خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
53

شجرة مما قرب دينارا، و على كل مائتي شجرة مما بعد دينارا، و كان غاية البعد عنده مسيرة اليوم أو اليومين و أكثر من ذلك، و ما دون اليوم فهو في القرب، و حمّلت الشام على مثل ذلك. و قد ذكر عن بعض أهل المدينة و أهل الشام أنه تخرج زكاة الخضر من أثمانها على حساب مائتي درهم خمسة دراهم. أما المكوس على البضائع فكانت تختلف باختلاف الأعصار و كانت قليلة في العهد الأول. كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن خذ من تجار المسلمين من كل مائتين خمسة دراهم، و ما زاد على المائتين فمن كل أربعين درهما درهم، و من تجار أهل الخراج نصف العشر و من تجار المشركين ممن لا يؤدي الخراج العشر أي من أهل الحرب.

أول من وضع العشور عمر لقوله عليه الصلاة و السلام: ليس على المسلمين عشر و إنما العشور على اليهود و النصارى و قال: يا معشر العرب احمدوا اللّه الذي وضع عنكم العشور. و لا تؤخذ الصدقات إلا مرة في السنة إلا أن يجد الإمام فضلا. و كانوا يسمون ما يجمعون من الغنائم الأقباض و يقسمونها بين الفاتحين. و أمر عمر عثمان بن حنيف لما أرسله لمسح السواد أن لا يمسح تلا و لا أجمة و لا مستنقع ماء و لا ما لا يبلغه الماء. و لما فرض على الرقاب و جعل على من لا يجد أي الفقير اثني عشر درهما في السنة قال: درهم في الشهر لا يعوز رجلا. و كان يأخذ الجزية من أهل كل صناعة من صناعتهم بقيمة ما يجب عليهم و كذلك فعل علي.

ذكروا في الفي‏ء و الخراج أن من صولحوا إذا عجزوا يخفف عنهم، و إن احتملوا أكثر من ذلك فلا يزاد عليهم، و إن تظالموا فيما بينهم حملهم إمام المسلمين على العدل، و وضع ذلك الصلح عليهم جميعا بقدر ما يطيقون في أموالهم و أراضيهم، و لا يطرح عنهم شي‏ء لموت من مات و لا لإسلام من أسلم منهم، و يؤخذ بذلك كل من بقي منهم ما كانوا يطيقونه و يحتملونه.

كتب عمر إلى سعد حين افتتح العراق: أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم و ما أفاء اللّه عليهم، فإذا أتاك كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس به إلى العسكر من كراع أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين، و اترك الأرضين و الأنهار لعمالها ليكون ذلك في‏

54

أعطيات المسلمين، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم يكن لمن بقي بعدهم شي‏ء، و قد كنت أمرتك أن تدعو الناس إلى الإسلام فمن أسلم و استجاب لك قبل القتال فهو رجل من المسلمين له ما لهم و له سهم في الإسلام، و من استجاب لك بعد القتال و بعد الهزيمة فهو رجل من المسلمين و ماله لأهل الإسلام لأنهم قد أحرزوه قبل الإسلام اه.

و لما طعن عمر قال: أوصي الخليفة من بعدي بأهل الأمصار خبرا، فإنهم جباة المال، و غيظ العدو، و ردء المسلمين، و أن يقسم بينهم فيئهم بالعدل، و أن لا يحمّل من عندهم فضل إلا بطيب أنفسهم، و أوصى الخليفة من بعده بأهل الذمة و أن يوفي لهم بعهدهم و أن يقاتل من ورائهم و أن لا يكلفوا فوق طاقتهم. و كان كثيرا ما يصادر عماله و يجعل أموالهم في بيت المال. و لما ولى سعيد بن عامر بن حذيم حمص و ما يليها أمره بوضع الخراج و الرفق بالرعية

و قد ارتفع خراج الشام على عهد عمر بن الخطاب خمسمائة ألف دينار.

فلما أفضى الأمر إلى معاوية قطع الوظائف على أهل المدن فوظف على أهل قنسرين أربعمائة و خمسين ألف دينار على الجماجم من ذلك الثلثان. و على أهل دمشق أربعمائة و خمسين ألف دينار على الجماجم من ذلك الثلثان.

و على الأردن مائة و ثمانين ألف دينار على الجماجم من ذلك الثلثان، و على فلسطين مثل ذلك. ثم جعل بعد ذلك يصطفي الأرض الجيدة و يدفعها إلى الرجل بخراجها و علوجها و الخراج على أصله لا ينقص منه شي‏ء.

عهد الأمويين:

و الإقطاع إقطاعان: إقطاع تمليك و هو موات و عامر و معادن، و إقطاع استغلال و هو عشر و خراج. و اللقاح البلد الذي لا يؤدي إلى الملوك الأربان و الأربان هو الخراج و هو الإتاوة. قال مكحول: كل عشري بالشام فهو مما جلا عنه أهله فأقطعه المسلمون فأحيوه و كان مواتا لا حق فيه لأحد فأحيوه بإذن الولاة. و أول من أقطع الأرضين و باعها عثمان و لم يقطعها أبو بكر و لا عمر و لا علي.

55

و كانت الجباية تقل عندما ينكسر الخراج فلا يحمل شي‏ء كثير منه لقحط أو زلزال أو وباء. و كان عمال معاوية يحملون إليه هدايا النيروز و المهرجان فيحمل إليه في النيروز و غيره و في المهرجان عشرة آلاف ألف. و هدايا النيروز و المهرجان مما رده عمر بن عبد العزيز كما رد السخرة و العطاء و ورّث العيالات على ما جرت به السنة. غير أنه أقر القطائع التي أقطعها أهل بيته، و العطاء في الشرف لم ينقصه و لم يزد فيه، و زاد أهل الشام في أعطياتهم عشرة دنانير ثم رأى أن ينكثها و سماها مظالم. و كتب إلى عماله عامة: «أما بعد فإن الناس قد أصابهم بلاء و شدة و جور في أحكام اللّه و سنن سيئة سنتها عليهم عمال السوء قلما قصدوا قصد الحق و الرفق و الإحسان».

و بقي العطاء (الرواتب) على حاله حتى نقص يزيد بن الوليد الناس من عطائهم فسمي يزيد الناقص.

و بينما كان عمر بن عبد العزيز يقول لأسامة بن زيد التنوخي و كان على ديوان الجند بدمشق لما بعثه سليمان بن عبد الملك على مصر يتولى خراجها: و يحك يا أسامة إنك تأتي قوما قد ألحّ عليهم البلاء منذ دهر طويل فإن قدرت أن تنعشهم فأنعشهم. كان سليمان يقول لعامله أسامة: احلب حتى ينفيك الدم. فإذا نفاك فاحلب حتى ينفيك القيح، لا تبقها لأحد بعدي. فعمل أسامة في مصر أعمالا جائرة حتى استخرج من أهلها اثني عشر ألف ألف دينار.

و لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة جعل لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل بيته من المظالم إلّا ردها مظلمة مظلمة. خطب على المنبر ذات يوم فقال: أما بعد فان هؤلاء يعني خلفاء بني أمية قد كانوا أعطونا عطايا ما كان ينبغي لنا أن نأخذها منهم و ما كان ينبغي لهم أن يعطونا إياها، و إني قد رأيت الآن أنه ليس عليّ في ذلك دون اللّه حسيب، و قد بدأت بنفسي و الأقربين من أهل بيتي. اقرأ يا مزاحم، فجعل مزاحم يقرأ كتابا كتابا فيه الإقطاعات بالضياع و النواحي ثم يأخذه عمر بيده فيقصه بالجلم أي المقراض.

و لقد اجتمع إليه بنو أمية لما عزم عمر بن عبد العزيز على أخذ ما في‏

56

أيديهم من حقوق الناس ورده على أهله و كلموه فقال: إنكم أعطيتم في هذه الدنيا حظا فلا تنسوا حظكم من اللّه، و إني لأحسب شطر أموال بني الدنيا و أمة محمد في أيديكم ظلما، و اللّه لا تركت في يد أحد منكم حقا لمسلم و لا معاهد إلا رددته. و قال لبني مروان: أدوا ما في أيديكم من- حقوق الناس و لا تلجئوني إلى ما أكره فأحملكم على ما تكرهون فلم يجبه أحد منهم. فقال: أجيبوني فقال رجل منهم: و اللّه لا نخرج من أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا فنفقر أبناءنا، و نكفر آباءنا، حتى نزايل رؤوسنا فقال عمر: أما و اللّه لو لا أن تستعينوا عليّ بمن اطلب الحق لهم لأضرعت خدودكم عاجلا، و لكنني أخاف الفتنة، و لئن أبقاني اللّه لأردن إلى كل ذي حق حقه إن شاء اللّه. و كان عمر إذا نظر إلى بعض بني أمية فيما روي قال: إني أرى رقابا سترد إلى أربابها.

وضع عمر بن عبد العزيز المكس عن كل أرض، و وضع الجزية عن كل مسلم، و أباح الأحماء كلها إلا النقيع. و فرض للناس إلا للتاجر لأن التاجر مشغول بتجارته عما يصلح المسلمين و سوّى بين الناس في طعام الجار. و كان أكثر ما يكون طعام الجار أربعة أرادب و نصف لكل إنسان.

و كتب إلى أحد عماله أن استبرئ الدواوين فانظر إلى كل جور جاره من قبلي من حق مسلم أو معاهد فردها عليه، فإن كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا فادفعه إلى ورثتهم. و ما زال يرد المظالم من لدن معاوية إلى أن استخلف و قد أخرج من أيدي ورثة معاوية و يزيد بن معاوية حقوقا.

و كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة و من قبله من المسلمين و المؤمنين: أما بعد فانظر أهل الذمة فارفق بهم و إذا كبر الرجل منهم و ليس له مال فأنفق عليه فإن كان له حميم فمر حميمه ينفق عليه، و قاصه من خراجه كما لو كان لك عبد فكبرت سنه لم يكن لك بدّ من أن تنفق عليه حتى يموت أو يعتق. و كتب إليه: ضع عن الناس المائدة و النوبة و المكس، و لعمري ما هو المكس و لكنه البخس الذي قال فيه اللّه‏ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ*. فمن أدى زكاة ماله فاقبل منه و من لم يؤد فاللّه حسيبه. و حرم عمر بن عبد العزيز الكلأ في كل أرض.

57

و لم يزل رأيه و الذي يشير به على من ولي هذا الأمر من أهل بيته توفير هذا الخمس على أهله فكانوا لا يفعلون ذلك، فلما ولي الخلافة نظر فيه فوضعه مواضعه الخمسة، و آثر به أهل الحاجة من الأخماس حيث كانوا، فإن كانت الحاجة سواء وسع في ذلك بقدر ما يبلغ الخمس، و إنه ربما أعطى المال من يستألف على الإسلام و إنه أعطى بطريقا ألف دينار استألفه على الإسلام. و أمر أن لا يؤخذ من المعادن الخمس، و تؤخذ منها الصدقة، و أنكر التسخير في سلطانه، و ضرب أحدهم أربعين سوطا لأنه سخر دواب النبط. و مما كتبه إلى أحد عماله: أما بعد فخل بين أهل الأرض و بين مبيع ما في أيديهم من أرض الخراج، فإنهم إنما يبيعون في‏ء المسلمين و الجزية الراتبة. و كتب بإباحة الجزائر و قال: إنما هو شي‏ء أنبته اللّه فليس أحد أحق به من أحد.

دخل عامل لعمر بن عبد العزيز عليه فقال: كم جمعت من الصدقة فقال: كذا و كذا قال: فكم جمع الذي كان قبلك قال كذا و كذا فسمى شيئا كثيرا من ذلك فقال عمر: من أين ذاك قال: يا أمير المؤمنين إنه كان يؤخذ من الفرس دينار و من الخادم دينار و من الفدان خمسة دراهم و إنك طرحت ذلك كله قال: لا و اللّه ما ألقيته و لكن اللّه ألقاه. و كتب:

إني ظننت أن جعل العمال على الجسور و المعابر أن يأخذوا الصدقة على وجهها فتعدى عمال السوء ما أمروا به. و قد رأيت ان أجعل في كل مدينة رجلا يأخذ الزكاة من أهلها فخلوا سبيل الناس في الجسور و المعابر. و كتب إلى عامله أن لا تقاتلن حصنا من حصون الروم و لا جماعة من جماعاتهم حتى تدعوهم إلى الإسلام، فإن قبلوا فاكفف عنهم، و إن أبوا فالجزية فإن أبوا فانبذ إليهم على سواء.

و في عهد عمر بن عبد العزيز و قد أصبحت عادة للخلفاء «إذا جاءتهم جبايات الأمصار و الآفاق يأتيهم مع كل جباية عشرة رجال من وجوه الناس و أجنادها فلا يدخل بيت المال من الجباية دينار و لا درهم حتى يحلف الوفد باللّه الذي لا إله إلا هو ما فيها دينار و لا درهم إلا أخذ بحقه، و أنه فضل أعطيات أهل البلد من المقاتلة و الذرية، بعد أن أخذ كل ذي حق حقه»

58

أي فضل أعطيات الأجناد و فرائض الناس. أما من جاءوا من قبل و من بعد من بني أمية فكانوا أشكالا و مشارب منهم الجمّاعة و منهم المبدد. فقد كان في بيت مال الوليد يوم قتل سنة (126 ه) سبعة و سبعون ألف ألف دينار ففرقها يزيد عن آخرها. و ذكر المؤرخون أن الوليد بن عبد الملك بن مروان أقطع جند أنطاكية أرض سلوقية عند الساحل و صير إليهم الفلثر بدينار و مدّي قمح فعمّروها و أجرى ذلك لهم و بنى حصن سلوقية. و الفلثر مقدار من الأرض معلوم كما يقول غيرهم الفدّان و الجريب.

عهد العباسيين و مساحة الشام:

و عدّل أبو جعفر المنصور أرض الغوطة غوطة دمشق فجعل كل ثلاثين مدا بدينار بالقاسمي و كان أداء الناس على ذلك. و كان الخلفاء من بني العباس يعمدون إلى إبطال الرسوم عندما يتجلى لهم ضررها و لا يقطعون أمرا بدون أخذ آراء جلة الفقهاء في عصرهم. فقد أمر المعتضد سنة (283) بالكتابة إلى جميع البلدان أن يرد الفاضل من سهام المواريث إلى ذوي الأرحام و أبطل ديوان المواريث. و خلف المعتضد هذا في بيوت الأموال تسعة آلاف ألف دينار و من الورق ألف ألف درهم. و قد كنت ترى في أيام العباسيين عدلا شاملا لا مثيل له حينا و تجد ظلما شائنا في دور آخر، فعهد الرشيد و المأمون و المهدي و الظاهر كان عجبا في العدل و انتظام الجباية. فقد كتب المأمون سنة (218) إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ عامله على جند دمشق في التقدم إلى عماله في حسن السيرة و تخفيف المؤونة و كف الأذى عن أهل عمله قائلا: فتقدم إلى عمالك في ذلك أشد التقدمة، و اكتب إلى عمال الخراج مثل ذلك. و كتب إلى جميع عماله في أجناد الشام جند حمص و الأردن و فلسطين بمثل هذا.

و المهدي افتتح أمره بالنظر في المظالم و بسط يده في العطاء فأذهب جميع ما خلفه المنصور و هو ستمائة ألف ألف درهم و أربعة عشر ألف ألف دينار سوى ما جباه في أيامه. و المأمون أقام سنة بدمشق (214) لمساحة أرض الشام و اجتلب لتعديله مساح العراق و الأهواز و الري و كان جده أبو جعفر

59

المنصور تشبث بذلك فلم يتم له فبعث بقية بن الوليد ليمسح أراض دمشق كما كان بعث إسماعيل بن عياش إلى دمشق فعدل أرضها الخراجية و عدّل أحمد بن محمد أرض دمشق و الأردن و كان على ديوان الخراج سنة (240) و حمل كل أرض ما تستحقه. و قال المسعودي: احتال كتاب الدواوين على المتوكل لخوفهم منه و قالوا: إن البلد يحتاج أن يعدل و لا يقوم بالتعديل إلا من ولي ديوان الخراج فتوجه سنة (240) يعدل دمشق و الأردن.

قال الرشيد للحسن بن عمران يوم أدخل عليه في الحديد: وليتك دمشق و هي جنة تحيط بها غدر، تتكفأ أمواجها على رياض كالزرابي، واردة منها كفايات المؤن إلى بيوت أموالي، فما برح بك التعدي لإرفاقهم فيما أمرتك حتى جعلتها أجرد من الصخر و أوحش من القفر. قال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفير من جهته، و لكن و ليت أقواما ثقل على أعناقهم الحق فتفرقوا في ميدان التعدي، و رأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار الملك و أنوه بالشنعة على الولاة، فلا جرم أن أمير المؤمنين قد أخذ لهم بالحظ الأوفر من مساءتي اه. و في أيام الرشيد رفضت ضياع في فلسطين و تركها أهلها فوجه الرشيد هرثمة بن أعين لعمارتها فدعا قوما من مزارعيها و أكرتها إلى الرجوع إليها على أن يخفف عنهم من خراجهم و تلين معاملتهم فرجعوا فأولئك أصحاب التخافيف، و جاء قوم منهم بعد فردّت عليهم أرضوهم على مثل ما كانوا عليه، فهم أصحاب الردود.

و المهدي أول من نقل الخراج إلى المقاسمة و كان السلطان يأخذ عن الغلات خراجا مقررا و لا يقاسم و جعل الخراج على النخل و الشجر. و أعاد الظاهر من الأموال المغصوبة في أيام أبيه شيئا كثيرا و أطلق المكوس في البلاد جميعها و أمر باعادة الخراج القديم و أن يسقط جميع ما جدده أبوه، و كان كثيرا لا يحصى، و في أيام أبيه خربت العراق و تفرق أهله.

خربت العراق و ما إليها من الأمصار و الأقطار للشدة في تقاضي الجباية و التفنن في الضرائب و عدم إطرادها على وتيرة واحدة.

و كثيرا ما كان الناس يعذّبون في الخراج، و قد وقع ذلك في أوائل‏

60

دولة الأمويين بالشام، فأخذ جباة الجزية يعذبون بعض أهل الذمة، و يجعلونهم في الشمس ساعات عقوبة لهم، فنهى عن ذلك الفقهاء و بطل تعذيب المكلفين من ذاك اليوم. و نص الفقهاء أنه لا يؤخذ شي‏ء من نصراني اتجر في بلاده من أعلاها إلى أسفلها و لم يخرج منها، و إذا خرج من بلاده إلى غيرها من بلاد المسلمين تاجرا لم يؤخذ منه مما حمل قليل و لا كثير حتى يبيع. و قال مالك في النصراني يكري إبله من الشام إلى المدينة: أيؤخذ منه في كرائهم العشر بالمدينة قال: لا. فإن أكرى من المدينة إلى الشام راجعا يؤخذ منه.

و يؤخذ من أهل الحرب ما صالحوا عليه في سلعهم و يؤخذ من عبيدهم كما يؤخذ من ساداتهم. ذكروا أن عمر بن الخطاب قال لأهل الذمة الذين كانوا يتحرون إلى المدينة: إن اتجرتم في بلادكم فليس عليكم في أموالكم زكاة و ليس عليكم إلا جزيتكم التي فرضنا عليكم، و إن خرجتم و ضربتم في البلاد و أدررتم أموالكم أخذنا منكم و فرضنا عليكم كما فرضنا جزيتكم، فكان يأخذ منهم من كل عشرين نصف العشر كلما قدموا من مرة و لا يكتب لهم براءة مما أخذ منهم كما تكتب للمسلمين إلى الحول فيأخذ منهم كلما جاءوا، و إن جاءوا في السنة مائة مرة و لا يكتب لهم براءة بما أخذ منهم.

و فعل معاوية بالشام و الجزيرة و اليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع و تصييرها لنفسه خالصة و أقطعها أهل بيته و خاصته و هو أول من كانت له الصوافي في جميع البلاد. قال البلاذري: و كانت وظيفة الأردن التي أقطعها معاوية مائة ألف و ثمانين ألف دينار، و وظيفة فلسطين ثلاثمائة ألف و خمسين ألف دينار، و وظيفة دمشق أربعمائة ألف دينار، و وظيفة حمص مع قنسرين و الكور التي كانت تدعى بالعواصم ثمانمائة ألف دينار و يقال سبعمائة ألف دينار. و كان ارتفاع الشام سنة (204 ه) و هي أول سنة وجد حسابها بالدواوين بالحضرة ثلاثمائة ألف و ستين ألف دينار، و ارتفاع قنسرين و العواصم و ارتفاع جند حمص مائتي ألف و ثمانية عشر ألف دينار و ارتفاع جند دمشق مائة ألف و عشرة آلاف دينار، و ارتفاع جند الأردن مائة ألف و تسعة آلاف دينار، و ارتفاع جند فلسطين مائتي ألف و تسعة و خمسين ألف دينار.

61

قال اليعقوبي: إن خراج دمشق سوى الضياع يبلغ ثلاثمائة ألف دينار، و خراج جند الأردن يبلغ سوى الضياع مائة ألف دينار، و يبلغ خراج جند فلسطين مع ما صار في الضياع ثلاثمائة ألف دينار، و خراج خمص سوى الضياع أيضا مائتي ألف و عشرين ألف دينار. و كان خراج الأردن زمن عبد الملك بن مروان مائة و ثمانين ألف دينار، و كان خراج قنسرين على عهد المأمون أربعمائة ألف دينار، و من الزيت ألف حمل، و خراج دمشق أربعمائة ألف دينار و عشرين ألف دينار، و خراج الأردن سبعة و تسعين ألف دينار، و خراج فلسطين ثلاثمائة ألف دينار و عشرة آلاف دينار، و من الزيت ثلاثمائة ألف رطل.

قال المقدسي: كانت الضرائب ثقيلة على قنسرين و العواصم زمن سيف الدولة بن حمدان فكان خراج هذا الإقليم ثلاثمائة ألف و ستين ألف دينار، و على الأردن مائة ألف و سبعون ألف دينار، و على فلسطين مائة ألف و تسعة و خمسون ألف دينار، و على دمشق أربعمائة ألف و نيف. و أنت ترى أن الجباية في الشام كانت تختلف باختلاف العصور و الأدوار و التقلبات الجوية. و من الأراضي الخراجية و العشرية التي تدفع العشر لأنها مما فتحه المسلمون عنوة قال أبو يوسف: كل أرض اقتطعها الإمام مما فتحت عنوة ففيها الخراج، إلا أن يصيرها الإمام عشرية، و الشام في ذلك كمصر و العراق، و لأنها كلها فتحت عنوة.

قال الغزالي: إن الأموال المنصبة إلى الخزائن المعمورة أربعة أصناف:

الصنف الأول ارتفاع المستغلات و هي مأخوذة من أموال موروثة له. و الصنف الثاني أموال الجزية. و الصنف الثالث أموال التركات. و الصنف الرابع أموال الخراج. فهذه هي الأموال المأخوذة و أخذها جائز و يبقى النظر في مصارفها و هي مع اختلاف جهاتها تحويها أربع جهات و فيها تنحصر مصالح الإسلام و المسلمين. الجهة الأولى المرتزقة من جند الإسلام. الجهة الثانية علماء الدين و فقهاء المسلمين القائمون بعلوم الشريعة فإنهم حراس الدين بالدليل و البرهان، كما أن الجنود حراسه بالسيف و السنان. و الجهة الثالثة محاويج الخلق الذين قصرت بهم ضرورة الحال و طوارق الزمان عن اكتساب قدر

62

الكفاية. الجهة الرابعة المصالح العامة من عمارة الرباطات و القناطر و المساجد و المدارس. و هذا وجه الدخل و الخرج.

و كانت عادة الخلفاء من بني أمية و بني العباس و الفاطميين من لدن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تجبى أموال الخراج ثم تفرق من الديوان في الأمراء و العمال و الأجناد على قدر رتبهم و بحسب مقاديرهم، و كان يقال لذلك في صدر الإسلام العطاء، و ما زال الأمر على ذلك إلى أن كانت دولة العجم، فغير هذا الرسم، و فرقت الأرضون إقطاعات على الجند، و أول من عرف أنه فرق الإقطاعات على الجند نظام الملك وزير السلجوقيين، و ذلك أن مملكته اتسعت فرأى أن يسلم إلى كل مقطع قرية أو أكثر أو أقل على قدر إقطاعه، فعمرت البلاد و كثرت الغلات، و اقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك من أعوام بضع و ثمانين و أربعمائة إلى أوائل القرن التاسع- قاله المقريزي.

و ما عدا الأرض التي كان الملوك يوغرونها أي التي يدفع عنها أربابها قدرا من المال مرة واحدة فتعفى من الخراج، و ما خلا الإقطاعات التي يستأثر بها أصحابها من أرباب الدولة و لا يؤدون عنها خراجا و عدا ضياع كثيرة تعفى من الضرائب و عدا الصوافي، واحدها صافية، و هو ما يستخلصه السلطان لخاصته أو هي الأملاك و الأرضون التي جلا عنها أهلها أو ماتوا و لا وارث لها- ما عدا هذا كان هناك نوع من الأرضين يسمى إلجاء أي يلجأ صاحب الأرض إلى بعض الكبراء فيسجل ضيعته باسمه، تعززا به من عمال الخراج حتى لا يجوروا عليه، فتصبح الضيعة مع الزمن ملكا لذاك الكبير.

و كان العادلون من الملوك يعاقبون الملجئين و الملجأ إليهم، و لكن الناس يلجئون أملاكهم عند أرباب الصولة. و كم من مرة خربت الشام أو صقع كبير من أصقاعها بظلم ظالم من عمالها. ذكروا أن الخليفة الحاكم أعفى ولاية حلب من الخراج سنة (407) لأنها كانت ضعفت بالفتن المتواصلة، و أن ألب أرسلان لما ولي إمرة حلب رفع عن أهلها الكلف التي كانت مجددة عليهم و أن ابن ارتق (514) رفع المكوس عن أهل حلب و المؤن و الكلف و أبطل ما جدده الظلمة من الجور و الرسوم المكروهة.

63

تحري العدل في الدولتين النورية و الصلاحية:

و الغالب أن المكوس و الضرائب كثرت أواخر حكم العباسيين و العبيديين في الشام. و بقيت رسوم كثيرة أبطلها نور الدين، و أبطل أبق الصوفي الأقساط في دمشق و ما كان يؤخذ في الكور من الباعة جملة. قال ابن أبي طي:

إن الذي أسقطه السلطان صلاح الدين و الذي سامح به لعدة سنين آخرها سنة أربع و ستين و خمسمائة مبلغه عن نيف ألف ألف دينار و ألفي ألف اردب، سامح بذلك و أبطله من الدواوين و أسقطه من المعاملين، و كذلك فعل أخوه أبو بكر بن أيوب فإنه أبطل كثيرا من المظالم و المكوس و طهر بلاده من الفواحش و الخمور و القمار، و كان الحاصل من ذلك بدمشق خصوصا مائة ألف دينار، و لما دخل صلاح الدين دمشق سنة (570) أزال المكوس و اقتصر في جميع الأقاليم على الرسوم التي يبيحها الشرع و هي الخراج و الأجور و الزرع، و كذلك كانت من قبل سيرة نور الدين محمود بن زنكي فإنه منع ما كان يؤخذ من دمشق من المغارم بدار البطيخ و سوق الغنم و الكيالة و غيرها.

و مع كثرة احتياج الدولة للمال زمن نور الدين و صلاح الدين كانت الجباية إلى الرفق في الجملة، فأطلق نور الدين المكوس و الضرائب و اكتفى بالخراج و الجزية. و أسقط صلاح الدين فريضة الأتبان المقسطة على أعمال دمشق و ضياع الغوطة و المرج و جبل سنير و قصر حجاج و الشاغور و العقيبة و مزارعها، و لما فتح حلب أطلق المكوس و الضرائب و سامح بأموال عظيمة و منها ما هو على الأثواب المجلوبة، و منها ما هو على الدواب المركوبة، و منها ما هو في المعايش المطلوبة» و مما كتب عنه من منشور «إن أشقى الأمراء من سمن كيسه و أهزل الخلق، و أبعدهم من الحق من أخذ الباطل من الناس و سماه الحق».

قال ابن أبي طي: حدثني كريم الدولة بن شرارة النصراني و كان مستوفي دار حلب يومئذ أنه عمل ارتفاع سنة تسع و ستمائة في الأيام الظاهرية، دون البلاد الخارجية عنها و الضياع و الأعمال، فبلغ ستة آلاف و تسعمائة ألف و أربعة و ثمانين ألفا و خمسمائة درهم قال: و مما أحطت به علما في‏

64

أيام الملك الناصر أن ارتفاعها على القاعدة في الارتفاع في آخر دولته ستة و أربعين صنفا و سطر المجموع ب 000، 305، 7 درهم، و كان مسافة ما بيد مالك حلب في أيامه و هو الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي من المشرق إلى المغرب مسيرة خسة أيام و من الجنوب إلى الشمال مثل ذلك و فيها ثمانمائة و نيف و عشرون قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيها إلا مقاطعات يسيرة و نحو مائتي قرية و نيف مشتركة بين الرعية و السلطان. و هو جملة أخرى كثيرة ثم يرتفع بعد ذلك كله من فضلات الإقطاعات الخاصة بالسلطان من سائر الجبايات إلى قلعتها عنبا و حبوبا ما يقارب في كل يوم عشرة آلاف درهم، و قد ارتفع في سنة (625) من جهة واحدة و هي دار الزكاة التي تجبى فيها العشور من الفرنج و الزكاة من المسلمين و حق البيع سبعمائة ألف درهم.

الضرائب زمن الأتراك و الشراكسة:

لما قبض الأتراك و الشراكسة على زمام الأحكام في الشام في القرن السابع و الثامن و التاسع كانت المكوس كثيرة جدا و زادوها هم و تفننوا في ضروبها حتى صعب إحصاؤها و حفظها، و منهم من أبطلوها و أحسنوا لأنفسهم و لرعاياهم و أبطل الملك الظاهر بييرس سنة (665) ضمان الحشيشة و أمر بإحراقها. و قد أبطل الظاهر برقوق في جملة ما أبطل من المظالم و المكوس في الشام ضمان المغاني أي المغنين و المغنيات في الكرك و الشوبك. و ضمان المغاني كان معروفا في مصر فأبطل سنة (778) زمن الأشرف قلاوون أبطله من جميع أعمال مملكته و كان عبارة عن مال كثير مقرر على المغاني من رجال و نساء يؤدونه كل سنة إلى الخزانة. و أبطل الناصر قلاوون ضمان المغاني أيضا و هو عبارة عن أخذ مال من النساء البغايا، و كان يتحصل من ذلك جملة كثيرة من المال.

و كانت مراسيم المماليك تصدر الحين بعد الآخر بإبطال بعض الرسوم و الضرائب، و لكن مع هذا تجد من الأمراء من كانوا يصادرون على ملايين من الدنانير، دع سائر أسباب الثروة من ناطق و صامت. و قد كان الملك المؤيد شيخ كثير المصادرات للرعية، و هو الذي قطع دابر النواب العصاة الذين أخربوا غالب الديار الشامية، و أحدث في أيامه أشياء كثيرة من أبواب‏

65

المظالم لما كان يخرج إلى التجاريد. و الخروج إلى التجاريد أو الحملات كان من جملة الأسباب التي تتهيأ لملوك الشراكسة ليسلبوا الناس أموالهم و لا تكلف التجريدة أقل من نصف مليون دينار. فاذا جرد السلطان في حياته عشرين تجريدة كان المصروف من ذلك في هذه السبيل عشرة ملايين تصل إلى خزانة السلطان حتى يجبى مثلها من الرعايا المساكين.

و في سنة سبعمائة استخرجت الحكومة مالا عظيما من جليع الأملاك و الأوقاف بدمشق و ظاهرها و أخذوا من الغوطة من كل قرية تكثر أموالها ثلث ضمانها و أخذوا من القرى التي لزراعة القمح و الشعير و القطن و الحبوب على نسبة مغل سنة ثمان و تسعين و ستمائة، فعظم ذلك على الناس و هرب خلق كثير و استخفى جماعة، و الذين وقعوا بأيديهم قطعوا أشجار الباقين و أباعوها حطبا بحيث أباعوا القنطار الدمشقي بثلاثة دراهم. فكان خراب الغوطة بهذا السبب، و من شدة الطلب و كثرة الظلم و الجور.

في سنة 702 سامح الناصر قلاوون بالبواقي في ذمم الجند و الرعايا بالشام و صدر بذلك منشور بخط العلامة كمال الدين محمد الزملكاني من انشائه و قري‏ء على المنبر بالجامع الأموي و جملة ذلك من الدراهم ألف ألف و سبعمائة ألف و سبعة و أربعون ألفا و مائة و خمسون درهما و من الغلال المنوعة تسعة آلاف و أربعمائة و اثنتان و أربعون غرارة و من الحبوب مائتان و ثمان و عشرون غرارة و من الغنم خمسمائة رأس و من الفولاذ ستمائة و ثمانية أرطال و من الزيت ألفان و ثلاثمائة رطل و من حب الرمان ألف و ستمائة رطل. و في سنة 717 سومح بمكوس على جهات مستحقة من المحاكم الطرابلسية و ابطال المنكرات و منها بيع الخمور جهارا.

و في سنة 714 أمر الملك المؤيد صاحب حماة جميع نوابه أن لا يقبل أحد حماية لأحد، بل الكل متساوون في الحقوق و دفع ما عليهم، و ذلك لأن الاسماعيليين كانوا في مصياف لا يدفعون لسلفه أموالا بدعوى الحماية فأخذت الأموال من الجميع. و في سنة 724 برزت المراسيم الشريفة إلى نائب حلب بأن يروك البلاد الحلبية أي يمسحها و يعين عليها مالا كما فعل‏

66

في الأقاليم الشامية فراكوا جميع الديار الحلبية و الشامية و أبطل في هذه السنة مكوس الغلة، و كان مبلغا عظيما يؤخذ من ثمن الغرارة ثلاثة دراهم و نصف.

و من جملة ما أبطلوه في أدوار مختلفة من الرسوم، و هو ما نورده مثالا من حالة تلك الأيام، ما أبطله برقوق مما كان متقررا على البردارية في كل شهر من المال، و ما كان يأخذه السماسرة على الغلال و الكيالة، و ما كان مقررا لنائب طرابلس عندما يتولى على كل قاض من قضاة البر و الولاة بغلة أو ثمنها خمسمائة درهم. و أبطل المنصور قلاوون من جملة ما أبطل من المظالم وظيفة ناظر الزكاة، و هو أن يؤخذ ممن عنده مال زكاته، فإن مات الرجل صاحب المال أو عدم ماله يبقى ذلك القدر المقرر عليه في الدفاتر، يؤخذ من أولاده أو من ورثته أو من أقاربه و لو بقي منهم واحد.

و في سنة 765 صدر مرسوم عن نائب المملكة الطرابلسية إلى نائب حصن الأكراد بإبطال ما أحدث في الحصن من الخمارة و الفواحش و إلزام أهل الذمة بما أجرى عليه أحكامه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. و في سنة (796) أبطل نائب السلطنة بالقدس المكوس و المظالم و الرسوم التي أحدثها قبله النواب، و نقش بذلك رخامة ألصقت على باب الصخرة، و أبطل الأشرف صلاح الدين ما كان يؤخذ على كل حمل يدخل باب الجابية بدمشق من القمح خمسة دراهم من المكس، و أبطل المكوس و الضرائب عن سائر أصناف الغلة بجميع الشام.

و تجد إلى اليوم على السواري الأربع القائمة في مدخل جامع بني أمية بدمشق من الغرب أربع وثائق في إبطال المكوس كتبت كل وثيقة على سارية. تاريخ الأولى سنة (863) على عهد قايتباي الحمزاوي كافل الممالك الشامية أبطل بها الرسم المقرر على الأسواق و الطواحين و غيرها من المكوس بدمشق. و الثانية كتبت سنة (815) و هي مما أمر به الظاهر جقمق بإبطال المكوس على الأقمشة الحمصية و فرع الأردية و فرع القطن و غيرها. و الثالثة بتاريخ سنة (852) تقول بإنه ورد مرسوم الظاهر جقمق بإبطال بعض المكوس و منها التمر و العفص و السمك البوري و الحنا و القماش المصري و الرابعة فيها ذكر القلي و الخروع و القلقاس و جلود الجاموس و الماعز.

67

و كانت العادة أن تنقش على الرخام صورة الأمر الصادر من الملك في رفع مثل هذه المظالم، فقد نقش الظاهر ططر رخامة و ألصقها على باب الجامع الأموي بدمشق بإبطال ما كان لنائب الشام على المحتسب في كل سنة، و كذلك أبطل في القدس ما كان يجبى لنائب القدس في كل سنة من المال، و نقش ذلك على رخامة و ألصقها بباب الجامع الأقصى. و في سنة (746) كتب على باب قلعة حلب و غيرها من القلاع ما مضمونه: مسامحة الجند بما كان يؤخذ منهم لبيت المال بعد وفاة الجندي و ذلك أحد عشر يوما و بعض يوم في كل سنة، و هذه مسامحة بمال عظيم، و كتب بالمسامحة بمثل ذلك على حائط قلعة طرابلس، و هذا التفاوت أيام الدوران ما بين السنين الشمسية و القمرية.

و كثيرا ما كان يصدر الأمر في زمن الشراكسة بجمع الذهب إذا قلّ أو الفضة و تسليمها إلى الملك ليضرب بها سكة و نقودا، و كثر في أيامهم غش الفضة حتى كان سعر الدرهم ينزل كثيرا، و يصاب الناس في الشام و مصر بخسائر فادحة، و كثيرا ما كانوا يخسرون ثلث أموالهم لأن بعض ملوكهم كانوا يغشون الفضة و ينزلون عيار الذهب، فكانت المصيبة بالفضة و الذهب لعهدهم كالمصيبة بالأوراق النقدية لعهدنا، كل يوم في ارتفاع و انخفاض.

[غنى الشام و المكوس‏]

كانت أيام الشراكسة فريدة بثروة عمالها، و الغالب أن الواحد منهم كان يأخذ رزق ألوف و لكن الثروة كانت شيئا كثيرا في تلك الأيام محصورة في الأفراد.

و كانت المكوس على البضائع الصادرة و الواردة تؤخذ في الحدود بين الشام و الروم، و كثيرا ما كان الروم إذا قويت شوكتهم في الشام يقيمون في حلب رجلا منهم لأخذ مكس البضائع كما جرى في القرن الرابع. و كان للصليبيين في الحروب الصليبية على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، و تجار النصارى يؤدون في أرض المسلمين على سلعهم، و كانت تؤخذ ضرائب الصادرات و الواردات ببيروت، و هي جملة مستكثرة، و كان على باب الميناء دواوين و عامل و ناظر و مشارف و شادّ، يوليهم نائب دمشق و المتوفر

68

عن المرتبات يحمل إليها، و لم يذكر المؤرخون مقدار هذه الضرائب.

في سنة (824) أمر الناصر بإبطال مكس القمح ببلاد الشام كلها و كان يؤخذ على كل إردب ثلاثة دراهم و كان المتحصل عن ذلك في كل سنة ألف ألف و مائتي ألف درهم نقرة و أزيد. و نودي في المحرم سنة (837) بمرسوم السلطان بأن يبطل طرح السكر و أن ينقش ذلك في الجامع الأموي و القلعة و دار السعادة قال الأسدي: فنقش ذلك و على الظن الغالب أنهم لا يفون بذلك لما علم من عادة السلطان. و ترى إلى اليوم في جامع حلب الكبير عدة سوار في إلغاء الرسوم فالسارية الأولى كتب عليها إن الملك دمرداش أبطل سنة (811) مكس البيض من المملكة الحلبية. الثانية أبطل فيها الملك جقمق سنة (852) ما كان يؤخذ ظلما من الدلالين في سوق الحراج. الثالثة في سنة (846) بإبطال الظاهر جقمق مكس الكتان. الرابعة سنة (846) بإبطال ما كان يؤخذ من أهل سرمين. الخامسة بتاريخ سنة (857) بإبطال مكس الزيتون من قرى عزاز. السادسة سنة (864) بإبطال ما تجدد على المصبغة بقلعة القصير عن كل خابية عشرة دراهم، و أن لا يؤخذ سوى درهم واحد عن كل خابية. و غيرها بإبطال مكس السلاح في سوق السلاح، و منها ما كتب سنة (882) بإبطال مكس الملح الداخل مدينة حلب، و منها بإبطال ما على الدباغين بدير كوش من المكس، و منها ما صدر سنة (893) بإبطال ما كان يأخذ ناظر الحنة من سوق الحناوية، و منها ما صدر سنة (902) بإبطال ما كان يؤخذ من مكس القطن، و منها ما صدر سنة (902) بإبطال مكس المسك و الزعفران و منها بإبطال مكس السماق، و منها إبطال ما هو معين عن ختم القماش العراقي و الدمشقي و القدسي. و معظم هذه الأوامر مسطورة على الأعمدة مشفوعة بجملة ملعون بن ملعون من جددها أو أعادها إلى غير ذلك، و منها كان اللّه و رسوله خصمه يوم القيامة.

و الظاهر أن الرسوم في طرابلس لا يجبى مثلها في حمص، و ما كان في القدس لا عهد لحلب به، و ما في دمشق لا مثيل له في المدن الأخرى.

ففي مدخل جامع طرابلس أمر بإبطال المظالم المحدثات على أهل طرابلس من التحجير على قوت العباد من القمح و اللحم و الخبز و الفراخ و غير ذلك،

69

و ذلك في أيام أبي النصر شيخ سنة (817) و في مدخل هذا الجامع أمر من صاحب طرابلس بإبطال منع استيفاء رسم الدخان، و ما يستأديه من يكون متكلما في ديوان الحجوبية الكبرى و أستاددارية الديوان الشريف من سكر و خل و غير ذلك، و من طرح الصابون و الزيت و البلس (البوتاس) و من جميع ما يحدث من ديوان النيابة و الديوان الشريف و غيرها و من جميع الكلف و المخادم الجارية بها العادة قديما و الحادثة مستقبلا، و على حائط مدرسة الشمسية أمر كتب سنة (826) بإبطال الأشرف برسباي ما على البلاد الطرابلسية من الخيل بالبريد و رسم الأشرف بإبطال التحكير بالخانات و المكوس على الحطب و التبن و غيره و جهر بالنداء بذلك بدمشق بالجامع الأموي و نقش به رخامة. و أبطل المقر السيفي نائب السلطنة بحمص سنة (844) جميع ما أحدث في حمص من ظلامات الحرير و الصوف و البر و الخبز و الزيت و كتب على باب جامع سيدنا خالد بن الوليد وصية بذلك و فيها اسم السلطان جقمق.

و في سنة (846) سومح عوام القدموس بما على أنوال الحياكة و خراج الكروم مسامحة مستمرة على الدوام و نقش رخامة على حائط الجامع الكبير.

و في سنة (851) أبطل ما تجدد على عوام القدموس و الكهف و المينقة و العليقة و الخوابي من الثياب الخام و دورة الأستاددار. و في سنة (851) أبطل الظاهر المظالم من القدس و نقش بذلك بلاطة و ألصقت بحائط المسجد الغربي عند باب السلسلة و أبطل الظاهر خشقدم المظالم من القدس و نقش بذلك رخامتين و جهزهما إلى القدس و ألصقتا بحائط المسجد الأقصى (توفي سنة 872).

و في مدرسة طرابلس رسم بإبطال ما على النحيرة (المسلخ) بطرابلس من الموجب لديوان النيابة و قدره في كل يوم ثمانون درهما، و بإبطال معلوم كتابة السر أحد و عشرون درهما، و معلوم الحجوبية ثلاثة عشر درهما و في حائط تلك المدرسة أيضا كتابة بتاريخ (888) بإبطال المظالم و هي الطروحات التي كانت تطرح على التجار و المتسببين بمدينة طرابلس و ذلك عن الصابون و الكرم و الزيت و غير ذلك. و في سنة (888) أبطل مكس الدواليب و الحرير و القصابة بالكهف و القدموس و أبطل مكس نحيرة البقر و الجاموس و قطع الضأن و قرم الأساكفة بالقدموس و الخوابي و على ذلك الحائط كتب سنة

70

(909) بإبطال المظالم و الحوادث عن فلاحي الوقف و أن لا يكرّبوا فلاحي الوقف إلا الجزية الشرعية و المال المقرر و في سنة (821) أبطل ضمان المكس بسوق العطارين بطرابلس و كتب على حائط مدرسة الرفاعية سنة (870) أن لا يؤخذ من تجار حماة و غيرها من السمسرة و الترجمة إلا ما جرت به العادة القديمة و هي على الألف عشرة دراهم لا غير و أن لا يتناول الأجرة إلا من باشر العمل بنفسه من أبناء السبيل، و منع النصارى من الترجمة و السمسرة، و أن لا يؤخذ شي‏ء ممن باع سلعته بغير دلال. و ألغى الغوري المكس عن حاكة حمص.

تفنن الشراكسة في اقتضاء الأموال:

و بذلك رأينا أن إلغاء المظالم و المغارم كان على أشده في آخر أيام الشراكسة و كان من أسوإ ملوكهم شعبان، قال المؤرخون فيه: إنه كان متطلعا إلى جمع المال و فتح باب قبول البدل في الإقطاعات و الوظائف و جعل لذلك ديوانا قائما بالذات و كان يعين البدل في المناشير و هو مبلغ ثلاثمائة درهم فما فوقها.

و الخلاصة فإن الشراكسة تفننوا في طرح المكوس. و من غريبها في أيامهم مكس القرعان و ذلك أن شخصا من المماليك الشراكسة كشف رأسه في سنة (830) بين يدي السلطان فإذا هو أقرع فضحك منه السلطان فقال ذلك المملوك: اجعلني والي القرعان يا مولانا السلطان، فأجابه السلطان إلى ذلك و أخرج له مرسوم سلطاني له و أن يكون شيخ القرعان و خلع عليه خلعة فصار يدور في الأسواق و الحارات و يكشف رؤوس الناس، فمن وجده أقرع يأخذ منه دينارا حتى أعيان الناس فضج الناس منه و شكوه للسلطان فضحك و نادى بالأمان للقرعان و أن كل شي‏ء على حاله، و كسب ذلك الرجل في هذه الحركة مالا عظيما.

قال الأسدي: و يكشف في كل سنة مقدار الارتفاع و مقدار المصروف و مهما توفر بعد ذلك رفع علمه للمسامع الشريفة فيرفع منه ما يرفع محمولا للخزائن الشريفة بالديار المصرية، و يرفع منه ما يدخر في القلاع الحصينة لما يحتاج إليه عند حوادث الزمان. و كان يتحصل من كل مملكة من المال‏

71

(أي من ممالك الشام) ما يوفي بمصروف ذلك العمل، و يبقى من بعد ذلك ما يرفع للمصالح عند الاحتياج إليها.

الأموال أوائل العهد العثماني:

و أمّلت الأمة بدخولها في حوزة الترك العثمانيين، أن ترى أيام رغد و سعادة، لأنها دولة جديدة تتحامى ما أمكن الأغلاط التي وقعت فيها الحكومة قبلها، و لكن جاء الأمر على العكس من ذلك على ما تراه. لما فتح سليم العثماني الشام و مصر قال و قد ملأ خزائنه من أموال الشراكسة بعد أن كان في ضائقة شديدة اضطر معها إلى الاستدانة من بعض التجار: إني ملأت الأنابير بالذهب، و كل من يستطيع من أخلافي أن يملأها دراهم فليختم عليها بطابعه، و إلا فتبقى الخزينة السلطانية مختومة بطابعي.

و جعل السلطان سليم على دمشق مالا معينا قال ابن طولون: قيل قدره مائتا ألف دينار و ثلاثون ألف دينار. و ذكر النجم الغزي أن هذا السلطان تفنن في ضرب المكوس و من جملتها المكس على المومسات فتأسف العقلاء و أكبر الأمر أهل الدين و الورع. و كان خراج إيالة الشام كله يعطى للمرأة السابعة من نساء السلطان إبراهيم و كان الجابي يأتي دمشق فيجبيها بنفسه، لأن نساء القصر لم يكنّ يأمنّ أحدا من الولاة و المتصرفين على جبايتها من الأمة. فتأمل إيالة بل مملكة كهذه تعطى جبايتها لامرأة واحدة من نساء القصر تنفقها على زينتها و أزيائها.

الخراج و العثمانيين:

و ذكر مؤلفو الترك أن إقطاع الشام كله كان مسانهة مليون اقجة (1)

____________

(1) كل ثلاث اقجات بارة و كل 40 بارة قرش و الكيس خمسمائة قرش ذهبا أو فضة.

و ذكر لا منس أن القرش كان يساوي في القرن الثامن عشر في الشام نحو خمسة فرنكات و في منتخبات الجوائب أن نقود الدولة العثمانية كانت قبل القرن الحادي عشر للهجرة من صنف الدوكات المنسوبة إلى البندقية التي كانت مملكة عظيمة مستقلة و كان وزن كل مائة دوكات ذهبا 110 دراهم أما نقود الفضة فكانت من صنف الريال الجرماني الذي كان يجلب من المانيا و كان وزنه تسعة دراهم و قيمته 80 اقجة. و أول من استعمل الاقجة السلطان بايزيد الأول و ذلك-

72

و لأمير لوائها من مئتين إلى ثلاثمائة ألف اقجه و فيها 128 زعامة و 866 إقطاعا و عدد جندها 2600 من الفرسان. و كانت إيالة طرابلس و ارتفاعها السنوي خمسة يوكات‏ (1) و لديوان الخاص من 210 إلى 390 ألف اقجه و حاميتها من الفرسان 1400 و إيالة حلب و خراجها ثمانمائة و سبعة عشر ألف اقجه و ديوانها الخاص يرتفع من 200 إلى 500 ألف اقجه و في هذه الإيالة 104 زعامات و 799 إقطاعا و حاميتها 2500 فارس يخرج منها عشرة يوكات كان يدفعها أولاد رمضان حكام أذنة. و كانت الدولة تستوفي نصف إيراد الشام على عهد سليمان الأول أعني في سنة (999 ه 1553 م) 000، 200 دوكا و الدوكا عشر اقجات و البارة ثلاث اقجات و تصرف الباقي على محافظة البلاد.

و ما برحت الحال المالية في هذه الديار في إدبار، و هي تبع للوالي الذي يتولى زمام الحكم. فقد ذكروا أن والي الشام رفع في سنة (994) المظالم و أبطل المكوس الزائدة، فأبطل مكس الخمارات، و كان هذا المكس لكل من كان حاكما على الشام، ثم أبطل اليسق من باب صاحب الشحنة. و اليسق كبير الإنكشارية يلتزم هذه الوظيفة بمال كبير يدفعه للآغا و للباشا و يكون في باب صاحب الشحنة، يقطع الجرائم، و يدفع المال عن أربابه، يربح دينارا عثمانيا كل يوم، فإذا كانت الجريمة خمسين دينارا مثلا دفعها عمن ألزم بها، و له ربحها في كل يوم خمسون عثمانيا، فإذا بقيت عليه أياما حتى يسعى في تحصيلها تضاعفت عليه، حتى لا يقدر على الوفاء و التخلص منها، فإن كان له أسباب أو عقار أو وقف أو غير ذلك باعها أو ملّكها لذلك اليسق كيفما أراد، فأدى ذلك إلى تمول الإنكشارية و تملكهم كثيرا من الأملاك، و أبطل اليسق من باب القاضي، و رتبت الإنكشارية مالا على البضائع المجلوبة، و أبطلت المكوس التي كانت تؤخذ على اللبن الداخل إلى دمشق و على الموازين.

____________

- في سنة (792 ه 1390 م) أما استعمال البارة فاشتهر في سنة (1066 ه) و في سنة (1091) قر الرأي أن كل 40 بارة تحسب قرشا و كانت البارة تساوي ثلاث اقجات.

(1) اليوك: مبلغ خمسمائة ألف قرش.

73

و في سنة (1004) طالبت الحكومة الرعايا بعوارض سنتين جديدة و عتيقة، و طالبوا الإسرائيليين بمال عظيم. و كثيرا ما كانت الحكومة تطلب المال قبل استحقاقه، و تسلب أموال الصيارف و المرابين، بحجة الاستدانة منهم، و حدث أن بعض الأمراء و الملوك صادروا النصارى و اليهود خاصة كما فعل الملك الأشرف قايتباي فصادرهم مرتين في أيامه. و غرّم أحمد حافظ باشا سنة (1018) كافل الشام أموالا طائلة، و صادر جماعات في دمشق و أخذ أموالا منهم بغير حق، و كانت المصادرة عامة تتناول من كان في صندوقه مال أيا كان مذهبه.

و في سنة (1008) تولى محمد باشا ولاية دمشق و أمر بتغيير المعاملة فيها، و جعل كل سلطاني بثمانين قطعة جديدة، زنة كل قطعة قيراطان و نصف قيراط، و هبطت الأسعار و حصل الرخاء و كان الأمير بشير الشهابي في لبنان كالأمير فخر الدين المعني يحب البذخ، و قد ضاعف خراج لبنان أربعة أضعاف.

و في كتاب صادر عن أحمد بن محمد المولى بنابلس سنة (1030) أن يتصرف المستحفظ بمدينة نابلس و لوائها في جميع متحصلات القرى و الخرب الكائنة بالجبل القبلي و الشامي و بني صعب و القرى و الخرب المقاطع عليه سابقا، من شتوي و صيفي و زيتون و خرنوب و عداد و رجالية و خراج و أعشار و أغفار و سائر المتحصلات الشرعية و العرفية العائد جميع ذلك للخزينة العامرة بدمشق الشام على الأمانة و أن يتحضر للخزينة العامرة سبعة آلاف سلطانيا ذهبا.

و في سنة (1035) طلب المال من الأمير يونس الحرفوشي أمين بعلبك عن سنة (1033 و 1034) فقال: إن المطلوب من مقاطعة بعلبك عشرة آلاف سكة حسنة، و أنه لا يستطيع ضمانها إلا بعشرة آلاف قرش فبالنظر لأداء نفقات الحج الشريف و مال العلوفة أعطيت له المقاطعة بعشرة آلاف قرش عن سنة 34 و لكن لم يتحصل منها سوى سبعة آلاف قرش. أما سنة 33 فلا يمكن تحصيل شي‏ء منها لأن ابن معن خرب تلك الولاية كما يؤخذ من السجلات الرسمية في تلك الأيام.

74

تفنن الجزار في أخذ المال و طريقة العثمانيين:

و هكذا انقضى القرن الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر في سلسلة مغارم و مظالم، فقد تولى أحمد باشا الجزار دمشق سنة (1200) و لم يرتح شهرا واحدا من طلب المال ظلما، و من طرح النقود و طرح البضائع المتنوعة، ينهبها من جهات و يطرحها على أخرى بأسعار زائدة. و من مظالمه أنه إذا وجد قتيل في أحد الأنهار يلحقون جميع القرى التي تشرب من ذاك النهر، و يأخذون منهم مالا غزيرا، و كان لا عمل له إلا القبض على الأغنياء و مصادرتهم على أبشع صورة فصدق فيه قول الشاعر:

قد بلينا بأمير* * * ظلم الناس و سبّح‏

فهو كالجزار فيهم* * * يذكر اللّه و يذبح‏

قال ابن آق بيق في حوادث سنة: (1217) شغل الشام بالظلم و إكرامية الباشا، و اشتغل حسن آغا بالظلم في دمشق و إرهاق القرى بالطروحة و الإكراميات و إقراض الذخائر و معاونة الجردة و غير ذلك من المظالم التي لم يسمع لها أثر في السابق.

و قال ابن عابدين: إن غالب الغرامات الواردة على القرى في هذا الزمان (أي في أوائل القرن الثالث عشر) ليس لحفظ أملاك، و لا لحفظ أبدان، و إنما هي مجرد ظلم و عدوان، فإن غالب مصارف الوالي و أتباعه، و عمارات منزله و منزل عساكره، و ما يدفعه إلى رسل السلطان الواردين بأوامر و نواه و أمثال ذلك كله يأخذه من القرى و يسمون ذلك بالذخيرة، تؤخذ في بلادنا في السنة مرتين، و يزيد فيها دراهم كثيرة رشوة لأعوانه و حواشيه من أعيان البلدة، و قد جرت العادة بقسمة ذلك كله على عدد فدن القرية، و تارة يقسمونه على مقدار حق الشرب بالساعات الرملية، فمن كان له فدان مثلا يؤخذ منه ما يخصه أو من له ساعة يؤخذ منه ما يخصه سواء كان رجلا أو امرأة أو صبيا، و كذا يجعلون منها على رقاب الرجال الساكنين في القرية الذين لا ملك لهم فيها.

و مما اخترعه العثمانيون «الزعامة» و هي عبارة عن قرى يقطعها من‏

75

يعطاها و تخمن على الأقل بعشرين ألف درهم عثماني كل سنة، و اخترعوا «العوارض» و هي مظلمة سلطانية تؤخذ من البيوت في الشام في كل سنة.

و يقال: إنها من محدثات الظاهر بيبرس أشار إليها الأكرمي بقوله:

لحا اللّه أيام العوارض إنها* * * هموم لرؤياها تشيب العوارض‏

يضيق لها صدري و إني لشاعر* * * ضليع و بيتي ما عليه عوارض‏

قلنا: و هذا من جملة الدواعي التي انتقلت بها في القرن الماضي قرى و مزارع كثيرة في سهول الشام و جباله إلى أرباب النفوذ، فخرج أهلها عن ملكها، و رضوا بالاستعباد على أن يكونوا أحرارا مالكين. و ذلك فرارا من ظلم الحكومة و تخلصا من الضرائب الثقيلة التي لا تتحملها نفس بشرية. و لطالما قصّ الشيوخ علينا قصة الطبلة يوم تدق في قريتهم، و يجي‏ء أعوان الظلمة لأخذ المظالم من أهلها، و كان الأمراء إذا خرجت لأخذ الصدقة تضرب الطبول عادة لهم قديمة.

الجباية على عهد المصريين و المقابلة بين طريقتهم و طريقة العثمانيين:

كان الأجنبي في حكم إبراهيم باشا المصري يعطي رسوم جمارك و ضرائب أقل مما يدفع الوطني. و لذلك اضطر بعض التجار إلى ابتياع حماية الأجانب حتى يستطيعوا أن يتجروا، كتب اللورد دوفرين إلى حكومته سنة (1860) يقول: في مقدمة أسباب ضعف الإدارة العثمانية في الشام، أن الباب العالي كان يعتبر هذه الولاية منذ بضع سنوات كإيالة أجنبية يقتضي الانتفاع منها ما أمكن، و لذلك طرح منصبها في المزاد و لم يول عليها إلا الزائد الأخير.

و من الطبيعي أن كل وال جديد لم يكن يفكر إلا في تعويض ما دفعه من المال، و بجمع الثروة فيسلب أهالي ولايته لدن وصوله، مبتزا منهم الأموال و مثقلا كاهلهم بالضرائب الجديدة. و بعد أن ذكر كيف كان الوالي يرشي جماعة الإستانة لتستقيم له الولاية مدة، يواصل فيها استنزاف الأموال و إملاء جيوبهم بها قال: فنشأ عن ذلك مظالم لا تطاق، و ابتزاز أموال لا تحصى، و تعاقب على الإيالة ولاة غير أكفاء للمنصب، جائرون مرتشون طماعون في جمع المال، لا تشبع بطونهم، خالون من أدنى اهتمام بالمصلحة العامة اه.

76

تبدلت الأوضاع الإدارية في هذا القطر مرات على عهد العثمانيين و في سنة (1272 ه) كانت تقسم إلى إيالتين إيالة دمشق و إيالة صيدا، و دخل الأولى التي هي عبارة عن دمشق و مرج الغوطة و وادي العجم و وادي بردى و جبل قلمون و حماة و حمص و بعلبك و معرة النعمان و عجلون و البقاع و حاصبيا و راشيا و حوران و جبل الدروز و حصن الأكراد و القنيطرة و ايكي قبولي، من الخراج و الأعشار و البدل العسكري و الرسوم المختلفة 805، 41 أكياس يضاف إليها 900 كيس كانت تدفعها الخزينة إلى الأوقاف و ذلك عدا ما كان يؤخذ من حماة و حوران و حمص و جبل الدروز و حصن الأكراد و معرة النعمان و عجلون عينا من الأعشار و الرسوم، و هو 759، 18 إردبا من القمح و 884، 25 إردبا من الشعير و 951 من الذرة 393، 13 اوقة سمن و 320 اوقة حرير و 1300 رأس غنم. و كان دخل إيالة صيدا و قائم مقاميتي لبنان الدرزية و المسيحية و يدخل فيها بيروت و طرابلس و اللاذقية و نابلس و عكا و حيفا و ساحل عتليت و الأقضية الشمسية 154، 31 كيسا ما عدا المستوفى عينا من القمح و الشعير و الذرة و الكرسنة و السمسم و العدس و السمن و الزيت و الفيالج و القطن. و كان مجموع دخل إيالة دمشق 185 ألف ليرة على ذاك العهد و إيالة صيدا 50 ألفا و كان لبنان يؤدي للدولة سنويا 3500 كيس جزية و خراجا.

رأي إنكليزي في إعنات البلاد بالضرائب:

كتب المستر برانت قنصل إنكلترا في دمشق إلى سفير دولته في الإستانة عن حالة إيالة دمشق في 14 حزيران (1858) من كتاب ما يأتي: «إن الضرائب كانت باهظة على عهد الحكومة المصرية، على أن استتباب الأمن و عدم بخل الحكومة على الشعب كانا يكفيان لإقناعه أن في وسعه تحمل وقرها دون أن يرزح تحتها، و كان الدخل يدار بنزاهة و اقتصاد و لدى الحكومة المصرية جيش وافر العدد و تقوم بكل نفقات إدارة الإيالة المتوقع ازديادها تدريجا، أما حالة اليوم (أي على عهد الحكم التركي) فهي على عكس ما تقدم من‏

77

جميع الوجوه فالضرائب عب‏ء ثقيل لا يطاق‏ (1) مع أنها أقل من قبل و الأمن مفقود، و الدخل يقلّ كل يوم لإهمال القرويين حراثة الأرضين، و كل ما يتم جمعه ينفقه بإسراف أو يسرقه الموظفون، و الأموال اللازمة لإدارة الحكومة تطلب من الإستانة، و صار من الجلي أن المالية تزداد اختلالا و فساد الإدارة مستمر.

«كانت حكومة محمد علي فرضت على كل ذكر ساكن في المدينة ضريبة جديدة تدعى ضريبة الفردة تختلف بين 15 قرشا إلى 500 قرش، حسب حالة كل إنسان، و كان مجموعها يبلغ عشرين ألف ليرة إنكليزية.

و لما عاد الأتراك إلى البلاد لقوا مقاومة شديدة في جبايتها، فأبدلوها بضريبة على البيوت تستوفى دون حدوث اضطراب كبير أو قتال، على أن مجموعها لا يتجاوز العشرة آلاف ليرة إنكليزية، و قد جرت بعض احتكارات، و فرضت ضرائب جديدة على البنايات المحدثة، للاستعاضة عن الدخل الذي أسرفوا به، و كانت الحكومة المصرية تستوفي نحو 55 ألف كيس و لا يتأخر لها بارة، و هذا المبلغ يساوي 275 ألف جنيه فهبط الدخل اليوم إلى 35 ألف كيس قيمتها 143 ألفا و خمسمائة جنيه، يجبى منها عشرة آلاف كيس و يبقى زهاء 41 ألف جنيه في ذمة الأهالي، و هذه يتعذر جباية قسم منها.

رأي مدحت باشا في مظالمهم:

و أصرح من هذا ما كتبه مدحت باشا أيام كان واليا على الشام بتاريخ 17 آذار (1295) شرقية من لائحة في سياسة الشام و أموالها و مما قاله: إن الأوامر التي تصدر من الإستانة إلى الشام محصورة في طلب المال و الجند فقط، و بذلك بطل العمل بالقانون و الأصول المرعية، و فتحت أبواب سوء الاستعمال و ما عدا بعض الرجال من الموظفين أصبح كبار العمال و صغارهم لا يلتفتون‏

____________

(1) قال بيريه: إن الضرائب التي وضعها إبراهيم باشا المصري على الشاميين كانت شديدة و ما كان القوم يتحملونها لو لم يكونوا من عناصر و أديان مختلفة. قلنا: و من حسنات إبراهيم باشا أنه أبطل الرشي و الاصطناع و أبطل المصادرات و قرر حق التملك.

78

إلى غير مصالحهم، فطرأ على المعاملات خلل، و بسوء تأثير ذلك فسدت أخلاق الناس، و كثر القتل و النهب و الغارة على الأموال و العروض في كل مكان، و اختل الأمن كل الاختلال. قال: و إذا ألقينا نظرة على واردات الدولة نرى الخراج و الأموال قد نزل ارتفاعها إلى النصف، و خرب القطر بالأعشار، و قلّ البدل العسكري، و حدّث ما شئت عن بلية «القائمة (1)» فمن أجل سقوط أسعارها نزلت الواردات في العام الماضي إلى النصف، و بقي النصف الآخر في باب النفقات بدون تسديد.

و كلام مدحت باشا يشمل ولايتي سورية و بيروت لأن الولايتين في عهده كانتا ولاية واحدة فكلامه يتناول معظم سورية و فلسطين، و بالطبع كانت فلسطين أقصى الجنوب و حلب في أقصى الشمال على هذه الصورة أو أشد، لأن روح المملكة كان واحدا، و هي «المركزية» الشديدة، و كانت في الدور الذي سلف «لا مركزية» و لكنها أشبه بالفوضى. و لم تتغير الحالة المالية عن عهد مدحت باشا بل ظلت تعسة إلى رحيل الأتراك عن الشام، و إن كانت الارتفاعات زادت في العقود الأربعة الأخيرة، لانتشار الأمن في الجملة، بتأسيس المحاكم النظامية التي قضت على الأشقياء بعض الشي‏ء، و كفت البادية عن العيث. بعد أن كانت تأتي لأخذ الخوّة من القرى القريبة من الحواضر، و لزيادة النفوس بقلة الأوبئة و سد العجز المالي، و لا سيما في الساحل بما أدخله المهاجرون إلى أميركا و غيرها من الشاميين، فكانوا و ما زالوا يحملون إلى هذه الديار أموالا تدخل في تحسين الزراعة و الصناعة و تزاد بها الحركة التجارية. و كانت الدولة العثمانية كلما سلخت عنها الولايات النائية تزيد في مقدار الجباية و المظالم، فالدخل ينقص على الدوام بسلخ الممالك من جسمها، و الخرج يزيد لأن أهل الإستانة عالة على أهل الولايات، يشقى هؤلاء لينعم أولئك، و يبنوا القصور و يتمتعوا بالحور و الولدان.

الاشتطاط في الأعشار و القسط في الجباية:

و لم يكف الحكومة العثمانية زيادتها في العشور حتى بلغت ثلاثة عشر إلا

____________

(1) الورق النقدي الذي أصدرته الدولة في حرب روسيا و كان سبب ابتزاز قسم عظيم من ثروة الأمة.

79

ربعا في المئة، تؤخذ من الحاصل و المحصول عدا ما يلحقها من ظلم الملتزمين و العشارين، و هو قد يبلغ عشرين في المئة أو أكثر من ذلك في بعض الأنحاء، و لم يكفها زيادة الأموال و الضرائب الأخرى إلى ضعفين بل إلى أضعاف ما كانت قبل عشرين سنة، بل زادت في العشر و الخراج زيادة مهمة مدة الحرب العامة، دع ما أحدثته من التكاليف الحربية و استلبته من أموال الفلاحين و عروضهم و مواشيهم، و لو لا ارتفاع الأسعار و دخول ملايين من الليرات التي اقترضتها الدولة من ألمانيا لتنفقها على الجيش الذي جمعته و جلبته من القاصية، لو لا ذلك لبقي عشرة في المئة فقط من قرى هذا القطر عامرا، و لآضت الحال أتعس مما كانت قبل ستين أو سبعين سنة، أيام كان الفلاحون لا يستطيعون زراعة أراضيهم لقلة الأيدي العاملة، فيجلبون أناسا من العبيد يستخدمونهم في الحرث و الكرث.

و بعد الحرب كثرت الجباية و المغارم خصوصا لقلة الذهب في الأيدي و الاستعاضة عنه بالورق النقدي، فزادت الجباية في بعض المحال أربعة أضعاف، فعلت الشكوى، و أخذت أسعار البياعات تعلو و تسفل في المدة القليلة، و المقرر على الرعايا ينزل و يرتفع على تلك النسبة، فتضرر الناس من هذا، و كان البلاء في ذلك عامّا في كل بلد لم يستقر سعر ورقه المالي على و تيرة واحدة، أو لم تواز قيمته قيمة الذهب، و اضطرت حكومات الشام إلى الإنفاق أكثر من قبل على صغار عمالها و كبارهم، لئلا تترك لهم مجالا إلى الرّشى و التلاعب بحقوق المساكين و الضعفاء، و أن تقوم ببعض الأعمال اللازمة في الحكومات المتمدنة، فانفرجت مسافة الخلف بين الدخل و الخرج ثم تعادلا و أخذت الحكومة تفكر في إلغاء طريقة الأعشار و الاستعاضة عنها بمال مقطوع و زادت الضرائب على العقارات بنسبة أجورها.

خراج الأرض و العقارات‏ (*):

هذه الضريبة من التكاليف غير الشرعية التي أحدثت أواخر أيام سلطنة بايزيد الثاني، و كانت المرتبات التي تقطع على كل بلدة من البلدان توزع بمعرفة

____________

(*) كتب هذا الفصل السيد رفيق الحسامي.

80

لجنة مؤلفة من الوالي أو المتصرف أو المتسلم و رجال الشرع و وجوه البلدة و أعيانها يراعى فيها عدد النفوس الذكور، أو الدور الموجودة في كل بلدة. و كان هذا التوزيع يسجل في المحاكم الشرعية، و كان كل فرد يخضع لذلك التوزيع، و يدفع ما يصيبه مرتاحا بحيث لا يبقى منه شي‏ء في ذمم المكلفين. و قد دام الحال على هذا المنوال مدة أربعة أو خمسة عصور.

و لما تسرب الخلل إلى القوانين الموضوعة و أعلنت التنظيمات الخيرية، كان من جملة الإصلاحات التي تذرع بها السلطان محمود و أقرها السلطان عبد المجيد تسجيل الأرضين و العقارات كافة في البلدان و القرى، و ذلك بتقدير قيم لها، و استيفاء الضريبة على نسبة قيمتها. و كانت هذه الضريبة تجبى بمعرفة المختار في المدن و القرى (شيوخ الصلح أو شيوخ القرية).

و هذا بموجب تذكرة إجمالية «طوب سركي» تدفع إلى المختار فيجبي ما يصيب كل شخص من المكلفين، و يدفع المجبيّ في كل أسبوع أو خمسة عشر يوما أو شهر بحسب مقدار ما يجبى أو بحسب تعقيب الحكومة أو إهمالها.

و لما رأت الحكومة بأخرة أن بعض المختارين يتلاعبون بهذه الأموال، و كثيرا ما كانوا يفرضون على الأهلين فرائض تربو على ما يصيبهم من التكاليف بدعوى النقص في الأموال حتى آضت الحال إلى تعذر الجبايات- منعت المختارين من معاملة الجباية و ألفت لجانا خاصة، و أنشأت ترسل لكل مكلف تذكرة باسمه يذكر فيها مقدار ما أصابه من الضريبة في كل سنة. و بها يجبي جابي الفرع المقيم به المكلف و الذي يتأخر عن دفع دينه نجوما (تقاسيط) معينة تنذره رسميا حتى إذا لم يبادر في عشرة أيام من تاريخ تبليغه الإنذار إلى دفع ذمته، تحجز أمواله المنقولة أو غير المنقولة فيما إذا لم يكن له أموال منقولة و إذا كان ممن لا يملك شيئا غيرها يحبس أحدا و تسعين يوما، إذا ثبت اقتداره على الوفاء.

و في سنة (1925) أصدرت الدولة قانونا للجباية لم يخرج بجوهره عن النظام السابق إلا ما كان من الاكتفاء بحبس المدين شهرا واحدا بدلا من أحد و تسعين يوما على ما كان في النظام السابق إلى غير ذلك من العقود الشرعية التي لا علاقة لها بجوهر هذا النظام القديم و لا يزال التعامل جاريا على هذا النمط.

81

رسم المواشي:

هذا الرسم من الأوضاع الشرعية و كان يتقاضى أوائل عهد الحكومة العثمانية عينا و هو غنمة واحدة من كل عشرة أغنام و لا يتقاضى شي‏ء من بقية الحيوانات، ثم طبق هذا القانون على أصول التلزيم. و في سنة (1040) ألغي التلزيم و أخذوا يستوفون الرسم بتقدير قيمة للمواشي و استيفاء بارة عن كل قرش من قيمتها. و في سنة (1241) أعيد استيفاؤها عينا. و في سنة (1255) عندما أعلنت التنظيمات الخيرية كان يقدر نتاج كل دابة، و أخذت الرسوم تستوفى على نسبة عشرة في المئة من ذلك النتاج بحيث صار يستوفى عن كل رأس من الغنم و الماعز أربعة قروش، و عن الجاموس و الإبل عشرة قروش.

و بدأت تترقى هذه الرسوم بنسبة أسعار المنتوجات إلى أن أصبحت ثمانية قروش عن كل رأس من الضأن و الماعز، و عشرين قرشا عن كل رأس من الإبل. و هذه الرسوم على قسمين كان قسم منها يستوفى عند العد و قسم بعد ذلك. أما القسم الذي يستوفى عند العد فهو ما كان للتجار و عابري السبيل ممن لا تعرف أماكن سكناهم. و أما القسم الثاني فهو ما كان يستوفى من التناء سكان القرى و العربان.

الأعشار:

العشر من التكاليف الشرعية القديمة و كان ينفق على عهد الإقطاع في تموين الجنود و زعمائهم. و قد أصبح في سنة (1100) يحال لسنة واحدة أو سنين متعددة على بعض الصيارف المتمولين. و في سنة (1256) أخذوا على عهد إعلان التنظيمات الخيرية يستوفون الأعشار عن طريق الأمانة أي على ذمة الحكومة بمعرفة جباة يرصدون لذلك، و في سنة (1258) أعيدت أصول التلزيم و شرع ببيع عشر كل قضاء عن سنتين من الملتزمين. و في سنة (1263) تقرر إجراء معاملة الإحالة لرجال السلطنة و خدامها و بعض ذوي اليسار و السعة من التبعة العثمانية منفردين و مجتمعين لخمس سنين، و ذلك بأخذ متوسط بدلات الثلاث السنين التي تقدمت السنة المذكورة، على أن يضاف على البدل‏

82

المتوسط المنوه به في السنة الثانية التي تتلو سنة التلزيم واحد بالمئة و ثلاثة بالمئة، على بدل كل من السنة الثالثة و الرابعة و الخامسة، بحيث تصبح الإضافة عن السنة الخامسة عشرة بالمئة.

و لما نشبت حرب القريم في سنة (1269) أعيدت أصول الأمانة لضمان تموين الجيش، و ظل الحال على هذا المنوال إلى سنة (1271). و في سنة (1272) رجعوا إلى التلزيم أيضا فأخذت تباع أعشار القرى في مجالس الأقضية قرية قرية، و في مجالس الألوية و الولايات قضاء قضاء على أن لا تحال أعشار لوائين لأحد الملتزمين مجتمعين. و لما أعلن القانون الأساسي في سنة (1293) أعيدت أصول الأمانة. و في سنة (1297) وضع نظام التخميس و ذلك بحساب بدلات كل من سنة 1289 و 1290 و 1291 و 1291 و 1292 و 1293 و أخذ متوسطها على أن يوزع ما يصيب كل قرية على حساب الدونمات. و في سنة (1301) أعيدت أصول الأمانة أيضا. و في سنة (1302) عادوا إلى طريقة التلزيم أيضا على أساس القرى لا القضاء أو اللواء كما كان آنفا. و ظل الحال على ذلك إلى سنة (1330) أي سنة إعلان النفير العام و في خلال ذلك وضعت أصول التخمين موضع الإجراء و ظلت إلى سنة (1333) حتى إذا كانت سنة (1334) طبقت أصول الأمانة. و بعد مغادرة الحكومة العثمانية هذه الديار أعيدت أصول التلزيم أيضا. و في سنة (1925 م) وضعت أصول التربيع و ذلك بأخذ متوسط بدلات كل من سنة 1921 و 1922 و 1923 و 1924 و اتخاذها أساسا لوضع بدل معين على كل قرية من القرى، و لم تبرح هذه الأصول معمولا بها. أما أصول جبايتها فهي تابعة لقانون الجباية أي أصبحت تجبى على نحو ما تجبى الضرائب.

رسوم الجمرك:

يرجع أصل هذا الرسم إلى الزكاة التي هي من جملة التكاليف الشرعية، و كان يجبى من التجار الوطنيين على نسبة واحد من أربعين و من التجار الأجانب على نسبة واحد بالعشرة من مجموع أموالهم. و ظل الحال على ذلك من أول تأسيس الدولة العثمانية إلى الزمن الذي عقدت فيه المعاهدة التجارية مع الدول‏

83

الغربية فأنشأوا يستوفونه على الصورة التالية:

أولا- رسم الواردات عن البضائع التي ترد برا و بحرا إلى المملكة العثمانية.

ثانيا- رسم الصادرات عن البضائع التي تخرج من الأرض العثمانية إلى الديار الأجنبية.

ثالثا- رسم التصدير عن البضائع التي تستهلك في الداخل كالدخان و الأسماك.

رابعا- رسم المرور (ترانسيت) عن البضائع التي تمر بالأقطار الأجنبية عن طريق المملكة العثمانية و لا تستهلك فيها.

و قسمت هذه الرسوم إلى قسمين داخلي و خارجي. أما الرسم الخارجي فيتقاضى وفقا لأحكام المعاهدات التي عقدت مع الدول المجاورة بحسب العلائق التجارية. و أما الرسم الداخلي فيستوفى وفقا لأحكام المقررات الخاصة التي كانت تقررها بحسب الأحوال و على نسبة التعرفة المخصوصة. و لما كانت علاقة الأجانب بالتجارة الخارجية تتوقف على رخصة خاصة كسائر المسائل كان يمنح الأجانب حق تعاطي التجارة في الممالك العثمانية و كان ذلك بامتياز خاص بالمتجر. و لما كانت المواد التي تقضي المعاهدات بإيرادها و إصدارها تذكر في تلك المعاهدات بأنواعها أصبح ذكر تلك المواد يدل على منع سواها، و لما زادت الصلات التجارية مع الأجانب قبلت بادئ بدء حرية التجارة إلى حد محدود، و بعد ذلك بدأت بالتوسع. فأعطي على عهد محمد الفاتح الامتياز المعلوم للبنادقة. و صادق ياوز سليم على المعاهدة التي وقع عليها ملك مصر. و في عام (970) عقدت المعاهدة المعروفة مع النمسا. و في سنة (983) مع حكومة البندقية، و في سنة (984) مع حكومة النمسا أيضا، و في سنة (1084) أي في سلطنة محمد الرابع عقدت معاهدة مع ملك فرنسا جاءت مؤيدة للمعاهدات السالفة التي كانت ترمي لاستيفاء رسم الجمرك على نسبة 3 بالمئة بدلا من الخمسة ما خلا رسم التصدير.

و لما عقدت المعاهدة الجمركية بين فرنسا و إنكلترا في سنة (1216) اشتركت الحكومة العثمانية معهما بتلك المعاهدة التي كانت عبارة عن تجديد نصوص العهود القديمة. و في سنة (1254) عقدت معاهدة تجارية مع فرنسا كان من‏

84

جملة أحكامها التوسع في معاونة التجار الفرنسيين و شركاتهم و ما إلى ذلك، على أن يتناول ذلك عامة البضائع و المتاجر و قد تضمنت هذه المعاهدة فيما تضمنته استيفاء رسم الواردات على نسبة 5 بالمئة و رسم الصادرات 12 بالمئة و رسم المرور 5 بالمئة من مجموع قيمة البضائع و السلع، و بقيت المعاملات السابقة بحالها على أن تعدل مرة في كل سبع سنين.

و أنشأوا على عهد نظام التنظيمات الخيرية يستوفون هذه الرسوم بطريق الأمانة أي على ذمة الحكومة ثم أخذوا يحيلونها إلى بعض الصيارف و الملتزمين و دام ذلك إلى سنة (1274). و في سنة (1275) وضع نظام خاص جامع لجميع المقررات التي قررت من بداية التنظيمات الخيرية إلى ذاك العهد و جرى تطبيق ذلك على جميع ما يتقاضى منه رسم الجمرك ما خلا رسم مواد البناء و الدخان و السعوط و المسكرات. و جرى في عام (1277) و (1278) تعديل ذلك بعد عقد المعاهدات مع بلجيكا و الدانيمرك و فرنسا و إنكلترا و إيطاليا و هولاندة و النمسا و روسيا و السويد و اسبانيا و أميركا، و كان من جملة أحكام تلك المعاهدات إبلاغ رسم الواردات إلى 8 بالمئة و تنزيل رسم الصادرات إلى 8 بالمئة أيضا على أن ينزل من أصله واحد بالمئة في كل سنة إلى أن يصبح واحدا في المئة فقط. و قد اعتبر رسم المرور اثنين في المئة على أن ينزل في ثماني سنوات تبدأ من تاريخ العقد إلى واحد بالمئة فقط.

و بعد ذلك وقع التذرع كثيرا لتعديل هذه الرسوم و صورة جبايتها، فلم يأت تذرعهم بثمرة تذكر. بيد أنه أضيف في سنة (1323) على رسم الواردات ثلاثة بالمئة بموافقة جميع الدول العظمى بحيث أصبح أحد عشر بالمئة على أن يؤخذ خمسة و عشرون بالمئة من الزيادة التي عينت لتسديد الديون العامة و خمسة و سبعون بالمئة لتسديد ديون الولايات الثلاث الخ.

الجمارك الشامية و وجوه نفقاتها و توزيعها:

كان محصول الرسم الأصلي الذي هو 8 في المئة حتى يوم 1 كانون الثاني سنة (1926) يوزع بين الدول الشامية الموضوعة تحت الانتداب الفرنسي، و كان الرسم الإضافي ثلاثة بالمئة يدفع لحساب الدين العام العثماني. و قد صدر

85

قرار في 3 نيسان سنة (1924) يقضي برفع الرسوم الجمركية من 11 إلى 15 بالمئة ابتداء من شهر أيار سنة 1924 و قضى القرار المؤرخ في 23 شباط سنة (1926) بأن الأموال الناتجة عن تحصيل ضمائم الرسوم الجمركية من 1 أيار سنة (1924) حتى 31 كانون الأول سنة (1925) 62 مليون تؤلف مبلغا مشاعا يؤخذ منه ما تستلزمه الضرورة و المبالغ الخاصة لسد جميع النفقات الناشئة عن الثورات التي نشبت في الدول الموضوعة تحت الانتداب. على أن يجري توزيع ذلك فيما بعد بصورة قطعية و تقرر في 25 أيار سنة (1926) رفع رسوم الواردات اعتبارا من 1 حزيران سنة 1926 إلى 25 في المئة.

و ما زال محصول الرسم الأصلي 15 في المئة المخصص للدين العام باقيا إلى أن يجري اتفاق مع حاملي الأسهم بشأن عملة الدفع.

و يتضح من تعليمات المستشار المالي في المفوضية العليا أنه يمكن أن يلاحظ لعام 1927 ما يلي:

000، 000، 125 فرنك محصول الجمرك من الرسم الأصلي 15 في المئة.

000، 000، 60 فرنك ضمائم 10 في المئة.

000، 000، 185 المجموع.

و توزع كما يلي:

000، 000، 85 فرنك لدائرة الدين على أن تجري التنزيلات التي يقبل بها حاملو الأسهم.

000، 000، 50 فرنك نفقات جيش الشرق.

000، 000، 50 فرنك يقتضي توزيعها بين الدول.

و من الممكن أن ينزل الرسم 25 في المئة لأنه إذا كان قد طبق هذا الرسم لأحوال استثنائية فلا يكون اليوم إلا عثرة في سبيل تنمية الاقتصاديات.

ضريبة التمتع:

يرجع تاريخ إحداث هذه الضريبة إلى قسمين: القسم الأول ما أحدث قبل التنظيمات الخيرية و كان أصلها رسم الاحتساب الذي أحدثه السلطان محمود سنة (1241) و هو عبارة عن ضريبة تؤخذ بأسماء متنوعة تسمى يومية الدكاكين‏

86

و شهرية الدكاكين و رسم المأكولات و المستهلكات و الذهب و الفضة و المجوهرات و المنسوجات و ما شابه ذلك.

و بالأمر السلطاني الصادر في 16 جمادى الأولى سنة (1254) ألغي رسم الاحتساب و نشر نظام مؤرخ في 19 ذي القعدة سنة (1254) يقضي بتوزيع التكاليف على الأهالي عن طريق تعيين مقدار الأملاك و الأرضين و الحيوانات و ربح التجار و الأصناف السنوي، غير أنه لم توضع ضريبة مخصوصة على الأرباح السنوية بل وضعت موحدة على الثروة الذاتية المقدرة لكل فرد على نسبة أملاكه و أراضيه و أمواله و حيواناته و أرباحه.

و القسم الثاني ما وضع بعد التنظيمات الخيرية و ظلت هذه الضريبة تعد من الضرائب الموحدة من سنة (1255- 1275) و قد أصبحت إذ ذاك تؤخذ على نسبة ثلاثين بالألف من مجموع الربح السنوي. و بناء على القرار المؤرخ في 5 ربيع الأول سنة (1297) بشأن الأملاك و الأغنام و الأعشار بلغت اعتبارا من ذلك التاريخ أربعين في الألف. و في عام (1303) أبلغت إلى خمسين و شملت أصحاب الرواتب و المشاهرات أيضا، و لما كان الأجانب غير مرخص لهم بتعاطي التجارة داخل المملكة العثمانية كان هذا الرسم محصورا بالعثمانيين لا يتناول الأجانب. و لما جرى الاتفاق على قبول إقامة الأجانب في الدولة و تعاطيهم التجارة ألفت لجنة مختلطة في نظارة الخارجية في سنة (1880 م) و نظمت لائحة حمل الأجانب على أداء هذه الضريبة أسوة بالعثمانيين. فقاوم سفراء الدول هذه الفكرة مقاومة حالت دون تطبيقها إلا على رعايا صربيا و بلغاريا و رومانيا و الجبل الأسود و اليونان و إيران.

و في عام (1323) أحدث نظام خاص يقضي باستيفاء الضريبة المذكورة على قسمين: مقطوع و نسبي و خصصت به من يجب تكليفه بالضريبة المقطوعة، و من يجب أن تتقاضى منه الضريبة النسبية من أرباب التجارة و الصناعة.

و في عام (1331) ألغت القانون السابق و أحدثت قانونا جديدا ألغت به الامتيازات الأجنبية فقضي على جميع رعايا الدول أداء الضريبة المذكورة أسوة بالعثمانيين بدون تفريق بينهم على أن تطرح هذه الضريبة على ثلاثة أوجه: نسبي و مقطوع و متحول.

87

الضريبة النسبية:

يحقق هذا القسم من الضريبة بالنظر إلى الإيراد غير الصافي المقدر للمحل الذي يشغله المكلف، و جعل هذا القسم على ستة أنواع يحتوي كل منها على قسم من أنواع التجارة و الصناعة و مقدار نسبة الضريبة التابعة لها. فالنوع الأول يدخل فيه أصحاب المصارف و نسبة ضريبتهم عشرون بالمئة من الإيراد غير الصافي المقدر للعمل المتخذ مصرفا. و النوع الثاني يتناول شركات النقل و المشتغلين بالأوراق المالية و السماسرة و المتعهدين و الأطباء و المهندسين و وكلاء الدعاوي و أمثالهم من أصحاب الصناعات و الأعمال العلمية و نسبة ضريبتهم خمسة عشر في المئة من الإيراد المذكور.

و يشمل النوع الثالث التجار البائعين بالجملة و الصيارفة و الخياطين و باعة الأقمشة و خاطتها و باعة الأحجار الثمينة و أمثالها و نسبة ضريبتهم 12 في المئة.

و النوع الرابع يتناول بائعي الألبسة و الثياب و الأدوية و العطور و أشباه ذلك من عامة المعمولات و المصنوعات و نسبة ضريبتهم عشرة في المئة. و النوع الخامس يدخل فيه أرباب الصناعة كالنجار و الحداد و الخياط و من يبيع حبوبا و مأكولات و أخشابا و أشياء حديدية و أصحاب الفنادق و القهاوي و الألعاب و أمثالها و نسبة ضريبتهم ثمانية في المئة.

الضريبة المقطوعة:

يحتوي هذا القسم على من لم يتخذ محلا مخصوصا لممارسة الصنعة من متعهدين و أطباء و مهندسين و أمثالهم اعتبرت ضريبتهم مقطوعة و جعلت خمسة أقسام باعتبار نفوس البلدة فقط. فالنازلون في العاصمة من القسم الأول و ضريبتهم 300 قرش و النازلون خارجها من الصنف الثاني مكلفون ب 250 و الثالث ب 150 و الرابع 75 و الخامس 50 قرشا.

و كذلك الحال في ذوي الصناعة من معمارين و رؤساء أشغال و عملة قد كلف كل منهم حسب بلده و مكانة صناعته بمقدار معلوم مسطر في جدول مخصوص من القانون المذكور تبتدئ ضريبتهم من خمسة عشر قرشا إلى ثلاثمائة قرش.

88

الضريبة المتحولة:

هذه الضريبة قسمان: القسم الأول يطرح على أصحاب المحال التجارية و الصناعية لاستفادتهم من خدمة العاملين عندهم و المعاونين فتبتدئ الضريبة من ستة قروش إلى مائة قرش بحسب صنوف البلدة و نوع التجارة و عمل العامل، أما أصحاب الرواتب فقد كلفوا بموجب المادة السادسة بثلاثة قروش في المئة من مجموع إيرادهم السنوي إن كان زائدا على ألفي قرش ديناري و من لم يزد إيراده على ذلك فهو مستثنى من الضريبة. و القسم الثاني يطرح على حسب الوسائط الناشئة من ممارسة الصنعة كعجلات الركوب و النقل و الحيوانات و الآلات التجارية و جعلت درجات باعتبار صنعة البلد و نوع تلك الوسائط. و كذلك الشركات فقد كلف كل منها بنسبة معينة في المادتين الرابعة و الخامسة، و قد ألفت لجان للنظر في الاعتراضات بداية و استئنافا و تمييزا، و بقي معمولا به من السنة المذكورة إلى يومنا هذا. أما التعديلات التي طرأت عليها حتى الآن فلم تغير هذه الأسس، و بقيت محصورة في بعض المعاملات الفرعية التي لا علاقة لها بهذا البحث اه.

الرأي في الجباية و النفقات:

لا جرم أن الأموال إذا جبيت كما تجبى في الممالك المتمدنة بالرفق، و بحسب طاقة المكلفين، يتوازن مع الزمن الدخل و الخرج، بل قد يزيد الأول على الثاني إذا وقع الاقتصاد في وجوه النفقات، كأن تكتفي الشام بما تخرجه لها أرضها و يفيض عليها ما تصرفه على الخطوط الحديدية و رصف الطرق و تعبيدها في المدن و بين القرى، و على الأسلاك البرقية و الكهربائية و الهاتفية، و تجفيف البطائح و إصلاح طرق الري، و إقامة معالم العلم و دور التهذيب.

و كل مملكة تسد عجزها بالاقتراض، و لا تستثمر بأيدي رجالها ما في سطحها و بطنها من الخيرات، يكون مصيرها إلى الاستعباد الاقتصادي، و هو أبشع ضروب الاستعباد. و ما لا تستطيع أن تعمله لنفسك ليس في مكنة غيرك أن يحمله إليك. و كل أمة لا تفرض الجباية بالعقل، و لا تجبيها بطرق العدل، و لا تبذل على المرافق العامة منها الفضل، تنحل بل تضمحل.

89

الاوقاف‏

منشأ الوقف:

من أهم القوانين الاجتماعية التي أثرت في عمران هذه الديار و أخلاق أهلها قانون الوقف، و هو حبس العقار أو الأرض عن البيع و حصر المغلّ في يد شخص أو أشخاص على مقصد معين. كان الوقف معروفا عند الرومان و منه الخاص و العام، و كذلك هو معروف عند الأمم النصرانية لعهدنا، و كان أهل الجاهلية من العرب لا يعرفونه. قال الشافعي: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمت و إنما حبس أهل الإسلام. فاستنبط الرسول (صلوات اللّه عليه) الوقف لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل اللّه مالا كثيرا ثم يفنى فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، و يجي‏ء أقوام آخرون من الفقراء فيحرمون، فلا أحسن و لا أنفع للعامة من أن يكون شي‏ء حبسا للفقراء و أبناء السبيل، تصرف عليهم منافعه و يبقى أصله على ملك الوقف. و قد وقف رسول اللّه بعض ما ظهر عليه من الأرضين فلم يقسمها و قد قسم بعض ما ظهر عليه، و وقف ثمانية عشر سهما من خيبر لمن نزل برسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الناس و الوفود و ما نابه من نوائب الناس. و في صحيح مسلم أن عمر أصاب أرضا بخيبر فأتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يستأمره فيها فقال: يا رسول اللّه إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها و تصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها و لا يبتاع و لا يورث و لا يوهب قال: فتصدق عمر في الفقراء و في القربى و في الرقاب و في سبيل اللّه و ابن السبيل و الضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها

90

بالمعروف و يطعم فقيرا غير متمول فيه، و في رواية غير متأثل مالا. قال بعض الفقهاء: إنما وقف عمر بن الخطاب سواد الكوفة لأنه ليس مما حازه المسلمون حين ظهروا عليه، و لو كانوا حازوه و جمعوا ما فيه من السبي و الأموال كان غنيمة ليس للإمام أن يقفه حتى يخرج منه الخمس للّه ثم يقسم أربعة أخماسها بين الذين حضروا فتحه. و قد وقف بعض الصحابة أوقافا.

و ذكروا أن أحد شهداء أحد و اسمه مخيريق عهد إلى الرسول قبل قتله أن يضع أمواله حيث أراد فحبسه على سبعة حوائط و هي كروم النخل في المدينة، فأصبحت الأموال المحبوسة من ذاك العهد لا تشرى و لا تورّث و لا توهب، و أخذ بعضهم يحبسون أموالهم على أعقابهم و أعقاب أعقابهم.

و وقف مخيريق أول وقف في الإسلام. قال زيد بن ثابت: لم نر خيرا للميت و لا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه، و أما الحي فتحبس عليه و لا توهب و لا تورث و لا يقدر على استهلاكها.

تعريف الأوقاف و طرقها:

قالوا: إن ولاية الأوقاف من باب التعاون على البر و التقوى، و لا ينهض بحملها إلا الأمين القوي، فإن أبوابها متسعة، و أربابها متنوعة، و شعابها متفرعة، فإنهم أصناف و طوائف، فمنهم الأشراف المتصلون بالرسول و منهم الهاشميون و العباسيون و العلويون و الحسنيون و الحسينيون و غيرهم، و منهم الفقهاء الشافعية و الحنفية و المالكية و الحنابلة و غيرهم، و منهم الصوفية و الفقراء و القراء و الأضراء و الأسرى و أبناء السبيل و المرضى و المجانين، و منها تكفين الموتى و إصلاح أسوار الثغور و قناطر الطرقات و عمارة المساجد و مصابيحها و أئمتها و مؤذنوها و قومتها و مصالح المدارس و إقامة وظائفها، و كذلك الرّبط و الخوانق و المشاهد و مواطن العبادة إلى ما سوى ذلك من وقف على تعليم اليتامى الخط، و وقف على من انكسرت له آنية لا يقدر على عوضها و غير هذا من أبواب الطاعات و جهات الخيرات، فهذه الوقوف العامة جميعها على اختلاف مصارفها و تباين جهاتها مشتركة في أن المقصد بها التقرب إلى‏

91

اللّه تعالى فإنها معدودة من الصدقات، داخلة في باب القربات، فيجب اتباع شروط واقفيها و العمل بها.

و ما برحت الأوقاف تنمو بنمو الثروة و امتداد السلطة بامتداد الفتوح، حتى تكاملت أجزاؤها، و تكاثرت موادها، في صدر الخلافة العباسية و خصوصا على عهد الخليفة المأمون فإنه وقف الأوقاف الكثيرة في العراق و غيرها على العلماء و دور العلم و الجوامع و المباني العامة، لتبقى دائمة الانتفاع على الدهر، و تكفي العلماء و المحاويج، و أصحاب الزمانات و العاهات من التكفف و الاستجداء، فمن ثمّ كثرت الأوقاف النافعة كثرتها في الولايات المتحدة الأميركية لهذا العهد و معظمها على دور العلم و البائسين.

أول أوقاف الشام و سوء استعمالها:

و أول وقف حبس في الشام فيما بلغنا أراضي بطارقة الروم فيها ممن فروا من جيوش الإسلام أو قتلوا في الحرب و كانوا قواد جند الروم، فأصبحت أملاكهم شاغرة فأوقفها الفاتحون على بيت المال، و كان العمال يقبّلونها أي يضمنونها و يضيفون دخلها إلى بيت المال، و كان من العمال من يحبس القرى على مصالح المدينة و مرافقها، قاصدا بذلك عمارتها، و كان من الأرض المفتتحة عنوة ما ليس يملكه السلطان فيباع «لأنه في‏ء للمسلمين يقوم مقام الوقف على جميعهم» قال القاضي أبو يعلى: إن أرض السواد صيرها عمر وقفا بنفس الفتح، و الأرض لا تصير وقفا حتى يقفها الإمام، فعلى هذا يجوز له بيعها إذا رأى بيعها أصلح لبيت مال المسلمين، و يكون ثمنها مصروفا في عموم المصالح و في ذوي الحاجات من أهل الفي‏ء و أهل الصدقات.

و قد قال أحمد في رواية عبد اللّه: الأرض إذا كانت عامرة هي لمن قاتل عليها إلا أن يكون وقفها من فتحها من المسلمين كما فعل عمر بالسواد فاعتبر إيقافه.

و من أحسن القوانين الصريحة عند المسلمين أحكام المواريث فإنها تقضي على المورث أن لا يوصي بغير الثلث من ماله في وجوه المبرات و أن يبقي الثلثين لوارثيه يستمتعون به استمتاعه من قبل، و لذا لم يكن إلا في الوقف‏

92

مندوحة في خرق هذه القاعدة، فتوسع القوم فيها لا سيما ما كان منه أهليا حتى كاد ينقلب الخير إلى شر، فإن الواقف يقف أملاكه أو شطرا منها لتكون من بعده وسيلة إلى التعاطف بين الذراري و الأعقاب، فما هو إلا جيل أو جيلان حتى تغدو أوقافه ذريعة للتقاطع و التدابر، فتقوم نائرات الخصومات بين الأسرات، للاستئثار بإدارة الوقوف و اقتسام مغلها، خصوصا عند كثرة المستحقين و قلة الأنصبة، و ربما تكاثرت ذرية الواقف بعد حتى يصيب الفرد من الدخل بضعة قروش. و لا تسل كيف تكون حال تلك العقارات و الأرضين الموقوفة من العمران، ففي تعدد الموقوف عليهم تعدد للمناحي و تباين في الآراء. و ربما استأثر بالوقف فرد واحد يكون أشد المستحقين مراسا، فيغصب حقوق الآخرين. من أجل هذا ترى الغاصبين و في مقدمتهم المتولي أو الناظر يقضون حياتهم على دكات المحاكم الشرعية مدافعين ذوي الحقوق بالحق و الباطل، حتى جرى في حكم الأمثال قولهم «نصف الأوقاف موقوفة على الحكام».

شرط الواقف و خراب أوقاف الشام:

بالغ المتأخرون في احترام الأوقاف أهلية كانت أو خيرية حتى قالوا:

إن شرط الواقف كنص الشارع، و لو كان فيما هو ظاهر ضرره و مكروه عند العارفين. و عدت الأوقاف على طول الزمن من أعظم القربات حتى قالوا: إنّ من لم يمت عن وقف مات ميتة جاهلية. و قد ردّ ابن قيم الجوزية قول من قال: إن شرط الواقف كنص الشارع فقال: إن شرط اللّه أحق و أوثق، بل يقولون ههنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع و هذه جملة من أبطل الكلام، و ليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدا، بل نصوص الواقف يتطرق إليها التناقض و الاختلاف، و يجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع و إلغاؤها، و لا حرمة لها حينئذ البتة. و يجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحب إلى اللّه و رسوله منها، و أنفع للواقف و الموقوف عليه. و قال علماء الحنفية: إن قولهم شرط الواقف كنص الشارع لا في وجوب العلم به و الإثم بتركه، بل بالاخذ بمفهومه و أنه لا يستحق المعلوم إذا خالفه.

93

و قال ابن القيم أيضا عند كلامه على الحيل الجديدة في مسائل الوقف:

و من الحيل الباطلة تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا، و قد شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا، فيؤجر المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، و هذه الحيلة باطلة قطعا، فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول الإجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا، و كم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق، و خرج عن الوقفية بطول المدة، و استيلاء المستأجر فيها على الوقف هو و ذريته و ورثته سنين بعد سنين، و كم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالإيجار الطويل، و كم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة و قبض الأجرة، و كم زادت أجرة الأرض أو العقار أضعاف ما كانت، و لم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها. إلى أن قال: اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب و يتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه، و استمرارا لصدقته، و قد يكون هذا خيرا من بيعه و الاستبدال به، و قد يكون البيع و الاستبدال خيرا من الإجارة اه.

و بهذا النقل رأيت أن الوقف يصح بيعه و استبداله إذا كان هناك مصلحة، و أن تلاعب المتلاعبين أدى إلى تبدل الأوقاف و جعلها حرة تباع و تشرى منذ المئة الثامنة أو من قرن قبله، و لو لا ذلك لأصبحت الشام إلا جزءا قليلا منها أوقافا بمرور الأيام، و وقفت بالوقف حركة العمران وقوفا هو الجمود بعينه، و في الجمود الموت و الفناء. و لكن المولى تعالى أرفق من أن يسلب منافع الأرض مخلوقاته، و يجعلها خاصة بفئة معينة لا تنقطع عنهم مادتها، و لو لا ذلك لكان ابن الغني غنيا على الدهر، و ابن الفقير كذلك، و لبطل هذا النظام الطبيعي الذي لا تقوى القوانين على تغييره.

قالوا: إن الأمير جكم العرضي (810) الذي تسلطن بحلب و الشام أخرب غالب الديار الشامية، و أخرج أوقاف الناس في الشام و فرقها إقطاعات بمثالات على جماعته. و أخرج الملك شيخ الأوقاف بدمشق و جعلها إقطاعات و فرقها بمثالات على عسكره. و في أيام الناصر فرج خرجت غالب أوقاف الناس في البلاد الشامية و الحلبية. فاستدللنا بذلك أن الأوقاف لم تلزم حالة

94

واحدة، و الرأي في تعطيلها لصاحب القوة أيا كان.

كان أكثر العمال و أصحاب الأموال في عصور المصادرات يقفون الأوقاف على الجوامع و المدارس و الرّبط و المستشفيات و غيرها فرارا بأموالهم من مصادرات الملوك إذا غضبوا عليهم و نحّوهم عن وظائفهم، أو قضوا نحبهم فطمعوا في وفرهم، و هذا كان الشأن مع الأقوياء و الأمراء و أرباب الإقطاعات.

و من الأوقاف ما منحه الملوك بعض عمالهم و حاشيتهم ليستمتعوا بها ما داموا أحياء على سبيل الإقطاع، فما عتّم المنعم عليهم أن جعلوا ذاك العقار أو تلك القرية بواسطة القضاة و أهل الحكم أوقافا شرعية يتناولها أعقابهم من بعدهم فتتوزع عليهم بعد أن يكونوا ألفوا الاتكال، و انقطعت أيديهم عن الأعمال، إلا من بسطها لتناول ريع أوقافهم الحقيرة. و إذا كان بعض الواقفين توقعوا من أوقافهم أن تقي أبناءهم و أحفادهم عوادي الفاقة، فإن اعتماد أنسالهم على ما خلفه لهم آباؤهم قد يرميهم فيما كانوا يحاذرونه من الفقر، و ذلك لتوزع الوقف بتعدد الأنصبة، و لأن المستحقين لمغلّ الوقف يعتمدون على ريع أوقافهم التي تأتيهم بلا عمل غالبا، و ينسون أن الثروة هي العمل، و أن من لا يعمل لا يثري و لا يتنعم، سنة اللّه في خلقه.

التفنن في الأحباس و التلاعب بالموقوف:

و لقد تفنن القوم في أنواع الأوقاف حتى لا يكاد يخطر ببالك خاطر في الوقف إلا و تجد من سبقك إليه مما أوشكت أن تكون معه معظم ديار الإسلام موقوفة، و كاد يصبح نصف أرض المملكة تقريبا من نوع الوقف، و كانت ثلاثة أرباع الأملاك في المملكة العثمانية وقفا على الجوامع و المساجد.

و الأحباس و الأوقاف عامة و خاصة، فالعامة هي ما جعل عينها و ريعها بدون قيد و لا شرط وقفا على أعمال الخير و البر أو على المصالح العامة. أما الخاصة فهي التي جعل واقفوها حق الاستمتاع بريعها إلى وارثيهم مباشرة، و لا تؤول إلى الأوقاف العامة إلا بانقراض نسل الواقف. قلنا: و من العادة أن يشرط الواقفون في أواخر صكوكهم شروطا منها أن الوقف إذا انحل بفقد الذرية و انقراض المستحقين يعود بجملته إلى الحرمين الشريفين، و من الناس‏

95

من يقفون عليهما مباشرة. و أنشأوا في بعض العهود ديوان البر جعل حاصله لإصلاح الثغور و للحرمين الشريفين.

و في صك وقف الملك سيف الدين بلبان لزور بلحسين في شيزر سنة أربع عشرة و سبعمائة: «أنه وقفه وقفا صحيحا شرعيا على نفسه الزكية الطاهرة الرضية، مدة حياته، أحياه اللّه الحياة الطيبة، ثم من بعده على أولاده ذكورا و إناثا على الفريضة الشرعية للذكر مثل حظ الانثيين، ثم على نسله و عقبه قرنا بعد قرن و جيلا بعد جيل، على الشرط المزبور على أن من مات منهم عن ولد أو ولد ولد أو نسل و عقب، كان نصيبه لولده ثم لولد ولده ثم لنسله و عقبه، يقدم الأقرب فالأقرب، و من مات و لا ولد له و لا نسل و لا عقب كان نصيبه للأقرب فالأقرب لمن هو في درجته و ذوي طبقته، فإذا انقرضوا بأجمعهم و خلت الأرض منهم ذكرهم و أنثاهم، رجع هذا الوقف بأجمعه على الفقراء و المساكين و الأيتام و الأرامل و المنقطعين و المجاورين بالحرمين الشريفين بمكة و المدينة الطيبة ...» و شرط أن لا يؤجر جميعه و لا شي‏ء منه في عقد واحد أكثر من ثلاث سنوات، و لا يستأنف عقد حتى تنقضي مدة عقد الأول. و على هذا جرت عادة الواقفين باتباع هذه الشروط و سطروا وقفياتهم عليه. و من الوقفيات التي اطلعنا عليها حجة نقلت حوالي المئة العاشرة عن حجة كتبت سنة ثمان و سبعمائة للهجرة جاء فيها أن «الست الجليلة صالحة خاتون ابنة الأمير الكبير صلاح الدين بن بهلوان ابن الأمير الكبير شمس الدين الأكري الآمدي وقفت و حبست و أبدت، في صحة منها و سلامة و جواز أمرها، جميع الضياع الخمس المتلاصقات المعروفات بوادي الذخائر عمل دمشق المحروسة و تعرف أحداهن بالبويضا و الثانية بالبريصا و الثالثة بالحميرا و الرابعة بدير عطية و الخامسة بالحمرا» و قد تغيرت معالم هذا الوقف و لا يعرف بهذه الأسماء غير دير عطية و الحميرا في تلك الجهة، و انتقلت هاتان القريتان إلى أيد أخرى.

و تفنن الواقفون في صدقاتهم و مبراتهم في الشروط التي شرطوها، و في كتاب وقف الوزير لالا مصطفى باشا و وقف زوجته فاطمة خاتون بنت محمد بك بن السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري، و كتب الأول سنة

96

أربع و ثمانين و تسعمائة و الثاني سنة أربع و سبعين و تسعمائة، مثال من هذا التفنن. و وقف الأول على منزل في قرية القنيطرة للمترددين بين مصر و الشام و زائري القدس و مشهد الخليل و جامع قرية الشعراء من عمل القنيطرة و مكتب على الصبيان و عمارة على الضيفان إلى غير ذلك من ضروب البر، و في هذا الكتاب كلام على المتولي و وظيفة الواقف و أولاده و البنات منهم أو انقراضهم، و جباة الوقف و وظيفتهم و خطيب الجامع و الإمامين و رئيس الحفاظ و القراء و المؤذنين و وظيفة ثلاثين قارئا و مفرّق الأجزاء و من يقرأ سورة يس و عم و النصر و تبارك و معلم الكتاب و خليفته و المبخر، و المشروط لثمن القناديل و الزيت و وظيفة الشّعال و البواب و القيم و الكناس و الفراش و معاونه و البواب بالحوش، و شيخ العمارة و نقيب اللحم و الخبز و وكيل خرج العمارة و صاحب المستودع و معاونه و حافظ الغلال و الخباز و تلميذه و الطباخ و تلميذيه، و من يغسل الصحون و ينقي الأرز و دقاق الحنطة و البناء و البستاني و مصلّح الصحون و كناس منازل المسافرين و الذاكرين في مسجد القنيطرة و المؤذنين بجامع الأموي بدمشق، و المشروط لحصير المكتب بالقنيطرة، و وظيفة من يرمم الموقوفات و رئيس الشواة، و شرط الواقف في الإطعام و مدة إقامة المسافرين إلى غير ذلك من الشروط و القيود مما لا يصدر إلا عن أناس ذاقوا طعم الحضارة و أشربت نفوسهم محبة الخير. و لهذا من الأمثال مئات و ألوف، و قد بلغ ريع الأوقاف التي استصفتها الحكومة في الشام و أدخلتها في موازنتها بضع مئات الألوف من الليرات و قد أكل أكثر منها، و لو صرفت على ما وضعت له لما بقي في القطر جاهل و لا معوز. و في حجة وقف تكية السلطان سليمان بدمشق المؤرخة سنة (964) غرائب من شروط البر لا تخطر في الفكر. منها إطعام ثمانمائة فقير في كل غد و عشية و أن يكون الخازن على غلاله حفيظا فظا غليظا حتى لا يني في توزيع الغلال و أخذها منه. و كان الواقفون يعينون على الأكثر المبالغ التي تعطى للمباشرين لخيراتهم من العلماء و غيرهم، كما عينوا نوع الصدقات و مقدارها، ففي كتاب وقف المدرسة الدلامية بدمشق أن صاحبها رتب بها إماما و له من المعلوم مائة درهم، و قيّما و له مثل الإمام، و ستة أنفار من الفقراء الغرباء المهاجرين‏

97

لقراءة القرآن و لكل منهم ثلاثون درهما في كل شهر، و من شرط الإمام الراتب أن يتصدى لإقراء القرآن للمذكورين، و له على ذلك زيادة على معلوم الإمامة عشرون درهما، و ستة أيتام بالمكتب الذي على بابها، و لكل منهم عشرة دراهم في كل شهر أيضا. و قرر لهم شيخا و له من المعلوم في الشهر ستون درهما، و عاملا و له من المعلوم كل سنة ستمائة درهم، و رتب المرتب في كل عام مثلها، و للسبع و لقراءة البخاري و التواريخ مائة درهم، و لأرباب الوظائف خمسة عشر رطلا من الحلوى و رأسا غنم أضحية و لكل من الأيتام جبة قطنية و قميص ... و تاريخ هذا الوقف (847 ه).

و من غريب الأوقاف و أجملها قصر الفقراء الذي عمره في ربوة دمشق نور الدين محمود بن زنكي. فإنه لما رأى في ذلك المتنزه قصور الأغنياء عزّ عليه أن لا يستمتع الفقراء مثلهم في الحياة، فعمر القصر و وقف عليه قرية داريا و هي أعظم قرى الغوطة و أغناها. و في ذلك يقول تاج الذين الكندي:

إن نور الدين لما أن رأى* * * في البساتين قصور الأغنياء

عمّر الربوة قصرا شاهقا* * * نزهة مطلقة للفقراء

و ذكر القرماني أن داريا كان وقفها لعامة فقراء دمشق تفرق عليهم غلاتها، و ما برحت كذلك وقفا إلى القرن الحادي عشر كما قال كاتب چلبي.

و لقد أخر الاستكثار من الأوقاف سير الشرق في محجة الترقي و لا يزال مؤخرا لها، و كم في هذا القطر من آثار و دور و قصور و محال عامة هجرت و تعطلت بضياع أوقافها و كثرة المتنازعين عليها، و كان من الأوقاف أن أضرت بالجباية التي تصرف في مصالح الدولة قال بلوك: إن العقار الموقوف على الأعمال الخيرية عند المسلمين لا يعفى من الضرائب فقط بل إنه لا يباع، و هو امتياز انتفع به كثير من رؤساء البيوت و استخدموه في تدبير ثرواتهم، و لذلك كثرت الأوقاف كثرة زائدة فأضرت كل الضرر بالمصلحة العامة، ذلك لأن إعفاء الأحباس من الخراج يسلب الحكومة جزءا مهما من ريعها

98

و ارتفاعها. و حظر بيع الوقف يعبث بريعه على وجه الإجمال، لأن أموال الأوقاف و عقاره لا تستثمر استثمارا جيدا.

و لقد شدد الواقفون في شروط أوقافهم خصوصا إذا كان عليها مسحة الأوقاف المسبلة على المصالح العامة، و مع هذا انتهبتها أيدي الضياع، وسطت على ريعها و أعيانها مخالب السارقين و المزورين. و هذه مدينة دمشق كان في واديها في القرن التاسع زهاء ألف و خمسمائة مسجد و جامع، و ليس فيها اليوم مائتان و خمسون، و كان فيها أوائل القرن العاشر ثلاثمائة و عشرون مدرسة و رباط و خانقاه و تكية و مستشفى و ليس فيها اليوم من كل ذاك الإرث القديم خمس مدارس و ربط يصح أن يطلق عليه اسم مدرسة أو رباط اللهم إلا من باب التجوز، و قد بدلت أعيانها كلها و اختلست أحباسه، و منها ما لا تزال قائمة أوقافه مزبورة على أحجار أبوابها حتى الساعة تقرأ بلسان عربي مبين، على كثرة ما بدل المبدلون و تلاعب المتولون و المستحقون، و هكذا قل عن مدارس القدس فإن أكثرها مما عبث به النظار و المتولون، و مثل ذلك قل في مدارس حلب و هي تعد بالعشرات كمدارس العاصمة و رباطاتها و زواياها و جوامعها فإنها أصبحت و أوقافها أثرا بعد عين و لم يكتب البقاء إلا لبضع منها.

أوقاف نور الدين و صلاح الدين و من تقدمهما و خلفهما:

راجت أسواق الأوقاف على عهد صلاح الدين يوسف و آل بيته، فإن حاشيته و أولاده أكثروا من أعمال الخير اقتداء به حتى وقف عبيد دولته و جواريه و أبناؤه و أحفاده و بناته أوقافا جمة على الخيرات. و كان ريع أوقاف نور الدين في الشام سنة (608) تسعة آلاف دينار صورية كل شهر، ليس فيها غير ملك صحيح شرعي ظاهرا و باطنا.

تقدم نور الدين بإحصاء ما في محالّ دمشق فأناف على مائة مسجد فأمر بعمارة ذلك كله و عين له وقوفا. و قد وقف و تصدق في سبيل الخيرات و وجوه البر و الصدقات، ما تقدير ثمنه مائتا ألف دينار، و تقدير الحاصل من ارتفاعه في كل سنة ثلاثون ألف دينار، من ذلك ما وقفه على المدارس‏

99

الحنفية و الشافعية و المالكية و الحنبلية و أئمتها و مدرسيها و فقهائها، و ما وقفه على دور الصوفية و الرّبط و الجسور و البيمارستانات و الجوامع و المساجد و الأسوار و ما وقفه على أبناء السبيل في طريق الحجاز، و ما وقفه على فكاك الأسرى و تعليم الأيتام، و قصر الغرباء و فقراء المسلمين، و ما وقفه على الأشراف العلويين و العباسيين، و ما ملكه لجماعة من الأولياء و الغزاة و المجاهدين.

هذا عدا ما أنعم به على أهل الثغور من أملاكهم فإنه يضاهي هذا المبلغ و زيادة. و لهم أوقاف على فكاك الأسرى و منها وقفان سجلا على الحجر بالحرف الكوفي في مدينة بصرى في حوران تاريخ أحدهما سنة (561) و وقف جاولي أربعة حوانيت و وقف آخران فرنا و دارا على من لا يكون له أهل و لا يقدر على فكاك نفسه.

قال ابن جبير من أهل القرن السادس عند كلامه على مشاهد دمشق:

و لكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة على بساتين و أراض بيضاء و رباع، حتى إن البلد تكاد الأوقاف تستغرق جميع ما فيها، و كل مسجد يستحدث بناؤه أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها و بساكنيها الملتزمين لها، و هذه أيضا من المفاخر المخلدة، و من النساء الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة و تنفق فيها الأموال الواسعة و تعين لها من مالها الأوقاف، و من الأمراء من يفعل مثل ذلك. و ذكر ابن بطوطة في القرن الثامن في رحلته كلاما يقرب من كلام ابن جبير قال: و الأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها و مصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج لمن يحج عن الرجل كفايته، و منها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، و هن اللواتي لا قدرة لأهلهن. على تجهيزهن، و منها أوقاف لفكاك الأسرى، و منها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يأكلون و يلبسون و يتزودون لبلادهم، و منها أوقاف على تعديل الطرق و رصفها و منها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير. قال: مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت بها مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صفحة من الفخار الصيني، و هم يسمونها الصحن، فتكسرت و اجتمع عليه الناس فقال له بعضهم: اجمع شقفها و احملها معك لصاحب أوقاف الأواني فجمعها و ذهب الرجل معه إليه فأراه‏

100

إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن. قال: و هذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لا بدّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، و هو أيضا ينكسر قلبه و يتغير لأجل ذلك، فكان هذا الوقف جبرا للقلوب.

تكاثر الأوقاف و مضار الجمود:

استولى الخراب على الشام بعد تخريب تيمور دمشق أوائل المئة التاسعة و لكن عاد إليها رونقها فتجددت على عهد الدولة الشركسية، فلما جاء العثمانيون أخذت تتراجع حتى بلغت هذه الدركة من الانحطاط الذي نراه، و ليس في القطر جزء صغير من ذاك العمران المستبحر، و قد نال الأوقاف ما نال غيرها من التشتت، و كأن يد القدرة قضت أن لا تدوم سعادة السعيد و لا شقاء الشقي، و لو دامت مثلا تلك الحركة المباركة التي كان الناس أو أهل الثروة منهم يقلد فيها بعضهم بعضا من إنشاء معاهد الخيرات و الصدقات على اطراد و اتصال، لأصبحت الشام بأسرها مجموعة أوقاف يتناول ريعها الأشراف و الأجلاف، و أصبحت سائر الأمة خدمة و أجراء.

و لذلك كان العقلاء على مثل اليقين أن الأوقاف التي وقفها بعض أبناء الطائفة المارونية في جبل لبنان و بلغت لعهدنا نحو ربع الجبل على ما يؤكد بعضهم يتصرف فيها بطريركهم و ينفق من مستغلها على بعض الأديار و البيع، لا تلبث أن يقوى عليها أصحاب القوة و المكانة و يتخذون من القانون حجة لبيعها أو يعرض لها عارض آخر- كما وقع في فرنسا على عهد ثورتها الأولى و استصفت الحكومة أموال البيع و الأديار و الجمعيات الدينية.- فتتمزق لأن مثل هذه الأوقاف التي حبسها أهل الخير على أعمال البر في الغالب لم تنفع أبناء تلك الطائفة في زمن المحنة أي في الأربع سنين الأخيرة على عهد الحرب العامة، و لو صح الاجتهاد و أظنه يصح في مثل هذه المواقف لأنه هو المعقول و الشرائع تسير على المعقولات، لكان على شمامسة الموارنة و قساوستهم و أساقفتهم و بطريركهم أن يعمدوا إلى بيع تلك الأوقاف أو رهنها على الأقل ليصرفوا ثمنها على إطعام أبناء طائفتهم و لو فعلوا لما مات جوعا في لبنان من الموارنة ألوف.

101

تأثير الوقف في العمران:

رأينا في أيامنا مزارع و منها البعيد عن المدن، المتعذر استثماره بحسب العرف، قد أصبحت حدائق غلبا بفضل توفر مالكيها على تعهدها، و طول آمالهم في تحسينها، إرادة أن يستمتعوا بها هم و أولادهم من بعدهم، و لو كانت من نوع الوقف لخربت و بارت، و لأعرضوا عن تعهدها كما هو المشاهد في القرية الموقوفة و الأرض الموقوفة. و لكم رأينا الداثر الغامر إلى جانب الزاهر العامر. و حالة المسقفات أو العقارات كحالة المستغلات بل أدهى و أمرّ. و كذلك الحال في الأناسي الذين يعيشون من أوقافهم و من يعيشون من زراعتهم أو صناعتهم أو تجارتهم، فتجد في الأولين اتكالا مجسما و همما متراخية، و في الآخرين مضاء و عزما و شمما و حسن ثقة بأنفسهم. و عندي أن من وقفوا الأوقاف و حبسوا الأحباس لأبنائهم و من يجي‏ء بعدهم قد أضروا بهم أكثر مما نفعوهم، و الرزق كالحياة لا طاقة لصغير أو كبير أن يضمنه لنفسه فكيف به لغيره.

كانت الأوقاف نافعة في الصدر الأول لقلتها، و لأنها محبوسة على وجوه البر و على البائسين خاصة. فقد سأل شيخ عاجز من أهل الذمة عمر بن الخطاب شيئا فقال له: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية زمن شبابك، و لم نكفك مؤونة التكفف أيام عجزك، و أمر له من مال الصدقة بما يكفيه.

من أجل هذا كانت الحبس على هذه الغاية الشريفة مما لا يسع عاقلا إنكار نفعه. و لكن الملوك و من بعدهم من رجال الدول أنشأوا يجعلون من أموال المغارم أوقافا، و قلما تشاهد المخلص فيما حبس و وقف.

الأوقاف عند قدماء العثمانيين:

كانت تغلب على ملوك بني عثمان في مبدإ أمرهم البداوة و السذاجة و التدين، و لذلك ملأوا بروسة و أدرنة و الاستانة و كوتاهية و ازنيق بأوقافهم و مدارسهم، و كذلك فعل وزراؤهم و كانوا يتناولون أرزاقهم من مقاطعات يقطعهم إياها سلطان الوقت. فلما غلبت عليهم الحضارة و فتحوا مصر و الشام في عهد سليم و تكاملت فتوحهم في عهد سليمان، أصبحوا يتفننون في ضرب‏

102

الضرائب على الرعية، و قد غدا دخلهم لا يوازي خرجهم كما كان سابقا، و أمسى رجال الأمر فيهم يسيرون على سيرة ملوكهم يعرقون لحم الأمة ليجمعوا أموالا ربما وقفوا بعضها على الأعمال الخيرية، فكانوا كالتي تزني و تتصدق، و ما كانت صدقاتهم في الحقيقة إلا فرارا بأموالهم من المصادرات لأن مصادرة الوزراء و الأمراء بعد المئة العاشرة أصبحت في الدولة العثمانية موردا من الموارد التي تعيش بها الدولة، بعد أن كانت لأول أمرها تقتصر في دخلها على الجزية الشرعية و الخراج الذي كانت تتقاضاه من ملوك النصرانية و أعشار الأملاك السلطانية و ريع الجمارك و الملاحات و الخمس الشرعي من أموال الغنائم.

و إذا كان عمال الدولة لا يأخذون الأموال إلا من حلّها كيف استطاع مثل سنان باشا فاتح اليمن أن يصرف على خيراته ما يربو على مليوني ليرة بسكة زماننا، و لو قدر هذا المال بقيمته العرفية اليوم لبلغ عشرة ملايين.

لا جرم أنه لم يحتجن هذا المبلغ الذي تعجز أمة من الأمم الراقية اليوم عن المفاداة به إلا بارتكاب ضروب المظالم و المغارم. و لو فتح هذا الفاتح ما بين المشرقين و ارتكب مثل هذه المنكرات في أموال العباد ما نفع شيئا في قرباته و صدقاته.

و إذا كان مثل جنجي خوجه من مشايخ السلطان إبراهيم، و هو من أرباب الدجل، قد جمع من الرشاوى و الهدايا و الأوقاف ما يربو على مائة ألف كيس و الكيس خمسمائة قرش يوم صودر و أخذ خطه بها، فكيف حال من يقبض على زمام الأمر من الوزراء و الولاة و يظل مدة في منصبه، ثم هو يظن أن إنشاء مدرسة أو جامع مما يبرر أعماله و يكفر عن سيئاته، و أن ذراريه بمأمن من الفقر لأن الملوك في الغالب كانوا يتركون لهم العقارات و الأرضين و يكتفون بمصادرة الأموال فقط.

الوقف من مال غير محلل:

قال في «نتائج الوقوعات»: و مؤلفه من وزراء السلطنة في عهد السلطان عبد العزيز ردا على من قال إن الأسلاف لم يحبسوا ما حبسوه إلا خوف المصادرة