خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
153

اتصلت بالأرض بعد أن أنشأ الإسكندر طريقا بينها و بين الساحل. ثم اتسع هذا الطريق اتساعا كبيرا بما كان يحمله البحر من الرواسب حتى أضحت الجزيرة جزءا من الساحل. و لم يبق في العهد الأخير من المدينة سوى اسمها حتى إن الرحالة المشهور هاسيل كيست السويدي لم ير في المدينة غير عشرة أشخاص في القرن الثامن عشر أي بين سنة (1749 و 1752) و قد خربت كثيرا بزلزال سنة (1837) و بعدئذ ابتدأت تزداد عمرانا و نفوسا. و بالقرب من المدينة و على بعد سبعة كيلو مترات من جنوبها خزانات قديمة من عهد الفينيقيين تسمى خزانات رأس العين تسقي المدينة و تروي سهولها حتى ساحل البحر. و لصور مرفآن الأول الصيداوي يقع إلى الشمال و هو المرفأ الحالي، و الثاني المصري و هو إلى الجنوب و هو أكبر من الأول لا يصلح لإرساء السفن لامتلائه بالرمال. و يصلح المرفأ الصيداوي للسفن الصغيرة الحجم و يمكن تعميقه بنفقات قليلة. و لا يتأتى للبواخر الإرساء بالقرب من ساحل البحر.

و خط العمق ذو الخمسة أمتار لا يبعد كثيرا عن مدخل المرفإ الصيداوي في حين أن هذا الخط يبتعد كثيرا عن بقية نقاط ساحل هذه المدينة.

مرفأ صيدا:

طمّ الأمير فخر الدين المعني مرفأ صيدا خشية مهاجمة الأسطول العثماني.

و لما تولى الحكم أحمد باشا الجزار في عكا وقع بينه و بين القنصل الفرنسي اختلافات عديدة اضطرت الفرنسيس من سكان صيدا أن يتركوا المدينة سنة (1790) بدون أن يتمكنوا من أخذ أموالهم و لم يمض ثمانية أعوام أخر حتى أخرجوا منها مرة ثانية، و من ذلك العهد ابتدأ شأنها يتضاءل. و لقد كان لصيدا قديما مرفآن كمدينة صور، الأول في الشمال الغربي، و الثاني في الجنوب الغربي. و مرفأ الشمال الغربي هو المرفأ الحالي و هو ذو شكل مستطيل تحده شرقا قلعة البحر و الجسر الموصل بين هذه القلعة و بين الشاطئ. و تحيط بهذا المرفإ من الشمال و الغرب سلسلة من الصخور. و مدخله الغربي المنحوت قديما في الصخر لم يعد صالحا للاستعمال. أما مدخله الشمالي فهو الذي يصلح وحده لاجتياز السفن و لا يتجاوز عمقه الثلاثة أمتار. فلو نظف هذا المرفأ من الردم‏

154

و الأنقاض لعاد صالحا لإرساء البواخر. و السفن الكبيرة ترسي بعيدة عن الشاطئ على مسافة 1300 متر. و المرفأ الجنوبي الغربي معرض للرياح الجنوبية الغربية و الرواسب المتجمعة من مياه النيل كالمرفإ المصري في مدينة صور.

مرفأ بيروت:

يطلق الإنكليز على خليج بيروت اسم سان جورج و هو يتجه نحو الشمال تأمن فيه السفن من الرياح الجنوبية و الشرقية. أما الرياح الشمالية و الغربية التي لا تصادف موانع طبيعية فهي تعصف عصفا عظيما في الشتاء و تحدث أمواجا هائلة. و كان الأمير فخر الدين المعني ردم مرفأ بيروت اتقاء مداهمة الأسطول التركي. و لما خلفت السفن البخارية السفن الشراعية رأت البواخر صعوبة جمة في هذا المرفإ و كثيرا ما كانت تضطر للإرساء في عرض البحر كما هي الحالة في بقية سواحل الشام، و لقد كانت تقضي اليومين و الثلاثة لتتمكن من تفريغ شحنها. و كانت العواصف الفجائية الشديدة التي تكثر في السواحل الشامية تضطر السفن إلى الابتعاد عن الشاطئ خوفا من أن تتحطم بصخوره.

و قد استمر الحال على هذه الصورة مدة طويلة. و لم يكن الأمر ذا بال يومئذ لأنه لم يكن لبيروت مكانة في التجارة و لعلة كانت واحدة في جميع السواحل.

و لما استفاضت تجارة بيروت و زادت مكانتها بسرعة غريبة و ذلك بعد سنة (1840) اضطر ولاة الأمر أن يعيروا التفاتهم لمرفئها. ففي سنة (1863) تقدمت شركة المساجيري ماريتيم بخارطات لهذا المرفإ لأحمد قيصرلي باشا حاكم مقاطعة صيدا، و قدرت نفقات هذا العمل ب 300، 371، 6 فرنك. و لم يسفر هذا التذرع عن نتيجة. و في سنة (1879) لم تتوفق بلدية بيروت التي قررت أخذ امتياز هذا المشروع لنفسها، لأن الحكومة لم تصدق على قرارها.

و في سنة (1880) وضع وزير الأشغال في الدولة العثمانية خارطة سنة (1863) موضع النظر في تقريره عن الأشغال العامة، و بالنظر لضرورة هذا المرفإ و المنافع التي ستنجم عنه و الاقتصاد الذي يتأتى من تفريغ البضائع فيه تقدم بعضهم للحصول على امتيازه. ففي سنة (1883) ظهر ثلاثة طلاب لهذا العمل، و في يد كل منهم الشروط الكافية و الضمانات اللازمة، و كان يظن أن شركة

155

طريق بيروت- دمشق ستتمكن من إجابة طلبها، و لم تنل هذا الامتياز بل ناله يوسف أفندي مطران بإرادة سلطانية مؤرخة ب 19 حزيران سنة (1887) لمدة ستين سنة تنتهي في 19 تموز سنة (1947). و قد اشترط على صاحب الامتياز المباشرة بالعمل بعد سنتين و إنجازه في خمس سنوات على أن يكون طول الرصيف 1200 متر و أن ينشأ سدان كبيران يحيطان بالمرفإ و يبقى بين هذين السدين مدخل في عرض 200 متر و عمق ثمانية أمتار و أن تكون مساحة هذا المرفإ السطحية على وجه التقريب 23 هكتارا، و قد يتأتى توسيعه في المستقبل.

و احتفظت الحكومة بحق ابتياع هذا المشروع بعد ثلاثين سنة، و اشترط المنشور السلطاني على السفن الداخلة إلى المرفإ أداء رسوم الدخول و الرصيف أو دفع نصف الرسوم إذا كانت السفن تدخل المرفأ و لا تقترب من هذا الرصيف. و بعد هذا تم الاتفاق بين شركة طريق دمشق- بيروت و صاحب الامتياز. و في سنة (1888) تألفت الشركة العثمانية للمرفإ و الأرصفة و المخازن في بيروت برأس مال خمسة ملايين فرنك تقسم إلى عشرة آلاف سهم باعتبار كل سهم ب 500 فرنك. و كانت هذه الشركة إفرنسية بحتة، فأشاع الإنكليز أن هذا المشروع عقيم جدا لعدم وجود خط حديدي بين بيروت و دمشق، و أن هذا الخط لا يمكن عمله لشدة الميل في جبل لبنان و الجبل الشرقي و لعدم وجود خط حديدي لنقل المحصولات بين المرافئ الشامية و بيروت. و قد بوشر بالأعمال سنة (1889) و قامت بإنجازها شركة موزي و طونن و لوزي. و استخرجت مواد البناء اللازمة لهذا المشروع من نهر الموت نقلت على خط حديدي طوله ثلاثة كيلو مترات و 600 متر على ساحل البحر و سارت الأعمال إذ ذاك ببطء لمرض العمال بالمرض الوافد. و أضرت الأمطار و السيول فأحدثت خسائر عظيمة. و قد عقد اتفاق جديد بين شركة المرفإ و شركة الخط الحديدي بين بيروت و دمشق و حوران سنة (1892) على أن تقرض هذه الشركة الأخيرة خمسة ملايين فرنك بفائدة مقررة لشركة المرفإ. و رهنت هذه الشركة مقابل القرض جميع أبنيتها و أملاكها و آلات المرفإ و أدواته جميعا. و هنالك شروط أخرى اشترطتها شركة الخطوط على الشركة المدينة ضمانة، و كانت شركة الخطوط تنشئ يومئذ خطوطها مما وسع‏

156

مجال الآمال في نجاح المشروعين معا. و بعد انتهاء عمل المرفأ سنة (1894) و مد الخطوط الحديدية لم تمض مدة و جيزة حتى خابت الآمال و ظهر نقص عظيم في تجارة بيروت. و أسباب هذا النقص عديدة، منها الاختلافات التي وقعت بين شركة المرفإ و وزارة البحرية العثمانية على مسألة دخول البوارج الحربية العثمانية إلى المرفإ، و منها الاختلاف بين شركة المرفإ و إدارة الجمارك بشأن رسم الحمالين و المخازن و تعيين حدود منطقة لشركة المرفإ، و منها زيادة رسوم الدخول للمرفإ مما دعا إلى تحويل قسم عظيم من الصادرات و الواردات إلى بقية المرافئ الشامية القريبة، و منها بعد المسافة بين منتهى الخط الحديدي دمشق- بيروت و بين المرفإ.

درست مصورات هذا المرفإ سنة (1889) على طول كيلو متر واحد من الساحل بين رأس الشامية و رأس المدور فاستطاعوا اقتطاع أرضين واسعة من البحر مما ساعد على إنشاء رصيف يختلف عرضه بين 100 و 150 مترا.

و يبدأ أحد السدين من رأس الشامية و يمتد في عرض البحر مسافة 800 متر.

و ينتهي آخره بسد صغير عمودي على هذا السد متجه نحو رأس المدور.

و أما السد الثاني فيبدأ برأس المدور و يتجه نحو السد الصغير المذكور فيقترب منه على مسافة 200 متر. و يرتفع السد الأول و هو الأعظم طولا و ارتفاعا خمسة أمتار عن سطح البحر. و أما السد الصغير و السد الثاني فيرتفعان مترين عن سطح البحر. و تقدر الزاوية التي تحدث بين السد الأول و استقامة الشاطئ ب 45 درجة تقريبا، و أما الزاوية الكائنة بين السد الثاني و ذات الاستقامة فتقدر ب 60 درجة و العمق في منتصف المدخل 14 مترا و يتناقص بصورة غير محسوسة من منتهى السد الأول إلى مبدئه أي يتناقص من 16 مترا إلى أربعة أمتار و يختلف العمق قرب الرصيف بين ثلاثة و خمسة أمتار. و في قرب السد الثاني بين ثمانية و اثني عشر مترا. حتى لقد تتمكن المراكب الكبيرة من الدخول إلى هذا المرفإ دون أن تستطيع تفريغ شحنها على الرصيف رأسا.

و مساحة المرفإ الذي تم عمله 20 هكتارا لا 53 كما جاء في شروط الامتياز و لا يستوعب سوى 12 باخرة كبيرة في آن واحد.

157

فرضتا جونية و جبيل:

أخذت ترتقي مدينة جونية الواقعة على عشرين كيلو مترا تقريبا من شمال بيروت و قد قامت داخل خليج كبير يصلح ملجأ للمراكب الشراعية بل للسفن الكبيرة أيام اشتداد الأنواء، و لهذه المدينة مرفأ صغير يمكن توسيعه بنفقات قليلة.

أما مدينة جبيل فهي في تأخر مستمر و لكنها ذات مكانة أثرية أكثر منها تجارية و ما استخرجه علماء الآثار من الغربيين من مطاوي أرضها من العاديات النفيسة دليل على ما كان لها في الأعصر الخالية من المكانة البحرية.

و قد حاول اللبنانيون أواخر الحكم العثماني أن يجعلوا من جونية أو البترون أو غيرهما من المنافذ البحرية في لبنان مرفإ يستغنون به عن بيروت فلم يفلحوا، لأن ما وراء هذه الموانئ الصغيرة من القرى لا شأن له في استهلاك المتاجر، و لا اتصال له بمدن كبرى في الداخلية.

مرفأ طرابلس:

إن مرفأ طرابلس غير صالح لإرساء البواخر الضخمة لذلك تبقى فيه بعيدة عن ساحل البحر نحو 1200 إلى 2000 متر. و قد بنت شركة الخطوط الحديدية مرفأ صغيرا قرب المحطة محفوظا من جهة البحر و مدت عليه خطوطها، و إنشاء مرفأ كبير في طرابلس من المسائل القديمة العهد، لأن شكل المدينة ملائم كثيرا لهذا العمل لوقوعها على الطريق بين جبال لبنان و العلويين. و تمر من هذه الطريق سكة الحديد التي تصل طرابلس بحمص بصورة سريعة و سهلة مما لا مثيل له في بقية السواحل كبيروت مثلا لأنها منفصلة عن الداخل بسلسلة جبال شاهقة لا ممر لها إلا من شواهق عظيمة.

تتألف مدينة طرابلس من قسمين الأول المدينة و هي تبعد عن الشاطئ ثلاثة كيلو مترات و الميناء و هذا هو مرفأ المدينة. و السهل بين هذين القسمين غير صحي و يتجه مرفأ الميناء نحو الشمال. و هناك جزيرتان صغيرتان تحفظان هذا المرفأ من الرياح الغربية، و الغربية الجنوبية. و السد القديم الممتد من الشرق إلى الغرب يحفظه من الرياح الشمالية أيضا. فموقع المرفإ إذا يوافق إرساء السفن في كل وقت و إذا اشتدت الأنواء تجد هذه السفن ملجأ منيعا

158

تأوي إليه. أما البواخر و البوارج التي تحتاج لعمق كبير فإنها تضطر للإرساء في عرض البحر بعيدة عن هذا الساحل.

مرفأ اللاذقية:

يقع مرفأ اللاذقية في سهل خصيب على مسافة نصف ساعة من البحر، و هذا السهل غير صحي، و يتجه خليج اللاذقية نحو الجنوب فيرسم قوسا في شكل نصف دائرة و هذه القوس تنتهي من جهة الغرب بالرأس المسمى رأس اللاذقية. فمرفأ هذه المدينة معرض للرياح الجنوبية و الغربية، و يتأتى لهذا المرفإ أن يكون ملجأ صالحا للسفن لو لم يكن مطمورا بالرمال، و قد ضاق مدخله كثيرا بسبب أنقاض قصر قديم كان مشيدا هناك، فالسفن العظيمة ترسو في عرض البحر و الصغيرة التي لا تتجاوز حمولتها ال 300 أو ال 350 طنا تدخل المرفأ بسهولة وسط أعمدة من الرخام و المحبّب من أطلال الآثار الغابرة. و لا يتأتى إنشاء فرضة لمدينة اللاذقية على طراز حديث بالفائدة المتوخاة لأن عملا كهذا يتطلب نفقات باهظة، فالرسوم التي يقتضي وضعها و استيفاؤها لتسديد فوائد تلك النفقات تكون سببا لتحويل قسم عظيم من تجارة هذه المدينة إلى المدن المجاورة لها. و على هذا فبناء المرفإ يأتي بنقص كبير في تجارة المدينة و يؤدي إلى عكس الفائدة المطلوبة. و كانت الحكومة العثمانية وضعت مصورا بهذا المشروع و عاضدها نفر كبير من الأهالي. و نرى أن إنشاء طريق بين اللاذقية و حماة أجزل فائدة من إنشاء مرفإ اللاذقية.

مرفأ الإسكندرونة:

تضرب الأمثال بقذارة مدينة الإسكندرونة و مع هذا فقد اتخذت هذه المدينة منذ القرن السابع عشر قاعدة و مرفأ لتجارة حلب و ما جاورها من البلدان و ذلك لاستبداد بعض حكام طرابلس في ذلك العصر، و ليست مدينة إسكندرونة بالبلد الزراعي و لا الصناعي و يعيش الأهلون من نقل البضائع.

يدخل خليج الإسكندرونة في اليابسة ثلاثين ميلا في عرض عشرين ميلا و موقعه الجغرافي يدعو إلى تأسيس مرفإ بحري يكون من أعظم مرافئ البحر

159

المتوسط. فللإسكندرونة بموقعها محسنات عظيمة و مهما اشتدت الرياح الهوج في عرض البحر فالأمواج فيها خفيفة ثم إن الرياح الغربية قليلة الهبوب لمكان الجبال المرتفعة التي تعارض هبوبها. و شكل الأرض في قاع البحر ملائم لأن الخطوط المنحنية التي تمر من عمق ثلاثة و أربعة و خمسة أمتار تحت سطح البحر يتباعد بعضها عن بعض بميل خفيف لذلك تصلح لتوسيع أرض المرفإ. و تكفي المسافة بين المنحني المرسوم من عمق 5 إلى 15 لإنشاء عامة لوازم المرفإ بأحسن الشروط. و مواد البناء قريبة و كثيرة في أطراف المدينة. و في مقالع الإسكندرونة كمية عظيمة من الأحجار الصالحة لبناء الأحواض في البحر، و المدينة قابلة بأيسر الأسباب أن تصبح من كبريات المدن، و يصلح الجبل المجاور لها لتأسيس مصايف جميلة، و هناك عيون كثيرة تفيض ثرة و يقل مثيلها في غيرها من المصايف الجميلة.

و الإسكندرونة هي المرفأ الوحيد لمدينة حلب، انطاكية، كليس، عينتاب، مرعش، أورفة، البيرة، ديار بكر. و لجميع مدن شمال الجزيرة حتى مدينة الموصل. و هذا المرفأ أكبر مرفإ في الشام لأنه يمكنه إرساء البواخر و الأساطيل الضخمة. و كان وزير الأشغال العثمانية قدّم تقريرا لإصلاح هذا المرفإ و إنشائه، و قدّر النفقات بمليوني فرنك ذهبي. على أن عمل مرفإ في الإسكندرونة يقتضي إنجازه و تجفيف المستنقعات المحيطة بالمدينة معا و كان قدّر هذا الوزير نفقات هذا العمل أي تجفيف المستنقعات المذكورة بنصف مليون فرنك ذهبي.

لا يفيد إنشاء مرفإ عظيم مجهز بأحدث الآلات في مدينة الإسكندرونة الفائدة المطلوبة إلا بربطه بخط حديدي كثير الحركة يمكن بواسطته الاتصال مع الداخل الواسع إلى ديار بكر فالموصل فبغداد فإيران. و لذلك اقتضى أن يكون هذا المرفأ هو الطريق الطبيعي للتجارة مع أوربا و البحر المتوسط.

و يقوم الخط الحديدي الذي أنشأته شركة سكة حديد بغداد بين الإسكندرونة و طوبراق قلعة المتصل بالخط الأساسي بتسهيل المواصلات مع قليقية. و ستتحول تجارة هذه الديار عن مرسين للإسكندرونة إذا جهزت هذه المدينة بفرضتها البحرية الحديثة. و ستظل المواصلات مع حلب و ما وراءها صعبة لأن عمل‏

160

سكة حديد بين الإسكندرونة و حلب عن أقرب طريق يقتضي له المرور من أعالي جبل أمانوس و جعل الميل شديدا على مسافة طويلة. و إذا أريد تخفيف الميل يقتضي إطالة مدى الطريق فلا تختلف إذ ذاك المسافة بين الإسكندرونة و حلب في هذا الطريق الجديد عن طريق طرابلس حمص حلب من حيث المسافة عدا أن هذا أسهل من الأول. بقيت هناك طريقة أخرى للقيام بهذا المشروع و هي خرق الجبال التي تفصل بين الإسكندرونة و حلب بنفق لا يقل طوله عن عشرة كيلو مترات تحت مضيق مدينة بيلان، و هذا يستلزم نفقات كثيرة ربما زادت على الفائدة المطلوبة ألا و هي ربط حلب و ضواحيها بالساحل البحري عن أقرب طريق. أما إذا نظرنا إلى الإسكندرونة بصفتها مرفأ خاصا لحلب فقط بل كما ذكرنا أعلاه للعراق و إيران فتكون النفقة حينئذ متناسبة مع عظمة المشروع.

الخطوط الحديدية:

لقيت شبكة الخطوط الحديدية الشامية بأسرها صعوبات جمة فلم يتيسر إكثار عددها و اتساع نطاقها. فسلسلة جبال لبنان تقضي باستعمال الخطوط المسننة. و هبوط أراضي الغور التي تنحدر بصورة شديدة تقرب من الشاقولية و تجعل منها حفرة عميقة تمنع سهولة المواصلات بين الساحل و شرقي نهر الأردن. فهذه الموانع الطبيعية في صورة الجبال اضطرت القائمين بأعمال هذه الخطوط أن يعمدوا إلى الخطوط الضيقة ذات الميل الشديد، مما أدى إلى كثرة النفقات في الإنشاء و زيادة المنفق على الاستثمار. فالخطوط الحديدية في الشام التي تمكنا من الحصول على بعض الوثائق عنها و عن نبذة من تاريخها و الشؤون المتعلقة بها هي على الصورة الآتية:

أولا: طريق بيروت- دمشق، و بيروت- المعاملتين، و دمشق- المزيريب، و رياق- حلب، و حمص- طرابلس.

خط بيروت- دمشق:

لما كثرت حركة التجارة و النقل على طريق بيروت لم تعد تكفي المركبات‏

161

(الكارات) و لا الحوافل (الدبليجانس) مع ما هي عليه من الانتظام و السرعة فدعت الضرورة إلى إنشاء سكة حديد بين هاتين المدينتين، و لكن مشروعا كهذا يصعب تنفيذه لأنه تفصل دمشق عن بيروت سلسلتان من الجبال الشاهقة لبنان الغربي و لبنان الشرقي و ذلك بصورة متعامدة على الخط الواصل بين المدينتين. و ترتفع هذه الجبال عن سطح البحر إلى 1400 أو 1500 متر على الأقل و بينهما سهل البقاع الذي يرتفع هو أيضا من 800 إلى 1000 متر عن سطح البحر فيظهر مما تقدم شدة الصعوبات الكثيرة التي تعترض سير الخط قبل وصوله إلى دمشق المرتفعة 690 مترا عن سطح البحر إذ يقتضي على هذا الخط قطع هذه العوارض و السهول.

و في حزيران سنة (1891) استحصل السيد حسن بيهم أمرا سلطانيا بامتياز خط حديدي بين دمشق و بيروت. و في هذا الامتياز رخصة باستعمال بعض الأرضين مجانا، و إعفاء جميع مواد البناء اللازمة من رسوم المكوس و الضرائب بأنواعها. و اشترط على صاحب الامتياز استعمال اللغة التركية وحدها، و استخدام الرعية العثمانية، و تنظر المحاكم العثمانية في كل اختلاف يحدث خلال العمل. و الحكومة العثمانية تحتفظ لنفسها بحق شراء هذا المشروع بعد ثلاثين سنة، و دفع ثمنه أقساطا على أن لا تكون قيمة القسط أقل من خمسين بالمائة من وسطي الواردات غير الصافية للخمس سنوات الأخيرة، كما أوجبت على صاحب الامتياز أن يؤسس شركة مساهمة عثمانية خلال ستة أشهر، و أن يتفق مع شركة طريق بيروت- دمشق للتخلي عن حقوقها و أن يدفع عربونا للحكومة مقابل هذا الامتياز. و في العشر سنوات الأولى من مدة الامتياز يرجح صاحبه على سواه لإنشاء ترامواي على مسافة ثلاثة كيلو مترات من طرفي الخط الحديدي أو تأسيس إدارة لتسيير عجلات أو سيارات بين محطات الخط الحديدي و البلدان القريبة من هذا الخط.

و في 18 نيسان سنة (1790) حصل يوسف أفندي مطران على امتياز خط حديدي بين دمشق و حوران. و لما لم يقم بتقديم مصورات المشروع خلال المدة المعينة سقط حقه من ذلك الامتياز. غير أنه استعاده بعدئذ و أسس شركة (5- 11)

162

بلجيكية باسم شركة ترامواي دمشق و خط دمشق- حوران برأس مال قدره أربعة ملايين فرنك ذهبي تقسم على ثمانية آلاف سهم، سعر كل سهم منها 500 فرنك. و من جهة أخرى فإن الشركة التي أسست للحصول على الامتياز الممنوح للسيد حسن بيهم سميت باسم الشركة المساهمة العثمانية لخط بيروت- دمشق الاقتصادي. و قد رأت هاتان الشركتان من الضرورة الماسة أن تندمجا معا و لا سيما لما أحرزت شركة إنكليزية امتياز خط حيفا- دمشق و ذلك دفعا للخطر المحتمل حدوثه من هذا الامتياز الأخير. و قد طلبتا الموافقة على ذلك الاندماج من الحكومة العثمانية فقبلت بذلك بالمرسوم السلطاني المؤرخ في 22 تشرين الثاني سنة (1891) الذي مدّد مدة امتياز هاتين الشركتين إلى 99 سنة اعتبارا من 3 حزيران سنة (1891). و على هذه الصورة جعلت مدة الشركتين واحدة. و سميت الشركة الجديدة باسم شركة الخطوط الحديدية العثمانية الاقتصادية لبيروت- دمشق- حوران في سورية. و اعتبر تأسيسها نهائيا في صورة عثمانية اعتبارا من 4 حزيران سنة (1892). و قد باعت شركة طريق بيروت- دمشق جميع حقوقها المحررة بالمرسوم السلطاني المؤرخ ب 20 تموز سنة (1857) من هذه الشركة الجديدة. و ذلك بتاريخ 2 كانون الثاني سنة (1892) و قد خصص لكل ذي سهم واحد في شركة الطريق سهمان في شركة الخطوط. و استحصلت شركة المرفإ على مقعدين في مجلس إدارة شركة الخطوط للمنافع المتبادلة بين الشركتين. و صدرت إرادة سلطانية في 25 تموز سنة (1892) بتمديد 49 سنة مدة امتياز شركة المرفإ و ذلك لجعل مدة الشركات الثلاث متساوية. و لم تمض مدة قليلة حتى تبدل اسم الشركة للمرة الثالثة (1893) و السبب في ذلك أن يوسف أفندي مطران صاحب امتياز خط دمشق- حوران قد حصل على امتياز جديد خط دمشق- حمص- حماة- حلب- البيرة (بيره‏جك). و عرض على الشركة هذا الامتياز الذي كانت تحلم به فصدرت إرادة سلطانية في 30 أيار (1893) تمنح يوسف أفندي مطران إنشاء الخط المذكور و استثماره لمدة 99 سنة. و على ذلك أصبح اسم الشركة الشركة المساهمة العثمانية لخطوط بيروت- دمشق- حوران- البيرة و جعلت مدتها 99 سنة تنتهي في حزيران (1992) و جرى افتتاح خط بيروت- دمشق‏

163

في 3 آب (1895).

هذا الخط هو من الخطوط الضيقة عرضه متر و خمسة سانتيمترات.

و هو يقطع جبال لبنان بواسطة الخطوط المسننة على مسافة 34 كيلو مترا، و طوله 147 كيلو مترا أما ميله فيصل إلى سبعة بالمائة أحيانا، و يحتوي على أربعة أنفاق لا يتجاوز أطولها 350 مترا فاستعمال الخطوط المسننة قد أبطأ سير القطارات إبطاء غريبا، مما جعل السرعة الوسطية لا تتجاوز ال 16 كيلومترا في الساعة، و يقطع قطار الركاب المسافة بين بيروت- دمشق في تسع ساعات، و تجتاز قطارات الشحن المسافة عينها في 11 ساعة في حين أن الحوافل كانت تجتاز هذه المسافة أيضا ب 13 ساعة. و خط بيروت- دمشق يربح نفقات الاستثمار مع فائدة رأس المال.

و إليك جدولا يحتوي أسماء المحطات و مقدار المسافات مع ارتفاع هذه الخطوط عن سطح البحر.

أسماء المحطات/ المسافات كيلومتر/ الارتفاعات متر

بيروت/ 0/ 0

الحدث/ 7/ 150

بعبدا/ 9/ 242

جمهور/ 12/ 380

عاريا/ 17/ 380

عاليه/ 21/ 750

بحمدون/ 27/ 750

عين صوفر/ 31/ 1295

«رأس جبل لبنان»// 1487

المريجات/ 44/ 1150

الجديدة/ 47/ 950

المعلقة/ 56/ 950

164

«سهل البقاع»// 900

رياق/ 66/ 900

يحفوفا/ 78/ 1328

«رأس جبل لبنان الغربي»// 1405

سرغايا/ 87/ 1370

الزبداني/ 98/ 1213

سوق وادي بردى/ 115/ 1213

دير قانون/ 119/ 1213

عين الفيجة/ 123/ 1213

الجديدة/ 130/ 1213

الهامة/ 134/ 740

دمر/ 137/ 725

دمشق- برامكة/ 144/ 690

دمشق الميدان/ 147/ 690

خط بيروت- المعاملتين:

يسير هذا الخط الحديدي على شاطئ البحر و يمر بطريقه على بعض قرى الساحل و أهمها بلدة حونية، و كان القصد من إنشائه وصل مدينة طرابلس ببيروت و لكنه لم يتم منه سوى 19 كيلو مترا عند قرية المعاملتين و هو ملك لشركة الترامواي اللبناني.

خط دمشق- حوران:

جرى إنشاء خط دمشق- حوران باهتمام و سرعة زائدة و قد تم سنة (1893) و بوشر باستثماره في أواسط سنة (1894)، و لم يصادف صعوبة عظيمة في إنشائه فال 103 كيلو مترات المتألف منها هذا الخط تمر في سهل خفيف التموج بين دمشق- المزيريب و الميل الأعظم فيه لا يتجاوز الاثنين بالمئة،

165

و هو من الخطوط الضيقة كخط بيروت- دمشق أي في عرض متر و خمسة سنتيمترات.

و كان لا يحصل إلا على نفقات الاستثمار فقط أي إنه كان لا يؤدي فوائد رؤوس الأموال. و من العوامل التي دعت إلى عدم نجاحه بعد مرفإ بيروت عن منتهى الخط الحديدي مسافة 2400 متر و لكن شركة الخطوط الحديدية اتفقت مع شركة المرفإ و شركة الترامواي اللبناني على وصل الخطوط بأرصفة المرفإ (4 شباط 1897) و جرى بالفعل ذلك الوصل و بوشر باستثماره في سنة (1903) و يبلغ طول هذا القسم 2200 متر و هو أيضا من الخطوط الضيقة و قد كلف عمله جهودا عظيمة و نفقات باهظة- أما سكة دمشق- المزيريب فقد اقتلعت خطوطها أثناء الحرب العامة لاستعمال قضبانها في إنشاء الخطوط الفلسطينية العسكرية، و لذلك أصبح هذا الخط من الخطوط التاريخية لأنه لم يجر إرجاعه إلى ما كان عليه حتى إن الشركة الفرنسية صاحبته لا تفكر بإرجاعه على ما نظن، بعد أن وضعت يدها على إدارة الخط الحجازي.

و لا يعقل بقاء خطين متوازيين في منطقة واحدة.

خط دمشق- حلب:

كتب وزير الأشغال العامة في الدولة العثمانية في تقريره سنة (1880) لوصل مدينة حلب بديار بكر بخط حديدي مارا بالبيرة و أورفة. و كتب المهندس برسيل أيضا في تخطيط الطريق الحديدي ما يقرب مما ارتآه الوزير العثماني على أن يكون الخط في طول 420 و في عرض 44، 1 أي من الخطوط الاعتيادية. و في تقرير الوزير العثماني أيضا خط حديدي يبتدئ من حلب إلى حماة فحمص فدمشق فحوران. و كان قدّر نفقات كل كيلو متر واحد إذ ذاك ب 130 ألف فرنك، و طلبت امتياز هذا الخط شركة الباتينيول و أرسلت مهندسيها لوضع التصميمات اللازمة له. و في سنة (1892) طلبت شركة عثمانية مؤلفة من أعضاء مسلمين امتياز هذا الخط من وزارة الحربية و ذلك لإنشاء خط عسكري بدون ضمانة كيلومترية. و لكن صدرت الإرادة السلطانية بتاريخ 31 أيار (1893) بإعطاء الامتياز ليوسف أفندي مطران وكيل الشركة

166

الفرنسية لخط بيروت- دمشق- حوران. و قد ذكر بصراحة في أول مادة لهذه المقاولة أن القصد من عمل هذا الخط عسكري بحت. و على صاحب الامتياز أن يسير حسب ما قررته وزارة الحربية من التخطيط و أن ضابطا من أركان الحرب سيقوم بدرس هذا المشروع مع اللجنة المخصصة لدرسه.

و جعلت مدة الامتياز 99 سنة على أن يكون عرض الخط اعتياديا (44، 1) و أن يكون مفردا و يضاف إليه خط ثان في المستقبل. و في الامتياز شروط أخرى تذكر عادة في المقاولات من هذا النوع، كإعفاء المحروقات و أدوات الخط جميعها من المكوس و وضع عربون في خزينة الدولة مقداره 225 ألف فرنك، و أنه بحق للدولة اشتراء هذا الخط و دفع ثمنه أقساطا على ألا تكون قيمة القسط أقل من خمسين بالمئة من متوسط الواردات غير الصافية للخمس سنوات الأخيرة و ألا يكون المبلغ المدفوع أقل من سبعة آلاف فرنك عن كل كيلومتر واحد. و قد ذكر أيضا أربعة شروط أخرى ذات مكانة عظيمة نذكرها فيما يلي:

(1) أن الشركة قدّ حصلت على حق استثمار المعادن الواقعة في طرفي الخط على مسافة 20 كيلو مترا من الجانبين.

(2) حصلت الشركة على ضمانة كيلو مترية مضمونة بأعشار البلدان التي يمر منها هذا الخط. و هذا عكس جميع الخطوط الشامية. و ألا تكون هذه الضمانة أقل من سبعة بالمئة من رأس المال الموضوع للتأسيس و ألا تكون أكثر من 500، 12 فرنك عن كل كيلو متر واحد.

و بما أن هذا الخط الذي أخذ امتيازه و لم يجر إنشاؤه يبلغ طوله أكثر من 500 كيلو متر فأعظم ضمانة يقتضى على الحكومة العثمانية دفعها تتجاوز السبعة ملايين و 250 ألف فرنك و لما كانت النقليات قليلة على بعض نقاط هذا الخط فستضطر الحكومة لدفع هذا المبلغ برمته تقريبا.

(3) يحق للشركة أن تمدد خطوطها إلى الشمال لنقطة واقعة بين البيرة حتى تتمكن من وصلها بخط بغداد (المادة 3).

(4) ترجح الشركة على سواها للحصول على امتيازات جميع الخطوط التي تقرر الحكومة تمديدها بين الخط الأساسي و السواحل الشامية

167

بشروط متساوية (المادة 35). و أخيرا وضع وزير المالية مبلغ مليون و 800 ألف فرنك بين يدي اللجنة الدولية للديون العامة لتأمين الضمانة الكيلومترية.

و كان ذلك في سنة (1896). و في 12 تشرين الأول (1896) اتفقت الشركة و الحكومة العثمانية على تأجيل إنشاء هذا الخط خمس سنوات. و تعهدت الحكومة بدفع تقسيط سنوي مقداره 33 ألف ليرة عثمانية ذهبا أي 750 ألف فرنك إلى الشركة مقابل العطل الذي يصيبها من هذا التأجيل.

و مع هذا لم يتم إنشاء هذا الخط إلا لمدينة حلب فقط و جرى عمله على قسمين: الأول رياق- حماة. و الثاني حماة- حلب. و طول القسم الأول و هو خط رياق- حماة 189 كيلو مترا بوشر باستثماره سنة (1902) و عرضه متر و أربعة و أربعون سانتيمترا و نصف، و ميله الأعظم اثنا عشر بالألف، و في رياق مخزن كبير للفحم، و معمل لإصلاح أدوات الخطوط و القاطرات و يعلو هذا الخط في بعلبك 1120 مترا عن سطح البحر. ثم يهبط إلى حماة المرتفعة 307 أمتار. أما القسم الثاني و هو خط حماة- حلب فيبلغ طوله 143 كيلو مترا جرى استثماره سنة (1906) و عرضه متر و أربعة و أربعون سانتيمترا و نصف، و ميله الأعظم اثنان في المئة. و قد كان القصد تمديده إلى البيرة كما تقدم و لكن إعطاء امتياز خط بغداد إلى الشركة الأناضولية حال دون تمديده إلى الشمال.

خط حمص- طرابلس:

طول هذا الخط 102 كيلو مترين، و قد شرع باستثماره سنة (1911)، و عرضه متر و أربعة و أربعون سانتيمترا و نصف، و ميله الأعظم اثنان بالمئة، و اقتلعت قضبانه أثناء الحرب الكونية العامة و استعملت في تمديد خط بغداد- نصيبين، و خربت كثير من المحطات و بعض الجسور خلال هذه الحرب، و أعيد الخط إلى ما كان عليه قبلا سنة (1921) و بلغت إعادته واحدا و عشرين مليون فرنك. و قد بلغت نفقات استثمار خطوط شركة دمشق- حماة و تمديداتها عن سنة (1926)، 142، 759، 34 فرنكا و الواردات 325، 759، 57.

168

طريق الحج و إنشاء الخط الحجازي:

كان المسلمون يلاقون صعوبات و مشقات في ذهابهم و إيابهم إلى الأرض المقدسة لأداء فريضة الحج كل سنة، فكان يستغرق سفر الحاج الشامي أربعين يوما من دمشق إلى المدينة المنورة و عشرة أيام من المدينة إلى مكة المكرمة. خمسون يوما يقضيها الحاج بين دمشق و المدينة فمكة و عشرون يوما على الأقل يمضيها في القيام بالمناسك و زيارة قبر النبي المعظم (صلى اللّه عليه و سلم) و يقضي خمسين يوما في عودته. فهذه أربعة أشهر كاملة للحج الشامي. أما التركي و الإيراني و غيرهما من أهالي الممالك الإسلامية النائية فقد كان يحول الحول على أحدهم دون الوصول إلى بغيته. و ناهيك بما يعترض الحاج من مشاق الأسفار و أهوالها و ما يضطر لصرفه من النفقات الباهظة في هذه السبيل. و كان كثير من الأغنياء يتقاعسون عن القيام بهذه الفريضة لعدم توفر الوسائط اللازمة لراحتهم. فمد خط حديدي إلى الديار المقدسة كان من الضرورة بمكان.

كان الحجاج المسلمون يأتون ألوفا من الأقطار الإسلامية إلى دمشق و يجتمعون فيها انتظارا لسفر موكب الحج، و كان يتألف هذا الموكب في دمشق و يسير منها متجها نحو الحجاز تحت إدارة حاكم يلقب بأمير الحج. إن قافلة كهذه يصعب جدا سيرها بدون انتظام شديد و كانت تتألف من مشاة و فرسان و هجانة و حمّارة يقدر عددها بعشرة آلاف نسمة و عشرين ألف دابة على الأقل. و لذلك كانت طاعة أمير الحج واجبة على الحجاج ليسهل عليهم قطع هذه الطريق المملوءة بالأخطار و المصاعب دون أن يتركوا أحدا على الطريق أو أسيرا بين أيدي البدو. و كان هؤلاء يثورون على الحكومة من وقت إلى آخر، و بواسطة الهدايا التي كان يرسلها السلطان لقبائل البدو و العطايا التي يمنّ بها على شيوخهم كانت أطراف دمشق آمنة سالمة، و كان لا يخشى وقوع حوادث بالقرب منها، و لذلك كانت القافلة غير آمنة إلا بجوار بلدة المزيريب في حوران.

و في العادة أن يرحل أمير الحج من دمشق في الخامس من شهر شوال في‏

169

ركب مؤلف من جيش صغير مجهز بالأسلحة الكاملة و المدافع الصغيرة و يتبعه الحجاج زرافات و وحدانا. و الدمشقيون يقومون بتشييعهم إلى قبر أحمد باشا في الميدان أي إلى جامع العسالي، و تجري المراسم العسكرية و الاحتفالات تكريما لهذا الموكب العظيم، و كانت الحكومة في دمشق تهتم بتشييعه، و يسير الموظفون و أصحاب الرتب العالية بألبستهم الرسمية أمام المحمل الشريف تحيط بهم صفوف الجند و هجانة البدو حتى نهاية طريق الميدان، و كانت الموسيقى تصدح أثناء الموكب و المدافع تطلق حين خروجه و عند وصوله إلى القدم و الكل فرحون مسرورون من هذا اليوم العظيم.

و بعد ذلك يسير الركب من القدم إلى الكسوة و هناك يجد ماء صالحا للشرب ثم يسير إلى المزيريب فيبقى فيها أربعة أو خمسة أيام و عندئذ يتألف الركب عسكريا و على رأسه أمير الحج فيسير قسم من الجيش في المقدمة و القسم الآخر يقوم بحفظ جناحي الركب. و في كل صباح و مساء تطلق ثلاث طلقات نارية إعلاما بوقت المسير و الوقوف و كثيرا ما كان يبلغ طول هذا الركب ثلاثة أو أربعة كيلو مترات. و أما الدرب الذي كان يسير عليه فهو عبارة عن عدة طرق صغيرة حفرتها أيدي الإبل و الدواب طول السنين و لا يوجد طريق مرسوم على الطريقة الفنية الحديثة المعروفة اليوم. و كانت المسافة بين دمشق و مكة المكرمة تقدر بأربعمائة و تسعين ساعة و بأربعين مرحلة منها 90 ساعة من المزيريب إلى معان.

و يجتاز الركب من المزيريب إلى المفرق و عين الزرقاء و البلقاء و القطرانة و هنا تشتد صعوبة الدرب و يدب الرعب و الخوف في قلوب الحجاج ذلك لأنه كانت المضايق غاصة بعصابات من اللصوص، و الماء الشروب قليل.

و كثيرا ما كانت السيول تجرف الركب بأجمعه فلا ينجو منه إلا الحجاج فقط، فإذا بلغ الركب مدينة معان يستريح فيها قليلا و يتابع سيره فيقطع العقبات المؤدية إلى النفود، و يبعد هذا المضيق الصعب ثلاث عشرة ساعة عن معان، و عندئذ يترجل الحجاج عن دوابهم و يسيرون مشاة أمام أمير الحج الذي يصعد على رأس جبل صغير و يجلس مشاهدا الجموع تمر أمامه، و بعد ذلك يسير لا يشاهد في طريقه سوى رمال سهل النفود القاحل حتى مدائن صالح.

170

و كثيرا ما يشاهد الحجاج سراب هذه الرمال الجميلة عن بعد. ففي هذه الطريق الصعبة و بين هذه الرمال المحرقة يسرع الركب تخلصا من النصب و التعب، فيوزع أمير الحج على الحجاج المياه للشرب مجانا و يستأجر مئات من الجمال لتقوم بهذا العمل الخيري، و كل ذلك لم يكن يجدي نفعا. و لطالما حدثت اختلافات بين الأمير و البدو فتقع المصيبة على رأس الحجاج و الركب معا على ما جرى ذلك كثيرا فيملأ الرعب قلوب الحجاج طول الطريق يتحدثون بما وقع في السنين الماضية من الحوادث و يعلم بعضهم بعضا بمحالها و مواقعها و يذكرون ما كان يتبعها من أعمال السلب و النهب.

إن مدائن صالح أخف صعوبة من الأرجاء التي قبلها و أقل خطرا منها.

و فيها كثير من الآثار القديمة النبطية. و منها يسير الركب إلى المدينة المنورة و بعدها إلى مكة المكرمة و أكثر الأراضي الحجازية مؤلفة من جبال و أودية و قليل من الواحات فطريق الركب طريق صعبة، و فيها آبار متقطعة و ليست بجيدة. و هناك أيضا درب آخر يقال له الدرب السلطاني و هو الدرب الأقصر طولا و الأشد خطرا. فالحجاج يعرضون عنه حينما تبلغهم ثورة البدو على الحكومة. هكذا كانت حالة الطريق المؤدية إلى الأرض المقدسة و هذه هي المشقات التي كان يلاقيها الحجاج في طريقهم.

إنشاء الخط الحجازي:

و هذا ما دعا الحكومة العثمانية إلى اتخاذ التدابير اللازمة لإزالة هذه الصعوبات و الحيلولة دون الأسباب التي كانت تقلق راحتها في الداخل و تظهرها بمظهر العاجز في الخارج أمام دول الغرب. و كان السلطان عبد الحميد الثاني حريصا على توسيع نفوذه المعنوي في جميع الممالك الإسلامية خدمة للإسلام و توصلا لغاياته السياسية لذلك فقد قرر (سنة 1900) مد خط حديدي يصل الشام بالحجاز و يسهل السفر على الحجاج و يأتي الدولة و الولايات بالفوائد المادية و المعنوية. على أن هذه الفكرة لم تكن بنت وقتها و ليست وليدة رأس عبد الحميد فقد سبقه إليها الدكتور زامبل الأميركي الألماني الأصل فاقترح سنة (1864) على الحكومة العثمانية مد خط حديدي بين دمشق و ساحل البحر الأحمر.

171

و في سنة (1880) صحت عزيمة وزير الأشغال العامة في الأستانة على تمديد هذا الخط إلى الأراضي المقدسة. و لكن أكثر المهندسين و الجغرافيين كانوا يقولون بتعذر تنفيذ هذا المشروع. لأن الأصقاع التي يجتازها الخط ينزلها قبائل من البدو الرحالة الذين اعتادوا السلب و النهب. و سهولة المواصلات بالوسائط البحرية و رخصها أكثر من البر. و قالوا إن الربح الذي يحصل من نقل الحجاج أثناء الموسم لا يكفي للقيام بجميع النفقات السنوية لهذا الخط العظيم.

و لكن كانت هذه الصعوبة في نظر السلطان عبد الحميد أخف مما يتصور.

فإدارة الحج و نفقات السفر كانت تستنزف من موازنة الحكومة مبلغ 150 ألف ليرة عثمانية على الأقل. و الهدايا التي ترسل إلى البدو تقوّم ب 60 ألف ليرة عثمانية. و كان السلطان عبد الحميد يأمل من جهة أخرى وصول مبالغ عظيمة من الأمم الإسلامية إعانة لهذا المشروع الإسلامي و لم تبدأ الحكومة بالعمل إلا بعد أن أعلنت عزمها على ذلك في جميع الأقطار الإسلامية مما هو داخل تحت سيطرتها أو خارج عنها. و أبانوا ما ينتج عن ذلك من التسهيل لرواد الحج و استمطرت أكف المسلمين تعضيدا لهذا المشروع الديني المحض.

فتحقق أمل السلطان و بدأت الاكتتابات ترد من البلدان الإسلامية و قد افتتح هو نفسه هذه الاكتتابات ب 320 ألف ليرة عثمانية، و تابعه في ذلك الملوك و الأمراء المسلمون. فشاه العجم أرسل 50 ألف ليرة عثمانية و خديوي مصر تعهد بإرسال كمية عظيمة من مواد البناء و الإنشاء. و ألفت الجمعيات في الممالك الإسلامية الخارجة عن حدود الدولة العثمانية لجمع الأموال، فألف الهنود 166 جمعية و أهالي لكنو وحدهم أرسلوا 32 ألف ليرة عثمانية و كذلك أهالي رانكون و مدراس أرسلوا 73 ألف ليرة، و أرسل الميرزا علي أحد أغنياء كلكوتا خمسة آلاف ليرة و أرسل مدير جريدة الوطن في لاهور 5000 ليرة و ذلك من الاكتتاب الذي فتحه في جريدته و اشترك فيه الهنود و الترانسفاليون و الصينيون. و لم تنقطع الإعانات مدة إنشاء الخط مما دل على سريان روح التضامن في الشعوب الإسلامية.

و الأغرب من هذا أن أحد النمسويين دفع 2100 ليرة عثمانية ليحصل على لقب (باشا). و قد جعلت شارات و أوسمة لمن يدفع الإعانات. فالدرجة

172

الثالثة لمن يدفع من ال 5 ليرات إلى 50 ليرة. و الدرجة الثانية لمن يدفع من ال 50 إلى 100 ليرة. و الدرجة الأولى لمن يدفع أكثر من 100 ليرة ذهبية.

و هذه الطريقة كانت نافعة لو لا أن هذه الرتب و الأوسمة كانت تباع في الأستانة بأقل مما تتقاضاه دوائر الخط الحجازي. ثم وضعت بعض الضرائب لإعانة الخط و نزل الموظفون عن راتب شهر كامل في بادئ الأمر ثم أكره الموظفون على دفع عشر و أتبهم الشهري في السنة مرة واحدة. و أحدثت طوابع الخط الحجازي و بعض الضرائب الجمركية كما جمعت إدارة الخط جلود الأضاحي من الناس تبيعها و ترتفق بثمنها. مما دعا قنصل إنكلترا إلى أن يصرح سنة (1904) قائلا: يظهر لي أن احتمال إكمال الخط الحجازي هو أعظم مما كنت أتصور قبل سنة أو سنتين. و الحقيقة أن أكثر الناس كانوا إذ ذاك و خصوصا المطلعين على هذا الأمر يظنون أن عملا كهذا هو أقرب إلى الخيال منه إلى الحقيقة. و إذا لم يتم هذا المشروع إلى مكة المكرمة و وقف عند المدينة المنورة فذلك لم يكن منبعثا من قلة المال لأن المال أصبح وافرا بعد ما كان يخشى من قلته و يظهر ذلك من الاطلاع على موارد هذا المشروع.

فالإخصائيون لا يظنون الآن أن النفقات العامة تتجاوز 125 مليون فرنك أي خمسة ملايين و نصف ليرة عثمانية. في حين أنه كان يظهر في بادئ الأمر أن هذا المبلغ هو الحد الأصغر لهذا العمل. فقد جمع من الإعانات في الممالك الإسلامية 750 ألف ليرة عثمانية أي 17 مليون فرنك. و الضرائب التي وضعت تضمن موردا قدره 250 ألف ليرة سنويا. فهذا المبلغ يسد نفقات الإنشاء. و الإعانات تساعد على شراء المواد اللازمة اه.

و في الواقع أنه لم يكن أحد يتصور أن النتيجة ستكون قريبة التناول بهذه الصورة و أن العمل سيتم على هذه السرعة و هذا النظام لطول المسافة، و فقدان المياه، و وعورة المسالك، و فقر الدولة و ضعفها الإداري، و لكن المشيئة الإلهية قد ذللت كل هذه الصعاب و وفقت في إنجازه ليكون نقطة اتصال بين الأقطار و خير واسطة لتوفير راحة الحجاج و تسهيل مسالك الحج و الزيارة.

كان استعمال الإعانات منظما تنظيما حسنا، و قد وزعت الأجور على العمال و الرواتب على الموظفين بصورة منظمة، و دفع ثمن الأدوات و مواد

173

الإنشاء في الحال، مما دعا الناس أن يؤمنوا بإنجاز هذا المشروع. و كان سير العمل سريعا يمدون مائة كيلو متر في العام. و كان أحد المقربين من السلطان عبد الحميد أحمد عزت العابد يدير مع لجنة الحجاز الأموال على طريقة غير مرضية فتسربت الأموال إلى جيوب الخونة، و أدى سوء الاستعمال في مواد الإنشاء لإضاعة كثير منها. و كان هؤلاء المقربون يحمون بعض رجالهم الذين يتقدمون في صورة ملتزمين و ينقدونهم الأموال الزائدة و يعينون بعضهم في وظائف الإدارة.

شرع بإنشاء الخط الحجازي في شهر أيلول سنة (1900) مبتدئا به من المزيريب، و بين دمشق و هذه القرية سكة حديد إفرنسية يمكن نقل الحجاج من الشام إلى المزيريب عليها لا سيما و أن امتياز هذه السكة لا يجيز إنشاء سكة أخرى تحاذيها، و ما كادت الحكومة تمضي في عملها حتى بدأت المنافسة تشتد بين الإدارتين فشعرت الحكومة العثمانية حينئذ بشدة الحاجة إلى اتصال الخط الحجازي بمدينة دمشق. و قررت إنشاء خط درعا- دمشق و بوشر بالعمل من دمشق و المزيريب دفعة واحدة. و في سنة (1893) نالت الشركة الفرنسية امتيازها و لم يكن السلطان عبد الحميد يفكر في خطه المقدس، و لذلك كان سمح لها بإنشاء سكة حديد بين دمشق و المزيريب و بوشر باستثمارها منذ سنة (1894) فإنشاء سكة حديدية موازية لخطها من دمشق إلى درعا يجعل المنافسة على أشدها و لذلك احتجت الشركة على هذا العمل فتمكنت من نيل امتياز خط حلب مع الضمانة الكيلو مترية و ذلك في شباط سنة (1905).

و قد افتتح القسم الأول من الخط الحجازي أي دمشق- درعا في أيلول 1903 و بعد ذلك بشهر واحد افتتح قسم درعا- عمان و تيسر لإدارة السكة الحجازية في أقل من ثلاث سنين مد 223 كيلو مترا.

يتجه الخط الحديدي الحجازي بعد خروجه من واحة دمشق نحو الجنوب الشرقي في استقامة سهل حوران فيمر بالمسمية أهم قرى اللجاة، ثم يقطع هذا الخط سهل حوران الخصيب برمته و هو يمتد إلى سفح جبل الدروز و يصل إلى محطة درعا الواقعة في وسط السهل و هي على 123 كيلو مترا عن دمشق، و من درعا يتفرع فرع حيفا متجها صوب الغرب فيصل البحر، و أما الخط

174

الأساسي فيبقى مستمرا في طريقه نحو الجنوب.

من أهم الفوائد التي جنيت من امتداد هذا الخط أن كثيرا من البدو سكنوا تلك الربوع بالقرب من مخافر الجنود العثمانية و امتلك عدد عظيم من مهاجري الشركس الذين كانوا تائهين في شمالي الشام بعض الأراضي هناك و أسسوا القرى و المزارع فيها. و كل هذا العمل لم يكلف أموالا باهظة بالنسبة لغيره من المشاريع. و كانت القاطرات في نهاية سنة (1903) تسير إلى مسافة 300 كيلو متر من دمشق و بلغت أكلاف الكيلو متر الوسطي حينئذ 2000 ليرة عثمانية ذهبية. و لما بدأت المنافسة بين السكة الحجازية و السكة الفرنسية شعر السلطان عبد الحميد و مهندسوه بشدة الحاجة إلى اتصال الخط الحجازي بمرفإ بحري يستمد منه لوازمه و أدواته و يكون منفذا للأقطار الواسعة التي سيمتد فيها فقرر إنشاء خط حديدي جديد بين حيفا و درعا.

و الناظر إلى مصور القطر يرى لأول نظرة مكانة خليج عكا فسلسلة الجبال الممتدة من مصب نهر العاصي إلى ترعة السويس و هي بمثابة سد عظيم بين الساحل و الداخل و ليس فيها سوى بعض منحدرات كسهل طرابلس و بيروت و مصب الليطاني أي القاسمية و خليج عكا. و أعظم هذه المنحدرات و أهمها الانخفاض الواقع قرب عكا. إن سلسلتي لبنان الغربي و الشرقي المتوازيتين تحولان لارتفاعهما دون المواصلات مع الداخل. و بالطريق الفنية اتصلت دمشق ببيروت و هكذا الشأن في الانخفاض في جوار بحيرة لوط فإنه يعوق المواصلات مع الداخل أيضا. فلم يبق إذا سوى سهل عكا الذي يسهل المرور منه إلى الداخل. و لذلك كانت عكا و حيفا في العصور القديمة و القرون الوسطى حتى القرن التاسع عشر مرفأين طبيعيين لحوران و دمشق. و قد رأى كثير ممن يعنيهم الأمر وصل دمشق و حيفا بخط حديدي لسهولة هذا الطريق كما بيناه آنفا. و كان الإنكليز أشد الناس رغبة بنيل امتياز هذا الخط و خصوصا بعد احتلالهم جزيرة قبرس. و قد تمكن أبناء سرسق من استصدار منشور سلطاني يمنحهم حق إنشاء خط حديدي بين عكا- دمشق. و لكنهم لم ينجحوا في عملهم لتعذر معاونة أرباب الأموال في إنكلترا. فخسروا العربون الذي دفعوه إلى خزينة الدولة و قدره خمسون ألف فرنك.

175

و في سنة (1889) طلب رأس المهندسين في لبنان هذا الامتياز مجددا مع تمديد الخطوط إلى حوران فلم يفلح أيضا. و قد انقضت المدة و لم يعمل عمل بهذا الشأن إلى أن نال الامتياز المهندس اللبناني و المستر بيللنغ الإنكليزي و أسسا شركة الخطوط الحديدية العثمانية في الشام برأس مال قدره 600 ألف ليرة إنكليزية. و بوشر بالعمل سنة (1892) ثم وقفت الأعمال بعد الكيلو متر التاسع لأن أفكار أرباب الأموال من الإنكليز كانت متجهة نحو معادن الذهب.

فجاءت حرب الترنسفال و انصرفت أفكار الإنكليز إليها و أدى ذلك إلى ترك العمل.

و لما قرر السلطان عبد الحميد وصل الخط الحجازي بمرفإ حيفا رأى من الضرورة استرجاع هذا الامتياز و ذلك في تشرين الثاني سنة (1902). و تمكن مهندسو عبد الحميد من عمل خط حيفا و الخط الحجازي بعد استلامهم الأعمال التي تركها الإنكليز. بيد أنهم لم يتخذوا الخط الإنكليزي أساسا لهم بل تركوه و شأنه و جعلوا خطهم الجديد خطا ضيقا كالخط الحجازي و تمكنوا من الوصول إلى درعا نقطة اتصال هذين الخطين بأقل من ثلاث سنوات بالرغم مما اعترضهم من الصعوبات العظيمة أثناء عملهم. و قد كلف هذا الخط من سبعة إلى ثمانية أضعاف المعدل المتوسط لنفقات الخط الحجازي. و حقا إن هذا القسم كان أهم قسم من الخط الحجازي و أحسنه من الوجهة الفنية إذ كانت تتخلله صعوبات فنية لا توجد في سواه.

و يبتدئ هذا الخط من حيفا على ساحل البحر فيرتفع 80 مترا في مرج ابن عامر بعد سير 40 كيلو مترا، ثم يهبط من أعلى هذا السهل إلى أسفل وادي الشريعة ليمر فوق جسر ينخفض 246 مترا عن سطح البحر. و ذلك بعد قطع مسافة 45 كيلو مترا ثم يعود فيصعد من جديد إلى ارتفاع 376 مترا و ذلك بعد مسافة 40 كيلو مترا، ثم يصل إلى سهل درعا المرتفع 530 مترا عن سطح البحر. فكل هذه التموجات من الصعود و الهبوط قد اقتضى قطعها مسافة 168 كيلو مترا. فالقضية صعبة بنفسها و خصوصا ان وأدي اليرموك الواقع في الجهة الشرقية من نهر الشريعة كان شديد الخطر و ليس من ممر سواه في تلك البقاع. و بذلك تمكن السلطان عبد الحميد و مهندسوه‏

176

من الخلاص من شركة بيروت- دمشق- حوران و أصبح لهم مرفأ خاص و هو حيفا التي أصبحت تبعد عن درعا 323 كيلو مترا بالقطار. و بين درعا و حيفا ستة جسور حديدية اثنان منها بطول 50 مترا و الأربعة الأخرى بطول 110 أمتار. و يوجد سبعة أنفاق يختلف طولها بين ال 40 و ال 170 مترا.

و الخط يقطع نهر الشريعة على جسر من الحجر جميل المنظر و الصنع طوله 60 مترا و هو ذو خمس قناطر.

و في الوقت الذي نجز فيه خط حيفا- درعا تم القسم الثالث من الخط الحجازي الواقع بين عمان- معان. ففي أول أيلول سنة (1904) المصادف للعيد الثامن و العشرين من الجلوس السلطاني ذهب وفد برئاسة طرخان باشا وزير الخارجية العثمانية للاحتفال بافتتاح الخط الحجازي بين دمشق و معان و طول هذا القسم 459 كيلو مترا. و كان هذا الوفد مؤلفا من عظماء رجال الدولة العثمانية.

يسير الخط الأساسي بعد محطة درعا نحو الجنوب الشرقي ثم نحو الجنوب مباشرة فيمر من سهل قاحل تنزل فيه عشيرة بني صخر المؤلفة من 2000 بيت و 20 ألف نسمة و بعد أن يقطع «الحماد» أي السهل المنبسط يمر بالقرب من أطلال الحصون الرومانية القديمة التي يسميها العرب اليوم قلعة المفرق و قلعة السمرة.

و تظل بقايا مدينة جرش القديمة و آثارها و سورها في غربي الخط الحجازي.

و هذه الآثار أعظم ما في تلك البقاع. و في القرب من قلعة الزرقاء الرومانية يقطع الخط وادي نهر الزرقاء على جسر مرتفع جميل الصنع. ثم يصعد الخط في وادي نهر الزرقاء و يصل إلى عمان بالقرب من نبع هذا النهر و ذلك بارتفاع 737 مترا عن سطح البحر و على 223 كيلو مترا عن دمشق.

و بعد الخروج من عمان يتجه الخط نحو الجنوب صاعدا سهل الصحراء المائل فيمر من نفق طوله 140 مترا و يترك بجانبه كثيرا من الآثار القديمة منها المعبد اليوناني في قصر السهل. و المدينة القديمة في لبّن و كذلك الخزان الروماني و القصر العربي في الجيزة أو قلعة الزيزاء. و قبل أن يصل الخط إلى قلعة ضبعة يميل نحو الشرق و يلتف بأطراف وادي الموجب و بعد ذلك يتجه‏

177

أيضا نحو الجنوب فيمر من خان الزبيب و قلعة القطرانة و قلعة الحسا و جروف الدراويش و فيها قصر روماني بديع. و يجتاز بقلعة عنزه و تقطن فيها أحيانا قبيلة عنزة المؤلفة من 7000 نسمة. و بعد قلعة الحسا تبدأ الأرضون التي تنزل فيها قبيلة الحويطات. ثم يصل الخط إلى معان المرتفعة 1074 مترا عن سطح البحر.

و هذه المدينة هي النقطة الوسطى للخط الحجازي، لأنها تبعد عن طرفيه على أبعاد متساوية و المحطة تبعد كيلو مترين عن مدينة معان، و في هذه المحطة أبنية عديدة للسكة الحجازية. و بفضل وصول الخط الحديدي إلى تلك البقاع استتب الأمن فيها و بدأت الحياة الزراعية تظهر شيئا فشيئا. و قد تحضر قسم من البدو و أصبحت تلك الديار في قبضة الحكومة العثمانية بعد أن كانت تابعة لها بالاسم فقط بحيث أن أحد شيوخ البدو المدعو محمد جهل كتب إلى بيير لوتي الكاتب الفرنسي المشهور سنة 1894 «بسم اللّه الذي هو الكل و لا باسم سلطان القسطنطينية الذي ليس بشي‏ء».

و كان قصد القائمين بهذا المشروع الجليل إنشاء فرع للخط بين مدينة معان و العقبة لتقريب المواصلات بين البحر الأحمر و الديار المصرية من جهة و بين الخط الحجازي من جهة أخرى، و لكنهم لم يرغبوا يومئذ في صرف جهودهم في غير الخط الأساسي لأن غايتهم كانت الوصول إلى الأرض المقدسة في أقرب وقت.

يتجه الخط بعد معان نحو الجنوب الشرقي فتلتف حوله الصحراء من جديد و يبتعد عن البحر الأحمر ثم يصعد العقبة الحجازية أو الشامية المرتفعة 1150 مترا عن سطح البحر. و هذه النقطة هي المفرق الطبيعي للمياه التي تسيل إلى البحر المتوسط و البحر الأحمر. ثم يهبط الخط نحو ملعب بطن الغول المحفور في الصخور الرملية ذات الألوان العديدة المختلفة. و هذه البقعة من أجمل البقاع الطبيعية. و قد يضع السكان هذه الرمال الملونة في القوارير و يبيعونها من الحجاج تذكارا لهذه البقاع. و بعد ذلك يصل الخط إلى محطة المدورة فتنتهي حدود قبيلة الحويطات، و تبتدئ منازل قبيلة بني عطية. و كان وصول هذا الخط إلى هذه البلدة سنة 1906 و هي تبعد 114 كيلو مترا عن معان. و كان (5- 12)

178

قسم من الخط أيضا على وشك الإنجاز بين المدورة و تبوك و هو على مسافة 117 كيلو. مترا و في 1 أيلول سنة 1907 تم القسم الرابع من الخط الحجازي و هو القسم الواقع بين معان و تبوك الذي يبلغ طوله 331 كيلو مترا فبوشر باستثماره.

و قد جرى في التاريخ نفسه الاحتفال بافتتاح قسم جديد بين تبوك و مدائن صالح التي تبعد 955 كيلو مترا عن دمشق. و في هذا القسم جسر حجري ذو عشرين قنطرة يبلغ طوله 143 مترا. و كانت الأرضون فيه قاحلة و لكنها سهلة و أقل عوارض طبيعية من غيرها و كان يكفي أن توضع القضب الحديدية على الأرض حتى يصلح السير عليها و ذلك على مسافة كيلو مترات كثيرة.

و بعد مدائن صالح يصل الخط إلى العلا التي تبعد 980 كيلو مترا عن دمشق.

و العلا مدينة صغيرة يقطنها قوم من الزراع يقدر عدده من ثلاثة آلاف إلى أربعة و تقع في واحة جميلة. و يسير الخط بينها و بين المدينة المنورة على طريق القوافل لأن المياه كثيرة في هذه الطريق و بمرور الخط في سهل وادي العلا و هو يرتفع 790 مترا عن سطح البحر و ذلك بين الزمرد و البئر الجديدة ثم يهبط إلى بلدة الهدية المرتفعة 345 مترا عن سطح البحر و هي التي كان يؤمها سابقا حجاج إفريقية من مرفإ الوجه على شاطئ البحر الأحمر. و بعد الهدية يصعد الخط إلى إصطبل عنتر و بئر عثمان و منهما إلى المدينة المنورة التي ترتفع 700 متر عن سطح البحر و تبعد 1320 كيلو مترا عن دمشق. و قد وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في 22 آب سنة 1908 و جرى الاحتفال في أول أيلول المصادف ليوم عيد الجلوس السلطاني. و جرى فيه أيضا افتتاح المحطة التي شيدت خارج أبواب المدينة و قد أنيرت المحطة بمصابيح الكهرباء. و كان سرور أهاليها عظيما جدا حتى حملوا على أكتافهم المشير كاظم باشا رئيس هذه الحفلة مع رئيس المهندسين مختار بك. و قد طلب أهالي المدينة إعادة هذه الأفراح و الأعياد بمناسبة وضع أول حجر لبناء جامع الحميدية قرب هذه المحطة. و على ذلك فقد أعيد الاحتفال بحضور ثلاثين ألف شخص.

و دعي لهذه الحفلة ممثلو الصحف الأجنبية و كثير من الأجانب مما لم يسبق له نظير في الاحتفالات الماضية و قد جرى هذا بمناسبة الانقلاب السياسي في الاستانة.

179

و لما كان القصد من إنشاء الخط الحجازي خدمة الحجاج و تسهيل المواصلات بين الحجاز و بقية العمالات العثمانية اقتضى الوصول به إلى عاصمة الإسلام مكة المكرمة و مد فروع منه إلى جدة و بعض الولايات العثمانية الأخرى تتميما للفائدة، و كانت الحكومة مصممة على ذلك. و بإعلان الحكم الدستوري و خلع السلطان عبد الحميد الثاني موجد هذه الفكرة و مؤسس هذا العمل الكبير، توقف ورود الإعانات من الأقطار الإسلامية فحالت هذه الأسباب دون الوصول إلى هذه الأمنية و أخرت إتمام هذا المشروع العظيم.

و حاولت بعد ذلك حكومة الاتحاديين أن تواصل العمل فلم توفق فأعادت الكرة قبل إعلان الحرب العامة بيسير و أرسلت من القضب الحديدية و الآلات و الأدوات اللازمة الشي‏ء الكثير، و كادت إدارة الخط تبدأ بالعمل فأعلنت الحرب العامة و صرفت الوجوه عن جميع أعمال الإصلاح و منها هذا العمل الجليل. و كل هذا لا يحول دون البحث عن الطريق المناسب لمد الخط الحديدي بين المدينة المنورة و مكة المكرمة، عسى أن تنهض البلاد العربية من كبوتها فيقوم أبناؤها بإتمام هذا المشروع الحيوي.

الطرق الممتدة بين المدينة المنورة و مكة المكرمة التي يصلح السير عليها ثلاث أو اثنتان إذا اعتبرنا الثالثة فرعا للثانية. فالطريق الأول هو الطريق الشرقي الذي يصل المدينة المنورة بمكة المكرمة رأسا و هو يبعد 150 كيلو مترا عن شاطئ البحر الأحمر و يمر من أعالي الجبال بين موانع عديدة يصعب سير الدواب المحملة عليها، و لذلك فإن قوافل الحجاج لا ترغب في المسير عليها و إن كانت أقصر الطرق. و أما الطريق الثانية فهي السلطاني الذي ينخفض من المدينة المنورة نحو ساحل البحر الأحمر إلى مرفإ رابغ و منه يعود فيصعد إلى مكة المكرمة. و هناك طريق آخر بين المدينة و رابغ ينقص طوله 60 كيلو مترا عن الطريق السلطاني و يسمى الطريق الفرعي لأنه لم يخرج عن كونه قسما من الطريق الثانية.

تفضل قوافل الحجاج السير على الطريق السلطاني لمكانته الرسمية و التاريخية و لسهولة المواصلات عليه، و على هذا فالخط الحديدي المنوي إنشاؤه بين المدينتين المقدستين لا يصلح عمله إلا بالقرب من الطريق السلطاني و على طوله مرفأ

180

رابغ الذي يقع على شاطئ البحر الأحمر يسكنه 3000 نسمة و هو على مسافة 112 كيلو مترا من شمالي جدّة. و ليس ثمة من صعوبة في إنشاء هذا الخط لعدم وجود موانع طبيعية كما أن المياه غزيرة على طول الطريق على العكس في الطريق الشرقية.

بقي مبدأ الخط الحجازي حتى سنة 1908 في منتهى محلة الميدان بدمشق بالقرب من قرية القدم. و قد بنيت بعد هذا التاريخ محطة القنوات الواقعة في غرب مدينة دمشق على طراز عربي حديث و بشكل جميل يناسب عظمة هذا الخط المقدس. و بالقرب من محطة القدم معمل كبير خصص لإصلاح القاطرات و الشاحنات و صب الآلات الحديدية و أعمال النجارة و التدهين و الأبنية الخاصة بالمعمل و المخازن تشغل سطحا من الأرض تبلغ مساحته 600، 10 متر مربع. و قد بلغت نفقات إنشاء هذه الأبنية مليون فرنك. و بنيت في محيط تبلغ مساحته 53 ألف متر مربع. أنيرت جميع هذه الأبنية مع الساحة بالأنوار الكهربائية.

الخط الحجازي في عهد العثمانيين و بعدهم:

كان الخط في عهد الدولة العثمانية يدار في جميع أدواره بموازنة مستقلة عن موازنة الحكومة باعتبار أنه وقف إسلامي. و كان في البدء مرتبطا بلجنة عليا في الاستانة يرجع إليها في شؤونه العامة، ثم طرأت على إدارته طوارئ عديدة غيرت من أوضاعه على ما عرضنا لذلك سابقا، ثم استقر مرتبطا بإدارة الأوقاف. أما حالته بعد انسحاب الدولة العثمانية من الشام و دخول جيوش الحلفاء فإنه كان تام الأجزاء من حيث وضعه الأساسي و لم يطرأ عليه الخراب سوى في الجهات البعيدة بعض البعد عن العمران. و يمكن اعتبار مبدإ التخريب من بعد المحطات التي تلي محطة عمان جنوبا على أن هذا التخريب يكاد ينحصر في الجسور و المحطات و المصانع و المستودعات و غير ذلك من المباني و المحال التي كان يسهل نسفها. أما القضب الحديدية فظلت سليمة بالجملة ما خلا نقاطا قليلة يسهل إصلاحها و تشييدها.

هكذا كانت حالة هذا الخط عند دخول الحلفاء الشام، و أما حالته من حيث‏

181

الآلات و الأدوات و معامله و قاطراته و مركباته و شاحناته و غير ذلك من لوازم التعمير و وسائط سيره فقد بلغت من الجودة درجة يندر وجود نظيرها لدى أغنى الشركات في الأقطار التي خاضت الحرب العامة طول هذه المدة.

و إليك مقادير الآلات و الأدوات الخاصة بقسم السير و الجر و هي 120 قاطرة بخارية و 1200 شاحنة و 100 مركبة ركاب من صنوف مختلفة و 20 شاحنة بريد. عدا ما هنالك من عدد كبير من شاحنات الماء (الصهاريج) و أشياء فنية كثيرة، و أما المعامل فمنها ما كان في القدم جنوبي دمشق و هو معمل مجهز بأحدث الآلات الفنية و كذلك مستودع صغير للمرمات. و في درعا مصنع صغير و مستودع و في سمخ مستودع و في عمان مستودع و في معان مستودع و مصنع مختصر و في تبوك مستودع و في مدائن صالح مستودع و مصنع صغير و في المدينة المنورة مستودع و في حيفا مستودع و مصنع صغير.

تقسيم الخط الحديدي الحجازي:

قسم الخط في بدء الاحتلال ثلاثة أقسام: استولت بريطانيا العظمى على قسم فلسطين و سلمته إلى إدارة الخطوط بفلسطين. و استلمت الحكومة العربية الفيصلية قسم سورية، و أما القسم الثالث فقسم الحجاز أطول مسافات الخط و هو قسم غير مثمر لوقوعه في البادية و لخراب جسوره و أكثر محطاته. و قد قسمت أيضا المعامل الصناعية و الآلات و الأدوات الفنية إلى ثلاثة أقسام و كان أهل كل قسم من هذه الأقسام إذا وقعوا في منطقتهم على شي‏ء أو ظفروا بشي‏ء وضعوا أيديهم عليه. فالمصانع التي كانت داخل المنطقة الشرقية الفيصلية بقيت لحكومتها و مثلها المعامل الصناعية في فلسطين و الحجاز. و رجع ما في فلسطين لحكومة فلسطين و سلمته هذه إلى شركة الخطوط بفلسطين. و ما في الحجاز إلى حكومة الحجاز. و كذلك القاطرات و الشاحنات و المركبات و شاحنات البريد و سائر اللوازم فقد قسمت على الطريقة عينها و لكن كان حظ الحجاز منها قليلا جدا، فإن جميع ما بقي على الخطوط و وضع اليد عليه لا يتجاوز عدد الأصابع و أكثره مخرب لأنه كان طوال هذه المدة عرضة لهجمات الثائرين. و كذلك الشاحنات و العربات و شاحنات البريد فإن عددها لا يكاد

182

يذكر بالنسبة إلى ما استولت عليه فلسطين و سورية. في حين أن أكثر الخط ممتد في أرض الحجاز.

و قد جرى إصلاح الخط على عهد الحكومة العربية بصورة سطحية و على أثر هذا الترميم وصل القطار من المدينة المنورة إلى دمشق في أواخر سنة 1919 و هي أول مرة دخلها بعد الحرب العامة و لم يتيسر تسيير القطارات بانتظام كما كانت تسير قبلا لعدم إتمام العمائر بصورة فنية تبعث على الطمأنينة و لعدم وجود رأس مال كاف لهذه الغاية. و بقي الحال على هذا المنوال حتى سقوط الحكومة الفيصلية في سورية و دخول الجيش الفرنسي إليها. و لما دخل الفرنسيون دمشق في تموز 1920 تركوا إدارة الخط تسير على ما كانت عليه في عهد الحكومة العربية حتى آذار سنة 1924 و أحيلت إدارته إلى شركة دمشق- حماة و تمديداتها الفرنسية.

الخط الحجازي في شرقي الأردن و الحكومة الهاشمية:

يبتدئ هذا الخط في هذه المنطقة من محطة نصيب و ينتهي بمعان و كانت من عمل الحجاز و هي على 323 كيلو مترا، و كان في هذه المنطقة مستودعات عديدة و فيها الشي‏ء الكثير من آلات الخط و أدواته و قد سلمتها جميعها حكومة شرقي الأردن إلى إدارة خطوط فلسطين مقابل مقاولة معقودة بينهما.

و لقد أراد الملك حسين تعمير الخط الحجازي ليتسنى له استثماره و يصل مملكته بمملكة ولده الأمير عبد اللّه فأصدر أمره خلال سنة 1922 بتأليف لجنة يعهد إليها النظر في شؤون الخط و ترميمه فألفت لجنة للقيام بهذه المهمة في شرقي الأردن و أرسل إليها الملك حسين أربعة آلاف جنيه مصري للترميمات الضرورية فقط. فقررت المباشرة بإصلاح الجسور و المنافذ و فرضت إعانات تقطع من رواتب الموظفين و كذلك من واردات الطوابع الحجازية التي تستوفى داخل المنطقة فبلغ مجموع ما دخل عليها من هذه الموارد خلال مدة التعمير أربعة آلاف جنيه و المجموع ثمانية آلاف جنيه مصري في حين أن الترميمات و الإصلاحات الضرورية لا تتم بأقل من 100 ألف جنيه ليمكن إعادة الخط سيرته الأولى.

183

و قد أتمت اللجنة إنشاء الخط حتى المدينة المنورة على صورة موقتة لقلة الأموال التي تمكنت من جمعها و بدأ سير الخط رسميا. و نقل خلال استثماره في تلك الحقبة القليلة أكثر من أربعة آلاف زائر إلى المدينة المنورة ذهابا و إيابا و بلغت واردات الخط من الزوار و النقليات التجارية أربعين ألف جنيه.

الخط الحجازي في المؤتمرات:

عقدت معاهدة لوزان بين تركيا و الحلفاء في سنة 1923 و لم يقرر المؤتمر شيئا في مصير الخط الحجازي لأن الفرنسيين و الإنكليز كانوا متفقين على تأليف لجنة إدارية عليا من المسلمين يكون مقرها المدينة المنورة تنظر في شؤون الخط و تسعى لإصلاحه. و لقد نصت المعاهدة التي عقدت بين تركيا و الحلفاء في لوزان سنة 1923 على عقد مؤتمر في الاستانة مؤلف من ممثلي الدول التي انفصلت عن تركيا و من ممثلي مجلس الديون العامة لمعرفة واردات تلك الدول.

و في عام 1924 عقد هذا المؤتمر فكان فيه مندوبون عن المناطق المنفصلة عن تركيا. و عند تعيين مقادير الواردات و التقاسيط السنوية تقرر تقسيم الخط الحجازي و تجزئته و اعتبار كل قسم ملكا للمناطق التي يجتازها هذا الخط.

و قد ثبت الحكم المعين وفقا لقرار جمعية الأمم في جلساته الحكمية في جنيف مبدأ اعتبار واردات الخط الحديدي الحجازي على النسبة الكيلو مترية لا على نسبة ما تستفيده كل مقاطعة من الخط الذي يمر منها.

و تقضي المادة 118 من معاهدة لوزان بعقد مؤتمر في باريز بعد مرور شهر من صدور حكم الحكم الذي عهدت إليه جمعية الأمم النظر و الحكم في اعتراضات الدول ذات العلاقة بالديون العثمانية العامة. و قد ضربت الحكومة الفرنسية موعدا لعقد هذا المؤتمر في أول تموز سنة 1925 بباريز دعت إليه جميع الدول ذات العلاقة بالديون و دعيت الحكومة الحجازية لإرسال مندوب عنها في شهود هذا المؤتمر فأجابت الدعوى و لكن لتحتج على ما لحق بالمملكة الحجازية من الحيف.

و بعد إلحاق معان و العقبة بشرقي الأردن (1925) تسلمت إدارة خطوط فلسطين الخط الحجازي الجنوبي حتى المدوّرة في الكيلو متر 577 و بما أن‏

184

طول الخط الأصلي من دمشق إلى المدينة المنورة عبارة عن 1307 كيلو مترات فيكون ما تناط إدارته من هذا الخط بالحكومة الحجازية الحاضرة 730 كيلو مترا.

نفقات الخط الحجازي و إصلاحه:

بلغت نفقات الخط الأصلي و فروعه حتى سنة 1918 و هي السنة التي خرجت الدولة العثمانية فيها من الشام 398، 012، 5 ليرة عثمانية ذهبا. فهذه القيمة قليلة جدا بالنسبة لطول الخط و للبوادي الشاسعة القاحلة التي قطعها.

و لو لا أن الحكومة العثمانية كانت تستخدم الجنود بأجور زهيدة للغاية لما تيسر لها إنشاء هذا الخط و لكانت اضطرت لإنفاق ضعفي هذا المبلغ على أقل تقدير. و الحق يقال إن هذا الخط مدين بإنشائه للجنود العثمانية التي بذلت في سبيله الجهود العظيمة، بل النفوس الكريمة، و عدا ذلك فإن المبيعات المحلية و النقليات على اختلاف أنواعها جرت بصورة معتدلة للغاية. و كان معظم الناس يعتقدون، و هم على صواب في اعتقادهم، أن تقديم الإعانات إلى الخط و بذل المعاونات في سبيله من أعظم القربات. و بدافع هذه الثقة قدم كثيرون أشياء ثمينة ذات قيم كبيرة كالأخشاب و الأحجار و الأرضين. فلا بدع إذا قلنا إن هذا الخط ثمرة جهود الأمة الإسلامية، و مأثرة غراء من مآثرها الخالدة في هذا العصر، عصر النور و العرفان.

و خلاصة القول أن إصلاح هذا الخط أمر ضروري حيوي بالنسبة للأقطار العربية لما له من العلاقة بها كلها. فمن الواجب على الحكومات العربية أن تسعى كل السعي لإرجاع الخط إلى حالته الأولى، و تعمل في سبيل تحسين شؤونه أكثر من قبل. و هذا الإصلاح لا يتم إلا بإيصال هذا الخط إلى مكة المكرمة عاصمة الإسلام، و بربطه بخطوط فرعية مع السواحل كمكة المكرمة بجدة و المدينة المنورة بينبع و معان بالعقبة فيصبح بهذه الفروع الممتدة إلى سواحل البحر الأحمر و البحر المتوسط من أكبر العوامل لإنعاش التجارة في الأرض التي يمر بها، و يتسع نطاق العمران و التحضير في الصحاري و السهول العربية.

و من جهة أخرى يضمن بهذه الطريقة أيضا نقل الفحم الضروري لاستثمار

185

الخط على أيسر وجه و بأقل كلفة. و قضية الفحم قضية ذات شأن في حياة الخط، و كان يبلغ ما يستهلكه من الفحم الحجري نحو 000، 30 طن في السنة و لا يبعد أن يأتي يوم تمكن فيه الاستفادة من شلالات زيزون و تل شهاب لتوليد الكهرباء فتسير القطارات حينئذ بهذه القوة فتقل نفقات الخط السنوية و تصبح الأجور أقل مما هي عليه الآن فتكثر المواد. و ما ذلك اليوم ببعيد إن شاء اللّه.

تفتقر الأقطار العربية إلى رجال فن و أرباب صنائع إخصائيين يعول عليهم في تسيير شؤونها الفنية. و هي لا تنقص فيها المقدرة و الاستعداد للقيام بأصعب الأمور إذا قيض اللّه لها من أبنائها من يرشدها و يحسن إدارتها. و لقد برهنت على ذلك في كثير من أدوار تاريخها المجيد، و خصوصا بما قامت به أخيرا من الأعمال أثناء إنشاء الخط الحجازي، و ما بذلته من الجهود في سبيله حتى لقد صرح مدير هذا الخط المسيوديكمان الألماني بشهادته الطيبة لأبنائها في تقريره الذي رفعه للحكومة الفيصلية العربية: إنني عاجز عن وصف سروري من الموظفين و العملة العرب الذين كانوا في إدارتي، لما هم عليه من حب العمل و النظام، و ما اتصفوا به من شدة الذكاء و المقدرة، كما شاهدت ذلك في صفوف موظفي المحطات و القطارات و السواق و السير، و كنت أجد سرورا خاصا عند النظر في أمورهم لما هم عليه من النشاط في كل أمر.

الخطوط الفلسطينية خط يافا- القدس:

كانت مدينة يافا في كل أدوارها مرفأ لإنزال الزوار القاصدين لمدينة القدس. و لذلك كانت فكرة إنشاء خط حديدي بين المدينتين من الأمور المتفق على صحتها و جلالة شأنها. لكن بعض المشتغلين بهذه القضايا كان يعتقد صعوبة تنفيذها، و يرجح إنشاء خط ترامواي لقلة المواصلات التجارية في فلسطين. ذلك لأن كثرة الزوار لا تكون إلا في مواسم معينة من السنة.

و كان أول مصوّر قدم للحكومة لعمل سكة حديدية في سنة 1864 قدمه الدكتور زامبل الأميركي الألماني. و منح امتياز هذا الخط إلى يوسف نافون‏

186

أفندي في 28 تشرين الأول سنة 1888 لمدة 71 سنة مع احتمال تمديد هذا الخط إلى غزة و نابلس، ثم إلى دمشق إذا دعت الضرورة إلى ذلك في المستقبل.

و قد باع صاحب هذا الامتياز امتيازه من شركة الخطوط الحديدية العثمانية ليافا- القدس و تمديداتها الفرنسية المؤسسة في باريز في شهر كانون الأول سنة 1889 بمبلغ مليون فرنك. و شرع بإنشاء هذا الخط في نيسان سنة 1889 فصادف المهندسون صعوبات جمة في طريقهم، خصوصا في القسم الواقع بين عرتوف و القدس و الأرض صخرية جبلية و قد استغرق هذا العمل ست سنوات بالنظر لهذه الصعوبات و انتهى في أيلول سنة 1892 و افتتح الخط في 26 أيلول سنة 1892. و طول هذا الخط 87 كيلو مترا، و هو خط ضيق منفرد و عرضه متر واحد يجتاز مائة و ستة و سبعين جسرا سبعة منها حديدية.

و أطول هذه الجسور لا يتجاوز الثلاثين مترا و أقصرها ستة أمتار. و قد تجنب القائمون بالأعمال فتح الأنفاق مما زاد في اعوجاج الخط و كثرة الحفريات الناشئة عن ذلك. فالخط يحاذي وادي صرار و يقطعه في محلات متعددة.

و اقتلعت إدارة الخطوط الحديدية العثمانية في الحرب العامة قسما من هذه السكة بين يافا ولد أي على مسافة 19 كيلو مترا و استعملت قضبه في إنشاء الخطوط العسكرية التي كانت تنشأ إذ ذاك في فلسطين و لم تقتلع بقيته لأنها استفادت منه و وصلته بخط العفولة- القدس من لدّ إلى وادي صرار أي مسافة 18 كيلو مترا.

خط حيفا- دمشق:

ألمعت قبلا إلى أن جبال لبنان الشاهقة و ما وراءها من الهضاب الشرقية تمنع سهولة المواصلات بين دمشق و بيروت و تؤلف سدا منيعا بين هاتين المدينتين، و لذلك رأى من يعنيهم الأمر منذ زمن بعيد وصل دمشق بنقطة من الساحل تكون غير مدينة بيروت. فكانت الأنظار تتجه أبدا إلى مدينتي عكا و حيفا. لأن الخط الذي يصل دمشق بهاتين المدينتين يسهل إنشاؤه لوجود سهل يزرعيل على ما ذكرنا آنفا. و كانت بريطانيا تحلم كثيرا بالحصول على خط حديدي يسير بين احدى المواني الشامية و الخليج الفارسي. و خصوصا

187

بعد احتلالها جزيرة قبرس في البحر المتوسط. ففي سنة (1882) نال السادة أبناء سرسق منشورا سلطانيا يخولهم حق إنشاء خط حديدي بين عكا و دمشق آملين إدخال التحسين على أملاكهم الواسعة في مرج ابن عامر راجين معاونة البريطانيين. و كانت فكرة إنشاء خط حديدي سائدة بينهم في ذلك الحين.

بيد أنهم لم ينجحوا بعملهم و خسروا عربونهم البالغ 50 ألف فرنك المودع في خزينة الدولة العثمانية.

و في سنة (1889) طلب يوسف الياس أفندي رأس مهندسي لبنان إلى الحكومة العثمانية منحه امتياز هذا الخط مع فرع إلى حوران. و انقضت المدة المضروبة للمباشرة بالعمل و لم يتمكن هو أيضا من القيام بهذا المشروع. و في 30 أيلول سنة (1891) أعاد الكرة يوسف الياس أفندي و نال هذا الامتياز مجددا بالاشتراك مع المستر نيللنغ الإنكليزي. و اشترطت الحكومة عليهما في في هذا الامتياز إنشاء فرعين لهذا الخط الأول من قرية نوى إلى بصرى في حوران. و الثاني من نهر الشريعة إلى حاصبيا. و شرع بالعمل في 12 كانون الأول سنة 1892 في الوقت الذي باشرت فيه أعمالها شركة بيروت دمشق (8 كانون الأول سنة 1892). و لم تمض مدة حتى توقفت الأعمال على خط حيفا- دمشق و لم يتم منه سوى ثمانية كيلو مترات. لأن الشركة التي أسست للقيام بهذا المشروع لم تحصل على المعاونة المالية اللازمة لها في أسواق لندن. و كانت المدة المضروبة لإنهاء العمل تنتهي في شهر تشرين الأول سنة 1895 و على هذا أنذرت الحكومة العثمانية الشركة في أوائل سنة 1895 بوجوب الإسراع بالعمل و بعد إلحاح المساهمين وافقت الحكومة على تمديد المدة ثلاث سنوات أخرى. و بالرغم من هذه التسهيلات لم تقم الشركة بإتمام عملها. و في سنة (1896) أصبح القسم الممدد من الخط في حالة يرثى لها بعد تركه طوال هذه السنين الأخيرة. ثم ظهرت فكرة إنشاء الخط الحديدي لحجازي و ربطة بأحد فرض البحر المتوسط فقام السلطان باسترجاع امتياز خط حيفا مستفيدا من ذلك التأخير الذي وقع في أعمال الشركة كما ذكرنا ذلك في عرض الكلام عن الخط الحجازي.

188

الخطوط العسكرية الفلسطينية:

لم تحل الحرب العامة دون الإدارة العسكرية العثمانية التي تولت السيطرة على الخط الحجازي إذ ذاك و تمديد مئات الكيلو مترات من الخطوط الحديدية بين فلسطين و الحدود المصرية داخل فلسطين أيضا. و هذه الخطوط و إن لم يكن لها شأن يذكر بجانب الخط الأصلي فقد أحببنا أن نذكر شيئا عنها تتميما للفائدة.

أنشأت إدارة الخط الأصلي فروعا لها في سورية و فلسطين. منها فرع حيفا- عكا و هو 17 كيلو مترا و فرع درعا- بصرى و هو 27 كيلو مترا و فرع العفولة- القدس الذي شرع فيه سنة (1912) و وصل إلى قرية السيله عند إعلان الحرب العامة و هو 40 كيلو مترا. و من المسائل التي تستحق الذكر ما أجرته إدارة الخط من الأعمال في أثناء الحرب العامة ذلك أن حملة السويس لما أخفقت أدركت قيادة الجيش العثماني ضرورة تمديد الخط الحديدي حتى السويس بأسرع ما يمكن. و كان القائل بهذه الفكرة جمال باشا الذي تمكن على الدوم من إعطاء المال و الرجال لإجراء الأعمال المطلوبة و قد جي‏ء في ذلك الحين بميسنر باشا المهندس الألماني من بغداد لاستلام أعمال الإنشاء و كان هو مهندس الخط الحجازي عند تأسيسه من سنة 1900 إلى 1908.

كان قسم العفولة- القدس الذي شرعت فيه إدارة الاستثمار وصل نابلس في شتاء 1914 و 1915. و كانت الفروع المصرية التي بدأت الإدارة بإنشائها من المسعودية في خط العفولة- نابلس تمتد في بطاح سارون حتى القدس و ليس فيها كثير من الموانع و الحوائل الطبيعية. ودعت الضرورة إلى جعل الخط بعيدا عن الساحل ليكون بمأمن من قذائف السفن الحربية.

و في شهر تشرين سنة 1915 تمكنت الإدارة من إنشاء 165 كيلو مترا و سلمتها للاستثمار حتى بئر السبع. و هذا العمل بالنظر لما صودف في تنفيذه من المصاعب يعد من الأعمال العظيمة.

و قد استفادت إدارة الأعمال من خط يافا- القدس الفرنسي المشاد سابقا بين محطة لدّ و وادي الصرار أي مسافة 18 كيلو مترا كما ذكرنا ذلك‏

189

آنفا و أدخلت هذا القسم بخط العفولة- القدس الذي نحن في صدد الكلام عليه، و لكنها اضطرت لتعريضه لأن عرضه كان مترا واحدا فجعلته مترا و خمسة سانتيمترات كبقية الخطوط الحديدية الحجازية. و كانت الإدارة لا تملك عند إعلان الحرب سوى 300 كيلو متر من قضبه الحديدية و 50 كيلو مترا من العوارض الحديدية فقلعت من خط يافا- القدس قسم يافا- لدّ 19 كيلو مترا و خط حيفا- عكا 17 كيلو مترا و خط دمشق- المزيريب 103 كيلو مترات و قد أحضر قسم كبير من العوارض من أخشاب الاوكالبتوس في بطاح شارون و من شجر الصنوبر في جبل لبنان.

و بدئ بإتمام الخط إلى السويس في قلب صحراء سينا قبل أن تم إنشاء قسم بئر السبع. و لكن عمليات الإنشاء لم تتقدم بسرعة كما جرى في قسم مسعودية- بئر السبع لأن نقل الامداد للجيش كان من الأسباب الداعية لعدم سرعة العمل. و مع ذلك فقد أنشئ 62 كيلو مترا نحو السويس وراء بئر السبع في صيف 1916 و كانت المحطة النهائية في القسيمة و عند ما جلا الجيش إلى جهة غزة في ربيع سنة 1917 اضطرت الإدارة إلى رفع الأقسام الجنوبية من بئر السبع. ثم بدئ بإنشاء فرع من التينة إلى ديرسند- بيت حاتون و من ديرسند إلى الهوج و مسافتها 5، 53 كيلو مترا و بنيت أيضا فروع عسكرية ليضمن معها نقل محروقات الخط و هي طور كرم- كفر قرع 24 كيلو مترا. و فرع جلينا- خضرا ستة كيلو مترات. و غزة- الهيشة 28 كيلو مترا. القصر- الهرمل 19 كيلو مترا. و من هذا كله يتضح أنه قد أنشئ في أثناء الحرب من الخطوط 437 كيلو مترا و كانت كلها فروعا للخط الحجازي، و ذلك رغم الصعوبات الكثيرة في تدارك اللوازم الضرورية.

و لما سقطت جبهة غزة و اضطر الجيش للجلاء حتى أواسط فلسطين تركت أقسام الخط في جنوب طور كرم في تشرين الثاني سنة 1917 في حين أن الإنكليز كانت تسرع أثناء الحرب بإنشاء خط ساحلي من بور سعيد الذي خصص لمدد الجيش الإنكليزي. و لما استولت على فلسطين شرعت بتمديد هذا الخط من فلسطين أيضا في أيلول سنة 1918 و أوصلته إلى حيفا عند جلاء الجيش العثماني عنها. و بهذه الواسطة تم أول اتصال بين الخطوط المصرية

190

و الحجازية. و لا شك أن هذا الاتصال يفيد البلدين فائدة اقتصادية عظيمة لأنهما ما زالا منذ الأزمان القديمة مرتبطين أحدهما بالآخر ارتباطا ماديا و أدبيا.

بدأ الإنكليز عقبى استيلائهم على فلسطين يتحرون الوسائط و الطرق اللازمة لإنشاء خط كبير يخترق الديار العربية من الغرب إلى الشرق و يربط حيفا بالخليج العربي و طول هذا الخط تقريبا 1500 كيلو متر و لكن بعد أن تمكنت السيارات من اختراق الصحراء و الوصول إلى القطر العراقي بسهولة تأخرت فكرة إنشاء هذا الخط في الوقت الحاضر.

إن مجموع الخطوط الحديدية في فلسطين و شرقي الأردن 708، 405، 1 كيلو مترات منها 834، 715 كيلو مترا من الخط العريض و 874، 689 كيلو مترا من الذي عرضه 105 سانتيمترات و هذه التفاصيل:

كيلو مترات‏

223 374 خطوط فلسطين الأصلية.

491 98 خطوط فلسطين الجانبية (المحطات) و الجوانب مقصات و تفريغ.

714 472 المجموع.

885 201 خطوط سينا العسكرية الأصلية.

235 41 خطوط سينا العسكرية الجانبية ...

120 243 المجموع.

040 212 خط الحجاز في فلسطين الأصلي‏

546 30 خط الحجاز الجانبي ...

586 242 المجموع‏

343 436 خط الحجاز الشرقدنّي الأصلي‏

945 10 خط الحجاز الشرقدنّي الجانبي ...

288 447 المجموع.

ثم أنشئ فرع جديد من حيفا خاصا بمعمل نيشر طوله سبعة كيلو مترات.

191

عدد

130 القاطرات‏

107 مركبات الركاب‏

2259 قاطرات و شاحنات‏

«الواردات عن سنة 1925 و النفقات»

جنيه مصري‏

604579 الواردات‏

438504 النفقات‏

166065 الباقي و هو الربح السنوي‏

و قد اشترت حكومة فلسطين جميع الخطوط العسكرية و الفرنسية و أصبحت ملكا لها.

خط بغداد:

جرى البحث كثيرا في الأندية الانكليزية منذ سنة 1834 إلى سنة 1845 بشأن الملاحة في نهر الفرات، فتألفت شركة في سنة 1851 لإنشاء خط حديدي من السويدية في خليج الإسكندرونة إلى الكويت في الخليج الفارسي.

و كان يرأس هذه الشركة الجنرال سير فرنسيس شيزني. نالت امتياز هذا الخط مع وعد الحكومة العثمانية بأن تعطي الشركة ضمانة تضمن لها فائدة ستة بالمئة لرأس المال، و لكن هذه الضمانة لم يتأكد إعطاؤها. و لما رأى الشعب الإنكليزي عدم اهتمام حكومته بهذا المشروع بصورة رسمية خاف من إخفاقه فلم يكتتب بأسهم الشركة. فلم تتمكن هذه من نيل المعاونة المالية اللازمة فسقط امتيازها. و بعد سنة 1869 تجددت فكرة إنشاء خط السويدية- الكويت. و في سنة 1872 حبذ هذا المشروع كثير من النواب البريطانيين.

و كانت تقدر نفقات هذا الخط بعشرة ملايين جنيه إنكليزي. و مضى زمن و فكرة هذا المشروع تتخبط إلى أن حدثت أمور مهمة حولت الرأي العام الإنكليزي عنها بتاتا. و بعد افتتاح ترعة السويس اقترح بعضهم وصل الإسماعيلية بالكويت بخط حديدي. و لكن هذا المشروع الجديد لم يجد أنصارا و لم يرج‏

192

الرواج المطلوب في الرأي العام الإنكليزي. و بعد ذلك تألفت جماعة من الروسيين و اقترحت طريقة جديدة و هي وصل طرابلس الشام بالخليج الفارسي بخط حديدي، يتفرع منه فرع إلى كربلاء، و لكن هذه الفكرة كانت عقيمة لا تستحق الاهتمام لأن خطا جديديا كهذا لا يجوز تمديده في تلك الصحاري القاحلة.

و بالتزاحم الذي حدث بين الدول الغربية لنيل امتيازات في الولايات العثمانية كان الألمانيون آخر من تقدم و ذلك في سنة 1888 فجاءوا بأفكار جديدة و كان الإنكليز و الفرنسيون ممن يهتمون بالخطوط الحديدية العثمانية. و لا يفكرون بغير وصل السواحل بالأصقاع الداخلية و ذلك لترويج صناعتهم و تجاراتهم. و لهذا لم ينشئوا سوى خطوط صغيرة كيافا- القدس- حيفا و دمشق- بيروت و طرابلس- حمص السويدية أو الإسكندرونة- حلب و مرسين- أذنة و أضاليا الخ. فكل هذه الخطوط كانت تبتدئ من السواحل و تنتهي بمدن الساحل. خلافا لهذه الخطة الغريبة تقدم الألمان بطريقة جديدة تتفق مع المصالح العثمانية أكثر من الأولى. ففي سنة 1871 ارتأى فون برسيل المهندس الألماني أن يجعل الاستانة مركز الخطوط الحديدية الأوربية و الآسيوية، فبدلا من أن يكون للمملكة العثمانية عشرون خطا صغيرا لا رابطة بينها اقترح أن تنشأ خطوط أساسية تقطعها عرضا و طولا تكون خير واسطة بيد الحكومة من الوجهة الإدارية و العسكرية. و تصل جميع الأقطار العثمانية بعضها ببعض. و أول خط من هذه الخطوط التي اقترح عملها المهندس برسيل كان خط الاستانة- بغداد.

و بناء على اقتراحه هذا و وفقا للمخططات التي رسمها، شرعت الحكومة العثمانية بإنشاء خطها العظيم الملقب بقاطع آسيا الصغير. و كان القصد من هذا الخط أن يبتدئ من مرفإ حيدر باشا على ساحل البوسفور و ينتهي بالكويت على ساحل الخليج الفارسي مارا بازميد مجتازا مضايق نهر سقاريا المعوج فيصل أسكيشهر و منها يتجه شرقا نحو أنقرة- يوزغاد- سيواس- عربكير خربوط- ديار بكر- ماردين- الموصل- بغداد و من هذه يسير موازيا لدجلة و شط العرب حتى خليج فارس. و دعوا هذا التخطيط بالمخطط الشمالي و كان هذا التخطيط أقصر الطرق و أقلها نفقة و يبلغ طوله 3500 كيلو متر.

193

قامت الحكومة العثمانية في سنة 1871 بمد 92 كيلو مترا من حيدر باشا إلى ازميد بمعرفة المهندس برسيل، و لكن الثورات و الحروب المتتابعة في أوربا العثمانية و كذلك التدخلات الأجنبية قد أوقفت استمرار العمل بهذا المشروع مدة ست عشرة سنة. و في سنة 1888 تمكن المصرف الألماني «دويتش بنك» من الحصول على امتياز هذا الخط حتى مدينة أنقرة مع الوعد بتمديد بقية أقسامه إلى مدينة بغداد بضمانة كيلو مترية 15 ألف فرنك. و قد وقعت الإرادة السلطانية التي منحت امتياز الخط باسم المصرف الألماني في تشرين الأول سنة 1888. و باشر الألمان عملهم في شباط سنة 1889. و في سنة 1891 تمكنوا من إتمام 300 كيلو متر. و في سنة 1893 وصل خطهم إلى أنقرة أي انه مد منه 578 كيلو مترا.

كانت مدينة أنقرة بلدة صغيرة قبل جعلها عاصمة الدولة التركية و هي واقعة بأعالي الجبال ترتفع 920 مترا عن سطح البحر. و على أثر وصولهم إليها طلبوا من الحكومة العثمانية امتياز الأقسام الأخرى، على أن يجري تعديل في استقامة الخط، فبدلا من أن يسير من أنقرة إلى يوزغاد و سيواس، طلبوا تحويله من أنقرة إلى قيصرية. و حصلوا في أول سنة 1893 على امتياز قسم قيصرية أي مسافة 320 كيلو مترا مع ضمانة كيلو مترية قدرها 17650 فرنكا و قد سمي هذا التخطيط الجديد بالمخطط الوسطي. و لم يرق في عيني روسيا و كانت تخشى تقدم الألمان في الولايات الشرقية. فلعبت السياسة ألا عيبها بين ليننغراد و برلين، و قبل الألمان بتغيير و جهتهم فتركوا أنقرة و شأنها، و طلبوا من الحكومة إعطاءهم امتياز قسم جديد بين أسكيشهر و قونية. و قد حصلوا على ذلك في سنة 1893 و سمي هذا التخطيط بالمخطط الجنوبي مع ضمانة كيلو مترية قدرها 15 ألف فرنك. غير أن هذا التخطيط الأخير لم يرق أيضا في أعين الإنكليز و الفرنسيين و كانوا يرجون نيل امتيازات في تلك البقاع التي لهم فيها مصالح و خطوط. فاحتجوا لدى الباب العالي و قدموا شروطا أحسن من شروط الألمان، و قد دعمت الحكومة الفرنسية طلب الماليين الفرنسيين، و تمكنت من أخذ امتيازات الخطوط الحديدية السورية بين دمشق و حلب.

(5- 13)

194

وصل الخط الحديدي إلى قونية في أواخر سنة 1895 و بعد ذلك شعر الألمان بضرورة الاتفاق مع بعض الماليين من الأمم الأخرى، فأشركوا معهم الفرنسيين و نالوا امتياز خط قونية- بغداد في كانون الثاني سنة 1902 مع ضمانة كيلو مترية قدرها 500، 16 فرنك و ممن اشترك مع الألمان من الفرنسيين بهذا المشروع شركة خط ازمير- قصبة و شركة المصرف العثماني. و قد اشترط الفرنسيون مقابل دخولهم في هذه الشركة أن يكون لهم أربعون بالمئة من الأسهم و أربعون بالمئة للألمان و عشرون بالمئة لروسيا، و أن تكون جميع الحقوق متساوية بين الألمان و الفرنسيين كإدارة المشروع و تقديم الأدوات و لم يتم هذا الاتفاق لأسباب سياسية، و لذلك لم تقبل فرنسا إدخال أسهم هذا المشروع في بورصة باريز. و في شباط سنة 1903 كلف الألمان حكومة لندن تأليف شركة جديدة تكون الأسهم فيها متساوية بين الألمان و الإنكليز و الفرنسيين أي ثلاثون بالمئة لكل منهن و عشرة بالمئة تبقى للروس أو للحكومات الصغيرة كالبلجيك و هولاندة و سويسرا، فلم تنجح هذه الطريقة لحل المشكلة القائمة بينهم. و بقي الألمان مدة يساومون الدول الغربية بذلك يهددون الروس تارة بتكميل مخططهم الشمالي المنتهي بأنقرة، و طورا يهددون الإنكليز و الفرنسيين بإتمام مخططهم الجنوبي المنتهي في قونية. و في 5 آذار سنة 1903 قررت الحكومة العثمانية إعطاء امتياز خط قونية- بغداد و البصرة لشركة خطوط الأناضول. و في 30 تموز من هذه السنة صدر المنشور السلطاني بذلك. و اشترط فيه إتمام هذا الخط في ثمانية أعوام أي في سنة 1911.

فباشر الألمان عملهم و أتموا قسم قونية- بلغورلو و قد أمنتهم الحكومة على الضمانة الكيلو مترية لهذا القسم. و بعد هذا القسم تأتي جبال طوروس الشاهقة.

و في هذه الجبال واد عظيم كان الطريق الوحيد لجيوش الفاتحين من الأقدمين و هو خط الاتصال بين قليقية و صحراء الأناضول. و هذا الوادي لا يزيد عرضه على العشرة أمتار في كثير من النقاط، و الجبال ترتفع حفافيه أكثر من مئتي متر. و كان الإسكندر الكبير و الرومان و الصليبيون و العرب و السلجوقيون و المصريون يقطعون هذه الجبال و يجتازون هذا الوادي. و قد فكر الألمان‏

195

أن يمدوا خطوطهم على هذه الطريق بعد تعريضها بحيث تصلح للسير و بعد أن يبنوا عليها الجسور اللازمة و الأنفاق الصغيرة. و لكنهم عدلوا عن هذه الفكرة لشدة الصعوبات في تنفيذها و لكثرة النفقات و خصوصا نفقات الترميم الدائمة التي تكون باهظة. و فوق هذا لا يكون الخط في مأمن من الأنواء الجوية فضلا عن أن بلدة بلغورلو ترتفع عن سطح البحر 1150 مترا و الوادي المذكور يرتفع 1450 مترا و تقوم مدينة أذنة على سفح الجبل من الجهة الثانية و لا ترتفع شيئا يذكر عن سطح البحر. فهذه التموجات بالارتفاعات تجعل الطريق المذكورة صعبة جدا و يتعذر مد الخطوط فيها. و لذلك عوّل الألمان على درس طريق ثانية. فبعد أن بحثوا في الجبال عن أقل الطرق كلفة و أسهلها عملا لم يروا سوى طريقة واحدة و هي عمل نفق حلزوني لا يقل طوله عن اثني عشر كيلو مترا، و إنشاء نفق كهذا هو أيضا من أصعب الأعمال حتى في ديار الغرب القريبة من معامل الحديد و مناجم الفحم و وجود أحدث الآلات فكيف إذا يمكن القيام به في هذه الأرض القاحلة المتأخرة في ميدان المدنية.

و بذلك تكون نفقات هذا القسم باهظة، و لا تكفي الضمانة الكيلو مترية المقررة له و هي 500، 15 فرنك عن كل كيلو متر لسد فوائد رأس المال، و مع كل ما ذكرناه من الصعوبات لم يضعف هذا من عزيمة الشركة فثابرت على عملها و افتتحت كثيرا من الأنفاق في جبال طوروس و جبال أمانوس و قد كلفها ذلك مبالغ عظيمة. و لما كان عمل الأنفاق أمرا شاقا يحتاج لزمن طويل، لم تر هذه الشركة بدا من أن تباشر بعملها أيضا من حلب و من نقاط أخرى. فكان الراكب الآتي من الاستانة مثلا مضطرا للنزول من القطار في محطة بوزنتي و الركوب على الدواب أو بالسيارات حتى بلدة إصلاحية و كانت اتصلت بمدينة حلب بخط بغداد الحديدي. و في سنة 1906 اشترت شركة بغداد خط مرسين- طرسوس- أذنه.

جاءت الحرب العامة فزادت الشركة همة و نشاطا في إتمام ما بقي من الخط بين بوزنتي و إصلاحية، و ذلك بضغط الحكومة على الشركة، لأنها كانت مضطرة لنقل جنودها و ذخائرها و عتادها في القطارات طلبا للسرعة و اتصال المواصلات. و قد سبب تأخير حفر الأنفاق تعذّر نقل الفحم إلى‏

196

الخطوط الشامية التي كانت تستعيض عن الفحم بحطب الأشجار المثمرة فنتج عن ذلك أضرار عظيمة للشام. و تمكنت الشركة بما أبدته من النشاط و الهمة في فتح الأنفاق من تسيير القطارات رأسا بين الاستانة و حلب و ذلك في سنة 917- 918. أما هذا الخط فهو من الخطوط العريضة و عرضه متر و 44 سانتيمترا، و نصف القطر الأصغر لمنعطفات الخط خمسمائة متر في حين لا يتجاوز هذا النصف القطر الثلاثمائة متر في بقية الخطوط العثمانية. و وزن القضب الحديدية أكثر من وزن قضب الخطوط الأخرى. لأن القصد من ذلك تزييد السرعة على هذا الخط و جعلها 75 كيلو مترا في الساعة. و تبين من الإحصاءات التي أجراها المسيو ري مدير خط سلانيك- الاستانة أن المعدل المتوسط لسعر الكيلو متر في الخطوط الحديدية العثمانية 110، 189 فرنكات يدخل في هذا المبلغ ثمن القاطرات و العجلات و الشاحنات و الإنشاء و نفقات التأسيس و فوائد رأس المال و كل ما يتعلق بالخطوط من النفقات.

و هذا قليل إذا قيس بخط بغداد لأن نفقاته كانت أكثر من غيره فيقتضي و الحالة هذه أن يقدر المعدل المتوسط لسعر الكيلو متر بمائتي ألف فرنك أي تسعة آلاف ليرة عثمانية ذهبا.

الخطوط الحديدية بين الشام و مصر:

كان وصل الديار الشامية بمصر موضوع اهتمام المفكرين في كل الأدوار، لما بين القطرين من العلاقات المادية و المعنوية. و قد فكر في هذه القضية وزير الأشغال العامة في الدولة العثمانية و أشار إليها في تقريره لسنة 1880 و إلى ضرورة تمديد خط حديدي من القدس إلى العريش طوله 150 كيلو مترا، و قدر نفقات هذا المشروع بعشرين مليون فرنك. و في سنة 1891 طلب انطون يوسف لطفي بك إلى الحكومة العثمانية منحه امتياز خط حديدي يبتدئ من العريش على حدود مصر و يمر بغزة- يافا- حيفا- عكا- صور- صيدا- بيروت، و ينتهي بطرابلس حيث يتصل بخطوط الشركة الفرنسية. و كان الإنكليز يحبذون هذا المشروع و يوافقون عليه. غير أنه لم يتم تنفيذه و لم تتصل بنا الأسباب التي حالت دون إخراجه إلى حيز العمل.

197

و في غضون الحرب العامة و بعدها، و عقب انسحاب الأتراك من الشام و احتلال السلطات الإنكليزية و الفرنسية لها، ظهرت فائدة هذا المشروع و بوشر بتنفيذه إذ ذاك حتى تم الاتصال بين حيفا و الديار المصرية كما أنه سيتم عما قريب تمديد هذا الخط حتى مدينة طرابلس فيتصل بالخطوط الفرنسية.

الكهرباء و خطوط الترام في دمشق:

تم الاتفاق في 19 جمادى الآخرة سنة 1307 (7 شباط سنة 1305 ش) بين وزير الأشغال العامة في الدولة العثمانية و بين يوسف أفندي مطران على إنشاء خطوط ترامواي في مدينة دمشق يتفرع من مركز المدينة و يتجه نحو باب مصر (بوابة اللّه) في منتهى محلة الميدان، و إلى جامع محيي الدين بن عربي في محلة الصالحية، و إلى الباب الشرقي و مسجد الأقصاب، و من الباب الشرقي إلى دومة و من باب مصر إلى المزيريب، على أن تكون الخطوط الخمسة الأولى تجر مركباتها بالخيل، و الخط الأخير أي خط المزيريب تجر مركباته بالبخار. و قد منح يوسف أفندي مطران بموجب هذا الاتفاق امتيازا مدته ستون سنة و تعهد بالمباشرة بالعمل خلال سنة اعتبارا من تصديق مقاولة امتيازه و أن يتم العمل خلال سنتين و نصف. و قد قبلت الحكومة بإعفاء جميع الآلات و الأدوات و الدواب و لوازم الإنشاء من رسوم الجمرك أثناء العمل. و أعفت الأرضين و الأعمال مدة الاستثمار من الضرائب. و قد أذن لصاحب الامتياز بتأسيس شركة مساهمة عثمانية خلال سنة اعتبارا من تاريخ صدور الأمر العالي على أن تبقى جميع الخطوط و المعامل و الأدوات الثابتة ملكا للدولة عند انقضاء مدة الامتياز. أما الآلات و الأدوات المتحركة كالعجلات و ما سواها فالحكومة تبتاعها بتخمين قيمها.

و قد اشترطت الحكومة على صاحب الامتياز تعمير الطرق التي تمر منها خطوط الترامواي بعرض تسعة أمتار، و كذلك أرصفتها و مجاري المياه فيها.

و حددت أجور الركوب بثلاثة أرباع القرش الفضي للدرجة الأولى و نصف القرش للثانية و على ما نعلم إن يوسف أفندي مطران لم يقم بتنفيذ مقاولته هذه مدة طويلة من الزمن.

198

و بعد ذلك تقدم الأمير محمد أرسلان إلى الحكومة العثمانية طالبا إعطاءه امتيازا بتوليد القوة الكهربائية و استثمارها و تم الاتفاق بينه و بين وزير الأشغال العامة بتاريخ 18 المحرم سنة 321 على تنوير مدينة دمشق و ضواحيها بالكهرباء أي مسافة عشرة كيلو مترات عن المدينة لمدة تسع و تسعين سنة، و تعهد صاحب الامتياز بتنظيم الخرائط للمشروع و تقديمها في ثمانية عشر شهرا اعتبارا من تاريخ صدور المنشور العالي، و بالمباشرة بالأعمال في ستة و ثلاثين شهرا بعد المصادقة على المقاولة، و بإنهاء الأعمال في أربع سنوات اعتبارا من تاريخ تصديق الخرائط، على أن تعفى مواد الإنشاء و اللوازم و الآلات و الأدوات من رسوم المكس إلى انتهاء أعمال الإنشاء و ابتداء الاستثمار، و أن تعفى أيضا جميع البنايات و الأدوات مدة الامتياز من الرسوم. و يتقاضى صاحب الامتياز أثمان التنوير بحسب التعرفة المقررة مدة الامتياز. و أما ما يتعلق بالتنوير العمومي للمدينة فيجب عليه أن يجري تنزيلا يتناقص كلما زادت كمية الكهرباء المصروفة، و يحسم أيضا عشرة بالمائة لتنوير دوائر الحكومة و الجوامع و الكنائس و الثكنات العسكرية و المستشفيات، و يسمح لصاحب الامتياز بتأسيس شركة عثمانية خلال سنتين اعتبارا من تصديق المقاولة، و ذلك للقيام بتعهداته و تحتفظ الحكومة بحق شراء الامتياز في كل حين بعد انقضاء ثلاثين سنة، و تقوم بتخمين قيمة جميع الآلات و الأدوات و الأبنية و الأرضين و المؤسسات التي دخلت في ملك صاحب الامتياز و تشتريها منه. و عند انقضاء مدة الامتياز يجب على صاحبه تسليم عامة البنايات و المؤسسات و الآلات و الأدوات بلا عوض إلى الحكومة، و إذا لم يباشر أعمال الإنشاء خلال المدة المعينة بدون أن تكون هناك أسباب قاهرة تمنعه عن مباشرة العمل، أو إذا لم ينجز العمل بتمامه أو يعطل أعمال التنوير، أو لم يقم بتعهداته في المقاولة يسقط حقه من الامتياز، و تضع الدولة يدها، و تقوم بما يلزم من التدابير الموقتة لتأمين الاستثمار. و كذلك تعين البلدية بالاتفاق مع صاحب الامتياز عدد المصابيح و مواقعها، و ينحصر بيع التنوير و بيع القوة الكهربائية بصاحب الامتياز مدة امتيازه، سواء كان ذلك للأفراد أو لوسائط النقل العامة، و يكون حق الترجيح لصاحب الامتياز بتأسيس التلفون إذا قبل بالشروط التي يقدمها طالبو

199

هذا المشروع، و تحدد التعرفة العظمى بثمانية قروش عن كل (كيلواتور) أي ما يعادل بارة واحدة عن كل شمعة بالساعة، و لا يمكن زيادة التعرفة المقررة بدون موافقة الحكومة.

و بعد ذلك توفق الأمير محمد أرسلان بأخذ امتياز آخر يقضي عليه بتقديم القوة الكهربائية اللازمة لتسيير حوافل (الترام) على الخطوط الممنوح امتيازها قديما إلى يوسف أفندي مطران، و على الخطوط التي يمكن الدولة أن تمنح امتيازها لشخص آخر و ذلك داخل منطقة تبعد حدودها عشرين كيلو مترا في كل جهة من وسط مدينة دمشق. و يقضي أيضا من جهة ثانية على صاحب امتياز الترامواي الخيلي، و على جميع الشركات التي تؤسس لتسيير الحوافل الكهربائية داخل المنطقة المبينة آنفا، بمراجعة الأمير محمد أرسلان لاستحصال القوة الكهربائية اللازمة لهم، إذا أرادوا تسيير حوافلهم بالقوة الكهربائية.

و قد حددت مدة هذا الاتفاق بتسع و تسعين سنة، تبتدئ من تاريخ صدور المنشور العالي، و أعطيت مدة سنتين لصاحب الامتياز لتأسيس شركة مساهمة عثمانية تقوم بتنفيذ الشروط. كما احتفظت الحكومة لنفسها بحق شراء الامتياز في كل آن، و ذلك بعد مضي ثلاثين سنة من مدته. و قضوا أنه إذا وقع اختلاف بين الحكومة و صاحب الامتياز يفصل فيه مجلس شورى الدولة.

و قد صدر المنشور العالي بهذا الامتياز في 25 المحرم سنة 1321 و على ذلك فقد تأسست بتاريخ 23 شوال سنة 1322 و في 17 كانون الأول سنة 1320 (ش) و 5 كانون الأول سنة 1904 شركة بلجيكية مساهمة باسم الشركة العثمانية السلطانية للتنوير و الجر الكهربائي بدمشق، و حصلت على جميع الامتيازات المتعلقة بهذا الشأن. و من الشروط التي تعهدت بها هذه الشركة إنشاء خطوط إجبارية من دار الحكومة إلى باب مصر (بوابة اللّه) بمنتهى محلة الميدان و من دار الحكومة إلى جامع محيي الدين بن عربي في محلة الصالحية، و تنوير المدينة وفقا لشروط المقاولات المنعقدة و المصدقة في المناشير العالية بتاريخ 10 رجب سنة 1307 و 27 المحرم سنة 1321، و كان رأس مال هذه الشركة ستة ملايين فرنك قسمت على اثني عشر ألف سهم و جعلت قيمة كل سهم 500 فرنك. و كانت تدير أعمال الشركة لجنة منتخبة من الهيأة

200

العامة. و من جملة أعضاء اللجنة في السنوات الأولى عزت باشا العابد.

و باشرت الشركة العمل بإقامة الأبنية و المعامل و مد خطوط الترام و أسلاك الكهرباء خلال سنة 1904. و الخطوط التي مدتها الشركة ثلاثة يبتدئ الأول من ساحة الشهداء و ينتهي في باب مصر في منتهى محلة الميدان و طوله ثلاثة كيلو مترات و نصف كيلو متر و هو خط مزدوج. أما الخط الثاني فيبتدئ أيضا من ساحة الشهداء و ينتهي في حي المهاجرين بالصالحية و طوله ثلاثة كيلو مترات و مائتا متر و هو مزدوج حتى الجسر الأبيض و الباقي منه حتى المهاجرين خط منفرد. و أما الثالث فيبتدئ من الجسر الأبيض فالصالحية و ينتهي عند جامع محيي الدين بن عربي و طوله كيلو متر واحد و هو مزدوج. و عرض هذه الخطوط متر واحد و خمسة سانتيمترات، كعرض الخطوط الحديدية الفرنسية الضيقة و الخط الحجازي. و قد انتهت الشركة من مد الخطوط في 12 شباط سنة 1907 و بدأت تسير حوافل الترام على الخطوط الممدودة و بدئ أيضا بتنوير المدينة منذ شهر نيسان سنة 1907.

جاءت الحرب العامة و قطعت المواصلات بين الغرب و الشرق، و بقيت الشركة تحت سلطة الحكومة العثمانية، فانقطع ورود البترول من الخارج، و أصبح أكثر المدن في الدولة العثمانية مظلما إلا مدينة دمشق فقد ظلت تنار بمصابيح الكهرباء، و ذلك بفضل نهر بردى الذي لا يزال يفيض الخيرات على دمشق. و من هذا تظهر فائدة استعمال القوى الطبيعية. و قد كانت السلطة العسكرية تستفيد من الكهرباء في محطة اللاسلكي و في كثير من معاملها التي كانت تشتغل في إحضار العتاد و الذخائر الحربية.

و في 29 أيار سنة 1923 عقد اتفاق بين الشركة و المفوضية العليا حددت فيه أثمان القوة الكهربائية و أجور الركوب في حافلات الترام و أدخلت شروط جديدة لإصلاح الأسلاك الكهربائية و لتمديد خطوط جديدة، و استمر العمل بهذا الاتفاق مدة سنتين. و في 13 آب سنة 1925 جرى تعديل مقاولة الامتياز القديمة تعديلا مهما و ذلك بموجب البروتوكول الثاني عشر الملحق بمعاهدة لوزان و إليك خلاصة ما جاء في هذه المقاولة الجديدة.

يحق للبلدية أن تطلب من الشركة إنشاء خطوط جديدة و إذا لم يتم الاتفاق‏

201

بينهما خلال سنة يحق للأولى أن تمنح الخط الجديد لشخص آخر على أن تبقى الأرجحية للشركة إذا تساوت الشروط و قد حددت الأجور العظمى بموجب هذا التعديل على الوجه الآتي:

«الدرجة الأولى» «الدرجة الثانية» الكيلو متر الأول 20، 3 قرش سوري ذهب الكيلو متر الأول 13، 2 قرش سوري ذهب الكيلو متر الثاني 97، 2 قرش سوري ذهب الكيلو متر الثاني 92، 1 قرش سوري ذهب الكيلو متر الثالث 74، 2 قرش سوري ذهب الكيلو متر الثالث 71، 1 قرش سوري ذهب الكيلو متر الرابع فما فوق 50، 2 قرش سوري ذهب الكيلو متر الرابع 50، 1 قرش سوري ذهب على أن تضاعف أجور الحافلات التي تسير ليلا. و تعفى الأرضون و الأبنية و المصانع و الآلات و الأدوات الثابتة و المتحركة مدة الامتياز من الضرائب و الرسوم. و تعفى أيضا من الرسوم الجمركية و الدخولية جميع المواد اللازمة للمعامل و المصانع، و ترفع الاختلافات التي تحدث بين صاحب الامتياز و الحكومة على تفسير مواد المقاولة و إنفاذها إلى مجلس الشورى السوري.

و تنتهي مدة هذا الامتياز بتاريخ 31 كانون الأول سنة 1960.

فللشركة الحق بإنشاء المعامل المولدة للقوة الكهربائية و استثمار ما أنشئ منها و ما سينشأ على نهر بردى بين التكية و عين الفيجة و بتوزيع القوة المستحصلة توزيعا عاما على مسافة خمسة عشر كيلو مترا لكل جهة من قلب مدينة دمشق (ساحة الشهداء) و بتقديم القوة الكهربائية قوة محركة لوسائط النقل العامة على مسافة عشرين كيلو مترا في كل وجه من وسط مدينة دمشق، كما لها الحق أيضا باستعمال الطرق العامة من ملك الدولة أو البلديات لتتمكن من القيام بالتنوير الخاص، و بتقديم القوة الكهربائية لجميع الأعمال. و قد حددت الأجور العظمى:

البيع بالعداد للتنوير بسعر الكيلواتور 50، 4 قروش سوري ذهبية لباقي الاستعمالات بسعر الكيلواتور 3 قروش سوري ذهبية

البيع المقطوع 15 سانتيما من القرش السوري الذهبي عن كل شمعة في الساعة للنقليات العامة سعر الكيلواتور 3 قروش سورية ذهبية

و تقرر أن يحسب التنوير العام بالعداد مع تخفيض 25 بالمئة و أن يحسب‏

202

كذلك تنوير الدوائر العامة و البلدية و المعابد و المستشفيات مع تخفيض عشرة بالمئة من التعرفة، و كذلك قبلت الشركة بأن تنير قصر الحكومة مع دائرة البلدية مجانا أربع مرات في السنة في أيام الأعياد التي تعينها الحكومة. و أن تنير الجامع الأموي و بعض الجوامع الأخرى مجانا أيضا. و تنتهي مدة الامتياز بتاريخ 31 كانون الأول سنة 2002 و عند انتهاء مدته تستلم الحكومة جميع ما أنشأته الشركة بدون بدل، و يحق للدولة في كل حين شراء الامتياز و ذلك اعتبارا من تاريخ 31 كانون الأول سنة 1965.

و بعد المصادقة على هذا الاتفاق قامت الشركة بتحسين النور فبدلت المجرى الكهربائي بمجرى دائم إلى مجرى متناوب و غيرت درجة التوتر في بعض الأحياء فجعلتها 110 بعد أن كانت 220 و أسست مراكز لتحويل درجة التوتر في كثير من الأحياء لتوزع منها النور على المشتركين بصورة منظمة بعد أن يكون وصل الكهرباء إلى هذه المراكز بخطوط ذات توتر عال تمدد تحت الأرض و هي لا تزال تعمل بهذه الإصلاحات بجد و نشاط.

ترامواي حلب الكهربائي:

منحت الحكومة العثمانية امتيازا قبل الحرب العامة لرجل يدعى عثمان بك من أتراك الاستانة لتنوير مدينة حلب بالكهرباء مع إنشاء خطوط ترامواي فيها. و كانت مدة هذا الامتياز أربعين سنة. و لم يتمكن عثمان بك من القيام بتنفيذ امتيازه بسبب الحرب. و بعد الهدنة طرحت الحكومة العربية هذا المشروع في المناقصة فتقدمت في سنة 1919 شركة بلجيكية و أرسلت مندوبها إلى حلب مع تقديم شروطها. فجاء هذا المندوب و فاوض مجلس بلدية حلب، و نظم مشروع مقاولة و شروط امتياز على أساس الشروط و المقاولة التي منحتها الحكومة العثمانية عثمان بك، و لم يبق لتحقيق المشروع إلا تصديق هيئة إدارة الشركة عليه في بلجيكا. فرأت هذه الهيئة أن الشروط التي نظمت بمدينة حلب مجحفة بحقوقها، فأرسلت تعلم بلدية حلب بعدم قبولها إلا إذا زيدت التعرفة المحددة في المشروع مع زيادة مدة الامتياز. فحبط هذا المشروع و لم يتحقق. و في سنتي 1922 و 1923 أي بعد دخول فرنسا الشام تقدمت لطلب‏