تاريخ مكة المشرفة والمسجد الحرام والمدينة الشريفة والقبر الشريف‏ - ج2

- محمد بن أحمد ابن ضياء المزيد...
297 /
205

و فى وسطه رحبة فتهدم حتى جدده جمال الدين الأصبهانى وزير بنى زنكى فى سنة خمس و خمسين و خمسمائة».

قال: «و ذرعته، فكان طوله ثمانية و ستين ذراعا راجحا قليلا و عرضه كذلك و ارتفاعه فى السماء عشرون ذراعا و طول منارته من سطحه اثنان و عشرون ذراعا، و على رأسها قبة نحو العشرة أذرع، و فى المسجد تسع و ثلاثون إسطوانة بين كل إسطوانتين سبعة أذرع راجحة و فى جدرانه طاقات فى كل جانب ثمان إلا الجانب الشامى، فإن الثانية سدت بالمنارة و منارة مربعة و هى على يمين المصلى.

و منها مسجد الفتح:

عن جابر (رضى اللّه عنه) أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): دعى فى مسجد الفتح يوم الاثنين و يوم الثلاثاء و يوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر فى وجهه، و قد تقدم فى باب الفضائل.

و عن هارون بن كثير عن أبيه عن جده أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) دعى يوم الخندق على الأحزاب فى موضع الإسطوانة الوسطى من مسجد الفتح الذى على الجبل.

قال الشيخ جمال: «مسجد الفتح على قطعة من جبل سلع من جهة المغرب، و غربية وادى بطحان، و تحته فى الوادى عين تجرى.

و يعرف الموضع بالسيح (بالسين المهملة) يصعد إلى المسجد من درجتين شمالية و شرقية، و كانت فيه ثلاث إسطوانات قبل هذا البناء الذى هو اليوم عليه من بناء عمر بن عبد العزيز فتهدم ثم جدده الأمير سيف الدين الحسين بن أبى الهيجاء أحد وزراء العبيدين بمصر فى سنة خمس و سبعين و خمسمائة، و كذلك جدد المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة يعرف الأول القبلى بمسجد على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، و الثانى يلى الشمال يعرف بمسجد سلمان الفارسى (رضى اللّه عنه) جددهما فى سنة سبع و سبعين و سبعمائة.

و ذكر الحافظ محب الدين: أنه كان معهما مسجد ثالث، فذلك لم يبق له أثر.

206

قال الحافظ محب الدين: «و روى عن معاذ بن سعد: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجد الفتح الذى على الجبل و فى المساجد التى حوله، و فى المسجدين القبليين و منها مسجد القبلتين.

عن عثمان بن محمد الأخنسى: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) زار امرأة من بنى سلمة يقال لها: أم بشر، فى بنى سلمة، فصنعت له طعاما، فحانت الظهر فصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بأصحابه فى مسجد القبلتين الظهر، فلما صلى ركعتين أمر أن يتوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى الكعبة فسمى بذلك مسجد القبلتين، و كانت الظهر يومئذ أربع ركعات منها اثنان إلى بيت المقدس، و اثنان إلى الكعبة و تحرفت القبلة يوم الثلاثاء النصف من شعبان فى السنة الثانية من الهجرة، و قيل: بل صرفت القبلة فى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى صلاة العصر يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة.

و قال ابن المسيب: صرفت قبل بدر بشهرين، و الأول أصح».

قال الحافظ محب الدين: «و هذا المسجد بعيد من المدينة قريب من بئر رومة، و قد تقدم و لم يبق إلا آثاره و موضع المسجد يعرف بالقاع. و القاع المكان المستوى».

قال عفيف الدين المرجانى: و هذا الوادى سار رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و من معه بالخيل و الإبل على ظهر الماء لما أن غزا خيبر.

قال علىّ (رضى اللّه عنه): وجدنا السيول بالقاع فقدرنا الماء، فإذا هو أربعة عشر قامة، فنزل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فسجد و دعا ثم قال: سيروا على اسم اللّه، فسرنا على الماء و كان ذلك نظير فلق البحر لموسى ((عليه السلام)).

قال الشيخ جمال الدين: «و مسجد القبلتين بعيد عن مسجد الفتح من جهة الغرب على رابية على شفير وادى العقيق و حوله خراب عقيق الحرة و حول آبار، و مزارع تعرف بالعرض فى قبلة مزارع الحرف المعرف بالمسجد المذكور فى قرية بنى سلمة و يقال لها: خرباه، ثم قال: و فى هذا المسجد

207

و هو مسجد بنى حزام من بنى سلمة (أى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) النخامة فحكها بعرجون كان فى يده ثم عاد بخلوق، فجعله على رأس العرجون، ثم جعله على موضع النخامة، فكان أول مسجد خلق فى الإسلام.

و منها: مسجد الفضيخ:

روى هشام بن عروة (1) و الحارث بن فضيل أنهما قالا: صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى مسجد الفضيخ.

و عن جابر بن عبد اللّه: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما جاء بنى النظير خرب فيه موضع مسجد الفضيخ و أقام بها شبيئا. قال: و جاء تحريم الخمر فى السنة الثالثة من الهجرة، و قيل: فى السنة الرابعة و أبو أيوب فى نفر من أصحاب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى موضعه معهم راوية خمر من فضيخ، فأمر أبو أيوب (رضى اللّه عنه) بعزلاء المزادة، ففتحت فسال الفضيخ فيه فسمى: مسجد الفضيخ، و الفضيخ نوع من الخمر و هو ما افتضخ من البشر من غير أن تمسه النار.

و يقال له: الفصوخ؛ و هو من أسماء الخمر.

قال الحافظ محب الدين: «و مسجد الفضيخ قريب من قباء من شرقية و يعرف بمسجد الشمس».

قال الشيخ جمال الدين: «و هو على شفير الوادى على نشز من الأرض مرضوم بحجارة سود، و هو صغير جدا.

و منها: مسجد بنى قريظة: عن محمد بن عتبة بن أبى مالك قال: صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): فى بيت امرأة من الحضرمى بنى قريظة، فدخل الوليد ابن عبد الملك ذلك البيت فى المسجد حين بناه.

____________

(1) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدى المدنى، روى عن أبيه و عمه عبد اللّه بن الزبير و طائفة. و روى عنه أبو حنيفة و مالك و شعبة و السفيانان و الحمادان. كان ثقة ثبت الحديث. مات سنة 145 ه. تاريخ بغداد: 14/ 37، خلاصة تهذيب الكمال: 352، تهذيب التهذيب: 11/ 48، مرآة الجنان: 1/ 302.

208

قال الحافظ محب الدين: «روى عن على بن رفاعة عن أشياخ من قومه:

أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى بيت امرأة من بنى قريظة، و هو المكان الذى صلى فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ببنى قريظة».

و قيل: إنما دخل البيت فى المسجد عمر بن عبد العزيز حين بناء مسجد قباء.

قال الحافظ محب الدين: «و هذا المسجد باق بالعوالى، طوله نحو العشرين ذراعا و عرضه كذلك، و فيه نحو الستة عشر إسطوانا فتهدم و وقعت منارته، و أخذت أحجاره، و قد كان مبنيا على شكل بناء مسجد قباء و حوله بساتين و مزارع».

قال الشيخ جمال الدين: «هذا المسجد شرقى مسجد الشمس بعيدا عنه بالقرب من الحرة الشرقية على باب حديقة يعرف الآن بحاجوم وقف على الفقراء بين أبيات خراب؛ هى بعض دور بنى قريظة و هى شمالى باب الحديقة و طوله نحو من خمسة و أربعين ذراعا و عرضه، كذلك و بقى أثره إلى العشر الأول بعد السبعمائة فحدد و بنى عليه حضير مقدار نصف قامة، و كان قد نسى فمن ذلك التاريخ عرف.

و منها: مسجد الجمعة: و هو الذى أدرك فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلاة الجمعة بعد أن أسس مسجد قباء و هو قادم إلى المدينة.

قال الشيخ جمال الدين: «و هذا المسجد على يمين السالك إلى مسجد قباء شمالية أطم خراب، و يقال له: المزدلفة، أطم عتبان من بنى مالك، و هو فى بطن الوادى و هو مسجد صغير مبنى بحجارة قدر نصف القامة، و هو الذى كان يحول السيل بينه و بين عتبان إذا سال، و الآن منازل بنى سالم بن عوف و كانت غربى هذا الوادى على طرف الحرة و آثارهم باقية هناك، فسأل عتبان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يصلى له فى بيته يتخذه مصلى ففعل ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و منها: مسجد بنى ظفر من الأوس: عن إدريس بن محمد بن يويسف بن محمد بن أنيس بن فضالة الصفرى عن جده: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جلس على الحجر الذى فى مسجد بنى ظفر و أن زياد بن عبيد اللّه أمر بقلعه حتى‏

209

جاءته مشيخة بنى ظفر فأعلموه أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جلس عليه فرده. قال:

فقل: امرأة يصعب حملها تجلس عليه إلا حملت، و عنده أثر فى الحجر.

يقال: إنه أثر حافر بغلة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من جهة القبلة و فى غربيه حجر عليه أثر كأنه أثر وفق و على حجر آخر أثر أصابع و الناس يتبركون بها.

قال الشيخ جمال الدين: «و هذا المسجد شرقى البقيع مع طرف الحرة الشرقية و يعرف اليوم بمسجد البغلة».

و منها: مسجد بنى معاوية بن مالك بن النجار بن الخزرج: عن عتيك بن الحارث أنه قال: جاءنا عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنهما) فى بنى معاوية و هى قية من قرى الأنصار، فقال: هل تدرون أين صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى مسجدكم هذا؟ قلت: نعم، و أشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدرى ما الثلاث التى دعا بها، قلت: نعم، قال: فأخبرنى بهن.

قلت: دعا أن لا يظهر عليهم عدو من غيرهم، فأعطيها، و أن لا يهلكهم بالسنين، فأعطها، و أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها.

قال عبد اللّه بن عمر: صدقت، فلن يزال الهراج إلى يوم القيامة.

قال الشيخ جمال الدين: «و يعرف هذا المسجد اليوم بمسجد الإجابة، و هوو شمالى البقيع على يسار طريق السالك إلى العريض وسط تلول و هى أثر قرية بنى معاوية و هى اليوم خراب».

قال الحافظ محب الدين: «فيجب زيارة هذه المواضع و إن لم تعرف أسماؤها لأن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عمر بن عبد العزيز مهما صح عندك من المواضع التى صلى فيها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فابن عليها مسجدا فالآثا كلها أثر بناء عمر بن عبد العزيز (رضى اللّه عنه).

و أما مشربة أم إبراهيم بن سيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فروى إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن ثابت: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مشربة أم إبراهيم (عليه السلام).

210

قال الحافظ محب الدين: هذا الموضع بالعوالى بين النخل و هو أكمة قد حوط حولها بلبن المشربة البستان، و أظنه قد كان بستانا لمارية القبطية أم إبراهيم بن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال الشيخ جمال الدين: المشربة شمالى مسجد بنى قريظة قريبا من الحرة الشرقية فى موضع يعف بالدشت‏ (1) بين نخل يعرف بالأشراف القواسم من بنى قاسم بن إدريس بن جعفر؛ أخ الحسين العسكرى، لأن شعيب بن جمان منهم و صهيب بالقرب من دار بنى الحارث بن الخزرج التى كان أبو بكر (رضى اللّه عنه) نازلا فيها بزوجته حبيبة بنت خارجة.

و قيل: مليكة أخت ابن خارجة.

و منها: مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المعيد عن هشام بن سعيد بن إبراهيم بن أبى أمية.

و عن شيخ من أهل السنن: أن أول عيد صلاة رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلاة فى حارة الدوس عند بيت أبى الجنوب، ثم صلى العيد الثانى بفناء دار حكيم ابن العداء عند دار حفرة داخلا فى البيت الذى بفناء المسجد، ثم صلى العيد الثالث عند دار عبد اللّه بن درة المازنى داخلا بين الدارين دار معاوية و دار كثير ابن الصلت، ثم صلى العيد الرابع عند أحجار عند الحناطين بالمصلاة (2)، ثم صلى داخلا فى منزل محمد بن عبد اللّه بن كثير بن الصلت، ثم صلى حيث صلى الناس اليوم.

و روى عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه): أن أول فطر أو أضحى جمع فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بفناء دار حكيم بن العداء عند صحاب المحامل.

و روى عن محمد بن عمار بن ياسر: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان يسلك إلى المصلى من الطريق المعظمى على أصحاب الغاطيط، و يرجع من الطريق الأخرى على دار عمار بن ياسر (رضى اللّه عنه).

____________

(1) فى (ب): بالدست.

(2) فى (ب): بالمعلاة.

211

و روى عن عائشة بنت سعد بن أبى وقاص عن أبيها (رضى اللّه عنه) أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «ما بين مسجدى إلى المصلى روضة من رياض الجنة».

و روى عن ضمرة عن عائشة (رضى اللّه عنها): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية الطريق التى كان ينصرف منها و تلك الطريق و المكان الذى كان يذبح فيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مقابل المغرب مما يلى طريق بنى زريق.

قال الشيخ جمال الدين: «و أما الطريق العظمى فهى طريق الناس اليوم من باب المدينة إلى المصلى، و هو الذى قال فيه، ثم صلى حيث يصلى الناس اليوم و لا يعرف من المساجد التى ذكرت لصلاة العيد إلا هذا الذى يصلى فيه العيد اليوم.

قال: و شماليه مسجد وسط الحديقة المعروفة بالعريض المتصلة بقية عين الأزرق و يعرف اليوم بمسجد أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه)، و لعله صلى فيه فى خلافته و شمالى الحديقة أيضا مسجد كبير متصل يسمى مسجد على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) و لم يرد أنه صلى بالمدينة عيدا فى خلافته فتكون هذه المساجد الموجودة اليوم من الأماكن التى صلى فيها النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سنة بعد سنة، إذ لا يختص أبو بكر و علىّ (رضى اللّه عنهما) بمسجدين لأنفسهما و يتركان المسجد الذى صلى فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

قال الشيخ جمال الدين: «و ليس بالمدينة الشريفة مسجد يعرف غير ما ذكر إلا مسجد على ثنية الوادى على يسار الداخل إلى المدينة من طريق الشام و مسجد آخر صغير على طريق السافلة، و هى الطريق اليمنى الشرقية إلى مسجد حمزة (رضى اللّه عنه) يقال: إنه مسجد أبى ذر الغفارى (رضى اللّه عنه)، و لم يرد فيهما نقل يعتمد عليه.

أما مسجد الضرار: فهو المسجد الذى بناه المنافقون مضاهاة لمسجد قباء، فلما بنوه أتوا النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو متجهز إلى تبوك، فأمروه أن يصلى لهم‏

212

فيه. فقال: إنى على جناح سفر و حال شغل، و لو قدمنا- إن شاء اللّه- لأتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بذى أوان؛ بلد بينه و بين المدينة، ساعة من نهار مرجعة من تبوك أتاه خبر المسجد، فدعى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مالك بن الدخشم و معر بن عدى و أخاه عاصما.

و فى رواية: و عامر بن السكن و وحشيا قاتل حمزة فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه و حرقاه، فخرجا حتى أتيا سالم بن عوف فأخذا سعفا من النخل و أشعلاه ثم دخلا المسجد و فيه أهله فخرقاه و هدماه، و أنزل اللّه تعالى فيه: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً ... (1) إلى آخر الآية. نزلت هذه الآية فى أبى عامر الراهب لأنه كان خرج إلى قيرص و تنصر و وعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضرار، و كان الذين بنوه اثنا عشر رجلا؛ خدام بن خالد، و من بيته أخرج المسجد و معتب بن قشبر و أبو حبيبة بن الأزعر و عياد بن حنيف و حارثة بن عامر و ابناه مجمع و بحرح و نبيل بن الحارث و يخلد بن عثمان و ذريعة بن ثابت و ثعلبة بن حاطب مذكور فيهم، و فيه نظر لأنه شهد بدرا، قاله ابن عبد البر. و كل مسجد بنى على ضرار أو رياء أو سمعه، فحكمه حكم مسجد الضرار لا تحفر الصلاة فيه.

قال النقاش: «فيلزم أن لا يصلى فى كنيسة و نحوها فإنها بنيت على شر».

قال القرطبى: «هذا لا يلزم لأن الكنيسة لم يقصد بها الضرر بالعين و إن كان أصل بنائها على شر إنما بنوها لعبادتهم».

و قد أجمع العلماء أن من صلى فى كنيسة أو بيعة على موضع طاهر جاز.

و ذكر أبو داود عن عثمان بن العاص: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم، و قوله تعالى: لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً (2) قد يعبر عن الصلاة بالقيام، و منه (من قام رمضان إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) روى أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كان لا يمر بالطريق التى فيها هذاي المسيجد، و أمر بموضعه أن يتخذ كناسة و مزبلة.

____________

(1) الآية رقم 107 من سورة التوبة، مدنية.

(2) الآية رقم 108 من سورة التوبة مدنية.

213

و روى سعيد بن جبير (1): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما أرسيل ليهدم رؤى الدخان يخرج منه، و قيل: كان الرجل يدخل فيه سعفه فيخرجها سوداء محترقة.

و عن ابن مسعود أنه قال: جهنم فى الأرض، ثم تلا: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ‏ (2).

قال القرطبى: اختلف هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين:

أحدهما: أن ذلك حقيقة، و أنه كان يحفر ذلك الموضع الذى انهار به فيخرج منه دخان.

و قال جابر بن عبد اللّه: «أنا رأيت الدخان يخرج منه».

و قال خلف بن سيرين: «رأيت فى مسجد المنافقين حجا يخرج منه الدخان».

قال الحافظ محب الدين: «هذا المسجد قريب من مسجد قباء و هو كبير و حيطانه عالية و قد كان بناؤه مليحا».

قال الشيخ جمال الدين: «و أما اليوم فلا أثر له، و لا يعرف له مكان، و ما ذكره الشيخ محب الدين فهو وهم، و لا أصل له».

قال عفيف الدين المرجانى: «و قد ذكر الشيخ جمال الدين، و ابن النجار هذا المسجد فى تاريخهما، و عدّاه من جملة المساجد التى صلى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيها، و النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لم يصلّ فيه، فلذلك أخرنا ذكره». انتهى كلامه.

و أما النّقا و حاجر المذكوران فى الأشعار: فاعلم: أن النقا من عربى مصلى العيد المذكور إلى منزلة الحجاج؛ غربى وادى بطحان، و الوادى يفصل بين مصلى العيد و النقا من أجل مجاورة المكانين.

____________

(1) سعيد بن جبير: هو سعيد بن جبير بن هشام الأسدى الوالبى؛ أبو محمد أو أبو عبد اللّه الكوفى. قتله الحجاج سنة 94 ه أو 92 ه، و هو ابن تسع و أربعين سنة. انظر المعارف 445، 446، طبقات الحفاظ: 31، وفيات الأعيان: 1/ 204.

(2) الآية رقم 109 من سورة التوبة؛ مدنية.

214

و فيه يقول بعضهم موريا عن الشيب و مصلى الجنائز:

ألا يا سائرا فى قفر عمرو* * * يكابد فى السرى وعرا و سهلا

بلغت نقا المشيب و جزت عنه‏* * * و ما بعد النقا إلا المصلى‏

و أما الحاجر: فهو من غربى النقا إلى منتهى الحرّة، من وادى العقيق.

*** ذكر مساجد صلى فيها النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالمدينة الشريفة لا يعرف اليوم إلا بعض أماكنها

و هى فى قرى الأنصار:

منها: مسجد بنى زريق من الخزرج، و هو أول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة قبل هجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أن رافع بن مالك الزرقى (رضى اللّه عنه) لما لقى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى العقبة أعطاه ما نزل عليه من القرآن بمكة إلى ليلة العقبة.

و ذكر: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) توضأ فيه و لم يصلّ. قال الشيخ جمال الدين:

و قرية بنى زريق قبل سود المدينة الشريفة، و قيل: المصلى، و بعضها كان من داخل السور اليوم بالموضع المعروف بدردان أو ذى أدوان التى وضع لبيد بن عاصم و هو من يهود بنى زريق السحر فى راعونة بئرها، و الحديث مشهور.

و قال الشيخ أبو الفتح: ذو أروان: اسم محلة بنى زريق، و هناك بئر يسمى بئر ذى أروان، و المسجد هناك.

و مسجد بنى ساعدة: من الخزرج رهط سعد بن عبادة.

ذكر: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه و جلس فى السقيفة عن عبد المهيمن بن عباس، عن سهيل بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: جلس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى سقيفتنا التى عند المسجد فاستسقى فحصنت له وطئة فشرب ثم قال:

زدنى، فحصنت له أخرى فشرب، ثم قال: كانت الأولى أطيب.

215

و فى هذه السقيفة كانت بيعة أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه) و قرية بنى ساعدة عند بئر بضاعة، و البئر وسط بيوتهم و شمالى البئر اليوم إلى جهة المغرب بقية أطم، يقال: إنه من دار أبى دجانة (رضى اللّه عنه) الصغرى التى عند بضاعة.

و مسجد عند بيوت المطر عند خيام بنى عفان:

روى: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، و أن تلك المنازل كانت منازل آل بنى و هم كلثوم بن الحصين الغافرى (رضى اللّه عنه).

قال الشيخ جمال الدين: «و ليست الناحية معروفة اليوم»، و مسجد لجهينة، و لمن هاجر من بنى: عن خارجة بن الحارث بن رافع عن أبيه عن جده قال: جاء رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقود رجلا من أصحابه فى بنى اليعة من جهينة يقال له: أبو مريم، فعاده بين منزل بنى قيس العطار الذى فيه الأراكة و بين منزلهم الأخرى الذى يلى دار الأنصار، فصلى فى المنزل فقال نفر من جهينة لأبى مريم: لو جئت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فسألته أن يخط لنا مسجدا فقال: احملونى، فحملوه، فلحق النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال: مالك يا أبا مريم؟ فقال: يا رسول اللّه، لو خططت لنا مسجدا، فجاء إلى مسجد جهينة و فيه خيام ليلى، فأخذ طلقا أمحجنا فخط لهم، فالمنزل ليلى و الخطة لجهينة.

قال الشيخ جمال الدين: «و هذه الناحية اليوم معروفة غربى حصن صاحب المدينة و السور القديم بينهما و بين جبل سلع، و عندها أثر باب من أبواب المدينة خراب، و يعرف اليوم بدرب جهينة، و الناحية من داخل السور بينه و بين حصن المدينة.

و مسجد دار النابغة: ذكر: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه.

و مسجد بنى عدى بن النجار: ذكر أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه أيضا.

قال الشيخ جمال الدين: «و هذه الدار غربى مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هى دار بنى عدى بن النجار و مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ما يليه من جهة الشرق دار غنم بن مالك بن النجار.

216

و مسجد بنى خدرة: و قيل: خدرة (بضم الخاء المعجمة و سكون الدال المهملة) و اسمه الأبجر بن عوف بن الحارث، و قيل: خدرة: أمّ أبجر، و الأول أشهر، و هم: بطن من الأنصار و أبجر (بفتح الهمزة و الجيم و سكون الباء الموحدة).

و عن هشام بن عروة: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجد بنى خدرة.

و عن يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى بعض منازل بنى خدرة، فهو المسجد الصغير الذى فى بنى خدرة مقابل بيت الحيّة.

قال الشيخ جمال الدين: «دار بنى خدرة عند بئر البصة».

و مسجد بنى مازن: عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) وضع مسجد بنى مازن بن النجار بيده و هيأ قبلته و لم يصلّ فيه.

و عن يعقوب بن محمد بن أبى صعصعة أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى بيت أم أبى بردة؛ فى بنى مازن.

قال الشيخ جمال الدين: «و دار بنى مازن قبلى بئر البصة، و تسمى الناحية اليوم: «أبا مازن».

و مسجد بنى جديلة: و هو مسجد أبى بن كعب‏ (1) (رضى اللّه عنه).

عن يوسف الأعرج و ربيعة بن عثمان: أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فى مسجد بنى جديلة.

قال الشيخ جمال الدين: «و دار بنى جديلة عند بئر حاء شمالى سور المدينة من جهة المشرق، و بنو جديلة: هم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار بن الخزرج».

و مسجد بنى دينار: ذكر أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فى مسجد بنى دينار عند العالين، و أن أبا بكر (رضى اللّه عنه) تزوج امرأة من بنى دينار بن النجار،

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

217

فكان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يعوده فكلموه أن يصلى لهم فى مكان يصلون فيه، فصلى لهم فى هذا المسجد، و مسجد بنى دينار بين دار بنى جديلة و دار بنى معاوية أهل مسجد الإباحة؛ المتقدم ذكره- أعنى مسجد بنى معاوية.

فهذه بطون بنى النجار كلها، و دورهم هذه المذكورة بالمدينة، و ما حولها من جهة الشمال إلى مسجد الإجابة، و هم: بنو غثم بن النجار، و بنو عدى ابن النجار، و بنو مازن بن النجار، و بنو دينار بن النجار، و بنو معاوية ابن النجار.

و مسجد بأصل المنارتين من طريق العقيق الكبرى صلى فيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))؛ و هو لا يعرف.

و مسجد بنى حارثة: من الأوس: ذكر أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، و دار بنى حارثة بيثرب.

و مسجد بنى عبد الأشهلى؛ رهط سعد بن معاذ و أسيد بن حصن: ذكر أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، و أن أم عامر بن يزيد بن السكن أتت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بعرف فتعرفه، ثم قام فصلى فلم يتوضأ، و بنو عبد الأشهل منسوبون إلى عبد الأشهل بن حسم بن الحارث بن الحارث بن الخزرج.

قال النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث، ثم بنو ساعدة، و فى كل دور بنى الأنصار خير».

و مسجد بنى الحبلى؛ و هم رهط عبد اللّه بن سلول: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فيه.

و مسجد بنى الحارث بن الخزرج: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فيه.

قال الشيخ جمال الدين: «و دار بنى الحبلى بين قباء و بين دار بنى النجار، و دار بنى النجار شرقى وادى بطعان تعرف اليوم: بالحارث، بإسقاط نبى».

و مسجد بنى أمية بن زيد: بالعوالى الكبا عند مال: سكب بن أبى نهيك، ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه.

218

قال الشيخ جمال الدين: «و دارهم شرقى دار بنى الحارث، و فيهم كان عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) نازلا بامرأته الأنصارية؛ أم عاصم بنت، أو أخت عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح (رضى اللّه عنه)».

و مسجد بنى خدرة: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجد بنى خدرة عند الأطم الذى بجوار سعد بن عبادة، و وضع ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يده على الحجر الذى فى أطم سعد.

قال الشيخ جمال الدين: «و هذه الدار قبلى دار بنى ساعدة، و بنى نصاعة مما يلى سوق المدينة، عرضه ما بين المصلى إلى جدار سعد المذكور، و هى جدار كان يستقى الناس فيها الماء، كما ورد عنه بعد وفاة أمه (رضى اللّه عنه).

و مسجد النور: صلّى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه و لا يعرف اليوم.

و مسجد بنى واقف: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فيه، و هو موضع بالعوالى كانت فيه منازل بنى واقف من الأوس؛ رهط هلال بن أمية الواقفى أحد الثلاثة الذين خلفوا، و لا يعرف مكان دارهم اليوم إلا أنها بالعوالى.

و مسجد فى دار سعد بن خيثمة بقباء: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه.

قال الشيخ جمال الدين: «و دار سعد بن خيثمة أحد الدور التى قبل مسجد قباء، يزورها الناس إذا زاروا قباء، و هناك أيضا دار كلثوم بن الهدم فى تلك العرصة، و كان ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نازلا بها حين قدم المدينة، و كذلك أهله ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أهل أبى بكر (رضى اللّه عنه) حين قدم بهم على بن أبى طالب (رضى اللّه عنه)، و هى سودة بنت زمعة، و عائشة و أمها؛ أم رومان و أختها أسماء بنت أبى بكر (رضى اللّه عنه). و ولدت أسماء عبد اللّه بن الزبير قبل نزولهم إلى المدينة، فكان أول مولود ولد من المهاجرين بالمدينة.

و مسجد التوبة: صلى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه و هو بالعصة عند بئرهم و هو غير معروف.

قال الشيخ جمال الدين: أما العصنة فهى غربى مسجد قباء فيها مزارع، و آبار كثيرة، و هى منازل بنى ححجبا بن لعلة، بطن من الأوس.

219

و مسجد بنى أنيف: يقولون: صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيما كان يقود طلحة بن البزار (رضى اللّه عنه) قريبا من طمهم.

قال الشيخ جمال الدين: «يلون دار بنى أنيف و هم بطن من الأوس بين قرية بنى عمرو بن عوف، بقباء و بين العصبة».

و مسجد الشيخين: و يسمى مسجد الشيخ، صلّى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه، و هو موضع بين المدينة و بينب أحد على الطريق الشرقية مع الحرة إلى جبل أحد، و ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من هناك غدا إلى أحد، يوم أحد؛ كما قدمنا.

و مسجد بنى حطمة: صلّى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه.

و مسجد العجوز: ذكر أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجد العجوز ببنى حطمة؛ و هى: امرأة من بنى سليم.

و مسجد بنى وائل: صلّى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه.

قال الشيخ جمال الدين: «الظاهر أن منازلهم بالعوالى شرقى مسجد الشمس لأن تلك النواحى كلها ديار الأوس و ما سفل من ذلك إلى المدينة ديار الخزرج».

و مسجد بنى بياضة: من الخزرج صلّى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيه و بنو بياضة: بطن من الأنصار ثم الخزرج.

قال المطرى: «و كانت دار بنى بياضة فيما بين دار بنى سالم بن عوف من الخزرج بوادى رابونا؛ عند مسجد الجمعة إلى وادى بطحان قبل دار بنى مازن لأن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما صلى الجمعة فى بنى سالم بن عوف براعونا ركب راحلته فانطلقت به حتى وازت دار بنى بياضة: ذياد بن لبيد، و فروة بن عمره فى رجال بنى بياضة».

و مسجد بنيفاء الخيار: ذكر ابن إسحاق فى غزوة العشيرة: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سلك على نقب بنى دينار ثم على فيفا الخيار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن زاهر يقال لها: ذات الساف، فصلى عندها فتم مسجده و صنع له طعاما عندها و موضع أبانى المرمة معلوم و استقى له من ماء يقال له: المشترب.

220

قال الشيخ جمال الدين: «فنيفاء الخيار غربى الجمادات التى بوادى العقيق، و هى الجبال التى فى غربى وادى العقيق، و هى أرض فيها سهولة و فيها حجارة و حفائر، و هو الموضع الذى كانت ترعى فيه إبل الصدقة و لقاح رسول للّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لأنه ورد فى رواية أنها إبل الصدقة، و فى أخرى: إنها لقاح رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أنها كانت تدعى بذلك أكيد، و غربى جبل عير على ستة أميال من المدينة. و الروايتان صحيحتان، و الجمع بينهما أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كانت له إبل من نصيبه من المغنم، و كانت ترعى مع إبل الصدقة فأحر مرة عن إبله و مرة عن إبل الصدقة، و أن النفر من عكل أو من عريبه أمرهم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أن يلحقوا بإبل الصدقة يشربوا من أبوالها و ألبانها، ففعلوا ثم قتلوا الراعى، و كان يسمى يسار؛ من موالى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و استاقوا الإبل، فبعث فى أثرهم عشرين فارسا، و استعمل عليهم ثور بن جابر الفهرى، فأدركوهم فربطوهم و فقدوا واحدة من لقاح رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) تدعى الحناء، فلما دخلوا بهم المدينة كان رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالغابة أسفل المدينة، فخرجوا بهم نحوه، فلقوه و هو راجع إلى المدينة، و هو اليوم موضع معروف يجتمع فيه سيل قباء، و سيل بطحان. فأمر بهم ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فقطعت أيديهم و أرجلهم و سملت أعينهم، و صلبوا هناك».

*** ذكر المساجد التى صلى فيها ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بين مكة و المدينة

منها: مسجد ذى الحليفة: و هى محرم الحجاج، ميقات أهل المدينة.

قال الشيخ جمال الدين: «و مسجد الحليفة: هو المسجد الكبير الذى هنالك، و كانت فيه عقود فى قبلته و منارة فى ركنه الغربى الشمالى فتهدم على طول الزمان، و هو مبنى على موضع الشجرة التى كانت هنالك و بها سمّى:

مسجد الشجرة، و البئر من جهة شمالية.

و فى هذا المسجد مسجد آخر أصغر منه، و لا يبعد أن يكون ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فيه، بينهما مقدار شهر.

221

و عن عبد اللّه بن عمر، أنه قال: بات رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بذى الحليفة مبدأه، و صلى فى مسجدها.

يروى: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى فى مسجد الشجرة إلى جهة الإسطوان‏ (1) الوسطى سفيلها، و كان موضع الشجرة التى كان النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلى إليها و كانت سمرة فينبغى للحاج إذا وصل إلى ذى الحليفة أن لا يتعدى فى نزوله المسجد المذكور من أربع نواحيه و مسجد شرقى الروحاء.

الروحاء: من أعمال الفرع.

عن سالم بن عبد اللّه، عن أبيه قال: صلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بشرقى الروحاء عن يمين الطريق و أنت ذاهب إلى مكة، و عن يسارها و أنت مقبل من مكة.

قال الشيخ جمال الدين: «شرق الروحاء هو آخر السبالة و أنت متوجه إلى مكة، و أول السبالة إذا قطعت فرش مالك و أنت مغرب، و كانت الصخيرات؛ صخيرات الإمام عن يمينك، و هبطت من فرش مالك ثم رجعت عن يسارك و استقبلت القبلة هذه السبالة.

و كانت قد تجدد فيها بعد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عيون، و سكان، و أخرها شرق المذكور، و المسجد عنده، و عنده قبور قديمة، ثم تهبط فى وادى الروحاء مستقبل القبلة و تعرف اليوم: بوادى بنى سالم؛ بطن من حرب، فتمشى مستقبل القبلة و شعب علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنه) على يسارك إلى أن تدور الطريق بك إلى المغرب، و أنت مع أصل الجبل الذى على يمينك، و أول ما يقال مسجد على يمينك، و يعرف ذلك المكان بغرف الظبية، و يبقى جبل ورقان على يسارك، و مسجد بغرف الظبية؛ و هو المتقدم ذكره آنفا.

و كان فيه قبور كثيرة فى قبلته فهدمهم ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و فى المسجد الآن حجر قد نقش عليه بالخط الكوفى عند عماره: «الميل الفلانى من البريد الفلانى».

____________

(1) فى (ب): الإسطوانة.

222

و مسجد الزبير: حدثنا ابن الحسن، عن أخيه، عن كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده قال: أول غزوة (1) غزاها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أنا معه غزوة الأبواء حتى إذا كان بالروحاء عند عرف الظبية قال:

أتدرون ما اسم هذا الجبل؟ يعنى ورقان هذا، حمت اللهم بارك فيه، و بارك لأهله فيه، تدرون ما اسم هذا الوادى؟ يعنى وادى الروحاء هذا بسجاسح.

لقد صلى فى هذا المسجد و صلى سبعون نبيا، و لقد مر بها- يعنى الروحاء- موسى بن عمران ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى سبعين ألفا من بنى إسرائيل عليه عباءتان و مطوانيتان على ناقة له ورقاء، و لا تقوم الساعة حتى يمر بها عيسى ابن مريم ((عليهما السلام)) حاجا، أو معتمرا أو يجمع اللّه تعالى له ذلك.

و ذكر أبو عبيد البكرى‏ (2): أن قبر مضر بن نزار بالروحاء على ليلتين من المدينة بينهما أحد و أربعون ميلا، و قيل: أربعون، و قيل: عشرة فراسخ؛ و ذلك ثلاثون ميلا.

و فى «صحيح مسلم»: أن ما بين الروحاء و المدينة ستة و ثلاثون ميلا.

و مسجد الغزالة: فى آخر وادى الروحاء مع طرف الجبل على يسارك، و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة، لم يبق منه اليوم إلا عقد الباب، صلّى فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و عن يمين الطريق إذا كنت بهذا المسجد، و أنت مستقبل النازية موضع كان عبد اللّه بن عمر ينزل فيه و يقول: هذا منبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كان ثم شجرة كان عمر (رضى اللّه عنه) يصب فضل وضوئه فى أصلها و يقول: هكذا رأيت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يفعل.

و إذا كان الإنسان عند مسجد الغزالة المذكور كانت طريق النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى مكة المشرفة على يساره مستقبل القبلة، و فى الطريق المعهود من قديم الزمان يمر على بئر يقال لها: السقيا، ثم على ثنية هرشا؛ و هى طريق الأنبياء (صلوات الله و سلامه عليهم)، و الطريق اليوم فى طريق الروحاء على النازية إلى مضيق الصفراء.

____________

(1) فى (أ)، (جب): غزاه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

223

و مسجد على يمين الطريق المذكورة: تجده حين تفضى من أجمة، دون الدويثة بميلين، تحت صخيرة ضخمة قد انكسر أعلاها، فانثنى فى جوفها و هى قائمة على مائة. و الدويثة معروفة و المسجد غير معروف.

و مسجد بطريق بلعة: من وراء العرج و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة عن يمين الطريق على رأس خمسة أميال من العرج إلى هبطة هناك، و عندها ثلاثة أقبر، و رضم من حجارة بنى سلمان. كان عبد اللّه بن عمر يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلى الظهر فى هذا المسجد و العرج معروف إلا المسجد.

و مسجد على يسار الطريق و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة: فى ميل دون ثنية هرشا إلى سرحة هى أقرب السرحات إلى الطريق، و هى أطولهن و عقبة هرشا معروفة، سهلة المسالك.

و مسجد بالأثاثة، و لا يعرف، و مسجد بالمسيل: الذى بوادى مرّ الظهران حين تهبط من الصفراوات على يسار الطريق و أنت ذاهب إلى مكة المشرفة.

و مسجد بذى طوى، و وادى طوى بمكة بين الثنتيتين، و مصلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) منه أكمة سوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها يمينا، ثم تصلى مستقبل الفرضين، بين الجبل الطويل الذى بينك و بين الكعبة و ليس بمعروف.

و ذكر أن رسول اللّه‏ (1) ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نزل بالدبة دبة المستعجلة من المضيق و استقى له من بئر الشعبة الصابة أسفل من الدبة فهو لا يفارقها الماء أبدا.

قال الشيخ جمال الدين: «و المستعجلة: هى المضيق الذى يصعد إليه الحاج إذا قطع النازية و هو متوجه إلى الصفراء».

و ذكر ابن إسحاق: «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نزل بشعب يسفر: و هو الشعب الذى بين المستعجلة و الصفراء، و قسّم به غنائم أهل بدر، و لا يزال الماء به غالبا.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

224

و مسجد الصفراء: ذكر ابن زبالة (1): أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فيه، و صلّى بمسجد آخر بدفران: وادى معروف يصب فى الصفراء من جهة الغرب، و أنهم حفروا بئرا فى موضع سجود النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و وجدوا الماء بها له فضل من العذوبة على ما حولها ببركة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و مسجد بالبرود: ذكروا أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) نزل فى موضع المسجد الذى بالبرود من مضيق الفرج، و صلّى فيه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و مسجد من طريق مبرك: ذكروا أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فيه فى مطلعه من طريق مبركة فى مسجد هناك بينه و بين زعان بستة أميال.

*** ذكر المساجد المشهورة التى صلى فيها النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى غزواته و غيرها

منها مسجد بعضد: على مرحلة من المدينة صلّى فيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عند خروجه إلى خيبر.

و مسجد بالصهباء: و الصهباء من أدنى خيبر صلّى به، و هو معروف‏ (2).

و ذكر ابن زبالة: «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين وصل إلى خيبر من رجوعه من الطائف نزل بين أهل الشق و أهل النضاة، و صلّى إلى عوسجة هناك، و جعل حول مصلاه حجارة يعرف بها».

و مسجد بسمران: ذكر ابن زبالة: أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى أيضا على جبل بخيبر يقال له: سمران، فتم مسجده من ناحية سهم بنى النزار».

قال المطرى: «و يعرف الجبل اليوم بسمران (بالسين المهملة).

يروى: أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «ميلان فى ميل من خيبر مقدس».

و عن سعيد بن المسيب‏ (3): «أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال: «خيبر مقدسة

____________

(1 و 3) سبقت الإشارة إليه.

(2) فى (أ): المعروف و هو معروف.

225

و السوارقة موبعكة، و خيبر كانت مسكن اليهود و موضع الجبابرة منها على ثمانية برد من المدينة. و فى خيبر رد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الشمس على علىّ (رضى اللّه عنه) بعد ما غربت حتى صلى العصر.

و مسجد ببدر: كان عند العريش الذى بنى لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم بدر، و هو معروف اليوم، يصلى فيه ببطن الوادى بين النخيل و العين قريبة منه.

و مسجد بالعشيرة: فى بطن ينبع، معروف اليوم.

و مسجد بالحديبية: لا يعرف، بل يعرف ناحيته لا غير، و هو بين جدة و مكة، بينه و بين جدة مثل ما بين مكة و الطائف، و مثل ما بين مكة و عسفان.

قال مالك: و بينهما أربعة برد، و تقدم تحديد الحديبية، و تعريفها فى محلها.

و مسجد يليه: من أرض الطائف.

قال الشيخ جمال الدين: «و هو معروف رأيته، و عنده أثر فى حجر، يقال: إنه أثر خف ناقة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أقاد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بنحرة الرغاء حين قدم، و هو أول دم أقيد فى الإسلام رجل من بنى ليث قتل رجلا من بنى هذيل، فقتله به».

قال ابن إسحاق: «ثم سلك مزليه على نخب و هى عقبة فى الجبل حين نزل تحت سدرة يقال لها: الصادرة، ثم ارتحل فنزل بالطائف، و كان قد نزل قريبا من حصن الطائف، فقتل جماعة من أصحابه بالنبل، فانتقل إلى موضع مسجده الذى بالطائف اليوم».

قال عفيف الدين المرجانى: «و هذا الحصن باق إلى الآن بالبناء الجاهلى، و فيه مقدار أربعين نبيا، و فيه بئر، و فيها تنين عظيم منعهم البناء فيه إلا أن يذبحوا عنده، و هو بالقرب من مسجد الحجاج بن يوسف، و قد بنى هذا المسجد بتربة حمراء يؤتى بها من اليمن، و لم يبق إلا آثار، و منارتاه خراب.

و مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بالطائف: فى وسط المسجد المعروف اليوم بمسجد سيدنا عبد اللّه بن عباس (رضى اللّه عنهما)، و فى ركن المسجد الكبير منارة

226

عالية بنيت فى أيام الناصر لدين اللّه أبى العباس أحمد بن المستضئ، و خلفه تحت المنارة بئر تنزل فيها إلى الماء بدرج قريب الأربعين درجة، و مسجد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى هذا الجامع بين قبتين صغيرتين، يقال: إنهما بنيتا فى موضع قبتى زوجتيه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) اللتين كانتا معه؛ عائشة و أم سلمة (رضى اللّه عنهما)، و بين القبتين محراب، و كذلك قدام القبلة أيضا محراب.

و لا يبعد أن يكون ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) صلّى فى المحرابين، و للمسجد العباسى أربعة أروقة فى قبلته، و له ثلاث أبواب فى يمينه، و يساره، و مؤخره، و فى ركنه الأيمن القبلى قبر سيدنا عبد اللّه بن العباس ابن عم سيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و على قبره ملبن.

***

227

الفصل الثامن ذكر وفاة رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))

قال اللّه تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ‏ (1).

حكى أبو معاذ، عن النحويين: أن الميّت بالتخفيف: الذى فارقه الروح، و بالتشديد: الذى لم يكن يمت بعد، و هو يموت.

فإخباره تعالى أنه ميّت إشارة إلى قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ‏ (2).

ثم إن اللّه تعالى خيره حين بعث إليه ملك الموت، على أن يقبض روحه، أو ينصرف، فلم يخيّر قبله نبى، و لا رسول، ألا ترى إلى موسى ((عليه السلام)) حين قال ملك الموت: اجب ربك: فلطمه، ففقأ عينه، و لو أتاه على وجه التخيير لما بطش به.

و قول ملك الموت حين رجع: إنك أرسلتنى إلى عبد لا يريد الموت.

قال الإمام أبو إسحاق الثعلبى: و قصة موسى و ملك الموت لا يردها إلا كل مبتدع ضال، يؤيده قوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «إن ملك الموت كان يأتى الناس عيانا، حتى أتى موسى ((عليه السلام)) ليقبضه، فلطمه، ففقأ عينه، فجاء ملك الموت بعد ذلك خفية».

و كذلك قصته مع داوود ((عليه السلام)) حين غلقت عليه أبوابه، فرأي ملك الموت عنده، فقال له: ما أدخلك دارى بغير إذنى؟ فقال: أنا الذى أدخل على الملوك بغير إذن، فقال: فأنت ملك الموت؟، قال: نعم، قال:

جئت داعيا، أم ناعيا؟ قال: بل ناعيا، قال: فهلا أرسلت إلىّ قبل ذلك‏

____________

(1) الآية رقم 30 من سورة الزمر، مكية.

(2) الآية رقم 26 من سورة الرحمن، مدنية.

228

لأستعد للموت؟ قال: يا داوود، أين أبوك؟ أين أمك؟ أين أخوك؟ قال:

ماتوا، قال: أما علمت أنهم رسلى، و أن النوبة تبلغك.

قال العلماء: و ابتدأ برسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) وجعه يوم الخميس، فى ليال بقين من صفر.

و قيل: فى أول ربيع الأول؛ فى السنة الحادية عشر من الهجرة، و مدة مرضه ((عليه السلام)) اثنى عشر يوما.

و قيل: أربعة عشر، و كان مرضه بالصداع، و اشتد وجعه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى بيت ميمونة، فدعى نساءه، و استأذنهن فى أن يمرض فى بيت عائشة (رضى اللّه عنها)، فأذن له، فخرج يمشى بين رجلين من أهل بيته؛ الفضل بن العباس و على (رضى اللّه عنهما)، و خرج نهار الخميس، فصلى على أصحاب أحد، و استغفر لهم، ثم أمر بسد الأبواب فى المسجد إلا باب أبى بكر.

قالت عائشة (رضى اللّه عنها): «اضطجع فى حجرى، فدخل عبد الرحمن بن أبى بكر، و فى يده سواك أخضر. قالت: فنظر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى يده نظرا، عرفت أنه يريده. قالت: فقلت: يا رسول اللّه، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم، قالت: فأخذته، فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته أياه. قالت: فاستن به، كأشد ما رأيته أستن بسواك قط، ثم وضعه، و وجدت رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يثقل فى حجرى، فذهبت أنظر فى وجهه، فإذا بصره قد شخص، و هو يقول: بل الرفيق الأعلى فى الجنة، فقلت: خيرت، فاخترت، و الذى بعثك بالحق».

و روى ابن أبى مليكة (1) قال: «لما كان يوم الاثنين خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عاصبا رأسه إلى صلاة الصبح، و أبو بكر يصلى بالناس، فلما خرج رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) تفرج الناس، فعرف أبو بكر أن الناس لم يصنعوا ذلك إلا لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فنكص عن مصلاه، فدفع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى‏

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

229

ظهره، و قال: صلّ بالناس، و جلس رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إلى جنبه، فصلى قاعدا عن يمين أبى بكر، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس رافعا صوته، حتى خرج صوته من باب المسجد يقول: «يا أيها الناس، سعرت النار، و أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إنى و اللّه ما تمسكون علىّ بشى‏ء؛ إنى لم أحل إلا ما أحل القرآن، و لم أحرم إلا ما حرم القرآن». فلما فرغ رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من كلامه، قال له أبو بكر: يا نبى اللّه، أراك قد أصبحت بنعمة اللّه و فضله كما تحب، و اليوم يوم ابنة خارجة، فأتيها (1)، قال:

نعم، ثم دخل رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و خرج أبو بكر إلى أهله بالسبح، و خرج علىّ (رضى اللّه عنه) من عند رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فقال المسلمون:

يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))؟ قال: بحمد اللّه بارئا، قال: فأخذ العباس بيده، ثم قال: يا علىّ، أنت و اللّه عبد العصا بعد ثلاث، أحلف باللّه لقد عرفت الموت فى وجه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) كما كنت أعرفه فى وجه بنى عبد المطلب، فانطلق بنا إلى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فإن كان هذا الأمر فينا عرفناه، و إن كان فى غيرنا أمرناه، فأوصى بنا الناس، قال: و اللّه، لا أفعل و اللّه، لئن منعناه لا يؤتيناه بعده أحد، فتوفى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حين اشتد الضحى من ذلك اليوم، و قيل: إن الصلاة التى صلاها رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو جالس عن يمين أبى بكر؛ صلاة الظهر»، قاله ابن وضاح و أبو عبيد اللّه بن عتاب.

و ذكر ابن الجوزى: «أن جبريل أتى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قبل موته بثلاثة أيام، فقال: يا أحمد، إن اللّه أرسلنى إليك، يسألك عما هو أعلم به منك يقول:

كيف تجدك؟ فقال: أجدنى يا جبريل مغموما، و أجدنى يا جبريل مكروبا، و أتاه فى اليوم الثانى‏ (2)، فأعاد السؤال، فثنى الجواب، ثم قال فى اليوم الثالث مثل ذلك، و هو يجيب كذلك، فإذا ملك الموت يستأذن، فقال: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، و لم يستأذن على آدمى قبلك، و لا يستأذن على آدمى بعدك، فقال: ائذن له، فدخل، فوقف بين يديه، فقال:

____________

(1) غير واضحة فى النسختين.

(2) فى (ب): فى اليوم التالى.

230

إن اللّه أرسلنى إليك، و أمرنى أن أطيعك، فإن أمرتنى أن أقبض نفسك قبضتها و إن أمرتنى أن أتركها تركتها، فقال جبريل ((عليه السلام)): يا أحمد، إن اللّه قد اشتاق إليك، قال: امض لما أمرت به يا ملك الموت، فقال جبريل ((عليه السلام)): السلام عليك يا رسول اللّه، هذا أخر موطئى الأرض، إنما كنت حاجتى فى الدنيا، فتوفى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مستندا إلى ظهر عائشة، فى كساء ملبد، و إزار عليظ، و توفى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عن أثر السمّ، لقوله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى وجعه الذى مات فيه: «ما زالت أكلة خيبر تعاودنى، فالآن أوان قطع أبهرى».

قال ابن إسحاق: «إن كان المسلمون ليرون أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مات شهيدا مع ما أكرمه اللّه تعالى به من النبوة».

و توفى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يوم الاثنين، حين اشتد الضحى لاثنتى عشرة ليلة إلا ربعا.

و قيل: ليلة الثلاثاء، و قيل: و كانت وفاته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سنة تسعمائة و خمس و ثلاثين سنة من سن ذى القرنين، حكاه المسعودى فى «مروج الذهب».

و قد بلغ من العمر ثلاثا و ستين سنة. و قيل: خمسا و ستين سنة. و قيل:

ستين سنة. و الأول أصح.

روى الثلاثة مسلم‏ (1)، و هى صحيحة.

فقول من قال ثلاثا و ستين، فهو على أصله. و من قال ستين، فإنهم كانوا فى الزمان الأول لا يذكرون الكسر، و من قال خمسا و ستين، حسب السنة التى ولد فيها، و التى توفى فيها ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و لم يختلفوا أنه ولد فى عام الفيل، و أنه بعث و هو ابن أربعين سنة، و أنه أقام بالمدينة عشرا، و إنما اختلفوا فى مقامه بمكة المشرفة، بعد البعث، فقيل:

عشرا، و قيل: ثلاثة عشر، و قيل: خمسة عشرة.

و سجى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بين حبرة، و قيل: إن الملائكة سجته.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

231

و كذب بعض أصحابه بموته دهشة؛ منهم عمر بن الخطاب، و أخرس بعضهم، فما تكلم إلا بعد الغد؛ منهم عثمان بن عفان، و أقعد آخرون؛ منهم علىّ بن أبى طالب (رضى اللّه عنهم).

قال عفيف الدين المرجانى: «و الحكمة فى ذلك أنه لما كان عمر أبلغ الناس نظرا، و أغلاهم فراسة، صحيح تخيل الفكر، عظيم قياسه، أدهش حتى لم يتخيل موت المختار، و لما كان عثمان حوى أثقال الفصاحة، و له فى القول على من سواه رجاحة، أخرس بإنطاق حجب الأستار، و لما كان على سيف اللّه القاطع، و عليه اسم القوة واقع، أقعد عن مدها خطوة الأقدار».

و لم يكن أثبت من العباس و أبى بكر (رضى اللّه عنهما).

و بقى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى بيته يوم الاثنين، و ليلة الثلاثاء، فلما كان يوم الثلاثاء أقبل الناس على جهاز رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فسمعوا من باب الحجرة، حين ذكروا غسله: لا تغسلوه، فإنه طاهر مطهر، ثم سمعوا بعده:

غسلوه، فإن ذلك إبليس، و أنا الخضر.

و قال: إن فى اللّه عزاء من كل مصيبة، و خلفاء من كل هالك، و دركا من كل فائت، فباللّه، فابقوا، و إياه فارجعوا، فإن الصاب من حرم التواب، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت: غسلوا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و عليه ثيابه؛ و كانوا قد اختلفوا فى ذلك، فغسلوه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى قميصه، و كانوا لا يرون أن يقلبوا منه عضوا إلا انقلب بنفسه، و إن معهم لحفيفا كالريح يصوت بهم: ارفقوا برسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فإنكم ستكفونه.

و تولى غسله علىّ، و العباس، و الفضل، و قثم بن العباس؛ يقلبونه معهم، و أسامة بن زيد، و شقران؛ موليا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يصبان الماء، و أوس بن خولى الأنصارى؛ ممن حضر غسله ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

يروى عن علىّ (رضى اللّه عنه) قال: أوصانى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لا يغسله غيرى، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه، و سطعت منه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ريح لم يجدوا مثلها قط.

232

و كفن ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى ثلاثة أثواب بيض، ليس فيها قميص، و لا عمامة، و كان فى حنوطه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) المسك، ثم وضع على سريره فى بيته، و دخل الناس يصلون عليه أرسالا أفذاذا؛ الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان.

و لم يؤتهم أحد بوصية منه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قال فيها: أول من يصلى علىّ خليلى و حبيبى جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرائيل، ثم ملك الموت مع ملائكة كثيرة.

قيل: فعل ذلك ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ليكون كل منهم فى صلاة. و قيل: ليطول وقت الصلاة، فيلحق من يأتى من حول المدينة.

و اختلفوا فى مكان دفنه، فقائل يقول: بالبقيع، و قال قائل: عند منبره، و قال قائل: فى مصلاه.

فجاء أبو بكر (رضى اللّه عنه) فقال: إن عندى من هذا خبرا و علما، سمعت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يقول: «ما قبض نبى إلا دفن حيث توفى»، فحول فراشه، و حفر له موضعه، و كان بالمدينة عبيدة بن الجراح يضرح كحفر أهل مكة، و كان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة، فبعث العباس خلفهما رجلين، و قال: اللّهم خر لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فجاء أبو طلحة، فلحد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و دفن ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من وسط الليل؛ ليلة الأربعاء، و نزل قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على و العباس، و قثم و الفضل أبناء العباس، و شقران مولى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أوس بن خولى، و سبط شقران تحته فى القبر قطيفة حمراء؛ كان يفرشها ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و قيل: كان يتغطى بها.

و قيل: إن عبد الرحمن بن الأسود نزل معهم، و كذلك عبد الرحمن بن عوف، و أطبق أسامة على قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سبع لبنات؛ نصبن نصبا، و لما دفن ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جاءت فاطمة (رضى اللّه عنها)، فوقفت على قبره، و أخذت قبضة من تراب القبر، فوضعته على عينها و بكت، و أنشأت تقول:

ماذا على من شم تربة أحمد* * * أن لا يشم مدى الزمان غواليا

233

صبت علىّ مصائب لو أنها* * * صبت على الأيام غدن لياليا

و توفيت بعده ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بستة أشهر. و قيل: ثمانية أشهر، و قيل: ثلاثة أشهر، و قيل: سبعون يوما.

و كان ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أخبرها: أنها أول أهله لحوقا به، فكانت كذلك.

و قبض ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عن مائة ألف و أربعة و عشرين ألفا من الصحابة (رضوان الله عليهم)، قاله أبو موسى‏ (1).

و قال أيضا: شهد مع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حجة الوداع أربعون ألفا من الصحابة؛ ممن روى عنه، و سمع منه، و شهد معه تبوك سبعون ألفا.

*** ذكر وفاة أبى بكر الصديق (رضى الله عنه)

ذكر محمد بن جرير الطبرى‏ (2): أن اليهود سمّت أبا بكر فى آرزة.

و قيل: أكل هو و الحارث بن كلدة حريرة، أهديت لأبى بكر، فقال الحارث: ارفع يدك، إن فيها لسم، سنة و أنا و أنت نموت فى يوم واحد؛ عند انقضاء سنة.

و قيل: توفى من لدغة الجريش؛ ليلة الغار.

و قيل: كان به طرف من السيل، قاله الزبير بن بكار (3).

____________

(1) هو: أبو موسى الأشعرى: سبقت الإشارة إليه.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) الزبير بن بكار: هو أبو عبد اللّه الزبير بن أبى بكر بكار بن عبد اللّه بن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه بن الزبير بن العوام؛ من أهل المدينة، إخبارى، نسّاب، و كان شاعرا صدوقا، و رواية نبيل القدر. ولى قضاء مكة، و دخل بغداد عدة دفعات، أخرها سنة 253 ه و من كتبه: «أخبار العرب و أيامها»، و «نسب قريش»، و «كتاب مزاح» النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و «نوادر المدنيين»، و «أخبار المدينة». توفى الزبير و هو قاض على مكة سنة 256 ه، و له من السن 84 سنة. انظر كتاب: الفهرست: 160، 161، هدية العارفين: 5/ 372، تاريخ بغداد: 8/ 467، شذرات الذهب: 2/ 33، العبر: 2/ 12، ميزان الاعتدال:

2/ 66، وفيات الأعيان: 1/ 189، خلاصة تهذيب الكمال: 102.

234

و مرض خمسة عشر يوما، و كان فى داره التى قطع له رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و جاء دار عثمان (رضى اللّه عنه).

توفى (رضى اللّه عنه) بين المغرب و العشاء؛ من ليلة الثلاثاء، لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة؛ سنة ثلاثة عشر من الهجرة، و هو الأشهر.

و قال ابن إسحاق: توفى ليلة الجمعة، لسبع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر من الهجرة، و هو الأشهر، و قيل: توفى فى جمادى الأولى حكاه الحاكم.

و قيل: يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة.

و كانت خلافته سنتين و ثلاثة أشهر إلا خمس ليال. و قيل: عشر ليال.

و قيل: ثمانية أيام. و قيل: سبعة عشر يوما.

استوفى بخلافته سن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و لما ولى الخلافة استعمل عمر بن الخطاب على الحج، ثم حج من قابل، ثم اعتمر فى رجب، سنة اثنتى عشر.

و توفى أبو بكر قبل أبى قحافة، فورث أبو قحافة منه السدس، ورده على ولد أبى بكر. و مات أبو قحافة فى المحرم سنة أربع عشرة من الهجرة، و هو ابن سبع و تسعين سنة.

و غسّلت أبا بكر (رضى اللّه عنه) زوجته أسماء، بوصية منه، و ابنه عبد الرحمن يصب عليها الماء، و حمل على السرير؛ الذى حمل عليه رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و صلّى عليه عمر (رضى اللّه عنه) و جاه المنبر.

و دفن إلى جنب رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) بوصية منه، و ألصق لحده بلحد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و دخل قبره عمر و عثمان و طلحة و عبد الرحمن بن أبى بكر.

***

235

ذكر وفاة عمر (رضى اللّه عنه)

يروى: أنه خرج يطيف بالشوق بعد حجته، فلقيه أبو لؤلؤة؛ فيروز الفارسى: غلام للمغيرة بن شعبة؛ و كان نصرانيا- و قيل: مجوسيا- فقال:

عدا علىّ المغيرة بن شعبة (1)؛ فإن علىّ خراجا كثيرا، قال: فكم خراجك؟

قال: درهمان فى كل يوم، قال: فإيش صناعتك؟ قال: نقاش، نجار، حداد، قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الأعمال، ثم قال له: و بلغنى أنك قلت: لو أردت أن أعمل رحىّ يتحدث بها من بين المشرق و المغرب، ثم انصرف، فقال عمر: لقد توعدنى العلاجة أنفا، ثم أتى عمر منزله، فجاءه كعب الأحبار (2)، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد، فإنك ميت فى ثلاثة أيام، فقال: و ما يدريك، فقال: أجد فى كتاب اللّه التورية، فقال عمر: اللّه، إنك لتجد عمر بن الخطاب فى التورية، قال:

اللّهم لا، و لكن أجد صفتك، و حليتك، و أنه قد فنى أجلك، فلما كان من الغد جاءه كعب، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهب يوم، و بقى يومان.

ثم جاءه بعد ذلك، فقال: ذهب يومان، و بقى يوم و ليلة، و هى لك إلى صبحها. فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، و دخل أبو لؤلؤة فى الناس؛ فى يده خنجر؛ له رأسان؛ نصابه فى وسطه، فضرب عمر ست ضربات؛ إحداهن تحت سرته، و هى التى قتلته، و ظهر العلج، لا يمر على أحد يمينا، أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة- و قيل: ستة- و طرح عليه رجل من المسلمين برنسا، و احتضنه من خلفه، فنحر العلج نفسه، و أخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فصلى بالناس ب: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، و حمل عمر

____________

(1) المغيرة بن شعبة، يكنى: أبا عبد اللّه، و هو من «ثقيف»، أسلم و شهد «بيعة الرضوان»، و شهد «اليمامة»، و فتوح الشام و اليرموك و القادسية و ولاه عمر «البصرة»، و شهد فتح «نهاوند»، و هو أول من وضع ديوان البصرة. مات بالكوفة و هو أميرها بالطاعون سنة 50 ه. انظر كتاب: المعارف: 294، 295.

(2) سبقت الإشارة إليه.

236

إلى منزله، و دخل عليه المهاجرون و الأنصار يسلمون عليه، و دخل فى الناس كعب، فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول:

و واعدنى كعب ثلاثا أعدها* * * و لا شك أن القول ما قاله كعب‏

و ما بى حذار الموت إنى لميّت‏* * * و لكن حذار الذنب يتبعه ذنب‏

طعن يوم السبت، غرة المحرم سنة أربع و عشرين، بعد حجة تلك السنة.

و قيل: طعن يوم الاثنين، لأربع ليال بقين من ذى الحجة، و بقى ثلاثة أيام بعد الطعنة، ثم توفى، و استأذن عائشة (رضى اللّه عنها) أن يدفن مع صاحبيه، فأذنت له، و قالوا له: أوصى، استخلف، فقال: ما أجد أحدا أولى، و لا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر؛ الذى توفى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو عنهم راض.

سمى: عثمان و عليّا و الزبير و طلحة و سعدا و عبد الرحمن بن عوف؛ فهم أهل الشورى.

و توفى و سنه يومئذ ثلاثة و ستون سنة، و قيل: ستون، و قيل: إحدى و ستون، و قيل: خمس و ستون، و قيل: خمس و خمسون.

و نزل قبره عثمان و علىّ و عبد الرحمن بن عوف و الزبير و سعد بن أبى وقاص. و قيل: صهيب و ابنه عبد اللّه بن عمر عوضا عن الزبير و سعد.

تولى الخلافة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، لثمان بقين من جمادى الآخرة و قيل: بويع له فى رجب، و قيل: فى ذى الحجّة من السنة المذكورة، فكانت مدة خلافته عشر سنين، و ستة أشهر، و أربعة أيام.

و لما دفن عمر (رضى اللّه عنه) قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن عقيل؛ امرأة عمر بن الخطاب؛ ترثيه:

و فجعنى فيروز لأدر درة* * * بأبيض تال للكتاب منيب‏

رؤوف على الأدنى غليظ على العدى‏* * * أخا ثقة فى النائبات مجيب‏

متى ما يقل لا يكذب القول فعله‏* * * سريع إلى الخيرات غير قطوب‏

237

و عاتكة امرأته تزوجها عبد اللّه بن أبى بكر، فقتل عنها، ثم تزوجها عمر فقتل عنها، ثم الزبير، فقتل عنها، ثم توفيت سنة إحدى و أربعين.

و لما دفن (رضى اللّه عنه) لزمت عائشة ثيابها؛ الدرع و الخمار و الإزار، و قالت: إنما كان أبى و زوجى، فلما دخل معهما غيرهما لزمت ثيابى، و ابتنت حائطا بينها و بين القبور، بقيت فى بقيت البيت؛ من جهة الشام.

و يروى عنها (رضى اللّه عنها): أنها رأت فى المنام أنه سقط فى حجرها.

و روى: فى حجرتها ثلاثة أقمار، فذكرت ذلك لأبى بكر، فقال: خيرا.

قال يحيى: فسمعت- بعد ذلك- أن رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما دفن فى بيتها قال أبو بكر: هذا أحد أقمارك يا بنية، و هو خيرها.

قال عفيف الدين المرجانى فى فضائل عمر (رضى اللّه عنه)، عن ابن عباس، قال: رأيت عمر (رضى اللّه عنه) فى المنام بعد وفاته، فقلت له:

يا أمير المؤمنين، من أين أقبلت؟ قال: من حضرة ربى عزّ و جلّ، فسألته:

ماذا فعل اللّه بك؟ فقال: أوقفنى بين يديه، فسألنى ثم قال: يا عمر، تناديك امرأة على شاطئ الفرات، فأهلك من شاتها شاة، تقول: وا عمراها و اعمراها، تستغيث بك، فلا تجيبها؟ فقلت: و عزتك و جلالك، ما علمت بذلك؛ و أنت أعلم منى، و قد كان يجب عليك، و إنى أعد من تلك المسألة إلى هذا الوقت.

قال ابن عباس‏ (1): ثم ماذا؟ قال: رددت إلى مضجعى، فهبط على منكر و نكير، فقالا لى: من ربك، و من نبيك؟ فقلت لهما: أما تستحيان منى، و لمثلى تقولان هذا، و جذبتهما إلىّ، و قلت: اللّه ربى، و ضجيعى نبى، و أنتما من ربكما؟ فقال نكير لمنكر: و اللّه يا أخى، ما ندرى نحن المبعوثون إلى عمر، أم عمر المبعوث إلينا، فرفع رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) رأسه من لحده، فقال لهما: هو عمر بن الخطاب؛ هو أعرف بربه منكما.

***

____________

(1) هو عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب؛ ابن عم رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و قد سبقت ترجمته.

238

ما جاء أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و أبا بكر و عمر (رضى اللّه عنهما) و عيسى ((عليه السلام)) خلقوا من طينة واحدة و أن كل مخلوق يدفن فى تربته التى خلق منها

عن أنيس بن يحيى قال: «لقى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جنازة فى بعض سكك المدينة، فسأل عنها، فقالوا: فلان الحبشىّ، فقال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

سيق من أرضه و سمائه إلى التربة التى خلق منها».

قال الحافظ محب الدين بن النجار (1): «فعلى هذا طينة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) التى خلق منها من المدينة، و طينة أبى بكر و عمر (رضى اللّه عنهما) من طينة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و هذه منزلة رفيعة.

و فى قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ‏ (2) إشارة إلى رد الإنسان إلى طينة المبدأ؛ التى منها النشأة الأولى، فالإنسان يدفن فى مكان أخذ تربته؛ على حد الموازنة، فلا يقال لأهل البقيع: إنهم من تربة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و إنما لهم شركة فى الأرض المأخوذ منها.

دليله: ما روى عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)):

«ما من مولود إلا و فى سرّته من تربته التى يخلق منها، فإذا رد إلى أرذل العمر، رد إلى تربته التى خلق منها؛ حتى يدفن فيها، و إنى و أبا بكر و عمر خلقنا من تربة واحدة، و فيها ندفن». انتهى.

و من دفن منه جزء بأرض، و دفن جزء آخر بأرض أخرى، يمكن أن يقال:

خلق من تربتين، من أرضين.

و قيل: لا يمكن، و ليست تربته إلا ما حازت عجب الذنب منه، لأنها فيما يظهر تربة حفرته، بدليل بقائها، و منها ينبت فى النشأة الثانية، كذا ذكره عفيف الدين المرجانى.

____________

(1) سبقت الإشارة إليه.

(2) الآية رقم 55 من سورة طه؛ مكية.

239

قال أهل السير: و فى بيت عائشة (رضى اللّه عنها) موضع قبر فى السهوة الشرقية.

قال سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى ابن مريم ((عليه السلام)) مع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و عن عبد اللّه بن سلام، عن أبيه، عن جده، قال: يدفن عيسى ابن مريم مع النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و صاحبيه (رضى اللّه عنهما) و يكون قبره الرابع، فعلى هذا، فطينته من طينتهم.

و عن أبى هريرة (رضى اللّه عنه) قال: قال رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)): «إذا أهبط اللّه المسيح، فيعيش فى هذه الأمة ما يعيش، فيموت بمدينتى هذه، و يدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبى بكر و عمر يحشران بين نبيين»، فانظر إلى هذا الفضل العظيم.

و عن هارون بن موسى العروى قال: سمعت جدى؛ أبا علقمة سئل:

كيف كان الناس يسلمون على النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قبل أن يدخل البيت فى المسجد؟

فقال: كان يقف الناس عند باب البيت يسلمون عليه، و كان الباب ليس عليه غلق؛ حتى هلكت عائشة (رضى اللّه عنها).

و قيل: كان الناس يأخذون من تراب قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فأمرت عائشة (رضى اللّه عنها) بجدار، فضرب عليهم.

و يروى: أن امرأة قالت لعائشة: اكشفى لى قبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

فكشفته لها، فبكت؛ حتى ماتت.

*** ما جاء فى صفة وضع القبور المقدسة و صفة الحجرة الشريفة

و سبب الاختلاف فى ذلك شدة هيبة تلحق الناظر، فتزيل منه كيفية التمييز، كما سئل بعض من نزل الحجرة المقدسة- لسبب يأتى- فقال: لا أدرى ما رأيت.

240

عن عمر بن بطاس قال: رأيت قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) لما هدم عمر بن عبد العزيز عنه البيت، مرتفعا نحوا من أربع أصابع، عليه حصباء إلى الحمرة ما هى، و رأيت قبر أبى بكر (رضى اللّه عنه) وراء قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و رأيت قبر عمر أسفل منه.

و هذه صفته:

قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) قبر أبى بكر (رضى اللّه عنه) قبر عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) و عن عائشة (رضى اللّه عنه) قالت: رأس النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فيما يلى المغرب و رأس أبى بكر عند رجل النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و عمر خلف ظهر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و هذه صفته:

قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عمر (رضى اللّه عنه) أبو بكر (رضى اللّه عنه) و عن نافع بن أبى نعيم: أن صفة قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و قبر أبى بكر و عمر (رضى اللّه عنهما)؛ قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمامهما؛ إلى القبلة مقدما، ثم قبر أبى بكر؛ حذاء منكبى رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و قبر عمر حذاء منكبى أبى بكر (رضى اللّه عنهما).

241

و هذه صفته:

النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أبو بكر (رضى اللّه عنه) عمر (رضى اللّه تعالى عنه) و عن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصّديق (رضى اللّه عنه) قال:

دخلت على عائشة (رضى اللّه عنها) فقلت: يا امه، أرينى قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و صاحبيه (رضى اللّه عنهما)، فكشفت لى عن قبورهم، فإذا هى لا مرتفعة، و لا لاطية، مبطوحة بيضاء حمراء من بطحاء العرصة، و إذا قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أمامهما؛ رجلا أبى بكر عند رأس النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و رأس عمر عند رجلى النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و هذه صفته:

النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أبو بكر (رضى اللّه عنه) عمر (رضى اللّه عنه) و روى ابن المنكدر بن محمد (1)، عن أبيه قال: قبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و قبر أبى بكر خلفه، و قبر عمر عند رجل النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

____________

(1) ابن المنكدر: هو محمد بن المنكدر بن هدير، من بنى تيم قريش؛ رهط أبى بكر الصديق (رضى اللّه عنه). مات سنة 130 ه أو 131 ه، و له عقب بالمدينة، و كان له أخوان فقيهان عابدان: أبو بكر بن المنكدر، و عمر بن المنكدر. المعارف: 461.

242

و هذه صفته:

النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) عمر (رضى اللّه عنه) أبو بكر (رضى اللّه عنه) و عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل قال: خرجت فى ليلة مطيرة إلى المسجد حتى إذا كنت عند دار المغيرة بن شعبة لقيتنى رائحة، و اللّه ما وجدت مثلها قط، فجئت المسجد، فبدأت لقبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فإذا جداره قد انهدم، دخلت، فسلمت على النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و مكثت مليا، و رأيت القبور، فإذا قبر رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و قبر أبى بكر عند رجليه، و قبر عمر عند رجلى أبى بكر (رضى اللّه عنهما).

و هذه صفته:

النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أبو بكر (رضى اللّه عنه) عمر (رضى اللّه عنه) و على هذه الصفة المذكورة روى عن عبد اللّه بن الزبير أيضا.

و قد اختلفت الرواية فى قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هل هو مسنم، أو مسطح، فروى الوصفان جميعا. و المسنم: المرتفع.

و كذلك اختلفوا فى قبر ضجيعيه (رضى اللّه عنهما):

قال الحافظ محب الدين: و سقط جدار حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) الذى يلى‏

243

موضع الجنائز، فى زمان عمر بن عبد العزيز (رضى اللّه عنه)، فظهرت القبور، فأمر عمر بن عبد العزيز بقباطى فحنطت، ثم ستر الوضع، و أمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فبينما هو يكشفه إذ رفع يده، و تنحى، فقام عمر ابن عبد العزيز فزعا، فرأى قدمين، و رأى الأساس و عليهما السعد، فقال له عبد اللّه بن عبد اللّه بن عمر (رضى اللّه عنه): أيها الأمير، لا يروعك فهما قدما جدك عمر بن الخطاب، ضاق البيت عنه فحفر له فى الأساس، فقال له ابن وردان: غط ما رأيت، ففعل.

و عن هشام بن عوف، عن أبيه قال: لما سقط الحائط فى زمن الوليد أخذوا فى بنيانه، فبدت لهم قدم، ففزعوا، و ظنوا أنها قدم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حتى قال لهم عروة: لا، و اللّه ما هى قدم النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، ما هى إلا قدم عمر، و أمر عمر بن عبد العزيز أبا حفصة؛ مولى عائشة (رضى اللّه عنها) و ناسا معه، فبنوا الجدار، و جعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه و بنوه، دخل مزاحم؛ مولى عمر (رضى اللّه عنه)، فلملم ما سقط على القبر من التراب و الطين، و نزع القباطى.

قال الحافظ محب الدين: و بنى عمر بن عبد العزيز على حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حائطا، و لم يوصله إلى السقف، بل دونه بمقدار أربعة أذرع، و أدار عليها شباكا من خشب.

قال الشيخ جمال الدين: و بعد احتراق المسجد أعيد الشباك كما كان أولا- و هو يظهر اليوم لمن تأمله من تحت الكسوة- و أدخل عمر بن عبد العزيز بعض بيت فاطمة (رضى اللّه عنها) من جهة الشمال فى الحائز الذى بناه يلتقى على ركن واحد- كما سنبينه- فصار لها ركن خامس، لئلا تكون الحجرة الشريفة مربعة كالكعبة، فيتصور جهال العامة أن الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة، و بقى بقية من البيت من جهة الشمال، و فيه اليوم صندوق مربع من خشب؛ فيه إسطوان، و خلفه محراب.

قال الحافظ محب الدين: و لما ولى المتوكل الخلافة أمر إسحاق بن سلمة-

244

و كان على عمارة الحرمين من قبله- بأن تؤزر الحجرة المقدسة بالرخام من حولها، ففعل. و لم يزل إلى سنة ثمان و أربعين و خمسمائة؛ فى خلافة المقتفى، فجدد تأزيرها جمال الدين الأصبهانى، و جعل الرخام حولها قامة و بسطه، و هو الذى عمل الشباك الدائر بالحجرة المقدسة؛ اللاصق بالسقف؛ و هو الذى احترق؛ و كان من خشب الصندوق و الأبنوس مكتوبا بإقطاع الخشب الأراديك «سورة الإخلاص»؛ صنعة بديعة، و لم تزل حتى عمل لها الحسين بن أبى الهيجاء؛ صهر الملك الصالح ستارة و عليها الطرز و الجامات المرقومة بالأبريسم، و أدار عليها إزارا من الإبريسم، مكتوبا فيه «سورة يس» فعلقها نحو العامين، ثم جاءت من الخليفة ستارة، فنفذت تلك المتقدمة إلى مشهد على الكوفة، و علقت هذه عوضها.

فلما ولى الإمام الناصر لدين اللّه نفذ ستارة أخرى، فعلقت فوق تلك المذكورة، فلما حجت أم الخليفة، و عادت العراق نفذت ستارة، فعلقت على الستارتين.

قال ابن النجار: ففى يومنا هذا عليها ثلاث ستائر.

ثم قال ((رحمه الله)): و اليوم فى رصف سقف المسجد الذى بين الحجرة و القبلة نيف و أربعون قنديلا؛ كبارا و صغارا من الفضة المنقوشة و السادج، و فيها اثنان بلور، واحدة ذهب، و فيها قمر فضة مغموس فى الذهب، نفذتها الملوك و أرباب الأموال.

قال المرجانى: و هى إلى الآن باقية.

قال المطرى: و لم يكن على الحجرة الشريفة قبة، بل كان ما حول حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حصيرا فى السطح إلى سنة ثمان و سبعين و سبعمائة، فى دولة السلطان الملك المنصور قلاوون، عمل هذه القبة و هى: أخشاب أقيمت، و سمر عليها ألواح خشب، ثم ألواح رصاص، و عمل مكان الحصير شباكا من خشب، و تحته بين السقفين أيضا شباكا من خشب تحليه، و فى سقف الحجرة الشريفة، بين السقفين ألواح خشب، سمر بعضها إلى بعض، و سم‏

245

عليها ثوب مشمّع، و هناك طابق مفعل، إذا فتح كان النزول منه إلى ما بين حائط بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و بين الحائز الذى بناه عمر بن عبد العزيز.

قال: و لما حج السلطان الملك الظاهر فى سنة سبع و ستين و ستمائة اقتضى رأيه أن يدير على الحجرة الشريفة درابزينا، فقاس ما حولها بيده و عمل الدرابزين اليوم الموجود، و أرمله فى سنة ثمان و ستين، و أداره عليها، و فيه ثلاثة أبواب: قبلى و شرقى و غربى، و نصبه ما بين الأساطين التى تلى الحجرة الشريفة إلا من ناحية الشمال، فإنه زاد فيه إلى متهجد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و ظن ذلك زيادة حرمة للحجرة الشريفة المقدسة، فحجر طائفة من الروضة، مما يلى بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فلو كان ما حجره عكس، و جعل من الناحية الشرقية و ألصق الدرابزين بالحجرة مما يلى الروضة لكان أخف؛ إذ الناحية فيه ليست من الروضة، و لا من المسجد القديم، بل مما زيد فى أيام الوليد.

ثم قال: و لم يبلغنى أن أحدا أنكر ذلك، و لا ألقى إليه بالا، و هذا من همّ ما ينظر فيه.

و كان الدرابزين الذى عمل الملك الظاهر نحو القامتين، فما كان فى تاريخ سنة أربع و تسعين و ستمائة زاد عليه الملك العادل زين الدين كشف شباكا دائرا عليه، و رفعه حتى أوصله السقف.

قال ((رحمه الله)): و مما أحدث فى صحن المسجد الشريف قبة كبيرة عمرها الإمام الناصر لدين اللّه فى سنة سبعين و خمسمائة، لحفظ حواصل الحرم و ذخائره، مثل المصحف العثمانى، و لما احترق المسجد سلم ما فيها ببركة المصحف الكريم، و لكونها فى وسط المسجد.

و مما أحدث أيضا فى الصخرة من جهة القبلة رواقان، أمر بإنشائهما السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة تسع و عشرين و سبعمائة، فاتصل ظل السقف القبلى بهما، و أزيلت المقصورة التى كانت تظل الحجرة الشريفة للاستغناء عنها بهما، و كان المتسبب فى إزالتها إمام المدينة الشريفة؛ شرف الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن أحمد الأسيوطى، و ذلك لأنها

246

كانت يجتمع فيها أهل البدع، و كانت لهم كالمجتهد، فاجتهد فى إزالتها و هدمها ليلا، و أدخلها فى الحجرة الشريفة، فتربعت الحجرة الشريفة و ذلك فى أواخر سنة ثمان و عشرين و سبعمائة.

توفى ((رحمه الله)) يوم الرابع و العشرين من صفر سنة خمس و أربعين و سبعمائة، و هذه صفة مثال الحائز الذى بناه عمر بن عبد العزيز، و صفة حجرة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى وسطه.

قال الحافظ محب الدين: «و اعلم أن فى سنة ثمان و أربعين و خمسمائة سمعوا صوت هدّة فى الحجرة المقدسة، و كان الأمير يومئذ قاسم بن مهنا الحسينى، فأخبروه بالحال، فقال: ينبغى أن ينزل شخص لينظر ما هذه الهدة فلم يجدوا أمثل حالا من الشيخ عمر النسائى؛ شيخ شيوخ الصوفية بالموصل فاعتذر لمرض كان به، يحتاج للوض‏ء فى غالب الأوقات، فألزموه، فامتنع من الأكل و الشرب مدة، سأل النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إمساك المرض عنه بقدر ما يبصر و يخرج، و نزل بحبال بين السقفين، و معه شمعة، و دخل إلى الحجرة، فرأى شيئا من السقف قد وقع على القبور المقدسة، فأزاله، و كبس التراب بلحيته، و أمسك اللّه عنه الداء بقدر ما خرج، و عاد إليه.

توفى الشيخ عمر بمكة بعد نزوله بتسع سنين؛ فى سنة ست و خمسين و خمسمائة، و كذلك أيضا فى سنة أربع و خمسين و خمسمائة؛ فى أيام الموسم قاسم المذكور، وجد فى الحجرة الشريفة رائحة منكرة، فذكروه للأمير، فأمرهم بالنزول، فنزل الطواشى بن الأسود؛ أحد خدام الحجرة الشريفة، و نزل معه الصفى الموصلى؛ متولى عمارة المسجد، و هارون الشادى الصوفى بعد أن بذل جملة من المال للأمير فى ذلك، فوجدوا هرّا قد هبط من الشباك الذى فى أعلى الحائز، بين الحائز و بين بيت النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فأخرجوه، و طيبوا مكانه، و كان نزولهم يوم السبت؛ الحادى عشر من ربيع الآخرة.

***

247

الفصل التاسع ذكر حكم زيارة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و فضلها

إذا انصرف الحجاج و المعتمرون عن مكة المشرفة يستحب لهم استحبابا مؤكدا أن يتوجهوا إلى مدينة سيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) للفوز بزيارته، فإنها من أعظم القربات، و أرجى الطاعات و الحج المتاعى.

و فى «شرح المختار»: لما جرى الرسم أن الحاج إذا فرغوا من مناسكهم، و قفلوا عن المسجد الحرام قصدوا المدينة زائرين قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، إذ هى من أفضل المندوبات و المستحبات، بل تقرب من درجة الواجب، فإنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) حرص عليها، و بالغ فى الندب إليها، أحببت أن أذكر فيها فصلا أؤكد فيه نبذا من الآداب و ذكرها.

و فى «مناسك الفارسى»: «أنها قريبة إلى الواجب فى حق من كان له سعة».

و ممن صح باستحبابها، و كونها سنة من الشافعية، فى أواخر باب أعمال الحج: الغزالى؛ فى «الإحياء»، و البغوى؛ فى «التهذيب»، و الشيخ عز الدين بن عبد السلام؛ فى «مناسكه»، و أبو عمرو بن الصلاح، و أبو زكريا النووى (رحمهم اللّه تعالى).

و من الحنابلة: الشيخ موفق الدين، و الإمام أبو الفرج البغدادى و غيرهم.

و أما المالكية: فقد حكى القاضى عياض؛ منهم: الإجماع على ذلك.

و فى «تهذيب الطالبين» لعبد الحق: «عن الشيخ ابن عمران المالكى:

أن زيارة قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) واجبة»، قال عبد الحق: يعنى من السنن الواجبة».

248

و فى كلام العبدى المالكى فى «شرح الرسالة»: «أن المشى إلى المدينة لزيارة قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أفضل من الكعبة، و من بيت المقدس».

و أكثر عبارات الفقهاء؛ أصحاب المذاهب تقتضى استحباب السفر للزيارة، لأنهم استحبوا للحاج بعد الفراغ من الحج الزيارة، و من ضرورتها السفر.

و أما نفس الزيارة، فالأدلة عليها كثيرة، و منها قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ‏ (1). الآية.

و لا شك أنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) جئ، و أن أعمال أمته معروضة عليه، و منها:

حديث ابن عمر المذكور فى باب الفضائل، يرفعه: «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» رواه الدار قطنى و ابن أبى الدنيا و ابن خزيمة و البيهقى فى «الشعب».

و فى لفظ: «من جاءنى زائرا لم تنزعه حاجة، إلا زيارتى، جاز حقا علىّ أن أكون له شفيعا يوم القيامة» كذا فى «الخلقيات».

و عند أبى يعلى الموصلى بلفظ: «من زارنى بعد وفاتى، عند قبرى، فكأنما زارنى فى حياتى».

و لفظ الدار قطنى: «كان لمن زارنى فى حياتى و صحبنى ...».

و فى لفظ: «من زارنى محتسبا إلى المدينة، كان فى جوارى يوم القيامة» ذكره البيهقى و ابن الجوزى‏ (2) و غيرهما.

و عند ابن عدى، عن ابن عمر، يفعه: «من حج البيت و لم يزرنى، فقد جفانى».

و ذكره ابن الجوزى فى «الموضوعات»، و هو غير جيد لأن ابن عدى لما رواه بين سنده، و حكم بيانه جيد، و الدار قطنى لما رواه فى غريب مالك، قال: تفرد به هذا الشيخ، يعنى: النعمان بن سبل، و هو منكر، و لا يلزم من هذا أن يكون المتن منكرا.

____________

(1) الآية رقم 54 من سورة النساء، مدنية.

(2) سبقت الإشارة إليه.

249

و فى البيهقى؛ فى «السنن الكبير»، و فى الثامن من «فوائد» الحافظ أبى الفتح الأزدى، عن ابن مسعود، يرفعه: «من حج حجة الإسلام، و زار قبرى، و غزا غزوة، و صلى علىّ فى بيت المقدس، لم يسأله اللّه تعالى فيما افترض عليه».

و فى «الدرة الثمينة» لابن النجار، عن أنس، يرفعه: «ما من أحد من أمتى له متعة لم يزرنى، فليس له عذر».

و قد تقدم فى باب الفضائل الأحاديث الواردة فى فضل زيارة القبر المقدس قوله فى الحديث: «وجبت له شفاعتى»، معناه: حققت و ثبتت، و لزمت و أنه لا بد منها بوعده ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) تفضلا منه.

قال الشيخ تقى الدين السبكى: «و قوله: «وجبت له ..»: إما أن يكون المراد: له بخصوصية، بمعنى أن: الزائرين يخصون بشفاعة لا تحصل لغيرهم عموما، و لا خصوصا.

و إما أن يكون المراد: أنهم يفردون بشفاعة مما يحصل لغيرهم، و يكون إفرادهم بذلك تشريفا و تنويها، بسبب الزيارة.

و إما أن يكون المراد: أنه ببركة الزيارة يجب دخوله فى عموم من تناله الشفاعة و فائدة ذلك البشرى بأنه يموت مسلما.

و على هذا التقدير الثالث يحب إجراء اللفظ على عمومه، لأننا لو أمضرنا فيه شرط الوفاة على الإسلام، لم يكن لذكر الزيارة معنى، لأن الإسلام وجه كاف فى نيل هذه الشفاعة.

و على التقدير من الأولين يصح هذا الإضمار.

فالحاصل أن أثر الزيارة: إما الوفاء على الإسلام مطلقا لكل زائر، و كفى بها نعمة.

و إما شفاعة خاصة بالزائر، أخص من الشفاعة العامة، و قوله: «و شفاعتى» فى الإضافة إليه تشريف لها، فإن الملائكة و الأنبياء و المؤمنين يشفعون،

250

و الزائر لقبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) له نسبة خاصة منه، يشفع فيه هو بنفسه، و الشفاعة تظم بعظم الشافع، فكمل أن النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أفضل من غيره، كذلك شفاعته أفضل من شفاعة غيره». انتهى كلام السبكى.

و منها: أن نبينا ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أحياه اللّه بعد موته حياة تامة، و استمرت تلك الحياة إلى الآن، و هى مستمرة إلى يوم القيامة؛ إن شاء اللّه تعالى، و يشاركه فى ذلك جميع الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام)، و الدليل على ذلك أمور؛ أحدها: قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‏ (1).

و الشهادة حاصلة له ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) على أتم الوجوه، لأنه شهيد الشهداء؛ قال اللّه تعالى: وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (2).

و إن توهم أن ذلك من خصائص القتل، فقد حصل له ذلك أيضا من أكلة خيبر؛ صرح ابن عباس و ابن مسعود و غيرهما: بأنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) مات شهيدا.

ثانيها: حديث أنس‏ (3) يرفعه: «الأنبياء أحياد فى قبورهم، يصلون».

و فى لفظ عند البيهقى: «الأنبياء لا يتركون فى قبورهم بعد أربعين ليلة، و لكنهم يصلون بين يدى اللّه عزّ و جلّ حتى ينفخ فى الصور».

ثالثها: حديث أنس، عند مسلم‏ (4): «أتيت على موسى، ليلة أسرى بى، و هو قائم يصلى فى قبره».

رابعها: حديث الأسرى، و رؤية الأنبياء و ذكره لكل أحد: أنه على صورة كذا، و بهيئة كذا، و مستند إلى البيت المعمور .. و أمثال ذلك، دلائل قاطعة على أنهم أحياء بأجسادهم.

خامسها: حديث أوس بن أوس: «أن اللّه حرم على الأرض أن تأكل‏

____________

(1) الآية رقم 169 من سورة آل عمران؛ مدنية.

(2) الآية رقم 143 من سورة البقرة، مدنية.

(3) هو أنس بن مالك: سبقت الإشارة إليه.

(4) الإمام مسلم: سبقت الإشارة إليه.

251

أجساد الأنبياء»، و فيه دليل واضح، و قد ذهب إلى ما ذكرنا دليله، و أوضحنا حجته جماعة من أهل العلم، و صرحوا به، منهم: الإمام البيهقى و الأستاذ أبو القاسم القشيرى، و أبو حاتم بن حبان، و أبو طاهر الحسين بن على الأردستانى.

و صرح به: أبو عمرو بن الصلاح، و محيى الدين النووى، و الحافظ محب الدين الطبرى، و غيرهم.

و أما حديث: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...» فلا دلالة فيه على النهى عني الزيارة، بل هو حجة فى ذلك.

و من جعله دليلا على حرمة الزيارة فقد أعظم الجرأة على اللّه، و على رسوله، و فيه برهان قاطع على عبارة قائله و قصوره عن ذوق صافى العلم، و قصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط و الاستدلال.

و الحديث فيه دليل على استحباب الزيارة من وجهين:

الأول: أن موضع قبره الشريف أفضل بقاع الأرض، و هو ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أفضل الخلق و أكرمهم على اللّه تعالى، لأنه لم يقسم بحياة أحد غيره، و أخذ الميثاق من الأنبياء بالإيمان به، و بنصره، كما فى قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ ... (1) الآية.

و شرفه بفضله على سائر المرسلين، و كرمه بأن ختم به النبيين، و رفع درجته فى عليين، فإذا تقرر أنه أفضل المخلوقين، و أن تربته أفضل بقاع الأرض، استحب شد الرحال إليه، و إلى تبته بطريق الأولى.

الوجه الثانى: أنه استحب شد الرجال إلى مسجد المدينة، و لا يتصور من المؤمنين المخلصين انفكاك قصده عنه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و كيف يتصور أن المؤمن المعظم قدر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) يدخل مسجده، و يشاهد حجرته، و يتحقق أنه يسمع‏

____________

(1) الآية رقم 81 من سورة آل عمران؛ مدنية.

252

كلامه، ثم بعد ذلك يسعه أن لا يقصد الحجرة و القبر، و يسلم على رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) هذا إثما لا خفاء فيه، و كذلك لو قصد زيارة قبره، لم ينفك قصده عن قصد المسجد.

و من الدليل على الزيارة الأحاديثق الكثيرة الصحيحة فى فضل زيارة الأخوان فى اللّه، فزيارة النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أولى و أولى.

و منها: أن حرمته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) واجبة حيا و ميتا، و لا شك أن الهجرة إليه كانت فى حياته من أهم الأشياء، فلذا بعد موته.

و منها: الأحاديث الدالة على استحباب زيارة القبور، و هذا فى حق الجال مجمع عليه، و فى حق النساء فيه خلاف، هذا فى قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، و أما زيارة قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فالإجماع على استحبابها للرجال و النساء.

و منها: أن الإجماع على جواز شد الرحال للتجارة و تحصيل المصالح الدنيوية، فهذا أولى لأنه من أعظم المصالح الأخروية.

و منها: إجماع الناس العملى على زيارته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و شد الرحال إليه بعد الحج، من بعد وفاته إلى زماننا هذا.

و منها: الإجماع القولى: قال القاضى عياض: زيارة قبره ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) سنة من المسلمين مجمع عليها.

أما الآثار فكثيرة جدا:

عن يزيد المهدى قال: لما ودعت عمر بن عبد العزيز قال: إنى لى إليك حاجة، قلت: يا أمير المؤمنين، كيف ترى حاجتك عندى؟ قال: إنى أراك إذا أتيت المدينة، سترى قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فاقرئه منى السلام.

و عن حاتم بن وردان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه البريد قاصدا من الشام إلى المدينة ليقرئ عنه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) السلام.

و فى باب الحج من «فتاوى» الفقيه أبى الليث: «قال أبو القاسم: لما أردت الخروج إلى مكة، قال القاسم بن غسان: إن لى إليك حاجة، إذا

253

أتيت قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فاقرئه منى السلام، فلما وضعت رجلى فى مسجد المدينة، ذكرت ذلك».

قال الفقيه أبو الليث: «فيه دليل: أن من لم يقدر على الخروج، فأمر غيره ليسلم عنه، فإنه ينال فضل السلام، إن شاء اللّه تعالى». انتهى.

و فى «مسند» الدارمى: «أنه لما كان أيام الحرة، لم يؤذن فى مسجد النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) ثلاثا، و لم يقم، و لم يبرح سعيد بن المسيب فى المسجد، و كان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))».

و عن أم الدزكاء قالت: لما رحل عمر بن الخطاب (رضى اللّه عنه) من فتح بيت المقدس، فصار إلى الحاسة، فسأله بلال أن يقره بالشام، ففعل ذلك، فقال: و أخى؛ أبو روبحه- يعنى: عبد اللّه بن عبد الرحمن الخثعمى- الذى آخى بينى و بين رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فنزل دارتا فى خولان، فأقبل هو و أخوه إلى قوم من خولان، فقال لهم: إنا قد أتيناكم خاطبين، و قد كنا كافرين، فهدانا اللّه تعالى، و مملوكين فأعتقنا اللّه تعالى، و فقيرين فأغنانا اللّه تعالى، فإن تزوجونا فالحمد للّه تعالى، و إن تردونا فلا حول و لا قوة إلا باللّه، فزوجوهما، ثم إن بلالا رأى فى منامه النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و هو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورنى!

فانتبه بلال حزينا وجلا خائفا، فركب راحلته، و قصد المدينة، فأتى قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فجعل يبكى عنده و يمرغ وجه عليه، فأقبل الحسن و الحسين، فجعل يضمهما و يقبلهما، فقالا له: يا بلال، نشتهى نسمع آذانك؛ الذى كنت تؤذن لرسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى المسجد، ففعل، فعلى سطح المسجد، فوقف موقفه الذى كان يقف فيه، فلما قال: اللّه أكبر، اللّه أكبر، ارتجت المدينة، فلما قال: أشهد أن لا إله إلا اللّه ازدادت رجتها، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه خرجت العواتق من خدورهن، و قالوا: بعث رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم))، فما رؤى يوم أكثر باكيا، و لا باكية بالمدينة بعد رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) من ذلك، ذكره ابن عساكر فى ترجمة بلال.

254

و ليس الاعتماد فى الاستدلال بهذا الحديث على رؤيا المنام فقط، بل على فعل بلال، و هو صحابى، لا سيما فى خلافة عمر (رضى اللّه عنه) و الصحابة متوافرون، و لا تخفى عنهم هذه القصة، فسفر بلال فى زمن صدر الصحابة لم يكن إلا للزيارة، و السلام على النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و كذلك إبراد عمر بن عبد العزيز البريد من الشام، فى زمن صدر التابعين فلا يقل من لا علم له أن السفر لمجرد الزيارة ليس بسنة.

و أنشد بعضهم:

تمام الحج أن تقف المطايا* * * على ليلى و تقرئها السلاما

و فى «الواقعات»: الأحسن بالحاج أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نسكه بمكة أتى المدينة، لأن الحج فرض و الزيارة سنة، و لو كان الحج غير حجة الإسلام يبدأ بأيهما شاء، و لو بدأ بالمدينة فى الوجه الأول جاز، و إذا نوى زيارة قبر النبى ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فلينو مع ذلك زيارة مسجده، لأنه أحد المساجد الثلاثة.

*** كيفية زيارته ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) و زيارة ضجيعه (رضى اللّه عنه)

فإذا توجه إلى زيارة قبره الشريف ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) أكثر من الصلاة و التسليم على سيدنا محمد البشير النذير ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) فى طريقه، و ينبغى أن ينيخ بالبطحاء التى بذا الخليفة، و هى المعرس، و يصلي تأسيا بسيدنا رسول اللّه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)).

و كان ابن عمر (رضى اللّه عنا) شديد الحرص على ذلك، و يروى عن نافع؛ أنه انقطع عن ابن عمر حتى سبقه إلى المعرس، ثم جاء إليه، فقال له: ما جسدك عنى؟ فأخبره، فقال: إنى ظننت أنك أخذت الطريق الأخرى، و لو فعلت لأوجعتك ضربا، و ليزد فى الصلاة و السلام عليه ((صلّى اللّه عليه و سلّم)) إذا وقع بصره على معاهد المدينة و حرمها و نخيلها، و كلما قرب من المدينة و عمرانها زاد من الصلاة و التسليم، و سأل اللّه تعالى: أن ينفعه بزيارته فى الدنيا و الآخرة، و يستحى لعظيم عرصاتها، و يتخيل منازلها و رحباتها، فإنها المواطن التى عمرت بالوحى و التنزيل، و كثر فيها تردد أبى الفتوح جبريل،