تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج2

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
297 /
55

الموقف الذى يقف عليه الإمام اليوم، فوقف بهم، فلما غربت الشمس دفع به، و بمن معه، حتى أتى المزدلفة، فجمع بين الصلاتين؛ المغرب و العشاء الآخرة، ثم بات حتى إذا طلع الفجر صلى بهم صلاة الغداة، ثم وقف به على قزح من المزدلفة، و ممن معه؛ و هو الموقف الذى يقف به الإمام اليوم، ثم دفع به، و بمن معه، يريه، و يعلمه كيف يرمى الجمار، حتى فرغ من الحج كله، ثم انصرف إبراهيم راجعا إلى الشام، فتوفى بها.

*** ذكر ولاية بنى إسماعيل الكعبة من بعده و أمر جرهم‏

قال ابن إسحاق: «ولد لإسماعيل بن إبراهيم اثنا عشر رجلا، و أمهم السيّدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمى: نابت بن إسماعيل، و قيدار، و واصل، و ميّاش، و طيما، و قطور، و قيس، و قيدمان، و كان عمر إسماعيل مائة و ثلاثين سنة.

فمن نابت و قيدار نشر اللّه العرب، و كان أكبرهم ثابت و قيدار، و كان من حديث جرهم و بنى إسماعيل: أن إسماعيل لما توفى دفن فى الحجر مع أمه، فولى البيت نابت بن إسماعيل ما شاء اللّه أن يليه.

ثم توفى نابت بن إسماعيل، فولى بعده مضاض بن عمرو الجرهمى؛ و هو جد نابت بن إسماعيل أبو أمه، و ضم بنى نابت، و بنى إسماعيل إليه، فصاروا مع جدهم، و قطوراء يومئذ أهل مكة، و على جرهم مضاض بن عمرو ملكا عليهم، و على قطوراء رجلا منهم يقال له: السميدع ملكا عليهم، و كانا حين ظعنا من اليمن أقيلا ستارة، و كانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا و لهم ملك، يقيم أمرهم، فلما نزلا مكة رأيا بلدا طيبا، و إداما، و شجرا، فأعجبهما، و نزلا به، فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم أعلا مكة، و قيقعان، فما حاز ذلك، و نزل السميدع أجيادين، و أسفل مكة، فما حاز ذلك، و كل فى قومه على حياله لا يدخل واحد منهم على صاحبه فى مكة، ثم إن جرهما و قطوراء بغى بعضهم على بعض، و تنافسوا الملك‏

56

بها، فاقتتلوا بها حتى نشبت الحرب بينهم على الملك، و ولاة الأمر بمكة مع مضاض بن عمرو، و بنو نابت بن إسماعيل، و بنو إسماعيل، و إليه ولاية البيت دون السميدع، فلم يزل البغى حتى سار بعضهم إلى بعض، فخرج مضاض بن عمرو من قعيقعان فى كتيبة سائرا إلى السميدع، و مع كتيبته عدتها من الرماح و الدرق و السيوف و الجعاب، يقعقع ذلك معهم. و يقال: ما سميت قعيقعان إلا بذلك، و خرج السميدع بقطوراء من أجياد معه الخيل، و الرجال. و قيل: ما سمى أجيادا إلا لخروج الخيل الجياد مع السميدع، حتى التقوا بفاضح، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل السميدع، و فضحت قطوراء، و يقال: ما سمى فاضحا إلا بذلك، ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح، فساروا حتى نزلوا الصالح؛ شعب بأعلى مكة، يقال له: شعب عبد اللّه بن عامر بن كريز، فاصطلحوا بذلك الشعب، و أسلموا الأمر إلى مضاض بن عمرو.

فلما جمع أمر أهل مكة، و صار ملكها له دون السميدع نحر للناس، و أطعمهم، فطبخ الناس، و أكلوا، فيقال: ما سمى المطابخ مطابخ إلا بذلك.

و كان الذى بين عمرو و السميدع أول بغى كان بمكة، فيما يزعمون.

و قيل: إنما سميت المطابخ لأن تبع نحر بها، و أطعم، و كانت منزله بمكة.

ثم نشر اللّه تعالى بنى إسماعيل ((عليه السلام)) بمكة، و أخوالهم جرهم، إذ ذاك هم الحكام، و ولاة البيت، فلما ضاقت عليهم مكة و انتشروا بها انبسطوا فى الأرض، و ابتغوا المعاش، و التفسح فى الأرض، فلا يأتون قوما، و لا ينزلون بلدا إلا أظهرهم اللّه عزّ و جلّ عليهم بدينهم، فوطئوهم، و غلبوهم عليها، حتى ملأوا البلاد، و نفوا عنها العماليق، و من كان ساكنا بلادهم التى كانوا اصطلحوا عليها من غيرهم، و جرهم على ذلك بمكة ولاة البيت، لا ينازعهم إياه بنو إسماعيل لخؤولتهم، و قرابتهم.

قال بعض أهل العلم: كانت العماليق هم ولاة الحكم بمكة، فضيعوا حرمة الحرم، و استحلوا منه أمورا عظاما، و نالوا ما لم يكونوا ينالون، فقام رجل منهم يقال له: عمرو، فقال: يا قوم، اتقوا على أنفسكم، فقد

57

رأيتم، و سمعتم من أهلك من صدر الأمم قبلكم؛ قوم هود، و صالح، و شعيب، فلا تفعلوا، و تواصلوا، و لا تستخفوا بحرم اللّه، و موضع بيته، و إياكم و الظلم، و الإلحاد فيه، فإنه ما سكنه أحد قط، فظلم فيه، و ألحد إلا قطع اللّه دابرهم، و استأصل شاقتهم، و بدل أرضها غيرهم، حتى لا يبقى لهم باقية.

فلم يقبلوا ذلك منه، و تمادوا فى هلكة أنفسهم، ثم إن جرهما و قطوراء خرجوا سيّارة من اليمن، و أجدبت عليهم، فساروا بزراريهم، و أنفسهم، و أموالهم، و قالوا: نطلب مكانا فيه مرعى تسمن فيه ماشيتنا، إن أعجبنا أقمنا فيه، و إلا رجعنا إلى بلادنا، فلما قدموا مكة وجدوا فيها ماء معينا، و عضاة ملتفة من سلم و سمر، و نباتا أسمن مواشيهم، و سعة من البلاد، و دفئا من البرد فى الشتاء.

قالوا: إن هذا الموضع يجمع لنا ما نريد، فأقاموا مع العماليق، و كان لا يخرج من اليمن قوم إلا و لهم ملك يقيم أمرهم، و كان ذلك سنة فيهم، و لو كانوا نفرا يسيرا، فكان مضاض بن عمرو؛ ملك جرهم، و كان السميدع ملك قطوراء، فنزل مضاض بن عمرو على مكة، فكان يعشر من دخلها من أعلاها، و كان حوزهم وجه الكعبة و الركن الأسود و المقام و موضع زمزم مصعد يمينا و شمالا، و قعيقعان إلى أعلا الوادى، و نزل السميدع أسفل مكة و أجيادين، و كان يعشر من دخل مكة من أسفلها، و كان حوزهم السفلة و ظهر الكعبة و الركن اليمانى و الغربى، و أجيادين، فبنيا فيها البيوت، و اتسعا فى المنازل، و كثروا على العماليق، فنازعتهم العماليق، فمنعتهم جرهم، و أخرجوهم من الحرم كله، فكانوا فى أطرافه لا يدخلونه، فقال لهم صاحبهم عمرو: ألم أقل لكم لا تستخفوا بحرمة الحرم، فغلبتمونى، فجعل مضاض و السميدع يقطعان المنازل لمن ورد عليها من حولهما فوقهما، و كثروا، و ربلوا، و أعجبتهم البلاد، و كانوا قوما عربا، و كان اللسان عربيا، فكان إبراهيم ((عليه السلام)) يزور إسماعيل، فلما سمع لسانهم، و إعرابهم سمع لهم كلاما حسنا، و رأى قوما عربا، و كان إسماعيل قد أخذ لسانهم، فأمر إسماعيل أن ينكح فيهم، فخطب إلى مضاض بن عمرو ابنته رعلة،

58

فزوجه إياها، فولدت له عشرة ذكور، و هى التى غسلت رأس إبراهيم حين وضع رجله على المقام، و توفى إسماعيل و ترك ولدا من رعلة ابنة مضاض بن عمرو، فقام مضاض بأمر ولد إسماعيل و كفلهم، لأنهم بنو ابنته، فلم يزل أمر جرهم يعظم بمكة، و يستفحل، حتى ولوا البيت، فكانوا ولاته، و حجابه، و ولاة الأحكام بمكة، فجاء سيل، فدخل البيت فانهدم، فأعادته جرهم على بناء إبراهيم ((عليه السلام))، و كان طوله فى السماء تسعة أذرع.

و قال بعض أهل العلم: كان الذى بنى البيت لجرهم أبو الجدرة، فسمى:

عمرو الجادر، و سمى بنوه: الجدرة، ثم إن جرهم استخفت بأمر البيت و الحرم، و ارتكبوا أمورا عظيمة، و أحدثوا فيها أحداثا لم تكن، فقام مضاض ابن عمرو بن الحارث فيهم خطيبا، فقال: يا قوم احذروا البغى، فإنه لا بقاء لأهله، قد رأيتم من كان قبلكم استخفوا بالحرم، فلم يعظموه، و تنازعوا بينهم، و اختلفوا حتى سلطكم اللّه عليهم، فأخرجتموهم، فتفرقوا فى البلاد، فلا تستخفوا بحق الحرم، و حرمة البيت، فإنكم إن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منه خروج ذل و صغار، و حتى لا يقدر أحد منكم أن يصل إلى الحرم، و لا إلى زيارة البيت.

فقال قائل منهم، يقال له: مخدع: من الذى يخرجنا منه، ألسنا أعز العرب، و أكثرهم رجالا، و أموالا، و سلاحا. فقال مضاض بن عمرو:

إذا جاء الأمر بطل ما تقولون. فلم يقتصروا على شى‏ء مما كانوا يصنعون.

و كان للبيت خزانة تبر فى بطنها، يلقى فيها الحلى، و المتاع الذى يهدى له، و هو يومئذ لا سقف له، فتواعد له خمسة نفر من جرهم أن يسرقوا ما فيه، فقام على كل زاوية من البيت رجل منهم، و اقتحم الخامس، فجعل اللّه عزّ و جلّ أعلاه أسفله، و سقط منكسا على ذلك.

و قيل: لما دخل البئر سقط عليه حجر من شفير البئر، فحبسه فيها، و فر الأربعة.

قال آخرون: فعند ذلك مسحت الأركان الأربعة.

59

فلما كان من أمر هؤلاء الذين حاولوا سرقة ما فى خزانة الكعبة ما كان بعث اللّه سبحانه حية سوداء الظهر، بيضاء البطن، رأسها مثل رأس الجدى، فحرست البيت خمسمائة سنة لا يقربه أحد بشى‏ء من معاصى اللّه تعالى إلا هلكه اللّه، و لا يقدر أحد على سرقة ما كان فى الكعبة. و سيأتى قصة رفع الحية عند بناء قريش الكعبة.

و لما طغت جرهم فى الحرم دخل رجل منهم و امرأة، يقال لهما: أساف و نائلة، البيت، ففجرا فيه- و قيل: لم يفجر بها فى البيت، و لكن قبلها- فمسخهما اللّه حجرين، فأخرجا من الكعبة، و نصبا على الصفا و المروة، ليعتبر بهما من رآهما، و ليزدجر الناس عن مثل ما ارتكب، فلم يزل أمرهما يدرس و يتقادم حتى صارا صنمين يعبدان، حتى كان يوم الفتح فكسرا، و كانت مكة لا يقر فيها ظالم، و لا باغ، و لا فاجر إلا نفى منها، و كان نزلها بعهد العماليق و جرهم جبابرة، فكل من أراد البيت بسوء أهلكه اللّه، فكانت تسمى بذلك: الباسنة و بكة.

*** ذكر ولاية خزاعة الكعبة بعد جرهم و أمر مكة

عن أبى صالح قال: لما طالت ولاية جرهم استحلوا فى الحرم أمورا عظاما، و نالوا ما لم يكونوا ينالون، و أكلوا مال الكعبة الذى يهدى إليها سرا و علانية، و كلما عدا سفيه منهم على منكر وجد من أشرافهم من يمنعه و يدفع عنه، و ظلموا من دخلها من غير أهلها، حتى دخل أساف بنائلة الكعبة، ففجر بها، أو قبلها، فمسخا حجرين فرق أمرهم، فمنها وضعوا و تنازعوا أمرهم بينهم، و اختلفوا، و كانوا قبل ذلك من أعز حى فى العرب، و أكثرهم رجالا، و أموالا، و سلاحا، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو قام فيهم خطيبا، ثم ذكر مقالته لهم التى ذكرناها أنفا، و ما قال له مخدع فى الجواب، فعند ذلك عمد مضاض بن عمرو إلى غزالين كانا فى الكعبة من ذهب و أسياف قلعيّة، فدفعها فى موضع بئر زمزم، و كان ماء زمزم قد نضب‏

60

و ذهب لما أحدثت جرهم ما أحدثت حتى عفا مكان البئر و درس، فقام مضاض بن عمرو، و بعض ولده فى ليلة مظلمة، فحفر فى موضع زمزم، و أعمق، ثم دفن فيها الأسياف و الغزالين.

فبينما هم على ذلك إذ كان من أهل مأرب ما كان، و ذلك لنبأ طريفة الكاهنة إلى زوجها عمرو بن عامر؛ الذى يقال له: مزيقيا بن ماء السماء، و هو عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس، أنها قد رأت فى كهانتها أن سد مأرب سيخرب، و أنه سيأتى سيل العرم، فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله، و سار هو و قومه من بلد إلى بلد، لا يطئون بلدا إلا غلبوا عليه، و قهروا أهله حتى يخرجوا منه، و لذلك حديث طويل مذكور فى محله، فلما قاربوا مكة ساروا و معهم طريفة الكاهنة، فقالت لهم:

سيروا فلن تجتمعوا أنتم و من خلفتم أبدا.

ثم قالت لهم: و حق ما أقول ما علمنى ما أقول إلا الحكيم المحكم، و بجميع الإنس من عرب، و من عجم، قالوا: ما شأنك يا طريفة؟ قالت:

خذوا البعير الشدقم، فخضبوه بالدم بلون أرض جرهم؛ جيران بيته المحرم.

فلما انتهوا إلى مكة، و أهلها جرهم قد قهروا الناس، و حازوا ولاية البيت على بنى إسماعيل، و غيرهم، أرسل إليهم ثعلبة بن عمرو بن عامر يقول:

إنا قد خرجنا من بلادنا، فلم ننزل بلدا إلا فسح أهلها لنا، و تزحزحوا عنا، فنقيم معهم حتى نرسل روادنا، فيرتادوا لنا بلدا تحملنا، فافسحوا لنا فى بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح، و نرسل روادنا إلى الشام، و إلى المشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، و أرجو أن يكون مقامنا معكم يسيرا.

فأبت جرهم ذلك، و استكبروا فى أنفسهم و قالوا: لا و اللّه لا نحب أن ينزلوا معنا، فيضيقوا علينا مراحلنا، و مراتعنا، فارحلوا عنا حيث أحببتم، فلا حاجة لنا بجواركم، فأرسل لهم ثعلبة بن عمرو بن عامر: أنه لا بد من المقام بهذا البلد حولا، حتى ترجع إلىّ رسلى التى أرسلت، فإن تركتمونى طوعا نزلت، و حمدتكم، و إن أبيتم أممت على كرهكم، ثم لم ترعوا معى إلا فضلا، فإن قاتلتمونى قاتلتكم، ثم إن ظهرت عليكم سبيت النساء،

61

و قتلت الرجال، و لم أترك منكم أحدا ينزل الحرم أبدا، فأبت جرهم أن تتركه طوعا، و بعثت لقتاله، فاقتتلوا ثلاثة أيام، فانهزمت جرهم، فلم ينفلت منهم إلا الشريد، و كان مضاض بن عمرو قد اعتزل جرهم، و لم يعنهم فى ذلك، و قال: قد كنت أحذركم من هذا. ثم رحل هو و ولده و أهل بيته، حتى نزلوا قنونا، و حلى، و ما حول ذلك، و فنيت جرهم؛ أفناهم السيف فى تلك الحرب، و شرد بقية جرهم و ساروا بهم فى البلاد، و سلط عليهم الذر و المرعاف، و هلك بقيتهم بإضم حتى كان آخرهم موتا امرأة رؤيت تطوف بالبيت بعد خروجهم منها بزمان، فعجبوا من طولها، و عظم خلقتها، حتى قال لها قائل: أجنية أم إنسية؟ فقالت: بل إنسية من جرهم، و أنشدت رجزا فى معنى حديثهم، و استأجرت بعيرا من رجلين من جهينة، فاحتملاها على البعير إلى أرض خيبر، فلما أنزلاها بالمنزل الذى سمت لهما سألاها عن الماء، فأشارت لهما إلى موضع الماء، فوليا عنها، فإذا الذر قد تعلق بها، حتى بلغ خياشيمها، و هى تنادى بالويل و الثبور، حتى دخل الذر حلقها، و سقطت لوجهها، و ذهب الجهينان إلى الماء فاستوطناه، فمن هنالك سار موضع جهينة بالحجاز و قرب المدينة، و إنما هم من قضاعة، و قضاعة من ريف العراق.

و أقام ثعلبة بمكة و ما حولها فى قومه، و عساكره حولا، فأصابتهم الحمى، و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريفة فشكوا إليها الذى أصابهم، فقالت لهم: قد أصابنى الذى تشكون، و هو مفرق ما بيننا، قالوا: فماذا تأمرين؟ قالت: من كان منكم ذا هم بعيد، و حمل شديد، و مزاد جديد، فليلحق بقصر عمّان المشيد؛ فكان أزد عمان، ثم قالت: و من كان منكم ذا جلد و قصر و صبر على أزمات الدهر، فعليه بالآراك من بطن مر، فكانت خزاعة، ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات فى الوحل، المطعمات فى المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس و الخزرج، ثم قالت من كان منكم يريد الخمر و الخمير، و الملك و المعامير، و يلبس الديباج و الحرير، فليلحق ببصرى، و عوير- و هما من أرض الشام- فكان الذى سكنهما آل‏

62

جفنة؛ من غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد الثلب الرقاق، و الخيل العتاق، و كنوز الأوراق، و الدم المهراق، فليلحق بالعراق، فكان الذى سكنها آل خزيمة الأبرس، حتى جاءه روادهم، فافترقوا من مكة فرقتين؛ فرقة توجهت إلى عمان، و هم أزد عمان، و سار ثعلبة من عمرو بن عامر نحو الشام، فنزلت الأوس و الخزرج ابنا حارثة ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر؛ و هم الأنصار بالمدينة، و مضت غسان، فنزلوا الشام، فانحازت خزاعة إلى مكة، فأقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر؛ و هو لحىّ، فولى أمر مكة، و حجابة الكعبة، فلما أحرزت خزاعة أمر مكة، و صاروا أهلها جاءهم بنو إسماعيل، و قد كانوا اعتزلوا حرب جرهم و خزاعة، فسألوهم السكنى معهم، و حولهم، فأذنوا لهم، فلما رأى ذلك مضاض بن عمرو بن الحارث، و قد كان أصابه من الصبابة إلى مكة ما أحزنه أرسل إلى خزاعة يستأذنهم فى الدخول عليهم، و النزول معهم بمكة فى جوارهم، و مت إليهم برأيه، و توزيعه قومه عن القتال، و سوء السيرة فى الحرم، و اعتزاله الحرب، فأبت خزاعة أن يقربوهم و نفوهم عن الحرم كله، و لم يتركوهم ينزلون معهم، فقال عمرو بن لحى؛ و هو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر لقومه:

من وجد منكم جرهميا و قد قارب الحرم، فدمه هدر، فنزعت إبل لمضاض ابن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمى من قنونا تريد مكة، فخرج فى طلبها، حتى وجد أثرها قد رحلت مكة، فمضى على الجبال من نحو أجياد، حتى ظهر على أبى قبيس يتبصر الإبل فى بطن وادى مكة، فأبصر الإبل تنحر، و تؤكل لا سبيل له إليها، يخاف إن هبط الوادى يقتل، فولى منصرفا إلى أهله، و أنشأ يقول:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر

و انطلق مضاض بن عمرو نحو اليمن إلى أهله، و هم يتذكرون ما حال بينهم و بين مكة، و ما فارقوا من أمنها، و ملكها، فحزنوا على ذلك حزنا شديدا، فبكوا على مكة، و جعلوا يقولون الأشعار فى مكة.

و اختصت خزاعة بحجابة الكعبة، و ولاية أمر مكة، و فيهم بنو إسماعيل‏

63

((عليه السلام)) بمكة و حولها، لا ينازعهم أحد منهم فى شى‏ء من ذلك، و لا يطلبونه، فتزوج لحى؛ و هو ربيعة بن حارثة بهبرة بنت عامر بن عمرو بن الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمى ملك جرهم، فولدت له عمرا؛ و هو عمرو بن لحى، و بلغ بمكة و فى العرب من الشرف ما لا يبلغه عربى قبله، و لا بعده فى الجاهلية، و هو الذى قسم بين العرب فى حطمة حطموها عشرة آلاف ناقة، و قد كان فقأ عين عشرين فحلا؛ و كان الرجل فى الجاهلية إذا ملك ألف ناقة فقأ عين فحل إبله، و كان أول من أطعم الحاج بمكة مدائف الإبل، و لحمانها على الثريد، و عم فى تلك السنة جميع حاج العرب بثلاثة أثواب من برود اليمن، و كان قد ذهب شرفه فى العرب كل مذهب، و كان قوله فيهم دينا منيفا لا يخالف، و هو الذى بحر البحيرة، و وصل الوصيلة، و حمى الحام، و سيّب السائبة، و نصب الأصنام حول الكعبة، و جاء بهبل من هيت من أرض الجزيرة، فنصبه فى بطن الكعبة، فكانت قريش تستقسم عنده بالأزلام.

و هو أول من غير الحنيفية دين إبراهيم ((عليه السلام))، فكان عمرو بن لحى يلى البيت، و ولده من بعده خمسمائة سنة، حتى كان آخرهم خليل بن حبشة بن سلول بن كعب بن عمرو، فتزوج إليه قصى ابنته حبىّ؛ ابنة خليل، و كانوا هم حجابه، و خزانة، و القوام به، و ولاة الحكم بمكة، و هو عامر لم يجر فيه خراب، و لم يبن خزاعة فيه شيئا بعد جرهم، و لم يسرق منه شى‏ء علمناه، و لا سمعناه به، و ترافدوا على تعظيمه، و الذب عنه.

*** ما جاء فى ولاية قصى بن كلاب البيت الحرام و أمر مكة بعد خزاعة

عن ابن جريج‏ (1) و ابن إسحاق، قالا: إقامة خزاعة على ما كانت عليه‏

____________

(1) ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموى؛ مولاهم، يكنى: أبا الوليد، و أبا خالد، كان جريج عبدا لأم حبيب بنت جبير، و كانت تحت عبد العزيز بن-

64

من ولاية البيت، و الحكم بمكة ثلاثمائة سنة، و كان بعض التبابعة قد سار إليه، و أراد هدمه، و تخريبه، فقامت دونه خزاعة، فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع، ثم جاء آخر، فكذلك.

و أما تبع الثالث، الذى نحر له، و كساه، و جعل له علفا، و أقام عنده أياما ينحر كل يوم مائة بدنة لا يرزءوه هو، و لا أحدا من عسكره شى‏ء منها يردها الناس فى اللحاج و الشعاب، فيأخذون منها حوائجهم، ثم يقع الطير عليها فيأكل، ثم يتناهيها السباع إذا أمست لا يرد عنها إنسان، و لا طائر، و لا سبع، ثم رجع إلى اليمن، إنما كان فى عهد قريش، فمكثت خزاعة على ما هى عليه، و قريش إذ ذاك فى بنى كنانة متفرقة.

و قد قدم فى بعض الزمان حاج قضاعة، فيهم ربيعة بن حزام بن ضبّة بن عبد كثير بن عذرة بن سعد بن زيد، و قد هلك كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، و ترك زهرة و قصيا ابنى كلاب مع فاطمة بنت عمرو بن سعد، و زهرة أكبرهما، فتزوج ربيعة بن حزام أمهما، و زهرة رجل بالغ، و قصى فطيم، أوفى سن الفطيم، فاحتملها ربيعة إلى بلاده من أرض عدن من أشراف الشام، فاحتملت معها قصيا لصغره، و تخلف زهرة فى قومه.

فولدت فاطمة بنت عمرو لربيعة رزاح بن ربيعة، فكان أخا قصى بن كلاب لأمه، و لربيعة بن حزام من امرأة أخرى ثلاثة نفر حسن، و محمودة، و جلهمة؛ بنو ربيعة، فبينا قصى بن كلاب فى أرض قضاعة لا ينتمى إلا إلى ربيعة بن حزام، إذ كان بينه و بين رجل من قضاعة شى‏ء، و قصى قد بلغ، فقال له القضاعى: ألا تلحق بنسبك، و قومك، فإنك لست منا.

فرجع قصى إلى أمه، و قد وجد فى نفسه مما قال له القضاعى، فسألها

____________

- عبد اللّه بن خالد بن أسيد، فنسب إلى ولائه. ولد ابن جريج سنة 80 ه؛ عام الجحاف (سيل كان بمكة)، كان حافظا، روى عن أبيه و مجاهد و عطاء و طاوس و الزهرى، و روى عنه ابناه عبد العزيز و محمد، و يحيى الأنصارى و الأوزاعى و السفيانان و الحمادان و يحيى القطان مات ابن جريج سنة 150 ه. انظر كتاب: المعارف: 488، 489، تاريخ بغداد:

10/ 400، شذرات الذهب: 1/ 623، وفيات الأعيان: 1/ 286.

65

عما قال له، فقالت: أنت و اللّه يا بنى خير منه، و أكرم، أنت ابن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، و قومك عند البيت الحرام، و ما حوله، فأجمع قصى على الخروج إلى قومه، و اللحاق بهم، و كره الغربة فى أرض قضاعة، فقالت له أمه: لا تعجل بالخروج حتى يدخل عليك الشهر الحرام، فتخرج فى حاج العرب، فإنى أخشى عليك، فأقام قصى حتى دخل الشهر الحرام، و خرج فى حاج قضاعة، حتى قدم مكة، فلما فرغ من الحج، و أقام بها، و كان قصى رجلا جليدا حازما بارعا، فخطب إلى خليل بن حبشة الخزاعى ابنته حبى؛ ابنة خليل، فعرف خليل النسب، فرغب فى الرجل، فزوجه خليل، و كان خليل يومئذ يلى الكعبة، و أمر مكة.

فأقام قصى معه حتى ولدت حبى لقصى عبد الدار، و هو أكبر ولده، و عبد مناف، و عبد العزى، و عبد بن قصى، فكان خليل يفتح البيت، فإذا اعتل أعطى ابنته حبى المفتاح، ففتحته، فإذا اعتلت أعطت المفتاح زوجها قصيا، أو بعض ولدها ففتحه، و كان قصى يعمل فى حيازته إليه و قطع ذكر خزاعة عنه، فلما حضرت خليلا الوفاة نظر إلى قصى و إلى ما انتشر له من الولد من ابنته، فرأى أن يجعلها فى ولد ابنته، فدعى قصيا، فجعل له ولاية البيت، و أسلم إليه المفتاح؛ و كان يكون عند حبى، فلما هلك خليل أبت خزاعة أن تدعه و ذاك، و أخذوا المفتاح من حبى.

و يذكر أيضا أن أبا عيشان؛ من خزاعة، و اسمه: سليم، و كانت له ولاية الكعبة باع مفاتيح الكعبة من قصى بزق خمر، فقيل: «أخسر من صفقة أبى عيشان»، ذكره المسعودى و الأصبهانى فى «الأمالى».

فعند ذلك هاجت الحرب بينه و بين خزاعة، فمشى قصى إلى رجال من قومه قريش، و بنى كنانة، و دعاهم إلى أن يقوموا معه فى ذلك، و أن ينصروه و يقصدوه، فأجابوه إلى نصره، و أرسل قصى إلى أخيه لأمه رزاح بن ربيعة، و هو ببلاد قومه من قضاعة يدعوه إلى نصره، و يعلمه ما حالت خزاعة بينه و بينه من ولاية البيت، و يسأله الخروج إليه من إجابة قومه، فقام رزاح فى قومه، فأجابوه إلى ذلك، و خرج رزاح بن ربيعة و معه أخوته من أبيه،

66

فيمن تبعهم من قضاعة فى حاج العرب مجتمعين لنصر قصى و القيام معه، فلما اجتمع الناس بمكة خرجوا إلى الحج، فوقفوا بعرفة، و نزلوا منى و قصى مجمع على ما أجمع عليه من قتالهم بمن معه من قريش، و بنى كنانة، و من قدم عليه مع أخيه رزاح من قضاعة.

فلما كان آخر أيام منى أرسلت قضاعة إلى خزاعة يسألونهم أن يسلموا إلى قصى ما جعل له خليل، و عظم عليهم القتال فى الحرم، و حذروهم الظلم، و البغى بمكة، و ذكروهم ما كانت فيه جرهم و ما صارت إليه حين ألحدوا فيه بالظلم، فأبت خزاعة أن تسلم ذلك، فاقتتلوا بمقتضى مازمى منى، فسمى ذلك المكان: المفجر، لما فجر فيه، و سفك فيه من الدم، و انتهك من حرمته، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثرت القتلى فى الفريقين جميعا، و فشت فيهم الجراحات، و حاج العرب جميعا من مضر، و اليمن مستنكفون ينظرون إلى قتالهم.

ثم تداعوا إلى الصلح، و دخلت قبائل العرب بينهم، و عظموا على الفريقين سفك الدماء، و الفجور فى الحرم، فاصطلحوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فيما اختلفوا فيه، فحكّموا يعمر بن عون بن كعب بن عامر ابن الليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة؛ و كان رجلا شريفا فقال لهم: موعدكم لنا الكعبة غدا، فاجتمع الناس، و عدوا القتلى، فكانت فى خزاعة أكثر منها فى قريش و قضاعة و كنانة، و ليس كل بنى كنانة قاتل مع قصى، إنما كانت مع قريش من بنى كنانة قلال يسير، و اعتزلت عنها بكر من عبد مناة قاطبة، فلما اجتمع الناس بفناء الكعبة قام يعمر بن عون فقال: ألا إنى قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمى هاتين، فلا نأخذ لأحد على أحد فى دم، و إنى حكمت لقصى بحجابة الكعبة، و ولاية أمر مكة دون خزاعة كما جعل له خليل، و أن يخلى بينه و بين ذلك، و أن لا تخرج خزاعة من مساكنها بمكة، فسمى يعمر ذلك اليوم: الشّدّاخ، فسلمت خزاعة لقصى، و افترق الناس.

قال السهيلى: «و كان الأصل فى انتقال ولاية البيت من ولاية مضر إلى‏

67

خزاعة أن الحرم حين ضاق عن ولد نزار، و بعث فيه أيادا أخرجتهم بنو مضر ابن نزار و جلوهم عن مكة، تعجدوا فى الليل إلى الركن الأسود، فاقتلعوه، و احتملوه على بعير، فورخ البعير به، و سقط إلى الأرض، و جعلوه على أخر فورخ أيضا، و على الثالث ففعل مثل ذلك، دفنوه و ذهبوا، فلما أصبح أهل مكة، و لم يروه وقعوا فى كرب عظيم، و كانت امرأة من خزاعة، قد بصرت به حين دفن، و أعلمت قومها بذلك، فحينئذ أخذت على خزاعة على ولاة الكعبة البيت أن يتخلوا لهم عن ولايته، و يدلوهم على الحجر، ففعلوا ذلك، فمن هنالك صارت ولاية البيت لخزاعة إلى أن صيرها أبو عيشان إلى عبد مناف» هذا قول الزبير.

فولى قصى بن كلاب حجابة الكعبة، و أمر مكة، و جمع قومه من قريش من منازلهم إلى مكة يستعز بهم و يملك على قومه، و خزاعة مقيمة بمكة على رباعهم، و مساكنهم لم يتحركوا، و لم يخرجوا منها، فلم يزالوا على ذلك حتى الآن.

و كان قصى أول رجل من بنى كنانة أضاف ملكا، و أطاع له به قومه، فكانت إليه الحجابة، و الوفادة، و السقاية، و الندوة، و اللواء، و القيادة، و لما جمع قريش قصى بمكة سمى: مجمعا، فحاز قصى شرف مكة، و ابتنى دار الندوة؛ و فيها كانت قريش تقضى أمورها، و لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصى إلا ابن أربعين سنة للمشورة، و كان يدخلها ولد قصى كلهم أجمعون، و حلفائهم، فلما كبر قصى، و كان عبد الدار أكبر ولده، و أبكره، و كان عبد مناف قد عرف فى زمان أبيه، و ذهب شرفه على كل مذهب، و عبد الدار و عبد العزى و عبد بنو قصى بها لم يبلغوا و لا أحد من قومهم من قريش ما بلغ عبد مناف من الذكر و الشرف و العز، و كان قصى و حبى بنت خليل يحبان عبد الدار و يرقان عليه لما يريان من شرف عبد مناف عليه و هو أصغر منه، فقالت له حبى: لا و اللّه، لا أرضى حتى يخص عبد الدار بشى‏ء يلحقه بأخيه.

فقال قصى: و اللّه لأحلقنه به و لأحبونه بذروة الشرف، حتى لا يدخل أحد من قريش و لا غيرها الكعبة إلا بإذنه، و لا يعصون له أمرا، و لا يعقدون‏

68

لواء إلا عنده، فأجمع قصى على أن يقسم أمور مكة الستة التى فيها الذكر، و الشرف، و السيادة، و العز بين ابنية، فأعطى عبد الدار السّدانة: و هى الحجابة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية، و الوفادة، و القيادة.

أما السّدانة؛ و هى الحجابة: أى خدمة البيت، و تولى أمره، و فتح بابه، و إغلاقه، فيروى: أنها كانت قبل قريش لطسم؛ قبيلة من عاد، فاستخفوا بحقه، و استحلوا حرمته، فأهلكهم اللّه، ثم وليه بعدهم جرهم، فاستخفوا بحقه و استحلوا حرمته، فأهلكهم اللّه، ثم وليته خزاعة، ثم بعد خزاعة ولى قصى بن كلاب حجابة الكعبة و أمر مكة، ثم أعطى ولده عبد الدار السدانة و دار الندوة و اللواء، و أعطى عبد مناف السقاية و الرفادة و القيادة فلما هلك قصى أقيم أمره فى قومه بعد وفاته على ما كان عليه فى حياته، و ولى عبد الدار حجابة البيت، و ولاية دار الندوة و اللواء، فلم يزل عليه حتى هلك، و جعل عبد الدار الحجابة بعده إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، و جعل دار الندوة إلى ابنه عبد مناف بن عبد الدار.

و أما الندوة؛ فلم تزل بنو عبد مناف بن عبد الدار يلون الندوة دون ولد عبد الدار، فكانت قريش إذا أرادت أن تشاور فى أمر فتحها لهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، و بعض ولده و ولد أخيه، و كانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة، ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار يسمى: محيضا، و إنما سميت دار الندوة لاجتماع الندى فيها يندونها أى يجلسون فيها لإبرام أمورهم و تشاورهم.

أما السدانة فلم تزل بنو عثمان بن عبد البدار يلون الحجابة دون ولد عبد الدار، ثم وليها ولده طلحة من بعده، حتى كان فتح مكة، فقبضها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من أيديهم و فتح الكعبة، و دخلها، ثم خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من الكعبة مشتملا على المفتاح، فقال له العباس بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه): بأبى أنت و أمى يا رسول اللّه، اعطنا الحجابة مع السقاية، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (1).

____________

(1) الآية رقم 58 من سورة النساء؛ مدنية.

69

قال عمر بن الخطاب: فما سمعتها من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قبل تلك الساعة، فتلاها ثم دعى عثمان بن طلحة دفع إليه المفتاح، و قال: غيبوه، ثم قال:

خذوها يا بنى طلحة- بأمانة اللّه سبحانه، فاعملوا بالمعروف- خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم، فخرج عثمان بن أبى طلحة إلى هجرته مع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أقام ابن عمه؛ شيبة بن عثمان بن أبى طلحة، فلم يزل يحجب هو و ولده و ولد أخيه؛ وهب بن عثمان حتى قدم ولد عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، و ولده مسافع بن طلحة بن أبى طلحة من المدينة، و كانوا بها دهرا طويلا، فلما قدموا حجبوا بنى عمهم؛ فولد أبى طلحة جميعا يحجبون.

و يروى عن عثمان بن أبى طلحة أنه قال: كنا نفتح الكعبة يوم الاثنين و الخميس، فجاء رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوما يريد أن يدخل مع الناس، فتكلمت بشى‏ء فحلم عنى، ثم قال: يا عثمان، لعلك سترى هذا المفتاح يوما سهما أضعه حيث شئت، فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ و ذلت، فقال: بل عزت، و دخل الكعبة، و وقعت حكمته منى موقعا، ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال، فأردت الإسلام فأخافونى، يزبروننى زبرا شديدا، فلما دخل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مكة عام الفتح غير اللّه قلبى، و دخله الإسلام و لم يقدر لى أن آتيه حتى رجع إلى المدينة، ثم قدر لى الخروج إليه، فأدلجت فلقيت خالد بن الوليد فاصطحبنا فلقينا عمرو بن العاص فاصطحبنا فقدمنا المدينة، فبايعته و أقمت معه حتى خرجت معه فى غزوة الفتح.

فلما دخل مكة قال: يا عثمان ائت بالمفتاح، فأتيته به فأخذه منى، ثم دفعه إلى، فقال: خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم، و فى ذلك أنزل اللّه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها (1).

و فى الصحيح: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «كل مأثرة كانت فى الجاهلية فهى تحت قدمى هاتين إلا سقاية الحاج و سدانة البيت».

____________

(1) سبقت الإشارة إليها.

70

و عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه لما فتح الكعبة أخذ بنى شيبة مفتاح الكعبة حتى أشفقوا أن ينزعه منهم، ثم قال: «يا بنى شيبة هاكم المفتاح، و كلوا بالمعروف» رواه سعيد بن منصور (1).

و قال العلماء: إن هذه ولاية من رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فلا يجوز لأحد أن ينزعها منهم.

قال المحب الطبرى: لا يبعد أن يقال هذا إذا حافظوا على حرمته، و لازموا الأدب فى خدمته، أما إذا لم يحفظوا حرمته، فلا يبعد أن يجعل عليهم و معهم شرف يمنعهم من هتك حرمته.

قال: و ربما تعلق الجاهل المعكوس الفهم بقوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «.. كلوا بالمعروف» فاستباح أخذ الأجرة على دخول البيت، و لا خلاف بين الأمة فى تحريم ذلك، و أنه من أشنع البدع، و أقبح الفواحش.

قال: و هذه اللقطة و إن صحت فيستدل بها على إقامة الحرمة، لأن أخذ الأجرة ليس من المعروف، و إنما الإشارة- و اللّه أعلم- إلى أن ما يتصدق به من البر و الصلة على وجه التبرر فلهم أخذه، و ذلك أكل بالمعروف لا محالة و إلى ما يأخذونه من بيت المال على ما يتولونه من خدمته، و القيام بمصالحه، فلا يحل لهم إلا قدر ما يستحقونه، و اللّه أعلم.

و أما اللواء: فكان فى أيدى بنى عبد الدار كلهم يليه منهم ذو السن و الشرف فى الجاهلية، حتى كان يوم أحد، فقتل عليه من قتل منهم.

و أما الرفادة: فخرج كانت قريش تخرجه من أموالها فى كل موسم، فتدفعه إلى قصى يصنع به طعاما للحاج يأكله من لم يكن معه سعة و لا زاد، و كان قصى ينحر على كل طريق من طرق مكة جزورا، و ينحر بمكة جزرا

____________

(1) سعيد بن منصور بن شعبة الخراسانى، هو صاحب كتاب «السنن و الزهد» روى عن مالك و أبى عوانة و ابن عيينة، و روى عنه أحمد و مسلم و أبو داود و أبو ثور و أبو زرعة. مات بمكة سنة 227 ه. الرسالة المستطرفة: 34، شذرات الذهب: 2/ 62، العبر: 1/ 399، تذكرة الحفاظ: 2/ 416.

71

كثيرة، و يطعم الناس، و كان يحمل راجل الحاج، و يكسو عاريهم، فلما هلك قصى أقيم أمره فى قومه بعد وفاته على ما كان عليه فى حياته، و لم تزل لعبد مناف بن قصى يقوم بها حتى توفى، فولى بعده هاشم بن عبد مناف، فكان يطعم الناس فى كل موسم مما يجتمع عنده من ترافد قريش، كان يشترى بما يجتمع عنده دقيقا، و يأخذ من كل ذبيحة من بدنة أو بقرة أو شاة فخذها فيجمع ذلك كله، يخلط به الدقيق و يطعمه الحاج، فلم يزل على ذلك من أمره حتى أصاب الناس فى سنة جدب شديد، فخرج هاشم ابن عبد مناف إلى الشام، فاشترى بما اجتمع عنده من ماله دقيقا و كعكا فقدم به مكة فى الموسم فهشم ذلك الكعك و نحر الجزور و طبخها و جعله ثريدا، و أطعم الناس، و كانوا فى مجاعة شديدة حتى أشبعهم، فسمى بذلك:

هاشما، و كان اسمه عمرا.

فلم يزل هاشم على ذلك حتى توفى، فكان عبد المطلب يفعل ذلك، فلما توفى عبد المطلب قام بذلك أبو طالب فى كل موسم حتى جاء الإسلام و هو على ذلك، و كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قد أرسل عمال تعمل به الطعام مع أبى بكر (رضى اللّه عنه) حين حج أبو بكر (رضى اللّه عنه) بالناس سنة تسع، ثم عمل فى حجة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم):) فى حجة الوداع، ثم أقامه بو بكر (رضى اللّه عنه) فى خلافته، ثم عمر فى خلافته، ثم الخلفاء و هلم جرا.

قال الأزرقى: «و هو طعام الموسم الذى يطعمه الخلفاء، اليوم فى أيام النحر بمنى حتى تنقضى أيام الموسم، و كان معاوية (رضى اللّه عنه) اشترى دارا بمكة و سماها: دار المراجل، و جعل فيها قدورا، و كانت الجزور و الغنم تذبح و تطبخ فيها و تطعم الحاج أيام الموسم، ثم يفعل ذلك فى شهر رمضان».

و يروى: أن أول من أطعم الحاج الفالوذج بمكة عبد اللّه بن جدعان.

قال أبو عبيدة: وفد عبد اللّه بن جدعان على كسرى، فأكل عنده الفالوذج، فسأل عنه، فقالوا: لباب البريلت مع العسل، فقال: أبيعونى غلاما يصنعه، فأتوه بغلام فابتاعه، فقدم به مكة، فأمره فصنعه للحاج،

72

و وضع الموائد من الأطبخ إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذج فليحضر، فحضر الناس.

و فى «صحيح مسلم»: «عن عائشة (رضى اللّه عنها) أنها قالت لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): إن عبد اللّه بن جدعان كان يطعم الناس و يقرى الضعيف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة، فقال: لا إنه لم يقل يوما: رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين»، و ابن جدعان هو ابن عم عائشة (رضى اللّه عنها).

و فى «غريب الحديث» لابن قتيبة: «إن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد اللّه بن جدعان فى الهاجرة».

قال ابن قتيبة: كانت جفنته يأكل منها الراكب على البعير، و سقط فيها صبى فمات»، ثم احتفر لهم قصى العجول إلى دار أم هانئ بنت أبى طالب بالحزورة، و هى أول سقاية حفرت بمكة، و كانت العرب إذا قدمت مكة يردونها فيستقون منها و يتزاحمون عليها، و كانت قريش قبل حفر زمزم قد احترفت آبارا، و حفر قصى أيضا بئرا عند الردم الأعلى، ثم حفر هاشم بن عبد مناف بئرا، و قال حين حفرها لأجعلنها للناس بلاغا، و حفرها قصى أيضا سحلة، و قيل: بل حفرها هاشم و هى البئر التى يقال لها: بئر جبير بن مطعم، فكانت سحلة لهاشم بن عبد مناف فلم تزل لولده حتى وهبها أسد ابن هاشم لمطعم بن عدى حين حفر عبد المطلب زمزم و استغنوا عنها، و يقال:

وهبها له عبد المطلب حين حفر زمزم، و استغنى عنها و سأله المطعم بن عدى أن يضع حوضا من أدم إلى جنب زمزم السفلى ليسقى فيه ماء بئره فأذن له فى ذلك، فكان يفعل، فلم يزل هاشم بن عبد مناف يسقى الحاج حتى توفى فقام بأمر السقاية من بعده عبد المطلب بن هاشم، فلم يزل كذلك حتى حفر زمزم فأغنت عن آبار مكة، فكان منها مشرب الحاج.

قال: و كانت لعبد المطلب إبل كثيرة إذا كان يوم الموسم جمعها ثم سقى منها بالعسل فى حوض من أدم عند زمزم، و يشترى الزبيب، فينبذه بماء زمزم و يسقيه الحاج ليكسر غلظ ماء زمزم؛ و كانت إذ ذاك غليظة جدا، فلبث عبد

73

المطلب يسقى الناس حتى توفى فقام بأمر السقاية بعده العباس بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه) فلم تزل فى يده، و كان للعباس كرم بالطائف، و كان يحمل زبيبة إليها، و كان يداين أهل الطائف و يقتضى منهم الزبيب، فينبذ ذلك كله و يسقيه الحاج أيام الموسم، فدخل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مكة يوم الفتح، فقبض السقاية من العباس بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه) و الحجابة من عثمان بن أبى طلحة، فقام العباس بن عبد المطلب (رضى اللّه عنه)، و قال: يا رسول اللّه، بأبى أنت و أمى اجمع لى الحجابة و السقاية، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «أعطيكم ما تزرءون فيه و لا تزرءون منه»، فقام بين عضادتى باب الكعبة، فقال: «ألا إن كل دم أو مال أو مأثرة كانت فى الجاهلية، فهى تحت قدمى هاتين إلا سقاية الحاج و سدانة الكعبة، فإنى قد أمضتهما لأهلهما على ما كانت عليه فى الجاهلية»، فقبضها العباس فكانت فى يده حتى توفى، فوليها بعده عبد اللّه بن عباس، فكان يفعل فيها كفعله دون بنى عبد المطلب، و كان محمد ابن الحنفية (رضى اللّه عنه) قد كلم فيها ابن عباس، فقال له ابن عباس: مالك و لها نحن أولى بها فى الجاهلية و الإسلام قد كان أبوك تكلم فيها، فأقمت البينة طلحة بن عبد اللّه و عامر بن ربيعة و أزهر بن عبد الرحمن بن عوف و مخرمة بن نوفل: أن العباس بن عبد المطلب كان يليها فى الجاهلية بعد عبد المطلب، وجدك أبو طالب فى إبله فى باديته بعرنة، و أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أعطاها العباس يوم الفتح دون بنى عبد المطلب، فعف ذلك من حضر، فكانت بيد عبد اللّه بن عباس بتولية النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دون غيره، لا ينازعه فيها منازع، و لا يتكلم فيها متكلم حتى توفى، فكانت فى يد على بن عبد اللّه بن عباس يفعل فيها كفعل أبيه و جده (رضى اللّه عنهم) يأتيه الزبيب من ماله بالطائف و ينبذه حتى توفى فكانت بيد ولده حتى الآن.

قال الأزرقى: «كان لزمزم حوضان مخوض بينها و بين الركن يشرب منه الماء، و حوض من ورائها للوضوء؛ له سرب يذهب فيه الماء».

و أما القيادة: أى قيادة الجيش، من قاد أى: راد، الواحد: قائد.

74

فوليها من بنى عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف، ثم من بعده أمية بن عبد شمس ثم حرب بن أمية؛ فقاد الناس يوم عكاظ و غيره، ثم كان سفيان بن حرب يقود قريشا بعد أبيه حتى كان يوم بدر فقاد الناس عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و كان أبو سفيان فى الحرب فى العير يقود الناس، فلما كان يوم أحد قاد الناس أبو سفيان بن حرب، و قاد الناس يوم الأحزاب؛ و كانت آخر وقعة لقريش و حرب حتى جاء اللّه تعالى بالإسلام و فتح مكة.

*** ما جاء فى عبادة بنى إسماعيل للحجارة و تغيير دين إبراهيم‏

قال ابن إسحاق: إن بنى إسماعيل و جرهم ضاقت عليهم مكة، فتفسخا فى البلاد و التمسوا المعاش، و أول ما كانت عبادة الحجارة فى بنى إسماعيل أنه كان لا يظعن من كل ظاعن منهم إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم تعظيما للحرم و صيانة بمكة و بالكعبة، حيث ما حلوا و صنعوه، و طافوا به كالطواف بالكعبة حتى أفضى ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من حجارة الحرم خاصة، حتى خلفت الخلوف بعد الخلوف و نسوا ما كانوا عليه و استبدلوا بدين إبراهيم و إسماعيل ((عليهما السلام)) غيره فعبدوا الأوثان، و صاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، و استباحوا ما كان يعبد قوم نوح منها، على إرث ما كان قد بقى فيهم من ذكرها، و فيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم و إسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت و الطواف به و الحج و العمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه.

و كان أول من غير دين إسماعيل و إبراهيم و نصب الأوثان و سيب السائبة و بحر البحيرة و وصل الوصيلة و حمى الحام عمرو بن لحى.

قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «رأيت عمر بن لحى يجر قصبة فى النار- أى:

أمعاءه- على رأسه فروة، فقال له رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): من فى النار؟ قال:

من بينى و بينك من الأمم.

***

75

فصل في ذكر الأماكن المباركة بمكة المشرفة و حرمها و قربه التى يستحب زيارتها و الصلاة و الدعاء فيها رجاء بركتها

و هذه الأماكن مساجد و دور و جبال و مقابر، و المساجد أكثر من غيرها لأن بعض المساجد اشتهر باسم المولد، و بعضها باسم الدار، فسنذكر كلا منها على حدة.

أما ما اشتهر باسم المسجد: فمن ذلك مسجد بقرب المجزرة الكبيرة من أعلاها على يمين الهابط إلى مكة، و يسار الصاعد منها.

يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى منه المغرب، على ما هو مكتوب على حجرين بهذا المسجد؛ أحدهما بخط عبد الرحمن بن أبى حرى، و فيه: أنه عمّر فى رجب سنة ثمان و ثمانين و خمسمائة.

و فى الآخر: أنه عمّر فى سنة سبع و أربعين و خمسمائة.

و ذكر الأزرقى فى المواضع التى يستحب فيها الصلاة بمكة: «منها: مسجد بأعلى مكة عند سوق الغنم، عند قرن مقلة، قال: و يزعمون أن عنده بايع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الناس بمكة يوم الفتح». انتهى.

و زعم بعض أهل العصر: أن هذا المسجد الذى ذكره الأزرقى هو الذى ذكرنا، و إنما توهم هذا لأن المسجد الذى ذكرناه عنده الآن سوق الغنم.

و قيل: ليس هذا التوهم صحيحا لأن الجبل الذى عنده هذا المسجد المشرف على المروة، و يسمى: جبل الديلم؛ كما ذكره الأزرقى.

قال الأزرقى فى تعريف قرن مقلة: «قد بقيت منه بقية بأعلى مكة: قال:

و مقلة رجل كان يسكنه فى الجاهلية».

و عن ابن جريج‏ (1) قال: لما كان يوم فتح مكة جلس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على قرن مقلة، فجاءه الناس يبايعونه بأعلى مكة؛ عند سوق الغنم، و من ذلك‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

76

مسجد فوقه بأعلى مكة عند الردم عند بئر جبير بن مطعم، يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه. كما ذكره المحب الطبرى.

قال الأزرقى: «و قد بناه عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس بن محمد بن على بن عبد اللّه بن عباس (رضى اللّه عنهم) و عمّره المعتضد باللّه العباسى فى شعبان سنة أربع و ستين و سبعمائة.

و من ذلك مسجد بسوق الليل، بقرب مولد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقال له:

المختبى، يزوره الناس كثيرا فى صبيحة اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول من كل سنة، و لم أر أحدا تعرض لذكره، و لا يعرف شبيئا من أخباره.

و من ذلك مسجد أسفل مكة ينسب لأبى بكر الصديق، و يقال: إنه من داره التى هاجر منها إلى المدينة، و من ذلك مساجد خارج مكة من أعلاها:

من ذلك مسجد بأعلا مكة يقال: إنه مسجد الجن، قال الأزرقى: «و هو الذى يسميه أهل مكة مسجد الحرس».

و عرفه الأزرقى: بأنه مقابل الحجون بأعلى مكة و أنت مصعد على يمينك، و من ذلك مسجد يقال له: مسجد الشجرة بأعلى مكة مقابل مسجد الجن يقال إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دعى شجرة كانت فى موضعه، و هو فى مسجد الجن يسألها عن شى‏ء، فأققبلت تخط بأصولها و عروقها الأرض حتى وقفت بين يديه، فسألها عما يريد، ثم أمرها فرجعت حتى انتهت إلى موضعها.

و من ذلك المسجد الذى يقال له: مسجد الإجابة: على يسار الذاهب إلى منى فى شعب بقرب ثنية أذاخر، و هو مسجد مشهور عند أهل مكة، يقال:

إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، و هذا المسجد الآن منخرب جدا و جدرانه ساقطة إلا القبلى، و فيه حجر مكتوب فيه: إنه مسجد الإجابة، و إنه عمّر فى سنة عشرين و سبعمائة.

و من ذلك المسجد الذى يقال له: مسجد البيعة، و هى البيعة التى بايع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه الأنصار بحضرة عمه العباس بن عبد المطلب، على ما ذكره أهل السير، و هذا المسجد بقرب العقبة التى هى حد منى من جهة مكة،

77

و هو وراء العقبة بيسير إلى مكة، و فيه حجران مكتوب فى أحدهما: أن المنصور العباسى أمر ببنيان هذا المسجد؛ مسجد البيعة؛ التى كانت أول بيعة بايع بها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و فى الآخر ذكر: أنه مسجد البيعة و أنه بنى فى سنة أربع و أربعين و مائة، و عمّره بعد ذلك المستنصر العباسى فى سنة تسع و عشرين و ستمائة، و هو الآن منخرب جدا.

و من ذلك مسجد بمنى عند الدار المعروفة بدار النحر بين الجمرة الأولى و الوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة، يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه الضحى، و نحر هديه على ما هو موجود فى حجر فيه مكتوب ذلك، و فيه:

أن الملك قطب الدين أبا بكر بن الملك المنصور صاحب اليمن أمر بعمارته فى سنة خمس و أربعين و ستمائة.

و من ذلك المسجد الذى يقال له: مسجد الكبش الذى نسب هذا المسجد إليه هو الكبش الذى فدى به إسماعيل أو إسحاق بن إبراهيم.

و ذكر الفاكهى خبرا عن على يقتضى: أن هذا الكبش نحر بين الجمرتين بمنى.

و من ذلك مسجد بقرب مسجد الخيف من جانبه، يعرف بمسجد المرسلات فيه نزل على النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سورة المرسلات، و فيه غار، و هو مشهور اليوم بمنى خلف مسجد الخيف أسفل الجبل مما يلى اليمن كذلك يأثره الخلف عن السلف، و قد تقدم ذكره فى الكتاب المشهور.

و من ذلك مسجد الجعرانة، أحرم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من هنالك، و تقدم ذكره فى الباب الرابع عشر من المناسك.

و من ذلك مسجد يقال له: مسجد الفتح بقرب الجموم من وادى مر، يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، و عمر هذا المسجد أبو نمى؛ صاحب مكة، على ما ذكر، ثم السيد حناش بن راجح و بيّضه فى عصرنا و رفع أبوابه السيد الشريف حسن بن عجلان؛ صاحب مكة.

78

و ذكر الأزرقى فى «تاريخه» مساجد أخر غير معروفة الآن فاختصرناها.

و أما المواضع المباركة بمكة المعروفة بالمواليد: فاعلم أن هذه المواضع مساجد لكنها مشهورة عند الناس باسم المواليد فأفردت عن المساجد بالذكر لهذا المعنى: منها: الموضع الذى يقال له: مولد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو عند أهل مكة مشهور فى الموضع المعروف بسوق الليل.

قال الأزرقى: «البيت الذى ولده فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هو فى دار محمد بن يوسف».

قال السهيلى: ولد بالشعب، و قيل: بالدار التى عند الصفا، و كانت بعد لمحمد بن يوسف أخ الحجاج ثم بنتها زبيدة مسجدا حين حجت».

انتهى، و هذا غريب، و أغرب من هذا ما قيل: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ولد بالردم و قيل: بعسفان.

ذكر هذين القولين مغلطاى فى «سيرته».

و المراد بالردم: دور بنى جمج، على ما ذكر الندى، و ليس المراد منه الردم الذى بأعلى مكة، لأن ذلك لم يكن إلا فى خلافة عمر (رضى اللّه عنه)، و المعروف من موضع مولده ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ما سبق، و ممن عمّر هذا البيت الذى ذكرناه:

أولا: الناصر العباسى سنة ست و سبعين و خمسمائة، ثم المظفر صاحب أربل سنة ست و ستين و ستمائة، ثم حفيدة الملك المجاهد.

و منها: الموضع الذى يقال له: مولد على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) و هذا الموضع مشهور عند الناس، بقرب مولد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بأعلى الشعب الذى فيه المولد، و قد ذكره الأزرقى و ذكره ابن جبير، و على بابه حجر مكتوب فيه: هذا مولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب.

و فى الحجر مكتوب: أن الناصر العباسى أمر بعمله فى سنة ثمان و ستمائة.

و قيل: ولد على بن أبى طالب فى جوف الكعبة.

79

و هذا ضعيف عند العلماء، كما قاله النووى فى «تهذيب الأسماء»، و المعروف ما قدمناه، و فى هذا البيت موضع مثل التنور، يقال له: «إنه مسقط رأس علىّ بن أبى طالب.

قال سعد الدين بن الإسفرائينى فى كتاب: «زبدة الأعمال»: «و فى جداره فى الزاوية حجر مركب يقال: يقولون: كان هذا الحجر يكلم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

و منها: الموضع الذى يقال له موضع حمزة بن عبد المطلب؛ عم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو بأسفل مكة بقرب باب الماجن عند عين بازان.

و منها: الموضع الذي يقال له: مولد عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) فى الجبل الذى تسميه أهل مكة النوبى بأسفل مكة.

و منها: الموضع الذى يقال له: مولد جعفر بن أبى طالب فى الدار المعروفة بدار أبى سعيد، عند دار العجلة، و على بابه حجر مكتوب فيه:

هذا مولد جعفر الصادق، و دخله النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و فيه: أن بعض المجاورين عمره فى صفر سنة ثلاث و عشرين و ستمائة.

و أما الجبال المباركة بمكة و حرمها:

فمنها: الجبل المعروف بأبى قبيس، و هو الجبل المشرف على الصفا، و هو أحد أخشبى مكة، و الآخر الأحمر، و إنما سمى: أبا قبيس لثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه سمى برجل من أياد، يقال له: أبو قبيس، بنى فيه، فلما صعد البناء سمى: جبل أبى قبيس، كذا ذكر الأزرقى، و قيل: إن هذا الجبل مذحج، ذكره ابن الجوزى.

و الثانى: أن الحجر الأسود استودع فيه عام الطوفان، فلما بنى الخليل الكعبة نادى أبو قبيس الركن بمكان كذا و كذا؛ كما قدمناه.

و الثالث: أن قبيس بن صالح رجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن مضاض و بين ابنة عمه، فمرة فحلفت أن لا تكلمه، و كان شديد الكلام، فحلف ليقتلن قيسا فهرب منه فى الجبل المعروف به، و انقطع خبره، و هو زمن طويل، ذكره ابن هشام فى غير السيرة.

80

و فى أبى قبيس على ما قيل قبر شيث بن آدم و أمه حواء، كذا ذكر الذهبى فى جزء ألفه فى تاريخ مدة آدم و بنيه، لأنه قال: «و دفن شيث مع أبويه فى غار أبى قبيس»، و تقدم فى باب الفضائل و غيره حديث الكتاب الموجود فى الركن، و فيه: أن مكة لا تزول حتى يزول أخشباها.

و تقدم فى أول الباب: أن إبراهيم ((عليه السلام)) أذن فى الناس بالحج على أبى قبيس؛ على أحد الأقوال.

و قال ابن النقاش فى «فهم المناسك»: من صعد فى كل جمعة إلى أبى قبيس رأى الحرم مثل الطير صغير، و إن صعد إلى ثور أو حراء أو ثبير كان مثبت لنظره و مشاهدته، و خصوصا ليالى رجب و شعبان و رمضان و ليالى الأعياد.

و جبال مكة تسمى: جبال فاران، كذا وجد فى الفصل العشرين من السفر الخامس، عن موسى ((عليه السلام)): أن الرب جاء من طور سيناء، و أشرق من ساعين، و استعلى من جبال فاران، فمجئ اللّه من طور سيناء هو إنزاله التوراة على موسى، و إشراقه من ساعين إنزاله الإنجيل على عيسى؛ لأنه كان يسكن فى ساعين أرض الخليل فى قرية ناصرة، و استعلائه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و فاران هى جبال مكة فى قول الجميع، قال علماء التاريخ: ما عرف فى الأرض من الجبال مائة و ثمانية و تسعون جبلا، من أعجبها سرنديب و هو أقرب ذرى الأرض للسماء، و قيل: صخرة بيت المقدس أقرب ذرى الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.

حكاه القرطبى.

و طول جبل سرنديب مائتان و نيف و ستون ميلا، و فيه أثر قدم آدم و عليه شبه البرق لا يذهب شتاء و لا صيفا، و حوله الياقوت، و فى واديه الماس، و فيه العود و الفلفل و دابة المسك، و هرّ الزياد، و وادى سرنديب متصل إلى قرب ميلان، و جبل الردم الذى فيه القبر طوله سبعمائة فرسخ، و ينتهى إلى البحر المظلم.

81

و عن أنس (رضى اللّه عنه): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «لما تجلى اللّه لجبل طور سيناء تشظى منه شظايا، فنزلت بمكة ثلاثة حراء و ثبير و ثور، و بالمدينة أحد و عير و ورقان».

و عنه أيضا قال: أوقع اللّه ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد و ورقان و رضوى، و وقعت ثلاثة بمكة: ثور و ثبير و حراء.

و قيل: نزلت بمكة ثلاثة ثبير و ثور و قديد. انتهى.

قال المرجانى: و لم يكن بمكة جبل يقال له: قديد، إنما قديد بينها و بينه مقدار أربعة أيام أو خمسة.

و الطور اسم الجبل الذى كلم اللّه عليه موسى، و هو أحد جبال الجنة.

و عن عمرو بن عوف قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «أربعة جبال من جبال الجنة (1)، و أربعة أنهار من أنهار الجنة، و أربعة ملاحم من ملاحم الجنة قيل: فما الأصيل؟ قال: أحد جبل يحبنا و نحبه، و الطور من جبال الجنة، و لبنان من جبال الجنة، و خصيب من جبال الجنة؛ و هو بالروحاء. و الأنهار:

النيل و الفرات و سيحان و جيحان، و الملاحم: بدر و أحد و الخندق و خيبر».

و منها: جبل حراء بأعلى مكة، و هو ممدود، و منهم من يذهب فيه إلى التذكير، فيصرّفه.

و منهم من يذهب فيه إلى التأنيث، فيمنعه الصّرف.

و هذا الجبل من مكة على ثلاثة أميال، كما ذكره صاحب «المطالع» و غيره، و هو مقابل لثبير و الوادى؛ بينهما، و هما على يسار السالك إلى منى و حراء قبلى ثبير مما يلى شمال الشمس.

و أما ثور (2) فمن جهة الجنوب؛ من على يمين الشمس، و يسمى هذا الجبل بعضهم: جبل النور، و لعمرى إنه كذلك لكثرة مجاورة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و تعهده فيه، ما خصه اللّه فيه من الكرامة بالرسالة إليه، و نزول الوحى فيه‏

____________

(1) غير موجودة فى (أ).

(2) فى (ب): نور.

82

عليه، و ذلك فى غار فى أعلاه مشهور يأثره الخلف عن السلف (رحمهم اللّه)، و يقصدونه بالزيارة.

و أما ذكره الأزرقى‏ (1) فى «تاريخه» فى ذكر الجبال من: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أتى هذا الجبل، و اختبأ فيه من أهل مكة من المشركين فى غار فى رأسه مشرف مما يلى القبلة.

فقال بعض من عاصرناه: إن هذا ليس بمعروف، و المعروف أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم يختبئ من المشركين إلا فى غار ثور، بأسفل مكة». انتهى.

و يؤيد ما ذكره الأزرقى ما قاله القاضى عياض، ثم السهيلى‏ (2) فى «الروض الأنف»: «أن قريشا حين طلبوا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان على ثبير، فقال له ثبير و هو على ظهره: عنّى يا رسول اللّه، فإنى أخاف أن تقتل على ظهرى، فيعذبنى اللّه، فناداه حراء: إلىّ يا رسول اللّه، فيحتمل أن يكون النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) اختبى فيه من المشركين فى واقعة، ثم اختفى فى ثور فى واقعة أخرى؛ و هى خبر الهجرة».

____________

(1) الأزرقى: هو محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن الوليد بن عقبة بن الأزرق المزيقى؛ أبو الوليد الأزرقى، المكى المتوفى سنة 244 ه. صنف من الكتب: «تاريخ مكة» و هو كتاب كبير يتحدث فيه عن أخبارها، و جبالها و سهولها و أوديتها. و كتاب الأزرقى يعد المصدر الأول فى التاريخ المكى، و هو النبع الذى استقى منه المؤلفون فيما بعد. و قد قمنا بتحقيقه بالاشتراك مع الباحث: هشام عبد العزيز عطا، و الباحث: أشرف أحمد الجمال، و الباحث: نادى رجب، و أشرف عليه الأستاذ: سعيد عبد الفتاح. انظر مقدمة كتاب «تاريخ مكة» للأزرقى، و هدية العارفين: 6/ 11.

(2) السهيلى: هو عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أحمد بن أصبغ بن حسن بن حسين بن سعدون الخثعمى الأندلسى المالقى؛ أبو القاسم و أبو زيد، صاحب «الروض الأنف»، و «التعريفات فى مبهمات القرآن» و غير ذلك. ولد سنة 508 ه. سمع من ابن العربى و طائفة، و أخذ النحو و الأدب عن ابن الطراوة، و القراءات عن أبى داود الصغير سليمان بن يحيى. كان جامعا بين علوم كثيرة التاريخ و الحديث و التفسير و أصول الفقه و علم الرجال و الأنساب. مات السهيلى سنة 581 ه. طبقات الحفاظ: 478، 479، البداية و النهاية:

12/ 319، طبقات المفسرين: 1/ 266، أنباه الرواة: 2/ 162، وفيات الأعيان:

1/ 280.

83

فقال السهيلى فى حديث الهجرة: «و أحسب فى الحديث أن ثورا ناداه أيضا لما قال له ثبير: اهبط عنى».

و هذا الجبل مشهور بالخير و البركة لحديث بدء الوحى الثابت فى الصحيحين و أورد ابن أبى حمزة سؤالا، و هو أنه لم اختص ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بغار حراء؟ فكان يخلو فيه و يتحدث دون غيره من المواضع، و لم يبدله فى طول تحنثه، و أجاب عن ذلك: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره من قبل أن لا يكون فيه منزويا مجموعا لتحنثه، و هو مبصر بيت ربه، و النظر إلى البيت عبادة، فكان له اجتماع ثلاث عبادات، و هى: الخلوة و التحنث و النظر إلى البيت.

و جميع هذه الثلاث أولى من الاقتصار على بعضها دون بعض، و غيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى فجمع له ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى المبادئ كل حسن بادئ» انتهى.

و عن ابن أبى مليكة (1) قال: «جاءت خديجة إلى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بحيس، و هو بحراء، فجاءه جبريل، فقال: يا محمد، هذه خديجة قد جاءتك تحمل حيسا معها، و اللّه يأمرك أن: تقرئها السلام، و تبشرها ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه و لا نصب، فلما أن رقت خديجة قال لها النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): يا خديجة، إن جبريل جاءنى، و اللّه يقرئك السلام، و يبشرك ببيت فى الجنة من قصب، لا صخب فيه و لا نصب، فقالت خديجة: للّه السلام، و من اللّه السلام، و على جبريل السلام» رواه الأزرقى.

و ذكر المرجانى فى «بهجة النفوس» عجيبة قال: «خرجت فى بعض الأيام إلى زيارة حراء و كان يوم السبت الثامن من جمادى الأولى سنة ثلاث و خمسين و سبعمائة؛ و كان يوم غيم، فلما كان بعد الظهر سمعت لبعض تلك الأحجار، فسمعت أصواتا عجيبة، فرفعت حجرين منهما فى كل كف‏

____________

(1) ابن أبى مليكة: هو عبد اللّه بن عبيد اللّه بن أبى مليكة، و أبو مليكة يسمى: زهير ابن عبد اللّه بن جدعان القرشى التيمى، و يكنى: أبا بكر، و يقال: أبو محمد المالكى.

كان قاضيا لعبد اللّه بن الزبير، و مؤذنا له. مات سنة 117 ه. طبقات الحفاظ: 41، المعارف: 475، شذرات الذهب: 1/ 153، العبر: 1/ 14، النجوم الزاهرة: 1/ 276.

84

حجر، فكنت أجد رعدة الحجر فى يدى، و هو يصيح، ثم إنى رفعت يدى فصاحت كل واحد أيضا، و كان محل الصياح قامة من الأرض، فما كان على سمتها صاح، و ما كان أرفع من ذلك، أو أخفض، لم يتكلم، فعلمت أن ذلك يصيح، فدعوت اللّه تعالى بما تيسّر، فلما طلعت الشمس سكت، فقمت فى الناس، فوجدت ظلّ كل شى‏ء مثله، و مثل ربعه، فقدرته بعد ذلك بالاسطرلاب، فكانت تلك هى الساعة العاشرة، و كان صوت الحجر بمسمح من مدى مائة خطوة».

قال: «فذكرت ما رأيته لوالدى ((رحمه الله))، فقال شبه ذلك، و ذلك أنّا كنا جماعة بائتين به، و كانت ليلة غيم، فقمت فى أثناء الليل، و إذا أنا هبريق للفقراء، و شبه النار، خارج منه، قد أضاء المكان من ذلك، فقال:

فأيقظت الجماعة، و كنت أفتح كفى، فيبقى على رأس كل إصبع شعلة نار، مثل الشمع، قال: فوضعت عمامتى على عكاز، و رفعته، فأشعل كالشعل فذكرنا ذلك لبعض الصالحين، فقال: مرّت بكم سحابة السكون».

قال المرجانى: «و الصفتان واحدة، إلا أنى رأيت ذلك نهارا، فكان صوتا، و هم رأوه ليلا، فكان نورا»، قال: «ثم إنى صعدت الجبل أيضا يوم السبت؛ الثامن عشر من شوال؛ سنة أربع و خمسين و سبعمائة، و كان معى جماعة منهم، فاتفق لى مثل ذلك، و رآه الجماعة».

قال المرجانى: «و حدثنى والدى، عن بعض من أدركه من كبراء وقته أنه كان يصعد معه إلى حراء فى كل عام مرة، فيلتقط ذلك الشخص من بعض أحجاره. قال: فسألته عن ذلك، فقال: أخرج منها نفقتى فى العام ذهبا إبريزا». انتهى كلام المرجانى، و له شعر أنشده فى فضائل حراء، و ما اختص به من الكرامات، و هو:

تأمل حراء فى جمال محياه‏* * * فكم من أناس فى حلا حسنه تاهوا

فمما حوى من جاء لعلياه زائرا* * * يفرج عنه الهم فى حال مرقاه‏

به خلوة الهادى الشفيع محمد* * * و فيه له غاربه كان يرقاه‏

85

و قبلته المقدس كانت بغار* * * و فيه أتاه الوحى فى حال مبداه‏

و فيه تجلى الروح بالموقف الذى‏* * * به اللّه فى وقت البداءة سواه‏

و تحت تخوم الأرض فى السبع أصله‏* * * و من بعد هذا اهتر بالشغل أعلاه‏

و ما تجلى اللّه قدس ذكره‏* * * لطور تشطى هو إحدى شظاياه‏

و منها ثبير ثم ثور بمكة* * * كذا قد أتى فى نقل تاريخ مبداه‏

و فى طيبة أيضا ثلاثا نعدها* * * فعيرا و ورقانا و أحدا رويناه‏

و يقبل فيه ساعة الظهر من دعا* * * به و ينادى من دعانا أجبناه‏

و فى أحد الأقوال فى عقبت حراء* * * أتى ثم قابيل لهابيل غشّاه‏

و مما حوى سر حوته صخوره‏* * * من البئر كثيرا يقام سمعناه‏

سمعت به تسبيحها غير مرة* * * و أسمعته جمعا فقالوا سمعناه‏

به مركز النور الإلهى‏* * * فللّه ما أحلا مقاما بأعلاه‏

قيل: كان ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يصلى فيه إلى القدس.

و قيل: إنما كان يصلى ذلك الوقت إلى الكعبة، ثم انتقل إلى بيت المقدس ثم بعد ذلك تحول إلى الكعبة، قالوا: و فى حراء رأى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جبريل فى الخلقة الأولى؛ له ستمائة جناح، قد سد الأفق.

و منها: جبل ثور بأسفل مكة، و سماه البكرى: أبا ثور، و المعروف فيه ثور، كما ذكره الأزرقى و المحب الطبرى‏ (1).

____________

(1) المحب الطبرى: هو أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن محمد بن أبى بكر المكى الشافعى، الإمام المحدث فقيه المحرم، و شيخ الشافعية و محدث الحجاز، سمع من ابن المقير و ابن الجمبزى و شعيب الزعفرانى، و مصنف «الأحكام الكبرى»، كان إماما زاهدا صالحا كبير الشأن. ولد سنة 615 ه، و توفى سنة 694 ه. شذرات الذهب: 5/ 425، طبقات الشافعية الكبرى: 8/ 18، العبر: 5/ 382، مرآة الجنان: 4/ 224، البداية و النهاية:

13/ 340، طبقات الحفاظ: 511، النجوم الزاهرة: 8/ 74.

86

و هو من مكة على ثلاثة أميال، كما ذكره ابن الحاج و ابن جبير (1)، و قال البكرى‏ (2): إنه على ميلين من مكة، و إن ارتفاعه نحو ميل.

قال المرجانى: «و سمى الجبل ثورا، و إنما اسمه المحل، سمى بثور بن مناة بن طابخة، لأنه كان ينزله، و صح أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أبا بكر الصديق اختليا فيه؛ فى غار به، و هو مشهور بأثره الخلف عن السلف، و هو الذى ذكره اللّه سبحانه و تعالى فى القرآن، فى قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ (3).

و فى حديث الهجرة: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبا بكر لحقا بغار فى جبل ثور، بأسفل مكة، فدخلاه، و أمر أبو بكر (رضى اللّه عنه) ابنه؛ عبد اللّه: أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، و أمر عامر بن فهيرة؛ مولاه: أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمس فى الغار، و كانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام، بما يصلبهما، فأقام رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى الغار ثلاثا، و معه أبو بكر، و جعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، و كان عبد اللّه ابن أبى بكر يكون فى قريش، و معهم، يتسمع ما يقولون فى شأن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى، و يخبرهما الخبر، و كان عامر ابن فهيرة؛ مولى أبى بكر يرعى فى رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما

____________

(1) ابن جبير: هو محمد بن أحمد بن جبير بن محمد بن جبير الكنانى، البلنسى، ثم الشاطبى؛ أبو الحسن، ناثر ناظم أديب. ولد ببلنسية، و قيل: فى شاطبة سنة 540 ه، و دخل بعدان و دمشق و رجل إلى الشرق و عاد إلى المغرب، و توفى بالإسكندرية سنة 614 ه.

من كتبه: «رحلة ابن جبير»، «نظم الجمان»، «ديوان شعر». كشف الظنون:

1/ 836، معجم المؤلفين: 8/ 246، إيضاح المكنون: 3/ 623.

(2) البكرى: هو عبد اللّه بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب بن عمرو البكرى؛ أبو عبيد لغوى مؤرخ جغرافى، ولد بقرطبة سنة 432 ه، و توفى بها سنة 487 ه. له من الكتب «معجم ما استعجم»، «المسالك و الممالك»، «شفاء عليل العربية». معجم المؤلفين:

6/ 75، كشف الظنون: 1/ 167، 2/ 1050، 1664، هدية العارفين: 5/ 453، إيضاح المكنون: 3/ 540، 4/ 396.

(3) الآية رقم 40 من سورة التوبة، مدنية.

87

غنم أبى بكر، فأحلبا و ذبحا، فإذا غدا عبد اللّه بن أبى بكر من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة (1) أثره بالغنم، حتى يعمى عليهم، حتى إذا مضت الثلاث، و سكن عنهم الناس أتاهما صاحبهما؛ الذى استأجراه بعيرهما، و أتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتها، و ارتحلا» الحديث بطوله.

و فى رواية: «لما دخلا غار ثور أمر اللّه العنكبوت، فنسجت على بابه، و الراة فنبتت، و حمامتين وحشيتين، فغشيتا على بابه، فأقاما فى الغار بضعة عشر يوما، ثم خرج منه ليلة الاثنين؛ لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول على ناقته الجذعاء. قالت أسماء: فمكثنا ثلاثا لا ندرى أين وجه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى أنشد رجل من الجن، من أسفل مكة أبياتا من الشعر، و إن الناس يسمعونه؛ يسمعون صوته، و ما يرونه حتى خرج من أعلى مكة».

و يروى: «أن أبا بكر لما خرج مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) متوجها إلى الغار، جعل يمشى طورا أمامه، و طورا خلفه، و طورا عن يمينه، و طورا عن شماله قال: ما هذا يا أبا بكر؟ قال: يا رسول اللّه، بأبى أنت و أمى، أذكر الرصد، فأحب أن أكون أمامك، و أتخوف الطلب، فأحب أن أكون خلفك و أحفظ الطريق يمينا و شمالا، فقال: لا بأس عليك يا أبا بكر، إن اللّه معنا، قال: و كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) غير محصّر القدم، يطأ بجميع قدمه الأرض و كان حافيا، فخفى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فحمل رسول اللّه أبو بكر على كاهله، حتى انتهى إلى الغار، فلما وضعه ذهب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليدخل، فقال أبو بكر: و الذى بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخل، فأسبره قبلك، فدخل أبو بكر (رضى اللّه عنه) فجعل يلتمس بيده فى ظلمة الليل الغار مخافة أن يكون فيه شى‏ء يؤذى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فلما لم ير شيئا دخل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فكانا فيه، فلما استقر بغض الأسفار رأى أبو بكر

____________

(1) عامر بن فهيرة: كان من موالى أبى بكر الصديق، كان للطفيل بن الحارث؛ أخى عائشة (رضى اللّه عنهما) لأمها، و كان قد أسلم، فاشتراه أبو بكر فأعتقه و كان ممن يعذب فى اللّه، و كان عامر مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين هاجر إلى المدينة يمنعه. شهد بدرا و بئر معونة، و استشهد يومئذ. المعارف: 176، 177.

88

خرقا فى الغار، فألقمه قدمه حتى الصباح مخافة أن يخرج منه هامة، أو ما يؤذى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

و عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «كان أبو بكر (رضى اللّه عنه) مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى الغار، فعطش أبو بكر عطشا شديدا، فشكى إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ذلك، فقال له رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): اذهب إلى صدر الغار، فاشرب، قال أبو بكر: فانطلقت لصدر الغار، فشربت ماء أحلى من العسل، و أبيض من اللبن، و أزكى رائحة من المسك، ثم عدت إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال: شربت؟ فقلت: شربت يا رسول اللّه، فقال:

ألا أبشرك؟ فقلت: بلى، فداك أبى و أمى يا رسول اللّه، قال ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): إن اللّه أمر الملك الموكل بأنهار الجنان: أن أخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر. قال أبو بكر (رضى اللّه عنه): ولى عند اللّه هذه المنزلة؟! قال ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): نعم، و أفضل. و الذى بعثنى بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك، و لو كان له عمل سبعين نبيا».

و فى «الصحيحين»، و «الترمذى»: «عن أبى بكر (رضى اللّه عنه)، قال: نظرت إلى أقدام المشركين، و نحن فى الغار، و هم على رؤوسنا، فقلت: يا رسول اللّه، لو أن أحدهم نظر إلى قدمه أبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟».

و عن طلحة البصرى قال: «قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «لبثت مع صاحبى- يعنى أبا بكر (رضى اللّه عنه)- فى الغار بضعة عشر يوما، و ما لنا طعام إلا ثمر البرير». قال أبو داود: البرير: الأراك.

و قد ثبت فى «صحيح البخارى»: «أنهما مكثا فى الغار ثلاثا».

و هذا يقول هو الراجح، لإجماع أهل التاريخ عليه، و يحتمل أن يكون كلا القولين صحيحا، و وجه الجمع: أنهما مكثا فى الغار ثلاثا، و يكون معنى الحديث: مكثت مع صاحبى مختفيين من المشركين فى الطريق و الغار بضعة عشر يوما.

89

و يروى: أن اللّه تعالى أمر شجرة ليلة الغار، فنبتت فى وجه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فسترته، و أمر اللّه تعالى حمامتين وحشيتين، فوقفتا بفم الغار، و أقبل فتيان قريش من كل بطن رجل، بعصيهم و بهراوتهم و سيوفهم، حتى إذا كانوا من النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بقدر أربعين ذراعا، تعجل رجل منهم لينظر فى الغار، فرأى الحمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: لم تنظر فى الغار؟

فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنه ليس فيه أحد، فسمع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ما قال، فعلم أن اللّه تعالى قد درأ عنه بهما، فدعى لهما، و سمت عليهما، و فرص أجزائهما، و انحدرا فى الحرم. رواه أبو مصعب المكى.

و عن ابن عباس، قال: استأجر المشركون رجلا يقال له: كرز بن علقمة الخزاعى، فقفا لهم الأثر، حتى أتى بهم إلى ثور، و هو بأسفل مكة، فقال: انتهى إلى هاهنا أثره، فما أدرى أخذ يمينا أم شمالا، أم صعد الجبل فلما انتهوا إلى فم الغار، قال قائل منهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: ما أربكم إلى الغار، إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ثم جاء، فبال فى صدر الغار، حتى سال بوله بين يدى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبى بكر، فنهى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عن قتل العنكبوت، و قال: «إنها لخيل من جنود اللّه تعالى»، رواه عبد الملك بن محمد النيسابورى‏ (1) فى كتاب «شرف المصطفى».

و عن إبراهيم التيمى، قال: لما دخل النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الغار، دعى شجرة؛ كانت على باب الغار، فقال لها: ائتنى، فأقبلت حتى وقفت على باب الغار، قال: و كان الذى بال مستقبل الغار عطية بن أبى معيط.

و فى كتاب «الدلائل» للسيرقسطى: «لما دخل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الغار، أنبت اللّه تعالى على بابه الراة و هى شجرة معروفة.

____________

(1) عبد الملك بن محمد النيسابورى: الحافظ أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابورى الخركوشى، المتوفى سنة 406 بنيسابور، له كتاب «شرف المصطفى». قال صاحب كشف الظنون: و لعله كتاب «شرف النبوة» و هو للمؤلف أيضا. كشف الظنون: 2/ 1045.

90

قال أبو حنيفة (1): هى من أغلاف الشجر، و تكون مثل قامة الإنسان، و لها زهر أبيض يحتسى؛ منه النجاة. و قيل: هى شجرة أم غيلان.

و فى «مسند البزار» (2): «أن اللّه تعالى أرسل حمامتين وحشيتين، فوقعتا على وجه الغار، و أن نسل حمام الحرم من نسل تلك الحمامتين»، ذكره السهيلى، و فى حديث الهجرة.

و قوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما» فوائد؛ منها:

بيان فضل أبى بكر الصديق، حيث قرنه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بنفسه، و قال: «ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما». معناه: ثالثهما بالحفظ و العصمة و النصر و المعونة و التسديد، و هو داخل فى قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ‏ (3).

و قيل: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (4).

و منها: عظم قدر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ارتفاع شأنه، و تعالى رتبته، و مكانه عن التأثر بنوائب الدنيا؛ و التغير بمصائبها و متاعبها، حيث اهتم أبو بكر بوصولهم إلى باب الغار متبعين لأثرهما، و خاف من اطلاعهم عليهما، و لم‏

____________

(1) أبو حنيفة: هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت التيمى الكوفى. ولد سنة 80 ه، و كان فقيه أهل العراق، و إمام أصحاب الرأى، و قيل: إنه من أبناء فارس. روى عن حماد بن أبى سليمان و عطاء و عاصم بن أبى النجود، و روى عنه ابنه حماد و وكيع و عبد الرزاق و أبو يوسف القاضى و محمد بن الحسن و زفر. أكره على القضاء فأبى أن يكون قاضيا، و سئل يزيد ابن هارون: أيما أفقه، أبو حنيفة أو سفيان؟ فقال: سفيان أحفظ للحديث و أبو حنيفة أفقه و قال الشافعي: الناس فى الفقه عيال على أبى حنيفة. توفى أبو حنيفة سنة 150 ه، و قيل: 151 ه، و قيل: 153 ه. ميزان الاعتدال: 4/ 265، وفيات الأعيان: 2/ 163، طبقات الحفاظ: 73، النجوم الزاهرة: 2/ 12، البداية و النهاية: 10/ 107، المعارف:

495.

(2) «مسند البزار»: هو أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار الحافظ المتوفى بالرملة سنة 292 ه. كشف الظنون: 2/ 1682.

(3) الآية رقم 128 من سورة النحل؛ مدنية.

(4) الآية رقم 40 من سورة التوبة؛ مدنية.

91

يهتم، و لم يبال بأمرهم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ثبت جأش أبى بكر، و أزال روعه، و طمئن نفسه على أن المفسرين ذكروا: أن كثرة خوف أبى بكر (رضى اللّه عنه)، إنما كانت لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لا لنفسه.

و يروى: أنه قال لما خاف الطلب: يا رسول اللّه، إن قتلت، فأنا رجل واحد، و إن أصبت هلكت الأمة، و فيه بيان عظيم توكل النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى فى هذا المقام.

قال النووى‏ (1): «و فيه فضيلة لأبى بكر، و هى أجل مناقبه من أوجه:

أحدها: هذا اللفظ المعطى تكريمه و تعظيمه.

و ثانيهما: بذل نفسه، و مفارقته أهله و ماله و رياسته فى طاعة اللّه و رسوله، و ملازمته النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و معاداة الناس فيه.

و ثالثهما: جعل نفسه وقاية عنه». انتهى كلامه.

قيل: و رابعها: تخصيص اللّه تعالى إياه فى أمر نبيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) باستصحابه دون غيره من سائر الناس.

و من فوائد الحديث: بيان كراهة المكث بين الكفار و الفجار و الفساق الذين لا يتدينون بالحق، و لا يمينهم يمكن حملهم عليه.

و منها: جواز التحصن بالقلاع عند الخوف من العدو.

و منها: أن تعهد الأسباب فى الحاجات لا يقدح فى التوكل و الاعتماد على اللّه تعالى.

____________

(1) النووى: هو محيى الديني أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرى الحزامى الحورانى الشافعى، كان إماما حافظا متقنا، أتقنه علوما شتى، و كان زاهدا ورعا و لم يتزوج. سمع من الرضى بن البرهان و النعمان بن أبى اليسر، ولد سنة 631 ه، و قدم الشام سنة 649 ه.

ولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بعد أبى شامة، فلم يتناول منها درهما. و من تصانيفه:

«شرح مسلم»، «رياض الصالحين»، «الأذكار»، «شرح المهذب»، «تهذيب الأسماء و اللغات»، «الإرشاد»، و «التقريب» كلاهما فى الحديث، «مختصر أسد الغابة».

مات سنة 676 ه. طبقات الشافعية: 8/ 395، طبقات الحفاظ: 510، البداية و النهاية:

13/ 278، تذكرة الحفاظ: 4/ 1470، مفتاح السعادة: 2/ 146، الأعلام: 8/ 149.

92

و منها: أنه يجوز الأخذ بالحزم، و إظهار ظن السوء المتوقع من العدو، و ليس ذلك من الظن المنهى عنه، لأن أبا بكر (رضى اللّه عنه) قال:

«لأبصرنا تحت قدميه ..». و لم ينكر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و منها: أنه يجوز المسافرة بالرفيق الواحد عند الحاجة بلا كراهة، و إن ورد: «خير الرفقاء أربعة»، فإنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم يستصحب سوى أبا بكر.

و منها: أنه لا يجوز لأحد الرفيقين أن يظهر لصاحبه خوفه مما يخاف منه، ليخفف عن نفسه ببث الشكوى، و ليكون صاحبه واقفا على الحال، مستعدا لما عساه أن يعرض.

و منها: أنه تبقى للمشكو إليه أن يسكن جأش الشاكى، و يعده الجميل من اللّه تعالى، و يحثه على حسن الظن به.

و منها: استعمال الأدب فى المخاطبات، بذكر الإنسان بكنيته و نحو ذلك، مما يتضمن الإكرام، لقوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): يا أبا بكر.

و منها: جواز التكنية بأبى فلان، و إن لم يكن للمكنى ابن مسمى بذلك، إذ لم يكن لأبى بكر ابن يسمى: بكرا.

و عن غالب بن عبد اللّه، عن أبيه، عن جده، أنه قال: شهدت مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، قال لحسان بن ثابت‏ (1): «قلت فى أبى بكر شيئا، قل حتى أسمع»، قال: قلت:

و ثانى اثنين فى الغار المنيف و قد* * * طاق العدو به إذ صاعد الجبلا

و كان حب رسول اللّه قد علموا* * * من الخلائق لم يعدل به بدلا

فتبسم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

____________

(1) حسان بن ثابت بن المنذر (رضى اللّه عنه) من الأنصار، و يكنى: أبا الوليد، و هو متقدم فى الإسلام؛ عاش فى الجاهلية ستين سنة و فى الإسيلام ستين سنة، و لم يشهد مع الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مشهدا، لأنه كان جبانا، و كان شاعرا مجيدا، و كان ابنه عبد الرحمن شاعرا كبيرا أيضا. المعارف: 312، 313.

93

و فى الحديث بيان فضل جبل ثور بما خصه اللّه بهذه المزية الكريمة، و المنقبة العظيمة من بين سائر الأطواد و الأعلام، حيث جعله متحصّن‏ (1) خير الأنام، و قلعة رسول اللّه و حبيبه (عليه أفضل الصلاة و السلام)، و فيه بيان فضلة هذا الغار الشريف على سائر المغائر، حيث كان صدفا لأشرف الجواهر، و كهفا لكهف الأنبياء، و كنفا لكنف الخلائق من الأولين و الآخرين.

و أنشد للرانقى:

فخص بذكر اللّه خير مغار* * * و لا تتغافل عن هجوم مغار

و كن حذرا من غبرة اللّه و استقم‏* * * لديه ليلا تبتلى لصغار

و قلت فى «تخليص الزبدة فى تخميس البردة» عند قوله: و ما حوى الغار من خير، من كرم الأبيات:

فهو الذى ريقه يشفى من السقم‏* * * تتفله حلت الآبار فى الطعم‏

فأعجب لتغريد كالدر منتظم‏* * * و ما حوى الغار من جود و من كرم‏

و كل طرف من الكفار عنه عمى‏* * * لما رأوا غار ثور كلهم عميا

و صار بدر الدجى باللطف مختفيا* * * و قال يا صاح لا تحزن فلن يريا

فالصدق فى الغار و الصديق لم‏* * * و هم يقولون ما بالغار من أرم‏

باض الحمام به و العشب قد* * * و العنكبوت أجادت نسجها حلا

و شجرة الراة (2) رمت فى قلوبهم عللا* * * ظنو الحمام و ظنوا العنكبوت على‏

و خير البرية لم ينسج و لم يحم‏* * * فكم اسود بنار الحرب عارفة

و فى مثاقفه بل فى مسابقه‏* * * و فى الدروع التجفاف خائفة

وقاية اللّه أغنت عن مضاعفه‏

____________

(1) فى (ب): محتضن.

(2) فى (أ)، و (ب): الرا.

94

من الدروع و عن عال من الأطم‏

قال المرجانى فى «بهجة النفوس»: «و ذكر بعض الحمالين: أنه عرف رجلا، كان له جماعة بنين، و أموال كثيرة، و أنه أصيب فى ذلك كله، فلم يحزن على شى‏ء من ذلك، لقوة صبره، قال: فسألته عن ذلك، فقال:

إنه روى: أن من دخل غار ثور- الذى آوى إليه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبو بكر (رضى اللّه عنه)- و سأل اللّه تعالى: أن يذهب عنه الحزن، لم يحزن على شى‏ء من مصائب الدنيا، و قد فعلت ذلك، فما ترى منه».

قال المرجانى، و الخاصة فى ذلك: من قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (1).

قال: «و رأيت بهذا الجبل حيوانا يسمى الحلقوم؛ له ألف كراع، فى مائتين رجل، و رأيته أيضا بأرض الطائف و نخلة، و بالقدس من أرض قليطين» انتهى.

و الناس يدخلون غار جبل ثور من بابه الضيق، و من بابه المتسع، و بعض الناس يتجنب دخوله من بابه الضيق، و يقولون: من لم يدخل منه ليس لأبيه و قد وسع الباب الضيق فى زماننا، لأن بعض الناس انحبس فيه لمانع، فلم يقدر أن يخرج، و لا يدخل، و مكث على ذلك قريبا من ليلة، فراع إليه المجاورون و وسعوا له، و قطعوا عنه الحجر من الجوانب، فانفتح حتى اتسع الموضع.

و منها: جبل ثبير: و هو جبل المزدلفة، الذى على يسار الذاهب، كما عرّفه الأزرقى و غيره، و قد تقدم فى أول الباب الحادى عشر ضبطه و تعريفه.

و هو جبل مشهور عند أهل مكة، قال القزوينى‏ (2): «إنه جبل مبارك، يقصده الزوّار».

____________

(1) الآية رقم 40 من سورة التوبة، مدنية.

(2) القزوينى: هو أبو زكريا يحيى بن عبد العظم القزوينى، ابن عبدك رحال مصنف، و كان صدوق، سمع من القعنبى و عفان. و قال الخليل: ثقة متفق عليه. مات سنة 271.

العبر: 2/ 49، طبقات الحفاظ: 255، شذرات الذهب: 2/ 162.

95

و تقدم النقل عن ابن النقاش: «أنه يستجاب الدعاء به»، و تقديم أيضا قبيل هذا: «أنه تعالى لما تجلى للجبل تشظى منه شظايا، فوقعت بمكة ثلاثة منها: ثبير».

قال السهيلى: «ذكروا أن ثبيرا كان رجلا من هذيل، مات فى ذلك الجبل فعرف الجبل به».

و منها: الجبل الذى يلحقه مسجد الخيف، و فيه غار المرسلات، يأثره الخلف عن السلف؛ كما ذكره المحب الطبرى، و على ذلك أدركنا الناس فى عصرنا يقولون فى أمره، و يدل له الحديث الثابت فى «صحيح البخارى» عن ابن مسعود، قال: «بينما نحن مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى غار بمنى، إذ نزلت عليه: وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) ...» الحديث. و قد تقدم ذكره فى «الفضائل»؛ أول هذا الفصل.

*** ذكر السقايات بمكة المشرفة و حرمها

بمكة المشرفة عدة سقايات، و يقال لها: السبل:

منها: سبيل عطية بن ظهيرة، و سبيل قاسم الزانكى، عند مسجد الرّاية، و سبيل أم الحسين بنت القاضى شهاب الدين أحمد بالمسعى، و سبيل ابن بقلحة، عند عين بازان بالمسعى، و سبيل السيد حسن بن عجلان برباطة.

و منها: فى خارج مكة من أعلاها: سبيل أم سليمان المتصوفة، و سبيل عطية المطيبين، فى طرف المقبرة؛ من أعلاها، و سبيل القائد سعد الدين جبروة، فى بستانه، و سبيل أمامة السيد حسن بن عجلان، و سبيل الست بطريق منى، و يقال له: سبيل ابن مزنة، باسم رجل كان فيه، و الست المنسوب إليها هذا السبيل هى: أخت الملك الناصر حسن؛ صاحب مصر، و تاريخ عمارته لها سنة إحدى و ستين و سبعمائة.

____________

(1) الآية رقم 1 من سورة المرسلات، مكية.

96

و بمنى عدة سبل، و فيما بين منى و عرفة عدة سبل أيضا، إلا أنها منخربة جدا، و بأسفل مكة؛ مما يلى التنعيم عدة سقايات:

منها: سبيل الزنجبيلى، و يقال له: سبيل أبى راشد، لتجديده له، و سبيل المكين لتجديده له أيضا.

و منها: سبيل السيدة زينب بنت القاضى أحمد الطبرى، و هو الآن منخرب معطل لخرابه، و وجد فى حجر مكتوب فيه: «أن المقتدى العباسى و والدته أمرا بعمارة هذه السقاية، و الآيار التى وراءها و تصدقا بها فى سنة اثنين و ثلثمائة»، و سبيل دون هذا السبيل إلى مكة، عمره الشهاب المكين فى سنة ثمان و ثمانمائة، و إلى جانب ذلك حوض للبهائم، و كان بمكة سقايات أكثر مما ذكرنا.

قال الفاكهى‏ (1) لما ذكر السقايات: «و بمكة فى فجاجها و شعابها من باب المسجد إلى منى و نواحيها و مسجد التنعيم نحو من مائة سقاية». انتهى.

*** ذكر ا لبرك بمكة و حرمها

فيها عدة برك:

منها: بركتان عند باب المعلى متلاصقتان على يسار الخارج من مكة إلى المعلى، جددتا فى دولة الملك الناصر حسن؛ صاحب مصر، سنة تسع و أربعين و سبعمائة.

و منها: بركتان متلاصقتان على يمين الخارج إلى المعلى، إحداهما ملصق‏

____________

(1) الفاكهى: هو أبو عبد اللّه محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهى المكى الإخبارى، صنف: «تاريخ مكة المكرمة و أخبارها فى الجاهلية و الإسلام» و هو كتاب مفقود، و لم يبق منه أثر إلا فيما تناثر منه بين الكتب التى اعتمدت عليه، و من أهم الكتب التى اعتمدت عليه اعتمادا كبير كتاب «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» لتقى الدين الفاسى- بتحقيقنا بالاشتراك توفى الفاكهى سنة 285 ه. كشف الظنون: 1/ 306، الفهرست: 159، معجم المؤلفين: 9/ 40، 41، هدية العارفين: 6/ 20.

97

بسور باب المعلى ببستان الصارم، و كانتا معطلتين، فعمرت إحداهما فى سنة ثلاث عشرة و ثمانمائة، و ملئت من عين بازان.

و منها: بركتان عند مولد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بسوق الليل، ببستان المسلمانى، على ما ذكر.

و منها: بأسفل مكة بركة يقال لها: بركة الماجن، و بحرم مكة؛ مما يلى منى و عرفة عدة برك:

منها: البركة المعروفة ببركة السلم، و لم يعرف من أنشأها، و جددها الأمير المعروف بالملك؛ نائب السلطنة بمصر، و عمر العين التى تصل إليها الماء من منى، و ذلك فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و بطرف منى مما يلى المزدلفة، و فى طريق عرفة، عدة برك أخر، معطلة أيضا لخرابها، و بعرفة عدة برك، و غالبها الآن ممتلئ بالتراب، حتى صار ذلك مساويا للأرض.

و بعضها من عمارة العجوز؛ والدة المقتدى، و ذلك خمس برك، و تارخ عمارتها سنة خمس عشرة و ثلثمائة.

و بعضها عمّره المظفر؛ صاحب أربل، فى سنة أربع و تسعين و خمسمائة، و فيما بعدها.

و بعضها عمّره إقبال الدّانى المستنصرى العباسى، فى سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و اسم إقبال باق فى بعض البرك التى حول جبل الرحمة.

و عمّر بعضها الملك؛ نائب السلطنة بمصر، فى دولة الملك الأشرف شعبان صاحب مصر.

*** ذكر الآبار بمكة و حرمها

ذكر الأزرقى ((رحمه الله)) شيئا من خبر الآبار الجاهلية و الإسلامية بمكة و حرمها و بعرفة، و ليس يعرف الآن مما ذكره إلا النادر.

و جملة ما احتوى عليه سور مكة من الآبار ثمانية و خمسون بئرا، و كلها

98

مسيّلة إلا البئر التى فى بيت المطيبين بأعلى مكة، و البئر التى فى بيتي القائد زين الدين شاكر؛ مولى الشريف حسن بن عجلان، و البئر التى فى بيتي أحمد بن عبد اللّه الدورى القراش، بالحرم الشريف المكى، و البئر التى فى البيت المعروف ببيت الشفى بقرب بيت الدورى، و لم يذكر فى ذلك الآبار التى لا ماء فيها.

و من الآبار المعروفة بمكة مما ذكره الأزرقى: البئر التى برباط السدرة، و تعرف ب: «سجلة»، حفرها هاشم بن عبد مناف، و قيل: قصى. قال الأزرقى: «و هى البئر التى قال لها: بئر حبير بن مطعم، دخلت فى دار أمير المؤمنين، بين الصفا و المروة فى أصل المسجد الحرام؛ التى يقال لها:

دار القوارير، أدخلها حماد البربرى حين بنى الدار لأمير المؤمنين؛ هارون الرشيد، و كانت البئر شارعة فى المسعى، يقال: إن جبيرا ابتاعها من ولد هاشم.

و قال بعض المكيين: وهبها له أسد، حين ظهرت زمزم، و يقال: وهبها عبد المطلب حين حفر زمزم، و استغنى عنها لمطعم بن عدى، و أذن له أن يضع حوضا من أدم، عند زمزم، يستقى فيه منها، و يسقى الحاج».

قال الأزرقى: «و هو أثبت الأقاويل عندنا». انتهى كلامه.

و أما الآبار التى بين باب المعلا و منى، فستة عشر بئرا؛ فيها الماء، منها:

البئر المعروفة ب «بئر ميمون بن الحضرمى» أخو العلاء بن الحضرمى، و هى البئر التى فى السبيل المعروف بسبيل الست؛ على ما ذكره عبد الرحمن بن حمى فى حجر مكتوب بخطه فى هذا البئر، يتضمن: «أن المظفر؛ صاحب أربل عمرها فى سنة أربع و ستمائة».

و قال الأزرقى: «و كانت آخر بئر حفرت فى الجاهلية». قال: «و عن مجاهد، و عطاء، و غيرهما من أهل العلم فى قوله تعالى: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (1).

____________

(1) الآية رقم 30 من سورة الملك، مكية.

99

قالوا: زمزم، و بئر ميمون بن الحضرمى، و ذكر بعض الناس: أن بئر ميمون بطريق وادى مرّ الظهران. قيل: و فيه نظر.

و منها: البئر المعروفة ب «صلاصل». قال الأزرقى: «و هى البئر التى بفم شعب البيعة؛ عند عقبة منى، و الناس يسمون البئر التى بفم هذا الشعب ب «بركة سمير»، و يسمون بصلاصل: بئرا فى الجانب الذى يكون على يمين الذاهب إلى منى، و هى بئر مشهورة عند الناس بقرب هذه البئر».

و ذكر الأزرقى: «أنها من الآبار الإسلامية، و سميت صلاصل بصلصل ابن أوس بن محاسن بن معاوية بن شريف بن بنى عمرو بن تميم» قاله الفاكهى.

و أما الآبار التى بمزدلفة فهى ثلاثة.

و أما الآبار التى بعرفة: فهى آبار كثيرة، و التى فيها الماء الآن: ثلاثة آبار و بعض الآبار التى لا ماء فيها من عمارة المظفر؛ صاحب أربل، و بين عرفة و مزدلفة بئر يقال لها: «السقيا»: على يساري الذاهب إلى عرفة.

و أما الآبار التى تظاهر مكة من أعلاها، فيما بين بئر ميمون بن الحضرمى، و الأعلام التى هى حد الحرم فى طريق وادى نخلة: فهى خمسة عشر بئرا؛ منها: أربعة آبار تعرف ب «آبار العسيلة»، و فى طىّ رأس بعضها ما يقتضى:

«أن المقتدى العباسى أمر بحفر بئرين منها».

و فى طى بعضها ما يقتضى: «أن العجوز والدة المقتدى عمرتها مع سقايات هناك».

و البئر الرابعة: من آبار العسيلة جددها بعده بعض الأمراء المصريين فى سنة اثنتين و تسعين و سبعمائة، و بقية الآبار لا ماء فيها إلا بئر لأبى بكر الحصار، و هى على آبار العسيلة.

و أما الآبار التى بأسفل مكة؛ فى جهة التنعيم: فهى ثلاثة و عشرون بئرا بجادة الطريق، منها: بئر الملك المنصور؛ صاحب اليمن، عند سبيلة تعرف بالزاكية.

و منها: الآبار المعروفة ب: «آبار الزاهر الكبير»، و بعض هذه الآبار من عمارة المقتدى العباسى، و بقرب الشبيكة آبار أخر؛ يقال لها: «آبار الزاهر

100

الصغير»، و هى ثلاثة آبار، منها: واحدة لا ماء فيها، و لها قرنان؛ فى إحداهما حجر مكتوب فيه تاريخ عمارتها، و تعرف هذه الآبار ب: «بطن ذى طوى»؛ على ما ذكره الأزرقى فى تعريف ذى طوى، و بأسفل مكة أيضا بئر؛ يقال لها: «الطنبداوية».

و بأسفل مكة؛ مما يلى باب الماجن عدة آبار، منها: بئر بقربه؛ من خارجه، و بئر بالشعب الذى يقال له: خم (بخاء معجمة مضمومة)، و هو غير خم الذى يروى: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «عندى غديرة: من كنت مولاه، فعلى مولاه)، لأن خمّا هذا عند الجحفة، و ذكرها الأزرقى فى الآبار التى بمكة، قبل زمزم، قال: «و حفرها كلاب بن مرة».

قال السهيلى: «و هى من خممت البيت إذا كنسته، و يقال: فلان مخموم القلب، أى نقيّه، فكأنها سميت بذلك لنقائها». قال: «و أما غدير خم؛ الذى عند الجحفة، فسمى به لغيضة عنده، يقال لها: خم؛ فيما ذكروا» انتهى.

*** ذكر عيون مكة

قال الأزرقى: «كان معاوية قد أجرى فى الحرم عيونا، و اتخذ لها أحيافا فكانت حوائط، و فيها النخل و الزرع»، ثم سردها الأزرقى، و ذكر أنها عشر عيون، ثم قال: «و كانت عيون معاوية قد انقطعت، و ذهبت، فأمر أمير المؤمنين؛ الرشيد بعيون منها، فعملت و أحييت و صرفت فى عين واحدة ثم انقطعت هذه العيون، فكان الناس بعد انقطاعها فى شدة من الماء، و كان أهل مكة و الحاج يلقون من ذلك المشقة، حتى أن الراوية لتبلغ فى الموسم عشرة دراهم و أكثر و أقل، فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبى الفضل جعفر بن أمير المؤمنين؛ المنصور، فأمرت فى سنة أربع و تسعين و مائة بعمل بركتها التى بمكة فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل، فلم يكن فيه رىّ لأهل مكة، و قد غرمت فى ذلك غرما عظيما، فبلغها، فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيونا من الحل؛ و كان الناس يقولون: إن ماء الحل لا يدخل الحرم، لأنه يمر على عقاب و جبال. فأرسلت بأموال عظام، ثم أمرت من يزن عينها الأولى، فوجد فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، و أبطلت تلك‏

101

العيون، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، و عظمت فى ذلك رغبتها، و حسنت منها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنية جبل، فإذا الماء لا يظهر فى ذلك الجبل، فأمرت بالجبل، فضرب فيه، و أنفقت فى ذلك من الأموال ما لم تكن تطيب به نفس أحد، حتى أجراها اللّه تعالى لها، و أجرت فيها عيونا من الحل، منها عين المشاش، و اتخذت لها بركا تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا من حنين، فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها، و طابت نفسها بأن أنفقت فيها ما لم تكن تطيب به نفس أحد؛ فأهل مكة و الحاج إنما يعيشون بها، بقدرة اللّه تعالى.

ثم أمر أمير المؤمنين؛ المأمون صالح بن العباس فى سنة عشر و مائتين: أن يتخذ له برك خمس فى السوق لئن يستقى منها أهل أسفل مكة و الثنية و أجيادين إلى بركة أم جعفر، و أجرى عينا من بركة أم جعفر، من فضل مائها فى عين تسكب فى بركة البطحاء، ثم تمضى إلى بركة عند الصفا، ثم تمضى إلى بركة عند الحناطين، ثم تمضى إلى بركة بفوهة سكة الثنية، دون دار أويس، ثم تمضى إلى بركة عند سوق الحطب؛ بأسفل مكة، ثم تمضى فى سرب ذلك إلى ماجن أبى صلابة، ثم إلى الماجنين اللذين فى حائط بن طارق، و بأسفل مكة، و كان صالح بن العباس لما ذرع منها ركب بوجوه الناس إليها، فوقف عليها حين جرى فيها الماء، و نحر عند كل بركة جزورا، و قسم لحمها على الناس» انتهى كلام الأزرقى.

و ذكر المسعودى‏ (1) فى «تاريخه» (2): «مقدار ما صرفت زبيدة؛ و هى‏

____________

(1) المسعودى هو: على بن الحسين بن على المسعودى، أبو الحسن. مؤرخ إخبارى، صاحب فنون، يرتفع نسبه إلى عبد اللّه بن مسعود (رضى اللّه عنه) توفى بمصر سنة 345 ه و قيل: سنة 346 ه. له كثير من المصنفات، من كتبه: «مروج الذهب»، «التاريخ فى أخبار الأمم»، «التنبيه و الإشراف»، «خزائن الملك و سر العالمين»، «كتاب المقالات فى أصول الديانات». طبقات الشافعية: 2/ 307، معجم المؤلفين:/ 807، النجوم الزاهرة:

3/ 315، 316، إيضاح المكنون: 3/ 183، 4/ 308.

(2) «تاريخ المسعودى»: لأبى الحسن على بن محمد المسعودى، و هو تاريخ كبير، قدم القول بهيئة الأرض و مدنها و جبالها و أنهارها و معاونها و أخبار الأبنية العظيمة و شأن البدء و أصل النسل و انقسام الأقاليم، ثم اتبع بعد ذلك أخبار الملوك الغابرة و الأمم الدائرة و أخبار الأنبياء، ثم ذكر الحوادث سنة سنة إلى سنة 332 ه، اختصره المسعودى فى كتاب «الأوسط»-

102

أم جعفر بنت أبى الفضل؛ المذكورة فى عمارة هذه العين، و ذكر فيما ذكروا:

«حصى ألف ألف و سبعمائة ألف دينار» نقل ذلك المسعودى عن محمد بن على المصرى الخراسانى الإخبارى.

و الظاهر: أن هذه هى عين مكة المعروفة اليوم ب: «عين بازان» (بياء موحدة و ألفين بينهما زاى) لأنها فى هذه الجهة التى ذكرها الأزرقى. و اللّه أعلم.

و قد عمر هذه العين جماعة من الخلفاء و الملوك؛ منهم المستنصر العباسى فى سنة خمس و عشرين و ستمائة، و فى سنة أربع و ثلاثين و ستمائة، و منهم:

الأمير جوبان؛ نائب السلطنة بالعراقين، عن السلطان أبى سعيد بن خربيدا ملك التتر، و ذلك فى سنة ست و عشرين و سبعمائة، و وصلت إلى مكة فى العشر الأخير من جمادى الأولى، من هذه السنة، و عمّ نفعها، و عظم، و كان جريانها هذا رحمة من اللّه تعالى لأمة نبيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فإنهم كانوا فى جهد عظيم بسبب قلة الماء بمكة.

و عمرت مرّات كثيرة فى عصرنا، و فيما قبله، و ممن أحسن أمرها فى عصرنا، و قام بعمارتها، و صرف عليها الأموال الجزيلة الشهبان بركون المكين لأنه الذى يقوم بأمرها من سنة ثلاث عشرة إلى تاريخه، و هو سبع عشرة.

و من العيون التى أجريت بمكة، عين أجراها الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ صاحب مصر فى سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، فى مجرى عين بازان، و تعرف هذه العين ب: «عين جبل ثقبة»، و جملة المصروف عليها خمسة آلاف درهم، و ذلك على يد ابن هلال الدولة؛ مشيد العمارة.

و منها: عين أجراها الأمير المعروف بالملك؛ نائب السلطنة بمصر فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة، من منى إلى بركة السّلم بطريق منى.

***

____________

- ثم اختصر كتاب الأوسط فى «مروج الذهب»، و رتب أخبار الزمان على ثلاثين فنا.

كشف الظنون: 1/ 27.

103

ذكر المطاهر التى بمكة المشرفة

مطاهر منها: مطهرة الملك الناصر محمد بن قلاوون؛ صاحب مصر، عند باب بنى شيبة، و تاريخ عمارتها سنة ثمان و عشرين و سبعمائة، و فيها وقعت.

و منها: مطهرة الأمير المعروف بالملك؛ نائب السلطنة بمصر، عند باب الحزورة، و لعل عمارته لها كانت فى سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و هى الآن معطلة.

و منها: مطهرة الأمير ضرغتمش الناصرى؛ أحد كبار الأمراء فى دولة الملك الناصر حسن؛ صاحب مصر، و هى بين البيمارستان المستنصرى و رباط أم الخليفة، و تاريخ عمارته لها سنة تسع و خمسين، ثم عمرت بعد ذلك غير مرة.

و منها: مطهرة الملك الأشرف شعبان؛ صاحب مصر بالمسعى، قبالة باب على؛ أحد أبواب المسجد الحرام، و كانت عمارتها سنة ست و سبعين و سبعمائة، و المتولى لأمر عمارتها الأمير أبو بكر بن سنقر الجالى، و للأشرف عليها وقف بمكة ربع فوقها و دكاكين، و وقف بضواحى القاهرة، و تخربت، ثم عمرها فى سنة سبع عشرة و ثمانمائة.

و منها: مطهرة خلفها، عمرتها أم سليمان المتصوفة، صاحبة الزاوية بسوق الليل، و فرغ من عمارتها فى سنة ست و تسعين و سبعمائة.

و منها: مطهرة الأمير زين الدين بركة العثمانى؛ رأس نوبة النوب بالقاهرة و أحد مدبرى المملكة بها، و هى المطهرة التى بسوق العطارين، بقرب باب بنى شيبة على يسار الخارج من الباب، و بابها مقابل باب المطهرة الناصرية المذكورة.

و منها: مطهرة تنسب للأمير طنبغا الطويل؛ أحد الأمراء المقدمين بالديار المصرية، عمرت فى أوائل عشر السبعين و سبعمائة، و هى بأسفل مكة، عند باب الغمرة الآن، و الآن هى معطلة.

و منها: مطهرة عند باب الحزورة، يقال لها: مطهرة الواسطى، و لم يعرف المنسوبة إليه، و لا متى قفت. و اللّه تعالى أعلم.

***

104

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}