تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج2

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
297 /
105

الباب الثانى فى تاريخ المدينة و ما يتعلق بالمسجد الشريف النبوى و الحجرة المسدسة و المنبر الشريف و زيارة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و مزارات المدينة و الجوار بها و آداب الرجوع (و فيه عشرة فصول)

106

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

107

الفصل الأول فى أول ساكنى المدينة، و سكنى اليهود الحجاز ثم نزول الأوس و الخزرج المدينة

ذكر أول من نزل المدينة الشريفة

قال أهل السير: أول من نزل المدينة بعد الطوفان قوم، يقال لهم: صعل و فالح، فغزاهم داود ((عليه السلام))، فأخذ منهم مائة ألف عددا، ثم سلط اللّه عليهم الدود فى أعناقهم، فهلكوا، فقبورهم هذه التى فى السهل و الجبل و داود ((عليه السلام)) هو من ولد يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بينه و بين يهودا عشرة آباء، عاش مائة سنة، و قيل: مائة و أربعين، و قيل: سبعين.

و كان يدعو إلى شريعة موسى ((عليه السلام))، لأن الزبور لم يكن فيه أحكام؛ فكان خمسين و مائة سورة؛ فى خمسين: ذكر ما يلقون من بخت نصر و أهل بابل، و فى خمسين: ذكر ما يلقون من أهل إيرون، و فى خمسين مواعظ و حكم، و كان يقرأ بسبعين لحنا، و كل كتاب يكون غليظ الكتابة يقال له: زبور، و قيل: الزبور: كل كتاب يصعب الوقوف عليه من الكتب الإلهية، و قيل: الزبور: الكتاب المقصور على الحكمة الإلهية العقلية دون الأحكام الشرعية، و نزل عليه الزبور بالعبرية، و كان مدة ملكه أربعين سنة كان يبيع الدرع بأربعة آلاف، و هو أول من عمل الدرع، قال اللّه تعالى:

... وَ أَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ... (1) ... الآية.

قال أهل السير: و كان سكنى العماليق غزة و عسقلان و ساحل بحر الروم و ما بين مصر و فلسطين، ثم سكنوا مكة و المدينة و الحجاز كله، و عتوا، فبعث إليهم موسى جندا من بنى إسرائيل، فقتلوهم.

____________

(1) الآية رقم (10) من سورة سبأ؛ مكية.

108

و عن زيد بن أسلم‏ (1)، قال: بلغنى: أن هى و أولادها رابضة فى حجاج عير رجل من العماليق قال: و لقد كان يمضى فى ذلك الزمان أربعمائة سنة، و ما يسمع بجنازة، و كان جالوت من العماليق، و كان عوج‏ (2) و أمه عتاق من العماليق اللذين كانوا بأريحا.

عن ابن عمر قال: كان طول عوج ثلاثة و عشرين ألف ذراع و ثلثمائة و ثلاثين ذراعا و ثلثى ذراع، بذراع الملك، و عاش ثلاثة آلاف سنة، و أخذ إحدى بنات آدم لصلبه، و هى أول من تغنى على وجه الأرض، فهلكت، كان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع فى ذراعين، ولدت حواء على أثرها قابيل و هابيل.

قال ابن قتيبة فى «تأويل مختلف الحديث»: «و من العجب أن عوجا كان فى زمن موسى ((عليه السلام))، و له هذا الطول، و فرعون ضده فى القصر على ما ذكر الحسن، قال: ما كان طول فرعون إلا ذراعا، و كانت لحيته ذراعا، و قيل: كان طوله ذراعين، و كان لفرعون موسى من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب و الفضة و الزبرجد و الياقوت، طمس اللّه عليها، فصارت حجارة، لقول موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ‏ (3)، و فرعون أول من خضب بالسواد.

***

____________

(1) زيد بن أسلم: المدنى الفقيه أبو أسامة، و يقال: أبو عبد اللّه، مولى عمر بن الخطاب. روى عن أنس و جابر بن عبد اللّه و سلمة بن الأكوع، و روى عنه ابنه أسامة و أيوب السختيانى و السفيانان و ابن جريج. كان له حلقة فى المسجد النبوى، و كان ثقة من أهل الفقه و العلم، عالم بتفسير القرآن، له «كتاب فى التفسير». مات سنة 136 ه فى ذى الحجة.

شذرات الذهب: 1/ 194، طبقات المفسرين: 1/ 176، العبرات: 1/ 183، طبقات الحفاظ: 53.

(2) تروى الأسطورة أن عوج هذا كان لطوله يتناول السمك من البحر و يشويه إلى الشمس.

مقدمة ابن خلدون: 125.

(3) الآية رقم 88 من سورة يونس؛ مكية.

109

ذكر سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق‏

اعلم: أن موسى (عليه الصلاة و السلام) لما أهلك فرعون وطئ الشام، و أهلك من بها، و بعث بعضا من اليهود إلى الحجاز، و أمرهم ألا يستبقوا من العماليق أحدا بلغ الحل، فقدموا، فقتلوهم، و قتلوا ملكهم، و كان يقال له الأرقم بن أبى الأرقم، و استحيوا ابنا له؛ شابا، و قدموا به، فقبض موسى ((عليه السلام)) قبل قدومهم، فتلقتهم بنو إسرائيل، فوجدوا الغلام معهم فقالوا لهم: إن هذه لمعصية منكم، لما خالفتم من أمر نبيكم، و اللّه لا تدخلوا علينا بلادنا، و حالوا بينهم و بين الشام، فرجعوا، فسكنوا الحجاز، و كانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد اللّه، و أطهرها.

قالوا: و كان هذا أول سكنى اليهود الحجاز بعد العماليق، كان جميعهم بزهرة بين الحرة و السافلة مما يلى القفّ، و كانت لهم الأموال بالسافلة، و نزل جمهور بمكان يقال له: يثرب، بمجتمع السيول: سيل بطحاء و الفقيد، و سيل قناة، مما يلى زغابة، و خرجت قريظة و أخوتهم؛ بنو هذل؛ و هم بنو الخزرج و النضير بن النحام ابن الخزرج.

و قيل: قريظة و النضير أخوان، و هما: بنو أبناء الخزرج بن الصريخ، فخرجوا بعد هؤلاء، فسبقوا آثارهم، فنزلوا بالعالية، على واديين يقال لهما: مذينب و مهزور، فنزلت بنو النضير على مذينب، و اتخذوا عليه الأموال، و نزلت قريظة و هذل على مهزور، و اتخذوا عليه الأموال.

و كانوا أول من احتفر بها البناء، و اغترس الأموال، و ابتنى الآطام و المنازل فكان جميع ما ابتنى اليهود بالمدينة من الآطام تسعا و خمسين أطما. و الآطام:

الحصون، واحدها: أطم.

قال الخطابى: هو بناء من الحجارة، و مثله الأحام و العياص.

ثم نزل أحياء من العرب على يهود؛ و ذلك أنه كان بالمدينة قرى و أسواق من يهود بنى إسرائيل، و كان قد نزلها عليهم أحياء من العرب و ابتنوا معهم الآطام و المنازل، قبل نزول الأوس و الخزرج، و هم بنو نيف؛ حى من بلى.

110

و يقال: إنهم يمن بقية العماليق.

و بنو مرثد؛ حى من يلى، و بنو معاوية بن الحارث بن بهية؛ من بنى قيس ابن عيلان، و بنو الجدى؛ حى من اليمن.

و كان جميع ما ابتنى العرب من الآطام بالمدينة ثلاثة عشر أطما.

*** ذكر نزول الأوس و الخزرج‏ (1) المدينة

لم تزل اليهود الغالبة على المدينة حتى جاء سيل العرم، و كان منه ما كان و ما قص اللّه فى كتابه، و ذلك أن أهل مأرب، و هى أرض سبأ كانوا آمنين فى بلادهم، تخرج المرأة بمغزلها لا تزود شيئا، تبيت فى قرية، و تقيل فى أخرى، حتى تأتى الشام، و لم يكن فى أرضهم حية و لا عقرب، و لا ما يؤذى، فبعث اللّه إليهم ثلاثة عشر نبيا، فكذبوهم و قالوا: ربنا، باعد بين أسفارنا، فسلط اللّه عليهم سيل العرم، و هو: السيل الشديد الذى لا يطاق و قيل: العرم: اسم الوادى، و قيل: اسم المياه.

و ذلك أن اللّه بعث عليهم جرذا يسمى: الخلد، و الخلد هو الفأر الأعمى فنقب السّد من أسفله حتى دخل السيل عليهم، فغرقت أرضهم.

و قيل: أرسل عليهم ماء أطمرا، فخرب السد و تمزق من سلم منهم من البلاد، و كان السد فرسخا فى فرسخ، بناه لقمان الأكبر العادى للدهر؛

____________

(1) الأوس و الخزرج: بنو الأوس: من القحطانية، و هم: بطن من مزيقياء، و هم بنو مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن مزيقياء. و كان للأوس من الولد: مالك، و منه جميع عقبه، و هم أحد قبيلتى الأنصار، و الأوس هذا هو أخو الخرج. بنو الخزرج: هم بطن من مزيقياء من الأزد، غلب عليهم اسم أبيهم فقيل لهم: الخزرج، و هم بنو الخزرج الأكبر بن حاثة بن ثعلبة بن مزيقياء، و هم أحد قبيلى الأنصار، إخوة الأوس، و يقال لكليهما: بنو قيلة، و كان للخزرج من الولد: عمرو و عوف و جشم و كعب و الحارث، و كان للأوس و الخزرج ملك يثرب قبل الإسلام، نزلوها عند خروج الأزد من اليمن. نهاية الأرب للقلقشندى: 52، 93.

111

على زعمه، و كان يجتمع إليه مياه اليمن، من مسيرة شهر، و تقدم فى الباب قبل هذا قضية طريفة الكاهنة، و ما قالت لقومها، و أنها قالت لهم:

من كان منكم يريد الراسيات فى الوحل، المطعمات فى المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فلحق بها الأوس و الخزرج، فوجدوا الآطام، و الأموال و القوة لليهود، فعاملوهم زمانا، فصار لهم مالا و عددا، فمكثت الأوس و الخزرج معهم ما شاء اللّه، ثم سألوهم أن يعقدوا بينهم و بينهم جوارا و حلفا، يأمن به بعضهم من بعض، و يمتنعون به ممن سواهم، فتعاقدوا و تحالفوا و اشتركوا و تعاملوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا، حتى قويت الأوس و الخزرج، و صار لهم مال و عدد، فلما رأت قريظة و النضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم و أموالهم حتى قطعوا الحلف الذى كان بينهم.

و كانت قريظة و النضير أعز و أكثر، فأقامت الأوس و الخزرج فى منازلهم، و هم خائفون أن تجليهم يهود، حتى نجم منهم مالك بن العجلان؛ أخو بنى سالم بن عوف بن الخزرج.

*** ذكر قتل اليهود و استيلاء الأوس و الخزرج على المدينة

لما نجم مالك بن العجلان سوّده الحيّان عليهما، فبعث هو و جماعة قومه إلى من وقع بالشام من قومهم، يخبروهم حالهم، و يشكون إليهم غلبة اليهود لهم، و كان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس؛ أحد بنى سالم ابن عوف بن الخزرج، و كان قبيحا ذميما شاعرا بليغا، فمضى حتى قدم الشام على ملك من ملوك غسان؛ الذين ساروا من يثرب إلى الشام، يقال له: أبو حبيلة؛ من ولد جفنة بن عمرو بن عامر. و قيل: أحد بنى جشم ابن الخزرج.

و كان قد أصاب ملكا بالشام و شرفا، فشكى إليهم الرمق حالهم، و غلبة اليهود لهم، و ما يتخوفون منهم، و أنهم يخشون أن يخرجهم، فأقبل أبو حبيلة فى جمع كثير لنصرة الأوس و الخزرج، و عاهد اللّه أن لا يبرح حتى‏

112

يخرج من بها من اليهود و يذلهم و يصيرهم تحت أيدى الأوس و الخزرج، فسار و أظهر أنه يريد اليمن، حتى قدم المدينة؛ و هى يومئذ يثرب، فلقيه الأوس و الخزرج، و أعلمهم ما جاء به، فقالوا: إن علم القوم ما تريد تحصنوا فى آطامهم؛ فلم نقدر عليهم، و لكن ندعوهم للقائك و تلطفهم، حتى يأمنوك و يطمئنوا، فتمكن منهم، فصنع لهم طعاما، و أرسل إلى وجوههم و رؤسائهم، فلم يبق‏ (1) من وجوههم أحد إلا أتاه، و جعل الرجل منهم يأتى بحاشيته و حشمه رجاء أن يحبوهم الملك، و كان قد بنى لهم حيزا، و جعل فيه قوما، و أمرهم من دخل عليهم منهم أن يقتلوه، حتى أتى على وجوههم و رؤسائهم.

فلما فعل ذلك عزت الأوس و الخزرج بالمدينة، و اتخذوا الديار (2) و الأموال و انصرف أبو حبيلة، و تفرقت الأوس و الخزرج فى عالية المدينة و سافلها، و كان منهم من لجأ إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه، فنزله، و منهم من لجأ إلى قرية من قراها، و اتخذ الأموال و الآطام. و كان ما ابتنوا من الآطام مائة و سبعة و عشرين أطما، و أقاموا كلمتهم واحدة و أمرهم مجتمع، ثم دخلت بينهم حروب عظام، و كانت لهم أيام و مواطن و أشعار، فلم تزل تلك الحروب بينهم حتى بعث اللّه تعالى رسوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأكرمهم اللّه باتباعه.

و الأوس و الخزرج حيّان ينسبان إلى قحطان، لأن قحطان افترقت سبعة و عشرون قبيلة، منهم الأوس و الخزرج، و هما الأنصار، و هو جمع نصير، و سموا أنصارا حين أووا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و نصروه.

و عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «أسلمت الملائكة طوعا، و الأوس و الخزرج طوعا، و جميع العرب كرها».

***

____________

(1) فى (ب): يتبق.

(2) فى (ب): الدار.

113

الفصل الثانى ذكر ما جاء فى فتحها

قالت عائشة (رضى اللّه عنها): كل البلاد افتتحت بالسيف، و افتتحت المدينة بالقرآن.

قال الحافظ محب الدين بن النجار (1) فى «تاريخه»: «فالمدينة الشريفة لم تفتح بقتال، إنما كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يعرض نفسه فى كل موسم على قبائل العرب، و يقول: «ألا رجل يحملنى إلى قومه، فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى»، فيأبونه، و يقولون له: قوم الرجل أعلم به، حتى لقى فى بعض السنين، عند العقبة، نفرا من الأوس و الخزرج، قدموا فى المنافرة التى كانت بينهم، فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج.

قال: أمن موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون كلكم؟ قالوا:

بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى اللّه عزّ و جلّ، و عرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، و كانوا أهل شرك، أصحاب أوثان، و كانوا إذا كان بينهم و بين اليهود- الذين معهم بالمدينة- شى‏ء، قالت اليهود لهم؛ و كانوا أصحاب كتاب.

____________

(1) محب الدين بن النجار: هو محمد بن محمود بن الحسن بن هبة اللّه بن محاسن البغدادى، أبو عبد اللّه، مؤرخ عصره، ولد سنة 578 ه، سمع من ابن الجوزى و ابن كليب، وتلا على ابن سكنية، و كان من أعيان الحفاظ الثقات له من الكتب: «تاريخ بغداد» ذيل به على الخطيب، و «المؤتلف» ذيل به على ابن ماكولا، و «المتفق»، «الأنساب»، و «الكمال» فى الرجال، و له «تاريخ المدينة»، و «مناقب الشافعى» و غير ذلك. مات سنة 643 ه فى خامس شعبان. البداية و النهاية: 13/ 160، طبقات الشافعية للسبكى: 8/ 98، طبقات الحفاظ: 499، مرآة الجنان: 4/ 111، مفتاح السعادة: 1/ 211.

114

و اعلم: إن النبى مبعوث الآن، و قد أظل زمانه، فنتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد و إرم، فلما كلم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أولئك النفر، و دعاهم إلى اللّه، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون و اللّه أنه النبى الذى توعدكم به يهود، فلا سبقتكم إليه، فاغتنموه، و آمنوا به، فأجابوه فيما دعاهم إليه، و صدقوه و قبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، و قالوا: إنا قد تركنا قومنا و بينهم من العداوة و الشر ما بينهم، و عسى أن يجمعهم اللّه بك، فسنقدم عليهم، و ندعوهم إلى أمرك، و نعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم اللّه عليه فلا رجل أعز منك، ثم انصرفوا عن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) راجعين إلى بلادهم، قد آمنوا و صدقوا، و كانوا ستة:

سعد بن زرارة؛ و هو أحد النقباء ليلة العقبة الأولى و الثانية.

و عوف بن عفراء؛ و هى أمّه، و أبوه: الحارث بن رفاعة.

و رافع بن مالك بن العجلان.

و قطبة بن عامر بن حديدة.

و عقبة بن عامر بن نابى.

و جابر بن عبد اللّه بن رباب.

فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ما جرى لهم، و دعوهم إلى الإسلام، فغشى فيهم حتى لم يبق دار من دور الإسلام إلا و لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيها ذكر.

فلما كان العام المقبل وافى‏ (1) الموسم منهم اثنا عشر رجلا، فلقوا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالعقبة؛ و هى العقبة الأولى، فبايعوه، فلما انصرفوا بعث رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) معهم مصعب بن عمير إلى المدينة، و أمره أن يقرأهم القرآن، و يعلمهم الإسلام، و يفقههم فى الدين، و كان منزله على سعد بن زرارة، و لقيه فى الموسم الآخر سبعون رجلا من الأنصار؛ منهم امرأتان،

____________

(1) فى (أ): و فى.

115

فبايعوه، و أرسل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أصحابه إلى المدينة، ثم خرج إلى الغار بعد ذلك، ثم توجه هو و أبو بكر (رضى اللّه عنه) إلى المدينة.

*** ذكر هجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أصحابه إلى المدينة الشريفة

اعلم: أن هجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى المدينة هى من بعض معرفة دلائل صفات نبوته فى الكتب الإلهية، و قد نطقت بالأخبار: بأن المدينة دار هجرة نبى يخرج فى آخر الزمان.

ذكر صاحب «الدر المنظم» و الشهرستانى فى كتابه «أعلام النبوة» فى قصة ملخصها: أن سيف بن ذى يزن الحميرى‏ (1) لما ظفر بالحبشة؛ و ذلك بعد مولد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قصدته وفود العرب بالتهنئة، و خرج إليه وفد قريش، و فيهم عبد المطلب إلى صنعاء، و هو فى قصره المعروف ب: «غمدان»، فلما دخلوا عليه، و اتفق ما اتفق، قال سيف لعبد المطلب: إنى وجدت فى الكتاب المكنون، و العلم المخزون؛ الذى اخترناه لأنفسنا دون غيرنا خبرا جثيما، و خطرا عظيما، فيه شرف الحياة، أو فضلة الوفاة، و هو للناس عامة، و لرهطك كافة، و لك خاصة.

ثم قال له: إذا ولد بتهامة غلام به علامة، كانت له الإمامة، و لكم به الزعامة، إلى يوم القيامة، و لو لا أن الموت يجتاحنى قبل مبعثه، لسرت بخيلى و رجلى حتى أصير يثرب دار ملكى، فإنى أجد فى الكتاب الناطق، و العلم السابق أن يثرب استحكام ملكه، و أهل نصرته، و موضع قبره، و لو لا أنى أقيه الآفات، و أحذر عليه العاهات لأوطأته العرب، و لكنى صارف إليك ذلك عن غير يقين بمن معك، ثم أمر لكل واحد من قومه بجائزة، و أجاز عبد المطلب بأضعافها.

ثم قال: ائتنى بخبره، و ما يكون من أمره على رأس الحول، فمات سيف قبل أن يحول عليه الحول.

____________

(1) سيف بن ذى يزن: كان ملك الحبشة من قبل «كسرى»، و كان قد اتخذ من الحبشة خدما له، و أزل أهلها، فخلوا به يوما و هو فى متصيد له فقتلوه. المعارف: 638.

116

و قد جاء فى بعض الأحاديث: «أخبرنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عن صفته فى التوراة: عبدى أحمد المختار، مولده بمكة، و مهاجره بالمدينة».

أو قال: طيّبة أمته؛ الحمادون للّه على كل حال.

و قيل: معنى قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏ (1)، أى: ضالا عن الهجرة، فهداك إليها.

و قيل فى قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ‏ (2) أن السائحين: المهاجرين.

و قيل: لم يهاجر ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى طلب الهجرة، لقوله تعالى: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (3)، فالداعى: محمد ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و القرية: مكة، و الولى و النصير: الأنصار.

و عن علىّ (رضى اللّه عنه) عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، قال: «أتانى جبريل ((عليه السلام))، فقلت له: يا جبريل، من يهاجر معى؟ قال: أبو بكر، و هو يلى أمتك من بعدك، و هو أفضل أمتك».

و فى «صحيح البخارى» من حديث الهجرة: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال للمسلمين: (إنى رأيت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين)»، و هما:

الحدتان.

و فى «الصحيحين»: «من حديث أبى موسى الأشعرى‏ (4) (رضى اللّه‏

____________

(1) الآية رقم 7 من سورة الضحى، مكية.

(2) الآية رقم 112 من سورة التوبة، مدنية.

(3) الآية رقم 75 من سورة النساء، مدنية.

(4) أبو موسى الأشعرى: هو عبد اللّه بن قيس، كان عالما عاملا صالحا، تاليا لكتاب اللّه، حدث عنه طارق بن شهاب و ابن المسيب و خلق. استعمله النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مع معاذ على اليمن، ثم استعمله عمر على الكوفة و البصرة. مات سنة 44 ه فى ذى الحجة. أسد الغابة:

6/ 306، طبقات القراء لابن الجزرى: 1/ 442، العبر: 1/ 52، النجوم الزاهرة:

1/ 126.

117

عنه)، عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: (رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب و هلى إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هى المدينة؛ يثرب)».

فلما ذكر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هذا المقام لأصحابه هاجر من هاجر منهم قبل المدينة، و رجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة.

و كان أول من هاجر إلى الحبشة: حاطب بن عمرو. و قيل: عبد اللّه بن عبد الأسد بن هلال.

و أول مولود فى الإسلام بأرض الحبشة: عبد اللّه بن جعفر بن علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، و تجهّر أبو بكر (رضى اللّه عنه) قبل المدينة، فقال له رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): على رسلك، فإنى أرجو أن يؤذن لى، فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك بأبى أنت و أمى؟ قال: نعم، فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليصحبه، و عكف راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر.

قالت عائشة (رضى اللّه عنها): بينما نحن يوما جلوس فى بيت أبى بكر فى نحو الظهيرة، قال قائل لأبى بكر: هذا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبى و أمى، و اللّه ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر. قال: فجاء رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لأبى بكر: اخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبى أنت، قال: فإنى قد أذن لى فى الخروج، فقال أبو بكر: الصحابة يا رسول اللّه؟ قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): نعم. قال أبو بكر: فخذ بأبى أنت يا رسول اللّه إحدى راحلتى هاتين. قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): بالثمن. قالت عائشة (رضى اللّه عنها): فجهزناهما أحب الجهاز، و وضعنا لهما سّفرة فى جراب.

و السّفرة: طعام يتخذه المسافر، و كان أكثر ما يحمل فى جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد، كالرواية: اسم للبعير، و نقلت إلى المزادة (1) قاله الخليل.

____________

(1) المزادة: وعاء يحمل فيه الماء فى السفر، كالقربة و نحوها، و الجمع مزاد. المعجم الوسيط: 424.

118

قالت عائشة: فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت: ذات النطاقين، و النطاق: أن تأخذ المرأة الثوب، فتشتمل به، ثم تشد وسطها بخيط، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. قالت: ثم لحق رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبو بكر بغار جبل ثور، فمكثا فيه ثلاثا، يبيت عندهما عبد اللّه بن أبى بكر، و هو غلام شاب لقن‏ (1) فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة؛ مولى أبى بكر منحة من لبن، فيريحها عليها حتى تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان فى رسل حتى ينفق منها عامر بفلس، ففعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى.

و استأجر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبو بكر رجلا من بنى الدئل هاديا ماهرا بالهداية، و هو على دين كفار قريش، فأفناه، فدفعا إليه راحلتيهما، و واعداه غار ثور بعد ثلاث براحلتيهما، و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم طريق السواحل، و كان اسم دليلهم: عبد اللّه بن أريقط الليثى، و لم يعرف له إسلام بعد ذلك.

و كانت هجرته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم الاثنين، لثمان خلون من شهر ربيع الأول.

و قيل: كانت أخر ليلة من صفر، و عمره إذ ذاك ثلاث و خمسون سنة و تسعة أشهر؛ بعد المعراج بسنة و شهرين و يوم واحد، فكان بين البعث و الهجرة اثنا عشر سنة و تسعة أشهر و عشرون يوما. و قيل: كانت إقامته بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة.

و مروا على خيمتى أم معبد الخزاعية فى قديد (2)، و كانت امرأة برزة جلدة،

____________

(1) لقن: لقن فلان لقنا، و لقانة: عقل و ذكا، و لقن المعنى: فهمه فهو لقن. المعجم الوسيط: 868.

(2) قديد: القديد من اللحم: ما قطع طولا و ملح و جفف فى الهواء و الشمس، و هو كساء يصنع من الشعر، و هو أيضا الثوب الخلق. المعجم الوسيط: 745.

119

تحتبى و تجلس بفناء الخيمة أو القبة، ثم تسقى و تطعم، فسألوها تمرا و لحما ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، و إذا القوم مرملون، فقالت:

لو كان عندنا شى‏ء ما أعوزكم لقرى، فنظر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى الشاة فى كرّ خيتمها، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: هل بها من لبن، فقالت: هى جهد من ذلك، قال ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

أفتأذنين لى أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبى أنت و أمى إن رأيت بها حلبا، فاحلبها، فدعى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالشاة، فسح ضرعها، و ذكر اسم اللّه تعالى و قال: اللّهم بارك لها فى شاتها، فتفاضت و درت و اجترت، فدعى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بإناء بربض الرهط، فحلب فيها ثجّا حتى علاه البهاء.

و يروى الثمال: فسقاها، فشربت حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رووا و شرب أخرهم و قال: ساقى القوم أخرهم شربا، فشربوا جميعا عللا بعد نهل، حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، ثم غادره عندها، ثم ارتحلوا عنها بعد أن بايعها، فلما لبنت إذ جاء زوجها أبو معبد أكثم بن أبى الجون يسوق غنما عجافا، تشاوكن هزلا.

و يروى: «عازب جبال، و لا حلوب فى البيت».

قالت: لا و اللّه إلا أنه مرّ بنا رجل مبارك، كان من حديثه كيت و كيت.

قال: قال: صفيه لى يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، (أو سبلج الوجه)، لم تعبه نجلة، و لم تزرئه صقلة، (أو صعلة). و يروى: لم تعبه نحله. و سيما قسيما، فى عينيه دعج، و فى أشفاره وطف (أو عطف، أو غطف)، و فى صورته صجل، و فى عنقه سطح، و فى لحيته كثافة، أزج، أقرن، إذا صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سما و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحسنه و أجمله من قريب حلو المنطق (أو المنظر)، فصل لا نزر و لا هدر، كان منطقه خرزات نظم، ينحدر من ربعه، لا ييأس من طول، و لا تقتحمه عين من قصر، غضن بين غضين، فهو أنظر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال: أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشوود، لا

120

عابس و لا مفند. قال أبو معبد: هذا و اللّه صاحب قريش، الذى ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، لقد هممت أن أصحبه، و لأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، و أصبح صوت بمكة عاليا بين السماء و الأرض، يسمعونه، و لا يرون قائله:

جزى اللّه رب الناس خير جزائه‏* * * رفيقين حلا خيمتى أم معبد

الأبيات ..

قال: فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فأخذوا على خيمتى أم معبد حتى لحقوا بالنبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال ابن إسحاق‏ (1): «بلغنى: أنه لما خرج قال أهل السير: و لقى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الزبير فى ركب من المسلمين، كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبا بكر ثياب بياض، و سمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى ثنية الوداع ينتظرون قدوم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فحين قدم قال قائلهم:

طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع‏

وجب الشكر علينا* * * ما دعى للّه داع‏

أنت يا مرسل حقا* * * جئت من أمر مطاع‏

جئتنا تمشى رويدا* * * نحونا يا خير ساع‏

و أضيفت الثنية إلى الوداع، لأنها موضع التوديع، و هو اسم قديم جاهلى و هذه الثنية خارج المدينة.

____________

(1) ابن إسحاق: هو محمد بن إسحاق بن يسار؛ صاحب المغازى القرشى المطلبى؛ مولاهم، و هو أحد الأئمة، روى عن أبيه و أبان بن عثمان و أبان بن صالح و جعفر الصادق و الزهرى و عطاء و نافع و مكحول و خلق. و روى عنه: شعبة و يحيى الأنصارى؛ و هم شيوخه و شريك و الحمادان و السفيانان و زياد البكائى و آخرون. و هو صاحب «السيرة النبوية». مات سنة 150 ه أو سنة 151 ه. انظر كتاب: تاريخ بغداد: 1/ 214، طبقات الحفاظ:

75، العبر: 1/ 216، ميزان الاعتدال: 3/ 468، تذكرة الحفاظ: 1/ 172، معجم المؤلفين: 9/ 44، الفهرست: 136، هدية العارفين: 6/ 7.

121

و أقبل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى المدينة، و كان مردفا لأبى بكر، و أبو بكر شيخ يعرف، و النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر، فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل الذى يهدينى السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعنى الطريق، و إنما يعنى سبيل الخير.

و قدم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المدينة حين اشتد الضحى من يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، و هو الأصح.

و تلقى المسلمون رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بظهر الحرة، فعدل بهم ذاتي اليمين، حتى نزل بهم فى بنى عمر بن عوف‏ (1)، فقام أبو بكر للناس، و جلس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صامتا، و طفق من جاء من الأعصار، ممن لم ير رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عند ذلك، و نزل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على كلثوم بن أهدم، و فى هذه الحرة قطعة تسمى: أحجار الزيت، سميت به لسواد أحجارها، كأنها طليت بالزيت، و هو موضع كان يستقر فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و بعضهم يقول أحجار البيت، و ذلك خطأ.

قال البراء بن عازب‏ (2): أول من قدم علينا المدينة مصعب بن عمير، و ابن أم مكتوم‏ (3)، و كانا يقرآن الناس، ثم قدم عمار بن ياسر، و بلال، ثم عمر بن الخطاب فى عشرين من أصحاب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، ثم قدم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشى‏ء فرحهم برسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

____________

(1) بنو عمر بن عوف: بطن من الخزرج، و هم: بنو عمرو بن عوف بن الخزرج، و كان له من الولد: عوف. انظر كتاب: نهاية الأرب: 371.

(2) البراء بن عازب الأنصارى، يكنى: أبا عمارة، و كان ابن أخت أبى بردة بن نيار، و كان له ابنان، قد روى عنهما الحديث: يزيد بن البراء، و سويد بن البراء، و كان سويد على «عمان». انظر كتاب: المعارف: 326.

(3) ابن أم مكتوم: هو عبد اللّه بن قيس، و قيل: عمرو بن قيس، و هو من بنى عامر ابن لؤى، و أمه: أم مكتوم، و اسمها: عاتكة، و هى من بنى مخزوم، قدم المدينة مهاجرا بعد غزوة بدر بقليل، و كان الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يستخلفه على المدينة؛ يصلى بالناس فى عامة غزواته. و قد ذهب بصره فعاش ضريرا. شهد «القادسية» و معه راية سوداء، ثم رجع إلى المدينة فمات بها. انظر كتاب: المعارف: 290.

122

قالت عائشة: لما قدم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المدينة وعك أبو بكر و بلال.

قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبيت كيف تجدك؟ و يا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ صح فى أهله‏* * * و الموت أدنى من شراك نعله‏

و ذكر أبو عبد اللّه المرزبانى: أن هذا البيت لحليم بن الحارث بن نهيك النهشلى؛ و كان جاهليا قيل: يوم الوقيظ، و هو يوم كان يثنى قيس بن ثعلبة على بنى تميم، و كان حكيم ينشده فى ذلك اليوم، و هو يقاتل.

و كان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته فيقول:

ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة* * * بواد و حولى أذخر و جليل‏

و هل أردن يوما مياه مجنة* * * و هل يبدون لى شامة و طفيل‏

قالت عائشة: فجئت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأخبرته، فقال: «اللّهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة، أو أشد، و صححها، و بارك لنا فى صاغها، و مدها، و أنقل حماها، و اجعلها بالجحفة».

قال أهل السير: و أقام علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) بمكة ثلاث ليال و أيامها، حتى أدى عن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الودائع التى كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فنزل معه على كلثوم ابن الهدم‏ (1) و لم يبق بمكة إلا من حبسه أهله، أو فتنوه.

و عن زيد بن أسلم، عن أبيه، فى قوله عزّ و جلّ: وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (2).

قال: جعل اللّه مدخل صدق: المدينة، و مخرج صدق: مكة، و سلطانا نصيرا: الأنصار، و قيل: ادخلنى، يعنى: غار ثور: مدخل صدق، و اخرجنى، يعنى: منه إلى المدينة: مخرج صدق، و قيل غير ذلك. و اللّه أعلم.

***

____________

(1) كلثوم بن الهدم: من بنى عمر بن عوف الأوسى، نزل عليه الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين الهجرة إلى المدينة. انظر كتاب: المعارف: 152.

(2) الآية رقم 80 من سورة الإسراء، مكية.

123

(1) (2)

[الفصل الثالث ذكر حرمة المدينة الشريفة]

مالك ((رحمه الله)) فيمن قال: تربة المدينة ردينة بضرب ثلاثين درة، و أمر بجبسه، و كان له قدر، و قال: ما أحوجه إلى حزب عنقه، تربة دفن فيها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يزعم أنها غير طيبة.

____________

(1) مالك بن أنس: هو أبو عبد اللّه مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر؛ عمرو بن حرث الأصبحى المدنى؛ إمام دار الهجرة، ولد سنة 95 ه، و توفى سنة 179 ه، و له خمس و ثمانون سنة. و من كتبه: «الموطأ»، «رسالة إلى هارون الرشيد». روى عن:

نافع و محمد بن المنكدر و جعفر الصادق و حميد الطويل و خلق. و روى عنه: الشافعى و خلائق كثيرون، جمعهم الخطيب فى مجلد. انظر كتاب: طبقات المفسرين للداودى: 2/ 293، العبر: 1/ 172، طبقات ابن سعد: 5/ 45، مروج الذهب: 3/ 350، وفيات الأعيان:

1/ 439 النجوم الزاهرة: 2/ 96، حلية الأولياء: 6/ 313، صفوة الصفوة: 2/ 99.

(2) الشافعى: هو أبو عبد اللّه محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هشام بن المطلب بن عبد مناف القرشى المطلبى المكى، نزيل مصر، إمام الأئمة و قدوة الأمة، ولد بغزة سنة 150 ه، و حمل إلى مكة و هو ابن سنتين. روى عنه: عمه محمد بن على و أبو أسامة و سعيد بن سالم القداح و ابن عيينة و مالك و ابن أبى فديك و ابن علية و خلق. و روى عنه: أبو عثمان محمد و ابن حنبل و أبو ثور و أبو عبيد القاسم و المزنى و غيرهم كثيرون، و له من الكتب: «الأم»، و «الرسالة». مات سنة 204 ه فى آخر رجب. انظر كتاب: البداية و النهاية: 10/ 251، الفهرست: 209، الوافى-

124

و عن الزهرى‏ (1) أنه قال: إذا كان يوم القيامة رفع اللّه تعالى الكعبة البيت الحرام إلى البيت المقدس، فتمر بقبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالمدينة، فتقول: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فيقول ((عليه السلام)): و عليك السلام يا كعبة اللّه، ما حال أمتى؟ فتقول: يا محمد، أما من وفد إلى من أمتك، فأنا القائمة بشأنه، و أما من لم يفد إلى من أمتك، فأنت القائم بشأنه، رواه أبو سعيد الموصلى فى باب رفع الكعبة المشرفة إلى البيت المقدس.

فانظر لسرّ زيارة البيت الحرام للنبى ((عليه السلام))، و دخول الكعبة المشرفة؛ مدينة خير الأنام، و كفى بهذا الشرف تعظيما.

قال الشيخ عبد اللّه المرجانى فى «بهجة النفوس»: «و الأسرار فى تاريخ دار هجرة المختار لما جرى سابق شرفها فى القدم؛ أخذ من تربتها حين خلق آدم، فأوجد الموجد وجودها من بعد العدم».

قال أهل السير: «إن اللّه تعالى لما خمرّ طينة آدم ((عليه السلام))؛ حين أراد خلقه أمر جبريل أن يأتيه بالقبضة البيضاء التى هى قلب الأرض، و بهائها و نورها، ليخلق منها محمدا ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فهبط جبريل فى ملائكة الفراديس المقربين، و ملائكة الصفح الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و هى يومئذ بيضاء نقية، فعجنت بماء التسنيم، و رعرعت حتى صارت كالدرة البيضاء، ثم غمست فى أنهار الجنة كلها، و طيف بها فى‏

____________

- بالوافيات: 2/ 171، العبر: 1/ 343، مرآة الجنان: 2/ 13، طبقات المفسرين: 2/ 98، حلية الأولياء: 9/ 63، تهذيب التهذيب: 9/ 35، تذكرة الحفاظ: 1/ 361، تاريخ الخميس: 2/ 335، طبقات الحنابلة: 1/ 280، اللباب: 2/ 5 طبقات الحفاظ: 152.

(1) الزهرى: أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه؛ ابن شهاب المدنى. كان من أحفظ أهل زمانه، فقيها فاضلا. روى عن سهل بن سعد و ابن عمر و جابر و أنس و غيرهم من الصحابة و التابعين. و روى عنه: أبو حنيفة و مالك و عطاء بن أبى رباح و عمر بن عبد العزيز؛ و هما من شيوخه و ابن عيينة و الليث و الأوزاعى و ابن جريج. مات سنة 124 ه انظر كتاب تهذيب التهذيب: 9/ 445، شذرات الذهب: 1/ 162، طبقات القراء لابن الجوزى 2/ 262، النجوم الزاهرة: 1/ 294، حلية الأولياء: 3/ 360، وفيات الأعيان: 1/ 451.

125

السموات و الأرض و البحار، فعرفت الملائكة حينئذ محمدا ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و فضله، قبل أن تعرف آدم و فضله، ثم عجنت بطينة آدم بعد ذلك.

و لا يخلق ذلك الجسد إلا من أفضل بقاع الأرض» حكاه الثعلبى.

و حكى أبو عبيد الجرهمى: «و كان كبير السن، عالما بأخبار الأمم، أن تبعا الأصفر؛ و هو: تبع بن حسان بن تبع‏ (1)، سار إلى يثرب، فنزل فى سفح جبل أحد، و ذهب إلى اليهود، و قتل منهم ثلثمائة و خمسين رجلا صبرا، و أراد إخرابها، فقام إليه حبر من اليهود، فقال له: أيها الملك، مثلك لا يقبل على الغصب، و لا يقبل قول الزور، و أنت لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: و لم؟ قال: لأنها مهاجر نبى من ولد إسماعيل، يخرج من هذه البنية- يعنى: البيت الحرام، فكف تبع، و مضى إلى مكة، و معه هذا اليهودى، و رجل آخر عالم من اليهود، فكسى البيت الحرام كسوة، و نحر عنده ستة آلاف جزور، و أطعم الناس، و لم يزل بعد ذلك يحوط المدينة الشريفة و يعظمها».

و يروى: أن سليمان ((عليه السلام)) لما حملته الريح من اصطخر على ممره بوادى النمل سار إلى اليمن، فتوغل فى البادية، فسلك مدينة الرسول ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فقال سليمان ((عليه السلام)): هذه دار هجرة نبى فى آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، و اتبعه، فقال له قوم: كم بيننا و بين خروجه؟ قال: زهاء ألف عام.

و وادى النمل هو: وادى السديرة، بأرض الطائف من أرض الحجاز، قاله كعب. و قيل: هو بالشام.

و عن أنس (رضى اللّه عنه: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته، و إن كان على دابة حولها».

و عن أبى هريرة قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل؛ يطلبون‏

____________

(1) تبع بن حسان بن تبع بن كليكرب بن تبع بن الأقرن؛ و هو: تبع الأصفر آخر ملوك التبابعة، و كان مهيبا سار إلى الشام و ملوكها «غسان» فأعطته المقادة، و اعتذروا من دخولهم إلى النصرانية، و كان ملكه 78 سنة. انظر كتاب: المعارف: 624، 635.

126

العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة». قال الترمذى‏ (1): حديث حسن.

روى عن سفيان بن عيينة (2) أنه قال: هو مالك بن أنس (رضى اللّه عنه).

و عن عبد الرزاق أنه قال: العمرى الزاهد.

قال التوربشتى فى «شرح المصابيح»: «و ما ذكره ابن عيينة و عبد الرزاق فهو محمول منهما على غلبة الظن، و دون القطع به.

و قد كان مالك ((رحمه الله)) حقيقا بمثل هذا الظن، فإنه كان إمام دار الهجرة، و المرجوع بها إليه فى علم الفتيا، و كذا العمرى الزاهد، و هو:

عبد اللّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه)، و قد كان الشيخ وحده، و كان من عباد اللّه الصالحين المشائين فى عباده، و بلاده بالنصيحة.

و لقد بلغنا: أنه كان يخرج إلى البادية ليتفقد أحوال أهلها، شفقة منه عليهم، و أداء لحق النصيحة فيهم، فيأمر بالمعروف، و ينهى عن المنكر.

و كان يقول لعلماء المدينة: شغلكم طلب الجاه، و حب الرياسة عن توفية العلم حقه فى إخوانكم من المسلمين، تركتموهم فى البوادى و الفلوات، يعمهون فى أودية الجهل، و متيهة الضلال، أو كلاما هذا معناه».

____________

(1) الترمذى: محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك السّلمى، صاحب «الجامع»، و «العل»، طاف البلاد و سمع خلقا كثيرا، و روى عن محمد بن المنذر شكّر و الهيثم بن كليب و أبو العباس المحبوبى. مات بترمذى فى رجب سنة 270 ه. انظر كتاب: خلاصة تهذيب الكمال: 203، شذرات الذهب: 2/ 174، تهذيب التهذيب: 9/ 387، تذكرة الحفاظ:

2/ 633، ميزان الاعتدال: 3/ 678.

(2) سفيان بن عيينة: ابن أبى عمران ميمون الهلالى؛ أبو محمد الكوفى الأعور، أحد أئمة الإسلام، و هو من رجال الحديث؛ روى عن عمرو بن دينار و الزهرى و زياد بن علاقة و زيد بن أسلم و محمد بن المنكدر. و روى عنه: الشافعى و ابن المدينى و ابن معين و ابن راهويه و الفلاس. مات سنة 198 ه بمكة فى أول يوم من رجب. انظر كتاب: تاريخ بغداد:

9/ 174، طبقات ابن سعد، طبقات المفسرين: 1/ 190، تذكرة الحفاظ: 1/ 262.

127

قال التوربشتى: «و لو جاز لنا أن نتجاوز الظن فى مثل هذه القضية لكان قولنا: إنه عمر أولى من قوله: إنه العمرى مع القطع به، فقد لبث فى المدينة أعواما يجتهد فى تمهيد الشرع، و تبيين الأحكام. و لقد شهد له أعلام الصحابة بالتفوق فى العلم، حتى قال ابن مسعود (رضى اللّه عنه) يوم استشهد عمر (رضى اللّه عنه): لقد دفن بموته تسعة أعشار العلم». انتهى.

قال العفيف المرجانى: «سمعت والدى يقول: كنت ذات يوم جالسا فى البستان، فإذا بمقدار ثلاثين أو أربعين فارسا لابسين ثيابا، معممين، ملثمين جميعهم، قاصدين المدينة، فاتبعتهم فى أثرهم، فلم أجد لهم خبرا، فسألت عنهم، فلم أجد من يخبرنى عنهم بخبر، و لم أجد لهم أثرا، فعلمت أنهم من الملائكة، أو من مؤمنى الجن، أو صالحى الإنس؛ أتوا لزيارة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

قال: «و البستان اليوم باق، معروف بالمرجانية؛ بالقرب من المصلى».

قال العفيف: «و سمعته يقول؛ من بركة أرض المدينة: إنى زرعت بالبستان بطيخا أخضر، فلما استوى أتانى بعض الفقراء من أصحاب، فأشاروا إلى بطيخة قد انتهت، و قالوا: هذه لا تتصرف فيها، هى لنا إلى اليوم الفلانى، فلما خرجوا أتى من قطعها، و لم أعلم، فتشوشت من ذلك، و نظرت، فإذا بتوارة قد طلعت مكان تلك البطيخة، و عقدت بطيخة، فلم يأت يوم وعد الفقراء إلا و هى أكبر من الأولى، فأتوا و أكلوها و لم يشكوا أنها الأولى».

و قال العفيف فى «تاريخه» أيضا: «سمعت والدى يقول: سحرت امرأة من أهل اليمن زوجها، و غيرت صورته، و اتفق لهم حكاية طويلة، ثم شفع فيه بعض الناس، فقالت امرأته: لا بد أن أترك فيه علامة، فأطلقته بعد أن نبت فيه ذنب، كذنب الحمار، فحج و هو على تلك الحالة، فشكى ذلك إلى أبى عبد اللّه محمد بن يحيى الغرناطى- فقيه كان بمكة- فأمره بالسفر إلى المدينة، فسافر فى طريق المشيان إليها.

128

قال: فعند وصوله إلى قباء، أسقط منه ذلك الذنب؛ بإذن اللّه تعالى».

*** ما جاء فى غبار المدينة الشريفة

تقدم فى باب الفضائل حديث: «غبار المدينة شفاء من الجذام».

و عن ابن عمر: «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما دنى من المدينة منصرفة من تبوك خرج إليه يتلقاه‏ (1) أهل المدينة؛ من المشايخ و الغلمان ثار من آثارهم غبرة، فخمر بعض من كان مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنفه من الغبار، فمد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يده، فأماطها عن وجهه، و قال: أما علمتم أن عجوة المدينة شفاء من السّم، و غبارها شفاء من الجذام».

و عن إبراهيم بن الجهم: «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أتى بنى الحارث، فإذا هم و وبا، فقال: ما لكم يا بنى الحارث و وبى؟! قالوا: نعم يا رسول اللّه أصابتنا هذه الحمى. قال: فأين أنتم عن صعيب؟ قالوا: يا رسول اللّه، ما نصنع به؟ قال: تأخذون من ترابه، فتجعلونه فى ماء، ثم يتفل عليه أحدكم، و يقول: بسم اللّه، بتربة أرضنا، بريق بعضنا، شفاء لمريضنا، بإذن ربنا. ففعلوا، فتركتهم الحمى».

قال أبو القاسم؛ طاهر بن يحيى العلوى: صعيب: وادى بطحان، دون الماجشونية، و فيه حفرة، يأخذ الناس منها، و هو اليوم إذا وبا إنسان يأخذ منها.

قال الحافظ؛ محب الدين بن البخار (2): رأيت هذه الحفرة و الناس يأخذون منها، و ذكروا أنهم قد جربوه، فوجدوه صحيحا. قال: و أخذت أنا منها أيضا.

____________

(1) فى (ب): تتلقاه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

129

و بطحان: بضم الباء، و سكون الطاء المهملة، سمى بذلك لسعته و انبساطه من البطح؛ و هو البسط، قاله أبو عبيد القاسم بن سلام.

و عن ابن سلمة: أن رجلا أتى به رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و برجله قرحة، فرفع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) طرف الحصير، ثم وضع إصبعه التى تلى الإبهام على التراب بعد ما مسّها بريقه، فقال: بسم اللّه، بريق بعضنا، بتربة أرضنا، يسقى سقيمنا، بإذن ربنا، ثم وضع إصبعه على القرحة، فكأنما حل من عقال.

*** ما جاء فى تمر المدينة و ثمارها و دعائه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لها بالبركة

أول من غرس النخل فى الأرض أنوس بن شيث، و أول من غرس بالمدينة بنو قريظة و بنو النضير.

حدث العوفى، عن الكلبى فى تاريخ «ملوك الأرض»: «أن شريه الخثعمى عمر ثلثمائة سنة، و أدرك زمان عمر بن الخطاب، فقال و هو بالمدينة:

لقد رأيت هذا الوادى الذى أنتم، و ما به نخلة، و لا شجرة مما ترون، و لقد سمعت أخريات قومى يشهدون بمثل شهادتكم هذه.

يعنى: لا إله إلا اللّه.

و ممن عمر مثل هذا جماعة؛ منهم: سلمان الفارسى، و المستوغر بن ربيعة.

و تقدم فى الفضائل: «من تصبح بسبع ثمرات عجوة، لم يضره فى ذلك اليوم سمّ، و لا سحر».

و فى «صحيح مسلم»: «من أكل سبع ثمرات من بين لابتيها حين يصبح لم يضره سم حتى يمسى». و اللابة الحرة: حجارة سود من الجبلين.

فقوله: من بين لابتيها حين، أى: حرّيتها.

و عن أبى هريرة: «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان يؤتى بأوّل التمر، فيقول:

130

اللّهم بارك لنا فى مدينتنا، و فى ثمارنا، و فى مدّنا، و فى صاعنا؛ بركة مع بركة، ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان».

و فى رواية ابن السنى، عن أبى هريرة: «رأيت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا أتى بباكورة وضعها على عينيه، ثم على شفتيه، و قال: اللّهم، كما أريتنا أوّله، فأرنا آخره، ثم يعطيه من يكون عنده من الصبيان».

و عن غيره قال: «خرجنا مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى إذا كنا بالسقيا؛ التى كانت لسعيد بن أبى وقاص، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): ائتونى بوضوء، فلما توضأ قام، فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم قال: اللّهم، إن إبراهيم كان عبدك، و خليلك، دعاك لأهل مكة بالبركة، و أنا محمد عبدك، و رسولك أدعوك: أن تبارك لهم فى مدهم، مثل ما باركت لأهل مكة، و مع البركة بركتين».

*** ذكر ما يؤول إليه أمر المدينة الشريفة

عن أبى هريرة قال: سمعت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم) يقول: «لتتركن المدينة على خير ما كانت، مدللة ثمارها، لا يغشاها إلا العوافى- يريد: عوافى الطير و السباع- و أخر من يحشر منها راعيان من مزينة، يريدان المدينة ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجوههما» رواه البخارى.

و عنه: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب أو الذئب، فيعدى على بعض سوارى المسجد، أو على المنبر، فقالوا: يا رسول اللّه، فلمن تكون الثمار فى ذلك الزمن؟ فقال:

للعوافى: الطير و السباع» رواه مالك فى «الموطأ».

***

131

ما جاء فى تحديد حدود حرم المدينة الشريفة

فى «الصحيحين»: «من حديث على (رضى اللّه عنه)، عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة اللّه، و الملائكة، و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا، و لا عدلا».

و أراد بالحدث: البدعة.

و ذلك ما لم تجر به سنة، و لم يتقدم به عمل.

و بالمحدث: المبتدع. قال التوربشتى: «و روى بعضهم: المحدث: بفتح الدّال، و ليس بشى‏ء، لأن الرواية الصحيحة بكسر الدال، و فيه من طريف المعنى وهن؛ و هو: أن اللفظين يرجعان حينئذ إلى شى‏ء واحد، فإن إحداث البدعة، أو إيوائها سواء، و الإيواء قلما يستعمل فى الأحداث، و إنما المشهور استعماله فى الأعيان؛ التى تنضم إلى المأوى». انتهى.

و عن على (رضى اللّه عنه) قال: ما عندنا لشى‏ء إلا كتاب اللّه، و هذه الصحيفة.

عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «المدينة حرم ما بين عاير إلى كذا» رواه البخارى مطولا، و هذا لفظه.

و رواه مسلم‏ (1) فقال: «ما بين عير إلى ثور»، و هذا هو حدّ الحرم فى الطول.

____________

(1) مسلم: هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيرى؛ أبو الحسن النيسابورى الإمام الحافظ صاحب «الصحيح»، روى ابن قتيبة و عمرو الناقد و ابن المثنى و ابن يسار و أحمد و يحيى و إسحاق و خلق كثير. و روى عنه: الترمذى و أبو عوانة و ابن صاعد. مات سنة 261 ه، و له من الكتب: «المسند» الكبير على الرجال، «الجامع»، «الأسماء و الكنى»، «العلل» «التمييز»، و كثير غير ذلك. انظر كتاب: تاريخ بغداد: 3/ 100، العبر: 2/ 23، خلاصة تهذيب الكمال: 320، تذكرة الحفاظ: 2/ 588.

132

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) أنه كان يقول: لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها.

قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «ما بين لابتيها حرام» متفق عليه.

و هذا حدّ الحرم فى العض.

و عنه قال: حرم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ما بين لابتى المدينة.

قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها.

و جعل اثنى عشر ميلا حمى. رواه مسلم.

قال المازنى: نقل بعض أهل العلم: أن ذكر ثور هنا و هم من الراوى، لأن ثورا بمكة، و الصحيح: ما بين ثور إلى أحد.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: أن عيرا جبل معروف بالمدينة، و أن ثورا لا يعرف بها، و إنما يعرف بمكة، قال: فإذا يرى أن أصل الحديث: «ما بين عير إلى أحد»، و كذلك قال غيره.

و قال أبو بكر الحازمى‏ (1): «حرم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ما بين عير إلى أحد.

قال: هذه الرواية الصحيحة. و قيل: إلى ثور، فليس له معنى». انتهى.

قالوا: أو يكون رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سمّى أحدا: ثورا، تشبيها بثور مكة لوقوعه فى مقابلة جبل يسمّى: عيرا.

و قيل: أراد بهما: مازمى المدينة، لما ورد فى حديث أبى سعيد (2):

«حرمت ما بين مازميها».

____________

(1) أبو بكر الحازمى: هو محمد بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذانى، أبو بكر الحازمى، ولد سنة 548 ه، صنف وجود و تفقه فى مذهب الشافعى، و صار من أحفظ الناس للحديث و أسانيده، صنف من الكتب: «عجالة المبتدى» فى الأنساب، «المؤتلف و المختلف» فى أسماء البلدان، «الناسخ و المنسوخ». انظر كتاب: طبقات الشافعية للسبكى: 7/ 13، شذرات الذهب: 4/ 282، العبر: 4/ 254، البداية و النهاية:

12/ 332، النجوم الزاهرة 6/ 109.

(2) أبو سعيد الخدرى: هو سعيد بن مالك الأنصارى الخزرجى المدنى، و هو منسوب إلى-

133

و قيل: أراد: الحرتين، شبه إحدى الحرتين بعير لنتوء وسطه و نشوزه، و الآخر بثور لامتناعه تشبيها بثور الوحش، و قيل: إن ما بين عير مكة إلى ثورها من المدينة مثله حرام، و إنما قيل: هذه التأويلات لما لم يعرف بالمدينة جبل يسمى: ثورا.

قال المحب الطبرى: «و قد أخبرنى الثقة الصدوق الحافظ العالم المجاور بحرم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))؛ أبو محمد عبد السلام البصرى: أن حذاء أحد، عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير، يقال له: ثور.

و أخبر: أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض، و ما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه: ثور، فعلمنا بذلك أن ما تضمنه الخبر صحيح، و عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته، و عدم سؤالهم، و بحثهم عنه». انتهى.

و قال جمال الدين المطرى و غيره: «قد ثبت بالمدينة الشريفة عن أهلها القدماء الساكنين بالعمرية، و الغابة: أنهم يعرفون عن آبائهم، و أجدادهم:

أن وراء أحد جبلا يقال له: ثور، معروف». قال: «و شاهدنا الجبل، و لم يختلف فى ذلك أحد، و عسى أن يكون أشكل على من تقدم لقلة سكناهم بالمدينة. قال: «و هو خلف جبل أحد؛ من شماليه تحته، و هو جبل صغير مدور، و هما حدّ الحرم، كما نقل». قال: «و لعل هذا الاسم لم يبلغ أبا عبيد، و لا المازنى». انتهى.

و أما عير، فهو: الجبل الكبير الذى من جهة قبلة المدينة.

و اختلف فى صيد حرم المدينة و شجره: و مذهبنا: أنه لا يحرم.

و تقدم آخر الباب التاسع الجواب عن حديث سعد بن أبى وقاص، و عن قوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «إن إبراهيم حرم مكة، و إنى حرمت المدينة».

____________

- الخدرة، و هم من اليمن، كان من علماء الصحابة، و ممن شهد بيعة الشجرة، روى أحاديث كثيرة، و أفتى مدة، و له من الولد: عبد الرحمن و سعيد و بشير. مات سنة 74 ه.

انظر كتاب: أسد الغابة: 6/ 142، المعارف: 268، شذرات الذهب: 1/ 180، طبقات الشيرازى: 51.

134

و عن حديث سعد بن أبى وقاص: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «إنى أحرم ما بين لابتى المدينة؛ أن يقطع عضاهها ...» الحديث.

قال التوربشتى فى «شرح المصابيح»: «و كان سعد و زيد بن ثابت‏ (1) يريان فى ذلك الجزاء».

و أجاب عن ذلك بأنه نسخ، فلم يشعرا به، قال: «و إنما ذهب للنسخ من ذهب للأحاديث التى تدل على خلاف ذلك، و لهذا لم يأخذ بحديثهما أحد من فقهاء الأمصار.

و سئل مالك عن النهى فى قطع سد المدينة، فقال: إنما نهى عنه، لئلا يتوحش، و ليتقى به شجرها، فيستأنس بذلك من هاجر إليها، و يستظل بها». انتهى.

و أجاب أيضا عن حديث أبى سعيد الخدرى، عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال:

«اللّهم، إن إبراهيم حرم مكة، فجعلتها حراما ...» الحديث. و فيه: «لا ينفر صيدها»، و كذلك فى حديث جابر (2): «لا يصاد صيدها».

____________

(1) زيد بن ثابت أبو سعيد الأنصارى الخزرجى المقرئ، من كتاب الوحى، أمره النبى أن يتعلم الكتابة من اليهود، فكتب الوحى و حفظ القرآن و انتدب فى أيام أبى بكر لجمع القرآن، فبذل كل الجهد فى جمعه، و كتب المصحف فى عهد عثمان، و كان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج. قرأ عليه القرآن عبد اللّه بن عباس و أبو عبد الرحمن السلمى. و حدث عنه ابنه خارجة و أنس بن مالك و ابن عمر و غيرهم. مات زيد سنة 45 ه. انظر كتاب: طبقات القراء للذهبى: 1/ 35، الإصابة: 1/ 543، العبر: 1/ 53، خلاصة تهذيب الكمال:

108، أسد الغابة: 2/ 278، تذكرة الحفاظ: 1/ 30، النجوم الزاهرة: 1/ 130.

(2) جابر بن عبد اللّه: هو جابر بن عبد اللّه بن عمرو؛ أبو عبد اللّه الأنصارى، الفقيه مفتى المدينة فى عصره، شهد «العقبة» مع السبعين من الأنصار، و كان أصغرهم يومئذ، و لم يشهد «بدرا»، و لا «أحدا»، و شهد ما بعد ذلك. هو ممن تأخر موته من الصحابة بالمدينة، و كان له ابنان يروى عنهما الحديث: عبد الرحمن بن جابر، و محمد بن جابر، و كلاهما يضعفه أهل الحديث. مات جابر سنة 78 ه، و هو ابن أربع و تسعين سنة، و كان قد ذهب بصره. انظر كتاب: المعارف: 307، نكت الهيمان: 132، أسد الغابة:

1/ 307، الإصابة: 1/ 214، تذكرة الحفاظ: 1/ 43.

135

قال: «و السبيل فى ذلك أن يحمل النهى على ما قاله مالك و غيره من العلماء: أنه أحب أن تكون المدينة مأهولة مستأنسة، فإن صيدها، و إن رأى تحريمه نفر يسير من الصحابة، فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، و لم يبلغنا فيه عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نهى من طريق يعتمد عليه، و لو كان حراما، لم يسكت عنه فى موضع الحاجة، ثم لم يبلغنا عن أحد من الصحابة أنه رأى الجزاء فى صيد المدينة، و لم يذهب أيضا إلى ذلك أحد من الفقهاء الأمصار؛ الذين يدور عليهم علم الفتيا فى بلاد الإسلام». انتهى.

و أجاب التوربشتى أيضا عن حديث سعد (رضى اللّه عنه): «أنه وجد عبدا يقطع شجرا أو يخبطه، فسلبه ثيابه».

قال: «و الوجه فى ذلك: النسخ فى ذلك على ما ذكرنا، و قد كانت العقوبات فى أول الإسلام جارية فى الأموال». انتهى.

***

136

الفصل الرابع ذكر وادى العقيق و فضله‏

تقدم حديث عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) قال: سمعت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بوادى العقيق يقول: «أتانى الليلة آت من ربى ...» الحديث.

و كان عبد اللّه بن عمر ينيخ بالوادى؛ يتحرى معرس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و يقول: هو أسفل من المسجد الذى ببطن الوادى، بينه و بين الطريق، وسط من ذلك.

و عن عامر بن سعد بن أبى وقاص، قال: ركب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى العقيق‏ (1)، ثم رجع، فقال: يا عائشة، جئينا من هذا العقيق، فما ألين موطئه، و ما أعذب ماءه. قالت: أفلا تنتقل‏ (2) إليه. قال: كيف، و قد ابتنى الناس.

قال أهل السير: «وجد قبر آدمى عند جما أم خالد، بالعقيق، مكتوب فيه: أنا عبد اللّه؛ رسول رسول اللّه سليمان بن داوود إلى يثرب، و وجد حجر آخر على قبر آدمى أيضا عليه مكتوب: أنا سود بن سوادة؛ رسول رسول اللّه عيسى ابن مريم إلى أهل هذه القرية».

قال الشيخ جمال الدين المطرى: و الجماوات: أربعة أجبل غربى وادى العقيق، و ابتنى الناس بالعقيق من خلافة عثمان (رضى اللّه عنه)، و نزلوه، و حفروا به الآبار، و غرسوا فيه النخيل، و الأشجار من جميع نواحيه، على جنبى وادى العقيق إلى هذه الجماوات. و سميت كل جما منها باسم من بنى فيها، و نزل فيه جماعة من الصحابة (رضى اللّه عنهم)، منهم: أبو هريرة،

____________

(1) فى (ب): الغقيق.

(2) فى (ب): تنتقل.

137

سعيد بن العاص، و سعد بن أبى وقاص، و سعيد بن زيد، و ماتوا جميعهم به، و حملوا إلى المدينة، و دفنوا فى البقيع.

و كذلك سكنه جماعة من التابعين، و من بعدهم، و كانت فيه القصور المشيدة، و الآبار العذبة، و لأهلها أخبار مستحسنة، و أشعار رائعة، و لما بنى عروة بن الزبير قصره بالعقيق، و نزله، قيل له: جفوت عن مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فقال: إنى رأيت مساجدهم لاهية، و أسواقهم لاغية، و الفاحشة فى فجاجهم عالية، فكان فيما هنالك عماءهم فيها عافية.

و ولى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) العقيق لرجل اسمه: هيصم المزنى، و لم تزل الولاة على المدينة الشريفة يولون عليه واليا، حتى كان داود بن عيسى، فتركه فى سنة ثمان و تسعين و مائة قال: قال ابن النجار: و وادى العقيق اليوم ليس فيه ساكن، و فيه بقايا بنيان خراب‏ (1)، و آثار نجد النفس برؤيتها أنسا.

قال الشيخ منتخب الدين: و بالمدينة عقيقان؛ الأصغر فيه بئر رومة، و الأكبر فيه بئر عروة.

قال الجمال المطرى: و رمل مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من العرصة التى تسيل من الجما الشمالية إلى الوادى، فيحمل منه، و ليس فى الوادى رمل أحمر، غير ما يسيل من الجبل.

*** ذكر الآبار المنسوبة إلى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

قد نقل أهل السير أسماء آبار المدينة التى شرب منها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و بصق فيها إلا أن أكثرها لا يعرف اليوم، فلا حاجة إلى ذكره.

و نذكر الآبار التى هى موجودة اليوم، معروفة؛ على ما يذكر أهل المدينة، و العهدة عليهم.

الأولى- بئر حاء.

____________

(1) فى (ب): خرب.

138

قال ابن النجار: «و هذه البئر اليوم وسط حديقة صغيرة جدا فيها تحيلات، و عندها بيت مبنىّ على علو من الأرض، و هى قريبة من البقيع، و من سور المدينة، و هى ملك لبعض أهل المدينة، و ماؤها عذب حلو». قال:

«و ذرعتها، فكان طولها عشرين ذراعا؛ منها أحد عشر ذراعا و نصف ماء، و الباقى بنيان، و عرضها ثلاثة أذرع و يسير، و هى مقابلة للمسجد، كما ورد فى الصحيح».

و قال المطرى: «و هى شمالى سور المدينة، بينها و بين السور؛ الطريق.

و تعرف اليوم ب: «النويرية»، اشتراها (1) و وقفها على الفقراء و غيرهم.

الثانية: بئر أويس:

و هى البئر التى جلس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عليها، و توسط قفّها و كشف عن ساقيه و دلاهما فى البئر، و كان بابها من جريد، فدخل عليه أبو بكر (رضى اللّه عنه)، فبشره بالجنة، و جلس عن يمين رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) معه فى القف و دلى رجليه فى البئر، و كشف عن ساقيه، ثم دخل عمر (رضى اللّه عنه)، و بشره بالجنة، و جلس عن يساره، و صنع كما صنع أبو بكر، ثم دخل عثمان بن عفان، و بشره بالجنة مع بلوى تصيبه فوجد القف قد ملئ فجلس وجاههم‏ (2) من الشق الآخر، ثبت ذلك فى الصحيحين.

و كان البواب: أبو موسى الأشعرى‏ (3).

قال سعيد بن المسيب‏ (4): «فأولها قبورهم».

____________

(1) أى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

(2) وجاه: الوجاه: التجاه، يقال: دارى وجاه دارك: أى حذائها من تلقاء وجهها.

انظر: المعجم الوسيط: 1057.

(3) سبقت الإشارة إليه.

(4) سعيد بن المسيب: هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب؛ من بنى عمران بن مخزوم، يكنى: أبا محمد، كان أفقه أهل الحجاز، و كان أعبر الناس للرؤيا، دعى إلى البيعة لابن الزبير فأبى، فضرب ستين سوطا و ضربه هشام بن إسماعيل أيضا ستين سوطا، و طاف به فى المدينة، و ذلك لأنه رفض بيعة الوليد و سليمان للعهد، و كان مولده لسنتين مضتا من خلافة عمر، و قيل: لأربع، و توفى سنة 94 ه، و قيل: سنة 93 ه. انظر كتاب:

طبقات ابن سعد: 5/ 88، طبقات الحفاظ: 17، 18، المعارف: 437، 438، تهذيب التهذيب: 4/ 8.

139

قال ابن النجار: و هذه البئر مقابلة مسجد قباء، و عندها مزارع، و يستسقى منها؛ ماؤها عذب.

قال: و ذرعتها فكان طولها أربعة عشر ذراعا و شبرا، منها ذراعان و نصف ماء، و عرضها خمسة أذرع، و طول قفها الذى جلس عليه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و صاحباه؛ ثلاثة أذرع، و البئر تحت أطم عال خراب، من حجارة.

قال المطرى: البئر غربى مسجد قباء فى حديقة الأشراف الكبراء من بنى الحسين بن علىّ بن أبى طالب»، و الأطم المذكور من جهة القبلة، و قد بنى فى أعلاه مسكن يسكنه من يقوم بالحديقة، و يخدم المسجد الشريف، و حولها دور الأنصار و آثارهم (رضى اللّه عنهم).

و قد جدد لها الشيخ صفى الدين أبو بكر أحمد الشلابى، (رحمه الله) ينزل إليها منه، و على الدرج قبو، و ذلك فى سنة أربع عشرة و سبعمائة.

الثالثة- بئر بضاعة:

و قد تقدم فى الفضائل: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بصق فيها، و دعى لها، و هذه البئر كانت لبنى ساعدة، و هم قوم من الخزرج.

قال المرجانى فى «تاريخه»: «و الظاهر أن بضاعة رجل أو امرأة تنسب إليه البئر، و كان موضعها ممر السيول فتكمح الأقدار من الطرق إليها؛ لكن الماء لكثرته لا يؤثر ذلك فيه.

قال أبو داود (1) فى «السنن»: «سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها،

____________

(1) أبو داود: هو سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو الأزدى؛ أبو داود السجستانى؛ صاحب كتاب «السنن»، و «الناسخ و المنسوخ»، و «القدر»، و «المراسيل» و غير ذلك.

ولد سنة 202 ه. روى عن: القعنبى و مسلم بن إبراهيم و أبى الوليد الطيالسى و أحمد و يحيى و إسحاق و ابن المدينى. و روى عنه: الترمذى، و ابنه أبو بكر و حرب الكرمانى و ذكريا الساجى و أبو عوانة، كان فقيها ورعا عالما حافظا؛ جمع و صنف و ذب عن السنن.

مات بو داود سنة 275 ه فى شوال. انظر كتاب: طبقات الشافعية: 2/ 293، طبقات الحنابلة: 1/ 159، مفتاح السعادة: 2/ 135، اللباب: 1/ 533، تذكرة الحفاظ:

2/ 591، البداية و النهاية: 11/ 54.

140

فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص؟ قال:

دون العورة».

قال أبو داود: قد زرعت بئر بضاعة برداء مددته عليها، ثم ذرعته، فإذا عرضه ستة أذرع، و سألت الذى فتح باب البستان، فأدخلنى إليه، هل غيّر بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا، و رأيت فيها ما تغيّر اللون.

قال ابن العربى: و هى فى وسط السبخة، فماؤها يكون متغيرا من قرارها.

قال المحب ابن النجار: و ماؤها عذب طيب، صاف أبيض، و ريحه كذلك، و يستسقى منها كثيرا، و ذرعتها، فكان طولها أحد عشر ذراعا و شبرا منها ذراعان ماء، و الباقى بناء، و عرضها ستة أذرع؛ كما ذكر أبو داود.

قال الجمال المطرى: و هى اليوم فى ناحية حديقة، شمالى سور المدينة، و غربى بئر حاء، و جهة الشمال يستقى منها أهل الحديقة، و الحديقة فى قبلة البئر، و يستقى منها أهل حديقة أخرى شمالى البئر، و البئر وسط بينهما، و هذه الآبار المذكورة تقدم فضلها فى الفضائل.

الرابعة: بئر غرس:

عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش، قال: «جاء أنس بن مالك بقباء فقال: أين بئركم هذه؟ يعنى بئر غرس: فدللناه عليها.

قال: رأيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جاءها، و أنها تتسنى على حمار بسحر، فدعى النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بدلو من ماءها؛ توضأ منه، ثم سكبه فيها، فما نزفت بعده.

و عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

«رأيت الليلة أنى أصبحت على بئر من الجنة»، فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها و بصق فيها، و غسّل منها حين مات ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كان يشرب منها.

قال المحب ابن النجار: و هذه البئر بينها و بين مسجد قباء نحو نصف ميل، و هى فى وسط الصحراء و قد خربها السيل وطمها (1)، و فيه ماء أخضر لأنه عذب طيب، و ريحه الغالب عليه الأجون.

____________

(1) طمّ: طم الشى‏ء طموما: كثر حتى عظم أو عم، و يقال: طم البحر أو الماء.

انظر: المعجم الوسيط: 586.

141

قال: و ذرعتها، فكان طولها سبعة أذرع؛ شافه منها ذراعان ماء، و عرضها عشرة أذرع.

قال المطرى: هى شرقى قباء، إلى جهة الشمال، و هى بين النخيل، و يعرف مكانها اليوم و ما حولها بالغرس، و هى ملك بعض أهل المدينة، و جددت بعد السبعمائة، و هى كثيرة الماء، و عرضها عشرة أذرع، و طولها يزيد على ذلك.

الخامسة: بئر البصّة:

عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى‏ (1) (رضى اللّه عنه)، قال: كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يأتى الشهداء و أبناءهم، و يتعاهد عيالهم. قال: فجاء يوما أبا سعيد الخدرى‏ (2)، فقال: هل عندك من سدر أغسل به رأسى، فإن اليوم الجمعة؟ قال: نعم، فأخرج له مدرا، و خرج معه إلى البصّة، فغسل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) رأسه، و صبّ غسالة رأسه، و مراقة شعره فى البصّة.

قال ابن النجار (3): و هذه البئر قريبة من البقيع على يسار الماضى إلى قباء، و هى بين نخل، و قد هدمها السيل، و طمّها، و فيها ماء أخضر، و وقفت على قفها، و ذرعت طولها فكان أحد عشر ذراعا منها ذراعان ماء، و عرضها تسعة أذرع، و هى مبنية بالحجارة، و لون مائها إذا انفصل منها أبيض، و طعمه حلو، إلا أن الأجون غالب عليه.

قال: و ذكر لى الثقة: أن أهل المدينة كانوا يستقون منها قبل أن يطمها السيل.

قال المطرى: و هى اليوم حديقة كبيرة يحوط عليها بحائط، و عندها فى الحديقة بئر صغير أصغر منها، و الناس يختلفون فيهما؛ أيهما بئر البصّة؟

____________

(1) عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى: هو ابن أبى سعيد الخدرى، و كان عبد الرحمن ضعيف عند أصحاب الحديث ليس بثبت، و حديثه كثير، و كان يكنى: أبا محمد، و مات سنة 112 ه بالمدينة، و له من الولد: عبد اللّه، و ربيح؛ و اسمه: سعيد. انظر كتاب:

المعارف: 268.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) سبقت الإشارة إليه.

142

إلا أن الشيخ محب الدين قطع: بأنها الكبيرة؛ القبلية، و قياس الصغرى كالكبرى، و عرضها ستة أذرع، و هى التى تلى أطم مالك بن سنان؛ أبى‏ (1) أبى سعيد الخدرى قال: و سمعت بعض من أدركت من أكابر خدام الحرم الشريف، و غيرهم من أهل المدينة يقولون: إنها الكبرى القبلية.

و أن الفقيه الصالح أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل، و غيره من صلحاء اليمن، إذا جاؤها للتبرك، إنما يقصدون الكبرى، و الحديقة التى هى فيها اليوم وقف على الفقراء و المساكين، و الواردين، و الصادرين، لزيارة سيد المرسلين، وقفها الشيخ عزيز الدولة ريحان الندى الشهابى شيخ خدام الحرم الشريف قبل وفاته بيومين، أو ثلاثة، و كانت وفاته سنة سبع و تسعين و ستمائة.

السادسة: بئر رومة:

قال الإمام منتخب الدين أبو الفتح العجلى: لما قدم المهاجرون المدينة الشريفة استنكروا الماء لملوحته، و كان لرجل من بنى غفار عين يقال لها: بئر رومة، يبيع منها القربة بمد من الطعام.

فقال له النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): بعنيها بعين من الجنة؟ فقال: ليس لى غيرها، فبلغ عثمان (رضى اللّه عنه) فاشتراها بخمسة و ثلاثين ألف درهما، ثم أتى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال: يا رسول اللّه، أتجعل مثل الذى جعلته له؟ فقال:

نعم.

قال الشيخ: و هذه البئر فى العقيق الأصغر، و فى العقيق الأكبر بئر عروة، كما قدمنا.

و عن موسى بن طلحة: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «نعم الحفير حفيرة المزنى»، يعنى: رومة، فلما سمع بذلك عثمان (رضى اللّه عنه)، ابتاع نصفها بمائة بكرة، و تصدق بها، فجعل الناس يستقون منها، فلما رأى صاحبها أن قد امتنع منه ما كان يصيب عليها، باع من عثمان النصف الباقى بشى‏ء يسير، فتصدق بها كلها.

____________

(1) فى النسخة (أ): أبو، و الصحيح ما أثبتناه.

143

و ذكر ابن عبد البر (1) لليهودى: أن بئر رومة كانت ركية لليهودى يبيع من مائها للمسلمين، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «من يشترى رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه فى دلائهم و له بها مشربة فى الجنة؟» فأتى عثمان اليهودىّ، فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها بإثنى عشر ألف درهما، فجعلها للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت قرنين، و إن شئت فلى يوم و لك يوم، فقال: بل لك يوم ولى يوم، فكان إذا كان عثمان يستقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى ذلك اليهودى قال أفسدت على ركبتى، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم.

قال ابن النجار: و هذه البئر اليوم بعيدة عن المدينة جدا، و عندها بناء من حجارة خراب، قيل: إنه كان دير اليهودية، و حولها مزارع و آبار، و أرضها رملة، قد انتقضت خرزتها و أعلامها إلا بئر مليحة (2) مبنية بالحجارة الموجهة.

قال: و ذرعتها، فكان طولها ثمانية عشر ذراعا، منها ذراعان ماء و باقيها مطموم بالرمل الذى تسفيه الرياح فيها، و عرضها ثمانية أذرع، و ماؤها صاف و طعمها حلو، إلا أن الأجون قد غلب عليه.

و قال المطرى: «وسط وادى العقيق من أسفله فى براح واسع من الأرض، و قد خربت و أخذت حجارتها و لم يبق إلا آثارها».

قال ابن النجار: «و اعلم أن هذه الآبار قد يزيد ماؤها فى بعض الزمان، و قد ينتقص، و ربما بقى منها ما كان مطموما».

و قد ذكر المطرى: «أن الآبار المذكورة ستة، و السابعة لا تعرف اليوم إلا ما يسمع من قول العامة: أنها بئر حمل، و لم يعلم أين هى، و لا من‏

____________

(1) ابن عبد البر: هو الحافظ جمال الدين؛ أبو عمر يوسف بن عبد اللّه بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمرى، الأديب الفقيه المالكى الشهير ب: «ابن عبد البر» القرطبى.

ولد سنة 368 ه، و تفى سنة 463 ه بشاطبة، و له كتب كثيرة فى مختلف العلوم منها:

كتاب «الاستيعاب فى معرفة الأصحاب» و هو أهمها؛ رتبه على حروف المعجم لأهل المغرب.

هدية العارفين: 6/ 55، بغية الملتمس: 474، الصلة: 2/ 677، الديباج المذهب: 375، وفيات الأعيان: 2/ 348.

(2) فى (ب): ملحة.

144

ذكرها إلا أنه ورد فى حديث أبى هريرة (رضى اللّه عنه)، قال: «أقبل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من نحو بئر جمل»، ثم قال: ألا إنى رأيت حاشية بخط الشيخ محب الدين بن عساكر على نسخة من «الدرة الثمينة» لابن النجار ما شاء له العدد ينقص على المشهور بئرا واحدة، لأن المثبت ست، و المأثور المشهور سبع».

و

السابعة اسمها بئر العهن:

بالعالية، يزرع عليها اليوم، و عندها سدرة، و لها اسم آخر مشهورة به.

قال الشيخ جمال الدين: «بئر العهن هذه معروفة بالعوالى، انتقلت بالشراء إلى الشهيد المرحوم على بن مطرف العمرى، و هى بئر مليحة منقورة فى الجبل، و عندها سدرة، كما ذكر، و لا تكاد تنزف أبدا نقطة العوالى، و يقال العالية أيضا: سميّت به لإشراف موضعها و هى منازل حول المدينة.

قال مالك: بين أبعد العوالى و المدينة ثلاثة أميال.

و قد ذكر ابن زبالة (1) فى «تاريخه» عدة آبار بالمدينة و سماها فى دور الأنصار، و نقل: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) آتاها، و توضأ من بعضها، و شرب منها، لا يعرف اليوم منها شى‏ء».

قال الشيخ جمال الدين: «و من جملة ما ذكر آبار فى الحرة الغربية فى آخر منزلة المنعمى، على يسار السالك اليوم، على بئر على المحرم، و على جانبها الشمالى بناء مستطيل مجصص يقال لها: السقيا؛ كانت لسعد بن أبى وقاص تقدم ذكرها».

نقل: «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عوض جيش بدر بالسقيا و صلى فى مسجدها، و دعى هناك لأهل المدينة، أن يبارك لهم فى مدهم وصاعهم، و أن يأتيهم‏

____________

(1) ابن زبالة هو: محمد بن الحسن المدنى، المعروف ب: «ابن زبالة» (بضم الزاى المعجمة»، و هو من أصحاب الإمام مالك، و له كتاب فى تاريخ المدينة، و هو كتاب «أخبار المدينة». توفى ابن زبالة فى سنة 200 ه. انظر كتاب: هدية العارفين: 6/ 9، كشف الظنون: 1/ 29.

145

بالرزق من هاهنا و هاهنا، و شرب ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من بئرها، و يقال لأرضها السفلحان، و هى اليوم معطّلة خراب، و هى بئر كبيرة مليحة منقورة فى الجبل».

و نقل: «أن السقيا عين من طرف الحرة بينها و بين المدينة يومان»، و كذا فى كتاب أبى داود (1).

و نقل الحافظ عبد الغنى‏ (2): «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عرض جيشه على بئر عتبة بالحرة فوق هذه البئر إلى الغرب.

و نقل: أنها على ميل من المدينة، و منها بئر أخرى، إذا وقفت على هذه المذكورة و أنت على جادة الطريق و هى على يسارك؛ كانت هذه على يمينك، و لكنها بعيدة عند الطريق قليلا، و هى فى سدّ من الحرة قد حوّط حولها ببناء مجصص، و كان على شفيرها حوض من حجارة لم تزل أهل المدينة قديما يتبركون بها، و يشربون من مائها. و ينقل إلى الآفاق منها كما ينقل ماء زمزم، و يسمونها زمزم أيضا لبركتها.

قال: و لم أعلم أحدا ذكر منها أحدا يعتمد عليه، و اللّه أعلم، أيتهما السفلى؛ الأولى لقربها من الطريق، أم أن هذه لتواتر البركة فيها.

قال عفيف الدين المرجانى: و يمكن أن يكون تسميتهم إياها زمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزم، أى كثير.

قال الشيخ جمال الدين: و لعلها البئر التى احتفرتها فاطمة بنت الحسين بن على؛ زوجة الحسن بن الحسين بن على (رضى اللّه عنهم) حين أخرجت من بيت جدتها؛ فاطمة الكبرى، أيام الوليد بن عبد الملك، حين أمر بإدخال حجر أزواج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و بيت فاطمة (رضى اللّه عنهن) فى المسجد، فإنها بنت دارها فى الحرة، و أمرت بحفر بئر فيها، فطلع لهم‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) عبد الغنى المقدسى: هو عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسى؛ الجماعيلى، ثم الدمشقى الحنبلى، تقى الدين أبو محمد، محدث حافظ، ولد بجماعيل من أعمال نابلس فى ربيع الآخر. قدم دمشق صغيرا فسمع بها جماعة، ثم ذهب إلى بغداد و مصر و أصبهان، و بهذان و بالموصل. و له مصنفات كثيرة، و من كتبه:

«الدرة المضيئة فى السيرة النبوية»، و قد شرح هذا الكتاب قطب الدين عبد الكريم بن محمد الجماعيلى الحنبلى المتوفى سنة 735 ه، و سماه: «المورد العذب الهنى فى الكلام على سيرة عبد الغنى».

انظر كتاب: معجم المؤلفين: 5/ 275، البداية و النهاية: 13/ 38، 39، هدية العارفين: 5/ 589.

146

جبل، فذكروا ذلك لها، فتوضأت، وصلت ركعتين ودعت، و رشت موضع البئر بفضل وضوئها، فحفروا فلم يتوقف عليهم من الجبل شى‏ء، حتى ظهر الماء.

قال الشيخ جمال الدين: و الظاهر أنها هذه، و أن السقيا هى الأولى، لأنها على جادة الطريق، و هو الأقرب، و اللّه أعلم.

*** ذكر عين النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

عن طلحة بن خراش قال: «كانوا أيام الخندق يحفرون مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و يخافون عليه، فيدخلون به كهف بنى حزام، فيبيت فيه حتى إذا أصبح هبط». قال: و نقر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) العينية التى عند الكهف فلم تزل تجرى حتى اليوم».

قال الحافظ محب الدين: «و هذه العين فى ظاهر المدينة، و عليها بناء، و هى مقابلة للمصلى».

قال الشيخ جمال الدين: «أما الكهف الذى ذكره ابن النجار، فمعروف على غربى جبل يبلغ عن يمين إلى ساحل الفتح من الطريق القبلية، و على يسار السالك إلى المدينة الشريفة إذا زار المسجد، و سلك المدينة مستقبل القبلة يقابله حديقة نخل تعرف بالغنيمة؛ فى بطن وادى بطحان غربى جبل سلع.

و فى هذا الوادى عين تأتى من عوالى المدينة، تسقى ما حول المساجد من المزارع و النخيل تعرف بعين الخيف خيف شامى، و تعرف تلك الناحية بالسيخ (بالسين المهملة بعدها ياء مثنّاة من أسفل، و حاء مهملة).

و أما العين التى ذكر الشيخ محب الدين، المقابلة للمصلى، فهى عين الأزرق؛ و هو مروان بن الحكم التى خرجها بأمر معاوية (رضى اللّه عنه)، و هو واليه على المدينة، و أصلها من قباء؛ من بئر كبيرة غربى مسجد قباء فى حديقة نخل، و القبة مقسومة نصفين؛ يخرج الماء منها من وجهين مدرجين:

147

وجه قبلى، و الآخر شمالى، يغتسل فيهما، و ينتفع بهما، و تخرج العين من القبلة من جهة المشرق ثم تأخذ إلى جهة الشمال، و أخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجاء فى حدود الستين و خمسمائة؛ منها شعبة من عند مخرجها من القبلة، فساقها إلى باب المدينة الشريفة؛ باب المصلى، ثم وصلها إلى الرحبة التى عند مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من جهة باب السلام المعروف قديما بباب مردان، و بنى لها منهلا بدرج من تحت الدور، و يستقى منه أهل المدينة و ذلك الموضع موضع سوق المدينة الآن، ثم جعل لها مصرفين تحت الأرض تشق وسط المدينة على البلاط، ثم تخرج على ظاهر المدينة من جهة الشمال شرقى المدينة، و جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد الشريف، كما سيأتى ذكره فى الفصل السادس إن شاء اللّه.

و اعلم أن العين إذا خرجت من القبلة التى فى المصلى سارت إلى جهة الشمال حتى تصل إلى سور المدينة، فتدخل من تحته إلى منهل آخر بوجهين مدرجين، ثم تخرج إلى خارج المدينة الشريفة، فتصل إلى منهل آخر بوجهين عند قبر النفس الزكية، ثم تخرج من هناك، و تجتمع هى و ما يتحصل من فضلها فى قناة واحدة إلى البركة التى ينزلها الحجاج. ثم قال (رحمه الله تعالى): و أما عين النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) التى ذكر ابن النجار، فليست تعرف اليوم، و إن كانت كما ذكر، قال: عند الكهف المذكور، فقد دثرت و عفا أثرها.

*** ذكر جبل أحد و شهداء عهده‏

تقدم فى باب الفضائل: ذكر فضل جبل أحد، و الأحاديث الواردة فى ذلك، و تقدم معنى قوله فى الحديث فى أحد: «يحبنا و نحبه».

و تقدم أيضا فى حديث: «اثبت أحد، فإنما عليك نبى و صديق و شهيد» إن قيل: إن قوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هذا إشارة عما أحدثه قوم موسى ((عليه السلام)) لما اختار السبعين للميقات، و وقع فى نفوسهم ما وقع، تزلزل الجبل، فكأنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أشار أنه ليس عليك ممن يشك كقوم موسى.

148

و عن جابر بن عتيك، عن أبيه قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «خرج موسى و هارون ((عليهما السلام)) حاجين معتمرين، فلما كانا بالمدينة مرض هارون ((عليه السلام)) فثقل، فخاف عليه موسى ((عليه السلام)) اليهود، فدخل أحدا، فمات فدفنه فيه.

و قيل: مات موسى و هارون ((عليهما السلام)) فى التيه، و قبر موسى معروف بالقدس فى أول التيه؛ يزار.

و عن أنس‏ (1) (رضى اللّه عنه) أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «لما تجلى اللّه لجبل طور سيناء، فصار لعظمة اللّه ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد و ورقان و رضوى، و وقعت ثلاثة بمكة ثور و ثبير و حراء».

قال الشيخ جمال الدين: فأحد معروف و هو شمالى المدينة، و أقرب الجبال إليها، و هو على نحر فرسخين منها.

و قيل: على نحو أربعة أميال، و غير مقابله فى قبلة المدينة، و المدينة بينهما و ورقان قبل شعب على، ما بين الشعب و الروحاء فى القبلة.

و استشهد بأحد سبعون رجلا (2)، أربعة من المهاجرين و هم: حمزة بن عبد المطلب، و عبد اللّه بن جحش، و مصعب بن عمير، و شماس بن عثمان و الباقون كلهم أنصار، و قتل حمزة يوم أحد، وحشى بن حرب الحبشى؛ مولى جبير بن مطعم‏ (3)، و ذلك فى النصف من شوال، يوم السبت على رأس اثنين و ثلاثين من الهجرة، و كان يقاتل بين يدى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بسيفين، فعثر، فوقع فانكشف الدرع عن بطنه فطعن.

قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين رآه، و قد مثل به: «جاءنى جبريل، أخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب:

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) فى (أ)، (ب): جل.

(3) جبير بن مطعم: هو جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصى أسلم عام الفتح بالمدينة، و يكنى: أبا محمد. كان من المؤلفة، ثم حسن إسلامه، و كان من سادة مسلمى الفتح بالمدينة. مات سنة 59 ه. المعارف: 285.

149

أسد اللّه و أسد رسوله»، و كبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى جنازته سبعين تكبيرة و قيل: كبر عليه سبعا و دفن هو و ابن أخته عبد اللّه بن حجر فى قبر واحد و الشهداء يوم أحد سبعون:

الأول: حمزة بن عبد المطلب أحد أعمام النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أخوه من الرضاعة.

الثانى: عبد اللّه بن جحش الأسدى؛ من المهاجرين الأولين، أخته زينب بنت جحش؛ زوج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و هو الذى انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عرجون نخلة فصار فى يده سيفا، و لم يزل ينتقل حتى بيع من بغا التركى مائتى دينار، و دفن مع حمزة.

الثالث: مصعب بن عمير العبدرى: و هو أول من هاجر إلى المدينة و أول من جمع فى الإسلام يوم الجمعة، و كان لواء رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الأعظم؛ لواء المهاجرين يوم بدر معه، و يوم أحد، و ضرب ابن قمته يد مصعب فقطعها، و مصعب يقول: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ‏ (1) و أخذ اللواء بيده اليسرى فضربها ابن قمته فقطعها، فجثا على اللواء فضلمه بين عضديه إلى صدره، ثم حمل عليه الثالثة فأنفذه، و وقع مصعب و سقط اللواء.

و ذكر ابن سعد (2): أن مصعبا حين قتل أخذ الراية ملك على صورته، فكان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقول: تقدم يا مصعب، فقال الملك: لست بمصعب، فعلم أنه ملك.

الرابع: شماس بن عثمان الشريد القرشى: حمل من بين القتلى إلى المدينة، و به رمق، ثم مات عند أم سلمة، فأمر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يرد

____________

(1) الآية رقم 144 من سورة آل عمران؛ مدنية.

(2) ابن سعد: هو محمد بن سعد بن منيع الزهرى؛ مولاهم، البصرى، كاتب الواقدى أبو عبد اللّه، محدث حافظ. ولد بالبصرة و سكن بغداد و حدث و روى و كتب الحديث و الغريب و الفقه، توفى فى جمادى الآخرة سنة 230 ه، و كان مولده فى سنة 168 ه. له من الكتب: كتاب «الطبقات الكبرى»، و «أخبار النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))». الفهرست: 145، الأعلام: 7/ 6، كشف الظنون: 2/ 1099، 1103، إيضاح المكنون: 3/ 613.

150

إلى أحد فيدفن كما هو فى ثيابه التى مات فيها بعد أن مكث يوما و ليلة، إلا أنه لم يأكل و لم يشرب، و لم يصلّ عليه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و لم يغسله.

الخامس: عمار بن زياد بن السكن؛ لما رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قدمه فمات.

السادس: عمرو بن ثابت بن وقش: كان يأبى الإسيلام، فلم يسلم إلا يوم أحد، و أسلم، و قاتل حق قتل‏ (1)، فذكروه لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال: «إنه لمن أهل الجنة».

السابع و الثامن: ثابت بن وقش؛ أبو عمرو المذكور، و اليمان؛ أبو حذيفة: كانا شيخين ارتفعا فى الآطام مع النساء و الصبيان، و لما خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى أحد، فقال أحدهما للآخر: ما تنتظر؟! و خرجا فقاتلا حتى قتلا.

التاسع: حنظلة بن أبى عامر الأوبى، قتله أبو سفيان، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين قتل: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة»، فسئلت صاحبته عنه فقالت: خرج و هو جنب حين سمع النداء، فكان يعرف بغسيل الملائكة.

العاشر: أنس بن النضر بن ضمضم؛ عم أنس بن مالك، و هو الذى قال فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «إن من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبره» يروى أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «أمن رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع، فى الأحياء هو أم فى الأموات؟ فنظر رجل من الأنصار، قيل: هو أبى بن كعب، فوجده جريحا فى القتلى فيه رمق. قال: فقلت له إن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمرنى أن أنظر فى الأحياء أنت أو فى الأموات؟ فقال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) منى السلام، و قل له: ن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك اللّه عنا خير ما جزى‏ (2) نبيا عن أمته، و أبلغ قومك منى السلام، و قل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر

____________

(1) فى (أ): قتال.

(2) فى (ب): أجزى.

151

لكم عند اللّه إن خلص إلى نبيكم و فيكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجئت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأخبرته.

الثانى عشر: عبد اللّه بن عمرو بن حزام، و هو أول من قتل يوم أحد و هو الذى قال فيه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لابنه جابر: «لا تبكه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه».

الثالث عشر: عمرو بن الجموح، أحد نقباء الأنصار، و كان أعرج، و كان له بنون أربعة، فأرادوا حبسه، فامتنع. و قال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لبنيه: «ما عليكم ألا تمنعوه، لعل اللّه عزّ و جلّ يرزقه الشهادة»، فخرج معه.

قيل: يؤخذ من هذا أن أصحاب الأعذار إذا خرجوا نالوا درجة الشهادة.

ع 1 (1)- الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان.

8 1 (2)- أسعد بن سويد بن قيس؛ من بنى حدرة.

1 (3)- الحارث بن أنس بن رافع.

17- عمرو بن معاذ بن النعمان، 18- سلمة بن ثابت بن وقش، 19- رفاعة بن وقش، 20- صفى بن قبطى، 21- حباب بن قبطى، 22- عباد بن سهل، 23- إياس بن أوس بن عتيك، ع 1- عبيد بن النبهان، و يقال: عتيك، 8 2- حبيب بن زيد بن تيم البياضى، 29- يزيد ابن حاطب بن عمرو الأشهلى، 27- أبو سفيان بن الحارث بن قيس البياضى، 28- أنيس بن قتادة، 29- أبو حتية (بالياء المثناة من تحت، و يقال: بالياء الموحدة)؛ أخو سعد بن خيثمة لأمه، و قيل: أبو حنه بالنون لأنه شهد بدرا، و ليس فيمن شهد بدرا أحد يقال له: أبو حبّة (بالباء الموحدة)، 30- عبد اللّه بن حسين بن النعمان، 31- خيثمة بن سعيد ابن خيثمة، 32- عبد اللّه بن سلمة، 33- يسبع بن حلوان بن الحارث،

____________

(1) هذا الرسم هو رقم (14).

(2) هذا الرسم هو رقم (15).

(3) هذا الرسم هو رقم (16).

152

و قيل: سبيع بن حاطب بن الحارث، ع 3- عمرو بن قيس بن زيد، 35- ابن قيس، 36- ثابت بن عمرو بن زيد، 37- عامر بن مخلد، 38- أبو هبيرة بن الحارث، و يقال: أبو أسيرة، و يقال: إن أبا أسيرة أخوه، 39- عمر بن مطرف بن علقة، 40- أوس بن ثابت بن المنذر؛ أخو حسان ابن ثابت، 41- قيس بن مخلد، 42- كيسان؛ عبد أبى قارون بن النجار، 43- سليم بن الحارث، 44- نعمان بن عمرو، 45- خارجة ابن زيد، 46- أوس بن الأرقم بن زيد، 47- مالك بن سنان؛ أبو أبى سعيد الخدرى، 48- عتبة بن ربيع بن رافع، 49- ثعلبة بن سعد بن رافع بن مالك، 50- نقف بن فروة بن الندى، 51- عبد اللّه بن عمرو ابن وهب، 52- ضمرة؛ حليف لبنى طريف من جهينة، 53- نوفل بن عبد اللّه، 54- عباس بن عبادة، 55- نعمان بن مالك بن ثعلبة، 56- المحدر بن زياد، 57- عبادة بن الخشخاش، 58- رفاعة بن عمرو، و قيل: رفاعة بن رافع بن يزيد بن عمرو، 59- خلاد بن عمرو بن الجموح 60- أبو أيمن؛ مولى خلاد بن عمرو؛ المذكور، 61- سليم، و قيل:

سليمان، و الأول أصح، و قيل: سالم بن عامر، و قيل: ابن عمرو بن حديدة، 62 مولاة عنزة، و يقال: عنيرة أو عنترة، 63- سهل بن عتبة بن أبى بن كعب، 64- ذكوان بن عبد قيس بن خالد بن مخلد الزرقى، 65- عبيد بن المعلى بن لوذان، 66- مالك بن نميلة، 67- الحارث بن عدى ابن خرشة، 68- مالك بن إياس، 69- إياس بن عدى، 70- عمرو ابن إياس.

و عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال فى قتلى أحد: «هؤلاء شهداء، فأتوهم، و سلموا عليهم و لن يسلم عليهم أحد ما قامت السموات و الأرض إلا ردوا عليه»، ورد عن جعفر بن محمد الصادق‏ (1)، عن أبيه عن جده: «أن‏

____________

(1) جعفر بن محمد الصادق: هو جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب؛ أبو عبد اللّه المدنى الصادق، ولد سنة 80 ه. روى عن أبيه و الزهرى و نافع و ابن المنكدر. و روى عنه: الثورى و ابن عيينة و شعبة و يحيى القطان و مالك و ابنه موسى الكاظم،-

153

فاطمة بنت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كانت تخلف بين اليومين و الثلاثة إلى قبور الشهداء بأحد، فتصلى هناك و تدعو و تبكى حتى ماتت».

و روى العطاف بن خالد قال: حدثتنى خالة لى؛ و كانت من العابدات قالت: «ركبت يوما حتى جئت قبر حمزة، فصليت ما شاء اللّه، و لا و اللّه ما فى الوادى من داع و لا مجيب، و غلامى آخذ برأس دابتى، فلما فرغت من صلاتى قلت: السلام عليكم، و أشرت بيدى فسمعت ردّ السلام علىّ من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن اللّه سبحانه و تعالى خلقنى، فاقشعرت كل شعرة منى، فدعوت الغلام، و ركبت».

و قد وردت آثار كثيرة فى أن أجساد الشهداء لا تبلى، و قد شوهد ذلك، و شوهد أيضا بقاء أجساد شهداء الأمم المتقدمة و يصدق ذلك قوله تعالى:

وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ‏ (1)، فالآية عامة فى سائر مؤمنى الأمم، و كذلك الأنبياء (عليهم الصلوات و السلام) لا تبلى أجسادهم و قد حرم اللّه على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، و قد وجدت أجساد الملوك و الحكماء المدبرين مع طراوة أجسادهم بالحيلة بعد وفاتهم بمئين من الأعوام؛ بل بعض حكماء الأمم المتقدمة و ملوكها يوجدون إلى هذا الزمن أطرياء لم يتغير منهم شى‏ء، و ذلك أنهم دبروا أدهانا أدهنوا بها عند موتهم، فمنعتهم من البلاء.

قال هرمس: و قد أمرت من يفعل بى ذلك إذا أنامت. و أشار إلى أن يطلى بالشمس و القمر مرمورا، و هو الزئبق و الملح بالرمز الثانى. و يروى أنه متى شد جميع الشخص بالذهب لا يبلى ما بقى الذهب، و قد وجد شخص مكفن بالذهب فى ورقة من ذهب، فقلعت، فإذا فيها سبعون درهما.

قال الشيخ جمال الدين: «و فى قبلة جبل أحد قبور الشهداء و لا يعلم‏

____________

- و آخرون. مات سنة 148 ه. العبر: 1/ 209، شذرات الذهب: 1/ 220، حلية الأولياء: 3/ 192، وفيات الأعيان: 1/ 105.

(1) الآية رقم 111 من سورة التوبة؛ مدنية.

154

منهما الآن إلا قبر حمزة (رضى اللّه عنه)، و معه فى القبر ابن أخيه كما تقدم، و عليه قبة عالية، و مشهد بنته أم الخليفة الناصر لدين اللّه أبى العباس أحمد بن المستضئ سنة تسعين و خمسمائة، و على المشهد باب من حديد يفتح كل خميس و شمالى المسجد أرام من حجارة يقال: إنها من قبور الشهداء، و كذلك من غربيّة أيضا.

و قد ورد أن هذه قبور أناس ماتوا عام الرمادة فى خلافة عمر (رضى اللّه عنه)، و لا شك أن قبور الشهداء حول حمزة (رضى اللّه عنه) إذ لا ضرورة أن يبعدوا عنه، و عند رجل حمزة قبر رجل تركى كان متوليا عمارة المشهد الشريف يقال له: سنقر، و كذلك فى صحن المسجد الشريف قبر دفن فيه بعض الأشراف من أمراء المدينة، و تحت جبل أحد من جهة القبلة لاصقا بالمسجد؛ مسجد صغير قد تهدم.

يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه الظهر و العصر بعد انفصال القتال، و فى جهة القبلة من هذا المسجد موضع منقور فى الحجر على قدر رأس الإنسان يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جلس على الصخرة التى تحته، و أدخل رأسه فيه، و كذلك شمالى المسجد غار فى الجبل يقال: إن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دخله، و لم يرد بذلك نقل صحيح.

و قيل: المشهد جبل صغير يسمّى عنين (بفتح العين المهملة و كسر النون الأولى) و الوادى بينهما- كان عليه الرماة يوم أحد-، و عنده مسجدان أحدهما مع ركنه الشرقى، يقال: إنه الموضع الذى طعن فيه حمزة، و المسجد الآخر شمالى هذا المسجد على شفير هذا الوادى، يقال: إنه مصرع حمزة، و إنه مشى بطعنته إلى هناك ثم صرع (رضى اللّه عنه).

و بين المشهد و المدينة ثلاثة أميال و نصف، و إلى أحد ما يقارب أربعة أميال، و كانت غزوة أحد فى السنة الثالثة من الهجرة.

قال الحافظ محب الدين: جاءت قريش من مكة لحرب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و لا قوة يوم السبت؛ النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، عند جبل أحد. و قيل: كان نزول قريش يوم أحد بالمدينة بالجمعة.