خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
203

هذا الامتياز ثلاث شركات الأولى شركة وطنية و على رأسها كريم أفندي بالي و الثانية شركة بلجيكية و الثالثة شركة المشاريع الفرنسية. و قدمت كل من هذه الشركات شروطا تختلف عن الأخرى. و بما أن شركة كريم أفندي بالي الوطنية لم تقدم الضمان اللازم لم تنجح بطلبها. و بعد ذلك تألفت لجنة لدرس الشروط المقدمة و وضع تقرير فيها. و عقبى مذاكرة طويلة رأت هذه اللجنة أن الشروط المقدمة من الشركتين المذكورتين لا توافق مصلحة البلدية، و على ذلك نظمت شروطا خاصة مقتبسة من شروط الامتيازات القديمة الممنوحة من الدولة العثمانية لشركات كهربائية أخرى، و من الشروط التي قدمتها الشركتان المار ذكرهما، و قد طلبت اللجنة في تقريرها إعلان ذلك و دعوة الشركات للمناقصة فلم يتقدم أحد.

و في سنة 1924 عرض على بلدية حلب مشروع امتياز جديد من شركة المشاريع الفرنسية لا يختلف كثيرا عن مشروعها الذي قدمته للمرة الأولى و طلبت المصادقة عليه و أخيرا تمكنت البلدية من تحديد الضمانة غير المحدودة و المطلوبة من الشركة عن الخسارة مسانهة بمبلغ 20 ألف ليرة سورية ورقا.

أي تكون الخسارة التي تقع بأكثر من هذا المبلغ المحدد على الشركة. و أهم الشروط في هذا الامتياز أن مدته سبعون سنة. و أن التعرفة تعين سنويا بعد إجراء حساب الدخل و الخرج و الفائدة و الاستهلاك. و أن جميع الأرض و المقالع اللازمة للإنشاء و التأسيس تشتريها البلدية على حسابها الخاص و تسلمها للشركة، و أن الخسارة إذا تجاوزت العشرين ألف ليرة سورية ورقا تكون على البلدية. و كذلك تقسم الأرباح 35 في المئة للبلدية و ما بقي للشركة.

و للمفوضية العليا حق التفتيش و الفسخ، و يكون جميع مأموري الشركة من السوريين ما عدا الإخصائيين الفنيين. و تحل الاختلافات التي تحدث بواسطة التحكيم. كما أن الشركة مضطرة أن تدرس على حساب البلدية مشروع جلب الماء إلى حلب خلال خمس سنين على الأكثر ثم تقدمه للبلدية، حتى إذا وافقها تمنح الشركة المذكورة امتيازه و تكره الشركة على أخذ هذا الامتياز.

و قد بدأت الشركة بالعمل أوائل سنة 1926 و أنجزت حتى الآن من الأشغال بناء الإدارة و المستودع و تركيب الآلات. و قد قلعت بلاط الطريق القديم‏

204

و بدأت تمد القضب الحديدية و تفرش الزفت و بدلت البلدية البلاط الأسود به.

و مدت الشركة خطين للترام، الأول يقطع مدينة حلب من الغرب إلى الشرق و يبتدئ من محطة دمشق و ينتهي بمحلة القصيلة و طوله خمسة كيلو مترات تقريبا. و أما الخط الثاني فيقطع المدينة من الشمال إلى الجنوب و يبتدي‏ء من محلة الحميدية و ينتهي عند شارع خان الحرير و طوله ثلاثة كيلو مترات و نصف تقريبا و عرض هذين الخطين متر واحد و خمسة سانتيمترات كعرض خطوط ترام دمشق.

خط الترام في طرابلس:

تجر بالخيل حافلات خط الترام الممتد بين مدينة طرابلس و مينائها. و الميناء هي مرفأ المدينة تبعد عنها ثلاثة كيلو مترات. و قد منح امتياز هذا الخط في سنة 1878 لشركة وطنية برأس مال قدره مائتا ألف فرنك أي تسعة آلاف ليرة عثمانية و هو ينقسم إلى ألفي سهم بقيمة مائة فرنك لكل سهم منها، و قد أحسنت هذه الشركة إدارته و استثماره مما جعل الربح يختلف بين الأربعة عشر و الستة عشر فرنكا لكل سهم.

أما ما يتعلق بخطوط الترام في سائر المدن الأخرى فمن دواعي الأسف أننا لم نقف على الوثائق المتعلقة بها و لذا لم نتمكن من ذكر شي‏ء عنها.

الطرق العامة في الشام:

تتألف الشام من ثلاثة دروب موازية لساحل البحر تفصل بعضها عن بعض سلسلتان من الجبال الشاهقة تمتد الواحدة منها من صور إلى الإسكندرونة بلا انقطاع فيها إلا في نقطتين. و الثانية تبتدئ من الجنوب و تنتهي بالقرب من حمص فيتلاقى الدربان درب البقاع مع درب دمشق و تحصل منهما سهول حماة و حلب العظيمة الممتدة حتى الفرات. فالسلسلة الأولى تتألف من جبل لبنان و تلعاته العديدة الشاهقة المرتفعة عن سطح البحر ما ينيف على الألفي متر و الحد الأعظم 3063. و يمتد هذا الجبل ثلاثين كيلو مترا في الشمال الغربي إلى طرابلس. و هناك ينخفض عند فوهة حمص ثم يرتفع باسم جبل‏

205

النصيرية الذي يعلو 1500 متر عن سطح البحر و جبل الأقرع و جبل كاسيوس المرتفع 1800 متر عن سطح البحر. و بعد ذلك تمتد السلسلة حتى نهر العاصي الذي يقطعها بانخفاض عظيم و بعرض قليل. ثم تمتد هذه السلسلة حتى جبل اللكام و تدخل في أرض الترك حتى ترتبط بجبال طوروس. فهذه السلسلة تحد غربا الدرب الأول الذي هو عبارة عن الساحل. و كثيرا ما يقرب الجبل من البحر و يسقط فيه كما هو الحال بين صور و حيفا. و لا يوجد في هذا الدرب أرضون سهلية إلا بالقرب من حيفا و بيروت و طرابلس و اللاذقية و لكنها قليلة المساحة. و قد أنشئت المدن المذكورة في هذه السهول. أما السلسلة الثانية الموازية للأولى فتبتدئ بجبل الشيخ (حرمون) بارتفاع 2807 أمتار و تتصل بالجبل الشرقي بارتفاع 2000 متر. و بين هاتين السلسلتين سهل البقاع الذي يبلغ عرضه 15 كيلو مترا و يمتد طوله بين الجبلين على مسافة عظيمة. و ينحدر هذا السهل على طرفيه من نقطته العليا بالقرب من شمال بعلبك و يقطع هذا السهل النهران العظيمان نهر الليطاني الذي ينبجس من بعلبك فينحدر جنوبا ثم غربا حتى البحر. و نهر العاصي القريب من نهر الليطاني ينساب شمالا مارا بحمص و حماة و أنطاكية بين جبلي امانوس و الأقرع ثم يصب في البحر المتوسط في السويدية، و بشرق السلسلة الثانية يقع الدرب الثالث و هو سهل دمشق الذي تجري إليه مياه الجبل الشرقي التي تروي الصحراء.

و هناك جبل حوران (جبل الدروز) الممتد شرقا إلى الصحراء و كأنه بتخطيطه جزيرة منفصلة عن بقية الأرجاء. فهذه الدروب هي التي تقع فيها جميع البلدان الشامية و ليس لهذا الجبل ارتباط بالسلسلتين المذكورتين و لذلك فمسألة الطرق تنحصر في ثلاث نقاط:

(أولا) طرق الاتصال بين المدن الواقعة في درب واحد. (ثانيا) الطرق الواصلة بين المدن الواقعة بين دربين متوازيين بواسطة طرق عرضية أي (شرقية- غربية). (ثالثا) الطرق المتشعبة كالشرايين في سهول دمشق و حلب. هذا هو الوضع الجغرافي للشام ذكرناه توطئة للبحث و منها يتمكن القارئ من معرفة أكثر الطرق.

206

طرق الشام:

كانت الطرق و وسائط النقل و المواصلات مفقودة في الزمن الغابر حتى القرون الأخيرة في جميع أرض الترك عامة و في الشام خاصة، مما دعا إلى تأخر دخول المدنية الغربية إلى هذه الديار مدة طويلة من الزمن. و كانت الدولة العثمانية في أخريات أيام حكمها الشام أي في سنة 1862 أقرت برنامجا للطرق، و وضعت قانونا لإنشائها و إعمارها و حفظها، فأخذت الأحوال تتبدل، و بدأت المشاريع تظهر في الشام بصورة حسنة. و كان القانون العثماني يقضي على كل شخص أن يقوم أربعة أيام في السنة بعمارة الطرق خلال عشرين سنة من حياته أو أن يقدم ضريبة قدرها ريال مجيدي واحد. و كانت هذه الضريبة تجبى بمعرفة لجنة قوامها بعض الموظفين الإداريين و موظفي المصارف الزراعية. و لم يراع هذا القانون في كثير من الأحوال، و كانت الأموال التي خصصت لعمل الطرق تصرف في نفقات الدولة العامة. و قد وقف العمل بهذا القانون مدة قليلة لأن الأحوال السياسية حالت دون إتمام البرنامج المذكور، فحرمت سورية الطرق. و كثيرا ما كان يرجح المار على الطريق أن يتبع الأرض المجاورة له لصعوبة السير عليه.

أما الحالة في لبنان فقد كانت على غير ذلك. فإنه منذ نال استقلاله الإداري سنة 1860 ازدادت نفوسه و نتج عن ذلك أن ظهرت حركة المهاجرة التي ما فتئت تزداد من ذلك الحين. فاللبنانيون المهاجرون كانوا لا ينسون الذين تركوهم في الوطن، بل كانوا يرسلون لهم الأموال من مهجرهم أميركا.

كما أن الكثير من هؤلاء كان يرجع إلى موطنه بعد حصوله على ثروة لإتمام بقية حياته فيه. و إن قسما عظيما من هذه الثروة التي كان يجمعها اللبناني المهاجر كان ينفقه بإعمار بيوته، أو بإنشاء بيوت جديدة على الطراز الحديث.

و بهذه الصورة تمكن الجبل في مدة قليلة أن يعمر بقيام قرى جميلة وافرة السكان تحتاج للاتصال بالسواحل، و لا سيما بيروت و طرابلس و صيدا. و قد اتفق الأهلون أن ينشئوا كثيرا من الطرق بأموالهم الخاصة، فكان عدد الطرق لا يتناسب مع الفائدة المطلوبة منها بل و لا مع ثروة القرية التي تنتهي فيها

207

هذه الطرق. فكثيرا ما نرى طريقين أو أكثر تمتدان إلى قرى قريبة بعضها من بعض على هضبة واحدة صرف سكانهما الأغنياء على إنشائهما المبالغ اللازمة. و من جهة أخرى نرى بعض القرى الفقيرة محرومة لا يصل إليها طريق.

الطرق العامة:

أولا: الطرق الطولية- من الجنوب إلى الشمال.

(1) طريق الساحل- يبدأ من بئر السبع جنوبا و ينتهي بالإسكندرونة شمالا و يمر من بئر السبع- غزّة- يبنى- يافا- طور كرم- حيفا- عكا- صور- صيدا- بيروت- طرابلس- طرطوس- اللاذقية- جسر الشغور- جسر الحديد- ينى شهر- ينى كوي- الإسكندرونة.

(2) الطريق الثاني- يبدأ من بئر السبع جنوبا و ينتهي في كليس شمالا و يمر من بئر السبع- الخليل- القدس- البيرة- رام اللّه- نابلس- جينين- الناصرة- طبرية- الجاعونة- مرجعيون- قرعون- سغبين- عمّيق- قب الياس- شتورة- المعلقة- بعلبك- القصير- حمص- الرستن- حماة- معرة النعمان- سراقب- تفتناز- اوروم الصغرى- حلب- كليس ..

(3) الطريق الثالث- يبدأ من بئر السبع جنوبا و ينتهي بحمص شمالا فيلتقي بطريق حماة و حلب. و يمر من المدن المذكورة أعلاه في الطريق الثاني حتى الجاعونة حيث يفصل منها فيمر من جسر بنات يعقوب- القنيطرة- وادي العجم- دمشق- دوما- القطيفة- النبك- قارة- حسية- حمص.

و يمتد بعد ذلك إلى حلب كما هو مذكور في الطريق الثاني.

(4) الطريق الرابع- يبدأ من القدس جنوبا و ينتهي في دمشق شمالا فيمر في القدس- أريحا- الصلت- عمان- الرمتا- درعا- شيخ مسكين- غباغب- خان دنون- الكسوة- دمشق.

(5) الطريق الخامس طريق البادية- يبتدئ من دمشق جنوبا و ينتهي بدير الزور بعد أن يتصل بطريق الموصل شمالا و يمر في دمشق- القطيفة- جيرود- القريتين- تدمر- السخنة- دير الزور- الصوار- البيضاء

208

على الحدود التركية. و فرع يبدأ من دير الزور أيضا إلى الصوار و منها إلى نصيبين حيث الأراضي الداخلة في حدود تركيا.

ثانيا: الطرق العرضية من الغرب إلى الشرق.

(1) غزّة- بئر السبع.

(2) يافا- الرملة- القدس- عمان.

(3) يافا- قلقيلية- نابلس- الناصرة- طبرية- سمخ.

(4) حيفا- الناصرة- طبرية- الجاعونة- جسر بنات يعقوب.

(5) حيفا- الناصرة- جينين- نابلس- أريحا.

(6) صيدا- مرجعيون- بانياس- القنيطرة- ازرع- السويداء- صرخد.

(7) درعا- بصرى- صرخد.

(8) بيروت- دمشق- بغداد.

(9) طرابلس- حمص- تدمر- بغداد.

(10) اللاذقية- جسر الشغور- إدلب- حلب- دير الزور.

(11) السويدية- أنطاكية- جسر الحديد- حارم- حلب.

(12) الإسكندرونة- قرق خان- يني شهر- اوروم الصغرى- حلب.

وصف الطرق:

أولا- طريق الساحل: يبلغ طول هذا الطريق 270 كيلو مترا اعتبارا من بئر السبع إلى عكا و رأس الناقورة. و من رأس الناقورة حتى اللاذقية 400 كيلو متر و هو طريق معبّد من أحسن الطرق الشامية. و طريق اللاذقية حتى ينى كوي و طوله 170 كيلو مترا قيد الإنشاء و لا يزال في حالة تمهيدية.

و من ينى كوي إلى الإسكندرونة طريق معبد و طوله 50 كيلو مترا و يبلغ مجموع طول هذا الطريق 890 كيلو مترا و إن المبالغ المنفقة عليه من عام 1920 إلى عام 1927 لا تقل عن ثلاثمائة ألف ليرة ذهبية تقريبا.

ثانيا- الطريق الطولي الثانية: إن هذا الطريق يبدأ من بئر السبع حتى طبرية و الجاعونة و طوله 290 كيلو مترا و هو معبد. و من الجاعونة إلى سغبين و طوله 80 كيلو مترا كان بوشر به في زمن الحرب و لما يتم تعبيده. و من‏

209

سغبين إلى شتورة و المعلقة و بعلبك و طوله 60 كيلو مترا و هو معبّد. و من بعلبك إلى حمص فإن الطريق لم يجر إنشاؤه حتى الآن. و قد كانت الحكومة العثمانية شرعت بانشاء بعض الجسور فيه و لم يتم.

أما القسم الواقع بين حمص و حماة و طوله 47 كيلو مترا فإنه كان معبّدا و كانت شركة الحافلات (الدلليجانس) الوطنية قد أنشأته و بعد إنشاء الخطوط الحديدية أهملته الحكومة فتخرب خلال الحرب العامة بسبب النقليات العسكرية بالسيارات الضخمة و حتى الآن لم يجر تعبيده. و لم يكن طريق حماة- حلب و طوله 150 كيلو مترا معبدا من قبل و ليس ثمة سوى طريق القوافل القديمة، على أن إدارة النافعة في حلب باشرت بإنشائه و اتخذت طريقا جديدا يبدأ من حلب إلى تفتناز باستقامة طريق إدلب- جسر الشغور- اللاذقية و من تفتناز يتجه نحو بلدة خان شيخون الواقعة على حدود أراضي حلب و دمشق مارّا بسراقب و معرة النعمان. و قد تمت تسوية الطريق الداخل في منطقة حلب و بوشر بتعبيده و سينتهي في عام 1928 و كذلك باشرت إدارة النافعة بدمشق بتسوية القسم الداخل في منطقتها و ستنتهي تسويته في أوائل عام 1928. و قد بلغ ما صرف على هذا القسم من سنة 1925 حتى سنة 1927 ما يربو على أربعين ألف ليرة ذهببية. و الطريق من حلب إلى تفتناز على طول خمسين كيلو مترا معبدة. و جرت تسوية الطريق من تفتناز إلى خان شيخون على طول سبعين كيلو مترا. و تم بناء الأعمال الصناعية من جسور و قناطر و هو يجري تعبيده الآن. و بوشر بتسوية طريق خان شيخون حماة على طول ثلاثين كيلو مترا و الطريق معبد منذ القديم من حلب حتى كليس و طوله ستون كيلو مترا و قد جرى إصلاحه مجددا.

ثالثا- الطريق الطولي الثالث: يبتدئ هذا الطريق من بئر السبع إلى الجاعونة و جسر بنات يعقوب و طوله 300 كيلو متر و هو معبد. و الطريق معبد من جسر بنات يعقوب فالقنيطرة فوادي العجم فدمشق و طوله تسعون كيلو مترا. و كانت الحكومة العثمانية باشرت بإنشائه منذ عشرين سنة و لما (5- 14)

210

يتم. قد أنفق على إنشائه من سنة 1920 إلى 1927 ما يربي على ثلاثين ألف ليرة ذهبية.

أما طريق دمشق- النبك- حمص و طوله 160 كيلو مترا فقد كانت الحكومة العثمانية باشرت بإنشائه قبل ثلاثين سنة و تم قسم كبير من تسويته و لم يتم. و هناك قسم منه و طوله ثلاثون كيلو مترا يقع بين النبك و قارة و البريج لم ينشأ فيه شي‏ء أيضا و لا يزال بحالته الطبيعية و تعمل حكومة قضاء النبك على إصلاحه أحيانا و تزيل الحجارة منه و تردم الحفر التي تنشأ بمرور العجلات و السيارات. و تفكر الحكومة الآن بتحويل هذا الطريق إلى قرية دير عطية بدلا من قرية قارة التي كانت دائما المركز الطبيعي للمواصلات بين دمشق و حمص. و لقد هجرت الحكومة العثمانية هذا الطريق أثناء الحرب العامة لفقد الأمن فيه و كثرة اعتداءات العشائر و الجنود الفارين من الزحف و كانوا يلجأون إلى هذه المنطقة ليعتاشوا. و صرفت حكومة دمشق مبالغ كبيرة لإنشاء هذا الطريق و لم ينته إلى الآن. و قد بلغ ما أنفق عليه من عام 1920 إلى 1927 ما يربو على الخمسين ألف ليرة ذهبية.

رابعا- الطريق الطولي الرابع: تبدأ هذه الطريق من القدس و تتجه صوب أريحا و الصلت و عمان و الرمتا و إربد و درعا. و كان شرع بتعبيدها منذ ثلاثين سنة و لم تزل على ما كانت عليه. و جرت فيها بعض الإصلاحات في جهة القدس و الصلت و عمان. و ما برح من درعا حتى دمشق على حالته القديمة و لم يدخل عليه سوى بعض الإصلاحات بين دمشق و خان دنون و تعمل حكومة سورية على إصلاحه و قد حال فقدان المال دون إنجازه.

خامسا- الطريق الطولي الخامس: تبدأ هذه الطريق التي تجتاز البادية من دمشق إلى القطيفة و هي معبدة و طولها 40 كيلو مترا. و من القطيفة إلى جيرود افتتح طريق جديد و جرت تسويته بتسخير الأهالي بالعمل فيه. و لم يجر شي‏ء من الإصلاحات من جيرود إلى القريتين و تدمر و دير الزور حتى البيضاء. و يبلغ طول هذه الطريق من دمشق إلى تدمر 250 كيلو مترا، و من تدمر إلى دير الزور 220 كيلو مترا، و من دير الزور إلى البيضاء في حدود الموصل 150 كيلو مترا، فيكون مجموع طول هذه الطريق 620 كيلو مترا

211

و لم يعمل فيها سوى جسر الصوار المعلق و فوهته خمسون مترا. و قد بنت نافعة حلب هذا الجسر مؤخرا و أنفق عليه 15 ألف ليرة ذهبية. و يبنى الآن في دير الزور جسر كبير معلق يبلغ طوله 250 مترا و سيتم بناؤه قريبا و تقدر نفقاته بستين ألف ليرة ذهبية.

و أما الفرع الثاني الذي ينفصل من الصوار إلى الحسجة و نصيبين و طوله 190 كيلو مترا فإنه طريق طبيعي لم يعمل فيه شي‏ء من القديم. و يبدأ طريق بغداد من دير الزور مارا بالبصيرة و الميادين و البوكمال و يبلغ طوله حتى حدود العراق 140 كيلو مترا. و تفكر إدارة النافعة في حلب بإجراء بعض إصلاحات فيه و هي تقوم بإنشاء جسر على نهر الخابور في البصيرة. و كذلك تعمل على تعبيد القسم المار في أرض صخرية و طوله 15 كيلو مترا. و هذا القسم جزء من الطريق الذي يبدأ من حلب إلى دير الزور و ينتهي ببغداد.

ثانيا- الطرق العرضية من الغرب إلى الشرق:

(1) أنشئ طريق غزة- بئر السبع و طوله 42 كيلو مترا في زمن الحكومة العثمانية و هو معبد.

(2) أنجزت الحكومة العثمانية بعض أقسام طريق يافا- الرملة- القدس- الصلت- عمان و طوله 160 كيلو مترا و القسم الآخر منه لم يتم. و قسم يافا- القدس و طوله 60 كيلو مترا معبد و الباقي قيد الإنجاز.

(3) تم في العهد الأخير تعبيد طريق يافا- قلقيلية- نابلس- الناصرة- طبرية- سمخ و طوله 150 كيلو مترا.

(4) تم إنشاء طريق حيفا- الناصرة- طبرية- الجاعونة- جسر بنات يعقوب و طوله 110 كيلو مترات. و كانت الحكومة العثمانية أنشأت بعض أقسامه.

(5) و نصف طريق حيفا- الناصرة- جينين- نابلس- أريحا و طوله 150 كيلو مترا معبد و النصف الآخر لم يتم تعبيده.

(6) طريق صيدا- مرجعيون- بانياس- القنيطرة- الشيخ مسكين- إزرع- السويداء- صرخد و طوله 180 كيلو مترا. و كانت الحكومة العثمانية باشرت إنشاء قسم الشيخ مسكين إلى إزرع و السويداء حتى صرخد

212

و ذلك بعد حروب جبل الدروز لتموين الجيش و قد تم مؤخرا تعبيد القسم الواقع بين إزرع و السويداء و طوله 37 كيلو مترا. و باشرت حكومة لبنان تعبيد طريق صيدا- مرجعيون- بانياس و طوله 40 كيلو مترا و لم ينته حتى الآن. و تقوم إدارة النافعة بدمشق بتعبيد القسم الواقع بين بانياس و القنيطرة و يبلغ طوله 34 كيلو مترا. و سينتهي في أول صيف عام 1928. و تدرس هذه الإدارة أيضا مشروع إنشاء طريق من القنيطرة إلى الشيخ مسكين فإزرع و سينشأ هذا القسم خلال ثلاث سنوات. و تقدر نفقات إنشائه بنحو مائة ألف ليرة ذهبا.

(7) لم يتم تعبيد طريق درعا- بصرى- صرخد و طوله 60 كيلو مترا و كانت الحكومة العثمانية باشرت إنشاءه.

(8) طريق بيروت- دمشق- بغداد و طوله من بيروت إلى دمشق 112 كيلو مترا نالت امتيازه شركة إفرنسية في سنة (1857) و بدأت بإنشائه في سنة (1859) و قد ترأس أعماله الكونت دي توبري و كان رأس مال هذه الشركة إفرنسيا بحتا. و كان السير عليه صباحا و مساء من الجهتين على الحوافل (الدلليجانس) و تقطع هذه الحوافل المسافة بين بيروت و دمشق في ثلاث عشرة ساعة و وضعت الحكومة العثمانية إذا ذاك لهذه الشركة نظاما و أسعارا لنقل الركاب و البضائع و الحيوانات. و امتنع بعض الأهالي من السير عليه بسبب غلاء الأسعار فكانوا يسيرون بالقرب منه على طريقين متوازيين له. و قد كان هذا العمل من أربح الأعمال التي قامت برؤوس أموال إفرنسية و جرى الإجماع على أن هذا المشروع أفاد الأهالي و أصحاب الأسهم فائدة عظمى و قد ربحت الشركة أرباحا طائلة منه. إذ كان الربح الصافي سنويا يقدر بخمسمائة ألف فرنك.

و استمرت هذه الشركة على أعمالها مدة ثلاثين سنة حتى انحلت سنة 1892 أيام اشتركت مع شركة خط بيروت- دمشق- حوران الحديدي. و إذ ذاك استلمت الحكومة العثمانية الطريق و أهملت محافظته حتى قبل الحرب العامة، فأصبح السير عليه صعبا لعدم إصلاحه و تعميره، و اهتم الأتراك بإصلاحه في الحرب العامة. و بعد الحرب قامت الحكومات السورية و اللبنانية بإصلاحه فصلح للسير و تيسر أن تستعمل السرعة عليه بأجناس السيارات و الدراجات.

213

و بعد دمشق يتجه الطريق شمالا على طريق النبك و بعد عشرين كيلو مترا يتجه شرقا على طريق البادية مارا بجوار قريتي عذراء و ضمير إلى الرحيبة نقطة الحدود السورية العراقية. و طول الطريق من دمشق إلى بغداد 770 كيلو مترا منه عشرون كيلو مترا على طريق النبك يسير في طريق معبدة و الباقي 750 كيلو مترا طريق طبيعي مهدته السيارات في الصحراء. و لهذا الطريق مكانة كبرى في التجارة و السفر بين دمشق و العراق و فارس.

و من دمشق إلى بغداد طريق ثان و هو الطريق الذي يمر بالقطيفة و جيرود و القريتين و تدمر و طوله 850 كيلو مترا، فإنه يزيد طوله على الطريق الأول 80 كيلو مترا و يبلغ طوله من دمشق إلى القطيفة 40 كيلو مترا و هو جزء من طريق النبك المعبد و هو بحالة حسنة. و قد جرى فتح طريق القطيفة- جيرود مجددا على طول 15 كيلو مترا و لم يعبد بعد غير أنه سهل المرور.

و الطريق من جيرود حتى القريتين و تدمر و بغداد طبيعي لم تعمل يد الإنسان فيه شيئا. و يرجع شأن هذا الطريق لاجتيازه البلدان العامرة و القرى الآهلة على طول 250 كيلو مترا بين دمشق و جيرود و تدمر و على الاخص لمروره بمدينة تدمر التاريخية.

(9) طريق طرابلس- حمص- تدمر- بغداد. كانت تستثمر طريق طرابلس- حمص شركة وطنية كما كانت تستثمر طريق بيروت- دمشق شركة إفرنسية و كان ذلك قبل أن تؤسس شركة الخطوط الحديدية الفرنسية.

و المسافة بين طرابلس و حمص 94 كيلو مترا و بين حمص و حماة 47 كيلو مترا فيكون المجموع 141 كيلو مترا كانت كلها موضوعة تحت تصرف الشركة الوطنية المذكورة و رأس مالها 28 ألف ليرة عثمانية ذهبية. و يقسم رأس المال إلى سبعة آلاف سهم و قيمة كل سهم أربع ليرات عثمانية ذهبية.

و كان ربح كل سهم من هذه الأسهم ليرة واحدة في السنة. و مدة الامتياز خمسون سنة. و أجرة الراكب في الحوافل (الدلليجانس) نصف ليرة من طرابلس إلى حمص. و بعد انحلال هذه الشركة هجرت الحكومة العثمانية هذه الطريق حتى خربت و تداعت جميع جسورها أثناء الحرب العامة و زادت السيول في تخريبها حتى أصبحت في عام 1925 بحالة لم تبق معها صالحة

214

للسير. و قد بوشر بتعبيدها في آخر عام 1926 و انتهى في النصف الأول من عام 1927 و أما طريق حمص- حماة فلم يزل على ما هو عليه أيام الحرب العامة، و شرعت الحكومة السورية بإصلاح بعض الأقسام فيه و سيتم إنشاؤه في نهاية عام 1928. و يجتاز الطريق من حمص إلى تدمر فبغداد من الصحراء على طريق طبيعي مهدته السيارات و يبلغ طوله 750 كيلو مترا. و كانت السيارات تجتاز هذا الطريق أثناء انقطاع السبل بين بيروت و دمشق و بغداد.

(10) طريق اللاذقية- جسر الشغور- ادلب- حلب- دير الزور.

و قد افتتح القسم الواقع بين اللاذقية و حلب في آخر عام 1926 و لم يزل العمل فيه مستمرا و سينتهي تعبيده في عام 1928 و يبلغ طوله 190 كيلو مترا و طول المعبد منه الآن مائة كيلو متر. و في اللاذقية يتصل هذا الطريق بالطريق العام الواصل بين اللاذقية و طرابلس و بيروت و رأس الناقورة فيتمكن المسافر من حلب أن يقطع هذا الطريق على متن السيارة من حلب حتى اللاذقية و بيروت.

و أما من حلب إلى دير الزور فالطريق صعبة جدا و تقوم إدارة النافعة بحلب بإصلاح الأقسام الأكثر صعوبة منها و يبلغ طولها 320 كيلو مترا و هي مارة بجوار مسكنة و الرقة و تنتهي في بلدة دير الزور حيث يتفرع منها ثلاث طرق طريق الموصل و طريق بغداد و طريق تدمر- دمشق.

(11) طريق السويدية- أنطاكية- جسر الحديد- حارم- حلب.

افتتح هذا الطريق حديثا في آخر عام 1926 و لم يزل العمل فيه مستمرا.

و سيتم إنشاؤه في نهاية عام 1928 و يبلغ طوله 140 كيلو مترا. و افتتح القسم الواقع بين السويدية و أنطاكية في الجبال و الأودية و يبنى عليه عدة جسور ذات شأن عظيم و ستكلف نفقات باهظة و طول هذا القسم 35 كيلو مترا. و من أنطاكية إلى جسر الحديد حتى حارم يجتاز الطريق في أرض طينية لا يمكن المرور فيها في فصل الشتاء. و أما بين حارم و حلب فالطريق معبدة و طولها 70 كيلو مترا و تسير عليها السيارات بسرعة.

(12) طريق الإسكندرونة- قرق خان- يني شهر- أوروم الصغرى- حلب. تقضي كثرة المعاملات بين حلب و الإسكندرونة بأن تكون المواصلات بين هذين البلدين سهلة و لكن لم يعمل في زمن الحكومة العثمانية ما يضمن‏

215

النجاح في هذا الشأن، و كان التجار الإنكليز في القرن السابع عشر يشكون من الصعوبات الجمة التي كانوا يلاقونها حين ذهابهم من حلب إلى الإسكندرونة أنشأت الحكومة العثمانية طريقا في سنة 1870 في الحدود الشمالية من ولاية حلب تضمن به المراصلات في البحر إلى أنحاء كليس و عينتاب و البيرة و الأرض التركية الأخرى. و كان القصد من إنشائه وصل الإسكندرونة بالولايات التركية و قد وصلت الحكومة العثمانية هذه الطريق بفرع بين قطمة و حلب تفاديا من إنشاء طريق ثان خاص بحلب فأصبح هذا الطريق يعد طريقا لها.

ثم تخرب في سنة 1880 و كان كلف الحكومة مبلغا لو أنفق على إنشاء خط ترامواي لما كلف أكثر من ذلك. و كانت القوافل تتبع طريقا أقصر طولا منه بأربعين كيلو مترا و هو الطريق الذي أنشأته الحكومة السورية حديثا.

و تتجنب القوافل المرور في مستنقعات نهر عفرين التي يمر منها الطريق القديم.

و على هذا فقد بقي هذا الطريق مخربا إلى سنة 1890 حتى اتفق أن اجتازه أحد الولاة في حلب فتحطمت عجلته و على أثر ذلك قررت الحكومة تعميره و خصصت لهذا العمل سنويا ثلاثة آلاف و ثلاثمائة ليرة للاستمرار على ترميمه و إصلاحه. و بعد جلاء الأتراك بقيت الطريق مهجورة من غير إصلاح أو ترميم إلى أن تخربت. و رأت حكومة سورية أخيرا تركها لطولها و كثرة نفقات إصلاحها و لبعدها عن مراكز الأراضي الواقعة بين الإسكندرونة و حلب. ففكرت بعد إنشاء طريق حلب- حارم أن تنشئ فرعا بين ينى شهر و ينى كوي للاتصال بين الإسكندرونة و حلب. و قد تم فتح هذا الفرع بتمهيده و لم يعبد بعد. و قد أصبح طول هذا الطريق الجديد بين حلب و الإسكندرونة 123 كيلو مترا بعد أن كان طول الطريق القديم 163 كيلو مترا و صارت المسافة بالطريق الجديد أقصر منها في الطريق القديم أربعين كيلو مترا.

هذا مجموع الطرق الأساسية العامة بالشام و هناك طرق فرعية كثيرة ممتدة كالشرايين تصل القرى بعضها ببعض ثم تربطها بمراكز الأقضية كما أنها تتصل بالطرق العامة. و كان أنشئ قسم من هذه الطرق الفرعية قديما و افتتح القسم الآخر حديثا بطريق السخرة غير أن أكثر هذه الطرق إن لم نقل كلها

216

تحتاج إلى الإصلاح و التعبيد لتسهيل المواصلات بين القرى و البلدان و لتتمكن السيارات من السير عليها على أيسر صورة و تصبح حركة النقل سريعة لا كما هي عليه الآن في أكثر هذه الطرق من البطء الظاهر و حينئذ تزداد الموارد و يسهل نقل البضائع إلى المدن و السواحل و لا يخفى ما في ذلك من الفوائد العظيمة لإنعاش الحياة الاقتصادية. و من جهة أخرى فإن وجود طرق صالحة في قطر يزيد عدد السياح و المصطافين الذين يرتادونه، و هذا أيضا له شأنه في تقدمها و عمرانها.

السيارات:

و راجت في الشام عقب انتهاء الحرب العامة سوق السيارات على اختلاف أنواعها حتى أصبح منها عدد غير قليل يستخدم لنقل الركاب و البضائع في عامة الأرجاء. و قد تبين من الإحصاء الرسمي حتى آخر أيلول سنة 1927 أن مجموع عدد السيارات التي سجلت رسميا في الديار الشامية 6622. منها 653 في دمشق و 629 في حلب و 101 في حمص و 93 في حماة و 41 في دير الزور و 215 في بلاد العلويين و 4890 في لبنان. و إذا فرضنا أن عدد السيارات في فلسطين نحو ثلاثة آلاف فيكون مجموعها في الشام ما يقرب من عشرة آلاف سيارة مختلفة الشكل و الصورة. و قد أضرت هذه السيارات بمصلحة بعض السكك الحديدية ففترت أعمالها بعض الشي‏ء لرغبة الناس في السرعة الزائدة- انتهى.

217

البرق و البريد و الهاتف‏ (*)

منشأ البرق «التلغراف»:

لم يكن إلى الربع الأخير من الحكم التركي بالشام برق و لا بريد و لا هاتف منظم. وضع نظام البرق في 27 ربيع الأول سنة 1276 ه و نظام البريد في 26 المحرم سنة 1286 ه و كان يتبادل بريد الحكومة على عهد الحكومات السابقة بواسطة السعاة و النجابين أو بواسطة حمام الزاجل. و تستعمل إشارات الضياء (الفوانيس) إبان الحروب عوضا عن الإشارات البرقية السلكية و اللاسلكية و الهوليسته المستعملة الآن، و اصطلح على استعمال كلمة برق عوضا عن كلمة تلغراف اليونانية المركبة من كلمتين تل- غراف و الأولى بمعنى بعيد و الثانية الكتابة أي الكتابة عن بعد، منذ نحو ستين سنة و استعملت كلمة الهاتف على عهد الحكومة العربية عوضا عن كلمة تلفون اليونانية المركبة من تل وفون أي الصدى البعيد.

و للبرق ثلاثة فصول: الشبكة و الآلات و الأدوات المستعملة و شكل الإدارة و المخابرة و اقتصرت شبكة البرق بدمشق على العهد التركي، حتى سنة 1899 على الأسلاك الممتدة منها شمالا إلى حلب و جنوبا إلى القنيطرة، الصلت، حوران، و شرقا دومة، و غربا بيروت، حاصبيا، ثم توسعت هذه الشبكة في سنة 1900 بتمديد الخط البرقي الحجازي من الصلت حتى المدينة المنورة و امتد فرع منه بين معان و العقبة. و للسلك البرقي الحجازي عمود تذكاري ركز في ساحة الشهداء بدمشق.

____________

(*) أخذت معلومات هذا الفصل من إدارة البريد و البرق في دمشق.

218

و تفرع من السلك الشمالي فرع امتد بين حمص، طرابلس و حمص، بعلبك و حماة، سلمية و حماة، العمرانية و من السلك الجنوبي إلى جبل الدروز و بصرى، و على أثر جلاء الجيش التركي و دخول جيش الحلفاء أواخر سنة 1918 خربت هذه الشبكة ثم أعيد إنشاؤها على عهد الحكومة العربية إلى ما كانت عليه قبلا حتى انسلاخ فلسطين و شرقي الأردن و جبل الدروز عن جسم الشام. و ظلت هذه الشبكة البرقية بطول 1571 كيلو مترا.

و قد أنشأت الحكومة التركية أثناء الحرب العامة المخابرات اللاسلكية بدمشق و حلب و استعملت الإشارات الضيائية و البصرية بالأعلام و السواعد ضمن قطعات الجيش فقط.

الآلات و الأدوات و المخابرة:

كانت الآلات و الأدوات البرقية المستعملة على العهد التركي حتى سنة 1305 ه 1889 م منحصرة في نوع سميس و مورس الأوربي ثم عدلت هذه الأدوات في مصنع البرق الذي أحدث في نظارة البريد و البرق في الاستانة بشكل جمع بين النوعين المذكورين بجعل إبرة الكاتبة بآلة الأخذ للمفاوضات البرقية أن تنقش الإشارات الرمزية ..- (* * * ...- ...* * *.) على شريط الورق بصورة ناشفة بدلا من نقشها بالحبر كالآلات السابقة ثم ألغت النظارة استعمال الأبرة و السلك على أثر ترقي الموظفين بتلقي نقرات المخابرة سماعا و أصبحت الآلات المذكورة من نوع البارلور الذي هو عبارة عن الآلة الآخذة، و قد اقتصدت الإدارة بوجود أقسام الكتابة ثلاثة أضعاف ما كانت تكلفها قبلا. و استمر الحال على استعمال هاته الآلة حتى نشوب الحرب العامة فأحدثت الماكنات المضاعفة (دوبلكس) الألمانية و الانكليزية التي سهلت المخابرة أخذا و ردّا في آن واحد على خط واحد كإحداثها ماكنات الهوك المفردة و المضاعفة التي تنقل المخابرات البرقية على السلك الورقي حروفا هجائية أخذا و ردّا.

و كانت المفاوضات البرقية على العهد التركي حتى سنة 1900 في أكثر المراكز تنحصر باللغتين الشرقيتين التركية و العربية و لا تتعدى الأرض العثمانية

219

عدا بضعة مراكز كدمشق و بيروت و ما يماثلها من مراكز الولايات و بعد ذلك أحدثت المفاوضات الغربية بين المراكز العثمانية و أوربا.

إحداث الهاتف:

أحدث الهاتف في الشام بعد إعلان القانون الأساسي في تركيا خلال 908/ 324 و كان منحصرا بالدوائر الرسمية الرئيسية الملكية و العسكرية و رخص بتمديد الأسلاك الخصوصية في مسكن كل مشترك و حانوته أو مشترك آخر في بلدة واحدة تحت إشراف ديوان البرق الملكية. و استمرت هذه الشبكة الهاتفية بشكلها حتى نشوب الحرب العامة فألغيت منها الأسلاك الخاصة و انحصرت بالأسلاك الرسمية التي تجاوزت نفس دمشق و توسعت إلى مناطق الجيوش و مواقع الحرب حتى إذا انجلت الحكومة العثمانية عن القطر و دخل الجيش المحتل استلمها و أسس على أنقاضها شبكة خاصة عسكرية و مدها إلى مناطق الانتداب الرئيسية كدمشق و حمص و حماة و حلب و الإسكندرونة الخ. و سمح للسكان و التجار بالاشتراك و الارتباط و التخاطب بها مقابل أجور مقطوعة على كل ثلاث دقائق تمر أثناء المخابرة. و ارتبطت الحكومات الوطنية في كل من هاته البلدان بدوائرها المركزية هاتفيا و استقلت الدرك بشبكة خاصة مع مخافرها.

أما الهاتف اللاسلكي الرسمي فانحصر بإدارة الراديو العسكري أخذا و ردّا و الهاتف اللاسلكي التجاري سمح به في قسم الأخذ منه تحت إشراف إدارة البريد و البرق دون استعمال آلة الرد أي الإصدار.

منشأ البريد:

البريد كلمة فارسية مختصرة من كلمتي بريد ذنب أي مقطوع الذنب.

و السبب بهذا الاصطلاح غير المأنوس هو أن الفرس كانوا يقطعون أذناب الحيوانات التي تنقل بريد الحكومة تمييزا لها عن بقية الحيوانات التي تستخدمها لركوب الدرك و الجباة. فحذفت العرب كلمة الذنب و اقتصرت على كلمة البريد و الجمع منها برد. و لم يكن قبل القرن السابع عشر أثر للبريد على ما ورد في مجموعة البرق و البريد التركية.

220

كان شكل البريد و سيره و إدارته و نقله حتى تاريخ تمديد السكة الحديدية المصادف لسنة 1307 ه 1891 م بين بيروت و دمشق- المزيريب تنحصر حتى بيروت بمركبات شركة الحوافل الملغاة. أما باقي الجهات فكانت شمالا حتى حلب فالاستانة تسافر برا مع التاتار أي مع سعاة البريد الموظفين ينقلونه على ظهور الخيل، و شرقا بين دمشق و العراق- بغداد على ظهر الهجن (الذلول)، و جنوبا بواسطة السعاة المأجورين، و بحرا بواسطة بيروت و هو عبارة عن تبادل الكتب و الصحف و الملفات و النماذج و الصرر ذات القيمة مع الأرض العثمانية و على الكتب و الصحف و الملفات مع الممالك الأجنبية.

و قد بدأ شكل سير البريد يتطور نقلا و إدارة و معاملة من سنة 1316- 1900 فألغيت سعاة التاتار سنة 1902 بين دمشق و حماة و سنة 1905 بين حماة و حلب و سنة 1331- 1915 من حلب و أذنة فقونية. و أصبح نقل البريد حتى الاستانة برا بالسكة الحديدية التي أنشئت شمالا كما أنها أحدثت نقليات البريد حتى الحجاز أي المدينة المنورة بالسكة الحجازية التي كان بدئ بإنشائها سنة 1901- 1317 و انتهت بسنة 1908- 1324. و تبدلت نقليات البريد تدريجيا في الأصقاع الشامية من الحيوانات إلى متن السيارات. و أما فيما له شأن بالمعاملات فقد أحدثت على التدريج و اعتبارا من سنة 1900 أنشئت الحوالات البريدية فالبرقية و الطرود العادية فالمشروطة التأدية و الرسائل ذات القيمة المقدرة بين الممالك العثمانية و الشام. و في سنة 1902 بدأت هذه المعاملات الجديدة مع الممالك الأجنبية في أوربا و آسيا و إفريقية. و دامت على هذا التوسع التدريجي حتى نشوب الحرب العامة فانقطعت عندئذ مع الدول المعادية لتركيا و اقتصرت على الممالك المتفقة معها إلى أن جلت الدولة عن الشام و انقطعت المواصلات البريدية أثناء احتلال دول الانتداب أرض الشام ثم عادت المواصلات إلى سيرها السابق. هذا عدا انقطاع السكة الحجازية الذي لم تصل بين الشام و الحجاز أي المدينة المنورة بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين و شرقي الأردن الخارج عن حدود الدولة السورية.

221

مراكز البريد و البرق في الشام:

دمشق مركز البريد، دمشق باب توما، دمشق الميدان، عفرين، حلب، اعزاز، الباب، بصرى، دير الزور، درعا، جرابلس، جسر الشغور، دومة، أريحا، أزرع، حماة، حارم، حمص، خربة الغزالة، أدلب، قطنا، القنيطرة، القطيفة، معرة النعمان، منبج، النبك، عمر آغا، الرقة، سلمية، السويداء، يبرود، الزبداني، الإسكندرونة، أنطاكية، آرسوز، بيلان، قريق خان، الريحانية، السويدية، كسب، بلودان،.

هذا في دولة سورية، و هذه مراكز البريد في لبنان:

بيروت، جديدة المتن، جونية، جبيل، البترون، أنفة، طرابلس، زغرتا، عكار، غزير، أميون، بشرّي، الدامور، صيدا، صور، تبنين، بنت جبيل، جزين، النبطية، مرجعيون، حاصبيا، بعبدا، عاليه، دير القمر، بعقلين، بيت مري، برمانا، بكفيا، بيت شباب، الشوير، بسكنتا، بحمدون، صوفر، حمانا، زحلة، رياق، بعلبك، الهرمل، جب جنين، مشغرة، حصرون، أهدن، دومة لبنان، حدث الجبّة، عين زحلتا، سوق الغرب، سير، قرطبا، الشويفات.

و هذه أسماء مراكز البريد في بلاد العلويين:

بانياس، جبلة، القدموس، القرداحة، اللاذقية، المشتى، العمرانية (مصياف)، أرواد، صافيتا، صهيون، طرطوس، تل كلخ.

و إليك أسماء مراكز البريد و البرق في فلسطين:

عكا، العفولة، بئر السبع، بيسان، غزة، حيفا، يافا، جينين القدس، لدّ، المجدل، نابلس، ملبس، الرملة، ديران، سمخ، صرفند تل أبيب، طور كرم، زمارين.

و قد أصبحت فلسطين في عهد الانتداب الإنكليزي مربوطة كلها حتى قراها بشبكة من سلك الهاتف فنازع الهاتف البرق في هذا القسم الجنوبي من أرض الشام و أصبحت المواصلات فيه سريعة للغاية.

222

و هذه جريدة أسماء مراكز البرق و البريد في شرقي الأردن:

اربد، أم قيس، دير أبو سعيد، الحصن، الرمتا، الزرقا، الصلت، الطفيلة، عجلون، عمان، القطرانة، الكرك، مادبا، معان، جرش.

أما مراكز البرق خاصة في ولايات الانتداب الإفرنسي في الشام فهي كما يلي:

(سورية): حلب، الإسكندرونة، أنطاكية، آرسور، اعزاز، الباب، بيلان، بلودان، بصرى، دمشق، دير الزور، درعا، جرابلس، جيرود، جسر الشغور، دومة، ريحا، ازرع، حماة، حارم، حسيه، خربة الغزالة، حمص، إدلب، قطنا، قرق خان، القنيطرة، القطيفة، معرة النعمان، معبطلي، منبج، النبك، عمر آغا، الرقة، الريحانية، سلمية، السويداء، السويدية، الزبداني، يبرود.

(لبنان): عكار، عاليه، أميون، بعبدا، بعقلين، بعلبك، البترون، بشرّي، بيت شباب، بيت مري، بيروت، بحمدون، بحنس، بنت جبيل، بسكنتا، بكفيا، برمانا، الدامور، دير القمر، ظهور الشوير، جزين، جب جنين، جبيل، جونية، اهدن، أنفة، غزير، حمانا، حاصبيا، حصرون، الهرمل، قب الياس، مشغرة، مرجعيون، النبطية، راشيا، رياق، صيدا، صوفر، تبنين، طرابلس، ميناء طرابلس، صور، زحلة، زغرتا.

(العلويون): بانياس، جبلة، حفه، القدموس، القرداحة، اللاذقية، مصياف، المشتى، أرواد، صافيتا، طرطوس، تل كلخ.

فمجموع المراكز 45 في لبنان و 40 في سورية و 12 في العلويين.

223

المصانع و القصور

تقاسيم المصانع و عظمتها:

إن قطرا كهذا القطر البديع، تعاقب الحكم عليه الحثيون و المصريون و البابليون و الأشوريون و الفرس و الفينيقيون و الإسرائيليون و الرومان و اليونان و العرب و الترك و التتر و الشركس، و أعجب الفاتحون بخيراته، و اغتبطوا بالاستيلاء عليه، لموقعه الممتاز بين الأقطار و القارات، فجعلوه محط رحالهم، و مجازا إلى فتوحهم، لا يستغرب منه إذا رأينا فيه مصانع تشهد لبانيها بسلامة الذوق، وجودة الإبداع، و عظمة الباني.

إن الشعوب التي أنشأت مصانع وادي موسى و جرش و عمان و مأدبا و بعلبك و تدمر و أفامية و دمشق و حلب و القدس كانت و لا شك ذات معرفة بالهندسة، لا تقل عن أهل هذا العصر بها، لأن ما شادوه صارع الأيام و صرعها، و بقيت منه هذه البقايا على كثرة ما تناولها من الهدم و التحريق، بأيدي المخربين، من الظالمين و المظلومين، وسطا عليها من عوامل الطبيعة القاسية.

تنقسم مصانع الشام إلى قسمين: مدني و ديني، فالمدني كالقلاع و الحصون و الأبراج و المناور و المراصد و القصور و الجسور و السكور و القنوات و المواني و الطرق و الدور و القبور و المستشفيات. و الديني كالمعابد و البيع و الأديار و الكنائس و الجوامع و المساجد و المدارس و الرّبط و الخانقاهات و الملاجئ و ما شاكلها.

مصانع الأمم القديمة:

و من أقدم مصانع الشام ما وجد في قرية الحصن في عجلون من أنصاب‏

224

( Dolmens )

يبلغ عددها المئتين على ما قال مالون، و هي عبارة عن ثلاثة أحجار عادية ضخمة أحدها طويل منبسط، يبلغ طوله ثلاثة أمتار في عرض مترين، يركز أفقيا فوق حجرين آخرين مربعين مستطيلين، و منها ما يبلغ علوه 80 س و منها ضعف ذلك. و قد زعموا أنها كانت مذابح دينية و أنها هي المشارف التي تكرر ذكرها في الأسفار المقدسة. و الرأي المرجح أنها كانت قبورا، و لا يعرف لها تاريخ أكيد. و العلماء يجعلون عهدها في الطور المعروف بطور الظران. و ربما كانت أقدم عاديات الشام.

و من أقدم مصانع الحثيين قلعتهم التي أنشأوها على الفرات في كركميش (جرابلس) فبقيت حسكة في حلق نينوى إلى نحو سنة 710 قبل الميلاد حتى استولى الأشوريون عليها. و بنو إسرائيل كالحثيين لم يتركوا في فلسطين منبتهم و مطلعهم سوى آثار ضئيلة. و أهم ما بقي من آثارهم، معبدهم في القدس أو معبد سليمان الذي جمع إليه الصناع و المهندسين من صور بمساعدة الملك حيرام سنة 1013 قبل الميلاد، و قد حرق هذا المعبد فرمم غير مرة على عهد ملوك يهوذا سنة 588 قبل الميلاد، و لما عاد اليهود بعد ثنتين و خمسين سنة من أسرهم في بابل جددوا المعبد على مثال الأول في الجملة، و كانت دثرت محاسنه الأولى، ثم وقع ترميمه في أدوار مختلفة و لم يصب هذا المعبد بأذى على عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر المقدوني في الشام، و لا في زمن بومبيوس الروماني، لأنه كان من عادة اليونان و الرومان و لا سيما الرومان، أن لا يقاتلوا الأمم التي يدوخونها على أربابها. و ربما اقتبسوا ممن غلبوهم على أمرهم عباداتهم من غير نكير.

وسّع هيرودوس ملك اليهود معبد سليمان، و انتهى على عهد نيرون، و كان عمل فيه ألف كاهن و ألوف من العملة دهرا طويلا. و قد قيل: إن سليمان خزن من غنائمة لبناء معبده مئة ألف وزنة من الذهب و مليون وزنة من الفضة، قدرت بسكة زماننا بثمانمائة و تسعة و ثمانين مليونا و نصف مليون جنيه، و ذلك ما عدا الحديد و النحاس و الخشب. فكمل بناؤه سنة 1005 قبل الميلاد و كان فخر أورشليم، و أجمل بناء في العالم. و قد شيد بجانب الهيكل الشرقي رواق من السواري أي العمد، فأدار الملوك المتأخرون‏

225

هذا الرواق حول جميع البناء، و بقي هيكل سليمان 424 سنة إلى أن خربه ملك بابل. و تحيط بالهيكل الذي رمه هيرودوس في محل الحرم الشريف عدة دور، منها دار الأمم، و هي الدار الخارجية، ثم دار النساء، ثم دار إسرائيل، ثم دار الكهنة، ثم الهيكل، و قد هدم الرومان هذا الهيكل سنة 70 م.

و لا يزال الباحثون منذ ثلاثة قرون ينقبون عن كل ما له علاقة بهذا المعبد، و كان خاصا بالخشب الثمين الذي جي‏ء به من أرز لبنان و غيره، مموها بالذهب و الفضة و محلى بالعاج و الأحجار الكريمة، و فيه من الأواني الثمينة و المدى و الأحواض و أدوات البيوت، ما صحّ أن يعدّ خلاصة علم الفينيقيين بالصنائع النفيسة. و الفينيقيون هم في الحقيقة البانون للهيكل.

هندسة الفينيقيين و آثارهم:

لم يشتهر الفينيقيون بالعناية بالبناء و الهندسة عنايتهم بالربح و الكسب و ارتياد القاصية، و مع هذا أعجب الغربيون لعهدنا بالمكاتب التجارية التي أقامها الفينيقيون في شواطئ يونان و إيطاليا و صقلية و غاليا و ابيريا و إفريقية. بيد أن هذا الشعب لم يخلف من آثار مدنيته أدنى ما خلفته الشعوب القديمة.

و ربما كان الباقي منها بل ما ثبت قيامه على عهد حضارتهم، أقل مما خلفته تدمر و البتراء. و لم يثبت أن بقي للفينيقيين معبد من معابدهم إلى عهدنا على كثرة ما بنوا منها كما يقول التاريخ.

أما آثار الفينيقيين المدنية كالحصون و القبور و غيرها، فإن الباقي من أساس حصن صور الذي أعجز اقتحامه القدماء الفاتحين كسراغون بخت نصر و الإسكندر، لا يدل على كبير أمر، و قد بنى الإسكندر بين البر و الجزيرة فيها سدّه الغريب، و كان بناء صور إلى عصر ابن بطوطة «ليس في الدنيا أعجب و أغرب شأنا منه» و قال ابن جبير: إنه يضرب المثل بحصانتها و ذلك أنها راجعة إلى بابين، أحدهما في البر و الآخر في البحر، و هو يحيط بها من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، أما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين إلى ميناء ليس في المدن البحرية أعجب وضعا منها، يحيط

226

بها سور المدينة من ثلاثة جوانب، و يحدق بها من الجانب الآخر جدار معقود بالجص. و كانت بيوت صور كبيوت طرابلس ذات طبقات ست و سبع و ثمان على عهد الفينيقيين.

و لا يزال سور بانياس بين طرطوس و اللاذقية قائما، و لا يعرف إذا كان من صنع الفينيقيين أو البلاسجيين، لأنه أشبه بعمل البلاسجيين سكان إيطاليا و يونان القدماء. و هكذا يقال في أسوار بيروت و صيدا و جزيرة أرواد و عمريت و معبد هذه على رأي (رنان) أقدم معبد بل يكاد يكون المعبد الوحيد الذي بقي من آثار العنصر السامي. أما قبور الفينيقيين فهي أهم ما اكتشفت في أرضهم، و كلها تقريبا نقرت في الصخر كمثيلاتها في أرجاء يهوذا و العرب، أي عبارة عن عقود كبرى جعلت فيها النواويس لأسرة برأسها. و القبور التي ظهرت في عمريت هي أهم ما عرف من نوعها و كذلك ما ظهر في جبيل و صيدا و لا سيما النواويس الأربعة التي وجدت في هذه المدينة، و لا تزال محفوظة في متحف فروق.

بحث الأثريون في فلسطين عن المعاهد الدينية في الأكثر، و امتدوا في حفرياتهم إلى أرض العرب للعثور على مدنية يعتدّ بها سبقت الرومان و اليونان.

و كل ما عثروا عليه تافه في الحقيقة. و قد تبين لهم أن البيوت كانت كقصور الملوك تحتوي على دائرتين: دائرة الرجال أو الثويّ و هو المكان المعدّ للضيف «السلاملك»، و دائرة الحريم، شأن قصور الشرق الإسلامي لهذا العهد.

و ما قصر هركان في عراق الأمير، و حصون القدس، و برج أنطونينا، إلا من بقايا الهندسة اليونانية الرومانية. و تقلّ في فلسطين و شمالي غربي ديار العرب القبور التي يرد عهدها إلى الزمن الذي يسبق العصر اليوناني.

و قبور مدائن صالح التي نحتت في الصخر يستدل منها أنها مثال من أمثلة البناء الأشوري. و قد اختلفت الظنون في هذا الشأن، و الأثريون يوالون النبش ليكشفوا شيئا يستدلون منه على مدنية أقدم أمة نزلت الأرض المقدسة.

عاديات الرومان:

أقيمت عدة أنصاب في الشام لملوك الرومان منها ما عثر عليه الأثريون.

227

ذكر وادنكتون كتابة وجدها في السويداء كأنها كتبت تحت نصب أقيم لأحد ملوك الرومان فيه «للملك اليوس قيصر أدريانوس انطونينوس بيوس العاهل»، و وجدت كتابة في قرية أم الجمال في حوران كتب فيها «للعاهل القيصر مرقس اورليوس انطونينوس اغسطس قاهر الأرمن و البرتيين».

و لهذا القيصر كتابة أخرى في سهوة الخضر من جبل حوران، و أخرى في الشهبة المسماة فيليبولي نسبة الى الملك فيلبس العربي، و وجدت في السويداء أيضا كتابة يونانية مؤذنة بإقامة أثر تكرمة للملك كومود، أقامه له دوميتيوس بروكستر والي العربية، ذكرى جلب الماء إلى المدينة و ضواحيها سنة 187، و عثر في جنوبي اللاذقية على مقربة من عدوة النهر الكبير على كتابة تدل على محطة عسكرية. و في دير القلعة في لبنان على الصخر الذي في جانب البئر كتابة فيها «بسلامة مولانا القيصر لوستيوس سبتميوس ساويروس برتينكس اغسطس، أقام هذا النصب بوبميابوس اينجيوس نذرا للمشتري».

يصعب الحكم على كل أثر بعينه، و نسبة كل بناء إلى الأمة التي أقامته، و كل واحدة منها تركت على الأغلب في هذا القطر أثرا مخلدا متلدا تفاخر به. فالطرق الرومانية التي أنشئت من القدس إلى أرض النبط جنوبي بحيرة لوط و من شمالها، و طريق مادبا إلى البتراء و العقبة حتى البحر الأحمر و طريق جرش وادي موسى، و الطريق المبلط شرقي صرخد الممتد إلى العراق، و كان يسمى بالرصيف، هي من الآثار المهمة كالمعسكر الروماني في أذرح و آثار قنوات و شهبة و سالة و دامة العليا و لبّن.

عاديات البتراء و جرش و عمان:

عدت البتراء في الجنوب رصيفة لتدمر تباريها بضروب مرافقها، و منها الهياكل الجليلة، و الدور الفخمة، و الأندية و المجالس و القصور، و الحمامات و المسارح و المدافن و المسلات، و قد رأى فيها «دومازفسكي» آثار الهندسة المصرية و اليونانية و الرومانية و الشامية. و معلوم أن أهل البتراء عرب من النبط شيدوها حوالي القرن السادس قبل الميلاد، و ارتقت على عهد الرومان بعد المسيح بقرنين الى أن زاحمتها تدمر في القرن الثالث. و من أجمل ما في‏

228

وادي موسى اليوم خزنة فرعون و هي دار الحكم نقرت في الصخر و جعلت ثلاث قاعات و بهوا. و هذا القصر الفخم الذي يدعى خزنة فرعون كان في الغالب معبدا لايزيس، أنشئ على عهد الامبراطور ادريانوس سنة 131 و في واجهة هذا القصر رواق يتقدمه بضعة أعمدة كبرى و فوقها ثلاثة أعمدة أصغر منها و نقوش و تيجان، و ربما كان يصعد إلى العلية بلولب من الصخر بدليل ما يشاهد في الحائط من أثر الأدراج. و إذا دخلت هذا الرواق ترى على اليمين قاعة كبرى تلمع أحجارها و تتموج كأنها خرجت الآن من يد نقاشها. و في الجهة اليسرى قاعة مثلها، و في الصدر القاعة الكبرى أو الردهة المدهشة. و كل هذه السواري و التيجان و القاعات و الرواق محفور في الصخر أو في هذا الجبل قطعة واحدة فكأن الحجر كان بيد صانعي هذا الهيكل و غيره من الهياكل و النواويس و القصور كالطين يجعلون منه ما يشاءون. و الذي يزيد في الدهشة أن الحجر أحمر في هذه الجبال أو من نوع الحجر الرملي و لكنه بمتانته كالصخر الأصم. ثم ترى فيه ذاك اللمعان، فمن موجة حمراء إلى أخرى زرقاء، إلى مثلها بيضاء إلى جانبها دكناء، فسبحان من أنشأ هذا الصخر هنا منقطع النظير، و رزق بانيه يدا صناعا تتفنن في تقطيعه و نقره، بما فاق به البناة في سائر عاديات الشام. فإن كانت قلعة بعلبك تنم عن ذوق سليم و علم واسع بالنقش و جر الأثقال، فإن هذه العاديات الأزلية تنادي بلسان حالها: هذه عظمة الديان إلى جانب تفنن الإنسان.

و في هذا الجوار أقدم النواويس و أهمها و بعد ذلك يجي‏ء قصر البنات و هو بناء من الحجر رصفت حجارته كما ترصف الأبنية الضخمة من قلاع و أبراج و أسوار و نحوها. و الغالب أنه كان للمتأخرين شبه دار للحكومة و هو مما عمر قبل الإسلام. و هناك و لا سيما في خربة النصارى آثار بعض أديار يدل اسمها و رسمها أنها من عمل النصارى عند ما كانت لهم حكومة هنا على عهد الرومان و اليونان. و على مقربة من تلك الجبال الشوامخ و المنفرجات و الأودية بعض نواويس و آثار و لكنها دون آثار البتراء في المكانة. و في جبل الصبر ملعب أو صورة تمثل قتالا بين سفن حربية.

و يقول بعض علماء الآثار: إن معظم القبور التي حفرت كانت على مثال‏

229

قبور الحجر، يرد عهدها إلى الحارث الرابع أحد ملوك البتراء أي 9 و 30 قبل المسيح و بعده. و ليس في وادي موسى أعمدة من قبل الحكم الروماني عليها. و إن ما يشاهد من صور أبي الهول وايزيس و رؤوس الحملان يدل على أن هذا الأقليم تأثر بالمدنية المصرية. و المسلتان القائمتان في النجر تمثل ربي النبطيين اللات و العزى، و كانت النجر مركز عبادة النبط قبل العهد اليوناني بستة قرون على الأقل، و قد دخلت المدنية اليونانية البتراء على عهد البطالسة فاختلط العنصران المصري و الشامي، و ظل القول الفصل فيها للمدنية اليونانية إلى عهد الحارث الرابع. و في البتراء 851 مصنعا من القبور و المعابد و المذابح.

و عدوا من مفاخر وادي موسى الملعب العظيم المنحوت في الصخر، قطره 117 قدما و فيه 33 صفا من المجالس يسع من 3000 إلى 4000 من المتفرجين و الملعب الروماني في عمان (ربة عمون) أكبر الملاعب في الشام. و هو مركب من ثلاث مراتب جعلت المرتبة الأولى خمسة صفوف من المقاعد، و المرتبة الوسطى أربعة عشر صفا، و للمرتبة الثالثة ستة و عشرون صفا من المجالس. و هو يسع أربعة آلاف ناظر أيضا. و في أسفل الملعب حجرتان كبيرتان لسجن الأسود و النمورة و التماسيح.

و يرد تاريخ ارتقاء جرش إلى القرون الأولى للمسيح، و تاريخ أبنيتها إلى أباطرة القرنين الأول و الثاني، و هي شاهدة بتأثيرات الطراز الروماني حتى في الأصقاع البعيدة، و كانت جرش من جملة المدن المهمة من بين مدن العرب، و عمدها الماثلة للعيان و منها ما بلغ طوله 14 مترا و قطره خمسة أقدام، و ملاعبها و هياكلها و ساحاتها و حماماتها تذكر بما كان للرومان من مثلها في بعض الأرجاء المهمة التي تولوا الحكم عليها.

وصف شيخ الربوة خرائب جرش و عمان في القرن الثامن بقوله:

«ذكروا أن بدمنة مدينتي عمان و جرش بالشام ملعبين، فأما جرش فمنها تلال و جبال و حجارة منقولة، و بعض بناء أبوابها قائم في الهواء نحو خمسين ذراعا، و بهذه الدمنة موضع كصورة نصف دائرة مقطوعة بحائط و ذلك الحائط به مجلس للملك، و أما النصف المستدير فإنه مدرّج، درج بعضها فوق بعض، و هي دوائر و كل دائرة فوقانية أوسع من السفلى، و بين هذه الأدراج‏

230

الدائرة أبواب و مسالك، و كل درجة و عليها مرتبة من الناس، و كلهم ينظرون إلى الملك و هو ينظر إليهم كلهم لا يحجبون عنه و لا يحجب عنهم في ذلك المجلس و كأنما هو ليوم الحكم العام فقط، و بالقرب من هذا الملعب أيضا ملعب و فيه عمد طوال قائمات و في كل منهن بكرة، و هن مستديرات المراكز كصورة دائرة، و كأنما كان على رؤوسها من الحجارة عتبات من عمود إلى عمود و فوق ذلك أبنية لأهلها و آثار شاهدة، و لا يعلم في الشام من الآثار مثل هاتين المدينتين إلا مدينة بعلبك و باب البريد بدمشق اه».

وصف المحدثين خرائب جرش:

تبدأ خرائب جرش من الجنوب بباب النصر المسمى باب عمان و هو بناء عرضه 30، 25 م و الشق الأوسط منه 47، 6 على 12 مترا من العلو، و له من كل جهة باب و هذا البناء أشبه بقوس النصر المنسوب لتراجان في مدينة رومية. و لذلك يظن أن البناء يرد عهده إلى القرن الثاني للميلاد. و في غربي هذا الباب سطح واسع فيه محلان، و في الأسفل مسرح لتمثيل الحروب البحرية، و له بحيرة طولها 50، 155 م و عرضها 55 مترا، و له أربعة سدود من جنوبها و عمقها 70، 4 م و مقاعد للمتفرجين على طول المحل. و هذا الحوض متصل بقناة مع العين. و يفصل الحائط الشمالي المسرح بملعب كبير قطره 55، 90 م لا تزال ترى فيه أربعة صفوف من الدرجات و على مقربة من الملعب بقايا مدفن كبير. و على بضع خطوات من الغرب بقايا معبد طوله 30 مترا و عرضه 20، 30، و كان للبناء المحيط به عمد منفردة أحد عشر عمودا من الشمال و مثلها من الجنوب، و ثمانية أعمدة من الشرق و من الغرب.

و كان للدهليز صفان من الأعمدة و له تيجان قورنتية و عرض الرتاج 70، 4 م و كاد طول غرف المتفرجين التي ما زالت جدرانها الجنوبية سليمة إلى عشرة أمتار 25 مترا و عرضها 15. و قد فقدت تيجان القواعد المركبة (الركائز) المبنية من الصخر المحكم الوضع و قام في العالي طنف بسيط قليل البروز.

و مجموع البناء حسن للغاية. و قام مسرح الجنوب المتصل بالجهة الغربية من هذا المعبد على سور المدينة. و لا يزال 32 صفا من المقاعد سليما. و معظم‏

231

قطر المسرح 76، 87 م. و هناك ممشى على شكل نصف دائرة يتصل مع الأسفل بخمسة سلالم و مع الأعلى بتسعة، و تقسم هذه الدرجات إلى قسمين و له أربعة دهاليز من جهة الجنوب.

و يمتد في الشمال الشرقي من المعبد و المسرح ميدان ممهد تحيط به عمد لطيفة، تؤلف نصف دائرة مفتحة نحو الجنوب الغربي. و لا تزال معظم السواري و عددها 56 محفوظة بحالها، و هي من الطراز اليوناني يتصل بعضها بالآخر من سطوح الأعمدة. و في الشمال الشرقي من الميدان تبدأ سلسلة أعمدة مستقيمة الأضلاع تجتاز المدينة كلها و طولها 3، 80 مترات و عرضها 60، 12 مترا و المسافة بين الأعمدة الموضوعة ثلاثة أمتار. و لم يبق من ال 520 عمودا سوى 71 عمودا قائمة إلى اليوم. أما الأخرى فقد تداعت بالزلازل أو هدمتها يد الإنسان في العهد الحديث، و قد أصبح أكثر هذه الخرائب مقالع لأهل القرية يأخذون من أبنيتها الجميلة حجارة لبنائهم. و علو هذه الأعمدة من 50، 6 م إلى 9 م يدخل في ذلك الأساس و التاج. أما العمد القائمة وسط الشارع فهي من الطرز القورنتي، و تيجانها من أرقى ما صنع الصانعون. و ما كان منها بالقرب من الميدان و على نحو الباب من الشمال فهو من الطراز اليوناني.

و يرى الناظر من جانبي الشارع بقايا صف آخر من الأعمدة ربما كانت مجازات بين الأعمدة على طول الدور. و هناك جسر يجتاز القناة على خمس حنايا و عرض الأوسط منها 40، 11 س. و ثم بقايا بناء عظيم منقوش كان يتخذ محكمة جعل على شكل نصف دائرة، نصف قطر دائرتها عشرة أمتار و لها فوارة. و على مقربة من هذا خرائب أروقة المعبد الكبير الضخمة العظيمة. و قد تهدم جزء من سطح أعلى الباب الأعظم و هو مجنح بفرج لنوافذ مثلثة الشكل منقوشة أجمل نقش. و النقوش السالمة التي تزين الواجهة الغربية هي من طراز رائق بديع. و هذه الأروقة تؤدي إلى معبد عظيم يدعى عادة معبد الشمس و هو في مستو طوله 65، 160 م و عرضه 85، 104 م يحيط به 260 عمودا. و طول المعبد 70، 26 م و عرضه 20. و يتألف رواق المعبد من صفين من الأعمدة أحدهما من ست و الآخر من أربع. و زيادة على ذلك عمود من كل جهة من الحواجز البارزة من المعبد. و فيه تسع سوار علوها

232

80، 13 و عرض الرتاج خمسة أمتار و عرض المجالس 20، 11 م و طولها 8، 17. و في جنوبي المعبد كنيسة، كاتدرائية ذاث ثلاثة صحون. و في الجنوب الغربي كنيسة أصغر منها. و يظهر أن كنيسة ثالثة في شرقي الأروقة كانت من جملة الأجزاء المتممة لمعبد الشمس. و من هناك تنشعب شوارع أخرى و تتقاطع الطرق، و كانت مزينة بتماثيل و نصب و عمد و سوار لا يزال بعضها أثرا شاهدا على العظمة الماضية.

أما ملعب الشمال الذي كان خاصا على ما يظهر بقتال الحيوانات و الصراع فكان له 17 صفا من الأدراج و مجموع علوه 12 م و في محيط الدائرة منها بين الصف الثامن و التاسع خمسة معابر أو مماش ترى بين كل واحد منها كوة عظمى و ثنتين أصغر حجما على شكل الصدف. و الحمامات العامة عبارة من مجموع غرف و عقود يطلق عليها اسم الخان. و مدخلها بناء سلم برمته من عوادي الأيام تعلوه قبة و مساحتة 70، 16 مترا مربعا. و هناك سلم يوصل إلى محل الحمامات الحقيقي مؤلف من أرض مساحتها 70، 67 م طولا و 30 عرضا و لها جناح مصاقب لها من الجنوب طوله 42 م و عرضه 70، 11 م.

و بالقرب من جامع القرية بناء آخر قديم كان حماما أيضا و على الشاطئ الشرقي من النهر تشاهد حيطان سور كنيسة رابعة طولها 60 مترا و عرضها 36، 60 م و حنية المحراب مزدانة بكوى على شكل صدف لم يبق من سواريها سوى تسع قواعد يونانية و بعض أسطوانات. و كان هذا المعبد في الأصل مدفنا للربة نيميزيس و يرد عهدها إلى الامبراطور تراجان.

عاديات تدمر:

ذكر بعض الأثريين أن مدينة تدمر بناها سليمان ليأمن على طريق التجارة، و قد أصبحت في أوائل النصرانية إحدى المدينتين اللتين جمعتا بين تجارة أوربا و آسيا و أعني البتراء و تدمر. قال ياقوت: و أهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود (عليهما السلام) بأكثر مما بيننا و بين سليمان.

و لكن الناس إذا رأوا بناء عجيبا جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان و إلى الجن.

قلنا: و كان القدماء يعتقدون أن بعض مدن ساحل الشام بناها الآلهة قال المعري:

233

و قد كان أرباب الفصاحة كلما* * * رأوا حسنا عدوه من صنعة الجن‏

و قال النابغة الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإله له* * * قم في البرية فاحددها عن الفند

و خيّس الجن إني قد أمرتهم* * * يبنون تدمر بالصّفاح و العمد

خربت آثار تدمر سنة 273 م على يد اورليانوس الروماني لما قهر زينب ملكتها. و لما انتقض أهلها عليه عاد فافتتحها عنوة. و أعمل في أهلها السيف أياما متوالية. ثم أمر فبعثرت الأبنية، و قوضت الهياكل، و دكت الأسوار، و هدمت القلاع. فأصبحت تلك المدينة الزاهرة قاعا صفصفا و ظلت على هذه الحال قرية حقيرة إلى عهد ديوكليتيانوس أيام استخدمها الرومان لرد غزوات البادية و غيرها.

وصف عاديات تدمر (*):

و بعد فإن كل ما دونه مؤرخو العرب في تدمر و ما وصفها به رحالتهم مختصر جدا لا يستفاد منه الفائدة العلمية اللازمة و يتعذر علينا من النصوص التي اتصلت بنا أن ندرك حقيقة حالة تدمر و عمرانها حين فتحها المسلمون.

و المعروف أن تدمر لم تستعد مكانتها و لا بعضها منذ استيلاء اورليانوس عليها في سنة 273 م. يوم دك معاقلها و هدم دورها و درس قصورها فأخذت تدمر حينئذ بالانحطاط إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

إن اتصل بنا تاريخ هدم تلك المدينة فإنا نجهل ما انتاب البقية الباقية من عمرانها بعد ذلك العهد حتى منتصف القرن الثامن عشر. أيام نزلها في سنة 1751 المهندسان الإنكليزيان و انكس و وود فرسما مخططا لتلك الخرائب و نقلا إلى بلادهم جملة رقم تدمرية و يونانية تمكن بفضلهما سوينثن و برتليمي من قراءة حروفها و تفسير معانيها.

و منذ ذاك العهد اشتهرت تدمر في الغرب و لا سيما عند علماء الآثار و غواتها فكثر شد الرحال إليها و زاد زوارها في السنوات الأخيرة خاصة و ذلك بالنظر لسهولة المواصلات و توفر أسباب الراحة فيها. و بالرغم مما انتاب‏

____________

(*) كتب وصف تدمر الأمير جعفر الحسني.

234

تدمر من عوامل الهدم و التخريب فإن القسم القليل الذي سلم من كوارث الأيام و أحداث الدهر ينبئ بجمال عظمتها و جلال قدرها. فلا يتأتى لمن يقف وسط تلك الأطلال و يتأمل هذا الإتقان لا تأخذه حيرة في دهشة أو رعشة في وحشة لهذا الإبداع المعجب و دقة الصنعة و تناسب الجمال و العظمة.

فكل جزء منها شاهد على سلامة ذوق مخططها و مهارة عمالها و صناعها. فقد جمعت بين الإبداع و الإعجاز حتى ليتساءل المرء و هو في القرن العشرين إن كان هذا ثمرة جهود الإنسان أو عمل من صنع الجان.

تعد خرائب تدمر اليوم من أكبر خرائب الشام و أهمها و تنقسم بناياتها إلى ثلاثة أقسام: الهياكل و البلدة و المدافن. و لم يبق من الهياكل سوى الهيكل الكبير و هو هيكل بعل و الهيكل الصغير و هو هيكل بعلشاميم. و الأول هو أكبر بنايات تدمر و أهمها يقع إلى الجهة الشرقية من البلدة، و هو عبارة عن فناء واسع مربع الشكل يبلغ طول كل من أضلاعه 235 مترا يحيط به جدار ذو نوافذ ارتفاعه نحو من 15 مترا، و مدخله من الغرب. و هذا المدخل يؤدي إلى دهليز قام على عمد يبلغ ارتفاع كل منها 14 مترا و منه تجتاز الواجهة الداخلية و تعتبر هذه من أبدع مصانع تدمر و أتقنها صنعا. و يحيط بهذا الهيكل من داخل الجدار رواق كان قائما على 390 عمودا تهدم اليوم معظمه، و قد شيد في وسط هذا الفناء الهيكل الأصلي و طوله 60 مترا و عرضه 31 مترا و نصف المتر. و أقدم كتابة وجدت داخل هذا الهيكل مؤرخة بسنة 17 م. و يرجح أن هذا الهيكل بني في أوائل العهد المسيحي.

و الهيكل الثاني إلى شمالي البلدة و مدخله من الشرق و هو أصغر حجما من الأول و أقل كلفة. و يكاد يكون مجموعه الخارجي سالما و مع بساطته تجد إتقانا في بنائه و دقة في نقوشه و قد تم بناؤه في النصف الأول من القرن الثاني للميلاد.

إن ما بقي من آثار البلدة هو أروع شي‏ء في خرائب تدمر و أعظم منظرا.

و منها تلك الأروقة التي كانت تمتد من جانبي أهم شوارع البلدة فهي أبهج منظرا لعظمة تلك المدينة و أطول هذه الشوارع هو الذي يخترق البلدة من الشرق إلى الشمال و يقسمها إلى منطقتين و طوله 1200 متر و عدد أعمدة كل‏

235

صف يبلغ 375 عمودا ارتفاع كل منها 17 مترا و قد تهدم معظمها فلم يسلم منها سوى 150 عمودا. و يخترق هذا الشارع من منتصفه شارع آخر على شاكلته و عند ملتقاهما يؤلفان مصلبا و كان على مقربة منه تمثالا أذينة و زنوبيا. و في منتصف كل عمود ركيزة قامت عليها تماثيل مشاهير حكامها و الصالحين من رعيتها. و لم يزل مدخلها المدينة الشرقي قائما و له منظر رائع و مرأى جميل. و ما خلا ذلك من الأنقاض المتراكمة الباقية و الأعمدة و الأحجار المنحوتة مبعثر مشتت عرف بفضلها أصحاب الهندسة تخطيط أبنية المدينة و هندسة شوارعها و أزقتها.

إن قبور تدمر مبعثرة حول البلدة و معظمها في الجهة الغربية في واد يعرف بوادي القبور لكثرتها فيه. و هي على نوعين: منها ما هو قائم على شكل أبراج مربعة في ثلاث أو أربع طبقات منقسمة حجرا و في جدرانها القبور. و النوع الثاني كهوف نقرت في الصخر على سفح الجبل و هي ذات إيوانين أو ثلاثة، و من القبور ما هو في الجدر و منها ما هو على شكل النواويس و يختلف عدد القبور في كل مدفن بين العشرين و السبعين و هو ملك أسرة واحدة أو أكثر. و كان لأبناء الأسر في تدمر عناية خاصة بمدافنهم يتنافسون بإتقانها و زخرفتها و منها ما هو أشبه بقصور منها بقبور. و كل هذه العناية لحرصهم على راحتهم في دار البقاء كما تنص على ذلك رقمهم القبرية اه.

أقام الرومان بين دمشق و تدمر إلى الفرات اثنين و خمسين حصنا أو قلعة.

يبعد كل منها عن الآخر ثلاث ساعات. و لا شك في أن الحرس الروماني كان في بعضها. و بنى الرومان عدة حصون على الطريق الممتد بين بصرى و دمشق ليأمنوا عيث البادية و طريقا من صرخد إلى البصرة و طرقا من حوران إلى البلقاء إلى عقبة أيلة و ما إليها، و كان ذلك في أيام عظمتهم. قال أحد علماء الهندسة من الفرنج: إن الرومان لما أصبحوا سادة الأرض و أمسى معهم جميع الشعوب بمثابة العبيد عدلوا و هم في أوج عزهم عن أعمال في العمران كان فيها عزهم و نجاحهم و استسلموا إلى الكسل و إضاعة الأوقات.

و بعد أن فتحت زينب أو زنوبيا سلطانة تدمر المشهورة القطر المصري عمرت الأبنية التي جلبت إليها الأمم من أقطار الأرض و لا سيما اليونان.

236

و لما جاء يوستنيانوس سنة (527) جدد بناء الأخربة في تدمر و شيد أبنية أخرى فيها و جعل لها سورا. ثم سطت عليها الزلازل كثيرا. و ما يرى اليوم من الأثر الضئيل الباقي من عادياتها شاهد على ما كان هناك من عمران ممتد الرواق.

و ما استخرج و لا يزال يستخرج من أرضها من التماثيل و الأنصاب و الشواهد يدل على فضل ذوق و حسن هندسة.

و من كل أنواع الأنام مصور* * * شباب و شمط يمرحون و شيب‏

و مجلس أنس يفسح الطرف ملؤه* * * قيان تغني وسطه و شروب‏

و صرعى و قتلى في قتال عساكر* * * تحول حصون دونهم و دروب‏

فمن جانب أضحت تصب مدامة* * * و من جانب أضحت تشب حروب‏

خليطان هذا للقراع معبس* * * يصول و هذا للسماع طروب‏

و قد حققوا التصوير حتى وجوههم* * * يبين لنا بشر بها و قطوب‏

و كل يعاني شغله غير أنه* * * على فمه دون الكلام رقيب‏

ملاعب فيها الملك رام بطرفه* * * و كل ابن دنيا إن نظرت لعوب‏

و عاشوا طويلا ثم فرق شملهم* * * زمان أكول للأنام شروب‏

فلو لا مكان الدين قلّ لفقدهم* * * بكاء لنا في إثرهم و نحيب‏

ملوك أقاموا ما أقاموا أعزة* * * و قد شعبتهم بعد ذاك شعوب‏

و خيل للرائي ليذكر عهدهم* * * خيال لعمري إن رأيت عجيب‏

خيال لهم يهدى إلى كل أمة* * * لقصد اعتبار إن رآه لبيب‏

عاديات بعلبك امس و اليوم‏

إن بقايا هيكل الشمس أو المشتري و هيكل الزهرة و هيكل باخوس و دار المذبح أو البهو الكبير الماثلة إلى اليوم في قلعة بعلبك لأكبر دليل على ارتقاء فن الهندسة حتى في العصور التي سبقت الرومان و اليونان. و قد عدت أحجار بعلبك و منارة الإسكندرية (الإسكندرونة) من جلة عجائب الشام. فقد قال الهمداني في أحجار بعلبك: إن فيها حجرا على خمسة عشر ذراعا أقل أو أكثر ارتفاعه في السماء عشرة أذرع في عرض خمسة عشر ذراعا في طول خمسة و أربعين ذراعا. هذا حجر واحد في حائط. و أما منارة الإسكندرية

237

فإنه يصعد إليها رجل على برذون حتى يبلغ أعلاها و هي مبنية على سركان من زجاج.

و في بعلبك هيكلان كبيران طول أصغرهما 225 قدما و عرضه 120 قدما و كان محاطا بأعمدة كبيرة الحجم طول الواحد منها 45 قدما و طول هيكل الشمس 324 قدما و كان محاطا بأربعة و خمسين عمودا يبلغ قطر الواحد منها 7 أقدام و علوه من قاعدته إلى قمته 89 قدما و قد بلغ طول بعض الحجارة المبني منها الهيكل 64 قدما و سمكه 12. قالوا: و كانت هياكل بعلبك تضاهي هياكل اليونان بعظمة بنائها و لكنها دونها بالترتيب و الزخرفة. ذكر ابن حوقل أن قلعة بعلبك الحصينة الجميلة من أجلّ مباني الأرض، و إنما بنيت قلعة دمشق على مثالها، و هيهات لا تعد من أمثالها، أين قلعة دمشق من قلعة بعلبك و حجارتها تلك الجبال الثوابت، و عمدها تلك الصخور النوابت.

قد يبعد الشي‏ء من شي‏ء يشابهه* * * إن السماء نظير الماء في الزرق‏

قال شيخ الربوة: و بقلعة بعلبك بيت محكم من الحجر طوله خمسون ذراعا و هو من كل جهة ثلاثون ذراعا و سقفه حجر و في وسط السقف نسر حجر فارش أجنحته. و في أربع قرن السقف أربعة أصنام و أسماؤها ودّ و سواع و يغوث و يعوق. و بمقطع الحجارة حجر رابع للثلاثة التي بالقلعة متروك إلى وقتنا هذا و إلى ما يشاء اللّه مثالا للناس. يعني أن من ههنا حملنا الأحجار الثلاثة المبنية بالقلعة- و هو الحجر المعروف اليوم بحجر الحبلى- و بالحصن أيضا عمد طول كل عمود نحو عشرين ذراعا و في الأرض منها نحو أربعة أذرع و دوره نحو ذراعين و أكثر عددها نحو ستين عمودا و كان على رؤوسها عتبات و فوق العتبات البناء المحكم اه.

و إن آثار بعلبك بما فيها من العمد الضخمة و منها من النوع المعروف بالمحبب (غرانيت) الذي جلب من السودان على ما يظهر تدل دلالة صريحة على أن كل هذا من صنع الرومان و بأيدي مئات الألوف من العملة المسخرين المستعبدين. و هكذا قامت جميع آثار الرومان بإرهاق الإنسان للإنسان.

بيد أنهم خلفوا عاديات عظيمة أعلت بين الأمم القديمة ذكرهم، و جعلتهم موضع الإعجاب على توالي الأحقاب.

238

و يصدق على قلعة بعلبك في الوصف ما قاله عبد اللطيف البغدادي في أهرام مصر: إنها صبرت على ممر الأزمان بل على ممرها صبر الزمان. فإنك إذا تبحرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها، و العقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها، و الأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها لها، و الملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية إحكامها حتى إنها تكاد تحدث عن قومها و تخبر بجمالهم و تنطق عن علومهم و أذهانهم و تترجم عن سيرهم و أخبارهم. أو ما قاله في يرابي مصر: فالحكاية عن عظمها و إتقان صنعتها و إحكام صورها و عجائب ما فيها من الأشكال و النقوش و التصاوير و الخطوط مع إحكام البناء و جفاء الآلات و الأحجار مما يفوت الحصر. و من أجمل ما وصفت به خرائب بعلبك قول صديقنا خليل مطران من قصيدة:

خرب حارت البرية فيها* * * فتنة السامعين و النظار

معجزات من البناء كبار* * * لأناس مل‏ء الزمان كبار

ألبستها الشموس تفويف در* * * و عقيق على رداء نضار

و تحلت من الليالي بشاما* * * ت كتنقيط عنبر في بهار

و سقاها الندى رشاش دموع* * * شربتها ظوامئ الأنوار

زادها الشيب حرمة و جلالا* * * توجتها به يد الأعصار

رب شيب أتم حسنا و أولى* * * واهن العزم صولة الجبار

معبد للأسرار قام و لكن* * * صنعه كان أعظم الأسرار

مثل القوم كل شي‏ء عجيب* * * فيه تمثيل حكمة و اقتدار

صنعوا من جماده ثمرا يج* * * نى و لكن بالعقل و الأبصار

و ضروبا من كل زهر أنيق* * * لم تفتها نضارة الأزهار

و شموسا مضيئة و شعاعا* * * باهرات لكنها من حجار

و طيورا ذواهبا آيبات* * * خالدات الغدو و الإبكار

في جنان معلقات زواه* * * بصنوف النجوم و الأنوار

و أسودا يخشى التحفز منها* * * و يروع السكوت كالتزآر

عابسات الوجوه غير غضاب* * * باديات الأنياب غير ضواري‏

239

في عرانينها دخان مثار* * * و بألحاظها سيول شرار

تلك آياتهم و ما برحت في* * * كل آن روائع الزوار

ضمها كلها بديع نظام* * * دقّ حتى كأنها في انتثار

في مقام للحسن يعبد بعد ال* * * عقل فيه و العقل بعد الباري‏

منتهى ما يجاد رسما و أبهى* * * ما تحج القلوب في الأنظار

أنطاكية و حمص و أفامية و البارة و دمشق:

هذا إجمال في المصانع الكبرى في هذه الديار و هندستها، و من أهم آثارها أنطاكية التي بناها انطيغنوس و أكمل زخرفها سلوقس سنة (300) قبل الميلاد. و كان فيها من عجائب الهندسة اليونانية ما لم يكتب ليونان أن تعمل مثله في أرضها، و لو لا أن الزلازل تحيفتها في أدوار مختلفة لكانت اليوم من أهم ما يقصد للزيارة. و كانت أنطاكية عاصمة الشرق أيام اغسطس قيصر كما كانت رومية عاصمة الغرب. و من يدخل أنطاكية و يذكر ما كان فيها من القصور و الدور و المعابد و الهياكل و الحمامات و القنوات و دور التمثيل يبكي لبلد اتفقت الآفات السماوية و الأرضية على تخريبه، و لم يبق من عظمته التاريخية سوى بعض جدران قلعتها القديمة.

و من جملة آثار الهندسة الرومانية أو اليونانية بحيرة قدس أو خزان حمص و قناة سلمية و جسر قنوات و آثار سبسطية و منها مصانع حلب، و هي صورة تامة من نشوء الهندسة، و قد غنيت هذه المدينة الأخيرة بالمصانع ذات الهندسة العسكرية و الدينية و المدنية و ما برح معظمها بحاله. و من أهم ما في شمالي الشام ملعب أفامية (قلعة المضيق) و ملعب دفنة و كان فيها معبد أبولون رب الشمس و النور و الصنائع و الآداب و الطب عند قدماء اليونان، و نصب فيها برياكسيس المهندس الآثيني تمثالا للرب اشتهر بين العارفين بالصنائع الجميلة، و هو قابض بيده على قيثارة، و قد صورت صورته على نقود أنطاكية و فيها معبد ديان و الزهرة و غيرهما من الأرباب.

و كانت مدينة أفامية على عهد السلاقسة خلفاء الإسكندر من المدن الكبرى بدليل ما ذكره الهمداني من أنه كان فيها ملعب يعد من البناء المذكور في‏

240

العالم. و كانت مستقرا للجيش الرومي. و فيها زرائب و إصطبلات تؤوي 300 فيل و 300 جاموس و 000، 30 حصان ترعى في سهلها الخصيب و ترد ماءها العذب النمير. و قد دك حصنها بومبيس و كان من أمنع الحصون.

و فيها إلى اليوم آثار شارع يمتد من الباب الشمالي و على جانبيه سوار و عمد مختلفة الأشكال و الحجوم تبلغ نحو 1800 سارية يردّ عهدها إلى أواخر حكم الرومان. و لا يزال كثير من الأرتجة و الأبواب قائما و هناك خرائب أخرى لم تعلم ماهيتها.

و منها خرائب البارة في الشمال غربي العاصي. و خرائبها واسعة و مهمة و شوارعها العديدة و بيوتها «على رواية فان برشم» لا تزال محفوظة. منها بقايا خمس أو ست كنائس و بيع. و في ضواحيها بيوت مهملة عملت من الحجر الصلد يكفي أن تسقف بالخشب حتى تسكن و هي خالية. و إن ما هنالك من مصانع و معابد و بيع و قصور و كلها تقريبا من العهد المسيحي قد لا يخلو من نقوش، و يرد عهدها على الأغلب إلى القرن الخامس و السادس، و في قلعتها من أحجار البناء ما يبلغ طوله المترين و الثلاثة و عرضه 75 س زبرت عليها حروف يونانية. و أغرب ما في عاديات هذه القرية أن خرائبها الواقعة على أربعمائة متر تقريبا ما زالت بحالها تذكر المرء بآثار بومبيه و مساحتها السطحية أربعة كيلو مترات مما دل على عظم المدينة في القديم. و قد قام بين المحلتين قصر ذو طبقتين محفوظ في الجملة اسمه دير سوباط و فيه آثار و نواويس و أبواب أزلية. و قد وجد على أحد أبوابها كتابة يونانية معناها «ليحفظ المولى من ملكك و مخرجك الآن و في العصور المقبلة آمين» و كانت هذه المدينة في سعة حلب كما يفهم من خططها.

و من أهم الآثار القديمة بدمشق الشارع العظيم الذي كان يخرقها من الشرق إلى الغرب أي من الباب الشرقي إلى باب الجابية و طوله 1600 متر و على جانبيه رواقان من العمد و هو اليوم مستور مردوم قامت عليه الدور و الحوانيت. و كان مقسوما إلى ثلاثة أقسام الوسط للدواب و العجلات و الرصيفان بجانبه للذاهبين و الجائين. و الباب الشرقي اليوم على ما يرى هو أحد الرصيفين فقط بحيث يستدل من ذلك أن الشارع لم يكن عرضه أقل من خمسة و ثلاثين‏

241

مترا. و من العاديات القديمة في دمشق مدخل الكنيسة و لا سيما من الغرب و هي التي أصبحت في الإسلام الجامع الأموي.

حوران و لبنان و غيرهما:

و لا تزال خرائب بصرى قصبة حوران، و أحصن مدن باشان و معقل الرومان، شاهدة بما كان في تلك المدينة من الفخامة و العظمة. و كان طولها داخل السور كما قال بورتر ميلا و ربع ميل و عرضها ميلا، و يحيط بالسور ربض كثير الباني، و محيطها خمسة أميال لها سور عالي الجدران، وثيق البنيان، و قلعة لا أحصن منها في عامة أرض الشام. و يقطع المدينة شارع كبير على طولها يمر في وسطها له بابان جميلان على طرفه و شوارع رحبة و فيها ما يفوق الوصف من غرائب الصناعة، و بدائع البناء، و أساليب النقش في الهياكل و الكنائس و القبور و المذابح، و ركام الأنقاض و بيوت الأقدمين.

و قوس نصر أقيم للقائد فيليبس الذي صار امبراطورا و هو من أهالي بصرى.

و المشهد نصف دائرة قطره 271 قدما و هو مكشوف من الأعلى مثل كل المشاهد الرومانية. و فيها مشهدان و ستة هياكل و عشر كنائس أو عشرة مساجد، عدا القصور و الحمامات و السبل و القنوات و أقواس النصر و غير ذلك من المباني الكثيرة و بعضها ما يصلح أن تزدان به أعظم عواصم أوربا الآن.

و لقد شوهد في معظم المدن التي بناها الرومان في هذه الديار و في غيرها أنها متشابهة في مرافقها إلا قليلا. ففي كل مدينة ساحة عامة (فوروم) و ما يتبعها من المرافق و معبد الكابتول أو معبد المشتري و جونون و مينرفا (ربة الحكمة و الفنون و الحرب). و كانت في المدن الرومانية بمثابة البيع الكاتدرائية في مدن أوربا الحديثة. و فيها أسواق ذات نضائد من الحجر و فوارات و مقاسم ماء ذات قنوات لا تزال ترى إلى اليوم آثارها. و مراحيض عامة و خاصة.

و أماكن للاستحمام فيها مغاطس باردة و حارة و بيوت للتعريق. و قاعات للرياضة و المحادثة و مماش للتنزه. و أفران و أقواس نصر و أبواب تغلق ليلا و دور تمثيل لا يزال في أكثرها مصاطبها المدرّجة و مساكن خاصة.

242

و من أهم مصانع الشام عاديات قنوات في جبل حوران وصفها بورثر بقوله: بلغنا أكمة تطل على قنوات فرأينا على اليسار واديا عميقا، و على جانبه الغربي خرائب المدينة القديمة و سورها يتبع الشواهق مسافة ميل ثم ينعطف متعرجا. فيكتنف أرضا عرضها نصف ميل فيها القصور و الهياكل و الكنائس و المشاهد و ما ماثلها من المباني الفخمة قائمة بعضها بإزاء بعض على نسق بديع يدهش الأبصار. و وراء السور في أسفل الوادي و على الجبال المحيطة به في القنن الشاهقة و بين حراج البلوط أعمدة رفيعة، و أبراج مشيدة، و مدافن عالية. و اسمها عند اليونان قناتا و سماها العرب قنوات بلغت أوج مجدها على عهد الرومان، و كانت من أعظم المدن شرقي الأردنّ. و في عهد النصرانية تنصر أهلها و حولوا هياكلها كنائس لكنها خربت بعد الفتح الإسلامي و قتل سكانها أو هجروها فلم يعن المسلمون بجعل كنائسها مساجد كما فعلوا في غيرها من مدن الشام.

ثم ذكر أنه لم ير في مدينة أخرى من مدن فلسطين ما رآه في هذه المدينة و بينها تماثيل أسود و فهود و كلاب، و فيها رأس عظيم للربة عشتاروت أمام هيكل صغير، و أمام القصر ساحة فسيحة تحتها صهريج كبير سقفه معقود، كانت المياه تجري إليه بقناة منحوتة في جانب الوادي، فيجتمع فيه ما يكفي المدينة فصل الصيف. و غربي المدينة على ربع ميل منها هيكل جميل يحيط به رواق من العمد الكورنثية، و هو قائم على أكمة صناعية و قد سقط أكثره و تصدعت الجدران، و فيها برج مستدير و آثار سور. و في بطن الوادي مماش مدرجة و فساقي منسقة و كراسي التماثيل و هيكل صغير و ملعب نحتت مقاعده في الصخر. و فوق دكته كتابة يونانية كبيرة الحروف يقال فيها إن مرقص لوسياس بناه على نفقته و وهبه لأبناء وطنه. و يصعد من هذا الملعب بسلم منحوت في الصخر إلى البرج المستدير و هو ضخم الحجارة قديم البناء لم يبق منه إلا ما ارتفاعه عشرون قدما و على مقربة منه بقايا قصر مبني بحجارة كبيرة منحوتة و أغلاق أبوابه و كواه من الحجر كلها و هي كثيرة النقش عليها أكاليل بارزة من الأزهار و الأثمار.

و من أهم الآثار في الشام جسر المعاملتين و جسر جبيل بين البلدة و مدافنها

243

القديمة و منها قناتان تمتدان بين نهر الكلب و جونية. و الثانية القناة الكبرى التي كانت تنقل مياه الجبل إلى بيروت و هي من عجائب الآثار القديمة. و منها هيكل دير القلعة بالقرب من بيت مري في لبنان و هيكل أنقا عند منبع نهر إبراهيم و هيكل فقرا فوق مزرعة كفر ذبيان في سفح جبل صنين. و في لبنان هياكل رومانية أخرى كهيكل زيزا و ناوس في جهات أميون قرب طرابلس و تماثيل كثيرة مبعثرة. و في البترون حصن منيع و ملعب و في بيروت مسرح، و من قلاعهم قلعة صربا و يحمور. و من أجمل حماماتهم حمام شهبة الذي يذكر بخرائبه الفخمة كما قال ري بحمامات كاراكالا في رومية. و كنيسة السويداء التي تشبه كنيسة القديس بولس في رومية. قال و لا شك أنها أجمل قطعة من هندسة روم القسطنطينية في جميع إقليم حوران.

الهندسة الشامية و الكنائس و الهياكل:

قال أحد علماء الآثار: إن في الشام الوسطى مجالا واسعا للأبحاث العلمية و درس العاديات، فإن فيها ما لا يحصى من الأبنية العادية كالهياكل الوثنية و الكنائس المسيحية و دور الخاصة و الأندية العمومية من أواخر القرن الأول قبل المسيح و القرن السابع للميلاد، و لأكثرها كتابات تاريخية تزيل الريب في زمانها. و هذه الآثار تتوالى سنة بعد سنة حتى لو جعلت على سياق متواصل لما وجدت عشرة أعشار من السنين خالية من أثر أو آثار.

و قد عدّ ابن خرداذبة من عجائب البنيان ملعب فامية و تدمر و بعلبك ولدّ و باب جيرون قال و الروم تقول: ما من بناء بالحجارة أبهى من كنيسة الرّها (أورفة)، و لا من بناء بالخشب أبهى من كنيسة منبج، لأنها بطاقات من خشب العناب، و لا بناء بالرخام أبهى من قسيان أنطاكية، و لا بناء بطاقات الحجارة أبهى من كنيسة حمص. و بيعة القسيان في أنطاكية هيكل طوله مائة خطوة و عرضه ثمانون و عليه كنيسة على أساطين و كان بدور الهيكل أروقة يجلس عليها القضاة للحكومة و الطلبة للدرس، و على أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان للساعات يعمل ليلا و نهارا اثنتتي عشرة ساعة، و في أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات و بساتين و مناظر حسنة تخرّ منها

244

المياه، و هناك كنائس كثيرة معمولة بالذهب و الفضة و الزجاج الملون و البلاط المجزع. و كنيسة حمص كما قال المسعودي من بناء هيلانة و هي إحدى عجائب العالم. و كان في مادبا من عمل البلقاء آثار مهمة اكتشفت مثل سوق طوله 140 مترا له عمد على الجانبين. و من العجائب آثار عسقلان و اشتهرت الشام بطرابيلها أي صوامعها. و في كتاب لبنان أن من الآثار اليونانية البيزنطية في لبنان كنيسة مشنقة، و معبد ناوس فوق شبطين، و معبد كفر شليمان، و كنيسة حدثون و كانت مبلطة بالفسيفساء تمثل رسوما و تصاوير جميلة، و من الفسيفساء أمثلة جميلة في بعض الكنائس القديمة في لبنان كفسيفساء كنيسة القديس جاورجيوس في سرح، و كنيسة كور القديمة، و ما وجد في النبي يونس من دائرة فيها كأس حولها طيور كالطاووس و الحجل و بعض الحيوانات الرمزية تاريخها سنة 554 م. و كان في بيروت عدة كنائس بيزنطية. و من الكنائس المهمة كنيسة مريم في دمشق كانت ذات شأن قال ابن جبير في القرن السادس: إن لها عند الروم في دمشق شأنا عظيما و ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها. و سنعرض للكلام على بقية الكنائس و الأديار في الفصل الخاص بها من هذا السفر.

آثار العرب قبل الإسلام:

كان العرب قبل الإسلام يختلفون إلى الشام و كان النبط و هم عرب هم الذين أنشأوا آثار جرش و البتراء. و الغسانيون و اليهم تنسب آثار كثيرة في الشام الوسطى و منها قصر النعمان بن المنذر في السويداء و في حارب.

و بنى جفنة أول ملوكها جلق و القريّة و عدة مصانع. و بنى ابنه عمرو دير حالي و دير أيوب و دير الدهناء. و بنى ثعلبة بن عمرو عقة و صرح الغدير في أطراف حوران مما يلي البلقاء. و بنى جبلة بن الحارث من ملوكهم القناطر و أذرح و القسطل. و بنى الحارث بن جبلة و كان مسكنه البلقاء الحفير في البلقاء، و مصنعه بين دعجان و قصر أبير. و بنى المنذر بن الحارث صربا و رزقا قريبا من الغدير. و بنى جبلة بن الحارث قصر حارب. و بنى الأيهم ابن الحارث من الأديار دير ضخم و دير النبوة و سعف. و بنى عمرو بن‏

245

الحارث قصر الغضا و صفاة العجلات و قصر منار. و كان منزل جبلة بن النعمان بصفين و هو صاحب عين أباغ. و أصلح النعمان بن الحارث صهاريج الرصافة و كان بعض ملوك لخم خربها.

و حكم التنوخيون شمالي الشام قبل أن يجيئها جيوش العرب بقرون و لم نعرف للضجاعم و التنوخيين آثارا تذكر. و آثار الصفا و لغتها المأخوذة من الحميرية العربية بخط سبأ و آثار بني سميدع العرب في السويداء من جملة الشواهد على ذلك. و أقدم أثر عثر عليه العلماء و كتب بالعربية كتابة عثر عليها في زبد للجنوب الشرقي من حلب، و أخرى في حران جنوبي دمشق من أعمال اللجاة في حوران. الأولى مثلثة اللغات عربية و سريانية و يونانية يرتقي عهدها إلى سنة 512 ب. م و الثانية بالعربية و اليونانية تاريخها سنة 568 ب. م بيد أن دوسو اكتشف كتابة عربية مكتوبة بالحرف النبطي في حرّة وادي السوط على مسافة كيلو متر من النمرة في حوران إلى جنوبها الشرقي و تاريخ هذه الكتابة سنة 223 لبصرى الموافقة لسنة 328 للمسيح فتكون هذه أقدم كتابة عربية. و في الكتابة المذكورة تاريخ وفاة أحد ملوك عرب الشام و اسمه امرؤ القيس بن عمرو ملك بني أسد. وزار أحد عمال القياصرة في بادية الشام هذه الكتابة و أولها: «تي نفس (هذا قبر) امرء القيس بر (بن) عمرو ملك العرب كله ذو (الذي) أسر التاج و ملك الأسدين و نزار و ملوكهم الخ». و نسب دوسو عدة أبنية في سيف البادية إلى الغسانيين.

و لقد أخطأ كلرمون غانو في قوله: ليست المدنية العربية إلا كلمة خداعة لا وجود لها أكثر من فظائع الفتح العربي، و إن المدنية العربية آخر أنوار المدنية اليونانية و الرومانية طفئت بأيد خرقاء و لكنها محترمة و هي الإسلام.

ليست الحضارة ثمرة جيل بذاته و لا هي مما يرتجل ارتجالا كالإرث لا يكون ابن يومه بل هو عبارة عن مجموع إرثي من القوى الحية. هو كنز من التوفير أتت عليه مئات من السنين قد يستطيع أحد اللصوص أن يضع يده عليه و يبذّر فيه يوما، و لكن حياته بأسرها لا تكفي للإيجاد، فقد احترمت هاته الأمة الحديثة النعمة ما وجدته من الإدارات و المعارف و الفنون، على حين لم يكن وراءها ماض تعتز به، و اقتصرت أن تحول كل شي‏ء إلى منفعتها، و بلغ‏

246

بها الحال أيضا أن جعلت لدى مسيس الحاجة امتيازات للقائمين على احتكار هذه الفضائل العقلية، و هي امتيازات جادت بها، و نار التعصب يحرقها، فتساهلت معها تساهلا دينيا عجيبا اه. نعم أخطأ في حكمه على العرب و هم ما خربوا العاديات و لكنهم لم يتوفروا على ترميمها بعد أن كان للعرب من البنيان قصر غمدان و كعبة نجران و قصر مأرب و قصر مارد و قصر شعوب و الأبلق الفرد و قصر المشتى و الفدين و غيرها من المصانع و القصور التي سنعرض لها في هذا البحث كيف يسلبهم كلرمون غانو إبداعهم المجمع عليه.

قصور العرب في الإسلام:

تخلى جمهور من الروم في دمشق عن دورهم في الفتح و لحقوا بهرقل فنزلها الفاتحون، ثم أخذوا في كل بلد ينزلونه يرمّون ما عور من بنائه، و ربما بنوا بالمدراي باللبن و الطين أولا، ثم عادوا إلى استعمال الحجر. فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لما بلغه أن سعدا و أصحابه بنوا بالمدر كتب: أكره لكم البنيان بالمدر فأما إذا فعلتم فعرضوا الحيطان، و أطيلوا السمك، و قاربوا بين الخشب. و قد كان لبعض الصحابة الكرام ممن فتحوا دمشق دور و قصور منتشرة في أنحاء المدينة مثل دار أبي عبيدة بن الجراح و خالد بن الوليد و فضالة بن عبيد و العباس بن مرداس و أبي العزيز الأزدي و وابصة بن معبد و طلحة بن عمرو و خالد بن أسيد و النعمان بن بشير الأنصاري و واثلة بن أسقع و هبار بن الأسود و عمرو بن العاص و أوس بن أوس و يزيد ابن نبيشة و عبد اللّه بن عامر إلى أمثالهم. و لا نعرف إلا مكان دار أبي عبيدة و كان في محلة حجر الذهب أي المحلة التي تعرف اليوم بالبيمارستان و كانت أجمل حيّ في دمشق.

و كان معاوية يقيم أحيانا في غوطة دمشق و ينصب الأبنية و الأروقة و الفساطيط و زعم اليعقوبي أن معاوية كان أول من بنى وشيد البناء و سخر الناس في بنائه و لم يسخر أحد قبله. و لما بنى معاوية داره بدمشق المعروفة بالخضراء، لقبة خضراء بناها عليها عرفت الدار بها، و ذلك قبلي الجامع الأموي، دخلها وفد الروم فقالوا: ما أحسن ما بناها للعصافير. و في رواية أما أعلاها

247

فللعصافير و أما أسفلها فللنار، فهدمها و بناها بالحجر. و الغالب أنها ظلت عامرة إلى القرن الخامس و فيها دار الإمارة. و احترقت سنة (461) و بادت على ما نقل البرزالي. و قرأ المقدسي في بعض الكتب أن ما أنفق على الخضراء ثمانية عشر حمل بغل ذهب. و لما استخلف عبد الملك بن مروان طلب من خالد بن يزيد بن معاوية شراء الخضراء و هي دار الإمارة بدمشق فاشتراها بأربعين ألف دينار، و اشترى منه أربع ضياع بأربعة أجناد الشام اختارهن فاختار من فلسطين عمواس، و من الأردن قصر خالد، و من دمشق الأندر، و من حمص دير زكا.

و بنى الأمويون بعده بيوتا لهم كانت بجوار الجامع و منها دار عمر بن عبد العزيز مكان المدرسة السميساطية الآن، و دار هشام مكان تربة نور الدين، و قصر سليمان بن عبد الملك، مكان سقاية جيرون، و دار مسلمة ابن هشام بباب البريد. قال الذهبي: بنى سليمان بن عبد الملك دار السلطنة و عمل بها قبة صغرى عالية بدمشق بدرب محرز. و كان لعاتكة ابنة يزيد ابن معاوية قصر خارج باب الجابية بدمشق. و قال ابن عساكر: كانت دار هند بنت معاوية في درب القبلي. و قصر حجاج منسوب إلى الحجاج ابن عبد الملك بن مروان. و قال ابن شاكر: و كان قبله أيضا معروفا بالحجاجية ملكا للحجاج بن يوسف الثقفي فلما ولد لعبد الملك بن مروان ابنه الحجاج المذكور و كانت أمه بنت محمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف الثقفي سمته باسم عمها الحجاج فنحله الأرض المذكورة و بنى له القصر فعرف به و نسب إليه. و قال آخر: إن الحجاج بن يوسف وهب للحجاج بن عبد الملك دارا بدمشق تعرف بدار الحجاج. و اسم قصر الحجاج ما زال يدور على الألسن إلى اليوم دون القصر الذي دثر.

و قد بنى الأمويون قصورا لهم في الغوطة و كانوا يملكون جانبا عظيما منها و لكن لم يظهر لها أثر و لا خبر. قال ابن حزم: و كانت دولة بني مروان على علاتها دولة عربية لم يتخذ ملوكها قاعدة لأنفسهم إنما كان سكناهم كل أمير منهم في داره و ضيعته التي كانت له قبل الخلافة. و من قصور الأمويين في حمص قصر خالد بن يزيد بن معاوية جدده في زمن العباسيين عامل تلك‏

248

المدينة الفضل بن قارن الطبري و تحصن به لما وثب به أهلها.

عناية الأمويين و تفننهم:

و في أيام الوليد بن عبد الملك كانت الناس تتكلم في البنايات و العمائر لزيادة رغبته في البناء فبنت الناس المجالس الحسان، و ذلك لأن الخليفة كان يرغب في البنايات و إتقان المصانع، و في عهده دخلت دمشق في طور العواصم و الناس على دين ملوكهم. قال أحد المؤرخين: و كان الوليد عند أهل الشام محبوبا لأنه صاحب عمارة و بناء، عمر الضياع و وضع المنار في الطرقات، و أعطى المجذّمين و أفردهم، و قال: لا تسألوا و أخدم كل مقعد خادما، و أعطى كل ضرير قائدا، و كتب إلى جميع البلاد بهدم المساجد و الزيادة فيها، و تسهيل الطرق و حفر الأنهار، و أن تعمل البيمارستانات التي تعالج فيها المرضى، و هو أول من فعل ذلك و هو أول من أجرى على القراء و قوام المساجد الأرزاق.

قال ابن أبي عيلة رحم اللّه الوليد، و أين مثل الوليد، افتتح الهند و الأندلس و بنى مسجد دمشق، و كان يعطيني قصاع الفضة أقسمها على قراء (فقراء) مسجد بيت المقدس. وعدّ المقدسي من أمصار المسلمين في الشام أو من المدن التي عمرها المسلمون و بعبارة أخرى الأمويون ثم العباسيون على قلة:

أنطاكية، بالس، المعرتين، منبج، قنسرين، سلمية، تدمر، اللاذقية، جبلة، جبيل، انطرسوس، بانياس، اللجون، جوسية، حماة، شيزر، وادي بطنان، داريا، بانياس، صيدا، بيروت، عرقة، طرابلس، الزبداني، كامد، عرجموش، بيسان، أذرعات، قدس، كابل، عكا، صور، الفراذية، بيت جبريل، غزة، عسقلان، يافا، أرسوف، قيسارية، نابلس، أريحا، عمان، ديلة، عينون، مدين، أذرح، مآب، معان.

الجامع الأموي و المسجد الأقصى:

و من أهم الآثار التي تنم عن ذوق عربي في هذه الديار الجامع الأموي، و قد جرى ترميمه في أوقات مختلفة و القليل الذي بقي من آثار نقش العرب‏

249

و تصويرهم يدل على ما كان هناك من ذوق سليم، و يد صناع. و هندسة الجامع الأموي و المسجد الأقصى مقتبسة من الهندسة اليونانية و ممزوجة بأشياء إسلامية.

بعث ملك الروم إلى الوليد كثيرا من البنائين و المقدّرين أي المهندسين مع ما بعث إليه من المفصص أي الفسيفساء و الذهب قال المقدسي: إن الوليد جمع لبناء الجامع الأموي حذّاق فارس و الهند و المغرب و الروم. و روى ابن شداد: أن الوليد اقتلع من كنيسة أنطاكية عمدا عجيبة من المرمر و الرخام لمسجد دمشق حملت في البحر إلى ساحلها. و لما كان البناء من صنع بنائين مختلفين ساغ أن نقول: إنه جمع أجمل ما في الهند و فارس و آثينة و رومية.

أما طرز البناء فالغالب أن بعض الجدر بقيت بحالها كما كانت يوم كونها بيعة أو معبدا للصائبة. و مساجد الشام و مصر مبنية على شكل الكنائس التي قال المؤرخ أو سابيوس: إنها ذات أفنية و أواوين و فساقي و مساكن للقسس.

و لقد بلغ من تفنن الوليد بزخزفة الجامع الأموي و نقشه و تصويره ما يعجب منه و لا يكاد يكون له نظير في هذه الديار فقد قال ابن كثير: إن أرض الجامع الأموي كانت مفصصة كلها و إن الرخام كان في جدرانه إلى قامات و فوق ذلك كرمة عظيمة من ذهب و فوقها الفصوص المذهبة و الخضر و الحمر و الزرق و البيض و سقفه مقرنص بالذهب و السلاسل المعلقة فيه من ذهب و فضة. و قد أنفق فيه خراج الشام سنتين و في رواية أربعمائة صندوق كل صندوق ثمانية و عشرون ألف دينار. و كان خراج الشام على عهد بني أمية ألف ألف دينار و مائتي ألف دينار. و ذكر بعضهم أن الوليد أخذ ربع أعطيات أهل دمشق تسع سنين و كانوا خمسة و أربعين ألفا يستعين بها على عمارة جامع دمشق. قال المقدسي: و الجامع جامع دمشق أحسن شي‏ء للمسلمين اليوم و لا يعلم لهم مال مجتمع أكثر منه و من أعجب شي‏ء فيه تأليف الرخام المجزع كل شامة إلى أختها، و لو أن رجلا من أهل الحكمة اختلف إليه سنة لأفاد كل يوم صنعة.

دخل المأمون مرة جامع دمشق و معه أخوه المعتصم و يحيى بن أكثم فازدادوا عجبا قال المأمون لهما: أي شي‏ء يعجبكما من هذا المسجد فقال المعتصم:

250

ذهبه فإنا نضعه في قصورنا فلا تمضي عليه عشرون سنة حتى يحول، و هذا بحاله مع طول الزمن، كأن الصانع فرغ منه الآن. فقال المأمون: ما أعجبني هذا. فقال يحيى بن أكثم: الذي أعجب أمير المؤمنين تأليف زخارفه فإن فيه عقودا ما يرى مثلها. فقال المأمون: كلا بل أعجبني أنه بني على غير مثال شوهد.

كاد المؤرخون و الجغرافيون من العرب يجمعون على أن المسجد الأقصى أحسن من جامع دمشق. عمّر عبد الملك بن مروان سنة 65 الحرم و القبة الكبرى التي فوق الصخرة على أسلوب جميل لم يسبق إليه. قال بعضهم:

إن شكل قبه الصخرة مستعار من الهندسة البيزنطية ثم هدم الكنيسة التي كان شيدها يستنيانس و بنى موضعها المسجد الأقصى، و تنوق في تنميقه و أكمل البناء سنة 72 و قالوا: إن أساس المسجد الأقصى من عمل داود و هو على غاية الحسن و الإحكام كما قال ياقوت مبني على الأعمدة الرخام الملونة و الفسيفساء التي ليس في الدنيا أحسن منه لا جامع دمشق و لا غيره. و روى ابن العديم أن جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة و الرخام و الفسيفساء و أن سليمان بن عبد الملك هو الذي بناه و تأنق في بنائه ليضاهي به ما عمله أخوه الوليد في جامع دمشق. و كان سليمان بن عبد الملك يسكن الرملة قبل الخلافة عمّرها و بنى مسجدها الجامع و خرّب له جارتها.

تاريخ الحرم القدسي:

شيد المسجد الأقصى و قبة الصخرة في مكان تل موريا، و هي منزلة دينية سامية قدسها الوثنيون و اليهود و المسيحيون و المسلمون، و ربما كانت بيدرا لأحد اليبوسيين سكان فلسطين القدماء، و قد بنى فوقها داود بعد فتحه المدينة مذبحا تقدم فيه القرابين. و أمر سليمان سنة (1013 ق. م) بإنشاء قصر له مكان المسجد الأقصى و هيكل فخم حيث قبة الصخرة. و قد دمره الكلدانيون سنة (588 ق. م) و في السنة العشرين قبل الميلاد شرع هيرودس الكبير بإقامة هيكل و برج عال في المكان نفسه و لم يتمه، و دمره جنود الرومان سنة 70 لما استولى طيطوس على بيت المقدس. و بنى الامبراطور ادريانوس سنة 130 م‏

251

مدينة ايلياء و أمر بتشييد زون كبير للمشتري إله الحرب اثنا عشري الشكل(Dodecastyle) فنصب فيه صنما للمشتري و آخر لديوسقورس أو صنم التوأمين (كاستور و بلوكس) و أقام تمثالا لنفسه بالقرب من الصخرة المباركة. و قضى الفرس على بيت المقدس لما اكتسحوها سنة (614).

و لما وافى عمر بن الخطاب القدس ذهب توا إلى مكان الحرم الشريف و أزال ما كان فيه من الأقذار، و لما أفضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان و حيل بينه و بين الحرمين الشريفين لقيام عبد اللّه بن الزبير خليفة في الحجاز أمر بإنشاء المسجد الأقصى و قبة الصخرة في بيت المقدس و رصد لذلك خراج مصر سبع سنين ففرغ في سنة (72 ه) و كتب اسمه منقوشا بالفسيفساء عند مدخل الصخرة من الباب الجنوبي «بنى هذه القبة عبد الملك ... أمير المؤمنين في سنة اثنتين و سبعين تقبل اللّه منه و رضي اللّه عنه آمين» أما الكتابة الأثرية فهي على المثمنات 1: بسم اللّه الرحمن الرحيم. لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له. محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه. بنى هذه القبة المباركة. 2: عبد اللّه عبد [اللّه الإمام المأمو] ن أمير المؤمنين في سنة اثنتين و سبعين تقبل اللّه منه و رضي اللّه عنه آمين. و الكلمات الثلاث الموضوعة ضمن قوسين هي بخط أصفر و نقش أغبر و هي كانت و لا شك [الملك بن مروا] و قد أبدلتها يد صناع. أما الذي تولى عمارة القبة سنة 216 ه من قبل المأمون فهو صالح ابن يحيى و لكنهم نسوا أن يرفعوا التاريخ الأصلي لبناء القبة و هو سنة 72.

و سقط شرقي المسجد و غربيه سنة 130 بالزلازل و كذلك في سنة 158 فجدد في سنة 169 في خلافة المهدي، و قد أنقص من طوله و زيد في عرضه، وجدد عمارة قبة الصخرة في أيام المأمون (216) و زلزلت الأرض ثالثة (407) فتهدمت قبة الصخرة و بعض الجدران، فجددها الظاهر الفاطمي (413 ه) و زيد فيه في زمن الفاطميين البناء المسمى بجامع النساء، و كان في مسجد بيت المقدس ثلاث مقاصير للنساء طول كل مقصورة سبعون ذراعا.

و لما احتل الصليبيون بيت المقدس حولوا قبة الصخرة إلى كنيسة، و المسجد الأقصى إلى منزل لسكنى ملكهم. و لما استعاده صلاح الدين أعاد الحرم إلى ما كان عليه و أمر بترميم محراب الأقصى و كتب عليه بالفصوص المذهبة ما

252

نصه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. أمر بتجديد هذا المحراب المقدس، و عمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس، عبد اللّه و وليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا و الدين عندما فتحه اللّه على يديه في شهور سنة ثلاث و ثمانين و خمسمائة، و هو يسأل اللّه إذاعة شكر هذه النعمة، و إجزال حظه من المغفرة و الرحمة».

و في سنة (634) عمر في المسجد الملك المعظم عيسى. و في سنة (668) رمّ المسجد و الصخرة الظاهر بيبرس. و في سنة (686) عمر فيه المنصور قلاوون و رم فيه كتبغا المنصور لاجين و الناصر قلاوون في سلطنته الثالثة و في أيامه عمر فيه أيضا الأمير تنكز الناصري. ثم جدد الأشرف شعبان (769) و الظاهر برقوق (789) و الظاهر جقمق العلائي و في سنة (877) جدد فيه الأشرف أبو النصر. و في أيام العثمانيين تمت في الحرم عدة عمارات منها ما جدده سليمان القانوني سنة (969) و منها ما جدد في سني 1232 و 1256 و 1291 و بعدها.

المسجد الأقصى اليوم:

هو أولى القبلتين و ثالث الحرمين الشريفين، و وقع الحرم على مساحة مربعة طول الجهة الغربية منها 490 مترا و الشرقية 474 مترا و الشمالية 321 مترا و الجنوبية 283 مترا يحيط بها سور يختلف ارتفاعه بين 30 مترا و 40.

و يبلغ طول بعض الحجارة فيه خمسة أمتار طولا في أربعة أمتار عرضا.

و حول السور من جهة الغرب و الشمال أروقة فسيحة معقودة يتخللها بعض أبواب الحرم و هي 14 بابا. و قد قام جامع الصخرة الشريفة في فناء مربع مفروش بالبلاط النحيت طوله من القبلة إلى الشمال أكثر من عرضه من المشرق إلى المغرب و ارتفاعه ثلاثة أمتار يصعد إليه بأدراج من الجهات الأربع، و عقد على كل درج من أعلاه قناطر هيفاء دعمتها عمد من الرخام. و القبة على بناء فخم مثمن الشكل، ذرع كل تثمينة منه 29 ذراعا و ثلث ذراع (40/ م 20). و قد كسي القسم السفلي من ظاهر بالرخام الأبيض المشجر، و القاشاني البديع الذي يترقرق فيه ماء الألوان المتزاوجة، من لازوردي صاف و أخضر قاتم و أبيض ناصع، يعلو ذلك شبه افريز رسمت عليه آي‏