تاريخ الشحر وأخبار القرن العاشر

- محمد بن عمر طيب بافقية المزيد...
520 /
405

و أماغيل أبي وزير فاشتد المطر فيها و لم تقلع إلى الظهر يوم الأربعاء، و أخذ منارة جامعها، و أخرب غالب دورها، و كذلك شحير أخذ أعمالها و أخذ منها جماعة، و المقصود أنه كان أمرا مهولا و الكلام فيه يطول و لا حول و لا قوة إلّا باللّه.

406

سنة ثمانين و تسعمائة 734

[أخذ السلطان أكبر همايون كجرات‏] 735

فيها (1): أخذ السلطان أكبر بن همايون كجرات و هو من أولاد تيمور الملوك بينه و بينه أربعة آباء، و كان عظيم الشأن و رزق السعد في أيامه و طالت مدة ولايته و اتسع ملكه جدا، و كان عادلا [إلّا أنه يميل إلى الكفرة و يستصوب أقوالهم و يستحسن أفعالهم و في الإشارات ما يغني عن‏] (2) الكلام و لا حول و لا قوة إلا باللّه، و توفي في شهر جمادى الآخرة يوم خامس الشهر سنة أربع عشر بعد الألف و تولي بعده ولده سليم شاه.

و تاريخ العام «فدى» (3) قاله السيد عبد القادر بن شيخ العيدروس (رحمه اللّه)، قال و قلت في ذلك:

و الحمد للّه رب العالمين‏* * *غدا بأكبر في الناهيين‏

و فيها أول يوم من شهر رجب: توفي السيد الإمام مطهر بن الإمام شرف الدين‏ (5) و قد تقدم أخباره و أخذ اليمن و تملكه له، و كان (رحمه اللّه)

____________

(1) النور السافر: 313.

(2) ساقط من مطبوعة النور السافر.

(3) النور السافر «غدى» و هو الصواب.

(4) كذا و في النور السّافر:

غدا أكبر في الذاهبين‏* * * و ذي سنة اللّه في الغابرين‏

(5) من الشجعان الفتاك أنظر أخباره في روح الروح: 27 و البدر الطالع 2: 309 و أئمة اليمن 1: 486 ط تعز.

407

إماما شجاعا حازما مقداما (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة العلامة عبد الله بن عقيل بافضل‏] 736

و فيها يوم الأحد أحد و عشرين جمادي الآخرة: توفي الفقيه العلامة الحبر الفهامة القاضي عبد اللّه بن عقيل بافضل‏ (1) (رحمه اللّه تعالى) تولى القضاء بالشحر، و كان له الثناء الحسن عند الخاص و العام، و لم أقف على ترجمته.

[وفاة السيد إبراهيم بن محمد باعلوي‏] 737

و فيها: ليلة الاثنين إثنتين و عشرين ربيع الثاني، توفي السيد الشريف الجليل المثيل ذو الكرم و السخاء إبراهيم بن محمد المنذر باعلوي (رحمه اللّه تعالى) بالحديدة من بلاد اليمن.

____________

(1) أنظر ترجمته في صلة الأهل في مناقب آل أبي فضل: 308 «مخطوط بحوزتي».

408

سنة إحدى و ثمانين 738

[وصول السلطان أكبر إلى كجرات‏] 739

فيها (1): جاء السلطان أكبر إلى كجرات، و ذلك أنه بعد ما أخذها ترك فيها بعض الوزراء و رجع، فحاول من بقي من الكجراتي نزعها من يد ذلك الوزير و حاصروه بجموع عديدة و كادوا أن يظهروا عليه، فلما سمع السلطان بهذا الخبر دهمهم بجنود كثيرة، و وصل إليهم في مدة قليلة و حاربهم أشد المحاربة حتى قتلهم عن آخرهم.

[وقوع ريح عاصف بأحمد آباد] 740

و فيها (2): وقع بأحمد أباد ريح عاصف عظيم مع غبار كثير حتى أظلمت الأرض، و عقبه رعد و برق و قليل مطر و نسخ‏ (3) و الحمد للّه.

[فقد مركب العيدروس في البحر] 741

و فيها (4): فقد مركب السيد الشريف شيخ بن عبد اللّه العيدروس المسمى بالعيدروسي، و هو مسافر من الشحر إلى الديو، و كان فيه جماعة من السادة الأشراف و غيرهم، و حصلت لهم الشهادة رحمهم اللّه تعالى.

[قدوم العلامة أبي بكر بن مطير إلى المخا] 742

و فيها (5): قدم الإمام العلامة أبو بكر بن الإمام برهان الدين مطير

____________

(1) النور السافر: 315.

(2) النور السافر: 315.

(3) كذا في الأصل و سقطت هذه اللفظة من النور السافر.

(4) النور السافر: 134.

(5) النور السافر: 314.

409

الزبيدي إلى بندر المخا، فكتب إليه السيد الفاضل الولي العارف باللّه سيدنا

[ترجمة السيد حاتم الأهدل‏] 743

و شيخنا السيد حاتم بن أحمد الأهدل‏ (1) (رحمه اللّه) و نفع به هذا السؤال و هو:

يا من له في النحو فهم ثاقب‏* * * و دراية في الشعر من بين الملا

أوضح بفضلك لي جوابا شافيا* * * عن بيت شعر شكله قد أشكلا

ذكر المعاهد و الزمان الأوّلا* * * فبكى لأيام العذيب و أعولا

و بدا له برق بأبرق رامة* * * و هنا فبات من الجوى متململا

نامت عيون العالمين و لم ينم‏* * * وسلت قلوب العاشقين و ما سلا

إن كان فارقه الفريق فروحه‏* * * معهم تسير مع الهوادج في الفلا

هل إن تراها في الأخير بكسرة* * * أو فتحة حقق هديت تفضلا

فأجاب:

إن في الكلام بكسرة شرطية* * * و الفا جوابا جاء بعد مفصّلا

و يريد إن هم فارقوه فروحه‏* * * معهم ملازمة تساير في الفلا

و الفتح لم يظهر له معنى و إن‏* * * قلنا به جاء الجواب معطّلا

و لقد أجاد الشاعر المنطيق في‏* * * لفظ بديع في فصاحته حلا

حاكت بلاغته القريض فخلته‏* * * وشيا على الحسنا يفوق على الحلا

لا زالت الألفاظ طوع مراده و فؤاده‏* * * بالدر صار مكمّلا

ثم الصلوة على النبي و آله‏* * * و أصحابه و التابعين على الولا

قلت: و سيدنا السيد حاتم المذكور من بني الأهدل السادة المشهور باليمن و كان من العلماء الأعلام السادة الكرام، و هو من المعتقدين المتصرّفين في العالم و له في كل علم مشاركة خصوصا في علم التّصوف، فهو آخر من كان يتكلم فيه و يرحل إليه، و له اليد الطولي في كتب الشيخ محي الدين بن عربي، كان يسأل عن لفظه و ما يناسب‏ (2) كل عنه فيجيب‏

____________

(1) شاعر صوفي له ديوان شعر مشهور توفي سنة 1013 «خلاصة الأثر 1: 500».

(2) في الأصل هكذا و ما ينه.

410

عنه بأحسن جواب، و له ديوان شعر يحتوي على معان و رموز لطيفة في كلام القوم، توفي سنة 1013 ألف و ثلاث عشر، و قد نظم عام تاريخ وفاته الفقيه الأديب الأريب اللبيب حسين الزاهر الزبيدي (رحمه اللّه تعالى):

فجع الوجود بموت واحد عصره‏* * * القطب حاتم جاه أهل الجاه‏

فلقد صبرت لفقده و رضيت إذ* * * أرخته بقضاء حول اللّه‏

توفي (رحمه اللّه) بالمخا و دفن في بيته، و لغيره:

رزى‏ء الإنام بموت مولى سيد* * * غيث الوجود بعلمه الفياض‏

هو حاتم ذي الفضل حاتم أهله‏* * * جافى الجفون لفقده الاغماض‏

في جنة الفردوس حل لأجل ذا* * * أرخته في جنة برياض‏

411

سنة اثنتين و ثمانين 744

[وفاة الشيخ عبد القادر بن أحمد الفاكهي‏] 745

فيها: توفي الشيخ الكامل الفاضل عبد القادر بن أحمد الفاكهي‏ (1) المكي بمكة المشرفة، و كان مولده في شهر ربيع الأول من عام عشرين و تسعمائة، و له تصانيف مفيدة منها شرحان على بداية الغزالي أحدهما أكبر من الآخر و مصنفاته كثيرة لا تنحصر وقفت منها على جملة عديدة في فنون شتى، فلعمري أنه يشبه الجلال السيوطي في كثرتها بحيث أنه كان يكتب على مسألة رسالة، و له شعر حسن و هو كثير، و من شعره:

إن كان رفضي في محبة حيدر* * * و بنيه قاطبة فإني رافضي‏

حسبي إقتدائي بالإمام مقلدي‏* * * الشافعي بحر العلوم الخائض‏

و منه في القهوة:

إشرب القهوة صرفا* * * تجد الصفو مزاجا

و اذكر اللّه عليها* * * تجد (2) الأنس سراجا

و رأيت بخط الفقيه الصالح شيخنا جمال الدين محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه) قال: اجتمعت بالشيخ عبد القادر الفاكهي (رحمه اللّه تعالى) بمكة المشرفة سنة سبعين و تسعمائه، و أمرني بكتب بعض رسائله فكتبتها و أنشدني هذين من لفظه، و ذكر أنها لجده:

____________

(1) النور السافر: 316. و الأعلام 4: 36.

(2) النور السافر «تشهد».

412

بادر إلى طلب العلم العزيز و إن‏* * * ضاقت و لم تصفو أقوات و أوقات‏

و لا توخر لصفو أو رجاسعة* * * فهم يقولون للتأخير آفات‏

[وفاة العلامة عيسى الهندي‏] 746

و فيها: توفي العلامة المفتي القاضي عيسى‏ (1) الهندي بأحمد أباد و كان من أعيان العلماء المشهورين و أوحد المشايخ المدرسين، و له تصانيف نافعة (رحمه اللّه).

[وفاة سلطان الروم سليم بن سليمان‏] 747

و فيها: توفي‏ (2) سلطان الروم السلطان سليم بن السلطان سليمان و للأديب ماميه الانقشاري في تاريخ وفاته:

فارق الملك سليمن المجتبى‏* * * و غدا ضيفا على باب كريم‏

و غدا في الشهداء تاريخه‏* * * رحمة اللّه على حي سليم‏

و تولى بعده ولده السلطان مراد، و لماميه الإنقشاري في تاريخ ذلك:

بالبخت فوق التخت أصبح جالسا* * * ملك به رحم الإله عباده‏

و به سرير الملك سرّ فأرخوا* * * حاز الزمان من السرور مراده‏

و لبعضهم أيضا في مثل ذلك بيتين هما:

يا سائلي تاريخ من‏* * * ولي الخلافة و الحرم‏

أسمعه مني أنه‏* * * هذا المراد لقد حكم‏

و مولد مراد هذا في سنة إحدى و خمسين و تسعمائة فأفهم بعض المؤرخين أن مراد هذا من الصالحين، لكون تاريخ مولده يجمعه عدد حروف الذكر لقوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (3) و توفي مراد (رحمه اللّه) ثاني جمادي الأولى سنة ثلاث بعد الألف، و تولى بعده السلطان محمد.

[وفاة السيد علي بن عبد الرحمن خرد] 748

و فيها: توفي السيد الشريف الولي الصالح المجتهد في العلم و العبادة

____________

(1) النور السافر: 318.

(2) النور السافر: 318.

(3) سورة الأنبياء الآية: 105.

413

نور الدنيا و الدين علي بن عبد الرحمن خرد باعلوي بمكة المشرفة ليلة الأحد ثامن شهر صفر، و دفن بالمعلاة بجوار الفضيل بن عياض، و الشيخ عبد اللّه اليافعي نفعنا اللّه بهم.

[وفاة السيد الشريف حسين بن محمد بن علوي شنبل باعلوي‏] 749

و فيها: توفي السيد الكبير الشهير الولي الصالح السيد الشريف حسين بن محمد بن علوي شنبل باعلوي بمكة المشرفة ثالث ربيع الأول (رحمه اللّه تعالى).

و فيها: توفي الشيخ المجذوب المحبوب الولي العارف السيد الشريف أبو بكر المهدلي بالحديدة في جمادى الأولى (رحمه اللّه تعالى).

414

سنة ثلاث و ثمانين 750

[قدوم العلامة محمد بن عبد الرحيم الجابري إلى الشحر] 751

في المحرم‏ (1) طلب السلطان عبد اللّه بن بدر الكثيري شيخنا الفقيه العلامة جمال الدين محمد بن عبد الرحيم الجابري (رحمه اللّه) من بلدة بروم إلى الشحر ليوليه تدريس مدرسة أبيه السلطان بها، و ألزمه بذلك ففعل و انتفع بتدريسه الأنام و استنارت بذلك وجوه اللّيالي و الأيام، و ما أحسن ما قال سيدنا السيد الشّريف الفاضل الكامل وجيه الدّنيا و الدين عبد الرحمن بن أحمد البيض باعلوي (رحمه اللّه تعالى):

شمس الهدى طلعت و غاب رقيبها* * * و نجوم نحس الجهل آن مغيبها

(2)

بظهور مولانا و مالك عصرنا* * * نجل الخلافة فحلها و نجيبها

مولى ملوك الأرض غير مدافع‏* * * و مدفع لبعيدها و قريبها

عبد اللّه السلطان منصور اللوا* * * مردي العداة بكفه تعذيبها

لما أتى للشحر يصلح أمرها* * * و جميع داعية الفساد يريبها (3)

و دعا إمام العصر فرد زمانه‏* * * شيخ العلوم فقيهها و أديبها

أعنى الفقيه‏ (4) محمد بن مزاحم‏* * * من زاحم العلما و حاز نصيبها

____________

(1) النور السافر: 318 و العدة 1: 218.

(2) الأصل: غاب رقيبها و أصلحناه من النور السافر.

(3) النور السافر: يذيبها.

(4) العدة: فقيهها.

415

العالم الحبر المبرّز في العلا* * * سبّاق غايات الكرام خطيبها

جاء الزمان به علينا فاغتدت‏* * * أيامه معلومة من طيبها

غفرت ذنوبك يا زمان جميعها* * * إذ قد برزت إلى القلوب حبيبها

إن كنت ترغب في العلوم و نقلها* * * بادر إليه و سله عن تهذيبها

فعلى الخبير بها سقطت فسله عن‏* * * ما شئت عن غربيها (1) و غريبها

فاللّه يبقيه و يصلح شأنه‏* * * و جميع أعداه اللئام يصيبها

[وفاة السيد محمد بن عبد الله مولى عيديد] 752

و فيها: توفي السّيد الشريف الولي الصالح جمال الدين محمد بن عبد اللّه مولى عيديد، ضحى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر شعبان.

[تجهيز السلطان عبد الله بن بدر على المهرة] 753

و فيها: أول‏ (2) ما بدا به السلطان عبد اللّه بن بدر من التّجهيز إلى بلاد مهرة يوم الثاني و العشرين من ذي الحجة آخر شهور سنة اثنتين و ثمانين، و كور الغربان يوم الثاني من شهر المحرم في هذه السنة المذكورة، و كان عزمهم ليلة الجمعة العاشر من المحرم المذكور، و كان مسيرهم من الريدة ليلة الأحد إلى بندر قشن، و في ليلة الأحد الحادي و العشرين من المحرم المذكور، هجم المهرة غربان السّلطان عبد اللّه قريب حيريج فما قاتل منهم إلّا غراب النّقيب علي بن معوضة (رحمه اللّه) و الباقيين خفروهم.

[عزم السلطان عبد الله بن بدر إلى الريدة] 754

و فيها ليلة الأحد السادس عشر شهر شعبان: عزم السلطان عبد اللّه بن بدر إلى الريدة يريد المشقاص، خرج وقت العشاء بجميع العساكر، و البادية و الأشراف و معهم المدفع و زربطانتين‏ (3) و قد تقدمه ولده السلطا جعفر و جيش بن عبد العزيز، و محمد المرهون و العواتق‏ (4)، و كان رجوعه من الريدة ليلة السبت الرابع عشر من شهر رمضان من السنة المذكورة، هو و جميع العساكر بعد أن اصطلح هو و المهرة بيت زياد صلح كفاية.

____________

(1) النور السافر «عزيزها».

(2) العدة 1: 219.

(3) الزبرطانة آله معدة للضرب من الآلات الحربية في ذلك الوقت.

(4) كذا و لعله «العوالق».

416

[وفاة الشيخ عمر بن محمد طوعري‏] 755

و فيها: توفي الشيخ عمر بن محمد بن طوعري بقشن يوم الخميس واحد و عشرين في شهر ربيع الأول.

417

سنة أربع و ثمانين 756

[وصول سنان إلى الشحر] 757

يوم الاثنين أول يوم في شهر رجب: توصل غرابين رومي قنبطانهم إسمه سنان فيهن نحو مائتين رومي و مثلهم بحرة و هنود إلى بندر الشحر قاصدين رأس الحدّ للافرنج، فوصلوا مسكت فنهبوها و قتلوا فيها ناسا من الإفرنج و حرقوها، و حرقوا كنائس الإفرنج، و أخذوا برشة كبيرة شاحنة أموال في البندر تريد هرموز، و أخذوا منها غليون وجدوه في البندر و غربان الإفرنج و غربانهم شحنوها الجميع من الأموال الذي أخذوها من البلاد، و ساعدهم الهنود و نهب‏ (1) معهم، و رجعوا غانمين سالمين، و كان وصولهم من المسكت إلى الشحر يوم ثلاث و عشرين شهر شعبان، و صروا إلى المكلا و اقتسموا غنائمهم و جلسوا أياما، و صروا إلى عدن.

[وصول قاصد إلى الشحر من الباشا مراد] 758

و فيها: توصل قاصد إلى الشحر من باشة اليمن الباشه مراد في جلبة من عدن إلى بروم، و وصل الشحر من طريق البر يوم الأحد الثالث و العشرين من شهر جمادى الأولى، و العجب أن السلطان المتولي بالروم كان إسمه السلطان مراد و الباشة إسمه مراد.

[وفاة السيد عبد الله بن عبد الرحمن باهارون‏] 759

و فيها (2): توفي السيد الشريف العالم الفاضل الكامل عفيف الدين عبد اللّه الشهير بالنحوي بن عبد الرحمن باهرون باعلوي بتريم (رحمه اللّه)

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) النور السافر: 319.

418

تعالى و نفع به، و كان العالم علامة عصره و صاحب كرامات، فمن كراماته أنه كان يوما جالسا و عنده سيدنا السيد الشريف عبد اللّه بن شيخ العيدروس فقال له: يا عبد اللّه إن معي خاطر أن فلانا يهم يفعل كذا و كذا، و ذكر شيئا من الأفعال المذمومة الذي لا يبيحها الشرع، و هذا الخاطر معي أياما، و هو من المتعلقين بنا و تجب له منا المناصحة فطلب إلى عنده و كلمّه فاعترف بذلك و تاب من وقته و حسنت توبته، ثم إن السيد المذكور بقي يلوم نفسه على ذلك، و يقول: أخاف أن يكون ذلك استدراجا.

[وفاة الشيخ محمد بن عبد الرحيم العمودي‏] 760

و فيها (1) في ليلة السّبت ثاني عشر شهر رجب: توفي الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الرحيم بن محمد و هو أخو الشيخ العلامة أحمد العمودي الذي تقدم ذكره، و هما أبناء الشيخ الكبير العلامة الشّهير عثمان بن محمد العمودي بأحمد أباد، و كان حسن الأخلاق كريم النّفس كثير التواضع محبوبا مع الناس ذا وجاهة عظيمة و قبولا عند الخاص و العام (رحمه اللّه تعالى) و نفع به آمين.

[إتمام عمارة الحرم المكي‏] 761

و فيها (2): كان إتمام الحرم المكي في أيام السلطان مراد، و كان ابتدأ في عمارته والده السلطان سليم، فجاء تاريخه «عمر الحرم سلطان مراد».

____________

(1) النور السافر: 320.

(2) العدة 1: 219 في حوادث سنة 984.

419

سنة خمس و ثمانين 762

[وفاة السلطان عبد الله بن بدر بسيوت‏] 763

يوم‏ (1) الأربعاء رابع و عشرين شهر ربيع الأول: توفي السلطان عبد اللّه بن بدر بسيؤون (رحمه اللّه)، و تولي بعده السلطان جعفر بن عبد اللّه بوصية والده.

[طلوع نجم ذو ذؤابة] 764

و فيها (2): طلع نجم ذو ذؤابة كهيئة الذنب طويل جدا له شعاع، و مكث كذلك يطلع كل ليلة نحو شهرين أو أكثر.

و وجدت‏ (3) بخط بعض السادة: و في سنة خمس و ثمانين، ظهر نجم و له ذنب، سادس و عشرين شهر شعبان، و استمر إلى آخر شوال، و كان أول ظهوره في الشولة (4) انتهى.

[وفاة السيد أبي بكر بن عمر العيدروس‏] 765

و فيها ليلة السبت إحدى و عشرين شهر جمادى الأولى: توفي السيد الشريف الولي الصالح الشيخ فخر الدين أبو بكر بن عمر بن عبد اللّه العيدروس باعلوي، و توفي بعده صبح يوم الثلاثاء ثامن و عشرين شهر جمادى الأولى السيد الشريف الصوفي الصالح شهاب الدين أحمد بن زين بن عبد الرحمن بافقيه باعلوي بالشحر و قبر بجنب والده السيد زين بتربة السيد الشيخ شيخ بن إسمعيل باعلوي (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) العدة 1: 219.

(2) النور السافر: 321 و العدة 1: 219.

(3) العدة 1: 220.

(4) الشولة كوكبان نيّران ينزلهما القمر يقال لهما حمة العقرب.

420

سنة ست و ثمانين 766

[وفاة الشيخ عثمان العمودي‏] 767

فيها: توفي الشيخ عثمان العمودي‏ (1) ببضة يوم الاثنين سادس شهر صفر، و دفن بقيدون عند قبر الشيخ سعيد بن عيسى نفع اللّه به، و ولي بعده الشيخ عبد اللّه بن عثمان.

[وفاة المؤرخ عبد الله بن محمد باسنجلة] 768

و فيها: توفي الفقيه عفيف الدين الأديب الأريب المؤرخ عبد اللّه بن محمد باسنجلة (2) ليلة الأحد حادي عشر ذي الحجة (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة العلامة أحمد بن عمر الحكيم‏] 769

و فيها: توفي العالم العلامة الشيخ الشهير الولي الصالح شهاب الدين أحمد بن عمر الحكيم بعدن، و قبر في قبة الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) السناء الباهر: 746.

(2) هو العلامة و المؤرخ صاحب التاريخ الذي ينقل عنه المؤلف، قلت: برد لقبه تارة بباسخلة بخاء معجمة بعد السين و تارة بباسنجلة بالنون بعد السين بعدها جيم معجمة، و لا يخلو أحدهما من تصحيف. و أغلب الظن أن الصحيح الأول.

421

سنة سبع و ثمانين 770

[وفاة السيد عمر بن عبد الله الهندوان‏] 771

فيها: توفي‏ (1) السيد الشريف الولي الصالح شجاع الدنيا و الدين عمر بن عبد اللّه بن عمر الهندوان باعلوي بتريم، و سبب شهرته بالهندوان أنه كان لقوته في دينه و بدنه و اجتهاده، شبيها بالحديد الهندوان، و كان صاحب عبادة وجد و اجتهاد و له كرامات منها [ما] (2) أخبر سيدنا السيد الشريف عبد اللّه بن شيخ العيدروس عن شي‏ء يقع في‏ (3) بعض الناس قبل وقوعه، و ذكر ذلك الشخص بعينه، فكان كما كان بعد موته بيسير.

[وفاة حيدر بن حنش صاحب أحور] 772

و فيها توفي‏ (4): صاحب أحور (5) حيدر بن حنش.

[وفاة السيد أحمد بن محمد مرزق باعلوي‏] 773

و فيها: توفي السيد الشريف الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد مرزّق‏ (6) باعلوي صاحب زيلع بزيلع، في سلخ شعبان (رحمه اللّه).

____________

(1) النور السافر: 324.

(2) ساقط من الأصول و أضفناه من عندنا.

(3) النور السافر «من».

(4) النور السافر: 324.

(5) في الأصول أحوره و أصلحناه من النور السافر.

(6) السناء الباهر: 755.

422

سنة ثمان و ثمانين 774

[وصول العين إلى مكة] 775

فيها (1): أجريت العين إلى مكة، و كان سعى في ذلك السيد الشريف أبو نمي محمد بن بركات، و القاضي حسين المالكي، شكر اللّه سعيهما و جزاهما عن المسلمين خيرا، و بذلا في ذلك مالا جزيلا، و سبب ذلك إن عين مكة كانت انقطعت عنهم و مكثوا كذلك مدة من الزمان و تضرّر أهل مكة بسبب ذلك جدا و كان الرمل هو الذي سد الماء إليها، فتوجه الشريف و القاضي إلى إصلاحها حتى عادت أحسن مما كانت، و ما أحسن قول بعض الفضلاء في ذلك مادحا للقاضي حسين المالكي (رحمه اللّه تعالى):

أقضى القضاة الحسين أغنى‏* * * سكان أم القرى بعينه‏

و جاء بالعين بعد ياس‏* * * فشكرنا واجب لعينه‏

[وفاة سلطان الدكن‏] 776

و فيها (2): توفي سلطان الدكن علي عدل‏ (3) شاه سلطان بيجافور قتلاه خصيين‏ (4) من عبيده بنقاليين الأمر ما (5) (رحمه اللّه تعالى) و تجاوز عنه، و كان رجلا شجاعا كريما شهما، له مناقب و فتوحات كثيرة في بلاد

____________

(1) النور السافر: 325.

(2) النور السافر: 325.

(3) كذا و في النور السافر «عادل».

(4) كذا في الأصول و في النور السافر «خصيان» و هو الصواب.

(5) كذا و في النور السافر «لأمر ما».

423

الكفار، و تولى بعده ولد أخيه إبراهيم عادل، و هو الآن متولي بيجافور أصلحه اللّه تعالى.

[وفاة السيد سالم بن حسن باعلوي‏] 777

و فيها: توفي السيد الشريف سالم بن حسن باعلوي بالمخا.

424

سنة تسع و ثمانين 778

[وفاة الشيخ عبد المعطي بن حسن باكثير] 779

فيها (1): توفي الشيخ الفاضل المحدث المعمر عبد المعطى بن الشيخ حسن بن عبد اللّه باكثير المكي الحضرمي بأحمد أباد ليلة الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجة، و كان مولده سنة خمس و تسعمائة، و كان من الأدباء الفاضلين و الشعراء المصقعين، ولد بمكة و نشأ بها و لقي جماعة من العلماء الفاضلين، و شارك في المنقول و المعقول، و تفنّن في كثير من العلوم و دخل الهند و أقام بها، و كان حسن المحاضرة لطيف المحاورة فكها له ملحا و نوادر، و لم يزل على قدم التعفف إلى أن مات، و حكى عنه أنه قرأ كتاب الشفا على بعض مشايخه في مجلس واحد و ذلك بعد صلاة الصبح إلى أول الظهر، و من شيوخه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، كان سمع عليه صحيح البخاري بقراءة والده فهو يرويه عنه سماعا كما في اصطلاح أهل الحديث، و الشيخ زكريا يرويه عن شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، و لهذا اشتهر صاحب الترجمة بالسند العالي، و تميز عن أقرانه بذلك فازدحم الناس على الأخذ منه، و صار له من الحظ بسبب ذلك ما لا مزيد عليه، و من شعره مضمّنا للبيت الثاني:

____________

(1) النور السافر: 325.

425

يا رب يا من عليه مستندي‏* * * و من على فضله العميم معتمدي‏

خذ بيدي قبل أن أقول لمن‏* * * ألقاه عند القيام خذ بيدي‏

فامنن إلهي في سمعي و في بصري‏* * * بصحة دائما و في جسدي‏

و ما بقي لي من الحياة يكن‏* * * في دعة سيدي و في رغد

و منة في قواعد الإسلام الخمس:

هنيئا لمن صح إسلامه‏* * * و نال من الدين أو في نصيب‏

أقام الصلاة و آتى الزكاة* * * و صام و حجّ و زار الحبيب‏

و منه أيضا:

فرّج هموم من استطعت‏* * * من منجد أو متهم‏

فالخير كل الخير في‏* * * تفريج همّ المسلم‏

و منه أيصا:

يا آل بيت رسول اللّه حبكم‏* * * فرض و فضلكم قد شاع في الأمم‏

يا آل بيت رسول اللّه مدحكم‏* * * في الذكر جاء فما مدحي و ما كلمى‏

و منه في ميمات الدواة:

و ميماة الدواة تعد سبعا* * * و سبعا عدهن بلا خفاء

مداد ثم محبرة مقص‏* * * و مرملة و مصمغة الغراء

و مكشطة و مقلمة مقط* * * و مصقلة و مموهة لماء

و محمراك و مسطرة مسن‏* * * و ممسحة لختم و انتهاء

و منه أبيات كتبها للسيد شيخ بن عبد اللّه العيدروس و قد أوعده بإعطاء جارية:

يا سيّدا همته‏* * * فوق الدراري الجاريه‏

وجود كفيه غدا* * * مثل الرياح الجاريه‏

426

تدوم في عزك ما* * * جرت ببحر جاريه‏

و كلما تريده‏* * * الأقدار فيه جاريه‏

انجز لعبد سيدي‏* * * وعد رجوع الجاريه‏

هباتكم مبرورة* * * من الزمان جارية

و سيل هامي فضلكم‏* * * كماء عين جارية

و لطفكم بعبدكم‏* * * كف الدموع الجارية

و منه في القهوة:

أهلا بصافي قهوة كالأثمد* * * جليت فزانت كالخمار الأسود

لما أديرت في الكؤوس لحسنها* * * بيمين ساق كالقضيب الأملد

يحكي بياض أنائها و سوادها* * * طرفا كحيلا لا بكحل الأثمد

و له أبيات مقطعات في الألغاز و الأحاجي و قصائد مطولات يمدح بها السيد الشيخ شيخ بن عبد اللّه العيدروس و غيره من وزراء الهند (رحمه اللّه تعالى).

فائدة مفيدة تتعلق بأحمد أباد نقلتها من تاريخ‏ (1) السيد الشريف عبد القادر بن شيخ العيدروس (رحمه اللّه) و هي: مدينة كبيرة من مدن الهند مشهوره قال السخاوي في ضوئه: أحمد أباد، و معنى أباد عمّر و كأنه قال عمارة أحمد الذي اختطها، و هو أحمد بن محمد بن مظفر صاحب كجرات في سنة خمس و ثلاثين و ثمانمائة، و توفي قريبا من سبع و أربعين، فاستقر بعده في كجرات إبنه غياث الدين محمد فأقام إلى سنة أربع و خمسين، فاستقر بعده إبنه قطب الدين أحمد و مات في رجب سنة ثلاث و ستين، فخلفه أخوه داؤد و خلع بعد أيام، فاستقر بعده أخوه أبو الفتح محمود شاه و هو ابن خمس عشر سنة و إقامته بأحمد أباد، و الذي اختطها جده و هو حي في سنة تسع و سبعين و هو ابن خمسين سنة انتهى كلام السخاوي.

____________

(1) النور السافر: 331.

427

قلت: و عاش بعد السخاوي أربعة عشر سنة و قد مر تاريخه و تولى بعده ولده مظفر، و تولى بعده ولده السلطان إسكندر و قتل، ثم تولى بعده أخوه السلطان بهادر و هو الذي بنى قلعة سورت على يد وزيره صفر الرومي، ثم تولى بعده ابن السلطان مظفر ابن محمود الشهيد، و كانت الوزراء متغلبة عليها جدا خصوصا الأخير منهما فما كان له معهم من السلطنة إلّا الإسم و الحل و العقد و جميع التصرفات للوزراء، نظير ما وقع للخلفاء من بني العباس مع الأتراك حتى آل ذلك إلى انقراض ملكهم و زوال شوكتهم و انتقال الدولة عنهم إلى غيرهم، فأخذ البلاد المغول على عهد السلطان مظفر، و قد مر تاريخ ذلك، و لا حول و لا قوة إلا باللّه، فزالوا كأن لم يكونوا، و لم يبق إلا آثارهم الجميلة و مآثرهم الجليلة فسبحان من يقلب الأمور و لا يتغير بتغير الدهور.

[توجه المؤلف إلى الحج‏] 780

قال جامع هذا التاريخ: و فيها عزمت إلى مكة في شهر شوال لحجة الإسلام و كانت حجة الجمعة.

[وفاة قطب شاه‏] 781

و فيها (1): توفي قطب شاه سلطان فلكندة، و كان عادلا كريما إلّا أنه كان غاليا في التشيع (رحمه اللّه).

____________

(1) النور السافر: 332.

428

سنة تسعين 782

[وفاة العلامة جمال الدين محمد بن أبي بكر الأشحر] 783

فيها أول شهر محرم: توفي الفقيه العالم العلامه الحبر الفهامة الشيخ الإمام جمال الدين محمد الأشخر (1) (رحمه اللّه) ببيت الفقيه بن حشيبر، و كان من العلماء الصالحين المتفنّنين في جميع العلوم.

[قتل السلطان جعفر بن عبد اللّه بن بدر و تولى بعده ابنه‏] 784

و فيها (2) ليلة السبت ثالث جمادى الأولى: قتل السلطان جعفر بن عبد اللّه بن بدر و تولى بعده ابنه.

[وفاة السيد شيخ بن عبد الله العيدروس‏] 785

و فيها (3) ليلة الخميس خمس و عشرين مضت من رمضان: توفي الشيخ الكبير و المعلم الشّهير الشريف القطب العارف باللّه شيخ بن عبد اللّه بن شيخ العيدروس بأحمد أباد، و دفن بها في صحن داره، و عليه قبة عظيمة و من أحسن تاريخ وفاته، تاريخ صاحبنا الفقيه العفيف عبد اللّه بن فلاح نظمه في بيتين:

أرخت نقلة سيدي‏* * * شمس الشموس العيدروس‏

فانظر تجد تاريخه‏* * * القطب هو شمس الشموس‏

____________

(1) هو محمد بن أبي بكر الأشخر. النور السافر: 349 في حوادث سنة 991.

(2) العدة 1: 222.

(3) النور السافر: 333.

429

و لجماعة من الفضلاء فيه تواريخ، و كان مولده‏ (1) سنة تسعة عشر و تسعمائة بتريم، و نشأ بها و رحل إلى مكة و قرأ بها، و من شيوخه شيخ الإسلام الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المصري ثم المكي، و الفقيه الصالح العلامة عبد اللّه بن أحمد باقشير الحضرمي، له من كل منهما إجازة في جماعة آخرين يكثر عددهم، و اجتمع بالعلامة الديّبع بزبيد، و أما مقروءاته فكثيرة جدا، و من تصانيفه «العقد النبوي و السر المصطفوي» «و الفوز و البشرى» و شرحان على قصيدته المسماة «تحفة المريد» أحدهما أكبر من الآخر، أما الكبير فالمسمى حقائق التوحيد و الصغير سراج التوحيد و غيرها، و له ديوان شعر، و له مناقب و كرامات كثيرة.

قال: سيدنا السيد عبد القادر بن السيد شيخ صاحب الترجمة بعد أن أتى ببعض من كراماته و إشاراته قال: و مناقبه و كراماته ليس هنا محلها و قد أفردها غير واحد من العلماء بالتصنيف كالشيخ العلامه أحمد السندي في رسالة له، و الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي البسكري المكي في كتابه نزهة «الإخوان و النفوس في مناقب شيخ بن عبد اللّه العيدروس» و قد ذكرت كثيرا منها في مقدمة كتابي «الفتوحات القدسية في الخرقة العيدروسية» [و إنما] (2) قصدنا الآن الإشارة إلى ذلك إجمالا ليستدل به على جلالة قدره و كفى بالنفحة دليلا على الزهر، و بالغرفة معرفة بعذوبة النهر، و بقلامة الهلال تنبيها على إقبال شخص الشهر، انتهى.

[وفاة الشيخ عبد النبي الهندي‏] 786

و فيها (3): توفي العلامة المفنن الشيخ الصالح عبد النبي الهندي شهيدا (رحمه اللّه)، و كان من العلماء الأكابر المتبحّرين في العلم، و كان معظما عند السلطان أكبرين همايون المغل جدا بحيث يقال أن السلطان‏

____________

(1) في (س) تاريخه ثم أصلح بالهامش.

(2) ساقط من (س).

(3) النور السافر: 339.

430

المذكور كان يتولىّ خدمته بنفسه في بعض الأحيان، و بعد ذلك لما حصل على السلطان أكبر ما حصل من سبق الشقا و العياذ باللّه، امتحن العلماء و أهل الإيمان فثبت صاحب الترجمه (رحمه اللّه) في الدّين و صبر على الامتحان، حتى كان بذلك مشهورا، و أضحى به مذكورا مشكورا، و حكي إن السلطان يرسل إليه و هو في السجن و قد عذب بأنواع العذاب: أن أترك ما أنت عليه من الصلابة في الدين و تكون كما كنت في أوج العظمة، فرد عند ذلك من الجواب ما يزداد به غيظ السلطان عليه، و حكي أن السلطان أمر بعض الكفار أن يقتله فمكث زمانا يحاول ذلك و ما يصل إليه إلّا و يجده في صلاة أو تلاوة، فتوقف في ذلك عن قتله، و قال للسلطان:

أمرك مطاع و لو أمرتني بقتل مائة نفس من مشايخنا يعني الكفار لفعلت، و أما هذا المسلم فما قط جئت لقتله إلّا وجدته مشغولا بطاعة ربه و أنا أتحاشى عنه لذلك فاعذرني، و قرب إليه كأس فيه سم فأبى أن يتناوله و قال أنا أعلم بالذي فيه و لا أعين على قتل نفسي أي للمحذور في ذلك من جهة الدين، ثم إن السلطان بعد ذلك أمر بخنقه (رحمه اللّه) ففعل به ذلك، و مات، و كان ذلك ليلة اثنتى عشرة من ربيع الأول، و هي ليلة المولد الشريف، فلقد أبقى (رحمه اللّه) ذكرا جميلا و ثبت ثباتا عظيما قل أن يتّفق مثله إلّا لمن وفقه اللّه، أعاد اللّه علينا من بركاته آمين.

[وفاة سلطان مكة محمد بركات‏] 787

و فيها (1) يوم عاشورا: توفي السيد الشّريف سلطان مكة أبو نمي محمد بن بركات (رحمه اللّه تعالى) و لبعض فضلاء مكة في تاريخ وفاته:

يا من به طبنا و طاب الوجود* * * قد كنت بدرا في سما السعود

ما صرت في الترب و لكنما* * * أسكنك المولى جنان الخلود

و كان مولده سنة عشر و تسعمائة.

[وفاة القاضي حسين المالكي المكي‏] 788

و فيها (2): تاسع صفر توفي السّيد الشريف الفاضل القاضي حسين‏

____________

(1) النور السافر: 339. و خلاصة الكلام: 55.

(2) النور السافر: 340 و في هذه الترجمة زيادات لا توجد في المطبوعة.

431

المالكي المكي (رحمه اللّه تعالى) و من غريب الإتفاق أن تاريخ يوم موته كان تاريخا له فتقدّم أنه مات في تاسع صفر و جاء تاريخه تسع في صفر (رحمه اللّه)، و كان من أعيان مكة و فضلائها معظما فيها عند سلاطينها و كذلك عند الأروام و شهرته عند سلطان الروم و نوابه و وزرائها، و لم يكن مثله في زمانه و لا قبله و لا بعده، و كان جوادا مفضالا على رؤساء مكة و أكابرها و فقرائها، لم يخلفه مثله و حزن على موته خصوصا أهل مكة، و لبعض الفضلاء من أهل مكة هذا التخميس على هذين البيتين:

لهفي على بدر الوجود و سعده‏* * * و مغيبه تحت الثرى في لحده‏

مات الحسين المالكي بمجده‏* * * يا دهر بع رتب العلا من بعده‏

بيع الهوان ربحت أم لم تربح‏* * * و ارفع مرادك يا زمان كما ترى‏

و ارفع من الغوغا و حط ذوي الذرا* * * لا تعتذر لذوي النهى عما جرى‏

قدم و أخر من أردت من الورى‏* * * مات الذي قد كنت منه تستحي‏

و كانت له عقيدة أكيدة في السادة و الصالحين، و سببها أن والدته كانت تعتقد الولي الشهير السيد الشريف عبد اللّه بن الفقيه باعلوي فمرض ولدها صاحب الترجمة مرضا أشرف منه على الهلاك، فطلبت من الشريف حصول الشفاء له و ألحّت في ذلك، و كان عنده الشيخ الصالح عبد الرحمن بن عمر العمودي، فقال السيد عبد اللّه للشيخ عبد الرحمن، عساك تتحمل عنه فإن الناس ينتفعون ببقائه، فمن ذلك الوقت ابتدأت العافيه في القاضي حسين، و مرض الشيخ عبد الرحمن من وقته و مات بعد أيام و شهد جنازته القاضي المذكور، قلت: نظير هذه الحكاية ما حكاه الشيخ محي الدين بن عربي في فتوحاته عن بعض شيوخه: أن امرأة من بنات الملوك ممن كان النّاس ينتفعون بها و كان لها اعتقاد في هذا الشيخ فوجّهت إليه ليدخل عليها و الملك الذي هو زوجها عندها، فقام إليه فنظر إليها و هي في النزع، فقال الشيخ: أدركوها قبل أن تقضى، فقال بماذا فقال بديتها اشتروها فجي‏ء إليه بديتها كاملة فوقف النزع و الكرب الذي كانت فيه،

432

و فتحت عينها و سلّمت على الشيخ، قال لها الشيخ: لا بأس عليك و لكن ثم دقيقة بعد أن حل الموت لا يمكن أن يرجع خائبا، فلا بد له من أثر و نحن قد أخذناك من يده و هو يطالبنا بحقه فلا ينصرف إلا بروح مقبوضة و أنت إذا عشت انتفع بك الناس و أنت عظيمة القدر فلا نفديك إلا بعظيم ولي بنت من أحّب الناس إلي أفديك بها، ثم رد وجهه إلى ملك الموت فقال لا بد من روح ترجع بها إلى ربك هذه بنتي تعلم محبتي فيها خذ روحها بدلا من هذه الروح فإني قد اشتريتها من الحق و باعني إياها و ابنتي تلك حق مجيئك، ثم قام و خرج إلى بيته و قال لابنته و ما بها بأس يا بنيه هبيني نفسك فإنك لا تقومي للناس مقام زينب بنت أمير المؤمنين في المنفعة، فقالت: يا أبت أنا بحكمك قد وهبت نفسي، فقال للموت:

خذها فماتت من وقتها انتهى، و هذا من العجائب و التسليم أولى بنا و بكل مسلّم لهؤلاء الأولياء الأكابر، و من شعر القاضي حسين صاحب الترجمة و قد أهدى إليه قطب الدين الحنفي سمكا:

يا أيها القطب الذي‏* * * بوجوده دار الفلك‏

لو لم تكن بحر الندى‏* * * ما جاءنا منك السمك‏

و لما ابتنى القاضي بيته و جعل فيه التخريجة، قال صلاح الدين القرشي المكي في ذلك أبياتا منها:

ما عرش بلقيس و ما مقداره‏* * * ما تخت كسرى و الذي مثله‏

أنا نادر و الحكم لي و لما لكي‏* * * و من العجائب نادر و الحكم له‏

و له أيضا تاريخ بيت أنشأه القاضي:

شرف العلا لك منزل‏* * * يا بدر فيه فاحلل‏

و السعد قال مؤرّخا* * * للبدر أشرف منزل‏

[وفاة قطب الدين المكي النهروالي‏] 789

و فيها (1): توفي العالم الفاضل مفتي مكة الشيخ قطب الدين الحنفي‏

____________

(1) النور السافر: 342. و انظر ترجمته في البدر الطالع 2: 57 و الأعلام 6: 7.

433

المكي النهروالي نسبه إلى نهرواله من أعمال الهند بمكة المشرفة، و كان من الأعيان المذكورين و الفضلاء المشهورين، و كان مجللا محترما معظما بمكة عند الخاص و العام، و له شعر عظيم متين مليح السبك سلس، فمن شعره هذه القصيدة:

بسيف الحجى عند اهتزاز النوائب‏* * * تقلدت فاستغنيت عن كل قاضب‏

و جردت من رأسي‏ (1) الشديد عزائما* * * أفل بها حدّ السيوف القواضب‏

ولي همة تسمو بصارخ عزمها* * * إذا السيف قد أعيى صدور الكتائب‏

و ما فاتني فضل أردت إقتناؤه‏* * * علي و ما عزّت صعاب المطالب‏

و كم خطب العليا غيري و لم ينل‏* * * و نلت لأنيّ كنت أكرم خاطب‏

و لو شئت أدنت لي رقاب كثيرة* * * و لكن رأيت الدهر أغدر صاحب‏

و ما الدهر إلّا مقبل مع ساعة* * * و ما العمر مع طول المدى غير ناهب‏

و ما النّاس إلّا حاسد و معاند* * * و ما الدّهر إلا راجع في المواهب‏

و ما شاد بنيان العلا متهور* * * و ما ساد من لم يفتكر في العواقب‏

أخالط أبناء الزمان بعقلهم‏* * * لأنظر ما يبدونه من عجائب‏ (2)

____________

(1) الأصل رابي و أصلحناه من النور.

(2) النور: لأنظر ما يبدى به من عجائب.

434

و أظهر أني منهم تستميلني‏* * * عذاب الثنايا سود شعر الذوائب‏

و إن أليم الهجر مما يسؤني‏* * * و إن لذيذ الوصل أسنى مآربي‏

و ما علموا أن الهوى دون رتبتي‏* * * و أن مقامي فوقه بمراتب‏

ألا في سبيل المجد قوما علمتهم‏ (1)* * * يرون إكتساب الفضل أزرى المكاسب‏

و ما عندهم فضل سوى كثرة الغنى‏* * * و لا المجد إلّا أخذ بعض المناصب‏

فضائلهم محصورة في ثيابهم‏* * * و أورادهم إتقان هزّ المناكب‏

رماني زماني بينهم يستهينني‏* * * و ليس محلي غير هام الكواكب‏

و من شعره أيضا:

أقبل الغصن حين يهتز* * * في حلل دون لطفها الخز

مهفهف القد و المحيا* * * بعارض الحد قد تطرز

و من شعره أيضا:

الدّن لي و الكأس و القرقف‏* * * و للفقيه الكتب و المصحف‏

شمس الضحى بعد العشا* * * زارت فزال تلهفي‏

و استقبلت بدر السما* * * فنظرت للقمرين في‏

____________

(1) النور: عهدتهم.

435

سنة إحدى و تسعين 790

[استعادة السلطان مظفر شاه كجرات‏] 791

استعاد (1) السلطان مظفر بن السلطان [محمود] (2) كجرات من المغول، و ذلك في آخر شعبان و قبض أكثر بلادهم مثل أحمد أباد و بروج و برود له و كنباية (3) فهزم عسكر المغول و نهبهم و قتل بعض الوزراء الكبار، و أخذ ماله و لم يزل يعظم أمره و يكثر عسكره إلى مستهل المحرم من سنة اثنتين و تسعين فاختلف عسكره فيما بينهم، و كان ذلك هو السبب لهزيمتهم و اختفى المذكور في بعض الأماكن و رجع أمير كجرات إلى المغول، و أما بروج فكانت قلعتها حصينة متغلبه و كان فيها جماعة من أصحاب مظفر فمنعوها مدة و حاصروها جماعة من وزراء المغول إلى أن أخذوها في آخر رمضان من تلك السنة، و رأى بعض الأخيار في المنام رجلا فسأله عن مدة مظفر فكتب له ست واوات، قال الراوي: فأولها بستة أشهر فكان كذلك، فدخلها في شعبان و خرج منها في المحرم.

____________

(1) النور السافر: 360.

(2) ساقط من الأصل و أضفناه من النور السافر.

(3) النور السافر: كبنايت.

436

سنة اثنتين و تسعين 792

[وفاة العلامة شهاب الدين العباسي المصري‏] 793

توفي‏ (1) الشيخ الصالح العلامة شهاب الدين بن الشيخ بدر الدين العباسي المصري الشافعي بأحمد أباد و عمره نحو التسعين و دفن بتربة العرب بالقرب‏ (2) من تلميذه و صديقه الشيخ محمد بن عبد الرحيم العمودي رحمهم اللّه، و كان بينهما في حياتهما اتحاد و صحبة عظيمة حتى كأنهما كانا روحان في جسد، و كان مولده سنة ثلاث و تسعمائة بمصر، و كان من العلماء العاملين و عباد اللّه الصالحين و من مشايخه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، و الشيخ العلامة برهان الدين بن أبي شريف، و الشيخ الإمام نور الدين المحلى و الشيخ كمال الدين الطويل و الشيخ زين الدين المغربي، و الشيخ نور الدين المليجي بالجيم، و اجتمع بشيخ الإسلام أبي العباس الطنبداوي البكرى بزبيد سنة ست و ثلاثين و تسعمائة و أخذ عنه، و من محفوظاته المنهاج في الفقه للنّووي و الشاطبية في القراآت و العمدة في الحديث القدسي و الأربعين النووية و الأجرومية في النحو و مختصر أبي شجاع، و كان له اليد الطولي في علم الحرف و الفلك و الميقات، و كان شديد الورع قليل الاختلاط بالناس متمسكا بالكتاب و السنة، و طريقة السلف الصالحين مع التقوى المفرط و الخمول الزائد، و من شعره في تاريخ ميلاد البخاري و مدة عمره و تاريخ موته قوله:

____________

(1) النور السافر: 360.

(2) الأصل بالهرب و أصلحناه من النور السافر.

437

كان البخاري حافظا و محدثا* * * جمع الصحيح مكمل التحرير

ميلاده صدق و مدة عمره‏* * * فيها حميد و انقضى في نور

[وفاة أبو السعادات محمد بن أحمد الفاكهي‏] 794

و فيها (1) في يوم الجمعة الحادي و العشرين من جمادى الأولى: توفي الشيخ العلامة أبو السعادات محمد بن أحمد بن علي الفاكهي المكي الحنبلي، و كان مولده سنة ثلاث و عشرين و تسعمائة (رحمه اللّه تعالى)، و كانت له اليد الطولي في جميع العلوم، و أنه قرأ في المذاهب الأربعة، و من شيوخه الشيخ الكبير المحقق أبو الحسن البكري و شيخ الإسلام بن حجر الهيتمي و الشيخ محمد الحطاب و آخرين من أهل مكة و حضرموت و زبيد يكثر عددهم، و يقال أن الذي أخذ عنهم يزيدون على التّسعين و أجازوه، و مقروءاته كثيرة جدا لا تنحصر و من محفوظاته الأربعين النووية و العقائد النسفية و المقنع في فقه الحنابلة و جمع الجوامع في أصول الفقه، و ألفية بن مالك في النّحو و تلخيص المفتاح في المعاني و البيان و الشاطبية في القراآت، و كان يحفظ القرآن العظيم و يقرأ للسبعة مع التجويد، و نظم و نثر و ألف غير واحدة من الرسائل المفيدة، منها الذي تكلم فيها على آية الكرسي و هي مفيده جدا و منها شرح على نور الأبصار شرحا مختصرا و هو في فقه الشافعيه، و منها رساله في اللغة، دخل الهند و أقام بها مدة، ثم رجع إلى وطنه مكة شرفها اللّه تعالى في سنة سبع و خمسين، فحج ذلك العام و زار النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) ثم حج في السّنة التي تليها، و عاد إلى الهند في سنة ستين و تسعمائة فأقام بها إلى أن توفي (رحمه اللّه تعالى) و من شعره‏ (2):

طبعت على حب المعزة و الثنا* * * و أرجوهما في طول عمري ديدني‏

و ها أنا أوصي كل خل معزز* * * بأن لا يداني للدنا من يدي دني‏

و رزق الحظّ في زمانه و الجاه عند الأكابر و الوزراء، و كان السيد شيخ بن عبد اللّه العيدروس يسمّيه شيخ الإسلام، و قال بعضهم: ما رأيت‏

____________

(1) النور السافر: 363.

(2) هنا سقطت ورقه من الأصل.

438

أسخى منه و قال آخر: ما أظن أن أحد من الأشراف و العرب الذي دخلوا الهند في وقته إلّا و له عليه إحسان و كان لا يمسك شيئا، و كان له عقيدة مفرطه في آل باعلوي، و ذهب إلى حضرموت لزيارتهم فلقي جماعة من أعيانهم، و عادت عليه بركاتهم (رحمه اللّه تعالى).

[وفاة الشيخ أبي بكر بن سالم باعلولي‏] 795

و فيها ليلة (1) الأحد السابع و العشرون من ذي الحجة الحرم: توفي الولي الكبير و القدوة الشهير الذي وقع على ولايته الإجماع و الاتفاق و قصد بالزيارة من الآفاق فخر الدين الشيخ أبو بكر بن سالم بن عبد اللّه باعلوي بعينات، و كان من المشايخ الأفراد المقصودين بالزيارة من أقصى البلاد، و انتفع ببركته الحاضر و الباد و انعمرت بنفحات أنفاسه العباد، و اشتهرت كراماته و مناقبه و ولايته في الآفاق، و سارت بها الركبان و الرفاق، و قصده الزوار من الهند و السند و الروم، و حصل له القبول التام عند الخاص و العام، و عينات بكسر المهملة و سكون المثناة من تحت و قبل الألف نون و بعدها مثناة فوقيه، من قرى حضرموت على نصف مرحلة من تريم كانت دار إقامته (رحمه اللّه تعالى) و نفعنا به.

[وفاة الحكيم شهاب الدين محمود العباسي‏] 796

و فيها (2): توفي الحكيم شهاب الدين محمود بن شمس الدين العباسي السندي، و كان آية في الحكمة و المعالجات، و حكي أن بعض السلاطين أهدى إلى السلطان محمود صاحب كجرات أشياء نفيسة من جملّتها جارية و صيفه فأعطاها السلطان لبعض الوزراء و اتفق أن الحكيم المذكور [جس نبضها] (3) فحذره من ذلك، و قال أن من يجامعها سيموت فأراد تجربته في ذلك فجاء بعبده و أدخله عليها فمات لوقته، فازداد تعجب الوزير بذلك و سأله عن السبب فيه فقال: إنهم أطعموا أمها في حال حملها

____________

(1) النور السافر: 368. و انظر في مناقبه الظفر و المغانم «مخطوط» و كتاب الجواهر (مطبوع).

(2) النور السافر: 369.

(3) ساقط من الأصل و أثبتناه من النور السافر.

439

بها أشياء أورثت ذلك و أن مهديها قصد هلاك السلطان، قلت فلله دره من طبيب ماهر ما أحذقه، فقد ذكر القزويني في «عجائب البلدان» ما يقرب من هذا فقال عند الكلام على عجائب الهند (1) و من عجائبها البيش‏ (2) و هو نبت لا يوجد إلا في الهند سم قاتل أي حيوان يأكل منه يموت، و يتولّد تحته حيوان يقال له فارة البيش تأكل منه و لا يضرها، و مما ذكر أن ملوك الهند إذا أرادوا الغدر بأحد عمدوا إلى الجواري إذا ولدن و فرشوا من هذا النبت تحت مهودهن زمانا ثم تحت فراشهن زمانا ثم تحت ثيابهن زمانا ثم يطعمونهن منه في اللبن حتى تصير الجاريه إذا كبرت تتناول منه و لا يضرها، ثم يبعث بهن مع الهدايا إلى من أرادوا الغدر به من الملوك فإذا غشيها مات.

____________

(1) عجائب المخلوقات للقزويني 2: 51 بهامش حياة الحيوان.

(2) في الأصل اليسر و أصلحناه من النور السافر و عجائب المخلوقات.

440

سنة ثلاث و تسعين 797

[وفاة الشيخ محمد بن أبي الحسن البكري‏] 798

في شهر (1) ربيع الأول توفي الأستاذ قطب العارفين الشيخ محمد بن الشيخ أبي الحسن البكري (رحمه اللّه تعالى)، و قد تقدم ذكر سلسلة نسبه إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه في ترجمة والده، و كان هذا الشيخ من آيات اللّه تعالى في الدرس و الإملاء، و كان [إذا تكلم‏] فيه تكلم بما يحيّر العقول و يذهل الأفكار بحيث لا يرتاب سامعه في إن ما يتكلم به ليس من جنس ما ينال بالكسب و ربما كان يتكلم فيه بكلام لا يفهمه أحد من أهل مجلسه مع كونه كثير منهم أو أكثرهم على الغاية من التمكن في سائر مراتب العلوم الإسلامية و الإحاطة بفنونها، و كان إليه النهاية في العلم حتى كان بعض أئمة العلوم و المعارف هناك من افنى عمره في كتب العلوم الدينية و المعارف الربانية يقول: و اللّه لا ندري من أين هذا الكلام الذي نسمعه من هذا الأستاذ و لا نعلم له أصلا يوخذ منه، و لو لا العلم بسد باب النبوة لاستدلينا بما نسمعه منه على نبوته، و أما مجالس التفسير و ما يقرره فيها من المعاني الدقيقة و الأبحاث الغامضة مع استيعاب‏ (2) أقوال أئمة التفسير من السلف و الخلف و بيان أولاهما بالاعتماد عنده و ذكر المناسبات بين السور و الآيات و بين أسماء الذات المقدس و الصّفات و مواضعها، و ما قاله أئمة الطريقه في كل آية من علوم الإشارة، فإن القرآن نزل بها أيضا

____________

(1) النور السافر: 369. و انظر ترجمته في الأعلام 7: 60.

(2) هنا ينتهي النقص في الأم.

441

فذاك مما يحير العقول و يدهش الخواطر مع كون ما يلقيه من ذلك كله في ألفاظ مخترعة بالغة في الفصاحة و البلاغة و الجزالة و الإيضاح إلى الغاية التي ليس وراءها غاية (1) كون أكثرها أو جميعها مسجعة مقفى معربا موضوعا في محله الذي لا أولى منه، و لم تحفظ له هفوة في لفظ من ألفاظه من جهة إعراب أو تصريف أو تقديم أو تأخير و غير ذلك من هفوات الألسنة في تقرير العلوم، و ما من درس من دروسه إلّا و هو مفتتح بخطبة بديهة أو غير بديهة مشتملة على الإشارة إلى كل ما اشتمل عليه ذلك الدرس على طريق براعة الاستهلاك، و هكذا كانت مجالسه في الحديث و الفقه و كل علم يتصدى لتحريره لا يظن سامعه التمكن في ذلك العلم الحافظ لأصوله و فروعه أنه ترك في كل بحث كلمة لأحد من المتكلّمين فيه، مع ما يبديه هو من إختباراته الشريفة، و كان الشعراء من فضّل‏ (2) مصر المتكّنين في علوم اللغة و قواعد الشعر و مذاهب أهل الإنشاء يقصدون يوم ختمه، فيكتبون القصائد البديعة في مدحه و بيان ما منّ اللّه به عليه من سائر النعم الظاهرة و الباطنه فتتلى على رؤوس الأشهاد في مجلسه الشريف و فيه خلائق من الخاصة و العامة، و يجلس هو نفعنا اللّه ببركاته لاستماع ما يتلى منها بين يديه، و يجيز كل فيها و يظهر السرور بها لطفا منه بأصحابه و جبرا لخواطرهم و مقابلة لحسن ظنهم و عقائدهم نفعنا اللّه ببركاته، و له جملة تصانيف منها مختصر أبي شجاع في الفقه و له رسائل و أنواع من العلوم و المعارف و الآداب كرسالته في الإسم الأعظم و رسالته في الصلاة على النبي (صلى اللّه عليه و سلّم) و رسالته في السّماع و رسالته في آداب الشيخ و المريد في الزيارة و غيرها من الرسائل الجامعة الدالة على كمال تمكنه في سائر العلوم الأسلامية و المعارف الربانية، و له ديوان شعر كبير، و كان على ما قيل يقوله وقت الوارد و ربما كان بين الناس في منزله الشريف أو بين أهله أو وحده فورد عليه الوارد فاستدعى بالدواة و القرطاس و كتيه إذ ذاك، و ما من معنى‏

____________

(1) في الأصل هكذا «فيها غاية و محب كون» و أصلحناه من النور السافر.

(2) النور السافر: فضلاء.

442

أشار إليه أئمة الطريق مما يتعلق بالذات المقدس و الصفات المنزهة أو بالذات المحمدية و الصفات النبوية إلّا و له فيه القول الأبلغ و اللفظ الأفصح، و سئل رضي اللّه عنه لم كان في أهل مكة قسوة القلب و في أهل المدينة لينها فقال: لأن أهل مكه جاوروا الحجر و أهل المدينة جاوروا البشر و من شعره:

قل لمن زاد في ارتكاب الذنب‏* * * دهرا و للحدود تعدّى‏ (1)

ما جميع الذنوب في جنب عفو اللّه‏* * * إلا أقل من أن تعدا

و له أيضا:

و لو أفرغوا كل الدنان بباطني‏* * * و لم أبتغ سكرا لما مسّني سكر

و لو ابتغي سكرا و قالوا مدامة* * * رأيت فتى طابت بسكرته الخمر

و منه أيضا:

يا قلب إن كنت قلبي إرض بالأقدار* * * و راقب اللّه في الإعلان و الإسرار

و اشهد بعين البصيرة بهجة الأسرار (2)* * * مستهلكا لجميع الحجب و الأنوار (3)

و منه أيضا:

يا قلب إن كنت قلبي لا تمل للغير* * * و اصبر على حكم من تهواه تلق الخير

و اسلك و لو كنت في الرفقه ضعيف السير* * * و اصدق مع اللّه ترزق مثل رزق الطير

و منه أيضا:

____________

(1) الأصل تعددا و أصلحناه من النور السافر.

(2) النور السافر: الأنوار.

(3) النور السافر: الأستار.

443

يا قلب إن كنت قلبي غب عن الأكوان‏* * * و طب بنشوه‏ (1) ما لها

أدنان‏

خمرة قديمة قد علت عن حيّز الحدثان‏* * * هي المدامة و ساقي القوم و الندمان‏

و وجدت بخط شهاب الدين أحمد البسكري المكي قال: أنشدنا شيخنا شيخ الإسلام محمد البكري عند نظره إلى الماء و تكسره و تجعده:

أنظر إلى الماء الذي‏* * * بيد النسيم تجعدا

قد شبهوه بمبرد* * * فلأجل ذا يبري الصدا

و منه:

أود من الدنيا صديقا موافقا (2)* * * وفيّا بما أرضاه يرضى و ينشرح‏

فإن لم أجد أعرضت عن كل كابر* * * و قلت لقلبي قد خلا الكون فاسترح‏

و منه و هو ما قاله في مرض موته و هو آخر شعر أنشده:

و لقد أقول لطالبي إحسانهم‏* * * إحسانهم يأتي اليك بلا طلب‏ (3)

كم فرجوا من كربة عن عبدهم‏* * * و كذاك هم أهل لتفريج الكرب‏

و للشيخ عبد العزيز الزمزمي فيه:

قل‏ (4) فيه و أسمع به و انظر إليه تجد* * * ما قد ملا مسمعا مع مقلة و

فما

حدث عن البحر إن حدثت عنه و لا* * * عليك من حرج تخشى من اتهما

____________

(1) الأصل بزيادة: قهوة.

(2) النور: موافيا.

(3) النور: إحسانهم يأتيك سعيا بلا طلب.

(4) النور: قد عنه.

444

[وفاة الشيخ محمد بن عبد الحق العقيلي‏] 799

و فيها (1): توفي الشيخ العلامة محمد بن عبد الحق العقيلي المالكي بمكة (رحمه اللّه تعالى)، و سمعت الشيخ جمال الدين محمد بن عراق أرسل إلى الشيخ العلامة أحمد بن عبد الغفار المالكي يترك شرب القهوة فيما بين الناس و يشربها في الخلوة، و إن يترك لعب الشطرنج، فقال الشيخ أحمد بن عبد الغفار: أما ما أمرتني به من ترك شرب القهوة فيما بين الناس و شربها في الخلوة، فكان الأولى أن تأمرني بعكس ذلك، و أما ما أمرتيني به من ترك لعب الشطرنج فهو حق و صدق، غبراني ابتليت بهذا الداء فاسأل للّه لي تعجيل الدواء و السلام.

[وفاة الشيخ رحمة اللّه بن عبد الله السندي‏] 800

و فيها في ثامن المحرم: توفي الشيخ الفاضل المحدث الفقيه (رحمه اللّه) بن عبد اللّه السندي الحنفي نزيل المدينة الشريفة، توفي بمكة و دفن بها، و كان من العلماء العاملين و عباد اللّه الصالحين (رحمه اللّه تعالى)، و كان له أخ اسمه حميد، و كان من أهل العلم و الصلاح حسن الأخلاق كثير التواضع وافر العقل ظاهر الفضل جليل القدر، و حصل له في آخر العمر جاه عظيم جاور بمكة المشرفه تسع سنين، و مات بها سنة تسع بعد الألف و قبر عند أخيه صاحب الترجمة، و عمره نحو تسعين سنة، و بالجملة فإنه كان بقية السلف الصالح (رحمه اللّه تعالى).

____________

(1) النور السافر: 386.

445

سنة أربع و تسعين 801

[توجه السلطان أكبر إلى الدكن‏] 802

جهز (1) السلطان أكبر عسكر إلى الدكن مددا لبرهان شاه فانكسروا و رجعوا.

سنة خمس و تسعين 803

[أحداث سبيل على باب الصفا] 804

أحدث‏ (2) السلطان مراد بن السلطان سليم على باب الصفا سبيلا للشرب.

____________

(1) النور السافر: 393.

(2) النور السافر: 393.

446

سنة ست و تسعين 805

[وفاة الشريف محمد بن الحسين السمرقندي‏] 806

فيها (1): توفي الشريف الفاضل محمد بن الحسين السمرقندي الحسني (رحمه اللّه تعالى) بالمدينة الشريفة، و كان أهل المدينة إذا أرادوا مكاتبة أحد من الأكابر لا يكتبون ذلك المرسوم إلا بإنشائه، و كان يعرف كثيرا من اللّغات كالعربية و الفارسية و الرّومية و الهندية و الحبشية، و لما مات أحصيت كتبه فكانت ألفا و تسعين كتابا، و اجتمع هو و الشيخ عبد الرؤف الواعظ تجاه الحرم الشريف فحصل غيث فقال الشيخ محمد السمرقندي:

للّه يوم بفناء مكة* * * تجاه بيت اللّه أقصى الطلب‏

فقال عبد الرؤف (رحمه اللّه تعالى):

مذ نزل الغيث على سطحه‏* * * و سال من ميزابه و انسكب‏

فقال الشيخ محمد (رحمه اللّه تعالى):

سئلت أن أفصح عن كنهه‏* * * قلت لجين قد جرى من ذهب‏

و له شعر كثير (رحمه اللّه).

و فيها (2) ولد عبد اللّه و عمره سنتين.

و في‏ (3) ذلك الشهر ثمان خلون منه: افتك السلطان عمر بن بدر من‏

____________

(1) النور السافر: 394.

(2) بياض في الأصول. و كذا في العده 1: 223.

(3) العدة 1: 223.

447

القيد، و خلع عبد اللّه بن جعفر، و ولي بعده جدّ عمر المذكور.

[حوادث حضرمية متفرقة] 807

و رابع عشر رمضان: وصل السلطان عمر إلى الشحر و جهز بتجهيز بحرا إلى ظفار غربان و مراكب و طلّع فيها خيل و رجل، و ذلك عاشر شهر شوال وصلوا فرتك وردوا من قوة الريح، و وصل غرابان من الترك أول يوم من شهر القعدة و حاصروا حصن الشحر، و كانوا يضربونه بالمدافع أربعة أيام، و يوم الخامس تؤدي الحصن للسلطان عمر، و طلعه في عصر الخميس سادس شهر القعدة.

و في أول شهر صفر: عزم تجهيز ثاني مرة إلى ظفار فيها غربان الأروام و سنابيق و تودت لهم ظفار.

[وفاة الشيخ جمال الدين محمد الصديق الخاص‏] 808

و فيها (1): في عصر يوم الأربعاء توفي الشيخ الإمام و الحبر الهمام الرجل المحقق المعمر العلامة جمال الدين محمد بن الصديق الخاص الحنفي الزبيدي (رحمه اللّه تعالى)، و دفن صبيحة الخميس بباب سهام، و عمر نحو التسعين، و كان من كبار علماء زمانه في زبيد و أعيان المدرسين بها و بقية المفتين على مذهب الإمام أبي حنيفة بقطر اليمن، و بالجملة فإنه ليس له نظير في زمانه و لم يخلفه بعده مثله، و كان الباشوات فمن دونهم يعظمونه جدا و يقبلون كلامه و لا يردون شفاعته.

[خلع مرتضى شاه صاحب أحمد نكر] 809

و فيها (2): خلع مرتضى نظام شاه صاحب أحمد نكر من بلاد الدكن في يوم سادس عشر رجب، و مات بعد ثلاثة أيام من خلعه، و تولى ولده حسين شاه عشرة أشهر و قتل يوم سادس عشر جمادى الأولى قتله الخراسانيون، ثم تولى بعده إسماعيل بن برهان شاه و برهان شاه أخو المخلوع فحكم إسماعيل سنتين و شهرين ثم خلع بوصول أبيه برهان شاه من عند أكبر بعد أن أسعده بعسكر و خيل و غيرهما.

____________

(1) النور السافر: 395.

(2) النور السافر: 395.

448

سنة سبع و تسعين 810

[وفاة الشيخ مياوجيه الهندي‏] 811

فيها (1): توفي الشيخ الولي الصالح المتفنن في العلوم المشهور المعمر مياوجيه‏ (2) الدين الهندي بأحمدأباد و كان من أهل العلم و الزهد، و حصل له القبول العام العظيم بأحمدأباد مع الناس، و انتفع به الطلبة في كثير من الفتوى و اشتهر أمره جدا.

سنة ثمان و تسعين 812

[فيضان وادي عدم بحضرموت‏] 813

فيها (3): فاض واد يسمى عدم بوادي حضرموت و قلع نخلا كثيرا و عرف ذلك السيل بسيل الثّريا، فقال الفقيه عبد اللّه بن أحمد بن فلاح مؤرّخا له:

فاض بالأحقاف سيل‏* * * غادر النخل خويا

إن ترد تاريخه أحسب‏ (4)* * * «عم» طوفان الثريا

____________

(1) لم يرد هذا الخبر في مطبوعة النور السافر في حوادث سنة 997، و إنما ورد في السنة التي بعدها ص: 406 فيحقق.

(2) النور السافر «وجيه».

(3) العدة 1: 223 النور السافر: 408.

(4) النور: قل.

449

سنة تسع و تسعين 814

[زوال دولة المهروية بأحمد نكر بالهند] 815

و فيها (1): يوم الأربعاء رابع عشر شهر رجب: زالت الدولة المهدوية بأحمد نكر و قتل الوزير جمال خان و جي‏ء برأسه إلى أحمد نكر، و طيف به فيها ثم علق بعد ذلك أياما، و تسلطن برهان شاه، و قد تقدم إنه صار (2) إليها قبل ذلك بعد موت أخيه فرجع خائبا، و كان المذكور منذ هرب من عند أخيه نظام شاه في خدمة السلطان أكبر، و هو الذي أعانه على ذلك كما ذكرنا آنفا، و توفي برهان شاه ثالث شعبان سنة ثمان بعد الألف، و من غرائب الإتفاق أنه كان في تلك السنة أمر بهدم أحمد نكر، و أمر أن يجعل مكان دورها باغا و هو إسم البستان، بالفارسية، فقال صاحبنا الفقيه الفاضل عبد اللّه بن فلاح مؤرّخا:

هدم أحمد نكر (3) غدا* * * فيه للناس معتبر

«باغ» تاريخه و إن‏* * * قلت «غاب» فقد حضر

فصح غاب تاريخا لهدمها و لموت برهان شاه، و مما جرى في أيامه في سنة إحدى و ألف جهزه على ربود نكر (4) البرهي بجنب بندر شنبول‏

____________

(1) النور السافر: 409.

(2) النور «سار».

(3) النور السافر «أحمد أنقر».

(4) كذا تقرأ في الأصل و في النور السافر دنده رازبور و هذا الكلام و الذي يليه ساقط من النور السافر «المطبوعة».

450

ليأخذها من الإفرنج، فهلكت في تلك الوقعة عوالم لا تحصى، و أرخ ذلك بعضهم في «عدد (1) ضرا» و مما قال الفقيه عبد اللّه بن فلاح فيه:

برهان يهوى الخراب طبع‏* * * كأنه البوم في الطيور

لا يستريح الأنام منه‏* * * حتى يرى ساكن القبور

[ترجمة الفقيه عبد الله بن فلاح‏] 816

و كان الفقيه عبد اللّه بن فلاح (رحمه اللّه تعالى) لطيف الطبع، و له أشعار لطيفة و نكت طريفة، و كان حسن الأخلاق ذا صبر و احتمال، و له مشاركة في الفقه و النحو و اللغه (رحمه اللّه تعالى)، فمما قاله في «الشتر» (2) الذي يحملونه في الدكن للظلال:

من رأس في الدكن حمل‏* * * فوقه شترا للظلال‏

و هو لم يدر أنه‏* * * بدعة من أولى الضلال‏

و له (رحمه اللّه) في الفالكي‏ (3):

الفالكي مستقبح‏* * * بالعقل و النّقل الصحيح‏

فاتركه و الزم ماورد* * * في النحل منصوص صحيح‏

و له (رحمه اللّه):

و لقد أقول لصاحب لي يشتكي‏* * * قلقا أغال الصبر عنه و الجلد

لا غرو إن قلق عراك بدكن‏* * * أو ما تراها حين تقلبها نكد

و قال (رحمه اللّه) و قد سئل:

كلوا ما حل و اجتنبوا لسبع‏* * * فيكره أكلهن بلا جحود

كلا و مرارة و خصى و فرج‏* * * و احليل مثانة و العدود

و خصوا الدم بالتحريم فافهم‏* * * لأحكام حكت در العقود

و له و قد اقترح عليه أن ينظم ذلك:

____________

(1) النور «عد ضرا».

(2) الشتر و الشتراء المظلة بالهندية.

(3) الفالكي محفة كالكرس يجلس عليه الرجل و يحمله الخدم و العبيد.

451

لا رية للسمك كذا* * * لا مرارات للجمال‏

لا و لا مخ للنّعام‏* * * و الفرس ماله طحال‏

و له (رحمه اللّه) في أحاجي‏ (1) في سلما:

يا من سواطع فهمه‏* * * يبدي لنا العجب العجاب‏

أمثل قولك للذي‏* * * حاجه طلب شراب‏ (2)

و قال محاجيا في مقياس:

ياذ الذي بزكاته‏* * * إيضاح مشكلنا منوطا

ما مثل قولك للذي‏* * * حاجيته إحبب فتوطا

فأجابه صاحبنا شهاب الدين أحمد الجابري رحمهما اللّه تعالى:

مقياس هذا (3) بين‏* * * ما في جوابي ذا شطوطا

فاقنع به يايم علم‏* * * كلنا منه شطوطا

و له يمدح شهاب الدين الجابري (رحمه اللّه تعالى):

إن كنت تطلب علما* * * لذ بالفتى الجابري‏

فذاك بحر علوم‏* * * من أمه جابري‏

و بالجملة الفقيه عبد اللّه بن فلاح المذكور نادرة الدهر و واحد العصر (رحمه اللّه تعالى)، و مولده بتريم و انتقل إلى الهند فأقام بها إلى أن توفي (رحمه اللّه).

____________

(1) كذا في الأصول.

(2) كذا في الأصول.

(3) كلمة مبهمة في الأصلين.

452

سنة تمام الألف 817

[وفاة السيد عبد الرحيم بن عمر الحساوي‏] 818

فيها (1): توفي السيد الشريف الفاضل عبد الرحيم بن عمر الحساوي المكي ببلاد فلكنده‏ (2) و كان (رحمه اللّه) سيدا كريما حسن الأخلاق سمح النفس.

[وفاة الشيخ محمد باشراحيل‏] 819

و فيها (3): توفي الفقيه الفاضل جمال الدين محمد باشراحيل الحضرمي ببلاد فلكنده‏ (4) (رحمه اللّه).

[وفاة الشيخ يحيى الحوراني‏] 820

و فيها: توفي الشريف يحيى الحواراني المكي بفلكندة (5) أيضا، و كان بارعا في علم الموسيقى، إلّا أنه كان منهمكا في الشّهوات و منتهكا للمحرمات (رحمه اللّه) و سامحه أمين.

____________

(1) النور السافر: 410 في حوادث سنة 999.

(2) النور السافر: بكلكتده.

(3) النور السافر: 410 في حوادث سنة 199.

(4) كذا و في النور السافر: بكلكتده. قلت هي كلكته البلدة المعروفه بالهند.

(5) كسابقتها.

453

سنة الألف أحسن اللّه عاقبتها 821

[وفاة الشيخ السيد عمر بن عبد الله العيدروس‏] 822

ليلة (1) الأحد سلخ المحرم: توفي الشيخ الكبير و العلم الشهير الولي الصالح العلامة سراج الدنيا و الدين عمر بن عبد اللّه العيدروس بعدن حماها اللّه ببركته من الفتن، و دفن بها في قبة جده الشيخ الكبير سيدي أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس ملتصقا بتابونه الشرقي، و كان من المشايخ العارفين و العلماء العاملين، و كان السيد الشريف أبو بكر بن أبي القاسم القديمي الحسيني المشهور بصائم الدّهر الذي اشتهر عنه أنه قال: من زارني دخل الجنة، يعظم سيدنا الشيخ عمر، و يشير إلى أنه بركة ذلك القطر، و أم السيد عمر مزنة بنت الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس، فصار الشيخ أبي بكر بن عبد اللّه العيدروس جده من الطرفين، و هو أول من وقع له ذلك فيما علمت، و لم يكن الآن عقب لسيدي الشيخ أبي بكر إلا من أم صاحب التّرجمة، و لذا تصدر المشار إليه بمشهد جدّه بعدن بعد أخيه السيد محمد فقام بالمقام أتم قيام و مشى في ذلك على سنن آبائه الكرام، و اشتهر بذلك شهره عظيمة و كثر اعتقاد النّاس فيه و محبتهم له، و لم يزل على السيرة الحميدة إلى أن توفاه اللّه تعالى، و أخذ العلم عن جماعة لا يحصون من المشايخ و مقرءاته كثيرة جدا و برع في علوم شتى، و كان متبعا للكتاب و السنة متبعا على طريق السلف الصالح متسما

____________

(1) النور السافر: 410.

454

بالإستقامة التامة مع كثرة العبادة و دوام الاجتهاد، و كان مع جلالة قدره و عظيم جاهه، كثير التواضع بحيث ينسبونه إلى الإفراط فيه و يميل إلى الخمول الكلي، و كان له كرامات عديدة و أحوال سديدة و أوصاف حميدة، و بالجملة، فإنه بقية الشيوخ الذين يقتدى بآثارهم و يهتدي بأنوارهم و لو أطنبت كل الأطناب و أسهبت غاية الأسهاب و أتيت بكل عجاب لعجزت عن وصف شأنه العظيم و قصرت عن الإحاطه بقدره الجليل، و للّه در القائل:

ما في علاه مقالة لمخالف‏* * * فمسائل الإجماع فيه تسطر

(رحمه اللّه) و أعاد علينا من بركاته آمين.

قلت: و أخبرني بعض الأصحاب أن ولادته كانت في سنة ست و عشرين و تسعمائة فعلى هذا يكون عمره ستا و سبعين سنة (رحمه اللّه) و نفعنا به آمين، و خلف بعده في مقامه سيدنا الشيخ الكبير العالم العارف المحققّ شهاب الدنيا و الدين أحمد بن عمر بن عبد اللّه العيدروس (رحمه اللّه تعالى)، و كان قد جمله اللّه بعقل كامل و زينة بفضل شامل له أخلاق ألطف من نسيم السحر و أوصافا كالمسك إذا انتشر و علم فائض زخّار، و فضل يتدفق تدفق الأنهار، قد زاحم في الفضل من تقدم، و ارتقى فيه إلى المحل الأقوم فصار ممن يشار إليه بالأصابع و ممن يعول على رأيه في الأمر الشاسع و مقروءاته كثيرة خصوصا على والده، و كان أعظم من والده في إيثار الخمول و التواضع.

[وفاة الشيخ محمد بن علي الحشيري‏] 823

و فيها (1): ليلة الأحد سابع عشر ربيع الثاني، توفي الشيخ الكبير جمال الدين محمد بن علي الحشيبري بأحمد أباد (رحمه اللّه تعالى)، و كان من المشايخ المشهورين، و رزق القبول في حركاته و سكناته، و حصلت له شهرة عظيمة و رويت عند كرامات و لا يقدح في جلالته ذم بعض الناس له و تنقصهم إياه بحسب ما يظهر لهم من أموره من غير نظر إلى خصوصيّته،

____________

(1) النور السافر: 412.