خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
103

و إرادة أن يتركوا لأولادهم و أحفادهم موردا يعيشون به: إذا كان من الواقفين من هم على هذه الصفة فإن أكثرهم على خلاف ذلك لا محالة، و قد رأينا في صكوك أحباسهم أنهم وقفوها على الجوامع و المدارس و الكتاتيب و الخانات و الحمامات و على إنشاء القلاع و إعاشة القائمين عليها من المرابطين و على أبناء السبيل. إذا عرفت هذا و شاهدت ما أبقوه من هذه الآثار الجسيمة النافعة التي ساعدوا بها على نشر المعارف و العلم و عمروا بها المملكة، فليس من الإنصاف أن تقدم الأصل على الفرع و تذهب إلى سوء الظن فيهم. قال:

و إذا جئنا نبحث عن المبالغ التي أنفقت على هذه الأوقاف و عما إذا اكتسبت من وجوه محللة، فأنا معك بأن كل هذه الخيرات لم تتم بالمال الطيب، أما و قد جمعت تلك الأموال بصور مختلفة فإن إنفاقها بما ينفع العامة من الأعمال الصالحة أزين في العاقبة و أدعى إلى المحمدة، من صرفها في الإسراف و السفاهة، و حابسها يذكر بالرحمة، و يستفيض اسمه المسجل في عداد المتصدقين.

هذا ما ارتآه الوزير التركي و في كلامه نظر عند العقلاء إذ أي طاعة تثبت في جنب تلك المعاصي. و لعمري متى ساغ للمرء أن يأكل أموال الناس بالباطل، ثم يتصدق بها أو ببعضها و يحمد الخالق و الخلق أثره. و قد أحسن هذا الوزير بقوله: إن صرفها في هذه السبيل أولى من غيره على كل حال.

قال حجة الإسلام الغزالي: أرباب الأموال و المقتّرون منهم فرق، ففرقة يحرصون على بناء المساجد و المدارس و الرباطات و القناطر و ما يظهر للناس كافة و يكتبون أساميهم بالآجر عليها ليتخلد ذكرهم، و يبقى بعد الموت أثرهم، و هم يظنون أنهم قد استحقوا المغفرة بذلك، و قد افتروا فيه من وجهين: أحدهما أنهم يبنونها من أموال اكتسبوها من الظلم و النهب و الجهات المحظورة، فهم قد تعرضوا لسخط اللّه في كسبها، و تعرضوا لسخطه في إنفاقها، و كان الواجب عليهم الامتناع عن كسبها، فإذا قد عصوا اللّه بكسبها فالواجب عليهم التوبة و الرجوع إلى اللّه تعالى، وردها إلى ملّاكها إما بأعيانها أو برد بدلها عند العجز، فإن عجزوا عن الملاك كان الواجب ردّها إلى الورثة، فإن لم يبق للمظلوم وارث فالواجب صرفها إلى أهم المصالح.

104

نعم نحن على رأي صاحب «نتائج الوقوعات» من أن جميع الواقفين لم يكونوا على نسبة واحدة في تحصيل الثروة، و قوله إن أكثرهم صالح يحتاج إلى نظر بليغ، بل الأولى أن يقال: إن منهم الصالح الذي جمع أمواله من طرق مشروعة و جعلها قربة لمولاه لما اقترب من لقائه، كأن يدخر المال و يقتصد فيه و يكون إقطاعه أو راتبه عظيما، أو يرث من آبائه أو غيرهم أو يتجر و يزارع إلى غير ذلك من وسائط الاغتناء المشروع، و في سير بعض الأمراء و العلماء و بعض صدور الناس حوادث كثيرة تؤيد هذه القضية.

مضار الأوقاف:

و كيفما دارت الحال فإن الأوقاف على الصورة التي وصلت إليها في هذه الديار عامة كانت أو خاصة قد حملت في مطاويها من المضار، أضعاف ما توقع واقفوها منها من المنافع، و خصوصا الأوقاف الأهلية فإنها ضارة من كل وجه، أما الأوقاف على وجوه البر و التقوى فليس في استطاعة أحد منعها ما دام المرء حرا بماله يصرفه كما يشاء.

و قد أدرك العثمانيون في العهد الأخير مضار الأوقاف الأهلية فقضوا بقسمتها إذا كانت صالحة للقسمة، أو بيعها و تقسيم ثمنها بين الشركاء، إن لم تكن كذلك بمجرد طلب أحد الشركاء، و بذلك تخف مضرتها. على أن أوقاف الجوامع و المدارس و سائر القربات أيضا قد تخلص من ربقة الوقف بحيل يسمونها شرعية و اخترعوا لها أسماء كالتحكير و الاحترام و الإجارتين و المرصد و أخرجوها بهذا العمل عن ملك الوقف إلى ملك خاص. و بهذا كانت تقل الأوقاف حينا و تكثر تارة أخرى، و في حلب اليوم ألف و أربعمائة وقف ينظر فيها ديوان الأوقاف و يبلغ ريعها مليوني قرش ما عدا الأوقاف الأهلية، و كذلك الحال في دمشق و القدس و أوقاف كل بلد بحسب غناه و نفوسه.

منافع الأوقاف:

إن إخراج الزكاة عند المسلمين في القرون الأولى للإسلام، ثم إنشاء المعاهد الدينية و غيرها في القرون الوسطى و ما بعدها، و حبس الأموال لإطعام‏

105

الفقير و الزّمن و العاجز عن الكسب، قد خفف و لا شك من شرور الفاقة بعض الشي‏ء، و إن كان فيه من جهة أخرى تحبيب التوكل و التواكل إلى الناس. و لم نر في ديارنا، و تحصيل الرزق فيها أهون منه في أوربا مثلا، ما نسمع به من ضروب الشقاء الذي يسوق هناك إلى الانتحار و إلى ارتكاب الفظائع. و بعض الأمم المتمدنة اليوم تفكر في قتل العجائز لقلة فائدتهن، و الإبقاء على الكلاب و هذا من أغرب ما سمع. و لم يعهد العرب شيئا من هذا بفضل ما حبسه المتصدقون على ضروب البر، و إن كان هذا الإفراط في الإفضال على العاجزين عن الكسب، قد يورث الخمول و يقعد بالهمم عن الكدح.

إلى اليوم لم ينشأ للبشر مجتمع كامل في عامة صفاته، على كثرة ما جاءه من الشرائع و سنّ لأجله من القوانين، و السعادة لم يمسسها الناس بأيديهم، و كأنها محالة الآن. و ما ندري إن كانت أسبابها تتم في مستقبل الدهور و العصور، فلا الوقف وقى الناس من الفقر، و لا عدمه أفقرهم. هذه القوانين قد تلطف من شرّة الشر، و لكنها لا تستأصله من جذوره، لأن لذلك أسبابا أخرى، و لعله لا يتم المطلوب قبل انقضاء أيام و ليال، و قضاء آجال و أجيال، و اللّه يحكم لا معقب لحكمه.

تقسيم الأوقاف و إصلاحها (*):

يقسم الوقف إلى خيري و أهلي، و ينقسم الخيري إلى ديني محض كحبس المساجد و المعابد، و إلى ديني دنيوي و هو يشمل جميع أنواع الوقوف الخيرية كوقف مدارس العلم و دور الصناعات و رباطات المجاهدين، و فنادق أبناء السبيل، و مستشفيات المرضى، و مقابر الموتى، و نحو ذلك من وسائل الارتفاق العام، و مثله ما تحبس عينه لينتفع بريعه مصارف الصدقات الشرعية، سواء أكان الحبس على جميع المساكين أم على فئة مخصوصة منهم.

____________

(*) اقترحنا على صديقنا الشيخ سعيد الباني أن يكتب لنا رأيه في الأوقاف و طرق إصلاحها فكتب كتابا سماه «الكشاف عن أسرار الأوقاف» فاقتبسنا منه ما هو بمثابة تتمة لما كتبناه في الفصل السابق.

106

و أما القسم الثاني و هو الأهلي فينقسم إلى طائفي و ذرّي، و الأول ما حبسه الواقف على طائفة مخصوصة من الناس. و الثاني ما حبسه على ذريته من بعده.

و هذه الأقسام تبع لانقسام الوقف باعتبار المتعلق، لأنه ينقسم باعتبار متعلقه و عوارضه إلى أقسام كثيرة، فالمتعلق الموقوف له كالعبادة التي وقفت لأجلها المعابد، و الثاني الموقوف عليه و هو المخلوقات التي تتمتع بنعمة ما حبس عليها، و الثالث الأعيان الموقوفة. و أما العوارض فهي كالصحة أو عدمها من الوجهة الشرعية، و كالضبط أو الإلحاق من الوجهة الإدارية، و قد يتداخل بعض هذه الأقسام مع فروعها فيقال مثلا وقف خيري صحيح مضبوط.

و لانقسام الأعيان إلى ثابتة و منقولة انقسم الوقف باعتبار هذا المتعلق إلى وقف الأموال الثابتة و وقف الأموال المنقولة. فالثابتة كأرض الزراعة المملوكة الرقبة و الحوائط و البساتين و العرصات و العقارات المسقوفة. و هذا النوع لا خلاف بين جمهور علماء المسلمين بصحة وقفه. و أما الأموال المنقولة صامتة كانت أو ناطقة، فقد اختلف الفقهاء بصحة وقفها، و المعتمد الصحة وفقا لما جرى عليه تعامل المسلمين في القديم و الحديث من وقف المصاحف و الكتب و الجنازة و نحو ذلك، و بالأولى معدات الجهاد كالسلاح و الكراع.

و الأرض الأميرية سواء أكانت عشرية أم خراجية لا يصح وقفها إلا إذا كانت مملوكة الرقبة، فإذا ملكها السلطان ملكا شرعيا فله أن يقفها على من يشاء كتصرفه ببقية أمواله المملوكة. و الواجب إذا تقييد وقف السلاطين الأرض الأميرية بالأوقاف الأهلية، إذ لا يسوغ للسلطان أن يفرز مزرعة من أرض بيت مال الأمة العام و يخصها بفئة من الناس على سبيل الحبس و التأبيد، كما فعل السلطان سليم الأول العثماني حينما استولى على الشام بإفرازه كثيرا من المزارع بدون تملك رقبتها، و وقفها على أرباب الزعامة الدينية و ذراريهم. و العشر الذي تتقاضاه اليوم البقية الباقية من الذرية أو أدعياء النسب المندسون بها، هو ضرب من السحت يجب أن يتحول مجراه عن هذه الحليمات الطفيلية إلى مصالح الأمة و مرافقها الخيرية العامة.

107

و خلاصة القول أن هذا النوع من الأوقاف السلطانية غير صحيح، و بالأخلق وقف الوزراء و عمال الولايات. و لو اقترن بموافقة سلطانهم الأعظم، لأن عمال القرون المظلمة في عهد الحكم الإقطاعي كانوا يقترفون في إيالاتهم ما شاءوا و شاءت أهواؤهم فيقتلون البررة و الأبرياء، و يعفون عن الجناة و قطاع السابلة الأشقياء، و يصادرون أموال من يشاءون، و يصلون بها من يشاءون. فإذا كان الموت و الحياة بين شفتيهم، و حقوق العباد الخاصة ألعوبة بين أيديهم، و أموال الرعية مباحة لديهم، فأخلق بهم أن يعبثوا بالحقوق العامة كأرض بيت المال الشائعة الانتفاع بين أفراد الأمة، فراغا بالبيع أو انتقالا بالإرث، أو إحياء بالعمل مقابل البدل. فقد كان هؤلاء الظلمة يضعون أيديهم على ما يختارونه من أرض إيالتهم الأميرية المملوكة الانتفاع فضلا عن الشاغرة (و هي ما تدعى بمصطلح قانون الأرضين بالمحلولات الأميرية) و يتملكون هذا الحق بالتفويض من أنفسهم لأنفسهم، لأنهم الكل بالكل لا يسألون عما يفعلون، ما داموا يشترون الولاية على الإيالة بثمن مقطوع، يؤدونه مسانهة إلى سلطانهم أو أعوانه، و بعبارة ثانية يفهمها عوام الموظفين الحكوميين، ما دام الولاة يلتزمون الولاية على الإيالة من أعوان السلطان بالمزايدة، حتى تصل إلى بدلها اللائق أو الفاحش، و يقع عليهم المزاد الأخير و تحال إلى عهدتهم إحالة قطعية.

و كل وقف من أوقاف السلاطين يتحول من منفعة خاصة إلى مصلحة عامة فهو صحيح و العكس بالعكس. و حكمة ذلك سد الذرائع بوجه الوزراء و عمال الإيالات الظالمين الذين كانوا يطوقون بنفوذهم الأرض الشاغرة، و يغتصبون المملوكة و ينتفعون بحق قرارها، ثم يحتالون بوقفه خشية المصادرة.

و قد مهد لهم سبل الاحتيال المتفقهة المصانعون، فأفتوهم بصحة الوقف على النفس الذي يروى القول بصحته عن بعض علماء السلف لمصلحة عامة، و هي ترغيب الناس بالوقف لأن مصيره بعد موت الواقف و انقراض ذريته إلى جهة لا تنقطع، و هي الفقراء و المساكين الذين لا تخلو منهم الأرض في كل عصر و قطر. لكن متفقهة السوء قلبوا هذه المصلحة مفسدة فأعانوا الظلمة بهذه الفتوى و أضرابها على إفراز المزارع من أرض بيت المال، و حبس‏

108

حق قرارها على أنفسهم في حياتهم و على ذرياتهم من بعد مماتهم.

هذا رأي نبديه من الوجهة الفقهية النظرية، و لا نفتي و لا نقضي به من الوجهة الشرعية العملية، و إن كان مناطه المصلحة العامة التي ترمي إليها الشريعة السمحة الواسعة ما لم تتفق عليه كلمة أهل الحل و العقد من علماء الشريعة الإسلامية، لأن الفرد يخطئ و يصيب. لكن الذي نقطع بإجحافه من الوجهة القانونية هو مصادرة حق قرار الأرض من المتصرف بها بمجرد تعطيلها ثلاث سنوات عن الحرث و الزرع بدون معذرة شرعية، لأن المتصرف بالمنفعة لم يملكها إلا بأسباب شرعية، و كل ما يملك بسبب شرعي لا يجوز نزعه من مالكه إلا بأسباب شرعية.

ضروب الحيل و انتهاك حرمة الأوقاف:

الناس محتاجون بسائق الاضطرار إلى البيع و الابتياع و المقايضة و المقاسمة، ما دام الإنسان مدنيا بالطبع، مضطرا إلى التعامل بالتبادل الذي هو محور دائرة المنفعة الاقتصادية، و هي دعامة العمران. و قد أورث تهافت السلف على الوقف اصطدام سكونه المؤبد بحركة التعامل الاقتصادي الضروري الاستمرار لأن التصرف بالعقارات الموقوفة بيعا أو شراء ممنوع شرعا، و بواعث العمران و الاقتصاد تقتضي هذا التصرف طبعا، درءا لخطر الآفات الاجتماعية، و الأزمات الاقتصادية.

و لذا اخترعوا- و الحاجة أم الاختراع- انتزاعا على ما يقولون من قواعد الإمام أحمد بن حنبل، ما يدعى في الديار الشامية بالمرصد. و هو الدين الذي على ذمة العقار الموقوف أو الاستيفاء من أجرته بعد استيفاء المتولي عليه مقدارا ماليا معجلا من المستأجر يسمى «خدمة»، و فرض مقدار مؤجل عليه يستوفى منه مسانهة يسمى دينا مؤجلا، بشرط أن يكون المستأجر على الموقوف لعمارته أو ترميمه دينا بذمة شخصه، فاذا أيسر فللمتولي أن يؤدي إلى صاحب المرصد ما كان له على رقبة الوقف ليعيدها إلى جهته طوعا أو كرها. و مرمى هذا المخرج و مغزاه تحرير العقارات الموقوفة بالجملة بمنح التصرف بها بيعا و شراء مراعاة للمصلحة الاقتصادية، مع تقدير مرتب مقابل‏

109

هذا المنح، و مع الاحتفاظ بحق الرجوع بعد أداء الدين حرمة للأحكام الشرعية، و بنسبة تكاثر العقارات الموقوفة بدمشق مثلا تكاثرت المراصد.

هذا فيما يتعلق بالعقارات المسقوفة، و أما الأرضون الصالحة للزراعة فقد اخترعوا لمنح التصرف بها، فراغا أو انتقالا، مخرجا آخر و هو سراية «شد المسكة» من الأرض الأميرية إلى الموقوفة. و معناه استحقاق الحراثة في الأرض التي ليست مملوكة الرقبة للحرث مقابل أداء العشر أو الخراج إن كانت أميرية، و أداء مرتب الوقف إن كانت موقوفة الرقبة بعد أداء حق قرارها. و قد أضحت قضية أرض الزراعة الموقوفة في الشام ذات غموض عظيم في زماننا، لاختلاط الموقوفة بغيرها، و اختلاط الموقوفة وقفا صحيحا لتملك رقبتها بالموقوفة وقفا غير صحيح لعدم تملك الرقبة، و كذلك لاختلاط ذات الوقف الأهلي بذات الوقف الخيري فضلا عن ضياع وقف أغلبها و اندثاره بتقادم العهد، ما عدا الأرضين التي صانت الحكومة وقفها و ضبطته، مقابل إفراز العشر و الاعتراف باستحقاقه لجهة الوقف سواء أكانت خيرية أم أهلية، و سواء أكان الوقف صحيحا أم غير صحيح.

و إذا كانت قضية الأرض الأميرية باعتبار ذاتها من أشكل المشكلات لما طرأ من التبديل على الخطة التي رسمها سيدنا عمر رضي اللّه عنه بعد فتح الشام، فكيف بما عرض لها من عوارض الوقف المختلفة الأنواع التي استترت على أبناء هذا الزمان، ما لم يتح لهم الاطلاع على كتب الواقفين، و مناشير السلاطين المصونة بيد المستحقين أو المتولين، و يندر أن يطلعوا عليها أحدا لعبثهم بشروط الواقفين من الوجهة الخيرية، و اختلاسهم حقوق المستحقين من الوجهة الأهلية.

على أن أغلب أرض الزراعة الموقوفة لا تختلف أحكامها في عهدنا و ربوعنا عن بقية الأرضين من وجهة الفراغ و الانتقال.

و نحن مع اعترافنا بضرورة اختراع هذا المخرج، لعلمنا بيسر الشريعة و اتساعها و ملاءمتها لمقتضيات الزمان و العمران، لا يسعنا إنكار ما نجم عن اختراعه من اندثار الأوقاف الإسلامية و انهيار معالمها، لأنه فسح مجالا لابتداع الحيل التي مهدت السبل لاختلاس الأوقاف و طمس معالمها، و درس معاهدها.

و لما أدرك أرباب الطمع أن المرصد لا يملكهم العقار الموقوف ملكا باتا، لأن‏

110

لمتولي الوقف الرجوع على صاحب المرصد متى أدى إليه دينه على الوقف، كادوا للأوقاف الإسلامية بحيل ابتدعها بعض متفقهة القرون الوسطى، ما عرفها الشرع و لا عرفته و وضعوا لها أسماء سموها ما أنزل اللّه بها من سلطان و هي: القيمة. الجدك (الكدك). الخلو. القميص. الحكر. الاحترام ..

و يشمل هذه الأنواع ما يسمى حق القرار (1) في البلاد الشامية و الكردار في بلاد خوارزم، و هو غير حق القرار في الأرض، بل يريدون به تجوزا الأعيان القائمة سواء أكانت متصلة كالجدران و السقف، أم منفصلة كالآلات و العدد.

و تختلف أسماؤها باختلاف ما حلت به من الأمكنة، فإن حلت في البساتين و الحدائق فاسمها في ديارنا «قيمة» و المراد بها جدران البستان (الدكوك) و ما يشتمل عليه من جذور نجمه. و بمصطلح العامة (شروش الفصة) و معجن مشمشه و بمصطلح العامة (تيغار معك مشمش القمر الدين) و قمامته (المزبلة) و إن وجدت في الحمامات فالمراد بها الفرش و الأثاث كالسجاد و الوزرات و الطاسات. و إن كانت في الحوانيت فتسمى جدكا و هو ما يضعه المستأجر متصلا كالأبواب و الرفوف. أما إذا كان منفصلا كعدد المقاهي و آلات الحلاقة فيسمى خلوا أو حق السكنى. و يغلب على الظن أن هذا غير الخلو الذي اصطلح عليه متفقهة القطر المصري بل الأرجح أنهم يعنون بالخلو ما يدعوه متفقهة الشام بالمرصد، و يقرب منه ما يدعوه متفقهة بلاد الروم بذي الإجارتين، و هو بلا ريب غير الخلو المراد به وضع اليد و القدم.

ثم إن هذه الأعيان إذا كانت في المطاحن فإنها تسمى قميصا، و المراد به آلات الطحن كالقطب و حجري الرحى و نحو ذلك من آلات الطحن المنقولة.

و إذا كانت مادة بناء قائم في عرصة موقوفة فتسمى حكرا. و صورة احتكارها أن يأذن متولي الوقف للمستأجر بالإنشاء في العرصة الموقوفة على أن يكون ما يبنيه ملكا له، بعد أن يؤدي إلى المتكلم على الوقف مقدارا معجلا يسمى خدمة، و يتعهد بأداء مقدار مؤجل يؤدى مسانهة يسمى دينا مؤجلا. و إن كانت غراسا فيسمى غرسها «احتراما». و صورته أن يأذن المتولي على أرض موقوفة- ما عدا أرض الزراعة- بغرسها لإنسان على أن ما يغرسه يكون‏

____________

(1) هو غير حق القرار بالأراضي الأميرية المراد به التمتع بحق حراثتها و زرعها.

111

ملكه أو أن يكون بعضه ملكه، و الآخر ملك جهة الوقف على سبيل التابعية للأرض بعد أن يؤدي إلى المتكلم على الوقف مقدارا معجلا يسمى أيضا خدمة، و يتعهد بمقدار مؤجل يؤدى مسانهة يسمى أيضا أجرة أو دينا مؤجلا- هذا ملخص ما نص عليه المتفقهة المتأخرون.

مصائب الأوقاف:

إن غلو الواقفين بالتهافت على الوقف، و اتخاذ الظلمة المتجرين بالدين الوقف دريئة لصيانة أموالهم المغصوبة من المصادرة، و تحريج أئمة الحرج الذين سماهم بذلك الرسول (صلى اللّه عليه و سلم)، و هم المتفقهة المتنطعون، و تشديدهم على الناس أو تضييقهم ما وسع اللّه تعالى على عباده، و تساهل متفقهة السوء بابتداع حيل الأوقاف لإفعام جيوبهم، و إشباع بطونهم النهمة التي لا تشبع بالقليل لأنهم يأكلون بسبعة أمعاء- كل ذلك كان من أعظم البواعث على إضاعة الأوقاف الإسلامية في الشام، لأن إغراق الأسلاف المتقدمين بالتهافت على الوقف، ضيق على الذين يلونهم من الأخلاف المتأخرين سعة الأرض الحرة بالحبس عن التصرف بيعا أو ابتياعا أو مقايضة أو مقاسمة إلى آخر ما هنالك من ضروب التصرف المدني. على حين مبنى الشرائع الإلهية كما قال ابن القيم على الحكم و المصالح، و كلها رحمة و حكمة، و مصلحة و عدل، و كل قضية خرجت عن الرحمة إلى النقمة، و عن الحكمة إلى العبث، و عن المصلحة إلى المفسدة، و عن العدل إلى الظلم، فليست من الشريعة و إن أدخلت فيها بالتأويل. و أرى أن كل ما كان كذلك فهو من الشرع المبدّل.

أضاع هؤلاء الجامدون حكمة الوقف و مصلحته، و حالوا دون نمو ريع العقارات الموقوفة كحرصهم على شرط الواقف و صفته، و لو اقتضت منفعة الوقف التغيير و التبديل. و قد نجم عن التهافت على الوقف غلو في الدين أو اتجار به، و عن تشديد المتفقهة على الناس ابتداع الحيل التي أودت بالأوقاف، فطفق الناس يتملكون العقارات الموقوفة تملكا محضا، و إن ظلت عليه شية من مسحة الوقف باسم الحكر أو القيمة أو القميص و نحوها من الحيل الكردارية التي جرأت الظلمة فيما بعد على اختلاس المساجد و المدارس و المقابر مباشرة

112

مع عقاراتها الموقوفة عليها بدون التذرع بهذه الحيل، في زمن آثر كثير من أبنائه الدنيا على الدين لفرط جشعهم. فانفجر بركان الجرأة على الشريعة لتضييق أئمة الحرج، و فجر المتأخرون لغلو المتقدمين بالتهافت على الوقف. و لم يجد اختراع مخرج المرصد نفعا لصيانة العقارات الموقوفة. إذ لم نسمع و لم نشهد أن المتكلم على وقف أدى إلى صاحب المرصد ما كان له دينا على رقبة الوقف و استرجعها إلى جهته، بل نمي إلينا عكس ذلك و هو أن أصحاب المراصد كانوا يرشون المتكلمين على الأوقاف ليغضوا الطرف عن انتقال العقارات من الوقف المرصد إلى الملك الحر، و يرشون أيضا مفوضي تمليك العقارات ليسجلوا العقار الموقوف ملكا صرفا، بل إن بعض المتولين أنفسهم كانوا يخونون الوقف باتخاذهم مخرج المرصد حيلة، إذ يتذرعون به بدون اضطرار إليه لتحويل العقار من الوقف المحض إلى المرصد، و يرشون قضاة السوء ليثبتوا اضطرار الوقف إلى الدين و الاستدانة ..

أوقاف الذرية:

قوام الوقف ركنان و هما الحبس و التأبيد، فمتى حبس الواقف العين عن التمليك و أبد الحبس بالتقييد إلى جهة لا تنقطع، أصبح الوقف مبرما و أضحت العين محبوسة شرعا. و لا يمكن تحريرها من قيد الوقف، و رجوعها ملكا صرفا كما كانت البتة، لأن الشرع صانها للجهة الموقوف عليها من تصرف الانتقال و التمليك. و لخوف الواقف من سفه ذريته، و تبديدها الثروة من بعده، أو لخوفه من المصادرة أو لغير ذلك من الأسباب المختلفة باختلاف النيات، لجأ إلى الوقف و قيده بقيود و شروط تلائم رغائبه، و أبده بالتقييد إلى جهة لا تنقطع بعد انقراض الذرية لئلا يفقد الوقف أحد ركنيه. و ما التجاء الواقف إلى الوقف إلا التجاء إلى كنف الشريعة التي شرعت الوقف و صانته بأحكامها. و غير خفي أن حامي حمى الشريعة أمام المسلمين المكلف برعاية أحكامها، و النائب عنه من هذه الوجهة وزارة الأوقاف في العاصمة و دوائرها الفرعية في الإيالات و ملحقاتها. و الشريعة لا ترد اللاجئ إلى حماها بالطرق الشرعية. و لهذا لم تفرق قواعدها و أحكامها بين الأوقاف الخيرية

113

و الأهلية بالمناعة و الصيانة، فكل من النوعين منيع مصون بنظر الشريعة.

و اللاجئ إلى الشريعة لاجئ طبعا إلى المكلف بحمايتها و رعاية أحكامها، فكان حقا على إمام المسلمين و النائبين عنه من الوجهة الوقفية، صيانة الأوقاف الأهلية كحرصهم على صيانة الأوقاف الخيرية. فهذه القواعد منشأ سيطرة دوائر الأوقاف الحكومية على الأوقاف الأهلية المحضة، و لا سيما أن الوقف الأهلي الصرف يحتمل أن ينقلب خيريا محضا في أقرب وقت، بانقراض الموقوف عليهم، لأن مآل الأهلي إلى الخيري بالعاجل أو الآجل، لتقييد الوقف بالتأبيد إلى جهة لا تنقطع. و كل ما يعود إلى هذه الجهة فهو من الأوقاف الخيرية، فحق على دوائر الأوقاف أن تكون في كل آن واقفة بالمرصاد أمام تصرف نظار الأوقاف الأهلية. على أن أغلب من تذرعوا بالوقف الأهلي لصيانة الثروة، و لا سيما الوزراء و عمال المقاطعات، كانوا يتبرعون بالأوقاف الخيرية ليوطدوا الأولى بالثانية، و يعهدوا بالولاية على الجميع إلى الأرشد من ذريتهم. فرعاية لشروط الواقفين لا تنتزع دواوين الأوقاف الولاية من المتولين على الأوقاف الخيرية المتحدة بالولاية على الأهلية، ما دام المتولي يؤدي دفتر المحاسبة نقيا من الشوائب. و إذا كان الأمر لا يسوغ لديوان الأوقاف أن يضبط الوقف بل يذره ملحقا، لكن يحق له أن يجبر المتولي أن يؤدي حسابا عن الوقفين الخيري و الأهلي لتداخلهما، و إن لم ترفع إليه شكوى من أرباب الاستحقاق.

الأوقاف في العهد العثماني الأخير:

لهذا العهد ثلاثة أدوار: الأول دور السلطان عبد الحميد الثاني. الدور الثاني دور أخيه محمد رشاد الخامس. الثالث دور أخيهما وحيد الدين محمد السادس خاتمة ملوك بني عثمان. و لم تكن دوائر الأوقاف في الشام على العهد الحميدي أقل من بقية الدوائر الحكومية خللا و فوضى و اختلاسا و قلة نظام، بل كانت أكثر اختلالا من غيرها لأن لها وجهة دينية ذات اتصال بمشايخ الدين الحشويين أو الدجالين، و هم أبعد الناس عن النظام و الانتظام، فكانت‏

114

الشؤون الدينية في عهد عبد الحميد مسرح الفوضى لتهاونه بالدين، و اكتفائه على الجملة بالتمويه بشعائره الصورية و رسومه الرسمية، و كان أعوانه يبيعون على مسمع و مرأى منه الوظائف الدينية كالقضاء الشرعي و الفتيا و التدريس العام و الوعظ و الإرشاد. و من جملة ما يبيعون وظيفة مدير الأوقاف التي كانت تكد و تجد و تبذل الجهد في جباية أموال الأوقاف، لتبعث بها بعد السلب و النهب و المقاسمة إلى العاصمة، فيفيض السلطان من هذه الأموال على الدجالين من مشايخ الطرق و علماء الرسوم و الرتب و الأوسمة باسم (إحسانات أو صدقات سلطانية، أو فدية عن عافية ذاته الملوكية) و يكزّ يديه بالصرف على علماء الدين العاملين فساءت لذلك حال أئمة المساجد و خطباء المنابر و السدنة و المؤذنين و الواعظين لفرط التقتير عليهم، حتى انحصرت هذه الأعمال في البائسين و الكسالى و الزمنى.

تنقسم الأوقاف إلى خيرية و أهلية. و تنقسم الخيرية إلى مضبوطة و ملحقة، تناط الأولى بدائرة الأوقاف مباشرة. و تركت الثانية لنظارها مع احتفاظ ديوان الأوقاف بالنظارة العامة عليها، و للديوان حق السيطرة على الأوقاف الأهلية و لا سيما إذا كانت مختلطة بالخيرية. و هي تنقسم إلى جلية و خفية.

فالأولى من متعلقات الأوقاف الخيرية المضبوطة، و هي نفقات أرباب الشعائر الدينية و الاختلاس منها تافه جدا بالنسبة إلى نفقات تنوير المساجد و المعاهد و ابتياع ما يلزم من الأثاث، و هو أيضا حقير بالنسبة إلى ترميمها و ترميم الأعيان الموقوفة عليها. و أما الإنشاء المحدث أو المجدد فلم يكن معهودا في ذاك العهد لأن ديوان الأوقاف يجبي الأموال من الشام ليبعث بها إلى العاصمة.

و بالجملة لم تكن وسائل الاختلاس الجلية شيئا مذكورا قياسا مع الوسائل الخفية و هي عديدة: أولها أن كثيرا من المساجد و المدارس و الزاويات (زوايا مشايخ الطرق الصوفية أو المتصوفة) و المعاهد الخيرية كالمستشفيات أو مطاعم الفقراء (التكايا) و نحوها من الأمكنة المضبوطة أوقافها، سواء كانت مهجورة أو مقفلة الأبواب لكونها في القرى أو في أحياء منزوية عن المدينة، فكان ديوان الأوقاف يحسب عليها جميع ما تحتاج إليه من النفقات أضعافا مضاعفة، كما لو كانت عامرة آهلة مفتحة الأبواب، في حين أنها لا تنفق عليها شيئا

115

سوى مقدار زهيد لقاء تطبيق المعاملة على الأصول المرعية الإجراء، بالحصول على وثائق وصول النفقات إلى البائسين المستعارين الذين يستعيرهم الديوان مقابل توقيع الوقائع و الأسناد الكاذبة. و الوسيلة الثانية أشد خفاء من الأولى، و هي مواطأة دائرة الأوقاف مع نظار الأوقاف الملحقة الغزيرة الريع على أكل أوقاف المسلمين الكثيرة العدد، و هي مما حبسه السراة و الأمراء و الوزراء الأسبقون على ذراريهم، و على المعاهد الخيرية و المعابد، و جعلوا الولاية عليها في الأرشد على ذريتهم. و ذلك أن هؤلاء النظار نظار الأوقاف الخيرية الملحقة كانوا يتقاضون أعشار القرى المضبوطة الوقف من الخزانة العامة باسم الأوقاف الأهلية و الخيرية، على حين درس جل بل كل المدارس و المساجد و أصبحت أسماء لا مسميات لها، درست و انقلبت حوانيت و فنادق و دورا و قصورا، و سجلت في سجلات التمليك ملكا حرا لهؤلاء النظار المختلسين، ثم انتقلت لورثتهم و لمن ابتاعها منهم. و كانوا يتقاضون أموال العشر الخاصة لهذه المعاهد، و يدرجون بكل قحة و جرأة مبلغا وافرا باسم النفقة على تنويرها و ترميمها و فرشها و إقامة شعائرها، ثم يتغاضى ديوان الأوقاف عن محاولة النظار تحويل الأعيان الجارية بملك الوقف إلى مرصد أو كردار بدون سبب قوي، ثم إغضاء هذا الديوان عن تحويل الأعيان الموقوفة من الوقف المحض أو لمرصد الكردار إلى الملك الصرف، ثم تسجيل العقارات الموقوفة على المعابد و المدارس ملكا صرفا للنظار المختلسين إلى غير ذلك من أنواع المواطآت بين ديوان الأوقاف و النظار عليها. و كلها ترجع إلى اختلاس الريع و تغيير الأعيان الموقوفة. و كان ديوان الأوقاف يكتب من حين إلى آخر إلى وزارة الأوقاف في العاصمة بأنه ضبط مدرسة كان بعض الأشرار اتخذها سكنا فأرجعها معبدا تقام فيه الشعائر و الصلوات و الأوراد و الأذكار و الأدعية للخليفة الخ.

أما القلب و أعني به مجلس إدارة الأوقاف الأعلى فقد كان على جانب عظيم من الضعف، وفقا لمقتضيات العهد الحميدي التي يرومها عباد المنافع الخاصة و أعداء المصالح العامة. و إذا كان القلب الذي هو مصدر الحياة ضعيفا بتعفن حجيراته المنبعث عن تغلب الجراثيم الذريعة الفتك، فكيف تكون حالة شرايين الجثمان و أعضائه و دورة دمه. لا ريب أنها تكون كحال هيكل‏

116

ديوان الأوقاف و إدارتها، ما دام أعضاؤها عاطلين من الأهلية علما و خلقا، و لأكثرهم علائق بوقف خيري أو أهلي، مما هو مخالف للقانون. فهم لا علم و لا نزاهة و لا غيرة. أما نظار الأوقاف الأقوياء بالمجد الكاذب، فقد كانوا يتصرفون تصرف الملاك بالأعيان الموقوفة الريع على المعاهد الدينية و الخيرية و على ذرية الواقفين، فضلا عما يختلسونه من المدارس و أفنية المساجد، يتخذون جميع ذلك دورا و حوانيت و حدائق، و ينقلونها في سجلات التمليك من الوقف المحض إلى الملك الصرف. و إذا طالب بعض أرباب الغيرة بإعادة الأوقاف إلى حالها و إجراء أمورها على حقيقتها تقام عليهم الدعاوى المزورة، و تنصب لهم المكايد و أشراك الانتقام. و كأن لسان حال ديوان الأوقاف و مجلس إدارتها و رئيسه يقول لنظار الأوقاف المختلسين: (سكتنا عنكم لتسكتوا عنا) لأن جميعهم باستنزاف الأموال و سحق الضعفاء سواء.

و لقد انتظم ديوان أوقاف الشام في الجملة بعد إعلان القانون الأساسي (1908 م) و تسرب إليها شي‏ء من الإصلاح بفضل الخطط التي رسمها وزير الأوقاف العثمانية العربي خليل حمادة باشا، و تناقص النهب و الاختلاس بالنسبة إلى العهد المنصرم، غير أن المعاهد و المعابد لم ينلها حظ من زيادة الواردات، لأنها كانت تنفذ إلى العاصمة فتنفق كغيرها من واردات أوقاف الإيالات العثمانية كإنشاء فنادق كبرى للوقف في الاستانة. و ظلت قوانين الأوقاف كما كانت في عهد السلطان عبد الحميد حبرا على ورق. و مما يسجل من أعمال الدولة في الحرب العالمية أنها انتهكت الحرمات باسم الجهاد المقدس، و ذلك باتخاذ المعابد و في مقدمتها الحرم النبوي الشريف، و المدارس و المعاهد الخيرية و ملاجئ الإسعاف العام ثكنات لمأوى الجنود و إصطبلات لربط الخيول، و حبس الأنعام، و مستودعات لادخار أنواع الذخيرة و ضروب الميرة. و لما انجلى الترك عن ربوع الشام، أغاروا على سجلات الأوقاف و وثائقها و أوراقها الخطيرة و نقودها، كما أغاروا على وثائق أغلب الدواوين و سجلاتها و نهبوا نقودها، و في عدادها أموال اليتامى و أمانات المصارف الزراعية، فأصيبت دواوين الأوقاف من أجل هذا بمصيبة عظيمة.

117

الأوقاف بعد العهد التركي:

و في عهد الحكومة العربية الفيصلية ألف ديوان الأوقاف تأليفا جديدا، و لم تلبث أن فاضت واردات الأوقاف عن نفقاتها لأن المبالغ الباهظة التي كانت ترسل إلى العاصمة التركية ظلت في خزانة الدائرة التي شرعت توسع على أرباب الشعائر و تحدث كثيرا من الوظائف. و أخذت ترمم المساجد و المدارس و الأعيان الموقوفة و تنشئ المعاهد كالمدرسة السيمساطية بدمشق التي نقضت من أساسها و أنشئت خلقا جديدا- و مثل ذلك الإصلاح الذي تم في ترميم الأعيان الموقوفة أو إنشاء الجديد منها في حلب و غيرها- حتى إذا تقلص ظل سلطان الملك فيصل و احتلت الجيوش الفرنسية داخلية الشام أصيب ديوان الأوقاف بتبلبل مالي، و ذلك لاستبدال الورقة السورية بالمصرية، و اتخاذ القرش السوري محور التعامل و حظر التبادل بالنقدين الذهب و الفضة قبضا و صرفا، في حين أن الورقة السورية كميزان الحرارة لا تثبت على حالة واحدة في اليوم الواحد، فارتبكت معاملات دواوين الأوقاف بهذا التبلبل و زاد في نضوب خزائنها، على الرغم مما زاده القائمون بإدارة شؤونها من زيادة الضمائم الفاحشة على الديون المؤجلة.

و قضت إرادة المفوض السامي الأول أن يتدخل المنتدبون في الشؤون الإسلامية المحضة، و ذلك بالإشراف على أوقاف المسلمين دون أوقاف اليهود و النصارى، في حين أن الدولة العثمانية الإسلامية لم تتدخل بشؤون أوقاف اليهود و النصارى المنضوين تحت لوائها، سواء أكان ذلك إبان قوتها، أم أيام ضعفها، و تركت إدارتها إلى المجالس الطائفية، كما أن الدولة البريطانية لم تتدخل في مصر بشؤون الأوقاف الإسلامية فاستثنت وزارة الأوقاف المصرية من سيطرة الاستشارة و سلطة المستشارين، و تركتها مناطة بشخص عزيز مصر مباشرة. و قد نهجت أيضا هذا النهج في فلسطين فتركت إدارة أوقاف المسلمين و جميع شؤونهم الدينية كتقليد القضاء الشرعي و الفتيا و الوعظ و الإرشاد و الخطابة و الإمامة إلى مجلس ينتخب أعضاءه المسلمون يدعى بالمجلس الإسلامي الأعلى.

أما في الأصقاع المشمولة بالانتداب الفرنسي فقد أنشئت المراقبة العامة على‏

118

شكل مبتدع بين الأشكال الحكومية، و وضع غريب غير معهود بين الأوضاع الإدارية. و كذلك يقال في مجلس الأوقاف الإسلامية الذي قضت المفوضية بتأليفه، ففصلت بذلك دواوين الأوقاف الإسلامية عن الحكومات المسلمة الأهلية، و وصلتها مباشرة بالمفوضية العليا، و جعلت لها مستشارا غير مسلم يتصرف في شؤونها الإدارية و المالية بسلطة واسعة. و كان من إحداث مراقبة الأوقاف إرهاق خزائنها بالرواتب المستحدثة العظيمة، و لم تأت بعمل يذكر مجاراة لمقتضيات الترقي الحديث استنادا إلى قواعد الشريعة العامة التي يحظرون الاستنباط منها، ذلك لأن معظم أعضاء مجلس الأوقاف من أعداء التجدد، و عشاق الاحتفاظ بالقديم و إبقائه على قدمه، فقد نقضوا قرار مجلس رياسة العلماء المنطوي على ضرورة التذرع باستبدال المساجد الخربة التي لم تعد صالحة لإقامة الصلوات مع استناده إلى مذهب الإمام ابن حنبل بالشروط المنصوص عليها.

وسائل إصلاح الأوقاف:

ضيق بعض متفقهة القرون الوسطى دائرة الشريعة الواسعة، و قلبوا يسرها عسرا، و مرونتها صلابة، و صوروها عقبة كؤودا في سبيل الارتقاء، بما ابتدعوه من القيود المنبعثة عن الجمود، و بما أقاموه من السدود المنيعة دون دخول منافذ ينابيع العلم، و ما سدلوه من الحجب الكثيفة على نوافذ نور العقل. احتال فريق منهم على الشريعة فاختلقوا باسمها حيلا تقلبها رأسا على عقب، انقيادا لا هواء العلماء و الأغنياء، بسائق الجشع و حب الجاه، و افتاتوا على دين الفطرة بحشو أودس ما تنبو عنه حكمته و أصوله و فروعه التي ترمي جميعها إلى السعادة البشرية في الدارين. فقد قيد المتنطعون بالتحريف و التشديد الوقف بقيود و شروط و حدود، حالت دون ارتقاء الأوقاف و عمرانها و نمو ثروتها، و قضت على حكمة الوقف و إرادة الواقفين، كما ابتدع المحتالون حيلا نجم عنها ضياع الأوقاف كالمرصد و ضروب الكردار، حتى آل حال الأوقاف إلى ما آل من المصير الفاجع.

و بعد فالواجب الآن على أهل الحل و العقد تأليف لجنة مختلطة من علماء

119

الشريعة المجددين، و علماء الحقوق و الإدارة و الاقتصاد، ليدون أعضاؤها مجموعة لأحكام الأوقاف الشرعية على نسق جديد، مغترفين من بحر الشريعة المحيط، و من كل مذهب من مذاهب الأئمة المجتهدين، ما هو أصلح و أضمن لسعادة الأوقاف و ارتقائها و إثرائها، و صيانتها من عبث العابثين، و اعتداء المعتدين، و جمود الجامدين، و ما هو أكثر ملائمة لروح الزمان، و مقتضيات العمران، وفقا لما يرمي إليه الشرع و قواعده العامة من انتقاء الأصلح و ترجيح الأحسن.

ثم إن الملحق بالشعائر الدينية نوعان، و هما التدريس الخاص بالمدارس الدينية، و الإرشاد الدقيق في الزوايا الصوفية. أما الأول فهو تعليم العلماء فلامذتهم العلوم الدينية و وسائلها، و جل هؤلاء إن لم نقل كلهم متبرعون تلا تعلق و الحال هذه لدواوين الأوقاف بهم. و إنما التذرع بإصلاح أساليب لعليمهم، و استئصال الفوضى الضاربة أطنابها في هذه المدارس، و هذا شأن من يتولى شؤون العلوم الدينية كرئيس العلماء أو شيخ الإسلام مثلا. أما إذا وجدت وظيفة تدريس خاص بأحد العلوم في إحدى المدارس بأجر رتبه الواقف، و كان صاحب هذه الوظيفة يتقاضى الراتب من خزانة الأوقاف، فإن للدائرة حق النظر فإذا كان صاحب الوظيفة غير قائم بها لعدم أهليته فإنه يعزل، و إن كان غير قائم بها كسلا فإنه ينذر. أما النوع الثاني و هو الإرشاد الدقيق فقد أجدبت الزوايا الصوفية من التصوف بمعناه الصحيح، و أقفرت من المرشدين الكاملين، و المريدين الصادقين، و أضحت مقر المشايخ الدجالين تلعطلين، و المريدين الكسالى العطلين. فأمثال هؤلاء يجب طردهم من الزوايا التي لم ينشئها الواقفون ليأوي إليها الضالون المضلون، باسم التصوف و الطرق الصوفية، و إذا كان لهم أوقاف يجب تحويلها إلى مصارف البر و الإحسان و الإسعاف العام.

أشرنا إلى ما أنتاب الأعيان الموقوفة من الدرس و الطمس و الاختلاس سواء أكانت معابد أم مدارس أم مقابر أم ملاجئ إسعاف أم عقارات موقوفة الريع. و هذا النوع الأخير أضحى من المتعسر إن لم نقل من المتعذر إنقاذه من الاختلاس بعد مرور الزمن و عدم دلالة الظاهر عليه، كدار كانت جارية

120

بملك الوقف، ثم لعبت بها الأيدي، فانتقلت من ملك الوقف الصرف إلى ملك مختلسها المعتدي الأثيم. أما إذا لم يمض عليها مرور الزمن، و كانت معلومة الحدود و البقعة، فيجب حتما على دواوين الأوقاف إقامة الدعوى على المختلس أو ورثته، كما يجب عليها التنقيب على ما كان من هذا القبيل.

و المرجع في الاهتداء هو سجلات المحاكم الشرعية و كتب الواقفين. و الواجب على دواوين الأوقاف الإيعاز إلى نظار الأوقاف الأهلية و الخيرية الملحقة بإبراز كتب الواقفين فيما إذا لم يعثر عليها بين سجلات المحاكم الشرعية، و إنذارهم بوضع اليد على الوقف إذا أبطأوا بالإبراز. أما النوع الأول فهو أسهل إنفاذا من العقارات الموقوفة الريع، لأن ما اختلس من نحو المساجد أو المدارس أو المقابر و انقلب حوانيت أو دورا أو حدائق أو غير ذلك، و أضحى ملكا صرفا للمختلسين أو ورثتهم أو المبتاعين منهم مطموسة، لتبدل شكل المدرسة مثلا بعد اختلاسها و طمس معالمها، فإن كانت آثارها لا تزال قائمة كالقباب و القبور و المحاريب فعلى دائرة الأوقاف التذرع بالوسائل القانونية لإنقاذها من المختلسين، و إن تبدل شكلها و محي رسمها، و جهلت حدودها، و مضى عليها مرور الزمن، و انقطع الأمل من إرجاعها فهي برقبة مختلسيها. و مصباح الهداية المنير إلى المعابد و المعاهد المختلسة و المدارس الدارسة و المقابر المندرسة، هو كتب تواريخ المدن الشامية و الرسائل و الأسفار الموضوعة في الخطط و الآثار.

و ما دعا إلى هذا العبث بأعيان الأوقاف و ريعها إلا فقدان و ازع يزع القائمين بهم، أو مؤثر أدبي يردعهم، أو رأي عام يكبح جماحهم، أو مؤاخذة حكومة تضرب على أيديهم. و لم نسمع و لم نشهد في ربوعنا أن ناظر وقف خائن مختلس عوقب بسجن أو تعزير و تشهير، أو بتضمين و مصادرة، بل جل ما شهدناه في عصرنا الحاضر أن الناظر الضعيف إذا ظهر أثناء محاسبته أدنى شبهة أو خيانة ينحى عن العمل و يساق إلى المحكمة الشرعية، و هي إما أن تحكم بعزله، و إما أن تبرئ ساحته و هو الأغلب، لأن مؤثرات الشفاعة و الحنان و نحوهما تعمل عملها. و أما الناظر القوي فلا يسأل عما يفعل. و ربما أعين على ظلمه و خيانته و اختلاسه مع التبجيل و التوقير!.

و إذا كتب لدواوين الأوقاف حظ من التجدد و الإصلاح، فالواجب‏

121

أن تشرع بمحاسبة النظار، تناقشهم الحساب، فتبدأ بالأقوياء منهم، و تغلظ عليهم، و تكرههم على إبراز كتاب الواقف الأصلي المسجل بحكم الحاكم الخالي من شائبات التحريف و التبديل، الحالي بتوقيع أو خاتم القاضي الحاكم بصحته، فيما إذا فقدت سجلاته، و أن لا تعتبر الصورة المنقولة عن أصله لأنها عرضة للتحريف و التبديل، كما يقع ذلك من النظار الخائنين. و إذا أبرز الناظر على وقف كتاب الوقف الأصلي، يعثر ديوان الأوقاف في الأغلب على موارد أموال غزيرة مختلسة، و على مساجد و معاهد دارسة و مدارس مندرسة، كما يعثر عرضا و اتفاقا من يحفر بئر ماء على كنز ثمين أو ركاز دفين، و إذا امتنع الناظر من إظهار كتاب الوقف يستفيد ديوان الأوقاف من اعتبار الوقف من قبيل ما انقطع ثبوته، و اشتبهت مصارفه، و جهلت شرائطه، لعدم وجوده في سجلات القضاة، و ما كان كذلك يتحول إلى الإسعاف العام، ما لم يبرهن المرتزقة على استحقاقهم بإثبات الوقف و شروط الواقف و نسبتهم إليه أو إلى الطائفة الموقوف عليها.

و أرى أن تتخلى المفوضية العليا في بلاد الانتداب الفرنسي عن التدخل بأوقاف المسلمين بواسطة مستشارها الفرنسي المستمد منها نفوذه مباشرة، فإنه لا فرق بين هذا التدخل و بين التدخل بشؤون الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج، لأن الولاية على الأوقاف الخيرية و لا سيما الدينية المحضة هي من القضايا الشرعية الصرفة، فلا فرق و الحال هذه في الحظر بين إمامة النصراني المسلمين بالصلاة، و بين ولايته على أوقاف مساجدهم و معابدهم. و هذا الحظر غير محصور بالإسلام بل هو من ضرورات جميع الديانات. فإن النصرانية مثلا تحظر أن يتعاطى أحبار المسلمين و مشايخهم ما يتعاطاه أساقفة النصارى و قسيسوهم من التعميد و التكليل و التكريس و الحرمان و الغفران، كما تحظر ولاية المسلمين الموحدين على أوقاف كنائس النصارى المثلثين و أديارهم، و هذا سر إحجام الدولة العثمانية المسلمة عن التدخل بأوقاف اليهود و النصارى من رعاياها، و تركها إدارة أوقافهم و الولاية عليها لمجالسهم الطائفية. فالواجب على حكومة الانتداب أن تترك المسلمين في هذه الديار طلقاء التصرف في أوقافهم و تقصر عنايتها على الإرشاد في الشؤون المدنية.

122

و لا أجنح بتة إلى رأي من يقول بإلغاء دواوين الأوقاف الحكومية، و إناطة الولاية على الأوقاف الإسلامية بمجلس إسلامي أهلي ينتخبه الأهلون على منوال مجلس أوقاف فلسطين، لأن المجالس الأهلية مهما بلغت من النظام و الانتظام لا تضارع دواوين الحكومة المسؤولة و المؤاخذة قانونا على الكبيرة و الصغيرة. و ليسع الشام ما يسع مصر و العراق. و من رأيي أن تربط إدارة الأوقاف بالحكومات المحلية، و يجعل لها ديوان خاص يعد في جملة دواوينها.

أما أوقاف فلسطين فقد قضت الضرورة إناطة إدارتها بالمجلس الإسلامي الأهلي.

لأن البلاد محكومة حكما مباشرا، بيد أنه قد نشأ من إنشاء هذا المجلس من الشقاق و التخاذل بين الفلسطينيين ما انقسم الناس في الحكم عليه إلى مادح و قادح بدافع المؤثرات الحزبية المتضاربة. أما شرقي الأردن أو حكومة الشرق العربي فإنها مليئة بأوقافها التي انتابها ما انتاب أوقاف بقية الأقاليم من الاختلاس في القرون المظلمة، و لعل الحكومة تؤسس فيها ديوان أوقاف يشرف على ما في صقعها من معاهد وقف و وقوف محبوسة الريع اه.

123

الحسبة و البلديات‏

العرب دعاة مدنية:

لم تقصر العرب في شأن من شؤون المدنية بالنسبة لأعصارهم، فاستنبطوا بعقولهم، و طبقوا على شريعتهم، كل ما يعلي أمرهم، و تحلو به حياتهم.

و كلما ارتقت حضارة الغرب، و توفر العاملون من أبنائه على استخراج دفائن هذه المدنية العربية الإسلامية، تتجلى لنا أمور ما كنا نحن أصحاب تلك المدنية نعلمها و نعمل بها من قبل. انتقلت المدنية إلى العرب من الفرس و اليونان و الهند. و لكن جاء الإسلام بما فيه من العوامل القوية، و النظام المدني البديع الذي استخرجه أهل الصدر الأول من روح الكتاب و السنة، بأجمل مدنية عرفها البشر إذ ذاك، و ما نظنه مهما ارتقى في الأزمان التالية يخرج عن حدّها كثيرا. و نظام العقل نظامه في كل دور و طور.

لم يترك العرب بابا من أبواب المدنية إلا طرقوه، و لا علما من علوم الصناعات إلا برزوا فيه و عانوه. و تجلت مدنيتهم بأجلى مظاهرها في فارس و العراق و مصر و الشام و الأندلس أكثر من غيرها من الأقطار التي هذبها الإسلام، و كانت العرب أساتذة أبنائها. و الغالب أن قيام دول عظمى إسلامية في تلك الأقطار على أسس مدنيات قديمة كان من أول الدواعي إلى تجويد مدنيتهم، و رفع شأنها بين الأمصار على اختلاف القرون و الأعصار، و للأقليم و طبيعته دخل كبير في تثقيف العقول، و نبذ الجمود و الخمول،

ضاعت أو كادت وا أسفاه أوضاع مدنيتنا القديمة و مشخصاتها، لأن العرب تمزقوا و تفرقوا بعد استيلاء أناس من الفاتحين على ديارهم، كانوا

124

دونهم في سلامة الذوق وجودة الفطرة، فأفسدوا أخلاقهم بما حملوه إليهم من عاداتهم و تقاليدهم المختلة، و أوصلوهم إلى درجة من الجهالة لو لم يتداركها في القرن الماضي محمد علي باشا في مصر و خير الدين باشا في تونس و مدحت باشا في الشام و العراق لاضمحل عمرانهم و باد سلطانهم إلا قليلا.

تعريف الحسبة:

و بعد فإن الناظر في أصول الحسبة في الحكومات الإسلامية السالفة، يعلم أن أجدادنا هيأوا لمدنهم و سكانها جميع ضروب الراحة و الهناء، و حاولوا أن يبعدوا عنها ما أمكن الجور و الشقاء. و الحسبة بالكسر الأجر و هو اسم من الاحتساب أي احتساب الأجر على اللّه، تقول فعلته حسبة و أحتسب فيه احتسابا، و الاحتساب طلب الأجر. و كانت الحسبة وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه، و يتخذ الأعوان على ذلك، و يبحث عن المنكرات، و يعزر و يؤدب على قدرها، و يحمل الناس على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات، و منع الحمالين و أهل السفن من الإكثار في الحمل، و الحكم على أهل المباني المتداعية بهدمها، و إزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة، و الضرب على أيدي المعلمين في الكتاتيب و غيرها، من الإبلاغ في ضربهم للصبيان المتعلمين- قاله ابن خلدون.

و قال ابن تيمية: و بنو آدم لا يعيشون إلا باجتماع بعضهم مع بعض، و إذا اجتمع اثنان فصاعدا فلا بد أن يكون بينهما ائتمار بأمر. و تناه عن أمر، و أولو الأمر أصحاب الأمر، و ذوو القدرة و أهل العلم و الكلام. فلهذا كان أولو الأمر صنفين العلماء و الأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، و إذا فسدوا فسد الناس.

و قال ابن الأخوة: الحسبة من قواعد الأمور الدينية، و قد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها، و جزيل ثوابها، و هي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، و نهي عن المنكر إذا ظهر فعله، و إصلاح بين الناس، و المحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية،

125

و الكشف عن أمورهم و مصالحهم، و بياعاتهم و مأكولهم و مشروبهم و ملبوسهم و مساكنهم و طرقاتهم، و أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر.

و كانت الحسبة (المقتبس م 3 ص 537 و 609) في الحكومات العربية و حكومات الطوائف ضربا من ضروب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و لا يكون من تسند إليه إلا من وجوه المسلمين، و أعيان المعدلين، و لا يحال بين المحتسب و بين مصلحته إذا رآها، و الولاة تشد معه إذا احتاج إلى ذلك. و قد قسمت الحسبة إلى ثلاثة أقسام: أحدها ما يتعلق بحقوق اللّه تعالى، و الثاني ما يتعلق بحقوق الآدميين، و الثالث ما يكون مشتركا بينهما.

و يمكن أن تقسم الحسبة إلى دينية و مدنية، فالديني منها بطل من ديار الإسلام منذ أصبحت حكوماتها لا تحافظ على جوهر الدين بالذات. و المدنية استعيض عنها في القرن الماضي في الولايات العثمانية بالمجالس البلدية، و بقيت الحسبة معروفة في مصر إلى أواسط القرن الغابر. و مصر آخر ما اضمحل من أقطار العرب و أول من نهض.

الحسبة تجمع الشرطة و الصحة و البلدية و عملها:

فالحسبة و الحالة هذه أشبه بديوان الشرطة و الصحة و البلديات لعهدنا، و كان المحتسب أو صاحب الحسبة يشرف على المعاملات المنكرة في الدين، و يجازي عليها في الحال، فينكر ما يجده مثلا من المنكرات في الأسواق، و يشدد على السوقة و الباعة في صحة القناطير و الأرطال و المثاقيل و الدراهم و الموازين و المكاييل و الأذرع، و يجري قواعد الحسبة على الطحانين و العلافين و الفرانين و الخبازين و الشوائين و النقانقيين‏ (1) و الكبوديين و البواريين و الجزاريين و الرواسين و الطباخين و الشرايحيين و الهراسين و قلائي السمك و الزلابية و الحلاويين و الشرابيين و العطارين و الشماعين و اللبانين و البزازين و الدلالين و الحاكة و الخياطين و الرفائين و القصارين و الحريريين و الصباغين و القطانين و الكتانيين و الصيارف و الصاغة و النحاسين و الحدادين و الأساكفة و البياطرة و سماسرة العبيد و الجواري و الدواب و الدور و الحمامات، و السدارين‏ (2) و الفصادين‏

____________

(1) النقانقيون: هم الذين يعملون النقانق اي المصير المحشو باللحم و القلوب.

(2) السدارون: الذين يطحنون السدر و هو من المطهرات كالصابون إذا غش يضر و لا ينفع.

126

و الحجامين و الأطباء و الكحالين و المجبرين و مؤدبي الصبيان و القومة و المؤذنين و الوعاظ و المنجمين و على أصحاب السفن و المراكب و باعة قدور الخزف و الكيزان و الفاخرانيين و الغضاريين‏ (1) و الأبارين و المسلاتيين‏ (2) و المرادنيين‏ (3) و الحناويين و الأمشاطيين و على معاصر السيرج و الزيت الحار و الغرابليين و الدباغين و البططيين‏ (4) و اللبوديين و الحصريين و التبانين و الخشابين و القشاشين و النجارين و النشارين و البنائين إلى غير ذلك مما يقصد منه منع غش المبيعات، و تدليس أرباب الصناعات و البياعات.

الحسبة قانون مدني:

اختصوا المحتسب بالنظر في أمور: إحدها إراقة الخمور كلها و كسر المعازف و إصلاح الشوارع، و ذلك باب كبير فيه مسائل إحداها أمر الميزاب و الأوحال و الأرداغ، و منع جلوس الباعة عليها، و منع سوق الحمر و البقر للخشابين و الآجريين و نحوهم، و منع ربط الناس دوابهم فيها، و منع عمارة الحيطان في شي‏ء من الشوارع، و منع شغل هواء الشارع، و منع المبرز في الجوار إلى غير ذلك من المصالح، مثل النظر بين الجيران في التصرفات المضرة، كالنظر و سد الضوء إلا فيما يرجع إلى الملك، كغصب قطعة من الأرض، و منع إسبال الإزار و نحوه على الكعبين، و زجر الرجال عن التشبه بالنساء، و منع النساء عن التشبه بالرجال.

و منع الناس عن تطيير الحمام، و منع البغايا و تعزيرهن، و منع أوليائهن و مواليهن و أزواجهن، و أمر غير المسلمين بتطهير الأواني التي يبيعون فيها المائعات كالدهن و اللبن، و أمر الغسالين بإقامة السنة و اجتناب البدعة في غسل الموتي، و حفر القبور و الحمل، و زجرهم عن الغلاء في أخذ الأجرة، و نصب الصلحاء و ذوي الخبرة بهذه الأمور، و تفحص الجامع يوم الجمعة،

____________

(1) الفاخرانيون و الغضاريون: هم الذين يصنعون الصحاف (الزبادي أو السلطانيات).

(2) المسلاتيون: صناع المسلات.

(3) المرادنيون: الذين يعملون المرادن، آلات الغزل القديمة، تعمل من خشب الساسم أو من السنط الأحمر.

(4) البططيون: كأنها نسبة الى بطة و الجمع بطط و بطة الدهن قارورته.

127

المصلى يوم العيدين، و إخلاؤهما عن البيع و الشراء، و منع الفقراء عن التخطي، و منع القصاص عن القصص المفتراة، و منع النساء السائلات عن الدخول في المصلى، و منع الصبيان و المجانين منه، و دفع الحيوانات المؤذية عن العمرانات كالكلاب العقور، و النهي عن النجس و الأمر بالتنظيف، و منع الناس عن الوقوف في مواضع التهم، كتحدث الرجال مع النساء في الشوارع، و منع النقاشين و الصباغين و الصواغين عن اتخاذ تماثيل ذوات الروح و كبر الصور، و منع المسلمين عن الاكتسابات الفاجرة كاتخاذ الأصنام و المعازف و الصنج و بيع النبيذ و البختج.

و منع الناس عن اتخاذ القبور الكاذبة، و خروج الناس إلى زيارة بعض المتبركين أو بعض المساجد، على مشابهة الخروج إلى الحج، و منع النساء عن التبرج و التفرج بالخروج إلى النظارات و زيارة القبور، و منع الناس عن التصرفات في المقابر بلا ملك، و منع المطلسمة و السحار و الكهان عن بدعهم، و نهي أصحاب الحمامات عن منكراتهم، بتطهير المياه و إخلاء الحمام عن المرد و دخول العراة فيه، و أمرهم باتخاذ الحجب بين الرجال و النساء، و منع الناس عن تعلم علم التنجيم مما لا يحتاج إليه في الدين، و تصديق الناس الكهان و المنجمين، و منع الناس عن بدعة ليلة البراءة، و منع الناس اللعابين بالنرد و الشطرنج، و تفريق جمعهم و أخذ بساطهم و تماثيلهم، و منع القوابل عن إسقاط جنين الحوامل، و منع الجراحين عن الجب و الخصاء، و منع الإقامة في المساجد و وضع الأمتعة فيها، و منع الذي أصابه اللّمم عن التكلم بالغيب، و اجتماع الناس عنده زاعمين أنه صادق في إخباره بالغيب، و منع الخطاط و معلم القرآن و معلم النحو بأجر عن الجلوس في المساجد، و منع المعلم عن أخذ شي‏ء باسم النيروز و المهرجان، و ينذر المحتسب معلمي الكتاتيب أن لا يضربوا الصبيان ضربا مبرحا و لا في مقتل، و كذلك معلمو العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس، و يقفون من كان سي‏ء المعاملة فينهونه بالردع و الأدب.

128

عمل المحتسب يحسب البلد:

و كانت وظائف المحتسب تزيد و تنقص بحسب البلد، و لا يعدو عمل المحتسب الأمور المشتركة بين الناس. فالمحتسب في بيروت يقضى عليه أن ينظر في أمور لا ينظر فيها محتسب دمشق مثلا. ففي بيروت يعنى المحتسب بالاحتساب على السماكين و الملح و الصير و البوري و قلائي السمك و الطيور و صياديها، و نجاري المراكب و تقديراتها. و جميع المدن مشتركة مثلا في الحسبة على الصيادلة و العقاقير و الأشربة و المعاجين و القلانسيين و الخرازين و صناع الشراك و الأساكفة و صناع الخفاف و صنعة السرابات و الزفاتين و النحاتين و الدهانين و غشهم و المكارين و غشهم و كساحي السماد و حمالته و الغرابيل و مناخل الشعر و الوراقين و المبهرجين، و فيمن يكتب الرسائل على الطرق و الرقاع و الدروج و كتاب الشروط، و الولاة و القضاة و تدليسهم، و الميازيب و مضرتها و المراصد و المراقب و طباخي الولائم و المحامل و صناعها و الروايا و القرب إلى غير ذلك مما كان يستدعيه دينهم و عاداتهم و مدنيتهم.

و ذكر السبكي أن على المحتسب النظر في القوت، و كف غمة المسلمين فيما تدعو حاجتهم إليه من ذلك، و الاحتراز في المشروب، فلطالما أوهم الخمار أنه فقاعي أو اقسماوي‏ (1)، و طالما أوهم الطباخ أن لحم الكلاب لحم ضأن. فليتق اللّه ربه و لا يكن شي‏ء في إدخال جوف المؤمنين ما كرهه اللّه لهم من الخبائث، و يحرم عليه التسعير في كل وقت على الصحيح، و قيل يجوز في زمن الغلاء، و قيل يجوز إذا لم يكن مجلوبا، بل كان يزرع في البلد و كان عند الشتاء. و إذا سعر الإمام انقاد الرعية لحكمه، و من خالفه استحق التعزير. و من مهمات المحتسب و لا سيما في الشام أمران ارتبطا به أحدهما النقود من الذهب و الفضة المضروبين. و لا يخفى أن في زغلهما هلاك أموال البشر، فعليه اعتبار العيار في محك النظر و التثبت في سكة المسلمين، و ثانيهما المياه فعليه الاحتراز في سياقها، و قد جرت عادة أناس في الشام أن يشتري بعضهم قدرا معلوما من نهر ثورا و باناس مثلا و يتحيل لصحته بأن يورد العقد على مقره بما له فيه من حق الماء و هو كذا أصبعا، ثم يسوقه و يحمله‏

____________

(1) الاقسماوي: بائع السويق او المثلجات.

129

على مياه الناس يرضي طائفة يسيرة منهم. و كان الشيخ الإمام (رحمه اللّه) يشدد النكير في هذا و له كتاب فيه سماه (الكلام على أنهار دمشق).

و الحاصل أن الخلق في أنهار دمشق سواء يقدم الأعلا منهم فالأعلا و لا يجوز بيع شي‏ء من الماء و لا مقره و لا يفيد رضى القوم و لا كلهم لأنهم لا يملكون إلا الانتفاع، بل و لا رضى أهل الشام بجملتهم لأن رضاهم لا يكون رضا من بعدهم ممن يحدث من الخلق اه.

ثلاثة آراء في الحسبة:

و ليس هذا كل ما يطلب من المحتسب فقد كان يطلب منه أن يسيطر على العقول أيضا. ذكر ابن الأثير في تقليد أنشأه لمنصب الحسبة: ... و اعلم أن الناس قد أماتوا سننا و أحيوا بدعا، و تفرقوا فيما أحدثوه من المحدثات شيعا، و أظلم منهم من أقرهم على أمرهم، و لم يأخذهم بقوارع زجرهم، فإن السكوت عن البدعة رضا بمكانها، و ترك النهي عنها كالأمر بإتيانها، و لم يأت بنا اللّه إلا ليعيد الدين قائما على أصوله، صادعا بحكم اللّه فيه و حكم رسوله، و نحن نأمرك أن تتصفح أحوال الناس في أمر دينهم، الذي هو عصمة مالهم، و أمر معاشهم الذي يتميز به حرامهم من حلالهم، فابدأ أولا بالنظر في العقائد، و اهد فيها إلى سبيل الفرقة الناجية الذي هو سبيل واحد، و تلك الفرقة هي السلف الصالح الذين لزموا مواطن الحق فأقاموا، و قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا، و من عداهم شعب دانوا أديانا، و عبدوا من الأهواء أوثانا، و اتبعوا ما لم ينزل به اللّه سلطانا، وَ لَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ‏، فمن انتهى من هؤلاء إلى فلسفة فاقتله و لا تسمع له قولا، و لا تقبل منه صرفا و لا عدلا، و ليكن قتله على رؤوس الأشهاد، ما بين حاضر و باد، فما تكدرت الشرائع بمثل مقالته، و لا تدنست علومها بمثل أثر جهالته، و المنتمي إليها يعرف بنكره، و يستدل عليه بظلمة كفره، و تلك ظلمة تدرك بالقلوب لا بالأبصار، و تظهر زيادتها و نقصها بحسب ما عند رائيها من الأنوار، و ما تجده من كتبها التي‏

130

هي سموم ناقعة، لا علوم نافعة، و أفاعي ملقفة، لا أقوال مؤلفة، فاستأصل شأفتها بالتمزيق، و افعل بها ما يفعله اللّه بأهلها من التحريق.

و من تقليد رشيد الوطواط لمحتسب: و أمرناه أن يجعل الزهد شعاره، و التقوى دثاره و العلم معلمه و الدين مناره، ثم يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و يقيم حدود الشرع على موجب النصوص و الأخبار، و مقتضى السنن و الآثار، من غير أن يتسور الحيطان، و يتسلق الجدران، و يرفع الحجب المسدولة، و يكسر الأبواب المسدودة، و يسلط الأوباش على دور المسلمين و حرم المؤمنين، حتى يغيروا على أموالهم، و يمدوا الأيدي إلى عوراتهم و أطفالهم، و يظهروا ما أمر اللّه بستره و إخفائه، و نهى عن إشاعته و إفشائه، فإن عبادة الأوثان خير من ذلك الاحتساب، و العقوبة الأبدية أولى بمباشره من الأجر و الثواب.

و أشار ابن فضل اللّه في وصية محتسب أن ينظر في الدقيق و الجليل، و الكثير و القليل، و ما يحصر بالمقادير و ما لا يحصر، و ما لا يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر، و ما يشترى و يباع و ليتعرف الأسعار و يستعلم الأخبار، في كل سوق من غير إعلام لأهله، ليقيم عليهم من الأمناء من ينوب عنه في النظر، و يأمره بإعلامه بما أعضل. و قال له: إن النقود قد يكون فيها من الزيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللبث، فليعرض منها على المحك من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج، و ما يعلق من الذهب المكسور و يروبص من الفضة، و ما أكلت النار كل لحامه و لا بعضه و يقيم عليه من جهته الرقباء، و ليقم الضمان على العطارين و الطرقية في بيع غرائب العقاقير إلا ممن لا يستراب فيه، و بخط مطبب ماهر لمريض معين في دواء موصوف، و الطرقية و أهل النجامة و سائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان، و من يأخذ أموال الرجال بالحيلة و يأكلهم باللسان، و من وجدته قد غش مسلما، أو أكل بباطل درهما، أو أخبر مشتريا بزائد، أو خرج عن معهود العوائد، أشهره في البلد، و غير هؤلاء من فقهاء المكاتب و عالمات النساء و غيرهما، و من يقدم على ذلك و ارشقهم بسهامك، و زلزل أقدامهم بإقدامك، و لا تدع منهم إلا من جربت أمانته، و اختبرت صيانته.

131

الحاجة و الحسبة أمس و اليوم:

و لقد حدثنا التاريخ أن الناس كانوا يتولون الحسبة بأنفسهم عندما تضعف الحكومات لأن مصلحة أهل كل بلد لا تتم إلا بدفع الأذى بعضهم عن بعض و التواصي بالحق، و الجاهل في ذمة العالم، و الضعيف من حصة القوي.

و أهل البلد الواحد متكافلون معنى و ضمنا إذا لم يتكافلوا هلكوا، و لا تتم للفرد فيه سعادة لا تتناول المجموع. و كان قانون الاحتساب يسد حاجات المجتمعات في هذه الديار. نعم إن تلك الأوضاع قد بلغت عند غيرنا في هذا العصر مبلغا عاليا من الرقي بفضل قاعدة توزيع الأعمال، و كثرة الاختصاصيين في كل فرع من الفروع، و لكن ديوان الحسبة وحده كان يقوم بأكثر هذه المقومات في المدن الفاضلة، فكانت الحسبة آخذة برقاب المنافع، داقة أعناق المضار. و من الغريب أن عصرنا على رقيه لم يصل في هذا القطر إلى بعض ما كان يتمتع به أهلها في القرون الغابرة، و أغرب من هذا كيف اهتدوا إلى أشياء فأصلحوها لتوفير راحتهم و رفاهيتهم، و ما بلغوا ما بلغوه من تراتيبهم بدون التوسع في القوانين الفضفاضة شاهدة على تمدنهم، و أنهم أهل عمليات أكثر مما هم أرباب نظريات، فسبحان الملهم العظيم.

تأسيس البلديات‏ (*):

يبدأ عهد الإصلاح في الدولة العثمانية من تاريخ إعلان المنشور السلطاني الصادر في غرة جمادى الآخرة سنة (1272) و فيه القواعد الأساسية التي بني عليها ذلك الإصلاح في الشؤون المختلفة، و في جملة المعاهد التي أنشئت، المجالس البلدية التي أحدثت عقب صدور المرسوم المذكور و وضع لها نظام خاص جرى فيه تعديل بحسب الأحوال.

فإن النظام المؤرخ بيوم 23 ربيع الأول سنة (1284) الذي يحوي في مطاويه أصول تأليف المجالس البلدية في مراكز الولايات و الألوية و الأقضية، قد جرى تعديله فيما بعد كما هو مصرح بذلك في الفصل السابع من قانون إدارة الولايات العمومية (29 شوال سنة 1287 و 9 كانون الثاني سنة 1286)

____________

(*) كتب فصل البلديات السيد أمين الحشيمي.

132

و يقضي هذا القانون بإحداث مجلس بلدي في كل مركز من مراكز الولاة و المتصرفين و قوام المقامات مؤلف من ستة أعضاء و من رئيس و معاون و من طبيب البلدة و المهندس بصفتهما عضوين مشاورين و كاتب و محاسب موظفين.

و ينص بأن هيآت المختارين (العمد) و الشيوخ في المراكز المبحوث عنها هي التي يحق لها انتخاب الأعضاء للمجالس البلدية من ذوي الكفاءة باتفاق الكلمة أو بأكثرية الآراء، و أن الحكومة المحلية تصادق على انتخابهم و نصبهم.

أما نصب الرئيس فيجب أن يقرّه المتصرف و الوالي أيضا، و أما الرئيس و الأعضاء فيخدمون مجانا بلا راتب، و الكاتب و المحاسب يخصص لهما راتب من ريع البلدية و يربط المحاسب بكفالة معتبرة. و يجتمع هذا المجلس مرتين في الأسبوع و ينظر في وظائفه المعينة في القانون. و أهمها ما له مساس بإنشاء الأبنية و فتح الطرق و توسيع الجادات و الأزقة و الشوارع، و تنظيف البلدة و تنويرها، و مراقبة الأوزان و المكاييل، و تعديل الأجور و الأسعار، و تنظيم مجاري مياه الشرب و قنوات المياه المالحة و غير ذلك من الشؤون التي تنفع في عامة شؤون البلدة.

ثم صدر قانون البلديات (27 رمضان سنة 1294) فعدّل كثيرا من مواد الأنظمة السابقة و زاد في اختصاص المجلس و الرئيس و غيّر طريقة الانتخاب، فبعد أن كانت منحصرة في الهيآت المؤلفة من المختارين و أعضاء مجالسهم أصبحت شاملة أفراد الأمة الذين توفرت فيهم الشروط القانونية، و أصبح لكل واحد منهم حق الاشتراك في الانتخاب بحيث يمكنه أن يكون ناخبا أو منتخبا حسب الشروط المتوفرة فيه، و زاد في تحسين حالة الدخل و توفير منابعه و انتظام جبايته.

و منح هذا القانون مجالس الإدارة في المدن الكبيرة حق تقسيم هذه المدن إلى مناطق، بحسب سعتها و وفرة سكانها، و تأليف مجلس بلدي في كل منطقة منها على أن يراعى عدد السكان و لا يقل عن أربعين ألفا في كل منطقة.

و أناط بالبلدية وظائف عديدة فوق تلك الوظائف. فعهد إليها إصلاح المدينة و ترقية شؤونها من كل الوجوه العمرانية و الصحية و الأخلاقية. و أوجب الزيادة في عدد الأعضاء فجعلوا اثني عشر عضوا بعد أن كانوا ستة أعضاء

133

فقط، على أن تكون تلك الزيادة بنسبة عدد السكان و اتساع المحل. و خوّل الحكومة المحلية حق تعيين الرئيس من الأعضاء المنتخبين براتب يتقاضاه من واردات البلدية، و أما الأعضاء فيبقون بلا راتب كما في السابق على أن يبدل نصفهم في كل سنتين. ثم جرى تعديل هذه المادة بشأن الرئيس فتقرر أن تختار الحكومة لرئاسة البلدية من شاءت من ذوي المقدرة و اللياقة، سواء كان من الأعضاء المنتخبين أو من غيرهم، و لكنها بعد التجربة عدلت عن هذه الطريقة و أرجعت المادة إلى أصلها.

و في قانون البلديات أن كل فرد من أفراد الدولة إذا كان يؤدي مائة قرش خراجا و هو في سن العشرين و غير محكوم عليه بجناية، يحق له أن يشترك في انتخاب أعضاء البلدية. و إذا كان يدفع مائة و خمسين قرشا خراجا و كان عمره خمسا و عشرين سنة و كان غير محكوم عليه بالحبس مدة سنة أو بجزاء آخر يعادله و غير تابع لحكومة أجنبية أو مستخدم عند أحد أو في مجلس بلدي آخر أو متعهد أو كفيل للمتعهدين في دوائر البلدية و كان غير جندي أو حاكم في المدينة أو القصبة فيحق له أن ينتخب عضوا في البلدية.

و في هذا القانون أن واردات البلدية عبارة عن الرسوم و الضرائب المخصصة لها بإذن سلطاني، و عن أثمان الفضلات الحاصلة من توسيع الطرق و فتح الشوارع و غيرها، و عن الرسوم التي يجب استيفاؤها من أصحاب الأملاك الذين يستفيدون من فتح الجادات و الشوارع لانتفاع عقاراتهم و أملاكهم من شرف الموقع و إحداث البنايات، إذا قام بناؤها على الطراز الجديد، و من الجزاء النقدي و رسوم القنطار و الكيل و الوزن و رسوم الذبحية و رسم المقاولات المعقودة في الإيجار و الاستئجار و رسوم الحيوانات المباعة ضمن حدود البلدية.

و قد خصص للتنوير و التنظيف عشرون في المئة من خراج العقارات و المسقفات و عشرة في المئة من التمتع. و هناك رسوم أخرى للبلدية مثل رسم الرخصة عن الأبنية المنشأة حديثا أو المراد تعميرها و ترميمها، و عن الألعاب المرتبة في المقاصف و محلات اللهو و الطرب، و مثل رسم العجلات و الدواب المعدّة للركوب و النقل و غير ذلك من الرسوم المتروكة للبلدية، و من الهبات و التبرعات أيضا. و أهم الرسوم المخصصة للبلدية رسم الدخول (الاوكتروا)

134

فإنه بالنظر لتنوع موارده يكاد يكون الدعامة القوية في إصلاحات البلدية.

و نص قانون البلديات على وجوب مراقبة الدخل و الصرف، و تنظيم موازنة عامة في كل سنة سالمة من الشوائب و النواقص، و قضى بتأليف لجنة من أعضاء المجلس الإداري و أعضاء المجلس البلدي مرتين في السنة باسم الجمعية البلدية. و حتم عليها أن تلتئم في نيسان من كل سنة فتنظر في نفقات البلدية عن السنة السابقة، و في حساباتها و أعمالها العامة، ثم تصادق عليها، و أن تجتمع مرة أخرى في تشرين الثاني من تلك السنة فتنظم الموازنة العامة للسنة القادمة، و تنظر في الشؤون التي يجب أجراؤها في تلك السنة. و منح هذه الجمعية حق التعديل في أنظمة البلدية، و النظر في أحوالها العامة على أن ترفع مقرراتها فيما يتعلق بالتعديل و الإصلاح إلى المجالس العمومية في مراكز الولايات.

و لما كان توسيع الطرق و تعبيدها، و فتح الجادات و الشوارع و إحداث الأرصفة و إصلاح مجاري المياه و الجداول و تنظيمها، و إنشاء المدارس و المستشفيات العمومية و الثكنات و المعاقل، و القيام بجميع الأعمال المفيدة التي يشمل نفعها السكان على اختلاف طبقاتهم يتوقف على إطلاق يد البلدية في استملاك الأراضي و البنايات اللازمة للإصلاحات المنوه بها فإن قانون الاستملاك المؤرخ في 21 جمادى الأولى سنة (1296) و المعدل بقوانين و أنظمة أخرى قد منح البلديات حق الاستملاك في جميع الأرضين و العقارات بمقابل بدلات معتدلة تقدرها لجان مؤلفة من مخمنين محلفين من ذوي الخبرة و النزاهة تبعا لأصول نص عليها هذا القانون. و هذا ما زاد أعمال البلديات تحسينا و إتقانا، فأصبحت موافقة لأساليب العمران الحديث و منطبقة على قواعد الهندسة و الفن، و حفظت لأصحاب الأملاك و الأرض حقوقهم من الضياع أيضا.

النظام الجديد:

وضع رئيس الدولة السورية قرارا مؤرخا في 10 حزيران سنة (1925) بتأسيس البلديات في المدن التي لا يتجاوز عدد أهاليها عشرة آلاف شخص فغيّر هذا القرار بعض أحكام القوانين السابقة. و قد نصّ فيه على أن المدن‏

135

التي يتجاوز عدد أهاليها مئة ألف نفس تؤلف مجالسها البلدية من عشرة أعضاء ينتخبهم الأهالي و عضوين يعينهما وزير الداخلية باقتراح الوالي أو المتصرف، و أن المدن التي يبلغ عدد أهاليها بين خمسين ألفا و مئة ألف، تؤلف مجالسها من ثمانية أعضاء ينتخبهم الأهالي و عضوين يعينهما وزير الداخلية باقتراح الوالي أو المتصرف. و المدن التي لا يتجاوز عدد سكانها خمسين ألفا تتألف مجالسها من ستة أعضاء منتخبين و اثنين ينصبهم وزير الداخلية.

و نصّ أيضا على أن المجلس البلدي يجتمع حتما يوم الخميس من كل أسبوع يلتئم فوق ذلك بدعوة من ممثل الدولة المنتدبة أو رئيس الحكومة السورية أو وزير الداخلية أو مستشار البلدية، و في الأحوال المستعجلة يجتمع بدعوة من رئيس البلدية أو بطلب من نصف أعضاء المجلس على الأقل.

و نصّ على صورة عقد الجلسات و المذاكرة في القضايا المحالة إلى المجلس البلدي و تدوين المقررات الصادرة منه، و منح مستشار البلدية أو المفتش حق حضور الجلسات و إبداء رأيهما أثناء المذاكرة، و جعل اللغتين العربية و الإفرنسية رسميتين، و أوجب تسطير المحضر باللغة العربية و باللغتين معا كلما سمحت الأحوال.

و أجاز هذا القرار لرئيس الدولة حل المجلس البلدي بقرار منه و باقتراح وزير الداخلية، و اشترط موافقة المفوض السامي على ذلك الحل، ثم ذكر الأسباب الموجبة للحل كما يأتي: (1) إهمال المجلس واجباته المنصوص عليها في القرار المذكور بعد أن يمر على تبليغه (48) ساعة. (2) مخالفته أحكام المادة 23 من هذا القرار التي تحظر عليه المذاكرة في موضوع خارج عن سلطته، أو في موضوع لم يذكر في برنامج أعمال الجلسة. و المذاكرة أيضا في قضية عقد عليها قرار يتعلق بمصلحة بعض الأعضاء الذين اشتركوا في الجلسة، و المذاكرة بإذاعة نشرات أو خطب و إبداء أمان لها صبغة سياسية أو دينية تتعلق بالإدارة العامة. (3) إهماله المناقشة في إحدى القضايا المسجلة بصورة نظامية في بيان أعمال الجلسة الأولى خلال أربع جلسات متوالية.

(4) نقص عدد الأعضاء إلى درجة لم يتمكن معها في أربع جلسات متوالية من إدراك النصاب القانوني.

136

و نص القرار على تأليف لجنة خاصة بقرار من رئيس الدولة تضم خمسة أعضاء للقيام بوظائف المجلس الذي يكون حله قد تم وفقا للأحكام السابقة، و صرّح بأنه يجوز تعيين اثنين أجنبيين من دافعي الضرائب في اللجنة المذكورة، و أن هذه اللجنة تقوم بعامة وظائف المجلس، و أنه يشرع بانتخابات جديدة متى ساعدت الحال على ذلك، و يعين تاريخ إجرائها بقرار من رئيس الدولة.

و نص القرار على وظائف المجلس البلدي فجعل إنفاذ المقررات المتضمنة للوظائف المذكورة متوقفا على تصديق وزارة الداخلية و إنفاذ غيرها من المقررات مناطا بوضع إشارة عليها من المستشار. و الوظائف المهمة هي: تنظيم الموازنة و التعديل في تقدير الرسوم، و مشترى عقارات يزيد مجموع قيمتها على عشر واردات البلدية، و وضع ضرائب استثنائية و عقد قروض (لا بد في هذه من الحصول على إذن المفوض السامي) و بيع أملاك البلدية أو مبادلتها، و ترتيب درجات الشوارع و الساحات و تزيينها، و تحديد الأماكن العامة و توسيعها أو إبطالها، و إحداث ساحات للأسواق و للصيد و السباق في المواسم و غير ذلك.

و صرح بأن هذه المقررات ترفع إلى وزارة الداخلية، فإذا لم يبد الوزير رأيه خلال ثلاثين يوما من تاريخ الوصل المعطى منه، يحق للمجلس البلدي إنفاذ أحكامها، و إذا رفض الوزير الموافقة عليها خلال تلك المدة فإن للمجلس البلدي حق تمييزها إلى مجلس الشورى. و يكون قراره بشأنها مبرما. و قد نص ذلك القرار على أنه يعين عضو من أعضاء المجلس البلدي رئيسا للبلدية بقرار من رئيس الدولة و بالاستناد إلى اقتراح وزير الداخلية.

و يصرح القرار بأن الرئيس يعين لمدة سنة و أنه يمكن تجديد تعيينه لسنة أخرى بعد انقضاء مدة الرئاسة. و أنه إذا تغيب الرئيس أو وجد سبب آخر يمنعه من الحضور، فإن أكبر الأعضاء سنا يقوم مقامه في وظائفه، و إذا تجاوزت مدة غيابه أو مدة السبب المانع من حضوره خمسة عشر يوما فيعين حينئذ وكيل الرئيس بقرار من رئيس الحكومة بناء على اقتراح وزير الداخلية.

و أما عزل الرئيس أو تنحيته عن العمل فلا يكون إلا بقرار رئيس الدولة مبني على اقتراح وزير الداخلية و مصادق عليه من المفوض السامي بشرط أن يلمّ بالأسباب الموجبة للتنحية أو منعه.

137

و يتقاضى رئيس البلدية تعويضا شهريا يعين بقرار من وزير الداخلية و يتناول الأعضاء في نهاية كل شهر تعويضا عن الجلسات التي حضرها كل منهم خلال ذلك الشهر على أن لا يتجاوز مجموع التعويض لكل عضو عشرين ليرة سورية صافية. و قد صرّح القرار بوظائف رئيس البلدية فإذا هي أوسع نطاقا من الوظائف التي خصته بها القوانين السابقة. و تبين أن قرارات رئيس البلدية في دائرة سلطته الخاصة أو بالاستناد إلى مذاكرات المجلس البلدي، تعرض فورا على وزير الداخلية و لا توضع موضع الإنفاذ إلا بعد مرور خمسة عشر يوما على تسليمها للوزارة المشار إليها، و يجوز لوزير الداخلية أن يأمر بتنفيذها فورا في الأحوال المستعجلة فقط، أما المقرارات التي تتضمن تسوية وقتية فإنها تنفذ حالا بعد نشرها أو تبليغها. و في كل حال لا تسري أحكام القرارات على ذوي العلاقة بها إن لم تنشر و تذع، هذا إذا كانت أحكامها عامة، و على وجه الانفراد فيما إذا كانت خاصة.

تأثير البلديات في العمران:

للبلديات تأثير عظيم في عمران المدن و القصبات على اختلاف درجاتها لا سيما إذا عهد بإدارة البلدية إلى رجال كفاة يحسنون العمل، و ينطوون على نزاهة و نشاط، و مع أن بلدية دمشق مثلا و بها نمثل، و كلامنا فيها يصدق على أكثر مدن الشام لم تحصل على هذا الشرط الأساسي في ترقية شؤونها إلا في الأحايين، فإن تأثيرها في عمار المدينة ظاهر محسوس لا ينكره أحد، و منه اتساع الشوارع و الجادات و انتظامها، و يستثنى من ذلك الأزقة التي ما برحت ماثلة للعيان على الطراز القديم لا يكاد يتخللها الهواء و لا ينفذ إليها النور.

و لو أتيح للمدينة حكام و للبلدية رؤساء في الزمان الغابر يقدرون الضرر العظيم الذي يطرأ على الصحة العامة بسبب ضيق المنافذ للهواء و النور. لأزالوا تلك الموانع، فوسعوا جميع الطرق و الأزقة الضيقة، و خدموا بذلك المدينة أجلّ خدمة، كما فعل مدحت باشا في سوقه الشهير، و كما فعل جمال باشا في زمن الحرب، فإنهما فتحا الشوارع الكبيرة و مهدا سبل الإصلاح في المدينة و كما يفعل الآن رجال السلطة العسكريين فإنهم قد باشروا العمل نفسه بجد و نشاط.

138

و من ذلك إحداث المجاري للمياه القذرة و تنظيمها بدرجة تمنع اختلاطها بالمياه الصالحة للشرب. و هذا العمل من أعظم الأعمال المفيدة التي أدخلتها البلدية في برامج إصلاح المدينة، و صيانة الصحة العامة من الأمراض السارية، ويليه جر المياه من عين الفيجة بقساطل مستورة لتسلم من جراثيم الأمراض.

و إحداث البنايات و الأسواق على النمط الجديد مما زاد في رونق المدينة و بهائها، و وضع الخرائط و المصورات التي قيدت أرباب المساكن و البيوت بإنشائها وفقا للفن و الهندسة، و توسيع الأزقة تدريجيا و منع البناء بغير الحجر و الآجر.

و منها: إنارة الأزقة و الشوارع و الساحات العامة و تسهيل المرور ليلا، و رفع المحاذير التي يكثر حدوثها تحت ستار الظلام كالسرقات و غيرها. و لا يزال التنوير مفقودا في بعض الأزقة و لا سيما الضيقة منها. و منها إيجاد وسائط للنقل في المدينة مثل قاطرات الترام، فإنها سهلت انتقال السكان من أقصى المدينة إلى أقصاها بالسرعة المعتدلة و بأجور خفيفة، و وفرت عليهم الوقت أيضا.

و من ذلك إنشاء المستشفى العام و مدرسة الصناعة و دار الأيتام و العجزة و غير ذلك من المعاهد النافعة التي زادت في تحسين حالة البلدة من الوجهة الصحية و الأخلاقية و العمرانية. ذكرنا أمهات المنافع و الفوائد العامة التي حصلت في المدينة بتأثير البلدية، و هناك فوائد أخرى أيضا لا تخفى على ذوي الألباب.

رأي في إصلاح البلدة:

إن قوانين البلدية و أنظمتها التي وضعت في زمن الأتراك، و استمر العمل بها مع تعديل و تغيير في بعض موادها بحسب الأحوال، وافية بالحاجة لإدارة الشؤون. و لذلك أرى أن إصلاح البلديات يجب أن يقوم على أساسين متينين يكفيان لتشييد بنيانه: توفير دخلها و حسن جبايته، و إنفاقه في سبيل ترقيتها و تزيينها.

و دخل البلدية الآن في دمشق مثلا وافر لا يستهان به، و كل بلدة في الشام و لا سيما أمهات مدنها قد زادت مع الزمن وارداتها. و بعض البلديات لا تقوم مداخيلها بنفقاتها المتنوعة من فتح الجادات و تعمير الطرق و توسيعها و يكفي ريع الفضلات الحادثة من فتح الشوارع و توسيع الطرق لتأدية بدلات‏

139

الاستملاك إلى أصحاب الأبنية التي يجب هدمها من جرّاء ذلك الإصلاح.

و مع هذا فإنه يمكن زيادة الإيراد بطرق عديدة. أما الرسوم فإنها تباع بطرق الالتزام و تجبى بدلاتها وفقا لنظام الأعشار بنفقات معتدلة و في زمن قصير.

و هذا هو المطلوب في جباية الضرائب، و لذلك لا تكلفها الجباية نفقات باهظة.

و تكفي السلطة المخولة للمجلس البلدي في جباية الرسوم و تحصيل الديون لحفظ حق البلدية من الضياع و الضرر.

بقي علينا صرف الواردات و إنفاقها في سبيل عمارة المدينة. فلهذه القضية علاقة كبرى بانتخاب الرئيس و أعضاء المجلس البلدي لأن الإيراد مهما كان وافرا فإنه لا يفيد شيئا إذا لم تكن الأيدي المسيطرة على شؤون البلدية أمينة على العمل منقطعة إليه متقنة إياه. و يجب أن يكون الرئيس موظفا تنصبه الحكومة و يشترط أن يكون من ذوي الدربة و الحنكة و من حاملي الشهادات العالية أو المتعلمين بدرجة لا تقل عنها سواء كان منتخبا أو غير منتخب، و أن يخصص له راتب وافر لينصرف بكليته إلى إيفاء عمله و ليحفظ مكانته و وقاره لدى الطبقات التي يمثلها.

و أما الأعضاء فيشترط في انتخابهم أن يكونوا متعلمين تعليما ثانويا، و يرجح انتقاؤهم من أصحاب اليسار و من ذوي المكانة ليكونوا في غنى عن تناول الأجور التي يخصصها لهم المجلس البلدي لقاء الكشف و التحقيق عن القضايا المودعة إليهم، و ينجم عنها ما يسي‏ء سمعتهم و يخل بمكانتهم بعض الأحيان.

و عندي أن حجر الزواية في أساس الإصلاح انتقاء الرئيس و الأعضاء من خيرة الرجال، و إطلاق أيديهم في العمل، و وجود الكفاة في الوظائف مع غل أيديهم لا يفيد شيئا. و يصح تطبيق هذه القاعدة في مراكز الألوية و الأقضية مع التعديل فإنه يختار فيها المتعلمون و المهذبون من ذوي الشأن و أصحاب اليسار و النزاهة و إلا فإن تزييد الواردات لا يكفي للإصلاح، و المعول على الأيدي العاملة النزيهة النشيطة و اللّه الموفق للصواب اه.

140

الترع و المرافى‏ء و الطرق‏ (*)

ترعة السويس:

يتناول موضوعنا المرافئ و الخطوط الحديدية و الكهربائية و الطرق المعبدة، و لما كان افتتاح ترعة السويس بين البحر الأحمر و البحر المتوسط من أعظم العوامل التي أثرت تأثيرا كبيرا في سير المواصلات البحرية، و تقريب المسافات الشاسعة بين الشام و البلاد الشرقية الأخرى كفارس و الهند و الصين، و خصوصا بين الشام و أمها جزيرة العرب و سهولة نقل الحجاج إلى الأرض الحجازية المقدسة- رأيت أن أفتتح الكلام بهذه الترعة و بما يتعلق بها من الشؤون الفنية و التاريخية و الاقتصادية فأقول:

المواصلات بين البحر المتوسط و بين البحر الأحمر قديمة العهد، تبدأ من المصريين القدماء على عهد امبراطوريتهم الوسطى أي منذ ألفي سنة قبل الميلاد تقريبا. فالمسألة إذا عريقة في القدم، و قد عرفت لأول مرة قبل أربعة آلاف سنة على التقريب. و ما كانت هذه المواصلات القديمة بين البحرين إلا من قبيل المصادفات و لم تكن غاية ما كان يرمي إليه القدماء. و هؤلاء ما كانوا يتطلبون سوى الحرص على المواصلات بين البحر الأحمر و نهر النيل ليتمكنوا من وصل أهم طرقهم و هو النيل بأعظم طريق بحري يؤدي إلى آسيا و بلاد الحبشة و هو البحر الأحمر. و لذلك قام الفراعنة بتخطيط طريق لا شك أنها من أهم طرق ذلك العهد، بين المكان الذي قامت فيه الآن مدينة القاهرة و بين السويس، ليسهل عليهم نقل بعض الأحجار و المعادن من سيناء

____________

(*) كتب هذا الفصل السيد عبد الوهاب المالكي.

141

كالفيروز و النحاس و المغنيزيا فحفروا أول قناة بين النيل و بين البحر الأحمر.

و لما كان النيل يصب في البحر المتوسط أصبح من الممكن إذ ذاك مرور المراكب بين هذين البحرين. و لا تعرف اليوم تلك القناة الصناعية و لا ذلك الفرع الذي حفرته يد الإنسان، و لا شك أنه كان ثمة فرع طبيعي لنهر النيل العظيم جف ماؤه منذ العصور الجيولوجية أي قبل ظهور الإنسان.

و يؤكد بعض المؤرخين أن هذا الفرع كان في زمن رمسيس الثاني و الناظر إلى خريطة مصر يتمثل لعينيه هذا الوادي القديم وادي تومات، و فيه قسم من الأراضي الخصيبة المنبتة يقطعه الخط الحديدي بين الزقازيق و الإسماعيلية و هذا الوادي هو الفرع القديم الجاف لنهر النيل و هو موضع القناة القديمة.

فمجرى هذه القناة يتقارب جدا من القناة الحالية التي تجري فيها المياه العذبة لإرواء الأرضين الواقعة بالقرب من ترعة السويس. و يظهر أن سلسلة البحيرات المتقطعة الواقعة على طريق هذه الترعة كانت متصلة قديما بخليج السويس الطويل و يجري إليه فرع النيل الشرقي القديم المبحوث عنه.

و يظهر من درس الأراضي و الارتفاعات و المستحاثات أن أحجار البسوط قد ارتفعت قليلا و لا ريب أن المواصلات كانت على أتمها زمن الامبراطورية الوسطى و في عهد الامبراطورية الجديدة. فكانت القناة الأولى تصل نهر النيل ببحيرة التمساح، و ذلك في عهد الأسرة الثانية عشرة إلى التاسعة عشرة أي منذ ألفين إلى ألف و مائتي سنة قبل الميلاد. و أن قناة ثانية من عهد الفراعنة أيضا و في زمنهم الأخير المعاصر للفتوحات الفارسية أي منذ خمسمائة و خمس و عشرين سنة قبل الميلاد، كانت تصل نهر النيل ببحيرة المرة الكبيرة بواسطة وادي تومات و هذه هي القناة التي قام بحفرها و إصلاحها بسامتيك و نيخاووس من السلالة السادسة و العشرين و ذلك بين سنة (610 و 594) قبل الميلاد. و كان مشروعه يقضي بتجديد الفرع القديم لنهر النيل المنفصل عنه في منطقة بوباشيس و المار في وادي تومات. إن هذا العمل الذي ذهب بحياة مائة و عشرين ألف عامل كما ذكر ذلك المؤرخ الشهير هيرودوتس خلال رحلته إلى مصر (أي بعد سنة أربعمائة و تسع و أربعين ق م) لم ينجح و ترك قبل إتمامه، لأنه أوحي إلى الملك نيكو على ما يقال بأن عمله خدمة للبرابرة

142

أي الفرس، و لذلك لم تتم هذه القناة إلا بعد مائة سنة أنشأها الملك داريوس الأول الفارسي. على أن القناة القديمة كانت أوسع من هذه القناة الحالية.

و قد ظهرت آثار القناة القديمة المندرسة في سنة (1798) و تظهر الآثار الآن في أماكن عديدة. و قد استعمل قسم منها لمجرى القناة الجديدة المستعملة لإسالة الماء العذب، و قد عرفنا من الجدران المائلة و المرتفعة و من الأحجار المنحوتة أن عرض القناة القديمة كان خمسة و أربعين مترا في عمق خمسة أمتار.

و ذكر المؤرخ هيرودوتس أن طولها أربعة أيام و قد كانت معدة إذ ذاك لسير السفن. و تكريما لإنجاز عمل القناة أقام داريوس عدة مسلات تذكرة و مفخرة.

و جاء بعد ذلك البطالسة و جهدوا لتجديد عمل هذه القناة و أخذوا يقاومون الطبيعة في العصر الرابع و الثالث و الثاني و الأول ق م. و كانوا يرمون إلى المحافظة على طريق نهر النيل إلى البحر الأحمر من البحيرة المرة و جعله أبدا صالحا لمرور الزوارق. كلفهم ذلك جهودا عظيمة و قاموا بأعمال صناعية دقيقة، كالسدود و الأحواض و أعمال أخرى كان القصد منها دفع المياه المالحة عن النيل و عن الأراضي المصرية، ثم أهمل شأنها في القرن الأول ق م.

و بعد فإن تاريخ هذا العمل العظيم أي قناة السويس القديمة ينتهي في عهد الرومانيين. و قد كان آخر من قام بحفر هذه القناة القديمة التي امتلأت بالرمال الامبراطور تراجان الروماني بين سنة (98 و 117) بعد الميلاد و قد فتح على عهده نهر تراجان الذي كان يبتدئ بالقرب من القاهرة و يمتد إلى خليج السويس في البحر الأحمر، و هذا النهر هو القناة المبحوث عنها آنفا. طمتها الرمال و ارتفع مستوى الأرض فضاع أعظم أثر من آثار القدماء يعد من بدائع القرون الغابرة.

و لما افتتحت العرب مصر كانت قناة النيل و البحر الأحمر عبارة عن ذكرى قديمة العهد جدا. و مع هذا يرجع الفضل و الشرف في إحياء هذه الذكرى القديمة منذ اثني عشر قرنا للعرب الفاتحين و هم آخر من أحيا هذه الذكرى قبل أهل المدنية الحاضرة. و أعظم من هذا أنهم هم أول من فكر بالطريقة الحديثة لإيجاد قناة بين البحرين المتوسط و الأحمر. ذلك لأن مملكة العرب كانت متسعة الأرجاء و تحتاج للمواصلات في كل وجه خلافا لمملكة

143

الفراعنة فإنهم لم يفكروا إلا بما يفيد مصر وحدها. فالحاجة عند العرب كانت ماسة لربط الصلات بين جزيرتهم و ما افتتحوا من الممالك الأخرى. و قد قام بهذه المهمة عمرو بن العاص أحسن قيام و تبعه في ذلك الخليفة العباسي هرون الرشيد. و لعدم وسائطهم الفنية الحديثة لم يتمكنوا من فتح ترعة عظيمة كالترعة الحالية و إن فكروا بها مليا، و لما أشكل عليهم الأمر لم يحجموا عن جعل النيل واسطة الاتصال بين ممالكهم. و كان القصد من استعمال النيل هذه المرة الوصل بين البحر المتوسط و البحر الأحمر. و على هذا قاموا بإصلاح قناة الأقدمين التي تبتدئ من الزقازيق على النيل. و كانوا يأتون في سفنهم من الشمال و يدخلون في بحيرة المنزلة ثم في النيل و من هناك يتبعون القناة التي أصلحوها إلى أن يدخلوا البحر الأحمر و منه يتجهون نحو جزيرة العرب.

و كانوا بهذه الصورة ينقلون من مصر ما يحتاجونه من الحنطة إلى جزيرتهم.

و يحدثنا التاريخ أن عمرو بن العاص نقل في هذه الترعة الحنطة من الفسطاط إلى القلزم (السويس) و من هناك إلى جزيرة العرب عن طريق البحر الأحمر.

و قد بقيت القناة صالحة للسير مدة من الزمن حتى جاء الخليفة المنصور العباسي و قام بطم هذا الطريق المفيد مخافة أن تنقل الذخائر إلى القائم بالحجاز إذ ذاك من أرض مصر. و على هذه الصورة انقطع حبل الوصل للمرة الأخيرة بين البحرين مدة ألف سنة و نيف. على أن فكرة اتصال البحرين ما زالت باقية منذ ذلك العهد و هي الفكرة التي لم يسبق أحد إليها. و كانت من الأعمال التي لا مندوحة للمدنية من تطبيقها. و جاء البنادقة قبل العرب بفتح ترعة لتضرر تجارتهم من افتتاح طريق رأس الرجاء الصالح و لكنهم لم يفلحوا.

و في سنة (1641) عرض لايبنيس العالم الرياضي الشهير على ملك فرنسا لويس الرابع عشر بأن يؤلف جيشا لافتتاح مصر، و كان من جملة ما طلبه فتح هذه الترعة للوصول منها إلى الهند، و لكن لم يتم شي‏ء من هذا كما وقع ذلك للسلطان مصطفى الثالث العثماني الذي فكر أيضا بفتحها، و كان الأمر كذلك مع علي بك زعيم المماليك الذي لم يكتب له النجاح أيضا. و قد ارتأى فتحها أيضا كولبر الشهير و كثير من وزراء لويس الخامس عشر و لويس السادس عشر.

144

و يظهر أن كل من حاولوا ربط البحرين هم إفرنسيون أو أصدقاء لفرنسا، اتفقوا على هذا الأمر للفت في عضد إنكلترا التي كانت تحصر طريق رأس الرجاء الصالح. و لما جاء نابليون مصر نظر في الأعمال الأولى لفتح الترعة سنة (1798). و قام مهندسه لوپير بدرس المشروع و عمل المصورات اللازمة عملا بإشارة سيده غير أنه أخطأ في حسابه خطأ عظيما إذ وجد أن مستوى الماء في البحر الأحمر أعلى من مستواه في البحر الأبيض بنحو تسعة أمتار و تسعين سانتيما، في حين ليس من فرق بين مستوى البحرين و بذلك كان لوپير السبب في تأخير هذا العمل مدة طويلة.

بقيت المواصلات مقطوعة بالفعل بين السويس و البحر المتوسط مدة ألف و مائة سنة أي منذ سنة (755) إلى سنة (1854) ميلادية أو من عهد المنصور إلى الزمن الذي قام به بحفر الترعة الحالية فرديناند دليسبس الذي برهن على عكس ما ادعاه مهندس نابوليون. و قد قام المهندسون لينان بك و استيفانسون و نيكريللي و بوردالو بمساحات دقيقة بين سنة (1848 و 1857) و أثبتوا بصورة نهائية خطأ المهندس لوپير.

أقنع دليسبس الخديوي سعيد باشا بفائدة الترعة و أحرز في سبعة أيام موافقته على ذلك. و صدر المنشور الخديوي بفتح الترعة يوم 30 تشرين الثاني سنة (1854). فعارضت بريطانيا في فتح الترعة مدعية أنها تريد المحافظة على كيان الدولة العثمانية من الأخطار التي ستحدثها هذه الترعة المشؤومة. و لم يرجع دليسبس عن مشروعه فأسس شركة و عرض في 5 تشرين الثاني سنة (1858) أسهمها للبيع. و كان عدد هذه الأسهم (000، 400) سهم بيع منها (000، 207) سهم في فرنسا و اشترك في شراء هذه الأسهم جميع الطبقات.

أما ما بيع في البلدان الأخرى فلم يتجاوز الثلاثة بالمائة. و اكتتب الخديوي سعيد باشا لنفسه بما بقي من الأسهم أي بنحو خمسة و أربعين بالمائة من مجموعها و وضع تحت إدارة القائمين بالأعمال خمسة و عشرين ألف عامل بأجرة زهيدة جدا. و أسست هيأة إدارية للقيام بهذا المشروع و جرى الاحتفال بالموضع الذي أنشئت فيه بور سعيد في 25 نيسان سنة (1859) و ذلك قبل أن تتم موافقة الباب العالي و قبل أن تضع المعارضة البريطانية سلاحها. و مع هذا كانت‏

145

أعمال الحفر تتقدم بوسائط ابتدائية، فتنقل أتربة الحفريات على ظهور الحمير.

و لنا أن نقدر الصعوبات التي اقتحمها القائمون بالعمل إذا فكرنا بأن ما كان يحتاجه العمال من الماء للشرب كان ينقل على ظهور الإبل و كان يكلف هذا النقل ستة و خمسين ألف فرنك في الأسبوع حتى انتهى عمل القناة المعدة لإسالة الماء العذب.

و في 18 تشرين الثاني سنة (1862) جرى فتح أول قطعة من الترعة و قد ترأس هذا الاحتفال الفخم دليسبس صاحب هذا المشروع. و حطم السد أثناء الاحتفال فدخلت مياه البحر المتوسط إلى بحيرة التمساح فكان هذا الاحتفال فخما مهيبا. و مات الخديوي سعيد باشا فأضاع دليسبس أكبر نصير له.

على أن هذه المصيبة لم تمنعه من الحصول على موافقة السلطان العثماني و ذلك في سنة (1866) و جي‏ء يومئذ بآلات الحفر الضخمة ذات قوة (22) ألف حصان و استغنوا عن الأدوات الابتدائية. و جرى افتتاح هذه الترعة في 17 تشرين الثاني سنة (1869) فاجتمع في ذلك الاحتفال خمس و خمسون سفينة أتت من أوربا، و ممن حضر امبراطور النمسا و أولياء عهد بروسيا و هولاندا و غيرهم.

و قد أنفق على هذه الترعة تسعة عشر مليون ليرة إنكليزية.

و لما رأت إنكلترا فائدة هذه الترعة ندمت على تباعدها عن مديد المساعدة لأول الأمر و قررت أن تستعيض عما فاتها من الوقت. ففي تشرين الثاني سنة (1875) تمكن ديزرائيللي وزير إنكلترا من ابتياع مائة و ستة و سبعين ألف سهم كانت ملك الخديوي سعيد باشا و ذلك بمبلغ أربعة ملايين ليرة إنكليزية و في تسعة أيام دخل ثلاثة أعضاء إنكليز في هيأة إدارة الترعة و سقطت تلك المعارضة التي اشتدت بين إنكلترا و بين شركة الترعة. و في سنة (1882) أهملت فرنسا مصالحها في مصر فعسكرت الجيوش البريطانية في القاهرة فاحتج فرديناند دليسبس على خرق حياد الترعة فلم يجد احتجاجه نفعا.

و في سنة (1885) وضعت قواعد الاتفاق الفرنسي الإنكليزي لإدارة شؤون الترعة. و كان أثر هذا الاتفاق عظيما جدا و خصوصا أيام الحرب العامة.

فكانت هذه الترعة خندقا حصينا بيد الحلفاء للمحافظة على مصر. و لما هاجم (5- 10)

146

الترك الترعة سنة (1915) قام بالدفاع عنها الجنرال مكسويل و نجح على أيسر وجه. و لم تمض مدة قليلة بعد الحرب حتى عادت الترعة إلى ما كانت عليه قبلها و هي اليوم إحدى الطرق البحرية العظيمة في العالم أجمع. و قد مر منها في سنة (1925) 5337 سفينة. و كان مجموع ما تحمله هذه السفن (935، 761، 26) طنا.

لا جرم أن إصلاح الترعة و جعلها صالحة لسير السفن كل حين عمل شاق يتطلب جهودا عظيمة. و كان عرض الترعة في بادئ أمرها اثنين و عشرين مترا في القعر و ثمانية أمتار عمقا. في حين أنها اليوم خمسة و أربعون مترا عرضا في القعر بعمق عشرة أمتار و نصف، مما يدل على أن العمل فيها متواصل و أن عرضها قد تضاعف. ثم إن عرض الترعة على مستوى سطح الماء يختلف بين المائة و العشرين و المائة و الأربعين مترا و قد يبلغ المائة و الستين، و طولها 168 كيلو مترا.

و تقرر مؤخرا أن يجعل عمق الماء ثلاثة عشر مترا و عرض الترعة في القعر ستين مترا. هذا و النفقات تزداد يوما فيوما. و قد بلغ ما صرف على هذه الترعة منذ البدء فيها في سنة (1859) إلى يومنا هذا ما يقرب المليار من الفرنكات الذهبية. و يبدو في ميزانيات هذا العمل عجز ظاهر من أول الأمر. و كان ما استحصل من هذا العمل لا يتجاوز الستة ملايين من الفرنكات على الرغم من الرسوم الباهظة الموضوعة على التجارة و البواخر و تحسنت الحالة في العهد الأخير.

و في سنة (1923) بلغت الواردات غير الصافية 419 مليون فرنك و كان الصافي من الواردات سنة (1924) 264 مليون فرنك. اسم هذه الشركة «الشركة العمومية لترعة السويس البحرية» و هي شركة مصرية بقانونها و شركة دولية عمومية بالاسم. غير أن حقيقتها شركة إفرنسية و أكثرية هيأة ادارتها إفرنسية أيضا. و رئيسها الذي خلف دليسبس إفرنسي أبدا. و مركز إدارتها في باريز و قد دفعت هذه الشركة عن سنة (1921) 14 مليون فرنك إلى الحكومة الفرنسية ضرائب عن أموالها. و مركز الإدارة العامة أيضا في باريز تقوم بإدارة الثلاث شعب الموجودة في مصر و التي يديرها موظفون إفرنسيون.

147

و هذه الشعب هي: إدارة الأشغال، إدارة المركز، إدارة سير السفن.

و يقوم بأعباء هذه الشعب الثلاث 500 موظف و ربان و 2500 عامل. و إذا أضفنا إلى هذه الأرقام عيال هؤلاء الموظفين و العمال و أولادهم بلغ عدد من لهم علاقة مباشرة بشركة الترعة 14 ألف نفس.

الترعة العظيمة عن طريق فلسطين:

قبل اتفاق ترعة السويس الذي صيرها ترعة محايدة دولية، فكر الإنكليز في فتح طريق بحري يمر بفلسطين. و ذلك لإضعاف نفوذ الفرنسيين في الشام و نفوذ الروس في فلسطين، فارتأوا وصل البحر المتوسط ببحيرة لوط ثم البحر الأحمر. و ذلك بواسطة قناة تبتدئ من مدينة حيفا، فتملأ وادي الغور الذي ينخفض 393 مترا عن سطح البحر، ثم تتصل هذه القناة بالعقبة الواقعة على شاطئ البحر الأحمر بعد أن تقطع وادي العربة. و بهذا يكون للإنكليز طريق حربي تبلغ به بريطانيا الهند إذا أغلقت في وجهها ترعة السويس و ينافسون ترعة السويس.

إن سهل يزرعيل لا يرتفع سوى مائة متر عن سطح البحر. في حين يرتفع وادي العربة بين البحر الميت و البحر الأحمر مائتين و أربعين مترا.

فلو فرضنا أنه أمكن المرور من هذه السهول المرتفعة التي تتطلب أعمالا صناعية دقيقة يتساءل المرء عما سيكون مصير الماء الجاري من البحرين إلى هذه الهوة الطبيعية أي وادي الغور فإنه يتبخر في الحال كما هو الشأن بماء نهر الشريعة الذي يصب في بحيرة لوط. فقد حسب السير اوليفان أن هوّة الغور التي ينخفض قعرها 400 متر تقريبا عن سطح البحر تملأ في خمس سنوات. و قد قدّر علماء آخرون بأن المدة اللازمة لامتلاء هذا الوادي لا تقل عن عشرة أمثال المدة التي حسبها اوليفان. و مهما تكن هذه المدة أي مدة امتلاء هذه الحفرة طويلة أو قصيرة، فإن عملا كهذا سيغير إقليم فلسطين حتما، و يحصل من جراء هذا العمل الكبير ملجأ للسفن الكبيرة، و هذا ما يتجلى به سبب تحمس الإنكليز لهذا المشروع منذ أربعين سنة.

طول هذه الترعة العظيمة 400 كيلو متر منها 192 كيلو مترا فقط يقتضي‏

148

حفرها بعرض 60 مترا و بعمق 12 مترا. و مهما تكن فكرة فتح هذه الترعة عظيمة، و مهما تكن الاستفادة من قوة الماء الذي سينصب في وادي الغور جيدة، لا يتأتى إخراج هاتين الفكرتين إلى حيز العمل دع أن ثروة البلاد المعدنية المشهورة بجوار بحيرة لوط يصعب أن تذهب هدرا تحت غمر المياه لها، ثم إن نفقات العمل ستكون باهظة و قد قدّرها اوليفان من مليار إلى مليارين من الفرنكات، و قدّرها غيره بخمسة مليارات، مما يجلب خسائر عظيمة و لا يفيد رؤوس الأموال التي ترصد له.

الترعة بين البحر المتوسط و الخليج الفارسي:

و هناك مشروع آخر أشد غرابة من هذا ألا و هو وصل البحر المتوسط بالخليج الفارسي، و ذلك بترعة تبتدئ من السويدية و تمر بأنطاكية و حلب و باليس على الفرات. و بإصلاح نهر الفرات بحيث يغدو صالحا لسير السفن حتى شط العرب. و قد قدرت نفقات هذا المشروع بسبعين مليون ليرة عثمانية ذهبا.

فلو فرض بان الملايين الليرات لا شأن لها فإننا نتساءل عن فائدة هذا الطريق النهري الطويل الذي لا ينقص طوله عن طول طريق البحر الأحمر، فضلا عن أن ارتفاع الأرض في جوار حلب هو 400 متر، مما يجعل هذه الفكرة بعيدة التحقيق أيضا.

مرفأ غزة:

تبعد مدينة غزة عن ساحل البحر خمسة كيلو مترات، و ترتفع عن سطح البحر 55 مترا، و تفصل بين المدينة و البحر تلال قليلة الارتفاع لا يتجاوز أعلاها 15 مترا. و الساحل مملوء بطبقات رمل لا تتمكن البواخر من الاقتراب منه. و قد تكونت هذه الرمال بما تقذفه مياه النيل من الرمال إلى البحر المتوسط فتسوقها الرياح الغربية إلى هذا الساحل. و الظاهر أن مرفأ غزة كان في معظم أدوار التاريخ دون سائر موانئ الشام و لم يكتب له أن ينتفع به حق الانتفاع إلا في أوقات قليلة.

149

مرفأ يافا:

خربت مدينة يافا في الحروب الصليبية فأضحت عبارة عن قرية تتألف من بضعة بيوت. و قد بدأت في التجدد أواخر القرن السابع عشر. و كان المرفأ إذ ذاك غير صالح لإرساء السفن كما هي حالته لهذا العهد. و لذلك كانت ترسي السفن الفرنسية في مرفأي عكا و صيدا. و حصنت يافا في القرن الثامن عشر و أخذت تزداد عمرانا إلى أن جاء نابليون في سنة (1799). و قد ازدادت مكانتها و كثر عدد سكانها لعهدنا، و ذلك لقربها من القدس و مرور الخطوط الحديدية منها و مهاجرة اليهود و الألمان إليها، و كان جماع هذه الأسباب العامل الكبير في تقدم هذه المدينة. و مضت أدوار كانت كلمة الذهاب إلى يافا تدل عند الغربيين على عمل خطر. حتى إن بعض التجار كان يراهن الراحلين إلى الأراضي المقدسة على ثرواتهم بمعنى أن المسافر يقبض ما يعادل ثروته من التاجر الذي راهنه إذا عاد إلى أرضه سالما. كما أن المسافر يترك ثروته لهذا التاجر إذا لم يعد إليها. و هذا مما يدل على أن الخطر في دخول السفن هذا المرفأ كان قاب قوسين أو أدنى. و كانوا يعتقدون أن احتمال حدوث الخطر أكثر من السلامة. و تحسنت الحال قليلا منذ ذلك العهد، و مع هذا لم يزل تفريغ السفن في ساحل يافا من الأمور الصعبة الخطرة.

إن مرفأ يافا صغير و قليل العمق و هو مسدود بخط من الصخور البارزة عن سطح الماء و ليس له سوى مدخل صغير بين الشمال و الشمال الغربي من المدينة. و قد وقع توسيع هذا المدخل بالنحت و نسف الصخور بالمفرقعات و هناك ممر آخر في جهة الشمال في عرض 200 متر ليس بصالح للانتفاع لما يطمه من طبقات الرمل. و هذه الصخور الممتدة من الساحل إلى عرض البحر هي بمثابة سد طبيعي تكون في طول 300 متر. و يكوّن من هذا السد ملجأ أمين للسفن الصغيرة الحجم، و لكن قعر البحر يرتفع يوما فيوما لتكوّن جنس من الحجر المركّب من الرمل و الأصداف بواسطة نوع من الملاط المترسب من الماء، فليس ثمت عمق يزيد على الخمسة أمتار إلا بعد 500 متر من الساحل بحيث لا تتمكن البواخر الضخمة من الإرساء إلا بعيدة عن‏

150

الشط نحو 700 متر مما يتعذر معه تفريغ السفن. و يكون التفريغ بواسطة زوارق كبيرة تسيرها نواتية من أهل هذه المدينة بمهارة فائقة. و كثيرا ما يصطدم هؤلاء الربابنة بالصخور من شدة الأمواج العظيمة التي تهب بريح الشمال في فصل الصيف و رياح الغرب في الشتاء. و أصحاب هذه الزوارق يتقاضون أجورا باهظة من الركاب لكثرة الأخطار التي تحيط بهم. من أجل هذا لا يتيسر للسفن أحيانا تفريغ بضائعها و إنزال ركابها بل تسير بهم إلى مرافئ حيفا و بيروت و بور سعيد.

ثم إن قعر البحر مركب من رمال و مزيج من الحصى و مواد لزجة أخرى لا تمكن المراسي من مقاومتها عند وقوف السفن. و لذلك تبقى هذه السفن موقدة بخارها خوفا من مفاجأة الرياح الغربية الشديدة المزعجة. فالخطر و الحالة هذه عظيم جدا في إنزال الركاب. فبناء مرفإ على الطراز الحديث هو عمل إنساني مفيد. و أول من درس هذا الموضوع الدكتور زامبل ثم أهمل أمره و ذلك قبل سنة (1875) في الوقت الذي جرى فيه قلع الصخور و نسفها بالمواد النارية. و في سنة (1880) طلب وزير الأشغال في الدولة العثمانية بناء سد في عرض البحر طوله كيلو متر واحد. و قد قدّر نفقات هذا المشروع بأربعة ملايين فرنك. و في سنة (1890) كثر طلب هذا الامتياز، و من الطالبين شركة ري بساتين البرتقال في يافا ثم شركة من القسطنطينية و شركة سكة حديد يافا القدس. و الظاهر أن فتح مرفإ جديد كبير يتطلب نفقات طائلة لا تكفي تجارة هذه المدينة لتسديد الفوائد الناتجة عن هذه النفقات.

مرفأ حيفا:

تقوم مدينة حيفا على خليج صغير يبعد عن عكا جنوبا ثلاثين كيلو مترا، و كان نزلها منذ أواخر القرن الماضي نفر من الألمان، و أسسوا مستعمرات صغيرة، و أبنية جميلة، فزادت مكانتها التجارية، و زادت نفوسها، و وفرت مرافقها، و المرفأ الحالي القريب من سهل قيشون و هو بطائح و مستنقعات يتجه نحو الشمال الشرقي في مأمن من الرياح الجنوبية و الغربية بجبل الكرمل الذي يمتد داخل البحر من الجنوب إلى الجنوب الغربي و ينتهي فيه عموديا.

151

و لذلك تبتعد السفن من هذا المرفأ عند اشتداد العواصف في البحر المتوسط إذا تعذر إرساؤها في مرفإ يافا. أما الرياح الشمالية و الشمالية الغربية فشديدة جدا في هذا المرفإ، و عمق الماء فيه لا يتجاوز الخمسة أمتار إلا بعد مسافة كيلو متر واحد في عرض البحر من الساحل كما هي الحالة في جميع السواحل الشامية. و لذلك ترسو السفن الكبيرة في عرض البحر و تفرغ بضاعتها و ركابها في الزوارق الصغيرة التي لا تحتاج لعمق عظيم من الماء. و خير طريقة لإنشاء مرفإ مدينة حيفا هو عمل سد في عرض البحر يبتدئ من شمالي المدينة و يتجه من الغرب إلى الشرق بطول كيلو متر و نصف فيبلغ عمق الماء مقدارا كافيا لدخول السفن الكبيرة حتى تقترب من الرصيف فيمكن تفريغها على أيسر وجه و يتأتى ردم البقعة المثلثة التي تحصل بين السد و بين الساحل بحيث تكون صالحة لتوسيع المدينة و زيادة الأرصفة على عمق كاف. و قد أصبح دخول السفن إلى المرفإ من المدخل الشرقي سهلا في كل وقت إذ أضحى المرفأ آمنا من العواصف و الرياح الشمالية فعمل كهذا يفيد كل الفائدة خصوصا و مدينة حيفا متصلة بالداخلية بواسطة الخط الحديدي الحجازي، و نفقات هذا المشروع باهظة لا يؤمل تسديد فوائدها في بادئ الأمر. و قد فكّر الترك في إنشاء مرفإ حيفا بل أعطوا به امتيازا تحضيريا فحالت الحرب العامة دون تحقيق المشروع.

و لما دخل البريطانيون فلسطين رأوا أن إيجاد مرفإ يجب أن يتم في أول فرصة تسنح، و كان التنافس بين يافا و حيفا لأن بقية المرافئ كغزة و عكا ليست إلا مراسي بسيطة. و يافا و حيفا هما أهم المواني في فلسطين. و القسم الأعظم من البضائع التي ترد إلى فلسطين تأتي عن طريقهما. ففي سنة (1925) دخلت المواني الفلسطينية (2472) سفينة حمولتها (042، 895، 1) طنا.

و قد كان نصيب يافا و حيفا منها ما يأتي: يافا (734) سفينة حمولتها (414، 16) طنا و (504) بواخر حمولتها (405، 143، 1) أطنان. حيفا (542) سفينة حمولتها (7512) طنا و (250) باخرة حمولتها (134، 688) طنا. و الناظر إلى الأرقام يرى يافا أولى من حيفا بالمرفإ الحديث. و صقع يافا من أكثر بقاع فلسطين سكانا و ثروة. و لا ريب في أن مستقبلها زاهر

152

و فيها عنصر من عناصر ثروة فلسطين و هو البورتقال و هي منفذ القدس إلى البحر. هذه هي كل مزايا يافا. أما عيوبها فضيق مساحتها و رداءة مينائها و تعرضها للرياح بحيث تعطل فيها أعمال الشحن من 80 إلى 100 يوم في العام. أما حيفا فتعد بالنسبة إلى يافا مدينة جديدة فلم يكن سكانها سنة (1904) يزيدون على عشرة آلاف فبلغوا في سنة (922) 25 ألفا و هم اليوم يزيدون على 35 ألفا. و تعزى هذه الزيادة إلى ازدهار الصناعة في جوارها لاتصالها بدمشق و بجنوب الشام بسكة الحجاز. و ميناء حيفا جيد يحميه جبل الكرمل في الجنوب من الرياح و لا ينقطع العمل فيه إلا أياما معدودة في العام. و أخيرا قررت حكومة فلسطين إنشاء مرفإ في حيفا على الطراز الحديث و أخذت تضع المصورات و التصميمات و وقع اختلاف بين فريقين من المهندسين ففريق يقول بإنشاء المرفإ في شمال حيفا و الفريق الآخر يذهب إلى إنشائه في الجنوب.

و لا تلبث هذه الاختلافات أن تزول و يخرج هذا المشروع إلى عالم الوجود بما اقترضته الحكومة لهذه الغاية من الأموال الطائلة.

مرفأ عكا:

مدينة عكا مفتاح فلسطين كانت ذات مكانة حربية اعترف بها نابليون و ازدادت شأنا منذ فتحت قناة السويس و يرسم خليج عكا قوسا بشكل نصف قطع ناقص محوره الكبير يمر من حيفا و من عكا. قامت المدينة في شبه جزيرة تمتد من الشمال إلى الجنوب. و لئن كان البحر محفوظا من الشمال فهو معرض لرياح الجنوب و الغرب. و الإرساء إذا بمرفإ حيفا أسهل منه في عكا. أما المرفأ القديم فحالته جيدة لمكان السد الممتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي. و قد امتلأ هذا الحوض بالرمال و لم يبق فيه من العمق سوى مترين فقط. ترسي السفن الكبيرة في عرض البحر و مع ذلك لا تأمن الأخطار في بعض أيام الشتاء و الربيع. أما من جهة إنشاء مرفإ جديد في عكا فمما يصعب عمله، لأن ذلك يقتضي نفقات باهظة لا تتناسب مع تجارة هذه المدينة.

مرفأ صور:

كان مرفأ صور المشهور في العصور الغابرة في جزيرة منفصلة عن الساحل‏