تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج2

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
297 /
155

و قال ابن إسحاق: يوم الأربعاء، فنزلوا بالمدينة برومة من وادى العقيق، و صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الجمعة بالمدينة، ثم لبس لامته و خرج هو و أصحابه على الحرة الشرقية؛ حرة و امم، و بات بالسيجين موضع بالمدينة و أحد مع الحرة إلى جبل أحد، عزا صبح يوم السبت إلى أحد ففيه كانت وقعة أحد.

قيل: خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم السبت لسبع ليال خلون من شوال على رأس اثنين و ثلاثين شهرا من الهجرة، و كان دليل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليلة أحد سهل بن أبى حثمة.

و عن قتادة (1): لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) رؤيا فى النوم، فتأولها قتلا فى أصحابه، و رأى سيفه ذا الفقار انفصم فكان قتل حمزة، و رأى كبشا أغبر قتل، فكان صاحب لواء المشركين عثمان بن أبى طلحة، فقال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لأصحابه بعد الرؤيا: إنى فى جنة حصينة- يعنى المدينة- فدعوهم يدخلون نقاتلهم.

فقال ناس من الأنصار: يا رسول اللّه إنا نكره أن نقتل فى طرف المدينة، فابرز بنا إلى القوم، فلبس النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لامته، و ندم القوم فيما أشاروا به و اعتذوا إليه فقال: إنه ليس لنبى إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل؛ ستكون فيكم مصيبة. قالوا: يا رسول اللّه، خاصة أو عامة؟

قال مكى: فقتادة يذهب إلى أن الذنب الذى عدّده اللّه فى قوله: أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‏ (2) هو ما أشاروا به، و قيل فيه غير ذلك.

و كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم أحد فى ألف، و المشركين فى ثلاثة آلاف، و كان جبريل و ميكائيل ((عليهما السلام)) عن يمين رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و عن يساره يقاتلان لشدة القتال.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) الآية رقم 165 من سورة آل عمران، مدنية.

156

و عن جعفر بن محمد: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دعا يوم أحد فقال: «يا صريخ المكروبين و مجيب المضطرين، و كاشف الكرب العظيم، اكشف كربى و همى وغمى فإنك ترى حالى و حال أصحابى».

و غزا ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أحدا على فرسه السكب؛ كان اشتراه من أعرابى بنى فزارة بالمدينة، و كان اسمه عند الأعرابى: الضرس، و هو أول فرس ملكه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أول غزوة (1) غزا عليه: أحد.

و كان أغر، محجلا، طلق اليمين، له سبحة، و سابق عليه فسبق، فعرج به رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)). يقال: فرس سكب، أى: كثير الجرى.

ثم إن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قاتل المشركين يوم أحد و المسلمون‏ (2)، و خلص العدو إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فانكسرت رباعيته، و شجّ فى وجهه، و كلمت شفته، و كان ذلك كرامة له ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و لأصحابه الذين استشهدوا بين يديه؛ و كانوا سبعين رجلا كما تقدم.

***

____________

(1) فى النسخة (أ): غزاة.

(2) فى النسخة (أ): المسلمين.

157

الفصل الخامس ذكر أجلاء بنى النظير من المدينة

اعلم أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قد عقد حلفا بين بنى النظير؛ من اليهود و بين بنى عامر، فعدى عمرو بن أميّة الضموى؛ من بنى النظير على رجلين من بنى عامر، فقتلهما، فأتى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بنى قريظة يستعينهم فى دية القتيلين، فقالوا: نعم.

ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذا- و كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قاعدا إلى جنب جدار من بيوتهم- أفمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة، فصعد أحدهم لذلك، فأتى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الخبر من السماء، فقام و رجع إلى المدينة، و أخبر أصحابه؛ الذين معه منهم: أبو بكر و عمر و على (رضى اللّه عنهم)، و أمرهم بالتهيؤ لحربهم.

و سار حتى نزل بهم فى شهر ربيع الآخر، سنة أربع من الهجرة، فتحصنوا فى الحصون، فأمر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بقطع نخيلهم و تحريقها، و قذف اللّه فى قلوبهم الرعب، فسألوا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يخليهم و يكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل، فخرجوا إلى خيبر، و منهم من سار إلى الشام، و خلوا الأموال، فقسمها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على المهاجرين الأولين، دون الأنصار إلا أن سهل بن حنيف‏ (1)، و أبا دجانة؛ سماك بن خرشة (2) ذكرا فقرا فأعطاهم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

____________

(1) سهل بن حنيف: من الأنصار من بنى عمرو بن عوف، و يكنى: أبا سعيد، شهد «صفين» مع على بن أبى طالب، و كان يسكن الكوفة، و مات بها سنة 38 ه، و صلى عليه علىّ و كبر عليه ستا. انظر كتاب: المعارف: 291.

(2) سماك بن خرشة: هو أبو دجانة الأنصارى، شهد يوم مسيلمة، ثم شارك فى قتله، و قتل فى ذلك اليوم، و له عقب بالمدينة و العراق. انظر كتاب: المعارف: 271.

158

و لم يسلم من بنى النظير إلا رجلان يامين بن عمير، و أبو سعيد بن وهب أسلما على أموالهما، فأحرراها، و أنزل اللّه تعالى فى بنى النضير سورة الحشر بأسرها، و كانت نخيل بنى النظير تسمى: بويرة، و قيل: بويرة اسم بلدة، أو موضع من مواضع بنى النظير.

*** ذكر حفر الخندق‏

حفر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الخندق يوم الأحزاب، و ذلك: أن نفرا من بنى النظير الذين أجلاهم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كان بخيبر، و كان رئيسهم حيىّ ابن أحطب، قدم هو و رؤساء قومه إلى مكة على قريش، فدعوهم لحرب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأطاعتهم قريش و غطفان بمن جمعوا، فلما سمع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ضرب الخندق على المدينة.

و كان ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ينقل التراب يوم الخندق حتى أغبر بطنه كما ثبت فى «صحيح البخارى» (1)، و اشتدت عليهم صخرة فى الخندق فشكوها إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فدعى بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء اللّه أن يدعو به ثم نضح ذلك الماء على تلك الصخرة فانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسا و لا مسحاة.

و لم يزل المسلمون يعملون فيه حتى أتموه، و حفره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) طولا من أعلى وادى بطحان غربى الوادى مع الحرة إلى غربى المصلى؛ مصلى العيد، ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين اللذين فى غربى الوادى، يقال لأحدهما رابح و للآخر جبل بنى عبيد، و أقبلت قريش و كنانة و من تبعهما من الأحابيش فى عشرة آلاف حتى نزلوا بمجتمع السيول من رومة وادى العقيق، و قائدهم أبو سفيان. و أقبلت غطفان و بنو أسد و من تبعهما من أهل نجد حتى نزلوا بذات نقمى إلى جانب أحد ما بين طرفى وادى النقمى، و قائدهم عيينة

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

159

ابن حصن‏ (1)، و أتى الحارث بن عوف‏ (2) فى بنى مرة، و مسعود و بن رحيلة فى أشجع، و خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و المسلمون فى ثلاثة آلاف حتى جعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، و ضرب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قبته على القرن الذى فى غربى جبل سلع موضوع مسجده اليوم، ثم سعى حيىّ بن أحطب حتى قطع الحلف الذى كان بين بنى قريظة و بين النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و جاءوا لحرب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فاشتد الخوف و اشتد الحصار على المسلمين، و كان فى ذلك ما قصّ اللّه تعالى بقوله: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ‏ (3) الآيات، فأقام رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و المشركون بضعا و عشرين ليلة لم يكن لهم حرب إلا الرمى بالنبل، إلا الفوارس من قريش فإنهم قاتلوا فقتلوا و قتلوا، و أصاب سعد بن معاذ سهم فحسم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جرحه، فانتفخت يده، و نزف الدم، فلما رأى ذلك قال: اللّهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها، اللّهم إن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فاجعل لى شهادة و لا تمتنى حتى تقرّ عينى فى بنى قريظة، و كان راميه حسّان بن الحرفة؛ رماه بسهم فى عضده أصاب أكحلة فانقطع، فأمر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بضرب فسطاط فى المسجد لسعد فكان يعوده فى كل يوم و استشهد يومئذ من المسلمين ستة من الأنصار، و لم يزل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أصحابه على ما هم عليه من الخوف و الشدّة حتى هدى اللّه تعالى نعيم بن مسعود داخل غطفان للإسلام و لم يعلم أصحابه، و خدع بين بنى قريظة

____________

(1) عينية بن حصين: هو عينية بن حصين بن حذيفة بن بدر، و كان اسمه حذيفة، فأصابته لقوة فجحظت عينه، فسمى: عيينة، و يكنى: أبا مالك، و جده حذيفة بن بدر؛ سيد «غطفان»، و أبوه حصن قاد «أسد» و «غطفان»، و قتل «بنو عبس» حذيفة، و قتل «بنو عقيل» حصنا. أسلم عيينة بعد عناد، و كان من المؤلفة قلوبهم، و ارتد حين ارتدت العرب، و لكنه عاد إلى الإسلام مرة أخرى. و عيينة هذا هو الذى أغار على سوق عكاظ؛ فهو الفجار الأول، و عمى فى آخر عمره، و له عقب. انظر كتاب: المعارف: 302، 303، 304.

(2) الحارث بن عوف: من بنى مرة بن نشبة، و يكنى: أبا أسماء، و هو صاحب الحمالة فى حرب «داحس»، و كان أحد رؤساء المشركين يوم «الأحزاب»، ثم أسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه، و بعث رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) معه رجلا من الأنصار فى جواره يدعو قومه، فقتلوا الأنصارى، فبعث يديه الأنصارى سبعين بعيرا، فدفعها رسول اللّه إلى ورثته. انظر كتاب: المعارف: 315، 316.

(3) الآية رقم 10 من سورة الأحزاب، مدنية.

160

و قريش و غطفان و رمى بينهم الفتن و بعث اللّه تعالى عليهم الريح فى ليال باردة فجعلت تكفأ قدورهم، و تطرح أبنيتهم، فرجعوا إلى بلادهم.

و كان مجيئهم و ذهابهم فى شوال سنة خمس من الهجرة، يروي أنهم لما وقفوا على الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة (1)، ما كانت العرب تكيدها.

و يقال: إن سلمان أشار به على رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال الحافظ محب الدين: و الخندق اليوم باق و فيه قناة تأتى من عين بقباء إلى النخل الذى بأسفل المدينة المعروف بالشبح حول مسجد الفتح، و قد انطم أثره و تهدمت حيطانه.

قال الشيخ جمال الدين المطرى: و أما اليوم فقد عفا أثر الخندق و لم يبق منه شى‏ء يعرف إلا ناحيته، لأن وادى بطحان استولى على موضع الخندق، فصار سيله فى موضع الخندق.

و قال عفيف الدين المرجانى: و فى سنة تسع و أربعين و سبعمائة أرانى والدى ((رحمه الله)) باقى جدار منه.

*** ذكر قتل بنى قريظة بالمدينة الشريفة

قال ابن إسحاق: «و لما انصرف رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من الخندق رجع إلى المدينة و المسلمون، و وضعوا السلاح، فأتى جبريل ((عليه السلام)) رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) معتجرا بعمامة من استبرق و على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: لقد وضعت السلاح يا رسول اللّه، فقال: نعم، فقال: ما وضعت الملائكة بعد السلاح و ما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن اللّه يأمرك بالسير إلى بنى قريظة فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم، فأذّن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلّينّ العصر إلا فى بنى قريظة»، فنزل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فحاصرهم خمسا و عشرين ليلة، و قذف اللّه تعالى فى قلوبهم الرعب حتى نزلوا على حكم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

____________

(1) فى (ب): المكيدة.

161

فتوالت الأوس و قالوا: يا رسول اللّه، إنهم موالينا دون الخزرج فهم لنا.

فقال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن نحكم فيهم رجلا منكم، قالوا: بلى قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، و كان سعد فى خيمته يداوى جرحه، و كان حارثة بن كلدة هو الذى يداويه، و كان طبيب العرب، و هو مولى أبى بكرة مسروح، فأتت الأوس سعد بن معاذ إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال له:

حكّم فى بنى قريظة، فقال: إنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال و تقسم الأموال و تسبى الذرارى، فقال له رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة، أى: من فوق سبع سموات.

و كان الذين نزلوا على حكمه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أربعمائة، و استنزلوا بنى قريظة من حصونهم فحسبوا بالمدينة فى دار امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى سوق المدينة، فخندق بها خنادق ثم بعث إليهم فجئ بهم، فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق و كانوا سبعمائة و فيهم حيىّ بن أخطب؛ الذى حرضهم على نقض العهد، فقتل منهم ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كل من أنبت، و استحيا من لم ينبت، و قتل منهم امرأة كانت طرحت رحى على خلاد بن سويد من الحصن فقتلته يوم قتال بنى قريظة، فقتلها به النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أخبر ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن لخلاد أجر شهيدين، ثم قسم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أموالهم و نساءهم و أبناءهم على المسلمين و أنزل اللّه تعالى فى بنى قريظة، و الخندق من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ .... (1) إلى قوله: وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ وَ أَرْضاً لَمْ تَطَؤُها ... (2).

قيل: هى نساؤهم، ثم انفتق على سعد بن معاذ جرحه، فمات منه شهيدا، و ذلك بعد أن أصابه السهم بشهر فى شوال سنة خمس، و كان رجلا طوالا ضخما، و لم تزل بقايا اليهود بالمدينة إلى خلافة عمر (رضى اللّه عنه) و روى عن ابن شهاب‏ (3): أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب».

قال ابن شهاب: ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) حتى أتاه اليقين: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «لا يجتمع دينان فى جزيرة العرب»، فأجلى يهود خيبر، و أجلى يهود نجران و فدك. انتهى.

____________

(1) الآية رقم 11 من سورة المائدة، مدنية.

(2) الآية رقم 27 من سورة الأحزاب، مدنية.

(3) سبقت الإشارة إليه.

162

الفصل السادس ذكر ابتداء مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

لما قدم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المدينة نزل على كلثوم بن الهدم‏ (1)؛ فى بنى عمرو ابن سالم بن عوف، فمكث عندهم الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس.

و كان كلثوم بن الهدم أسلم قبل قدوم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المدينة، و توفى فى السنة الأولى.

و روى البخارى فى «صحيحه» (2): «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مكث فى بنى عمرو بن عوف‏ (3) بضع عشرة ليلة».

و عن مسلم: «أقام فيه أربع عشرة ليلة».

و أخذ مربد كلثوم بن الهدم و عمله مسجدا و أسسه، و صلى فيه إلى بيت المقدس، و خرج من عندهم يوم الجمعة عند ارتفاع النهار، فركب ناقته القصواء، و جدّ المسلمون، و لبسوا السلاح عن يمينه و شماله و خلفه، و كان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا: هلم يا رسول اللّه إلى القوة و المنعة و الثروة، فيقول لهم: خيرا، و يقول عن ناقته: إنها مأمورة، خلوا سبيلها، فمرّ ببنى سالم بن عوف، فأتى مسجدهم الذى فى وادى رانونا، و أدركته صلاة الجمعة فصلى بهم هنالك و كانوا مائة رجل، و قيل: أربعون، و كانت أول جمعة صلاها بالمدينة، ثم ركب راحلته، و أرخى لها زمامها، و ما يحركها، و هى تنظر يمينا و شمالا حتى انتهت به إلى زقاق الحسنى؛ من بنى النجار، فبركت على باب دار أبى أيوب الأنصارى‏ (4).

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) سبقت الإشارة إليه.

(4) أبو أيوب الأنصارى: هو خالد بن زيد بن كليب، شهد مع علىّ بن أبى طالب-

163

و قيل: بركت أولا على باب مسجده ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، ثم ثارت، و هو عليها فبركت على باب أبى أيوب، ثم التفتت و ثارت و بركت فى مبركها الأول، و ألقت جرانها فى الأرض و أرمت، فنزل عنها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و قال:

هذا المنزل يا رسول اللّه، فاحتمل أبو أيوب رحله و أدخله بيته، فأقام رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى بيت أبى أيوب سبعة أيام، ثم بنى مسجده، ثم لم يزل فى بيت أبى أيوب؛ ينزل عليه الوحى حتى ابتنى مسجده و ساكنه.

و كان ابتداء بنيانه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مسجده فى شهر ربيع الأول من السنة الأولى، و كانت إقامته فى دار أبى أيوب سبعة أشهر.

قال الشيخ جمال الدين: «و دار أبى أيوب مقابلة لدار عثمان (رضى اللّه عنه) من جهة القبلة، و الطريق بينهما، و هى الآن مدرسة للمذاهب الأربعة اشترى عرصتها الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب بن شادى، و بناها و أوقفها على المذاهب الأربعة، و أوقف عليها وقفا بميافارقين، و هى دار ملكه و لها بدمشق وقف أيضا.

ويليها من جهة القبلة عرصة كبيرة تحاذيها من القبلة، كانت دارا لجعفر بن محمد الصادق و فيها الآن قبلة مسجده، و فيها أثر المحاريب؛ و هى اليوم ملك للأشراف المنايفة، و للمدرسة قاعتان، كبرى و صغرى، و فى إيوان الصغرى الغربى خزانة صغيرة مما يلى القبلة فيها محراب يقال: إنه مبرك ناقة رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

ثم قال ((رحمه الله تعالى)): «و اعلم أن المسجد الشريف فى دار بنى غنم بن مالك بن النجار، و كان مربدا للتمر؛ لسهل و سهيل بنى رافع ابن مالك بن النجار؛ و كانا غلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللّه، فأبى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما و بناه.

____________

- «حروراء»، و غزا مع يزيد بن معاوية، و مات بالقسطنطينية فقبر بأصل سور المدينة، و غبى قبره، و له بالمدينة عقب. انظر كتاب: المعارف: 274.

164

و قيل: لم يأخذا له ثمنا، و قيل: اشتراه من بنى عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها عنه أبو بكر (رضى اللّه عنه).

و كانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار و أفضلها، و بنو النجار أخوال عبد المطلب بن هاشم؛ جد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و النجار: تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، و هم بطون كثيرة، سمى بالنجار لأنه اختتن بالقدوم.

و قد صح عن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أنه قال: «خير دور الأنصار دور بنى النجار».

و عن أنس‏ (1): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما أخذ المربد من بنى النجار كان فيه نخل و قبور المشركين و خرب، فأمر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالنخيل فقطع، و بقبور المشركين فنبشت، و بالخرب فسوّيت.

قال: فصفوا النخل قبلة له و جعلوا عضادتيه حجارة، و طفق رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ينقل معهم اللبن فى بنيانه، و بنى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مسجده مربعا و جعل قبلته إلى بيت المسجد، و طوله سبعون ذراعا فى عرض شبر، أو أزيد، و جعل له ثلاثة أبواب، و جعلوا ساريتى المسجد من الحجارة و بنوا باقيه من اللبن.

و فى «الصحيحين»: كان جدار المسجد ما كادت الشاة تحوزه.

و عن عائشة (رضى اللّه عنها): كان طول جدار المسجد بسطة، و كان عرض الحائط لبنة لبنة، ثم إن المسلمين كثروا فبنوه لبنة و نصفا، ثم قالوا:

يا رسول اللّه، لو أمرت بالمسجد نظلل؟ قال: نعم، فأقيم له سوار من جذوع النخل شفة شفة، ثم طرحت عليها العوارض و الخصف و الأذخر، و جعل وسطه رحبة، فأصابتهم الأمطار فجعل المسجد يكف بهم، فقالوا:

يا رسول اللّه، لو أمرت بالمسجد فطن، فقال لهم: عريش كعريش موسى ثمام و خشيبات بعم، فيعمل و الأمر أعجل من ذلك.

فلم يزل كذلك حتى قبض رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و يقال: إن عريش موسى ((عليه السلام)) كان إذا قام به أصاب رأسه السقف.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

165

قال أهل السير: و بنى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مسجده مرتين؛ بناه حين قدم أقل من مائة فى مائة، فلما فتح اللّه عليه خيبر بناه فزاد عليه فى الدور مثله.

*** ذكر ما جاء فى قبلة مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

اعلم أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجده متوجها إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، و قيل: ستة عشر شهرا، ثم أمر بالتحول إلى الكعبة فى السنة الثانية من الهجرة، فى صلاة الظهر يوم الثلاثاء، النصف من شعبان، و قيل فى رجب، فأقام رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) رهطا على زوايا المسجد، ليعدل القبلة فأتاه جبريل ((عليه السلام))، فقال: يا رسول اللّه، ضع القبلة و أنت تنظر إلى الكعبة، ثم قال بيده: هكذا، فأمت كل جبل بينه و بين الكعبة، لا يحول دون نظره شى‏ء، فلما فرغ، قال جبريل: هكذا، فأعاد الجبال و الشجر و الأشياء على حالها، و صارت قبلته إلى الميزاب من البيت، فهى المقطوع بصحتها.

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال: كانت قبلة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى الشام، و كان مصلاه؛ الذى يصلى فيه للناس من الشام؛ من مسجده؛ أن تضع الاسطوانة المحلقة اليوم خلف ظهرك، ثم تمشى مستقبل الشام، و هى خلف ظهرك، حتى إذا كنت محاذيا لباب عثمان؛ المعروف اليوم ب «باب جبريل» ((عليه السلام))، و الباب عن منكبك الأيمن، و أنت فى صحن المسجد، كانت قبلته فى ذلك الموضع، و أنت واقف فى مصلاه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و سيأتى ذكر الإسطوانة فى محله.

يروى: أن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة، و تقدم فى باب الفضائل فضل مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أن المسجد الذى أسس على التقوى هو مسجده ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

***

166

ذكر حجر أزواج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

لما بنى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مسجده بنى بيتين لزوجته؛ عائشة و سودة (رضى اللّه عنهما) على نعت بناء المسجد من لبن و جريد، و كان لبيت عائشة (رضى اللّه عنها) مصراع واحد من عرعر أو ساج.

و لما تزوج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نساءه بنى لهن حجرات، و هى تسعة أبيات، و هى ما بين بيت عائشة (رضى اللّه عنها) إلى الباب الذى يلى باب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال أهل السير: ضرب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الحجرات ما بينه و بين القبلة و الشرق إلى الشام، و لم يضربها فى غربية، و كانت خارجة من المسجد مديرة به إلى جهة المغرب، و كانت أبوابها شارعة فى المسجد.

قال عمران بن أبى أنس: «كانت منها أربعة أبيات بلبن لها حجر من جريد و كانت خمسة أبيات من جريد مطينة، لا حجر لها على أبوابها مسوح الشعر».

قال النجار: و ذرعت الستر فوجدته ثلاثة أذرع فى ذراع‏ (1).

و كان الناس يدخلون حجر أزواج النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) بعد وفاته يصلون فيها الجمعة، حكاه مالك‏ (2).

و قال: «كان المسجد يضيق على أهله، و حجرات أزواج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليست من المسجد و لكن أبوابها شارعة فيه».

و قالت عائشة (رضى اللّه عنها): «كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا اعتكف يدلى إلى رأسه و رجله، و كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان».

و عن عبد اللّه بن يزيد الهزلى، قال: «رأيت بيوت أزواج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين هدمها عمر بن عبد العزيز، كانت بيوتا باللبن و لها حجر من جريد،

____________

(1) فى (ب): ذرع.

(2) هو مالك بن أنس: سبقت الإشارة إليه.

167

و رأيت بيت أم سلمة، و حجرتها من لبن، فسألت ابن أبيها فقال: لما غزا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دومة الجندل بنت أم سلمة بابها و حجرتها، فلما قدم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نظر إلى اللبن فقال: ما هذا البناء؟ فقالت: أردت أن أكف أنظار (1) الناس، فقال لى: يا أم سلمة، شرّ ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان».

و قال عطاء الخراسانى: «أدركت حجر أزواج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد (2) يقرأ:

يأمر بإدخالهم فى المسجد، فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم، و سمعت سعيد بن المسيّب‏ (3) يقول يومئذ: «و اللّه لوددت أنهم يتركونها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة، فيقدم القادم من الآفاق، فيرى ما اكتفى به رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى حياته، فيكون ذلك مما يزهد الناس فى التكاثر و الفخر».

و قال يزيد بن أمامة: «ليتها تركت حتى يقصر الناس من البنيان، و يروا ما رضى اللّه عزّ و جلّ لنبيّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و مفاتيح الدنيا عنده».

و أما بيت فاطمة (رضى اللّه عنها) فإنه كان خلف بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))؛ عن يسار المصلى إلى القبلة، و كان فيه خوخة إلى بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا قام من الليل إلى المخرج، اطلع منه يعلم خبرهم، و كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يأتى بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه و يقول: الصلاة، الصلاة، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3).

قال الحافظ محب الدين بن النجار: «و بيتها اليوم حوله مقصورة، و فيه محراب، و هو خلف حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال عفيف الدين المرجانى: «و هو اليوم أيضا باق على ذلك».

***

____________

(1) فى (أ): أنصار.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) الآية رقم 33 من سورة الأحزاب؛ مدنية.

168

ذكر مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من الليل‏

و روى عيسى بن عبد اللّه عن‏ (1) أبيه قال: «كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يطرح حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس، وراء بيت علىّ (رضى اللّه عنه)، ثم يصلى صلاة الليل».

قال: «و ذلك موضع الإسطوانة الذى مما يلى الدويرة، على طريق النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و عن سعيد بن عبد اللّه بن فضل قال: «مرّ بى محمد بن الحنفية و أنا أصلى إليها، فقال لى: أراك تلزم هذه الإسطوانة، هل جاءك فيها الأثر؟

قلت: لا. قال: فألزمها فإنها كانت مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من‏ (2) الليل»، ثم قال: «قلت: هذه الإسطوانة؟ قال: نعم».

قال الشيخ جمال الدين: «و هذه الإسطوانة خلف بيت فاطمة (رضى اللّه عنها)، فالواقف المصلى إليها يكون باب جبريل المعروف قديما بباب عثمان على يساره و حول الدرابزين الدائر على حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و قد كتب فيها بالرخام: هذا متهجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال الحافظ محب الدين: و بيت فاطمة (رضى اللّه عنها) من جهة الشمال و فيه محراب إذا وجه المصلى إليه كانت يساره إلى باب عثمان (رضى اللّه عنه).

*** ذكر قصة الجذع‏

عن أنس رضى اللّه عنه قال: «كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يخطب يوم الجمعة إلى جنب خشبة مسندا ظهره إليها، فلما كثرت الناس، قالوا: ابنوا

____________

(1) فى (ب): بن.

(2) فى (ب): فى.

169

له منبرا، فبنوا له منبرا؛ له عتبتان، فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

قال أنس: «و أنا فى المسجد، فسمعت الخشبة تحن حنين الواله، فما زالت تحن حتى نزل إليها فاحتضنها، فسكنت».

و كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى و قال: «يا عباد اللّه الخشبة تحن إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) شوقا إليه لمكانه من اللّه عزّ و جلّ فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه».

و عن جابر بن عبد اللّه‏ (1): كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل، فكان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشاق.

و فى رواية أنس: حتى ارتج المنبر لحواره.

روى: بجواره، بالجيم.

و فى رواية سهل‏ (2): و كثرت الناس لما رأوا به.

و فى رواية المطلب: حتى تصدع و انشق، حتى جاء النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فوضع يده عليه، فسكت.

زاد غيره فقال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «إن هذا أبكى لما فقد من الذكر».

و زاد غيره: «و الذى نفسى بيده لو لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)). و أمر به النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فدفن تحت المنبر، كذا فى حديث المطلب و سهل بن سعد و إسحاق عن أنس، و فى بعض الروايات جعل فى السقف.

قيل: كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد، و كان عنده إلى أن أكلته الأرض.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

170

و عن الإسفرايينى: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق الأرض، فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.

و فى حديث أبى ريدة قال- يعنى- النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): إن شئت أردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك، و يكمل لك خلفك و يجدد خوصك و ثمرك، و إن شئت أغرستك فى الجنة، فيأكل أولياء اللّه من ثمرك، ثم أصغى له النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يسمع ما يقول.

فقال: بل تغرسنى فى الجنة يأكل منى أولياء اللّه، و أكون فى مكان لا أبلى فيه. فسمعه من يليه.

فقال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قد فعلت.

ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء.

قالت عائشة (رضى اللّه عنها): لما قال النبى (صلّى اللّه عليه و سلّم) غار الجذع فذهب، و قصة الجذع نظير إحياء الموتى لعيسى ((عليه السلام)) و أكبر.

قال ابن أبى الزناد و لم يزل الجذع على حاله زمان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبى بكر و عمر (رضى اللّه عنهما)، فلما هدم عثمان (رضى اللّه عنه) المسجد اختلف فى الجذع؛ فمنهم من قال: أخذه أبى بن كعب‏ (1).

و منهم من قال: دثر فى موضعه.

قال الحافظ محب الدين: «و كان الجذع فى موضع الإسطوانة المحلقة عن يمين‏ (2) المحراب؛ محراب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عند الصندوق».

قال الشيخ جمال الدين: «إنه كان لاصقا بجدار المسجد القبلى فى موضع كرسى الشمعة اليمنى؛ التى عن يمين المصلى فى مقام النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و الإسطوانة التى قبل الكرسى متقدمة عن موضع الجذع، فلا يعتمد على قول من جعلها موضع الجذع، و فى الإسطوانة خشبة ظاهرة مثبتة بالرصاص‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) فى (ب): يمن.

171

بموضع كان فى حجر من حجارة الإسطوانة مفتوح قد حوط عليه بالبياض، و الخشبة ظاهرة.

تقول العامة: هذا الجذع و ليس كذلك، بل هو من جملة البدع التى يجب إزالتها، لئلا يفتتن بها، كما أزيلت الجزعة التى فى المحراب القبلى.

فإن الشيخ أبا حامد (رحمه الله) ذكر مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، حققه بقوله: «إذا وقف المصلّى فى مقام النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) تكون رمّانة المنبر الشريف حذو منكبه الأيمن، و يجعل الجزعة التى فى القبلة بين يدى عينيه، فيكون واقفا فى مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

قال الشيخ جمال الدين: «و ذلك قبل احتراق المسجد الشريف و قبل أن يجعل هذا اللوح القائم فى قبلة مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و إنما جعل بعد حريق المسجد، و كان يحصل بتلك الجذعة تشويش كثير، و ذلك أنهم كانوا يقولون: هذه خرزة فاطمة بنت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كانت عالية فيتعلق النساء و الرجال إليها، فلما كانت سنة إحدى و سبعمائة جاور الصاحبى زين أحمد بن محمد بن على المعروف بابن حنّا فأمر بقلعها فقلعت، و هى اليوم فى حاصل الحرم الشريف ثم توجه إلى مكة فى أثناء السنة، فرأى أيضا ما يقع من الفتنة عند دخول البيت الحرام من الرجال و النساء لاستمساك العروة الوثقى فى زعمهم، فأمر بقلع ذلك المثال أيضا. و الحمد للّه.

و أما العود الذى فى الإسطوانة التى عن يمين مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو الجذع المتقدم ذكره.

فقال الحافظ محب الدين: روى عن مصعب بن ثابت قال: «طلبنا علم العود الذى فى مقام النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فلم نقدر على أحد يذكر لنا فيه شيئا حتى أخبرنى محمد بن مسلم بن السائب؛ صاحب المقصورة: أنه جلس إلى جنبه أنس بن مالك فقال: تدرى لم صنع هذا العود؟ و لم أسأله، فقلت:

ما أدرى، قال: كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يضع عليه يمينه ثم يلتفت إلينا فيقول: «استووا، و عدّلوا صفوفكم».

172

فلما توفى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سرق العود فطلبه أبو بكر فلم يجده، ثم وجده عمر عند رجل من الأنصار بقباء قد دفنه فى الأرض فأكلته الأرض، فأخذ له عودا فشقه و أدخله فيه، ثم شعبه و ردّه إلى الجدار؛ و هو العود الذى وضعه عمر بن عبد العزيز فى القبلة، و هو الذى فى المحراب اليوم.

قال مسلم بن حبان: كان ذلك العود من طرفا الغابة.

و قيل: بل كان من الجذع المذكور.

قال المرجانى: قلت؛ و اللّه أعلم: إن هذا الجذع الذى ذكره ابن النجار، و إنه فى القبلة باق إلى اليوم، لعله الذى قاس به الشيخ أبو حامد، و قلعه ابن حنا.

قال الشيخ جمال الدين: و كان ذلك قبل حريق المسجد الشريف.

*** ذكر منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و روضته الشريفة

عن أبى حازم‏ (1): أن نفرا جاءوا إلى سهل بن سعد، و قد تماروا فى المنبر من أى عود هو؟ فقال: أما و اللّه إنى لأعرف من أى عود هو و من عمله، و رأيت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أول يوم جلس عليه، فقلت له:

فحدثنا، فقال: أرسل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى امرأة: انظرى غلامك النجار يعمل لى أعوادا أحكم للناس عليها.

فعمل هذه الثلاث درجات، ثم أمر بها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فوضعت هذا الموضع، و هى من طرفا الغابة. و الطرفا: شجر يشبه الأثل إلا أن الأثل أعظم منه.

و عن جابر بن عبد اللّه: أن امرأة من الأنصار قالت لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

يا رسول اللّه، ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه، فإن لى غلاما نجارا، فقال:

إن شئت، فعمل له المنبر.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

173

و عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما بدن قال له تميم الدارى:

ألا أتخذ لك منبرا يا رسول اللّه يجمع، أو يحمل عظامك. قال: بلى.

قال: فاتخذ له منبرا.

و عن أبى الزناد: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان يخطب فى يوم الجمعة إلى جذع فى المسجد، فقال: إن القيام قد يشق علىّ، و شكا ضعفا فى رحليه.

و قال له تميم الدارى؛ و كان من أهل فلسطين: يا رسول اللّه، أنا أعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام، قال: فلما أجمع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و ذو الرأى من أصحابه على اتخاذه.

قال العباس بن عبد المطلب: إن لى غلاما يقال له فلان؛ أعمل الناس.

فقال له النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): فمره يعمل، فأرسل إلى أثلة بالغابة فقطعها، ثم عملها درجتين و مجلسا، ثم جاء بالمنبر فوضعه فى موضعه اليوم، ثم راح رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم الجمعة، فلما جاوز الجذع يريد المنبر حنّ الجذع ثلاث مرات كأنه خوار بقرة؛ حتى ارتاع الناس، و قام بعضهم على رجليه.

و أقبل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى مسّه بيده فسكن، فما سمع له صوت بعد ذلك، ثم رجع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى المنبر فقام عليه.

و قد روى: أن الغلام الذى صنع المنبر اسمه مينا (بياء ساكنة مثناة من أسفل بعدهانون).

و قال عمر بن عبد العزيز: «عمله صباح؛ غلام العباس بن عبد المطلب».

قال الواقدى: «و ذلك فى السنة الثامنة من الهجرة، اتخذه درجتين و مقعدة».

قال ابن أبى الزناد: «كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يجلس على المنبر و يضع رجليه على الدرجة الثانية، فلما ولى أبو بكر (رضى اللّه عنه) قام على الدرجة الثانية و وضع رجليه على الدرجة الثالثة السفلى، فلما ولى عمر

174

(رضى اللّه عنه) قام على الدرجة السفلى و وضع رجليه على الأرض إذا قعد فلما ولى عثمان (رضى اللّه عنه) قام على الدرجة السفلى كما فعل عمر (رضى اللّه عنه) ست سنين، ثم علا فجلس موضع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و كسا المنبر قبطيّة».

ذكر الشيخ محب الدين، عن محمد بن الحسن بن زبالة (1)، قال: «كان طول المنبر؛ منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الأول فى السماء ذراعين و شبرا و ثلاثة أصابع، و عرضه ذراع راجح، و طول صدره و هو مسندا إلى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ذراع، و طول رمانتى المنبر- اللتين كان يمسكهما ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا جلس يخطب- شبر و إصبعان، و عرضه ذراع فى ذراع و عدد درجه ثلاث بالمقعد، و فيه خمسة أعواد فى جوانبه الثلاث.

قال الشيخ جمال الدين: «هذا ما كان عليه فى حياة رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و فى خلافة أبى بكر و عمر و عثمان (رضى اللّه عنهم)، فلما حج معاوية (رضى اللّه عنه) فى خلافته كساه قبطيّة، ثم كتب إلى مروان بن عبد الحكم، و هو عامله على المدينة: أن ارفع المنبر عن الأرض، فدعا له النجارين رفعوه عن الأرض و زادوا من أسفله ست درجات و صار المنبر بسبع درجات بالمجلس»

قال ابن زبالة: «لم يزد فيه أحد قبله و لا بعده».

و قال الشيخ جمال الدين: هذا فى زمان محمد بن زبالة.

و روى أيضا عن ابن زبالة: أن طول منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بما زيد فيه أربعة أذرع و من أسفله عتبة.

و ذكر ابن زبالة أيضا: أن المهدى بن المنصور لما حج سنة إحدى و ستين و مائة قال للإمام مالك بن أنس ((رحمه الله)): أريد أن أعيد منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على حاله الأول، فقال له مالك: «إنما هو من طرفا و قد شد إلى هذه العيدان و سمّر، فهى ببركته حفّت أن تتهافت فلا أرى تغييره، فتركه المهدى على حاله.

قيل: إن المهدى فرق فى هذه الحجة ثلاثين ألف ألف درهم، و مائة ألف‏

175

و خمسين ألف ثوب، و حمل إليه الثلج من بغداد إلى مكة، و كسا البيت ثلاث كساو (1)؛ بيضاء و حمراء و سوداء. توفى بسندان بموضع يقال له:

الرد فى المحرم سنة تسع و ستين و مائة.

قال الشيخ جمال الدين: «و ذكر لى يعقوب بن أبى بكر بن أوحد من أولاد المجاورين بالمدينة الشريفة، و كان أبوه أبو بكر فراشا من قوّام المسجد الشريف و هو الذى كان حريق المسجد على يديه، و احترق هو أيضا فى حاصل الحرم: أن هذا المنبر الذى زاده معاوية، و رفع منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) وجد قد تهافت على طول الزمان، و أن بعض خلفاء بنى العباس جدده و اتخذوا من بقايا أعواد منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمشاطا للتبرك بها».

و المنبر الذى ذكره ابن النجار (2) هو المذكور أولا، فإنه قال فى «تاريخه»:

«و طول المنبر اليوم ثلاثة أذرع و شبر و ثلاثة أصابع، و الدكة التى هو عليها من رخام و طولها شبر و عقد، و من رأسه إلى عتبته خمسة أذرع و شبر و أربع أصابع.

و قد زيد فيه اليوم عتبتان، و جعل عليه باب يفتح يوم الجمعة».

قال الشيخ جمال الدين: «فدل ذلك على أن المنبر الذى احترق غير المنبر الأول الذى عمله معاوية و رفع منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فوقه.

قال الفقيه يعقوب ابن أبى بكر: «سمعت ذلك ممن أدركت بأن بعض الخلفاء جدد المنبر و اتخذ من بقايا أعواده أمشاطا، و أن المنبر المحترق هو الذى جدده الخليفة المذكور، و هو الذى أدركه الشيخ محب الدين قبل احتراق المسجد الشريف، فإن الحافظ محب الدين كتب التاريخ فى سنة ثلاث و تسعين و خمس مائة، و توفى سنة أربع و خمسين و ستمائة، كما سيأتى.

قال الشيخ جمال الدين: ثم إن الملك المظفر عمل منبرا و أرسله فى سنة ست و خمسين و ستمائة، و نصب فى موضع منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، رمانتاه من الصندل، و لم يزل إلى سنة ست و ستين و ستمائة؛ عشر سنين يخطب عليه.

____________

(1) فى (أ)، (ب): كسى.

(2) سبقت الإشارة إليه.

176

ثم إن الملك الظاهر أرسل هذا المنبر الموجود اليوم فحمل منبر صاحب اليمن إلى حاصل الحرم، و هو باق فيه، و نصب هذا مكانه و طوله أربعة أذرع؛ رأسه إلى عتبته عشرة أذرع يزيد قليلا، و عدد درجاته سبع بالمقعد.

و المنقول: أن ما بين المنبر و مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الذى كان يصلى فيه إلى أن توفى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أربعة عشر ذراعا.

و أما الروضة الشريفة:

فتقدم فى باب الفضائل قوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «ما بين قبرى و منبرى روضة من رياض الجنة»، و تقدم معنى الحديث.

و فى حديث آخر: «ما بين حجرتى و منبرى روضة من رياض الجنة».

و فى رواية: «ما بين بيتى و منبرى ..» القاضى عياض.

قال الطبرى‏ (1): فيه معنيان:

أحدهما: أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر، مع أنه روى ما يبيّنه:

(ما بين حجرتى و منبرى).

و الثانى: أن البيت هاهنا القبر.

و هو قول زيد بن أسلم‏ (2) فى هذا الحديث، كما روى (ما بين قبرى و منبرى).

قال الطبرى: «و إذا كان قبره فى بيته اتفقت معانى الروايات و لم يكن بينها خلاف لأن قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى حجرته و هو بيته».

*** ذكر سد الأبواب الشوارع فى المسجد

عن أبى سعيد الخدرى‏ (3) قال: «خطب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فقال: «إن اللّه خير عبدا بين الدنيا و بين ما عنده، فاختار ما عند اللّه».

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) سبقت الإشارة إليه.

177

فبكى أبو بكر، فقلت فى نفسى: ما يبكى هذا الشيخ؟ أن يكون عبدا خيره اللّه بين الدنيا و بين ما عنده فاختار ما عند اللّه، فكان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هو العبد، و كان أبو بكر أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا تبك إن آمن الناس علىّ فى صحبتى و مالى أبو بكر، و لو كنت متخذا من أمتى خليلا لاتخذت أبا بكر، و لكن أخوة الإسلام و مودته، لا يبقين فى المسجد باب إلا سد، إلا باب أبى بكر، و كان باب أبى بكر (رضى اللّه عنه) فى غربى المسجد، و روى ابن عباس (رضى اللّه عنهما): «أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمر بالأبواب كلها فسدت إلا بابا على (رضى اللّه عنه).

*** ذكر تجمير المسجد الشريف و تخليقه‏

ذكر أهل السير: أن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) أتى بسقط من عودة، فقال: اجمروا به المسجد لينتفع به المسلمون.

قال الحافظ محب الدين: (1) «فبقيت سنّة فى الخلفاء إلى اليوم؛ يؤتى فى كل عام بسقط من عود يجمر به المسجد ليلة الجمعة، و يوم الجمعة عند منبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من خلفه إذا كان الإمام يخطب قالوا: و أتى عمر (رضى اللّه عنه) بمجمرة من فضة، فيها تماثيل من الشام، فكان يجمر بها المسجد، ثم توضع بين يديه، فلما قدم إبراهيم بن يحيى واليا على المدينة غيرها، و جعلها ساجا».

قال الحافظ محب الدين: «و هى فى يومنا هذا منقوشة».

قال عفيف الدين المرجانى: «و كذلك هى مستمرة إلى يومنا هذا».

و أما تخليقه: فروى: أن عثمان بن مطعون (رضى اللّه عنه) تفل فى المسجد، فأصبح كئيبا، فقالت له امرأته: ما لى أراك كئيبا، فقال: ماشى إلا إننى تفلت فى المسجد و أنا أصلى، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم خلقتها فكان أول من خلق القبلة.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

178

و عن جابر بن عبد اللّه: أول من خلق القبلة عثمان بن عفان (رضى اللّه عنه)، ثم لما حجت الخيزران أم موسى و هارون الرشيد فى سنة سبعين و مائة أمرت بالمسجد الشريف أن يخلق فتولى تخليقه جاريتها مؤنسة، فخلقته جميعه، و خلقت الحجرة الشريفة جميعها.

*** ذكر موضع تأذين بلال (رضى اللّه عنه)

روى ابن إسحاق: «أن امرأة من بنى النجار قالت: كان بيتى من أطول بيت حول المسجد، و كان بلال يؤذن عليه الفجر كل غداة، فيأتى بسحر، فيجلس على البيت ينتظر عليه الفجر، فإذا رآه تمطى.

قال: اللّهم أحمدك و أستعينك على قريش أن يقيموا دينك. قالت: ثم يؤذن».

ذكر أهل السير: أن بلالا كان يؤذن على اسطوان فى قبلة المسجد يرقى إليها بأقباب و هى قائمة إلى الآن فى منزل عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه).

و عن ابن عمر (رضى اللّه عنهما): كان بلال يؤذن على دار حفصة بنت عمر التى فى المسجد قال: و كان يرقى على أقباب فيها، و كانت خارجة من مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم تكن فيه و ليست فيه اليوم، و كان يؤذن بعد بلال.

و قيل: معه عبد اللّه بن أم مكتوم الأعمى، و أذن بعدهما سعد بن عابد مولى عمار بن ياسر و هو سعد القرط، و سمى سعد القرط لأنه كان إذا أتجر فى شى‏ء وضع فيه، فأتجر فى القرط، فربح فلزم التجارة فيه، جعله رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مؤذنا بقباء، فلما مات رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و ترك بلال الأذان، نقل أبو بكر (رضى اللّه عنه) عنه سعدا هذا إلى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فلم يزل يؤذن فيه إلى أن مات و توارث عنه بنوه الأذان فيه إلى زمن مالك (رحمه الله) و بعده أيضا.

179

و قيل: إن الذى نقله إلى المدينة للأذان عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) و قيل: إنه كان يؤذن للنبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و استخلفه على الأذان فى خلافة عمر (رضى اللّه عنه) حين خرج بلال إلى الشام.

و قال خليفة بن خياط (1): «أذن لأبى بكر (رضى اللّه عنه) سعد القرط مولى عمار بن ياسر إلى أن مات أبو بكر، و أذن بعده لعمر (رضى اللّه عنه)» حكاه ابن عبد البر (2).

*** ذكر أهل الصفة

روى البخارى فى «صحيحه»: أن أهل الصفة كانوا فقراء.

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، و إما كساء، و قد ربطوه فى أعناقهم؛ فمنها ما يبلغ نصف الساقين و منها ما يبلغ الكعبين، فيجمع يده كراهية أن ترى عورته.

و روى أهل السير: أن محمد بن مسلمة رأى أضيافا عند رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى المسجد، فقال: ألا تفرق هذه الأضياف فى دور الأنصار، و يجعل لكل من كل حائط قنو ليكون لمن يأتيك من هؤلاء الأقوام. فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): بلى.

فكان كل من جد ماله جاء بقنو فجعله فى المسجد بين سارتيين، فجعل الناس يفعلون ذلك، و كان معاذ يقوم عليهم، و كان يجعل جبلا بين الساريتين ثم تعلق الأقناء على الحبل، و يجمع العشرين أو الأكثر فيهش‏

____________

(1) خليفة بن خياط بن خليفة بن خياط العصفرى؛ أبو عمرو البصرى، المعروف ب:

«شباب»، كان عالما بالنسب و السير و أيام الناس، روى عن ابن علية و بشر بن المفضل و أبى داود الطبالسى و ابن عيينة و ابن مهدى و يزيد بن ذريع. و روى عنه: البخارى و أبو يعلى و بقى ابن مخلد و الدارمى و ابن حنبل. مات سنة 240 ه. انظر كتاب: العبر: 1/ 432، تذكرة الحفاظ 2/ 436، ميزان الاعتدال: 1/ 665، طبقات الحفاظ: 190.

(2) سبقت الإشارة إليه.

180

عليهم بعصاة من الأقناء، فيأكلون حتى يشبعون، ثم ينصرفون، و يأتى غيرهم فيفعل لهم مثل ذلك، فإذا كان الليل فعل لهم مثل ذلك.

و أهل الصفة: هم أهل مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و الصفة بالمدينة خارج المسجد، و بمكة داخل المسجد، و سدّة المسجد: هى الظلال التى حول المسجد، و قيل: الباب نفسه. و السّدّى منسوب إليه.

و جاء فى الحديث: و كان يصلى فى السدة؛ سدة المسجد.

و أما أهل الصفة فهم: أبو عبيدة بن الجراح، و عبد اللّه بن مسعود، و المقداد، و بلال، و أبو ذر، و صهيب، و خباب بن الأرت، و عمار بن ياسر، و عتبة بن غزوان، و زيد بن الخطاب و سالم؛ مولى أبى حذيفة، و أبو مرثد بن مسعود، و أبو الدرداء، و مسطح بن إياثة، و عكاشة بن محصن، و طلحة بن عمرو، و واثلة بن الأسقع، و معاذ بن الحارث، و السائب بن خلاد، و صفوان بن بيضاء، و مسعود بن الربيع، و أبو اليسر؛ كعب بن عمرو أبو عيسى بن حىّ، و عويمر بن ساعدة، و أبو لبابة و سالم بن عمير، و حبيب بن يساف، و عبد اللّه بن أنيس، و حذيفة بن اليمان، و عبد اللّه بن بدر، و الحجاج بن عمرو، و أبو هريرة، و ثوبان؛ مولى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أبو عبيدة؛ مولاه أيضا ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ثابت بن وديعة، و سالم بن عبيدة، و جرهد بن خويلد، و بشير بن الحصاصة، و ربيعة بن كعب، و ثابت ابن الضحاك، و أسماء بنت حارثة، و سالم بن عبيدة الأشجعى، و أبو سعيد الخدرى، و حزيم بن فاتك. فهؤلاء أهل الصفة.

و تقدم فى باب الفضائل فضل الاسطوانات المشهورة فى الروضة و الصلاة إليها فلينظر ثمة.

*** ذكر زيادة عمر بن الخطاب فى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

يروى: أن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) قال: لو لا أنى سمعت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقول: «إنى أريد أن أزيد فى المسجد» ما زدت فيه.

181

و عن سلمة بن خباب: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال يوما و هو فى مصلاة فى المسجد: «لو زدنا فى مسجدنا»، و أشار بيده نحو القبلة، فأجلسوا رجلا فى موضع مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، ثم رفعوا يد الرجل و حطوها حتى رأوا أن ذلك نحو ما رأوا (1) أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) رفع يده، ثم مدوا ميقاطا فوضعوا أطرافه بيد الرجل ثم مدوه، فلم يزالوا يقدمونه و يؤخرونه، حتى رأوا أن ذلك شبيه لما أشار رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من الزيادة، فقدم عمر القبلة، فكان موضع جدار (2) عمر (رضى اللّه عنه) فى موضع عيدان المقصورة، وكان صاحب المقصورة فى زمان الصحابة السائب بن خبّاب؛ مولى قريش، و قيل: مولى فاطمة بنت عتبة.

قال أهل السير: كان بين المنبر و بين الجدار بقدر ما تمر شاة، فأخذ عمر (رضى اللّه عنه) موضع المقصورة و زاد فى يمين القبلة، فصار طول المسجد الشريف أربعين و مائة ذراع، و عرضه عشرين و مائة، و طول السقف أحد عشر ذراعا، و سقفه جريد ذراعان، و بنى فوق ظهر المسجد سترة ثلاثة أذرع، و بنى أساسه بالحجارة إلى أن بلغ قامة، و جعل له ستة أبواب:

بابين عن يمين القبلة، و بابين عن يسارها، و لم يغير باب عاتكة، و لا الباب الذى كان يدخل منه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و فتح بابا عند دار مروان بن الحكم، و بابين فى مؤخر المسجد (3).

و روى عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

«لو بنى هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدى».

و روى غيره مرفوعا، قال: «هذا المسجد و ما زيد فيه فهو منه، و لو بلغ صنعاء كان مسجدى».

____________

(1) فى (ب): أروا.

(2) فى (أ): جدر.

(3) ذكر المؤلف الأبواب التى عملها عمر فى المسجد، و قال: إنها ستة أبواب، ثم عدّ بعد ذلك سبعا، هم: بابان عن يمين القبلة، و آخران عن يسارها، و باب عند دار مروان، و بابان فى مؤخر المسجد، فالمجموع إذن سبعة أبواب و ليست ستة.

182

و روى غيره مرفوعا، قال: «هذا المسجد و ما زيد فيه فهو منه، و لو بلغ صنعاء كان مسجدى».

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) أنه سمع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقول: «لو زيد فى هذا المسجد ما زيد لكان الكل مسجدى».

و عن عمر (رضى اللّه عنه): لو مد مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى هذه الزيادة دار العباس بن عبد المطلب وهبها للمسلمين، و اشترى نصف موضع كان خطه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فزاده فى المسجد و بناه على بنيانه الذى كان على عهد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) باللبن و الجريد، و أعاد عمده خشبا.

*** ذكر بطحاء مسجد رسول الله ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

عن بشر بن سعيد و سليمان بن يسار: شك الضحاك أنه حدثه: أن المسجد كان يرش زمان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و زمان أبى بكر، و عامة زمان عمر (رضى اللّه عنه)، و كان الناس يتحمون فيه و يبصقون حتى عاد زلقا، حتى قدم أبو مسعود الثقفى.

فقال لعمر (رضى اللّه عنه): أليس يقربكم واد؟ قال: بلى، قال:

فمر حصباء تطرح فيه، فهو آلف للمخاط و النخامة، فأمر عمر (رضى اللّه عنها) بها، ثم قال: هو أغفر للنخامة، و ألين فى الموطئ.

الغفر (بالغين المعجمة): التغطية و السّتر، و منه المغفرة.

و قد حرم التنخم فى المسجد إبراهيم النخعى‏ (1).

و قال بنجاستها و تفرد بهذا القول، و لم يتبع فيه، بل كفارتها سترها.

____________

(1) إبراهيم النخعى بن يزيد بن قيس بن الأسود؛ أبو عمران، فقيه أهل الكوفة و مفتيها هو و الشعبى، مات سنة 96 ه، عن تسع و أربعين سنة أو ثمان و خمسين. انظر كتاب:

تهذيب التهذيب: 1/ 177، طبقات الشيرازى: 82، اللباب: 3/ 220، طبقات القراء لابن الجزوى: 1/ 29، شذرات الذهب: 1/ 111.

183

و عن أبى الوليد قال: سألت ابن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنهما) عن الحصباء التى كانت فى المسجد، فقال: إنا مطرنا ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة، فجعل الرجل يجئ بالحصباء فى ثوبه، فيبسطه تحته، فلما قضى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلاته قال: ما أحر هذا!

و عن محمد بن سعد: أن عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) ألقى الحصباء فى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و كان الناس إذا رفعوا رؤوسهم من السجود ينفضون أيديهم من أيديهم فجئ بالحصباء من العقيق؛ من هذه العرصة، فبسطت المسجد.

قال الشيخ جمال الدين: «و رمل مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يحمل من وادى العقيق من العرصة التى تسيل من الجماء الشمالية إلى الوادى، يحمل منه- و ليس بالوادى رمل أحمر غير ما يسيل من الجماء- و الجماوات أربعة و هو: رمل أحمر يغربل ثم يبسط فى المسجد».

*** ذكر زيادة عثمان (رضى اللّه عنه)

فى «صحيح البخارى»: «كان عثمان (رضى اللّه عنه) ولى الخلافة سنة أربع و عشرين، فلما بلغت خلافته أربع سنين كلمه الناس فى الزيادة، و شكا إليه ضيق المسجد يوم الجمعة، فشاور عثمان (رضى اللّه عنه) أهل الرأى من أصحاب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى ذلك، و زاد فى المسجد زيادة كثيرة و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصة، و جعل عمده من حجارة منقوشة، حشوها أعمدة الحديد و الرصاص، و سقفه بالساج، و باشر ذلك بنفسه.

و كان عمله فى أول ربيع الآخر؛ سنة تسع و عشرين، و فرع منه حين دخلت السنة؛ لهلال المحرم سنة ثلاثين.

و كان عمله عشرة أشهر، و زاد فى القبلة إلى موضع الجدار اليوم، و زاد فيه من المغرب إسطوانا بعد المربعة، و زاد فيه من الشام خمسين ذراعا، و لم يزد من الشرق شيئا.

184

و قدر زيد بن ثابت أساطينه، فجعلها على قدر النخل و جعل فيها طبقين مما يلى المشرق و المغرب و بنى المقصورة بلبن، و جعل فيها كوة ينظر الناس فيها إلى الإمام، و جعل طول المسجد الشريف ستين و مائة ذراع، و عرضه خمسين و مائة ذراع، و جعل أبوابه ستة على ما كان على عهد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

باب عاتكة، و الباب الذى يليه و باب مروان، و باب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و بابين فى آخره.

*** ذكر زيادة الوليد بن عبد الملك بن مروان‏

و ذلك أنه لما استعمل عمر بن عبد العزيز على المدينة الشريفة أمره بالزيادة فى المسجد، و اشترى عمر ما حوله من المشرق و المغرب و الشام، و من أبى أن يبيع هدم عليه، و وضع له الثمن، فلما صار إلى القبلة، قال عبيدان بن عبد اللّه بن عمر: لسنا نبيع، هذا هو فى حق حفصة، و قد كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يسكنها، فلما كثر الكلام بينهما قال له عمر بن عبد العزيز: اجعل لكم فى المسجد بابا، و أعطيكم دار الرفق، و ما بقى من الدراهم فهى لكم، يعنى التى تفضل من العمارة، ففعلوا.

فأخرج بابهم فى المسجد، و هى الخوخة التى تخرج من دار حفصة (رضى اللّه عنها)، و قدم الجدار فى موضعه اليوم، و زاد من الشرق ما بين الإسطوانة المربعة (1) إلى جدار المسجد، و معه عشرة أساطين من مربعة القبر الشريف إلى الرحبة و إلى الشام، و مدّ من المغرب إسطوانتين، و أدخل فيه حجرات أزواج النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و بيت فاطمة (رضى اللّه عنها)، و أدخل فيه دور عبد الرحمن بن عوف و دار عبد اللّه بن مسعود، و أدخل فيه من المغرب دار طلحة بن عبد اللّه، و دار سيرة بن أبى رهم، و دار عمار بن ياسر، و بعض دار العباس، و علم ما دخل منها، فجعل سائر سواريها التى تلى السقف أعظم من غيرها من السوارى.

____________

(1) فى (ب): الأسطوان المربع.

185

و بعث الوليد بن عبد الملك إلى ملك الروم: إنا نريد أن نعمل مسجد نبينا الأعظم ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأعنا فيه بعمال و فسيفساء، و هى: الفصوص المزجية المذهبة فبعث إليه بأربعين من الروم و بأربعين من النبط و بأربعين ألف مثقال عونا له، و بأحمال فسيفساء، و سلاسل القناديل اليوم، فهدم عمر المسجد، و أخمد النورة؛ التى يعمل منها الفسيفساء سنة، و حمل القصّة من النخل، و عمل الأساس بالحجارة، و الجدار بالحجارة المنقوشة المطابقة، و جعل عمد المسجد حجارة حشوها عمد الحديد و الرصاص، و جعل طوله مائتى ذراع، و عرضه من مقدمه مائتى ذراع، و من مؤخرة مائة و ثمانين ذراعا، و عمله بالفسيفساء و المرمر، و سقفه بالساج و ماء الذهب، و أدخل الحجرات و القبر المقدس فى المسجد، و نقل لبن الحجرات فبنى به داره فى الحرة.

قال الحافظ محب الدين: فهو بها لليوم له بياض على اللبن.

و قال الذين عملوا الفسيفساء: إنما عملنا على ما وجدنا من صور شجر الجنة و قصورها، و كان عمر بن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيسفاء و أحسن عملها نفله ثلاثين درهما.

و كانت زيادة الوليد من المشرق ستة أساطين، و زاد من الشام من الإسطوانة المربعة التى فى القبر الشريف أربعة عشر إسطوانا؛ منها عشرة فى الرحبة، و أربعة فى السقايف الأولى التى كانت قبل، و زاد من الإسطوانة التى دون المربعة إلى المشرق أربع أساطين، و أدخل بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى المسجد، و بقى ثلاثة أساطين فى السقايف و جعل المسجد فى أربع زواياه أربع منارات، و كانت الرابعة مطلة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك أذن المؤذن فأطل عليه فأمر بها فهدمت، و أمر عمر بن عبد العزيز حين بنى المسجد بأسفل الأساطين، فجعل قدر سترة اثنين يصليان إليها و قدر مجلس اثنين يستندان إليها، و لما صار إلى جدار القبلة دعى مشايخه من أهل المدينة؛ من قريش و الأنصار، و العرب و الموالى، فقال: احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا غير عمر قبلتنا، فجعل لم ينزع حجرا إلا وضع حجرا، و هو أول من أحدث الشرافات و المحراب و عمل الميازيب من رصاص و لم يبقى‏

186

منها إلا ميزابان: أحدهما فى موضع الجنائز، و الآخر على الباب الذى يدخل منه أهل السود- يعنى باب عاتكة- و عمل المقصورة من ساج و جعل للمسجد عشرين بابا، و كان هدمه للمسجد فى سنة إحدى و تسعين، و مكث فى بنيانه ثلاث سنين، فلما قدم الوليد بن عبد الملك حاجا جعل ينظر إلى البنيان، فقال حين رأى سقف المقصورة: ألا عملت السقف مثل هذا؟، فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تعظم النفقة جدا، فقال: و إن كان.

و كانت النفقة فى ذلك أربعين ألف مثقال، و لما استنفد الوليد النظر إلى المسجد، التفت إلى أبان بن عثمان بن عفان (رضى اللّه عنه) فقال: أين بناءنا من بنائكم؟ قال: إنا بنيناه بناء المساجد، و بنيتموه بناء الكنائس.

و قال الحافظ محب الدين: و خلا فى بعض الأيام المسجد.

فقال بعض الروم: لأبولن على قبر نبيهم، فنهاه أصحابه، فلم يقبل، فلما هم اقتلع، فألقى على رأسه، فانتثر دماغه، فأسلم بعض أولئك النصارى، و عمل أحدهم على رأس خمس طاقات من جدار المسجد القبلة فى صحن المسجد صورة خنزير، فظهر عليه عمر بن عبد العزيز فأمر به فضربت عنقه، و كان عمل القبط مقدم المسجد و الروم ما خرج من السقف من جوانبه و مؤخره، و أراد عمر بن عبد العزيز أن يعمل على كل باب سلسلة تمنع الدواب، فعمل واحدة فى باب مروان، ثم بدا له عن البواقى، و أقام الحرس فيه يمنعون الناس من الصلاة على الجنائز فيه.

قال الحافظ محب الدين: «و السنة فى الجنائز باقية إلى يومنا هذا إلا فى حق العلويين، و الأمراء و غيرهم من الأعيان و الباقون يصلى عليهم من خلف الحائط الشرقى، إذا وقف الإمام على الجنازة كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على يمينه».

و قال عفيف الدين المرجانى: «و كذلك الأمر باق إلى هذا التاريخ».

و الوليد بن عبد الملك هو الذى بنى مسجد مكة، و مسجد المدينة، و مسجد دمشق، و المسجد الأقصى و قبة الصخرة، و أنفق على مسجد دمشق أحد عشر ألف ألف مثقال و نيفا.

187

و قيل: أنفق عليه خراج الدنيا ثلاث‏ (1) دفعات، و هو أول من نقل إلى مكة أساطين الرخام، مدة خلافته عشر سنين و تسعة أشهر، توفى بدير مروان و حمل إلى دمشق، فدفن فى مقبرة الفراديس، و كان مسجد دمشق للصابئين ثم صار لليونانيين، ثم صار لليهود؛ فى ذلك الزمان قتل يحيى بن زكريا، و نصب رأسه على باب جيرون، و عليه نصب رأس الحسين، ثم غلبت عليه النصارى ثم غلبت عليه المسلمون.

*** ذكر زيادة المهدى‏

و ذلك أنه لما ولى الخلافة آخر ذى الحجة من سنة ثمان و خمسين و مائة شرع فى بناء المسجد الحرام، و مسجد المدينة المشرفة على ما هم عليه اليوم.

و بنى بيت المقدس، و قد كان هدمته الزلازل.

و حج فى سنة ستين و مائة و استعمل فى هذه السنة على المدينة جعفر بن محمد سليمان بن عبد اللّه بن عباس، و أمره بالزيادة فى المسجد النبوى، و ولاه بناءه هو و عاصم بن عمر بن عبد العزيز، و عبد الملك بن شبيب الغسانى، فزادوا فى المسجد من جهة الشام إلى منتهاه اليوم، فكانت زيادته مائة ذراع و لم يزيد فيه من الشرق و الغرب شيئا ثم سد على آل عمر خوختهم التى فى دار حفصة، فكثر كلامهم فصالحهم على أن يخفض المقصورة ذراعين، و زاد فى المسجد لتلك الخوخة ثلاث درجات، و حفر الخوخة حتى صارت تحت المقصورة و جعل عليها فى جوار القبلة شباك حديد فهو عليها اليوم.

و كان الذى دخل فى المسجد من الدور دار عبد الرحمن بن عوف، و دار شرحبيل و بقية دار عبد اللّه بن مسعود، و دار المسور بن مخرمة، و فرغ من بنيانه سنة خمس و ستين و مائة، و كان ابتداؤه سنة اثنين و ستين و مائة، و عرض منقبته مما يلى المشرق ذراعان و أربع أصابع و هو أعرضها الآن من ناحية السيل.

____________

(1) فى (ب): ثلاثة.

188

ذكر بلاعات المسجد و سائر صحنه و السقايات التى كانت فيه‏

قال الحافظ محب الدين: و فى صحن المسجد أربع و ستون بلاعة عليها أرحاء، و لها صمائم من حجارة، و كان أبو البخترى؛ وهب بن وهب القاضى واليا على المدينة لهارون الرشيد، و كشف سقف المسجد فى سنة ثلاث و تسعين و مائة فوجد فيه سبعين خشبة فأصلحها، و كان ماء المطر إذا كثر (1) فى صحن المسجد يغشى قبلة المسجد فجعل بين القبلة و الصحن لاصقا أحجارا من المربعة التى فى غربى المسجد إلى المربعة التى فى شرقية التى تلى القبر المقدس تمنع الماء و الحصب.

و أما الستائر التى كانت فى صحن المسجد: فذلك أنه لما قدم أبو جعفر المنصور سنة أربعين و مائة أمر بستور فستر بها صحن المسجد على عمد لها رؤوس كمقربات الفساطيط، و جعلت فى الطبقات، فكانت لا تزال العمد، فسقط على الناس، فغيرها و أمر بستور (2) أكثف من تلك الستور، و جبال تأتى من جدة تسمى القنبار و جعلت مشبّكة فكانت تجعل على الناس كل جمعة، فلم تزل حتى خرج محمد بن عبد اللّه بن حسن يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس و أربعين و مائة، فأمر بها فقطعت ذراريع لمن كان يقاتل معه، فتركت حتى كان زمان هارون فأخذت هذه الأستار اليوم و لم يكن يستر بها فى زمان بنى أميّة.

قال عفيف الدين المرجانى: «ثم إنها تركت لما جدد الملك الناصر الرواقين و عن حسن بن مصعب قال: «أدركت كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل مكة فتنشر على الرضراض فى مؤخر المسجد ثم يخرج بها إلى مكة، و ذلك فى سنة إحدى و ثلاثين و اثنين و ثلاثين و مائة». انتهى.

و أما الآن فلا يؤتى بها إلى المدينة، و إنما يؤتى بها صحبة الركب المصرى.

____________

(1) فى (ب): أكثر.

(2) فى (ب): بأستار.

189

و أما السقايات:

فقال محمد بن الحسن بن زبالة (1): «كان فى صحن المسجد تسع عشرة سقاية إلى أن كتبنا كتابنا هذا فى صفر سنة تسع و تسعين و مائة منها ثلاث عشرة أحدثتها خالصة، و هى أول من أحدث ذلك، و ثلاث لزيد البربرى؛ مولى أمير المؤمنين، و سقاية لأبى البحترى وهب بن وهب، و سقاية لسحر؛ أم ولد هارون الرشيد، و سقاية لسلسبيل؛ أم ولد جعفر بن أبى جعفر».

قال الحافظ محب الدين: و أما الآن فليس به سقاية إلا أن فى وسطة بركة كبيرة مبنية بالآجر و الجص و الخشب، بها درج أربع فى جوانبها، و الماء ينبع من فوارة فى وسطها تأتى من العين الزرقاء، و لا يكون فيها الماء إلا فى المواسم؛ بناها بعض أمراء الشام تسمى شامة.

قال الشيخ جمال الدين: و كان يحصل بهذه البركة انتهاك لحرمة المسجد فسدت لذلك.

قال الحافظ محب الدين: و عملت الجهة؛ أم الخليفة الناصر لدين اللّه فى مؤخر المسجد سنة تسعين و خمسمائة سقاية فيها عدة من البيوت، و حفرت لها بئرا، و فتحت لها بابا إلى المسجد فى الحائط الذى يلى الشام، و هى تفتح فى المسجد.

*** ذكر احتراق المسجد الشريف‏

و احترق مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة إحدى و خمسين و ستمائة بعد خروج نار الحرّة- الآتى ذكرها- فى السنة نفسها، فكتب بذلك إلى الخليفة المستعصم باللّه أبى أحمد عبد اللّه بن المستنصر فى الشهر المذكور، فوصل الصناع و الآلة فى صحبة حجاج العراق و ابتدئ فيه بالعمارة، من أول سنة خمس و خمسين و ستمائة، و استولى على‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

190

جميع سقوفه؛ حتى لم يبق فيه خشبة واحدة، و بقيت السوارى قائمة، و ذاب رصاص بعضها فسقطت، و احترق سقف الحجرة المقدسة و أنشد بعضهم فى ذلك:

لم يحترق حرم النبى لحادث‏* * * تخشى عليه و لا دهاه العار

لكنما أيدى الروافض لامست‏* * * ذاك الجناب فطهّرته النار

و قصة هذه النازلة على ما نقله ابن أبى شامة و المطرى و غيرهما: و ذلك أنه لما كانت الليلة ليلة الأربعاء؛ ثالث جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة ظهر بالمدينة دوى عظيم ثم زلازل رجفت منها المدينة و الحيطان ساعة بعد ساعة، و كان بين اليوم و الليلة أربعة عشر زلزلة، و اضطرب المنبر إلى أن سمع منه صوت الحديد، و اضطربت قناديل المسجد، و سمع لسقف المسجد صرير، و تمت الزلازل إلى يوم الجمعة ضحىّ، ثم انبجست الأرض بنار عظيمة من واد يقال له: أخيلين؛ بينه و بين المدينة نصف يوم، ثم انبجست من رأسه فى الحرة الشرقية من وراء قريظة على طريق الشوارقية بالمقاعد، ثم ظهر لها دخان عظيم فى السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض، و للنار ألسن حمر صاعدة فى الهواء و بقى الناس فى مثل ضوء القمر و صارت النار قدر المدينة العظيمة و ما ظهرت إلا ليلة السبت، و كان اشتعالها أكثر من ثلاث منائر و هى ترمى بشرر كالقصر، و شررها صخر كالجمال و سال من هذه النار واد يكون مقداره خمسة فراسخ و عرضه أربعة أميال و عمقه قامة و نصف، و هو يجرى على وجه الأرض و يخرج منه أمهاد و جبال يسير على وجه الأرض، و هو صخر يذوب حتى يصير كالائك، فإذا جمد صار أسود، و قبل الجمود لونه أحمر، و سال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، و سالت من أخيلين نار تنحدر مع الوادى إلى الشظاة و الحجارة تسير معها حتى عادت تقارب حرة العريض ثم قنعت أياما تخرج من النار ألسن ترمى بحجارة خلفها و أمامها حتى بنت لها جبل، و لها كل يوم صوت من آخر النهار، و رؤى ضوء هذه النار من مكة و من الينبع، و لا يرى الشمس و القمر من يوم ظهور الغار إلا كاسفين.

191

قال ابن أبى شامة: ظهر عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نور الشمس على الحيطان و كلنا حيارى من ذلك: ما هو؟ حتى أتى خبر النار.

قال المطرى: «سارت النار من مخرجها الأول إلى جهة الشمال ثلاثة أشهر تدب كدبيب النمل تأكل كلما دبت عليه من جبل أو حجر و لا تأكل الشجر فتثير كل ما مرت عليه فيصير سدا لا مسلك فيه لإنسان إلى منتهى الحرة من جهة الشمال، فقطعت فى وسط وادى الشطاة إلى جبل و غيره، فسدت الوادى المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، و لا كسر ذى القرنين لا يصفه إلا من رآه طولا و عرضا و ارتفاعا، و انقطع وادى الشظاة بسببه و صار السيل ينبجس خلف السد، و هو واد عظيم، فيجتمع خلفه المياه حتى يصير بحرا كنيل مصر عند زيادته».

قال (رحمه الله تعالى): «شاهدته كذلك فى شهر رجب من سنة تسع و عشرين و سبعمائة ش.

قال: «و أخبرنى علم الدين سحر المغربى؛ من عتقاء الأمير عز الدين ضيف بن شيحة بن القاسم بن مهنا الحسينى؛ أمير المدينة.

قال: أرسلنى مولاى- الأمير المذكور- بعد ظهور النار (1) بأيام و معى شخص من العرب يسمى خطيب بن سنان و قال لنا: اقربا من هذه النار و انظرا، هل يقدر أحد على القرب منها؟ فخرجنا إلى أن قربنا منها فلم نجد لها حرا، فنزلت عن فرسى و سرنا إلى أن وصلت إليها و هى تأكل الصخر، و مددت يدى إليها بسهم فعرق النصل، و لم يحترق، و احترق الريش».

انتهى.

قال عفيف الدين المرجانى: «انظر إلى عظيم لطف البارى تعالى بعباده إذ سخرها بلا حرارة، إذ لو كانت كنارنا لأحرقت من مدى البعد، فناليك بقربها و عظمها، و لكنها ليست بأول مكارمه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و امتنان خالقها

____________

(1) فى (ب): النيران.

192

عزّ و جلّ إذ أحمد حرها، و جعل سبرها تهويدا حفظا لنبيّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و لأمته و رحمة بعباده و لطفا بهم، أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (1).

و قد ظهر بظهورها معجزات بان بها آيات أسرار بديعة و عنايات ربانية منيعة، فى انطماس نورها فكرة و سببه عدم حرها، و فى عدم حرها عبرة و سببه خفة سبرها، و فى استرسال دبيبها قدرة و سببه عدم أكلها، و فى عدم أكلها حرمة و سببه لا يعضد نيتها».

قال الشيخ جمال الدين: «و أخبرتنى بعض من أدركتها من النساء: أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت».

قال (رحمه الله): و ظهر بظهورها معجزة من معجزات رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هى ما ورد فى «الصحيحين» من حديث أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال:

قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز تضئ لها أعناق الإبل ببصرى»، فكانت هى إذ لم يظهر قبلها و لا بعدها مثلها.

ثم قال (رحمه الله): «و ظهر لى فى معنى أنها كانت تأكل الحجر و لا تأكل الشجر أن ذلك لتحريم سيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) شجر المدينة فمنعت من أكله لوجوب طاعته، و هذا من أوضح معجزاته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و قدم إلى المدينة الشريفة فى جمادى الآخرة من السنة المذكورة نجّابة من العراق، و أخبروا أن بغداد أصابها غرق عظيم حتى دخل الماء من أسوارها إلى البلد، و عزق كثير من البلد، و دخل الماء دار الخليفة، و انهدمت دار الوزير و ثلثمائة و ثمانون دارا، و انهدم مخزن الخليفة، و هلك من السلاح شى‏ء كثير، و أشرف الناس على الهلاك، و تحرّقت أزقة بغداد و دخلت السفن وسط البلدان. و فى تلك السنة احترق مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و كانت ليلة الجمعة أول ليلة من رمضان المعظم».

قال الشيخ جمال الدين: و انخرق السد من تحته فى سنة تسعين و ستمائة

____________

(1) الآية رقم 14 من سورة الملك؛ مكية.

193

لتكاثر الماء من خلفه، فجرى فى الوادى المذكور سنة كاملة سيلا يملأ ما بين جانبى الوادى، ثم سنة أخرى دون ذلك، ثم انخرق فى العشر الأول بعد السبعمائة، فجرى سنة أو أزيد، ثم انخرق فى سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة بعد تواتر أمطار عظيمة، و علا الماء من جانبى السد من دونه مما يلى جبل و غيره، فجاء السيل طام لا يوصف و مجراه على مشهد حمزة (رضى اللّه عنه)، و حفروا واديا قبلى الوادى و مشهد حمزة و قبلى جبل عنين، و بقى المشهد و جبل عنين فى وسط السيل أربعة أشهر و لو زاد الماء مقدار ذراع وصل إلى المدينة الشريفة.

قال (رحمه الله تعالى): «و كنا نقف خارج باب البقيع على التل الذى هناك فتراه و نسمع خريره ثم استقر فى الوادى بين القبلى الذى أحدثته النار و الشمالى قريبا من سنة و كشف عن عين قديمة قبل الوادى فجددها الأمير ودى ابن حمار؛ أمير المدينة الشريفة فى ولايته». انتهى. رجعنا إلى المقصود.

قال الشيخ جمال الدين: و لما ابتدأوا بالعمارة قصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور المقدسة، فلم يجسروا و رأوا من الرأى أن يطالعوا الإمام المستعصم فى ذلك.

و كتبوا إليه فلم يصل إليهم حول و حصل للخليفة المذكور شغل باستيلاء التتار على بلادهم تلك السنة، فتركوا الردم و أعادوا سقفا فوقه على رؤوس السوارى التى حول الحجرة الشريفة، فإن الحائط الذى بناه عمر بن عبد العزيز (رضى اللّه عنه) حول بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بين هذه السوارى التى حول بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم يبلغ به السقف الأعلى بل جعلوا فوق الحوائط و بين السوارى إلى السقف شباكا من خشب يظهر لمن تأمله من تحت الكوة على دوران الحائط جميعه لأنه أعيد بعد الاحتراق على ما كان عليه قبل ذلك، و سقفوا فى هذه السنة و هى سنة خمس و خمسين الحجرة الشريفة و ما حولها إلى الحائط الشرقى إلى باب جبريل ((عليه السلام))، و من جهة الغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر المنيف، ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة، فكان فى المحرم منها واقعة بغداد، و قتل الخليفة المذكور،

194

و وصلت الآلة من مصر، و كان المتولى لها تلك السنة الملك المنصور على ابن الملك العزيز بن أيبك الصالحى، فأرسل الآلات و الأخشاب فعملوا إلى باب السلام، ثم عزل صاحب مصر المذكور و تولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى، و اسمه الحقيقى محمد بن ممدود؛ أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه و أبوه ابن عمه، وقع عليه السبى عند غلبة التتار فبيع بدمشق ثم انتقل بالبيع إلى مصر و تملك فى سنة ثمان و خمسين و ستمائة.

و فى شهر رمضان من السنة المذكورة كانت وقعة عين جالوت على يده، ثم قتل بعد الوقعة بشهر و هو داخل إلى مصر، و كان العمل فى المسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد بن معاوية كانت لها دارا تقابل الباب فنسب لها كما نسب باب عثمان و باب مروان، و من باب جبريل إلى باب البناء المعروف قديما بباب ريطة بنت أبى العباس السفاح، و تولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى المعروف بالبند قدارى، فعمل فى أيامه باقى المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالى المسجد ثم إلى باب النساء و كمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف و لم يزل على ذلك حتى جددوا السقف الشرقى و السقف الغربى فى سنتى خمس و ست و سبعمائة فى أول دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فجعلا سقفا واحدا يشبه السقف الشمالى، فإنه جعل فى عمارة الملك الظاهر كذلك.

*** ذكر الخوخ و الأبواب التى كانت فى مسجد رسول الله ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

قال الشيخ جمال الدين: اعلم أن الخوخة التى تحت الأرض و لها شباك فى القبلة و طابق مقفل يفتح أيام الحاج و هى طريق آل عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهم) إلى دارهم التى تسمى اليوم دار العشرة، و إنما هى دار آل عبد اللّه بن عمر.

195

و كان بيت حفصة (رضى اللّه عنها) قد صار إلى آل عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهم) أجمعين، فلما دخل عمر بن عبد العزيز بيت حفصة فى المسجد جعل لهم طريقا فى المسجد و فتح لهم حائطا فى الحائط القبلى يدخلون منه إلى المسجد، و لم يزل كذلك حتى عمل المهدى بن المنصور المقصورة على الرواقين، فسد الباب و جعل لهم عليه شباكا حديدا و حفر لهم من تحت الأرض طريقا يخرج إلى خارج المقصورة، فهى هذه الموجودة اليوم و هى إلى الآن بيد آل عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهم).

و أمّا خوخة أبى بكر (رضى اللّه عنه): فإن باب أبى بكر كان فى غزبى المسجد و نقل أيضا أنه كان قريبا من المنبر، و لما زاد فى المسجد إلى حده من المغرب نقلوا الخوخة و جعلوها فى مثل مكانها الأول، كما نقل باب عثمان (رضى اللّه عنه) إلى موضعه اليوم.

قال الشيخ جمال الدين: و باب خوخة أبى بكر (رضى اللّه عنه) اليوم هو باب خزانة لبعض حواصل المسجد، إذا دخلت من باب السلام كانت على يسارك قريبا من الباب.

و أما أبواب مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): فذلك أنه لما بنى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مسجده أولا جعل له ثلاثة أبواب: باب فى مؤخرة، و باب عاتكة، و باب الرحمة، و الباب الذى كان يدخل منه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو باب عثمان (رضى اللّه عنه) المعروف اليوم بباب جبريل ((عليه السلام)).

قال الحافظ محب الدين: «روى عن ربيعة بن عثمان قال: لم يبق من الأبواب التى كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يدخل منها إلا باب عثمان (رضى اللّه عنه).

قال الشيخ جمال الدين: فلما بنى الوليد بن عبد الملك المسجد جعل له عشرين بابا؛ ثمانية فى جهة الشرق فى الحائط القبلى:

الأول: باب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سمى بذلك لمقابلته بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، لا لأنه دخل منه ((عليه السلام)) و قد سدّ عند تجديد الحائط و جعل منه شباك يقف الإنسان عليه من خارج المسجد، فيرى حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

196

الثانى: باب علىّ (رضى اللّه عنه): كان يقابل بيته خلف بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و قد سدّ أيضا عند تجديد الحائط.

الثالث: باب عثمان (رضى اللّه عنه): نقل عند بناء الحائط الشرقى قبالة الباب الأول الذى كان يدخل منه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو باب جبريل و هو مقابل لدار عثمان (رضى اللّه عنه)، ثم اشترى عثمان (رضى اللّه عنه) دارا حولها إلى القبلة و الشرق و شمالها الطريق إلى باب جبريل إلى باب المدينة الأول من عمل جمال الدين الأصبهانى، و منه يخرج إلى البقيع، فالذى يقابل باب جبريل ((عليه السلام)) منها اليوم رباط أنشأه جمال الدين محمد ابن على بن منصور الأصبهانى وزير بنى زنكى، و وقفه على فقراء العجم، و جعل له فيه مشهدا دفن فيه، و كان قد جدد أماكن كثيرة بمكة و المدينة؛ منها باب إبراهيم بمكة و زيادته، و اسمه مكتوب على الباب و تاريخه من سنة ست و أربعين و خمسمائة، و منها المنابر بمكة، و عليها اسمه، و كان أولا قد جدد باب الكعبة، و أخذ الباب العتيق و حمله إلى بلده، و عمل منه تابوتا حمل فيه بعد موته إلى المدينة الشريفة، مات مسجونا بقلعة الموصل سنة تسع و خمسين و خمسمائة، و حمل إلى مكة و أنشد فى ذلك:

سرى نعشه فوق الركاب و طالما* * * سرى جوده فوق الركاب و نائله‏

يمر على الوادى فتثنى رماله‏* * * عليه و بالنادى فثنى أرامله‏

و هو الذى بنى سور المدينة الثانى، بعد السور الأول القديم، و عمل له أبوابا من حديد، و لكنه كان على ما حول المسجد، فلما كثر الناس بالمدينة، و وصل السلطان الملك العادل نور الدين الشهيد محمود بن زنكى ملك الشام إلى المدينة لأمر حدث بها- يأتى ذكره فى آخر هذا الفصل- أمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، و فى قبلة الرباط المذكور من دار عثمان تربة اشترى عرصتها أسد الدين شيركوه بن شادى؛ عم السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف و عملها تربة نقل إليها هو و أخوة نجم الدين أيوب بعد موتهما و دفنا بها، و توفى أسد الدين شهيدا بخانوق كان يعتريه سنة أربع و ستين و خمسمائة بالقاهرة.

197

الرابع: باب ريطة: و يعرف بباب النساء، و فى أعلاه من خارج لوح من الفسيفساء مكتوب فيه آية الكرسى من بقية البنيان القديم؛ الذى بناه عمر بن عبد العزيز، و دار ريطة المقابلة له كانت دارا لأبى بكر الصديق (رضى اللّه عنهم).

و نقل: أنه توفى بها و هى الآن مدرسة للحنفية بناها ياركوح؛ أحد أمراء الشام، و يعرف بالبدكوجة و عمل له فيها مشهدا نقل إليه من الشام بعد موته و الطريق إلى البقيع بينها و بين دار عثمان (رضى اللّه عنه) و الطريق سبعة أذرع قاله ابن زبالة.

قال الشيخ جمال الدين: و هى اليوم قريب من هذا.

الخامس: باب يقابل باب أسماء ابنة الحسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن العباس، كانت لجبلة بنت عمرو الساعدى الأنصارى، ثم صارت لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان ثم صارت لأسماء، و قد سدد عند تجديد الحائط الشرقى فى أيام الناصر لدين اللّه سنة تسع و ثمانين و خمسمائة، و دار أسماء المذكورة هى اليوم رباط للنساء (1).

السادس: باب يقابل دار خالد بن الوليد، و قد دخل فى بناء الحائط المذكور و دار خالد الآن رباط للرجال، و معها من جهة الشمال دار عمرو بن العاص، و الرباطان المذكوران بناهما قاضى القضاة كمال الدين محمد بن عبد اللّه بن القاسم الشهرزورى.

السابع: باب يقابل زقاق المناصع بين دار عمرو بن العاص و دار موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللّه بن أبى ربيعة المخزومى و الزقاق اليوم ينفذ إلى دار الحسن بن على العسكرى ((رحمه الله تعالى))، و كان الزقاق نافذا إلى المناصع خارجا إلى المدينة، و هو مبترز النساء بالليل على عهد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و دار موسى بن إبراهيم اليوم رباط للرجال أنشأه محيى الدين عبد الرحيم بن على بن الحسين اللخمى التبّانى ثم العسقلانى، و دخل هذا الباب فى الحائط أيضا.

____________

(1) فى (ب): رباط النساء.

198

الثامن: باب كان يقابل أبيات الصوافى؛ دورا كانت بين موسى بن إبراهيم و بين عبد اللّه بن الحسين الأصغر بن على بن زين العابدين بن الحسين بن على دخل فى الحائط أيضا و موضع هذه الدور اليوم دار اشتراها صفى الدين أبو بكر بن أحمد السلامى و وقفها على قرابته السلاميين، و فى شمالى المسجد الشريف أربعة أبواب سدت أيضا عند تجديد الحائط الشمالى، و ليس فى شمالى المسجد اليوم إلا باب سقاية، عمرتها أم الإمام الناصر لدين اللّه للوضوء فى سنة تسعين و خمسمائة؛ كما تقدم.

و مما يلى المغرب ثمانية أبواب؛ بابان مسدودان و بقية باب ثالث سدّ، و بقيت منه قطعة، و دخل باقيه عند تجديد الحائط، ثم باب عاتكة، ثم باب عاتكة بنت عبد اللّه بن يزيد؛ و هو باب الرحمة، و كان يقابل دار عاتكة ثم صارت الدار ليحيى بن خالد بن برمك؛ وزير الشريد، و بابان سدّا أيضا عند تجديد الحائط ما بين باب عاتكة أيضا هذا، و خوخة أبى بكر (رضى اللّه عنه) ثم خوخة أبى بكر و قد تقدم ذكرها، ثم الباب الثامن باب مروان بن عبد الحكم، و كانت داره تقابله من المغرب و من القبلة، و يعرف الآن باب السلام و باب الخشوع، و لم يكن فى القبلة و لا إلى اليوم باب إلا خوخة آل عمر المتقدم ذكرها و خوخة كانت لمروان عند داره فى ركن المسجد الغربى.

قال الشيخ جمال الدين: شاهدناها عند بناء المنارة الكبيرة المستجدة فى سنة ست و سبعمائة، أمر بإنشائها الملك الناصر محمد بن قلاوون، و كان بابها عليها- و هو من ساج- فلم يبل إلى هذا التاريخ و قد استبدت بحائط المنارة الغربى.

*** ذكر ذرعي المسجد اليوم و عدد أساطينه و طيقانه و ذكر حدود المسجد القديم‏

قال عفيف الدين المرجانى: اعلم أن طول المسجد اليوم بعد الزيادات كلها من قبلته إلى الشام مائتا ذراع و أربع و خمسون ذراعا و أربع أصابع، و عرضه‏

199

من مقدمه من المشرق إلى المغرب مائتا ذراع و سبعون ذراعا شافة و عرضه من مؤخره مائة ذراع و خمسة و ثلاثون، و طول رحبته من القبلة إلى الشام مائة ذراع و تسع و خمسون ذراعا و ثلاث أصابع، و ذلك قبل زيادة الرواقين، و من شرقيه إلى غربيه سبع و تسعون ذراعا راجحه و طول المسجد فى السماء خمسة و عشرون.

قال الحافظ محب الدين: هذا ما ذرعته أنا بخيط.

و ذكر الشيخ جمال الدين: أن ابن زبالة ذكر مثل ذلك أو ما يقاربه.

و ذكر ابن زبالة: أن طول منائره خمس و خمسون ذراعا و عرضهن ثمانية أذرع فى ثمانية.

و أما الطيقان:

ففى القبلة ثمان و ستون منها فى القبر المقدس أربعة، و فى الشام مثلها، و فى المشرق أربعون منها اثنان فى الحجرة المعظمة، و فى المغرب ستون و بين كل إسطوانين تسعة أذرع، و ذلك قبل زيادة الرواقين، و ليس على رؤوس السوارى أقواس بل عوارض غير الدائر بالرحبة، و الرواقين اللذين زيد فى دولة الملك الناصر.

و أما حدود مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) القديم المشار إليه أولا:

فذكر الحافظ محب الدين: أن حده من القبلة الدرابزينات التى بين الأساطين التى فى قبة الروضة الشريفة، و من الشام الخشبتان المغروزتان فى صحن المسجد و هذا طوله.

و أما عرضه من المشرق إلى المغرب، فهو من حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى الأسطوان الذى بعد المنبر الشريف و هو آخر البلاط.

قال الشيخ جمال الدين: أما الدرابزينات التى ذكرت فى جهة القبلة فهى متقدمة عن موضع الحائط القبلى الذى كان محاذيا لمصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما ورد أن الواقف فى مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) تكون رمانة المنبر الرفيع حذو منكبه الأيمن، فمقام النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم يغير باتفاق، و كذلك المنبر الشامى لم‏

200

يؤخر عن منصبه الأول، و إنما جعل هذا الصنّدوق الذى فى قبلة مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سترة بين المقام و بين الإسطوانات.

و ورد أيضا: أنه كان بين الحائط القبلى و بين المنبر ممر الشاة، و بين المنبر و الدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع و ربع.

ثم قال ((رحمه الله)): و فى صحن المسجد اليوم حجران يذكر أنهما حد مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من الشام و المغرب، و لكنهما ليسا على سمت المنبر الشريف، بل هما داخلان إلى جهة المشرق‏ (1) مقدار أربعة أذرع أو أقل، و كذلك هما متقدمان إلى القبلة بمثل ذلك، لأنى اعتبرت ذلك بالذراع فوجدتهما ليسا على حد ذرعة المسجد الأول. و اللّه أعلم.

قال الحارث بن أسيد المحاسبى: حدود المسجد الأول ستة أساطين فى عرضه عن يمين المنبر إلى القناديل التى حذاء الخوخة و ثلاث سوارى عن يساره من ناحية المنحرف و منتهى طوله من قبلته إلى مؤخرة حذاء تمام الرابع من طيقان المسجد اليوم، فما زاد على ذلك فهو خارج عن المسجد الأول.

قال: «و روى عن مالك أنه قال: مؤخر المسجد بحذاء عضادة الباب الثانى الذى يقابل باب عثمان، و هو باب النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أعنى العضادة الآخرة السفلى، و هو أربعة طيقان من المسجد ما قصر حتى يصير فى الروضة، و الروضة ما بين القبر و المنبر، فما كان منها من الإسطوانة السادسة؛ التى حدثت لك عن يمين المنبر فليس من المسجد الأول، إنما كان من حجرة عائشة (رضى اللّه عنها)، فوسع به المسجد و هو من الروضة و تدنو من ناحية المنبر على يمينك حذاء الصندوق الموضوع هناك إلى المنبر.

يروى: أنه من وقف حذاء ذلك الصندوق و جعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن، فقد وقف موقف رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الذى كان يقوم فيه.

قال قاضى القضاة عز الدين ابن جماعة (2) فى مناسكه الكبرى: و قد

____________

(1) فى (ب): التشرق.

(2) عز الدين بن جماعة: هو عز الدين عبد العزيز بن بدر الدين محمد الحموى الدمشقى-

201

حررت ذرع ما حول مما به المسجد فى زمنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فكان ما بين الجدار الذى داخله الحجرة المقدسة و بين السارية السابعة اثنان و أربعون ذراعا و ثلثا ذراع، و ما بين الدرابزين و الحجرتين ستة و أربعون ذراعا و ثلثا ذراع.

و ذرعت ما بين الجدار الذى حول الحجرة الشريفة و بين المنبر فكان أربعة و ثلاثين ذراعا و قيراطا، و ذلك طول الروضة الشريفة».

قال: «و لم يتحرر لى عرضها و ما سامت بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أو المنبر فهو من الروضة بلا شك، و بين المنبر و الدرجة التى تنزل منها إلى الحضرة التى هى مصلى (رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)) عن يمين الإمام تسعة ذرع و قيراط، و عرض الدرجة سدس ذراع و ثمن ذراع، وسعة الحضرة ذراع و ثلث ذراع و ربع ذراع و ثمن ذراع فى مثله؛ كل ذلك بذراع العمل بمصر المحروسة». انتهى كلام ابن جماعة.

و رحبة المسجد مقدار ثلاثة عشر و على جانبها بئر و على جانبها الغربى قبة، حاصل المسجد الشريف أنشأها السلطان الملك الناصر، و بهذه القبة المصحف العثمانى و أول من جمع القرآن بين اللوحين أبو بكر (رضى اللّه عنه) ثم إنه أمر زيد بن ثابت بجمع القرآن، و ذلك بعد أيام اليمامة، فلما جمعه زيد كان عند حفصة، فأرسل عثمان إلى حفصة: ارسلى إلينا بالمصحف فننسخها بالمصاحف، ثم جمع زيدا و عبد اللّه بن عمرو بن العاص و ابن عباس و عبد اللّه بن الزبير و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، و أمرهم بنسخها فى مصحف ففعلوا، ثم رد عثمان المصحف إلى حفصة، و قيل: أحرقها.

و قيل: جعل منها أربع نسخ، فبعث إحداهن إلى الكوفة و إلى البصرة أخرى، و إلى الشام الثالثة، و أمسك عند نفسه واحدة فهى التى بالمدينة.

و قيل: جعل سبع نسخ، و وجه من ذلك أيضا نسخة إلى مكة، و نسخة إلى اليمن، و نسخة إلى البحرين. و الأول أصح.

____________

- الشافعى، المتوفى سنة 767 ه. له «المناسك الكبرى»، و هو على المذاهب الأربعة، و سماه: «هداية السالك». كشف الظنون: 2/ 1829.

202

قال عفيف الدين المرجانى: «و بمكة الآن منهن نسخة، و ذكروا أنها كانت عليه شبكة من اللؤاد، فيما تقدم. و كان أهل مكة يستسقون بها، و كانت فى جوف الكعبة و هى فى مقدار قطع ذراع فى ذراع». انتهى كلامه.

*** ذكر أسوار المدينة الشريفة

السور الأول: نقل قاضى القضاة شمس الدين بن خلكان: أن هذا السور القديم بناه عضد الدولة ابن توبة المسمى بالحسن بن لوسى بعد الستين و ثلثمائة فى خلافة الإمام الطائع للّه ابن المطيع، ثم تهدم على طول الزمان، و لم يبق إلا آثاره، و هى باقية إلى الآن.

السور الثانى: هو الذى بناه جمال الدين الأصبهانى على رأس الأربعين و خمسمائة.

السور الثالث: بناه السلطان الملك العادل، و ذلك أن المدينة الشريفة ضاقت بأهلها، فلما قدم السلطان المذكور فى سنة سبع و خمسين و خمسمائة إلى المدينة بسبب رؤيا رآها استغاث به أهل المدينة، و طلبوا أن يبنى عليهم سورا يحفظهم و يحفظ مواشيهم، فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم، فبنى فى سنة ثمان و خمسين و خمسمائة و كتب اسمه على باب البقيع و هو باق إلى اليوم.

و قصة الرؤيا على ما حكاه الطبرى و غيره: أن السلطان محمودا رأى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ثلاث مرات فى ليلة واحدة و هو يقول له فى كل واحدة منها: يا محمود، انقذنى من هذين الشخصين الأشقرين تجاهه، فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك، فقال: هذا أمر حدث بالمدينة ليس له غيرك، فتجهز و خرج على عجل بمقدار ألف راحلة و ما يتبعها من خيل و غير ذلك، حتى دخل المدينة الشريفة على غفلة من أهلها، و زار و جلس فى المسجد لا يدرى ما يصنع، فقال له وزيره: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم، فأمره بالصدقة، و طلب الناس عامة و فرق عليهم ذهبا و فضة، و قال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق إلا رجلين مهاجرين من أهل الأندلس‏

203

نازلين فى الناحية التى تلى قبلة حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من خارج المسجد عند دار عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه)، فطلبهما للصدقة، فامتنعا فجد فى طلبهما فجئ بهما، فلما رآهما قال: هما هذان، فسألهما عن حالهما، فقالا: جئنا للمجاورة، فقال: أصدقانى.

و تكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرّا أنهما من النصارى، و أنهما وصلا لكى ينقلا من فى هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكهما و وجدوهما قد حفرا نقبا من تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلى، و هما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة و يجعلان التراب فى بئر عندهما فى البيت الذى هما فيه، فضرب أعناقهما عند الشباك الذى فى شرقى حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) خارج المسجد ثم أحرقا آخر النهار، و ركب توجه إلى الشام.

انتهى، و اللّه أعلم.

***

204

الفصل السابع ذكر المساجد المعروفة بالمدينة الشريفة

فمنها: مسجد قباء.

قال اللّه تعالى: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى‏ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... (1) أى بنيت جدره و رفعت قواعده.

عن ابن عباس، و الضحاك، و الحسن: «هو مسجد قباء».

و تعلقوا بقوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ..، و هو قول بريرة، و ابن زيد، و عروة، و دليل الطرف يقتضى الرجال المتطهرين، فهو مسجد قباء.

و عن أبى هريرة قال: نزلت هذه الآية فى أهل قباء: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا (2) فيه: أى من حاضر به.

قيل: كانوا يجمعون بين الماء و الحجر لمسجد قباء فى بنى عمرو بن عوف كان بريدا لكلثوم بن الهدم، فأعطاه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فبناه مسجدا و أسسه و صلى فيه قبل أن يدخل المدينة حين قدومه من مكة؛ كما تقدم.

و تقدم فى باب الفضائل الأحاديث الواردة فى فضل قباء و الصلاة فيه.

و روى نافع عن ابن عمر: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى إلى الأسطوان الثالث فى مسجد قباء التى فى الرحبة.

قال الحافظ محب الدين: «و لم يزل مسجد قباء على ما بناه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و وسعه و نقشه بالفسيفساء، و سقفه بالساج و عمل له منارة و جعل له أروقة،

____________

(1) الآية رقم 108 من سورة التوبة، مدنية.

(2) الآية السابقة.