنا السيد الشريف محي الدين عبد القادر بن شيخ بن عبد اللّه العيدروس (رحمه اللّه)(3): أن مولده‏ (4) في هذه السنة ليلة الجمعة ثالث‏

____________

(1) من هنا ينتهي النقص في (ح).

(2) يعني شوالا.

(3) النور السافر: 300.

(4) الضمير «في مولده» يعود إلى العيدروس صاحب النور السافر الذي ينقل عنه‏

399

و عشرين ربيع الأول قال:

[فيضان في مدينة أحمد آباد] 725

و فيها (1): فاضت بأحمد أباد بعض البرك حتى خرج عنها الماء الذي كان فيها و صارت فارغة.

[مشاهدة الدم ببعض برك الماء بأحمد أباد] 726

و فيها: أيضا رئي الدم ببعض برك الماء بأحمد أباد انتهى.

____________

- المؤلف.

(1) النور السافر: 308.

400

سنة تسع و سبعين 727

[وفاة الشيخ حسين بن عبد الله بافضل‏] 728

في شهر ربيع الأول: توفي الفقيه الصوفي الجامع بين الشّريعة و الحقيقة بدر الدين حسين بن الفقيه عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر بلحاج بافضل الشافعي الحضرمي‏ (1) بتريم.

و في تاريخ وفاته ذلك العام أنشد صاحبنا (2) الفقيه عفيف الدين عبد اللّه بن أحمد بن فلاح الحضرمي ببيتين و هما:

شيخنا حي تجده‏* * * ضابط العام الذي فات‏ (3)

فيه حسين بن الفقيه أبا* * * فضل بلحاج ذي الكرامات‏

و كان (رحمه اللّه تعالى) من كمل المشايخ العارفين الجامعين بين علوم الشريعة و سلوك الطريقة و شهود الحقيقة، صاحب أحوال سنية و مقامات عليه و فراسات صادقه و كرامات خارقة، و له في التصوف رسالة سمّاها «الفصول الفتحية و النفثات الروحية فيما يوجب الجمعية و عدم البراح من جانب الحق و الفنا و البقا بالكلية و الجزئية» (4) و من كراماته: انه كان مرة في مجلس و بين يديه مريده فضل بن إبراهيم، فكان يتكلم باشياء بطريق الكشف كعادته، و كان في ذلك المجلس أخا السيد عبد اللّه فالتفت اليه‏

____________

(1) النور السافر: 308 و تاريخ الشعراء الحضرميين 1: 151.

(2) الضمير في قوله «صاحبنا» يعود إلى مؤلف النور السافر.

(3) النور السافر «مات».

(4) منه مخطوطة بجامع تريم أنظر كتابنا مصادر الفكر الإسلامي: 320.

401

فضل المذكور و قال: ان والدك ركب في بعض الخشب و سرى هذه الساعة، فقال الشيخ حسين: ما خرج من الهند أصلا فتراجعا، فقال الشيخ حسين أما علي كذا أو عليك كذا من باب البسط، ثم اتفقا على انه ما خرج فاتفق أن أخي كتب هذه القصة في كتاب و وقع عزمه الى الهند في تلك السنة، و كان الكتاب المذكور في صحبته فلما رآه والده قال: صدق الاثنان الشيخ حسين و مريده إلّا أن الشيخ حسين كان نظره يشرف على حقائق الأشياء و أخبرانه كان في ذلك الوقت في ذلك اليوم في ذلك الشهر عزم من احمد أباد بنية برعرب لأن الوزير و هو عماد الملك الذي كان يعوق عليه ذلك خرج في تلك السنة للصيد، فلما كان في أثناء الطريق لحقه الوزير المذكور فصده عن ذلك، قال: و أما قول فضل انه ركب بعض الخشب و سرى هذه الساعة فان البهيل اذا مشى به البقر يشبه سراية الخشب في البحر، و بينما هو في بعض الليالي يسير في الطريق إذ وجد والدي (رحمه اللّه) فوقفا يتذاكران و استمرا كذلك الى الصباح، و حكي انه قال: ما عندنا من الاعمال التي نعتمد عليها شيئا الا ذرة من حب آل محمد (صلى اللّه عليه و سلّم) فبلغ ذلك الشيخ أحمد بن الحسين العيدروس فقال: هنيئا له هذا هو الذي عناه الشيخ أبو بكر العيدروس بقوله‏ (1):

لك الهنا ان حل فيك ذرة* * * من حبّهم أو لاح منك خطرة

بذكرهم ما أعظم المسرة* * * طوبى لقلب حل حبهم فيه‏

و كان مولعا بكتب الشاذلية، و كان يميل إلى طريقتهم السنية حتى قيل فيه إنه شاذلي زمانه، روي ذلك عن الشيخ الكبير و الولي الشهير أحمد بن سهل، و كذا يعظم الشيخ محيي الدين ابن عربي، و يقري كتبه، و كان له في اقتنائها أشد عناية حتى إن كتاب «الفتوحات المكية» كان لا يوجد بحضرموت الا عنده، و لما كتب والدي الى ولده السيد عبد اللّه ان يحصله له طلبه من الشيخ حسين فامتنع أولا و سأل بعض الثقات أن السيد عبد اللّه‏

____________

(1) ديوان العيدروس: 167.

402

يريد أن يحصله لنفسه أو لوالده فقال: لا بل لوالده فأعطاه إياه، و حكي أن الشيخ بل النسخة التي كانت عنده عند وفاته ما خلا باب الوصايا منه، و قال: إنما فعلته تعظيما لشأنه لأن الناس لا يفهمون معانيه فيقعون في الغلط بسبب ذلك، قلت: و كان الشيخ حسين من المشايخ المربين، و كتب الشيخ ابن عربي اشتملت على علوم لا يفهمها إلّا أهل النهايات و تضر بأرباب البدايات. قال الحافظ السيوطي: و القول الفصل عندي في ابن عربي طريقته لا يرضاها فرقتا أهل العصر لا من يعتقده و لا من يحط عليه.

و هي اعتقاد ولايته و تحريم النظر في كتبه، قلت: و حكى الشيخ الإمام العلامة بحرق أنه سمع الشيخ أبا بكر العيدروس يقول: لا اذكر أن و الذي ضربني و لا انتهرني الا مرة واحدة بسبب انه رأى بيدي جزءا من كتاب «الفتوحات المكية» لابن عربي فغضب غضبا شديدا فهجرتها من يومئذ.

قال و كان والدي ينهى عن مطالعة كتابي الفتوح و الفصوص لابن عربي و يأمر بحسن الظن فيه و باعتقاد أنه من أكابر الأولياء العلماء باللّه العارفين و يقول: إن كتبه اشتملت على حقائق لا يدركها إلّا أهل النهايات و تضر بأرباب البدايات قال بحرق: و أنا أيضا على هذه العقيدة و هذه الطّريقة و هي أسلم و اللّه أعلم.

و وجدت بخط صاحب الترجمة سيدي الشيخ حسين بن الفقيه نفع اللّه به أن الشيخ المولى الإمام ولي اللّه تعالى محي الدين النووي نفعنا اللّه به لما رأى كلامه و طالعه قال: الكلام كلام صوفي، ثم قال الشّيخ حسين و هو كما قاله هذا الإمام أن كلامه كلام الصّوفية و إنما هو بسط العبارة في موضع الإشارة و ما يحمله من ينكر على الصوفية، و وجدت بخطه أيضا ما صورته هذه الأبيات تصلح في الشيخ محي الدين بن عربي:

دعوه لا تلوموه دعوه‏* * * فقد علم الذي لم تعلموه‏

رأي علم الهدى فسما اليه‏* * * و طالب مطلبا لم تطلبوه‏

أجاب دعائه لما دعاه‏* * * و قام بحقه و أضعتموه‏ (1)

____________

(1) النور السافر: وضعتموه.

403

بنفسي من فتى ممنوح قرب‏ (1)* * * و طاعم مطعم لم تطعموه‏

[وفاة الشيخ عمر بن خميس‏] 729

و فيها ثالث شهر المحرم: توفي الإمام العالم العلامه الولي الصالح الزاهد العابد قاضي جزيرة بثه‏ (2) من بلاد السواحل شجاع الدين عمر بن خميس كان فقيها عالما ناسكا صالحا و قد مدحه الفقيه عبد اللّه بن أحمد باسنجلة (رحمه اللّه):

خليلي أن آنستم البرق لا معا* * * من الأفق الشرقي خير شآم‏

و أن هب من أرض السواحل نفحة* * * من الريح أو منه استهل غمام‏

فلا تعذلاني أن بكيت و أن جرى‏* * * بعيني فؤادي أدمع و نعام‏ (3)

فإن بها تبكي الأماكن لي هوى‏* * * تؤرق عيني و العيون تنام‏

إلى بتة شوقي يزيد و لم أفز* * * برؤية حبر منهم و إمام‏

فذاك شجاع الدين نجل إمامنا* * * كريم نمته سادة و كرام‏

على عمر القاضي كل عشية* * * و كل صباح رحمة و سلام‏

[وفاة الفقيه عبد القادر بن عبد الله بافضل‏] 730

و فيها ضحى يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى: توفي الفقيه عبد القادر بن الفقيه عبد اللّه بن الفقيه الصالح أحمد بن محمد بافضل‏ (4) بعدن و دفن داخل دائر مقبرة جدة الفقيه محمد بالقرب من قبره، و كان رجلا فاضلا لبيبا عاقلا أديبا بليغا نحويا لغويا، يقول الشعر الحسن، و كانت له مشاركة في الحديث و الفقه أخذ عن الفقيه عبد اللّه بن عمر، و العلامة شهاب بن عمر الحكيم، و أخذ النحو و اللّغة عن الفقيه محي الدين عبد القادر الحموي و ذلك ببلدة عدن، و كان قائما بوضيفة مسجد الدرسة و ولى نيابة الشافعية، بمدينة عدن للشافعية، و كانت سيرته حميده (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) النور: بنفسي من ممنوح قرب.

(2) يرد ذكرها في بعض الكتب الحضرمية «بته» بالتاء المثناة أنظر شمس الظهيرة: 181 و هي من بلاد شرق إفريقيا.

(3) كذا في الأصول.

(4) النور السافر: 312.

404

[وفاة القاضي محمد حاجي‏] 731

و فيها (1): توفي القاضي محمد حاجي بمكة المشرفة، فقال الأديب عبد الرحمن الخفاجي المكي مؤرّخا لذلك:

لقد رحم المهيمن قبر قاض‏* * * عزيزا قد سما عزّ افتخاره‏

إمام عالم حبر تقي‏* * * له الشرع الشريف علا مناره‏

فدل على سعادته انطراح‏* * * بباب اللّه من قد عز جاره‏

له عدل به الركبان سارت‏* * * وزان جماله الأسنى و قاره‏

تمنّى أن يحل‏ (2) بخير أرض‏* * * و كان بمكة الغنا قراره‏

فتاريخ الوفاة له بضبط* * * و تحرير جنان الخلد داره‏

[وفاة السيد إبراهيم بن شيخ باعلوي‏] 732

و فيها: توفي السيد الشريف إبراهيم بن شيخ بن إسمعيل باعلوي بالشحر يوم الثلاثاء عاشر شهر ذي القعدة (رحمه اللّه تعالى).

[وقوع مطر عظيم بالشحر] 733

و في ليلة الثلاثاء حادى عشر شهر جمادى الأخيرة: حدث مطر عظيم شديد على الشحر و نواحيها من قبل أذان المغرب إلى طلوع الفجر مطر غزير و ريح، و خرب غالب بيوتها و الناس سلم‏ (3) ما راحت إلّا حرمة لأن غالب الناس خرج من بيته، فإنا للّه و إنا إليه راجعون، و قبله و ذلك يوم الجمعة حدث ريح عظيم بلا مطر و اشتد يوم السبت و هاج البحر و زاد البحر زيادة أكثر مما يزيد في أيام الخريف و اشتد الريح مع طش مطر خفيف يوم الأحد و الاثنين، ثم وقع المطر الغزير المذكور ليلة الثلاثاء و إحدى عشرة كما سبق، و أخذ غالب عمالة خرد (4) و أخذ نخل بالخيص‏ (5) الذي حوالي الشحر، و أخذن مون‏ (6) المعدى و غير فيها و في الهمة (7)

____________

(1) النور السافر: 312.

(2) النور السافر: بميزان.

(3) سلم بفتح السين «سالمون» عامية.

(4) لعلها المعروفة بالخره آخر الحروف هاء.

(5) هنا جمع خيصة و هي المراسي الصغيرة.

(6) المعدي: جبل زراعي مشهور بالخصب يزرع فيه النارجيل.

(7) الهمة بكسر الهاء و الميم قرية مشهورة بمنابع المياه تحت الشحر.