خطط الشام‏ - ج5

- محمد الكرد علي المزيد...
296 /
253

القرآن. وضع هذا القاشاني في أيام سليمان القانوني سنة (969) ه و تحتوي كل تثمينة من البناء على سبع طاقات للتي لا باب فيها و على ست للتي لها باب.

و الطاقات المحاذية لأطراف التثمينات مسدودة كلها، و الأخرى مركب عليها الزجاج و الشبابيك الحديد. و لجامع الصخرة أربعة أبواب مزدوجة داخلا و خارجا مربعة الشكل بعقود مقوسة، و أمام الباب الأخير من الخارج رواق مفروش بالرخام عليه سقف مكسو بالقاشاني في وسطه قنطرة معقودة و السقف محمول على ثمانية أعمدة من الرخام مختلفات في النوع و اللون، و للباب المذكور مصراعان ملبسان بالنحاس الأصفر المنقوش، عليها أقفال نفيسة متقنة الوضع.

و يبلغ دور البناء من الداخل 53 مترا و هو مقسم إلى ثلاث دوائر يفصل بعضها عن بعض صفان مستديران من الأعمدة و الأركان يتألف الأول منها من ثماني سوار مسدسة الأضلاع و 16 عمودا منها «أبيض و أزرق» عشرة و «أخضر مرسيني» ثلاثة و «شحم لحم» ثلاثة، و الصف الثاني مؤلف من أربع سوار مربعة الأضلاع و اثني عشر عمودا منها سبعة «أخضر مرسيني» و خمسة «شحم لحم». و السواري ملبسة بالرخام المشجر و الملون البديع، و الأعمدة قديمة جدا و أكثر تيجانها تدل على أنها من الطراز الروماني أو البيزنطي القديم و يربط أعمدة الصف الأول بعضها ببعض و بالسواري بساتل ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب. و تحمل هذه الأعمدة مع جدار الجامع سقفا مائلا بعض الميل مدهونا بأنواع الدهان قائما على قناطر مرصعة بالفص المذهب متصلا طرفه الأعلى بكرسي القبة. و يزين باطن القبة مجموعة لا نظير لها من الفصوص الملونة تمثل 64 شكلا من الزخارف على نحو ما كان يصنعه فنانو البيزنطيين، و هي مركبة على سطح موشى بالذهب و في كرسي القبة ست عشرة طاقة زجاج مذهبة يعلو كلا منها طبقة من الجبس، مقسمة عيونا مغطاة بقطع الزجاج المختلفة الألوان و الأشكال، تنفذ منها أشعة الشمس صافية، ملطفة بفضل ألواح الزجاج الخارجية و المشبكات المصنوعة من القاشاني، و على هذه الطاقات نقوش تدل على أنها صنعت في زمن السلطان سليمان سنة (945) ه كما أن المرمر الذي يكسوها ركّب في زمن السلطان صلاح الدين وجدد في أيام سليمان القانوني.

254

و الصخرة الشريفة قائمة على درابزين من خشب منقوش مدهون بأنواع الأصباغ طولها 70، 17 مترا و عرضها 50، 13 مترا و يبلغ ارتفاعها عن الأرض نحو 25، 1 متر إلى مترين، و ينزل إلى المغارة التي تحتها بإحدى عشرة درجة من جهة القبلة، و عند باب المغارة قنطرة معقودة بالرخام العجيب على عمودين و بباطنها محرابان كل محراب على عمودي رخام لطيفين، و أمام المحراب الأيمن صفّة تسمى مقام الخضر يواجهها عمود رخام قائم للسقف و آخر راقد، و في الركن الشمالي منها صفّة تسمى باب الخليل، و جميع باطن أرض الصخرة و المغارة مفروش بالرخام، و في وسط المغارة بلاطة مستديرة ينبعث عنها إذا نقر عليها رنين تتجاوب أصداؤه مما يدل على خلو ما تحتها. و حول الدرابزين الخشب مصلى للنساء و هو محاط بالقضب الحديدية من جميع جهاته، و له أبواب أربعة لا يفتح منها عادة إلا الباب الغربي الموازي لباب النساء و هو من عمل الصليبيين إبان احتلالهم بيت المقدس.

صفة المسجد الأقصى:

يقع المسجد الأقصى جنوبي جامع الصخرة و طوله 80 مترا و عرضه 55 مترا عدا ما أضيف إليه من الأبنية، و أول ما يقابلك من هذا المسجد عند مدخله من الجهة الشمالية رواق كبير أنشأه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق سنة (634) ه وجدد من بعده و هو مؤلف من سبع قناطر عقدت على ممشى ينتهي إلى سبعة أبواب، كل باب يؤدي إلى كور من أكوار المسجد السبعة. و للمسجد عشرة أبواب و البناء قائم على خمسة و أربعين عمودا.

و الغالب أن هذه الأعمدة قديمة نقلت من أنقاض أبنية متنوعة أقدم عهدا من الحرم. و فوق الأعمدة قناطر يربط بعضها ببعض أخشاب ضخمة مستطيلة، و فوق القناطر صفان من الطاقات و يتألف باطن السقف من عوارض كلها من الخشب. و عدة ما في المسجد من السواري أربعون، و هي ضخمة مربعة الشكل مبنية بالحجارة. و بأقصى الباب من جهة الجنوب قبة مرتفعة مزينة بالفصوص الملونة المذهبة. و هي مما رممه صلاح الدين (584 ه) كما رمّ أكبر جناحي المسجد، و القبة و الجناح على الغالب إنما صنعا في خلافة المهدي‏

255

بعد تهدم المسجد بفعل الزلازل، و هي كقبة الصخرة من خشب مكسوة بصفائح الرصاص من ظاهرها و بالفص المذهب من باطنها، و مجدد هذه التزيينات هو الناصر محمد بن قلاوون سنة (728) ه و هناك آيات قرآنية كتبت بخط كوفي على جانبي المحراب. و المحراب قائم على أعمدة لطاف من المرمر و بجانبه المنبر و هو من الخشب المرصع بالعاج و الآبنوس عمل في عصر نور الدين زنكي و يقابل المنبر دكة المؤذنين و هي على عمد من رخام.

و من داخل المسجد من جهة الغرب جامع النساء أو الجامع الأبيض، و هو عبارة عن عشر قناطر على تسع سوار في غاية الإحكام بناه الفاطميون، و من جهة الشرق جامع عمر و هو معقود بالحجر و الجير، سمي بذلك لأنه بقية من الجامع الذي بناه عمر رضي اللّه عنه حين الفتح. و إلى جانب هذا البناء إيوان كبير معقود يسمى مقام عزير و به باب يتوصل منه إلى جامع عمر، و بجوار هذا الإيوان من الشمال إيوان لطيف به محراب يسمى محراب زكريا و هو بجوار الباب الشرقي. و في صحن المسجد الأقصى شمالا بركة مستديرة من رخام سورت بالقصب الحديدية يقال لها الكأس، يأتيها الماء بأنابيب خاصة من عيون جارية بالقرب من برك المرجيع المسماة ببرك سليمان أهمها عين عطاب و وادي الآبار.

و من الآثار المهمة في الحرم البناء السفلي المعقود بالحجر معروف عند الإفرنج بإصطبل سليمان و هو عبارة عن مهد عيسى و محراب مريم و العقود الواسعة التي يقوم عليها المسجد الأقصى. و كذا البراق الشريف و هو في السور الغربي و جامع المغاربة و المدرسة النحوية المعظمية و فيها اليوم دار كتب المسجد الأقصى و هي من أبنية الملك المعظم (604 ه) و منبر القاضي برهان الدين بن جماعة و محرابه. و قبة السلسلة و هي شرقي قبة الصخرة و على شكلها صنعت في أيام عبد الملك بن مروان. و قبة المعراج سنة (597) ه. و سبيل قايتباي (887 ه) و ما يحيط بالحرم من المدارس القديمة ..

هذا حاضر المسجد الأقصى و ما إليه و قد أثرت فيه عوامل الطبيعة كالمطر و الشمس و الثلج و الأعاصير الشديدة فنقبت ما يكنها من صفائح الرصاص، و نخرت ما قامت عليه من الأخشاب منذ زمن بعيد، فبادر المجلس الإسلامي‏

256

الأعلى إلى الكشف عن البناء فتبين أنه يحتاج إلى مئة و خمسين ألف جنيه على أقل تعديل. و ألفت لجنة لعمارته برئاسة المعماري كمال الدين و استصرخ الأمم الإسلامية لمعاونته فجمع زهاء ثمانين ألف جنيه، و شرع حالا بما كان احكم بناؤه من حجر منقوش أو مرمر مسنون أو خزف مصقول أو خشب منجور أو صفر مطلي بالفضة أو مكسو بالتبر، أو فص مذهب مزين ملون مشجر مزهر مرصع موشى منمق، و يوشك بفضل اللّه أن يعود إلى ما كان له من بهجة في الأعصار السالفة.

وصف المقدسي للمسجد الأقصى في القرن الرابع:

وصف المقدسي المسجد الأقصى فقال: هو على قرنة البلد الشرقي نحو القبلة أساسه من عمل داود، طول الحجر عشرة أذرع و أقل، منقوشة موجهة مؤلفة صلبة، و قد بنى عليه عبد الملك بحجارة صغار حسان و كان أحسن من جامع دمشق، لكن جاءت زلزلة في زمن بني العباس فطرحت المغطى إلا ما حول المحراب، فلما بلغ الخليفة خبره قيل له: لا يفي برده إلى ما كان بيت مال المسلمين، فكتب إلى أمراء الأطراف و سائر القواد أن يبني كل واحد منهم رواقا فبنوه أوثق و أغلظ صناعة مما كان، و بقيت تلك القطعة شامة فيه و هي إلى حد أعمدة الرخام، و ما كان من الأساطين المشيدة فهو محدث، و للمغطى ستة و عشرون بابا، باب يقابل المحراب يسمى باب النحاس الأعظم مصفح بالصفر المذهب، لا يفتح مصراعه إلا رجل شديد الباع قوي الذراع، عن يمينه سبعة أبواب كبار في وسطها باب مصفح مذهب و على اليسار مثلهن، و من نحو الشرق أحد عشر بابا سواذج، و على الخمسة عشر رواق على أعمدة رخام أحدثه عبد اللّه بن طاهر و على الصحن من الميمنة أروقة على أعمدة رخام و أساطين و على المؤخر أروقة آزاج من الحجارة و على وسط المغطى جمل عظيم خلف قبة حسنة و السقوف كلها إلا المؤخر ملبسة بشقاق الرصاص و المؤخر مرصوف بالفسيفساء الكبار و الصحن كله مبلط وسطه دكة مثل مسجد يثرب يصعد إليها من الأربعة جوانب في مراق واسعة، و في الدكة أربع قباب: قبة السلسلة، قبة المعراج، قبة النبي صلى اللّه عليه‏

257

و سلم. و هذه الثلاث لطاف ملبسة بالرصاص على أعمدة رخام بلا حيطان و في الوسط قبة الصخرة على بيت مثمن بأربعة أبواب كل باب يقابل مرقاة باب القبلي، باب إسرافيل، باب الصور، باب النساء، يفتتح إلى الغرب جميعها مذهبة في وجه كل واحد باب ظريف من خشب التنوب مداخل حسن، أمرت بهن أمّ المقتدر باللّه. و على كل باب صفة مرخمة بالتنوبية تطبق على الصفرية من خارج. و على أبواب الصفاف أبواب أيضا سواذج داخل البيت ثلاثة أروقة دائرة على أعمدة معجونة أجلّ من الرخام و أحسن لا نظير لها قد عقدت عليها أروقة لاطية، داخلها رواق آخر مستدير على الصخرة، لا مثمن على أعمدة معجونة بقناطر مدورة فوق هذه منطقة متعالية في الهواء فيها طيقان كبار، و القبة من فوق المنطقة طولها عن القاعدة الكبرى مع السفود في الهواء مائة ذراع، ترى من البعد فوقها سفود حسن طول قامة و بسطة.

و القبة على عظمها ملبسة بالصفر المذهب، و أرض البيت و حيطانه مع المنطقة من داخل و خارج على ما ذكرنا من جامع دمشق. و القبة ثلاث سافات: الأولى من ألواح مزوقة، و الثانية على أعمدة الحديد قد شبكت لئلا تميلها الرياح، ثم الثالثة من خشب عليها الصفائح و في وسطها طريق إلى عند السفود يصعدها الصناع لتفقدها و رمها، فإذا بزغت عليها الشمس أشرقت القبة و تلألأت المنطقة و رأيت شيئا عجيبا. و على الجملة لم أر في الإسلام و لا سمعت أن في الشرك مثل هذه القبة، و يدخل إلى المسجد من ثلاثة عشر موضعا بعشرين بابا اه.

أصل الجامع الأموي:

كان الجامع الأموي على ما ذكر المؤرخون معبدا قبل الإسلام، قال البيروني: إن من آثار الصابئة القبة التي فوق المحراب عند المقصورة، و كان مصلاهم أيام كان اليونانيون و الروم على دينهم، ثم صار في أيدي اليهود فعملوه كنيستهم ثم تغلب عليها النصارى فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام و أهله فاتخذوها مسجدا. و قال البرزالي: و بنى اليونان و الكلدان هذا المعبد،

258

و كانوا يصلون إلى جهة القطب الشمالي و كانت محاريبه تجاه الشمال و بابه يفتح إلى جهة القبلة خلف المحراب، و هو باب حسن عن يمينه و يساره بابان صغيران بالنسبة إليه، و كان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد و غربيه قصر جيرون، داران يكونان لمن يتملك دمشق قديما فهو أقدم معبد.

و قال شيخ الربوة: إن له نحو أربعة آلاف سنة و هو معبد. و لما فتح المسلمون دمشق أخذوا من النصارى النصف الشرقي من هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة ماريوحنا، و كان المسلمون و النصارى يدخلون من باب واحد و هو باب المعبد الأصلي في القبلة فينصرف النصارى إلى جهة الغرب و المسلمون إلى الشرق. و كان لا يستطيع أهل الإنجيل أن يجهروا في قراءته بكنائسهم و لا يضربوا بناقوسهم إجلالا للصحابة. فلما أخذت أصواتهم ترفع في صلواتهم أحب الوليد أن يبعدهم عن المسلمين فعوضهم عنه أربع كنائس أخرى. و قيل: إنه بذل للنصارى فيه أربعين ألف دينار فلم يريدوا أن يأخذوها فأخذها كما قال ابن العميد. و احتاج الوليد إلى صناع كثيرة فوجه إليه ملك الروم بمائتي صانع.

و حكى الجاحظ في كتاب البلدان أنه كان مبنيا على الأعمدة الرخام طبقتين: الطبقة التحتانية أعمدة كبار، و التي فوقها صغار، في خلال ذلك صورة كل مدينة و شجرة في الدنيا بالفسيفساء الذهب و الأخضر و الأصفر، و في قبليه القبة المعروفة بقبة النسر ليس في دمشق شي‏ء أعلى و لا أبهى منظرا منها، و لها ثلاث منائر إحداها و هي الكبرى كانت ديدبانا للروم و أقرت على ما كانت عليه و صيرت منارة. و روى البرزالي أنه كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست و ثمانين و تكامل في عشر سنين. و كان الفراغ منه سنة ست و تسعين و فيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك و قد بقيت فيه بقايا من الزخرفة فكملها أخوه سليمان بن عبد الملك وجددت فيه أشياء أخر، فمن ذلك القبة الغربية التي في صحنه و يسميها الناس قبة عائشة، و غالب ظني أنها بنيت في سنة ستين و مائة في أيام المهدي، و أما القبة الشرقية التي في صحنه تجاه مشهد علي بن الحسين فعمرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمس‏

259

و أربعمائة و كتب عليها اسمه و اسم الأئمة الاثني عشر.

و ذكر ابن جبير أن طول الجامع من الغرب إلى الشرق مائتا خطوة و هي ثلاثمائة ذراع و ذرعه في السعة من القبلة إلى الجوف مائة خطوة و خمس و ثلاثون خطوة و هي مائتا ذراع و بلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاث مستطيلة من المشرق إلى المغرب سعة كل بلاطة منها ثمان عشرة خطوة، و قامت البلاطات على ثمانية و ستين عمودا منها أربع و خمسون سارية ثمانية أرجل جصية تتخللها و اثنتان مرخمة ملصقة معها بجدار الذي يلي الصخرة، و أربعة أرجل مرخمة أبدع ترخيم مرصعة بفصوص من الرخام ملونة، و قد نظمت خواتيم، و صورت محاريب، و أشكالا غريبة، قائمة في البلاط و يستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته سعته عشر خطا، و عدد قوائمه سبع و أربعون منها أربعة عشر رجلا و الباقي سوار. و سقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص و أعظم ما فيه قبة الرصاص المتصلة بالمحراب و هي سامية في الهواء عظيمة الاستدارة، و قد استقل بها هيكل عظيم هو عماد لها يتصل من المحراب إلى الصحن و القبة، و قد أغصت الهواء فإذا استقبلتها رأيت مرأى هائلا.

و ذكر الباحثون من الفرنج أن طول الحرم الأصلي من الشرق إلى الغرب 1300 قدم و عرضه من الشمال إلى الجنوب 1000 فهو ربع مساحة دمشق كلها. و كان أمام جدرانه الأربعة من الداخل صف من الأعمدة على دائرة كشف علماء الآثار بعضها، و الجامع في وسط هذا الحرم قائم على أسس الكنيسة التي كانت قبله، و هي قائمة على أسس الهيكل الذي كان قبلها أو على بعضها، و الجدار الغربي من الجامع قديم كله، ما عدا باب البريد في وسطه فإنه من زمن العرب، و في الجدار الجنوبي أنواع البناء كلها ففيه جانب من البناء الشامي اليوناني، و جانب من البناء المسيحي في عهد ثيودوسيوس و اركاديوس من القرن الرابع و الخامس للميلاد، و جانب من البناء العربي من زمن الوليد في القرن الثامن، و تجديدات أخرى بعد ما احترق في قرون متعددة.

و قال ابن حوقل: إن الوليد جعل أرض الجامع رخاما مفروشا و جعل وجه جدرانه رخاما مجزعا و أساطينه رخاما موشى و معاقد رؤوس أساطينه ذهبا

260

و محرابه مذهب. الجملة مرصعا بالجواهر و دور السقف كله ذهبا مكتوبا عليه كما يطوف بترابيع جدار المسجد، و إذا أرادوا غسل سقفه بثق الماء إليه فدار على رقعة المسجد بأجمعه حتى إذا فجر منه انبسط عنه و عن جميع الأركان بالسوية. و أبوابه الأربعة كانت أبواب الكنيسة فبقيت على حالها و فيه ثلاث مقاصير: مقصورة معاوية أحدثها سنة 44 لما وثب عليه بعضهم ليقتله. كان في جدار الصحن القبلي من الجامع حجر مدور على ما روى القزويني شبه درقة منقطة بأبيض و أحمر بذل الفرنج أموالا فلم يجابوا إليه. و قد كان عزم عمر بن عبد العزيز أن يعمد إلى ما في الجامع من الفسيفساء و هو النقش المفصص و الرخام فيقلعه و ينتزع السلاسل الذهبية، و كانت ستمائة سلسلة و يجعل مكانها حبالا و ينزع غيرها من ضروب الزينة و يبيعها و يجعلها في بيت المال فأرجعه أهل دمشق عن فكره. و ذكروا له ما قام به أهل الشام من بنائه على هذه الصورة.

و وصف ابن جبير قبة الرصاص في الجامع الأموي فقال: إنها من أعظم ما شاهده من مناظر الدنيا الغريبة و هياكلها الهائلة البنيان قال: إنها مستديرة كالكرة و ظاهرها من خشب قد شد بأضلاع من الخشب الضخام مؤلفة بنطق من الحديد ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة، و تجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها، و داخل هذه القبة و هو مما يلي الجامع المكرم خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا، و هي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب مزخرفة التلوين، بديعة القرنصة، و في الجدار حجارة يزن كل واحد منها قناطير مقنطرة، لا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها، فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو، و كيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده إلى هذه الصنائع العجيبة اه.

و لنابغة بني شيبان من قصيدة يصف فيها بدائع هذا الجامع في القرن الأول و هي في مدح الوليد بانيه:

قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا* * * فصخرها عن جديد الأرض منسوف‏

كانت إذا قام أهل الدين فابتهلوا* * * باتت تجاوبنا فيها الأساقيف‏

261

أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم* * * كما تصوّت في الصبح الخطاطيف‏

فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة* * * و صادق من كتاب اللّه معروف‏

فيه الزبرجد و الياقوت مؤتلق* * * و الكلس و الذهب العقيان مرصوف‏

ترى تهاويلهم من نحو قبلتنا* * * يلوح فيه من الألوان تفويف‏

يكاد يعشي بصير القوم زبرجه* * * حتى كأن سواد العين مطروف‏

و فضة تعجب الرائين بهجتها* * * كريمها فوق أعلاهن معطوف‏

و قبة لا تكاد الطير تبلغها* * * أعلى محاريبها بالساج مسقوف‏

لها مصابيح فيها الزيت من ذهب* * * يضي‏ء من نورها (لبنان) و (السيف)

فكل إقباله- و اللّه زينه* * *- مبطن برخام (الشام) محفوف‏

في سرة الأرض مشدود جوانبه* * * و قد أحاط بها الأنهار و الريف‏

فيه المثاني و آيات مفصلة* * * فيهن من ربنا وعد و تخويف‏

و من أجمل ما وصف به جامع دمشق قول ابن منقذ الكناني من قصيدة:

و كأن جامعها البديع بناؤه* * * ملك يمير من المساجد جحفلا

ذو قبة رفعت فضاهت قلة* * * و منابر بنيت فحاكت معقلا

تبدو الأهلة في أعاليها كما* * * يبدو الهلال تعاليا و تهللا

و يريك سقفا بالرصاص مدثرا* * * يعلو جدارا بالرخام مزملا

قد ألّف الأقوام بين شكوله* * * فغدا الرخام بذاته متشكلا

لم يرض تجليلا بجص فانبرى* * * بالفص يعلو و النضار مجللا

يغشى سوام اللحظ في أرجائه* * * من عسجد أرضا و من فص خلا

فإذا تذر الشمس منه تخاله* * * يلقا تألق أو حريقا مشعلا

فكأنما محرابه من سندس* * * أو لؤلؤ و زمرد قد فصلا

و تخال طاقات الزجاج إذا بدت* * * منه للحظك عبقريا مسدلا

تبدو القباب بصحنه لك مثلما* * * تبدو العرائس بالحليّ لتجتلى‏

و علت به فوّارة من فضة* * * سالت فظنوها معينا سلسلا

و ببابه حركات ساعات إذا* * * فتحت لها باب تراجع مقفلا

و يريك باريها و كل قد رمى* * * من فيه يقذفه يصيب سجنجلا

و ظل الجامع بحاله بهجة النظار و السفار، و مفخر دمشق على غابر الأعصار،

262

و الملوك حتى من العباسيين يرمّون فيه إلى أن التهمه الحريق الأول سنة (461 ه) فذهبت محاسنه، و ذلك في حرب المصريين المغاربة أي الفاطميين مع العراقيين فأحرقوا دارا مجاورة للجامع فتعلقت النيران به فدثرت محاسنه، و تشوه مظره و احترقت سقوفه المبطنة بالذهب و فصوصه، و سقطت القبة كما قال الذهبي فأعيدت إلى ما كانت، و احترق ثانية سنة 740 و كان الأصل فيه كما قال ابن مفلح من النصارى بدمشق، و اشتهر ذلك عنهم، و كتب عليهم محضر به، و نقضت مأذنة عيسى وجددت من أموالهم لكونهم اتهموا بحريقها بإقرار بعضهم. و هذا الحريق عم جميع الجامع و ما حوله من الأسواق. و في سنة (753) كان ثالث حريق و ذلك أنه وقع حريق عند باب جيرون فاتصل بالباب بالنحاس الأصفر فنزعوه و كسروا خشبه و كان من نحاس دمشق و معاملها.

و كان في سنة (795) حريق سوق الدهستان و سوق الورافين و الساعات و نصف المعزية من شرقي الجامع، ثم أعيد إلى ما كان عليه. و رابع حريق كان في سنة (803) عند حضور تيمور و حرقت خزانة المصاحف و الكتب فأعيد سنة (805) إلى قريب ما كان عليه و خامس حريق كان سنة (884).

و أصيب بالزلازل مرات و تعطلت جوانبه و تداعت بعض سقوفه و منها زلزلة سنة (597) فرمي بعض المنارة الشرقية و سقط 16 شرفة و تشققت قبة النسر و آخرها زلزال سنة (1173) فخربت قبة النسر و الرواق الشمالي و أعيد بناؤهما من قابل. حتى إذا كانت سنة (1310) سرت النار إلى جزوع سقوفه فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات فدثر آخر ما بقي من آثاره و رياشه، و حرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي كان جي‏ء به من مسجد عتيق في بصرى، و كان الناس يقولون إنه المصحف العثماني، و جمعت أموال من إعانات و غيرها فنجز القسم الشرقي في سنة (1317) و في سنة (1320) نجز القسم الغربي و ظل العملة في بنائه الذي أرجع إلى ما كان عليه بالجملة عشر سنين و صرف عليه ستون ألف ليرة عثمانية ذهب عدا من تطوعوا للعمل فيه بلا أجر. و لم يبق من محاسن الجامع القديمة إلا جدرانه و بعض كتابات من عهد السلجوقيين و الأيوبيين و المماليك على بعض سواريه. و في دار الآثار بدمشق أيضا حجران كتبابا لخط الكوفي بعمارة قسم من الجامع، في القرن الخامس و صورتهما:

263

الأول- (بسم اللّه الرحمن الرحيم): شهد اللّه أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند اللّه الإسلام.

أمر بعمارة هذه القبة و المقصورة و السقف و الطاقات و الأركان في خلافة الدولة العباسية أيام الإمام المقتدي بأمر اللّه أمير المؤمنين، و في دولة السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم سيد ملوك الأمم أبي الفتح ملك شاه بن محمد و أيام أخيه الملك الأجل المؤيد المنصور تاج الدولة و سراج الملة شرف الأمة أبي سعيد تتش ابن ملك الإسلام ناصر أمير المؤمنين و في أيام وزارة الشيخ الأجل نظام الملك أتابك أبي علي الحسن بن علي الوزير الأجل السيد فخر المعالي ناصح الدولة عميد الحضرتين أبو نصر أحمد بن الفضل من خالص ماله ابتغاء ثواب اللّه عز و جل في شهور خمس و سبعين و أربعمائة.

الثاني- (بسم اللّه الرحمن الرحيم): لقد رضي اللّه عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم و أثابهم فتحا قريبا.

أمر بعمل هذه المقصورة و ترخيم الأركان في خلافة الدولة العباسية أيام المقتدي بأمر اللّه أبي القاسم عبد اللّه أمير المؤمنين و في دولة السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم سيد ملوك الأمم مولى العرب و العجم أبي الفتح ملكشاه بن محمد بن داود أمين أمير المؤمنين و أيام أخيه الملك الأجل تاج الدولة و سراج الملة و شرف الأمة أبي سعيد تتش بن ملك الإسلام ناصر أمير المؤمنين الوزير الأجل السيد فخر المعالي ناصح الدولة عميد الحضرتين أبو النصر أحمد بن الفضل من خالص ماله ابتغاء ثواب اللّه عز و جل في شهور سنة خمس و سبعين و أربعمائة» اه.

قصور الأمويين و مصايفهم و مشاتيهم:

وصف يزيد بن المهلب دار ولي عهد سليمان بن عبد الملك بدمشق فقال:

دخلتها فإذا هي دار مجصصة حيطانها و سقوفها، و فيها و صفاء و وصائف عليهم ثياب صفر و حلي الذهب، ثم أدخلت دارا أخرى فإذا حيطانها و سقوفها خضر، و إذا و صفاؤها و وصيفاتها عليهم ثياب خضر و حلي الزمرد، و إن ولي العهد قاعد على سرير معه امرأته. و وصف حماد الراوية دار هشام بن‏

264

عبد الملك في دمشق فقال: إنها دار قوراء مفروشة بالرخام، و هو في مجلس مفروش بالرخام، و بين كل رخامتين قضيب من ذهب، و حيطانه كذلك، و هشام جالس على طنفسة حمراء، و عليه ثياب حمر من الخز، و قد تضمخ بالمسك و العنبر، و بين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب، يقلبه بين يديه فتفوح رائحته، و في المجلس جاريتان لم ير مثلهما قط اه. و اللّه أعلم أكان ذلك حقيقة أم خيالا.

و قد ادعت ميس بل أنه لو لا حوادث القرن السابع أي لو لا دخول العرب الفاتحين لبلغ الشاميون طريقة في هندسة الأبنية خاصة بهم مستقلة عن غيرهم، و إن امتزج بها شي‏ء من هندسة الأمم الأخرى، فردّ عليها لامنس بأن هذه المدينة مدينة دمشق لم تمس عاصمة كبرى إلا في عهد بني أمية و بهمتهم.

قلنا: و لو لم يعفّ بنو العباس آثار بني أمية في الشام لرأينا فيه أحسن صورة تامة من صور بنائهم. و كان منه ما هو في المدن و منه ما هو في البادية أو ما يقرب منها. لأن الأمويين كانوا على الأغلب يتحامون نزول دمشق لرطوبتها و حمياتها، فمنهم من نزل قصر الموقر أو المقور و قصر المشتّى و الزيزاء و الفدين و الأزرق و الأغدف و البخراء و الأبيض و القسطل و الرصافة و الزيتونة و الجابية و حوّارين و الصّنّبرة و دابق و بطنان حبيب و أياير في البلقاء و شمالي الشام و شرقها. و حصن الموقر بالبلقاء على ساعتين من عمان قرب قصر المشتى الواقع على ساعتين من مادبا سكنه يزيد بن عبد الملك و كان رممه فجعله من القصور الجميلة. و استقر الوليد بن يزيد و العباس بن الوليد في القسطل في البلقاء. و الوليد في الزيزاء و قصر الأزرق. و ابتنى عبد الملك الأبنية حول قصر الموقر و كان له في البرية عدة قصور. و قصر عمرا على قصر المشتى على سبعين كيلو مترا من جهة الشرق و هو في وسط البادية. اكتشف قصر عمرا الأثري موسيل سنة 1898 و هو قصر أموي يجمع بين مزايا الصروح الملكية و الحصون، و هو على الشاطئ الشمالي من البحر الميت و كان على ما يظهر حماما حفظت فيه كما قال هرزفلد نقوش عجيبة بحالها لم يحفظ مثلها في صقع آخر من أصقاع الشام، تمثل مشاهد الحمامات و ألعابا رياضية كالجريد و صيودا لأنواع الطيور و قنصا في البحر و لوحات تمثل الصناعات و صورا

265

رمزية تمثل أدوار الحياة في البادية و التاريخ و الفلسفة و الشعر، و خليفة جالسا على العرش و أعداء الإسلام و رسوم منطقة البروج و رجالا و نساء و أشجارا و حيوانات في كؤوس و فرش، و شجيرات و عساليج الكرمة و الدفلى و النخيل و ثمارا و طيورا من أطيار البادية و امرأة عريانة محلاة باللؤلؤ. و كلها تدل على أنها من هندسة الروم و الشاميين و الفرس. و وجد فيه اسم: «قيصر، رذريق، كسرى، النجاشي» مكتوبا بالعربية و الرومية. و إجماع الأثريين على القول إن هذا القصر من عمل الوليد الأول بين سنتي 712 و 715 ميلادية. و كذلك قصر المشتى و هو على اثني عشر ميلا شرقي عمان و على ساعة من شرقي القسطل في خربة الموقر و هو قصر عظيم يشبه الحصون المنيعة يحيط به سور مربع الشكل تبلغ جوانبه نحو 150 مترا و في زواياه أربعة بروج مستديرة و لكل من جوانبه الثلاثة الشرقي و الغربي و الشمالي بروج يشرف منها اثنان على جهتي باب البناء و هما كثير الأضلاع. و يقسم البناء إلى ثلاث مربعات مستطيلة أوسعها الأوسط فيه أبنية القصر القديمة و طول القصر خمسون مترا في عرض سبعين و يشتمل على حجرة واسعة يليها أربعة منازل. و الأبنية كلها مشيدة بالآجر ما عدا طبقتها السفلى القائم عليها البناء فهي مبنية بالأحجار البيضاء.

و في ساحة القصر قطع ضخمة من الرخام الأخضر لم تنحت بعد. و كان وجه البناء الخارجي مزينا بأبدع النقوش، و هي تمثل جفنة محكمة الصنع ذات أغصان و فروع تمتد على طول البناء تتخللها طيور و حيوانات ليست معروفة كالأسود المجنحة و العنقاء تمرح و تنقر العنب أو تشرب من الكؤوس. اقتطع هذه الصور علماء من الألمان بأمر عبد الحميد الثاني و هي اليوم في متحف برلين. و الرأي الشائع أنها من صنع الغسانيين. و في تلك الأرجاء نحو أربعين خربة لم يكشفها علماء الآثار حتى الآن.

و بنى هشام حصن المثقب على يد حسان بن ماهون الأنطاكي و حوله خندقا و حصن بوقا من أعمال أنطاكية. و كان هشام ينزل في الزيتونة في بادية الشام فلما عمر الرصافة انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات. و كان يزيد يقيم في حوّارين و تدمر، و ابنه خالد يسكن في قصر الفدين في البلقاء. و من الدور الكبيرة بدمشق دار خالد بن عبد اللّه بن يزيد أبو الهيثم البجلي القسري من‏

266

أهل دمشق كان أميرا على مكة و ولي إمرة العراقين و كانت داره بقنطرة سنان بباب توماء.

و بعض هذه القصور لا تزال أسسه ماثلة للعيان مثل قصر الموقر و المشتى لم ينسفها العباسيون كما نسفوا آثار المدن و نقضوا سور دمشق يوم فتحوها حجرا حجرا، و أخربوا أيضا قصور الأمويين في حلب مثل قصر سليمان ابن عبد الملك بالحاضر، و قصر مسلمة بن عبد الملك بالناعورة بحلب، و منازل هشام بن عبد الملك في القطيفة من جبل سنير، و قصري هشام في الرصافة، و أبقوا في الغالب على قصر خناصرة من أرض الأخصّ لعمر بن عبد العزيز احترموه و لم يبقوا على غير قبره من قبور بني أمية. و في الأغاني أن المأمون طاف على قصور بني أمية و تتبع آثارهم فدخل صحنا من صحونهم فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله. و الظاهر من كلام المقدسي ان آثار بني أمية كانت موجودة في القرن الرابع خلافا لما هو المعروف من أن العباسيين أتوا عليها كلها. و الغالب أن بعض الأبنية لم تعور كثيرا و رمّت فاطلق عليها أسمها الأصلي و نسبت إلى بانيها الأول.

قصور خلت من ساكنيها فما بها* * * سوى الأدم تمشي حول واقفة الدّمى‏

تجيب بها الهام الصدى و لطالما* * * أجاب القيان الطائر المترنما

كأن لم يكن فيها أنيس و لا التقى* * * بها الوفد جمعا و الخميس عرمرما

عمل العباسيين:

قال الجاحظ: من شأن الملوك أن يطمسوا على آثار من قبلهم و أن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب المدن و أكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم و أيام الجاهلية، و على ذلك هم في الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان و كما هدم الآطام (الحصون) التي كانت بالمدينة، و كما هدم زياد كل قصر و مصنع كان لابن عامر، و كما هدم أصحابنا (يعني العباسيين) بناء مدن الشامات (الشام) اه.

أما بنو العباس فلم تبق الأيام من آثارهم مصنعا يعتدّ به في الشام لنحكم على عظمتهم، و كان من أهمها قناة قرية منين التي جرّها المأمون إلى معسكره‏

267

بدير مران في جبل قاسيون. و هذا عمل مهمّ مما بلغنا خبره لأن الطريق من منين إلى قاسيون يحتوي على أودية و شعاب و نجاد كثيرة ذكر ذلك ابن عساكر.

و قد بني للمتوكل العباسي قصر بين داريا و دمشق فلم يعثر له على أثر. قال ابن كثير: إن المتوكل لما جاء دمشق عازما على الإقامة بها سنة أربع و أربعين و مائتين أمر ببناء القصور بها و هي التي بطريق داريا. و من ذلك يفهم أنها كانت موجودة إلى زمن ابن كثير. و في سنة (262 ه) بنى الأمير النعمان دارا عظيمة في بيروت و حصن سور المدينة و قلعتها. أما المتغلبة على الملك في زمن العباسيين مثل الفاطميين و الطولونيين و الحمدانيين و السلجوقيين فإننا لا نعرف عن آثارهم كبير أمر أيضا و لا سيما بنو طولون و بنو عبيد فإنهم آثروا أن يجعلوا مصانعهم في مصر مقر ملكهم. كما آثر العباسيون أن يجعلوها في العراق و خراسان. و مما بناه ختكين والي دمشق للحاكم بأمر اللّه جسر الحديد تحت القلعة قلعة دمشق على نهر بردى، و سخر الناس لأجل عمله و أخذ أموالهم.

ذكر ابن عساكر أن حمزة بن الحسن المعروف بفخر الدولة قاضي دمشق من قبل الفاطمييين جدد في دمشق مساجد و منابر و قنوات و أجرى الفوّارة التي في جيرون. و ذكر أنه وجد في تذكرته سبعة آلاف دينار صدقة في كل سنة و هو الذي أنشأ القيسارية المعروفة بالفخرية توفي سنة 434. و كان لشمس الدين بن المقدم من كبار الدولتين النورية و الصلاحية (584) دار كبيرة بدمشق إلى جانب المدرسة المقدمية ثم صارت لصاحب حماة ثم صارت لقرا سنقر المنصوري ثم للسلطان الملك الناصر و له تربة و مسجد و خان. و كان الملك الأمجد صاحب بعلبك يقيم بداره التي داخل باب النصر بدمشق المعروفة بدار السعادة و هي التي ينزلها النواب و لعلها دار المشيرية التي حرقت في العهد الأخير و دار السعادة هذه أكملت عمارتها سنة (408 ه) بعد إلزام النائب أهل البلد بعمارتها، و مرمة ما يحتاج السكنى فيها و تحول إليها فسكنها.

آثار عربية محلية ميناء عكا:

و قد نشأت في القرن الرابع و ما بعده في الشام حركة مباركة في العمران قام بها مهندسون من العرب انتهى إلينا قليل من أعمالهم مثل أبي بكر البناء

268

المهندس الذي ابتنى ميناء عكا لابن طولون. قال المقدسي: و لم تكن عكا على هذه الحصانة حتى زارها ابن طولون، و قد كان رأى صور و منعتها و استدارة الحائط على ميناها، فأحب أن يتخذ لعكا مثل ذلك المينا، فجمع صناع الكورة و عرض عليهم ذلك، فقيل لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان، ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء، و قيل: إن كان عند أحد علم هذا فعنده، فكتب إلى صاحبه على بيت المقدس حتى أنهضه إليه، فلما صار إليه و ذكر له ذلك قال: هذا أمر هين عليّ بفلق الجميز الغليظة، فصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري، و خيط بعضها ببعض، و جعل لها بابا على الغرب عظيما، ثم بنى عليها بالحجارة و الشيد، و جعل كلما بنى خمسة دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء، و جعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد جلست على الرمل تركها حولا كاملا حتى أخذت قرارها، ثم عاد فبنى من حيث ترك، و كلما بلغ البناء إلى الحائط القديم داخله فيه و خيطه به، ثم جعل على الباب قنطرة، فالمراكب في كل ليلة تدخل الميناء و تجر السلسلة مثل صور. قال المقدسي: و ميناء صور و عكا من العجائب.

و قال ابن إياس من أهل القرن العاشر: إن في صور قنطرة ليس في الدنيا أعظم منها و هي على قوس واحدة مثل قنطرة طليطلة بالأندلس إلا أنها دون قنطرة صور. و بنى أحمد بن طولون قلعة يافا و لم يكن لها قلعة من قبل.

و ذكر المؤرخون أن جعفر بن فلاح لما فتح دمشق للفاطميين سنة (358) نزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد و أقام أصحابه هناك الأسواق و المساكن و صارت شبه المدينة، و اتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، و جعله عظيما شاهقا في الهواء غريب البناء. و هذه صورة ما وجد على جسر ثورا مكتوبا على حجر بالخط الكوفي على ما حققه استاذنا الشيخ طاهر الجزائري: أمر بعمارة الجسر المبارك مولانا الإمام المستنصر باللّه أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) تاج الأمراء ... جيوش ... شرف الملك عمدة الإمام سيف الإسلام معز الدولة و عضدها و أطال اللّه بقاءه في ربيع الأول سنة (456).

وهب صاحب حلب محمود بن نصر لابن أبي حصينة المعري الأديب (457) مكانا بحلب تجاه حمام الواساني فجعله دارا و زخرفها فلما تم بناؤها

269

نقش على دائرة الدرابزين فيها:

دار بنيناها و عشنا بها* * * في دعة من آل مرداس‏

قوم محوا بؤسي و لم يتركوا* * * عليّ في الأيام من باس‏

قل لبني الدنيا ألا هكذا* * * فليحسن الناس إلى الناس‏

و لما تكامل البناء عمل دعوة حضرها الأمير محمود بن نصر فلما رأى حسن الدار و قرأ الأبيات المتقدمة قال: يا أبا الفتح كم صرفت على بناء الدار قال: يا مولانا هذا الرجل تولى عمارتها و لا أدري كم صرف عليها.

فسأل المعمار فقال: غرّم عليها ألفا دينار مصرية فأمر بإحضار ألفي دينار و ثوب أطلس و عمامة مذهبة و حصان بطوق ذهب و سرفسار ذهب فسلمها إلى ابن أبي حصينة و قال له:

قل لبني الدنيا ألا هكذا* * * فليحسن الناس إلى الناس‏

و في الروضتين أن صلاح الدين يوسف كان يزور القاضي الفاضل ليستضي‏ء برأيه فيما يريد فعله في جوسق (قصر) ابن الفراش بالشرف الأعلى في بستانه، حتى إن الصفي بن القابض لما تولى خزانة دمشق لصلاح الدين بنى له دارا مطلة على الشرف بالقلعة و أنفق عليها أموالا كثيرة و بالغ في تحبيرها و تحسينها و ظن أنها تقع من السلطان بمكان فما أعارها طرفا و لا استحسنها، و كانت من جملة ذنوبه عند السلطان التي أوجبت عزله عن الديوان و قال:

ما يصنع بالدار من يتوقع الموت، و ما خلقنا إلا للعبادة و السعي للسعادة، و ما جئنا لنقيم، و ما نروم أن لا نريم.

القصر الأبلق:

و من المصانع التي كانت بدمشق القصر الأبلق في الميدان القبلي، و هو قصر عظيم مبني من أسفله إلى أعلاه بالحجر الأسود و الأصفر، بتأليف غريب و إحكام عجيب، بناه الظاهر بيبرس البندقداري و على مثاله بنى الناصر محمد ابن قلاوون القصر الأبلق بقلعة الجبل بمصر. قال ابن فضل اللّه: و أمام هذا القصر أي أبلق دمشق دركاه‏ (1) يدخل منها إلى دهليز القصر و هو دهليز

____________

(1): الدركاه البيت المستطيل أمام الدار يرتفق به.

270

فسيح يشتمل على قاعات ملوكية مفروشة بالرخام الملون البديع الحسن، المؤزر بالرخام، المفصل بالصدف و الفص المذهب إلى سجف السقف، و بالدار الكبرى به إيوانان متقابلان تطل شبابيك شرقيهما على الميدان الأخضر و غربيهما على شاطئ واد أخضر يجري فيه نهر، و له رفارف عالية تناغي السحب، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة و الغوطة. قال شيخ الربوة:

سمي بالقصر الأبلق لكونه مبنيا بالحجارة البيض و الحجارة السود. و قد بقي هذا القصر عامرا إلى عهد العثمانيين رآه ابن طولون الصالحي المتوفى سنة 953 و قرأ تاريخه 668 و قال: إن على أسكفته ضربا من رخام أبيض وسطه مكتوب عمل إبراهيم بن غنائم المهندس. و قد قال العارفون: إن التكية السليمانية قامت على أنقاض ذاك القصر. و ذكر ابن تغري بردي أن الأبلق ما زال عامرا تنزله الملوك إلى أن هدمه تيمور لنك في سنة ثلاث و ثمانمائة عند حريق دمشق و خرابها.

و بنى علم الدين قيطر المعروف بتعاسيف للملك المظفر في حماة أبراجا و طاحونا على العاصي و عمل له كرة من الخشب مدهونة رسم فيها جميع الكواكب المرصودة و عاونه في عملها المهندس القاضي جمال الدين بن واصل.

المعاهد الدينية و المدنية في العهدين النوري و الصلاحي:

و لما قويت حركة العمران في عهد الدولتين النورية و الصلاحية بدمشق و حلب و القدس و حماة و طرابلس و بعلبك و غيرها و أخذوا ينشئون فيها المدارس و الجوامع و الرّبط و المستشفيات و القلاع و الجسور، كان منها ما هو مثال الهندسة العربية مثل واجهة بناء المدرسة العادلية التي شرع ببنائها نور الدين و لم يتمها، و لما ولي العادل أزال ما بناه نور الدين و بناها كما قال صاحب الروضتين هذا البناء المحكم الذي لا نظير له في بنيان المدارس. و من البدائع واجهة مدخل المستشفى القيمري في صالحية دمشق، و هندسة مدرسة الصهيبية في حلب، و كذلك المدرسة التي كانت بجوار الشهباء وصفها ابن جبير قال: و من أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا و غرفا و له طيقان يتصل بعضها ببعض، و قد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا،

271

فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها، فيمدّ الساكن فيها يده و يجتنيه متكئا دون كلفة و لا مشقة. و قد قيل: إن منارة جامع حلب المثال الوحيد من الهندسة الإسلامية.

و لقد بنى الملك الأشرف بن العادل بدمشق قصورا و متنزهات حسنة.

و كانت عمارة اللاذقية في الحروب الصليبية من أحسن الأبنية و أكثرها زخرفة مملوءة بالرخام على اختلاف أنواعه كما قال ابن الأثير، فخرب المسلمون كثيرا منها و نقلوا رخامها إلى دمشق و غيرها، و خربوا البيع التي قد غرم على كل واحدة منها الأموال الجليلة المقدار، و لما تسلمها تقي الدين عمر حصن قلعتها، و كان عظيم الهمة في تحصين القلاع و الغرامة الوافرة عليها كما فعل بقلعة حماة.

و بنى الناصر صلاح الدين من أسرة صلاح الدين يوسف قصرا في قرية القابون بدمشق «لم ير الراؤون مثله» و عمر الشرف الأعلى في دمشق بقصور العظماء.

عمران دمشق في القرون الوسطى:

و بعد أن كانت دمشق في القرن السادس أكثر مدن الأرض سكانا كما قال ابن جبير و كانت في القرن الثامن كما قال ابن تغري بردي أجمل مدينة في العالم بل أغنى مدينة، أحرق تيمورلنك بعض أحيائها و مدارسها و غرّمها ملايين من الدنانير، و حمل معه المهندسين و البنائين و النقاشين، في جملة من حمل من أرباب الصنائع إلى سمرقند، كما فعل السلطان سليم في مصر لما فتحها في الربع الأول من القرن العاشر، فحمل إلى القسطنطينية كل صاحب صنعة و عمل نافع و جردها من بدائعها و صناعاتها النفيسة.

و كان في دمشق في القرن التاسع مائة حمام أفردها ابن عبد الهادي في رسالة كما كان في عصره ألف جامع و مسجد في دمشق و ضاحيتها و ناهيك ببلدة فيها هذا القدر من آثار العمران. و لا غرو بعد هذا إن قال فينا أبو الفضل ابن منقذ الكناني يوم كان لنا القدح المعلى في العمائر:

و إذا مررت على المنازل معرضا* * * عنها قضى لك حسنها أن تقبلا

إن كنت لا تسطيع أن تتمثل ال* * * فردوس فانظرها تكن متمثلا

و إذا عنان اللحظ أطلقه الفتى* * * لم يلق الا جنة أو جدولا

272

أو روضة أو غيضة أو قبة* * * أو بركة أو ربوة أو هيكلا

أو واديا أو ناديا أو ملعبا* * * أو مذنبا أو مجدلا أو موئلا

أو شارعا يزهو بربع قد غدا* * * فيه الرخام مجزّعا و مفصلا

دور الخاصة:

و من قصور حلب في القرن الثالث دار واليها زكا الأعور و دار حاجبه فيروز و دار سيما الطويل و دار كورة الخراساني و منها قصر السلطنة بدمشق.

و ذكر ابن عساكر أن محمد بن عمرو بن حوى السكسكي كان في إقليم من أقاليم غوطة دمشق يعرف ببيت لهيا بينها و بين دمشق نحو ميل و كان له في هذا الأقليم عدة قصور مبنية بالحجارة و خشب الصنوبر و العرعر في كل قصر منها بستان و نهر يسقيه، و كان كل جليل يقدم من الحضرة (بغداد) أو من مصر يريدها ينزل عنده و في قصوره، و كان ذلك في القرن الثالث. و من قصور الشام قصر عبد الملك بن صالح في مدينة منبج و كان بناه لنفسه و أنشأ بستانا إلى جانبه. قال ابن الجوزي: هدم أهل دمشق قصر السلطنة في القرن الخامس و درسوه و كان عظيما يسع ألوفا من الناس. و قصر بطياس في حلب المذكور في شعر البحتري كان عامرا إلى عهد ابن العديم في القرن السادس و كان عامرا إلى عهده برج من الحصن الذي كان بناه مسلمة بالناعورة و كان بنى فيها قصرا بالحجر الأسود الصلد.

و قد خربت محلة الفراديس المعروفة اليوم بمحلة العمارة في فتنة القرامطة سنة (363) و كان فيها على رواية ابن القلانسي من البنيان الرفيع في الحسن و البهاء ما لم ير مثله و هو أحسن مكان كان بظاهر دمشق. و قال ابن شاكر:

إن اللؤلؤتين كانتا منظرتين ظاهر دمشق مما يلي باب الحديد غربا و كانتا من أعجب البناء. أحرقهما المصريون لما حاصروا دمشق. و اللؤلؤتان الصغيرة و الكبيرة هما اليوم حدائق في أرض باب السريجة بينها و بين قرية كفرسوسة.

و قنطرة سنجة التي قال فيها ابن حوقل: ليس في الإسلام قنطرة أحسن منها و يقال: إنها من العجائب و سنجة بالقرب من منبج. و قال ابن القلانسي:

من اقتراحات شمس الملوك صاحب دمشق الدالة على قوة عزيمته، و مضاء

273

همته، و مستحسن ابتدائه، ما أحدثه من البابين المستجدين خارج باب الحديد من القلعة بدمشق الأوسط منها، و باب جسر الخندق الشرقي منها و هو الثالث لها، أنشئ ذلك في سنة (527) مع دار المسرة بالقلعة و الحمام المحدثة على صيغة اخترعها، و بنية اقترحها، و صفة آثرها، فجاءت في نهاية الحسن و الطيبة، و التقويم و الاعتدال.

و اشتهرت في القرن الخامس دار ابن عقيل صاحب صور (465) دخلها أسامة بن منقذ فرآها و قد تهدمت و تغير زخرفها فكتب على لوح من رخام هذه الأبيات:

احذر من الدنيا و لا* * * تغتر بالعمر القصير

و انظر إلى آثار من* * * صرعته منا بالغرور

عمروا و شادوا ما ترا* * * ه من المنازل و القصور

و تحولوا من بعد سك* * * ناها إلى سكنى القبور

و ذكر سبط ابن الجوزي أن أسامة الحلبي بنى دارا بدمشق بأنقاض بيوت الناس فخربت على يد أيوب بن الكامل محمد في سنة (647)، و كان أسامة قد غرّم عليها أموالا عظيمة و أخذ أراضي الناس و الآلات بدون الطفيف، و صح فيه القول القائل: الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب.

و كانت هذه الدار سبب هلاك أسامة.

تجديد المدن الصغيرة:

من المدن ما نبه ذكره بعد خموله في عهد الدولة الأتابكية و الأيوبية مثل حماة فلم يكن لها في القديم نباهة ذكر، و كان الصيت لحمص دونها، فلما آلت إلى ملك بني أيوب مصروها بالأبنية العظيمة و القصور الفائقة، و المساكن الفاخرة، و في جوامعها أثر من آثار الصنائع في القرون الوسطى و ما قبلها.

و منها ما قام على أنقاض الكاتدرائية القديمة، و منها ما حرق و خرب و استعيض عنه مكان آخر، مثل طرابلس ففي سنة (688) فتحت طرابلس و أخرب سورها و كان من الأسوار العظيمة. و أمر السلطان بتجديد مدينة على مثل طرابلس فبنيت ثم سكنها الناس. و مثل ذلك يقال في غزة فقد قال الظاهري:

274

إن فيها من الجوامع و المدارس و العمارات الحسنة ما يورث العجب و تسمى دهليز الملك. و كان سور عسقلان عظيم البناء بحيث كان عرضه في مواضع تسع أذرع. و في مواضع عشر أذرع. و قال ابن فضل اللّه في بعلبك: إنها مختصرة من دمشق في كمال محاسنها، و حسن بنائها و ترتيبها، بها المساجد و المدارس و الربط و الخوانق و الزوايا و البيمارستان و الأسواق الحسنة. و قال آخر: و بقلعة بعلبك من عمارة من نزل بها من الملوك الأيوبية آثار ملوكية جليلة. و كان على منبج سور بالحجارة المهندسة حصينة جدا. و من هذه المدن ما أصبح الآن كالقرى مثل المعرة معرة النعمان التي ترى إلى اليوم مسافة ما بين أبوابها ساعة على السائر، و مثل قيسارية التي قال فيها المقدسي:

ليس على بحر الروم بلد أجل و لا أكثر خيرات منها. مر أحدهم سنة أربعين و ستمائة بقيسارية فوجد على حائط منها مكتوبا هذه الأبيات:

هذه بلدة قضى اللّه يا صا* * * ح عليها كما ترى بالخراب‏

فقف العيس وقفة و ابك من كا* * * ن بها من شيوخها و الشباب‏

و اعتبر إن دخلت يوما إليها* * * فهي كانت منازل الأحباب‏

و أزهرت طرابلس على عهد اسندمر الذي بنى القلعة و حماما و سوقا و أنشأ فيها مجاري المياه الغريبة في تقسيمها إلى جميع طبقات الدور ليأمن ساكنوها من الحمى في الطبقات الأرضية، و قد عمر فيها سنة (709) حماما عظيما أجمع من رأوه أنه ما عمر مثله في البلدان، و عمر قيسارية و طاحونا و أنشأ لمماليكه بها مساكن حسنة البناء تجري المياه إليها بالقنوات، و منها ما يطلع إلى أعلاها و تجري في طباقها، و عمر بعض القلعة و أقام أبراجا و هذه القلعة مجاورة لدار السلطنة بطرابلس- قاله النويري‏

قال الأسدي في سنة أربع و عشرين و ثمانمائة عمر ابن بشارة مدينة صور و جعل لها أسواقا و نقل إليها خلقا و حصنها، قال بعضهم: إنها مدينة السواحل بالشام و قال ابن السمعاني: و كان بها جماعة من العلماء.

القلاع و الحصون و قلعة حلب و دمشق:

في الشام كثير من القلاع من بناء القرن الخامس و السادس و الذي بعده‏

275

مثل قلعة صرخد قال ابن تغري بردي في حوادث سنة (466) و فيها بنى حسان ابن مسمار الكلبي قلعة صرخد. و كتب على بابها أمر بعمارة هذا الحصن المبارك الأمير الأجل مقدم العرب عز الدين فخر الدولة عدة أمير المؤمنين يعني المستنصر صاحب مصر. و ذكر عليها اسمه و نسبه. و مثل قلعة حلب و إن كان تاريخها يردّ إلى أبعد من هذا القرن و المهم من أبنيتها بدأ في عهد الإسلام.

و قلعة حلب أفخم ما في الديار الحلبية من القلاع بنيت وسط المدينة على أكمة ربما كانت صناعية، و يحيط بها خندق عظيم كان القدماء يملأونه ماء ليتعذر الوصول إليها إلا من مدخلها، و هذا من أحسن ما يتصور العقل، و يقال: إن حلب القديمة كانت كلها مبنية في هذه القلعة، تعاورتها الأيدي بالبناء في قرون مختلفة و ظلت مسكونة إلى سنة (1822 م) أيام خربت بالزلازل.

يسير الداخل إلى القلعة على جسر بديع أقيم فوق الخندق، فيبلغ برجا خارجا جعل في واجهته أنواع من نوافذ الحديد البديع، قيل: إنه من عهد الظاهر غازي، لما وجد في مدخله من كتابة تاريخها سنة (605) مع بعض الآيات الكريمة. و في دهليز القلعة المتعرج عدة كتابات و نقوش بارزة على الحجر منها صورة نمرين على يمين الباب و يساره من أجمل ما زبرت أيدي النقاشين على الصخور. فإذا دخل المرء من الباب وجد ساحة و آثار عدة شوارع و ركاما من الأنقاض، بعضها أنقاض جامع و مأذنة، و أخرى أنقاض أروقة، و أخرى محال لرصد العدو، و في الوسط صهريج كبير ينزل إليه بمئة و خمس و عشرين درجة، و كان بها دير للنصارى و يقال: إن في أساسها ثمانية آلاف عمود. تعاورها الملوك في الإسلام بالبناء و الترميم. و منهم الظاهر غازي الذي بنى على بابها برجين لم يبن مثلهما قط و جعل لها ثلاثة أبواب حديد.

و كان كثير من ملوك حلب يسكنونها. و ذكر الغزي أن في قلعة حلب آثار عدة مساجد و أنه كان فيها عشرة مساجد. قال الخالدي شاعر سيف الدولة في وصف هذه القلعة:

و خرقاء قد قامت على من يرومها* * * بمرقبها العالي و جانبها الصعب‏

يجر عليها الجو صيب غمامه* * * و يلبسها عقدا بأنجمه الشهب‏

إذا ما سرى برق بدت من خلاله* * * كما لاحت العذراء من خلل الحجب‏

276

فكم من جنود قد أماتت بغصة* * * و ذي سطوات قد أبانت على عقب‏

و مثل هذا يقال في قلعة دمشق التي سميت (الأسد الرابض) و هي من بناء تاج الدولة تتش سنة (471 ه) جعل بهادار إمارة و سكنها، ثم زاد الملوك بعده فيها و سكنها كثير منهم. و كانت دار الإمارة قبله تسمى «القصر» بناها العباسيون بعد أن دكوا الخضراء و قصور الأمويين، فخرب القصر في بعض فتن الفاطميين. و في سنة (691) كمل بناء الطارمة و ما عندها من الدور و القبة الزرقاء في قلعة دمشق، فجاءت في غاية الحسن و الكمال و الارتفاع، و أنشئ فيها قاعة اسمها قاعة الذهب و فرغ من جميع ذلك في سبعة أشهر.

طولها من الشرق إلى الغرب 330 و عرضها من الشمال إلى الجنوب 170 خطوة. و قد خربت في أدوار كثيرة ثم أعيد بناؤها.

و من القلاع المهمة قلعة بصرى بنيت على مثال قلعة دمشق. و هي أقدم من الإسلام جدد فيها من استولوا عليها بعد في أدوار مختلفة، دع القلاع و الحصون الكثيرة في الشمال و الجنوب مثل شقيف ارنون و شقيف تيرون و هونين و تبنين و كوكب و عجلون و قاقون و الصبيبة و الصلت و الهارونية و بيت لاها و حصن أبي قبيس و صافيتا و عريمة و لوقا و تل باشر و عكار و حارم و صهيون و بغراس و دربساك و دركوش و اسفونا و بسرفوت و بلاطنس و حصن الأكراد و شيزر و المنيطرة و الشغر و بكاس و ارسوف و بيت جبرين و حبرون و أرتاح و الأثارب و بارين و بارة و إعزاز و صرفند و عدلون و برج الرصاص و حصن الإسكندرونة و التينات و حلبا و عرقا و برزية و خناصرة و قسطون و تل اعدى و حصن الحبيس و القدموس و مصيات و الكهف و العليقة و الخوابي و غيرها من القلاع المعروفة بقلاع الدعوة أي الدعوة الباطنية أو الإسماعيلية. هذا إلى قلاع المدن المشهورة مثل قلعة طرابلس و قلعة حماة و حمص و عكا و الكرك و الشوبك و صرخد و أذرح و صفد و شميميس. و معظمها تناطح السحاب بعلوها، و تشبه الجبال بمتانتها.

بدأ منذ القرن الخامس الغرام ببناء القلاع و الحصون لأن المدينة أو الموقع الحربي إذا خليا من حصن يسهل على العدو كل حين أن يجتاحهما. و من كتاب فاضلي في وصف حصن بيت الأحزان: «و قد عرض حائطه إلى أن زاد على عشرة أذرع و قطعت له عظام الحجارة كل فص منها من سبع أذرع‏

277

إلى ما فوقها و ما دونها، و عدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر الحجر في مكانه، و لا يستقل في بنيانه إلا بأربعة دنانير فما فوقها، و فيما بين الحائطين حشو من الحجارة الصم، المرغم بها أنوف الجبال الشم، و قد جعلت سقيته بالكلس، و أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه، و صاحبه بأوثق و أصلب من جرمه، و أوعز إلى خصمه من الحديد بأن لا يتعرض لهدمه».

مثال التخريب في الحصون و البيع:

و كثيرا ما كان ساسة هذه الديار يخربون الأسوار و الحصون لغرض من الأغراض، كما خرب عبد اللّه بن طاهر سنة (209) سور معرة النعمان و معظم الحصون الصغار. مثل حصن الكفر و حصن حناك و حصن كيسوم و غير ذلك.

و كما خرب سلاطين الشام منذ استولى عليها الأتابك زنكي إلى أواخر عهد المماليك الحصون التي استولوا عليها أو التي كانوا بنوها لئلا يعود أعداؤهم فيستولوا عليها. و قد ألف جمهور الناس أن ينقضوا البنيان القديم و يعمروا به بناءهم الحديث. و لهذا أمثلة كثيرة في تاريخ العمران في هذه الديار.

فقد ذكر العماد الكاتب أن اللاذقية لما استخلصت من أيدي الصليبيين وقع من عدة من الأمراء الزحام على الرخام، و نقلوا منه أحمالا إلى منازلهم بالشام «فشوهوا وجوه الأماكن و محوا سنا المحاسن» و بظاهر اللاذقية كنيسة عظيمة نفيسة قديمة بأجزاء الأجزاع مرصعة، و بألوان الرخام مجزعة، و أجناس تصاويرها متنوعة، و لما دخلها الناس أخرجوا رخامها، و شوهوا أعلامها.

و لما أرادوا في أواخر القرن الماضي بناء رصيف على طول نهر دمشق من صدر الباز إلى داخل مدينة دمشق حملوا إليه من ضخام الأحجار التي كانت في قلعتها. و ربما هدم بمثل هذا العامل ما كان في أكثر مدن الشام من دور الضيافة التي ابتدعها عمر بن عبد العزيز. و قصر الفقراء الذي بناه نور الدين في ربوة دمشق. و دار العدل التي بناها نور الدين في دمشق و هي أول واحدة من نوعها بناها لكشف الظلامات. و بنى نور الدين جسر كامد اللوز في سهل البقاع، كما جدد كثيرا من الجسور و الخانات و قنوات السبل‏

278

في أعمال دمشق و غيرها. و لأهل الخير في كل عصر أياد بيضاء في إقامة الخانات و الفنادق بين البلدان و منها خان بناه علي بن ذي النون الإسعردي الدمشقي بقرب الكسوة أول مرحلة للحج الشامي. و ما كان في قمم الجبال من المناور التي كانت توقد فيها النيران للإعلام بحركات العدو في الليل و ما كان شيد من أبراج حمام الزاجل لنقل الأخبار في النهار. و من ذلك دمنة القبتين الماثلتين في قنة جبل قاسيون و كان فيه مرصد فلكي بناه المأمون فدثر في جملة ما دثر. و اسم القبتين قبة السيار و قبة النصر. و قبة النصر بناها برقوق على سوار قيل: إنه وجد موضعها ذهبا كثيرا مدفونا. و مما اشتهر جسر منبج اتخذ في زمن عثمان بن عفان رضي اللّه عنه للصوائف و يقال: بل كان له رسم قديم.

قلاع الصليبيين و كنائسهم:

دخلت الشام في القرون الوسطى هندسة جديدة عسكرية، و هي هندسة الصليبيين للقلاع و الحصون و الدور و الكنائس، و لا سيما في طرابلس و بيروت و عكا. و اهتم الصليبيون ببناء القلاع و الكنائس في الأقاليم التي احتلوها و لا سيما في طرابلس و صور و أنطاكية و عكا و القدس حتى قال بعض الباحثين:

إذا استثنينا الدور الروماني فإنه لم يأت على الشام زمن توفرت الهمم فيه على البناء مثل عهد الصليبيين. فإن كل مستعمرة تجارية في المواني البحرية كانت تحاول أن يكون لها على الأقل كنيسة و خانات و حمامات. ثم القلاع التي غصّ بها القطر و هي أحسن نموذج للهندسة الحربية في القرون الوسطى. قال فان برشم: إن على طرابلس صبغة المدن الإيطالية أثرت فيها منذ الحروب الصليبية، كما أثرت هندسة المدن الإيطالية الكبرى في جميع المواني البحرية في الشام. و كان للطراز الإيطالي التقدم على غيره لأن الطليان أهل البندقية و بيزة و جنوة و طسقانا كانوا أسبق أمم الغرب إلى الاختلاط بسكان الشام للقرب و للعلاقة الدينية بين رومية و نصارى الشرق العربي قبل الحروب الصليبية.

و كان عدد الصليبيين من جمهوريات إيطاليا أكثر من غيرهم من الأمم. قال فان برشم: لما كانت سواحل الشام محط رحال الصليبيين، و نقطة حركاتهم‏

279

الحربية، تشبعت أبنيتها بالروح الإيطالي، خصوصا لأن الطليان كانوا إذ ذاك أكثر عددا في هذه الحملات من العنصر الفرنسي. و من هذه المدن ما دثر مثل طرطوس و صيدا و صور و قيسارية و عسقلان، و منها ما هو باق مثل أنطاكية و بيروت و اللاذقية و عكا. و في مدينة طرابلس من بين المدن كلها يتحلى الروح الإيطالي الباقي من القرون الوسطى في أبنيتها و هندستها.

و لا تزال قلعة الحصن أو حصن الأكراد و الكرك كما يدعوها فرسان الصليبيين محفوظة منذ عهد الصليبيين على ما هي عليه، و هي آية في باب الهندسة العسكرية ناطقة بلسان حالها بأن الصليبيين نزلوا الأرض المقدسة. و من هندسة الصليبيين جامع خليل الرحمن و جامع بيروت و طرطوس الكبير و أرواد و صور و صيدا و دير البلمند قرب طرابلس و كنيسة مار يوحنا في جبيل و كنيسة مار شربل في معاد و كنيسة أنفة هذا إلى غير ذلك من البيع في شمالي لبنان و جوار البترون و قد بنوا نحو خمسين قلعة و حصنا في الكور التي احتلوها.

قال رنان: الظاهر أن البنايات المربعة الشكل الضخمة الحجم هي من عمل الطليان و فرسان الهيكليين، و أن البنايات ذات البرج المدور هي من صنع الفرنسيين و فرسان الاسبتاليين، و كثيرا ما كان تأثير هندسة اليونان البيزنطيين لقلاعهم. و كان القطر غاصبا بها- يعدل ذوق الإفرنج الخاص في هذا المعنى. قال:

و في طرطوس قامت أهم هذه الآثار و استدل بما فيها أن منزل الصليبيين في الشام لم يكن منزل قلعة، بل وطدوا أنفسهم على احتلالها احتلالا دائما، و إن في طرطوس بيعة هي أجمل مصنع من المصانع التي بنيت على الطراز الغوتي في هذه الديار.

هندسة البيوت و بيوت دمشق و حلب:

لم يبلغنا أن في القطر دورا يرد تاريخها إلى ألف سنة حتى نعرف حق المعرفة كيف كانت هندسة المساكن كما بقيت مثلا بعض دور قنوات في جبل حوران محفوظة على الصورة التي كانت عليها بنوافذها و أبوابها الحجرية.

و كما ادعى القرماني أن في اللجاة من البنيان ما يعجز عن وصفه اللسان، و كل دورها من الصخر المستحدث ليس في الدار خشبة واحدة بل كلها حجارة

280

سوداء منحوتة تنوف على مائتي ألف دار (كذا) كل دار منفردة عن الأخرى لا يلاصقها جدر أخرى، و كل دار فيها حوش و بئر و له باب من حجر إذا أغلق و وضع خلفه حصاة لا يمكن فتحه أبدا من الخارج. و لكننا على مثل اليقين من أن طرز البناء في دمشق هو كما كان منذ بضعة قرون بل منذ دخول العرب الفاتحين و قبلهم بعصور، و أن هذا الطراز في بناء بيوت دمشق خلاصة أسلوب قديم ارتقى مع الزمن حتى بلغ ما بلغ في القرون الأخيرة و منه مثال حي من المدارس و الرّبط و غيرها في دمشق.

قال أحد المهندسين المعاصرين: إن التشابه مؤثر بين هندسة دار قديمة و دار عربية، فقد كانت الدور تشاد و لا تجعل لها نافذة على الشارع، و يكتفى بطيقان للتهوية، و لها فناء داخلي تحف به غرف و مخادع و في وسط الفناء أو الصحن فوارة أو حوض ماء. لا جرم أن المسلمين قد أخذوا عن الرومان هذا الطراز في البناء الذي ينطبق مع هذا على مناخ البحر المتوسط، و لا نزال نجد فيه مثالا في الأندلس حيث يسمى الفناء الداخلي باسم «باتنو» أو الفناء المبلط.

و كانت دمشق تعتمد في أبنيتها على الحجر غالبا. و زاد الاعتماد على الخشب و الطين في الأدوار الأخيرة. قال المقدسي: إن منازل دمشق ضيقة و أزقتها غامة، و أكثر أسواقها مغطاة، و لهم سوق على طول البلد مكشوف، لا ترى أحسن من حماماتها، و لا أعجب من فواراتها. هذا في القرن الرابع للهجرة. و قال ابن جبير في القرن السادس: إن أكثر أبنيتها بالقصب و الطين.

و قال ابن فضل اللّه في الثامن: إن غالب بناء دمشق بالحجر و دورها أصغر مقادير من دور مصر، لكنها أكثر زخرفة منها، و إن كان الرخام بها أقلّ، و إنما هو أحسن أنواعا. قال: و عناية أهل دمشق بالمباني كثيرة و لهم في بساتينهم منها ما تفوق به و تحسن بأوضاعه، و إن كانت حلب أجل بناء لعنايتهم بالحجر، فدمشق أزين و أكثر رونقا لتحكم الماء على مدينتها، و تسليطه على جميع نواحيها، و يستعمل في عمارتها خشب الحور بدلا من خشب النخل، إلا أنه لا يغشى بالبياض و يكتفى بحسن ظاهره، و أشرف دورها ما قرب، و أجل حاضرتها ما هو في جانبها اه.

281

قلنا: و هذا ينافي ما كان يراه العرب في تخير أماكن بيوتهم فقد كانوا اصطلحوا على أن الأطراف منازل الأشراف قال البحتري:

عجب الناس لاعتزالي و في الأط* * * راف تلفى منازل الأشراف‏

نماذج من آثار الشراكسة و العثمانيين:

و لذلك كنت ترى في سفح جبل الصالحية و الربوة و الشرف الأعلى الشمالي و الشرف الأدنى الجنوبي من ظاهر دمشق قصورا أنيقة ينزلها القضاة و الحكام و كبار أرباب الأملاك و الأشراف، و لكنها دثرت بالفتن المتواترة و لم تقو على عوادي الأيام حتى نحكم على ما عمله الدمشقيون و أسلوبهم في هندسة مصانعهم على العهد الإسلامي الأوسط. و قد خربت هذه كلها في عهد العثمانيين و يقول كاتب جلبي: إنه كان في المرجة بدمشق قصور عالية مشهورة في الآفاق لا يتأتى إيفاؤها حقها من الوصف لا سيما أبنية البرامكة و آثارهم فإنها لم تزل باقية إلى هذا العهد (القرن الحادي عشر) و روى الظاهري أن دمشق تشتمل على سور محكم و قلعة محكمة و بها طارمة مشرفة على المدينة بها تخت الملك مغطى لا يكشف إلا إذا جلس السلطان عليه و قال أيضا:

إن ما في الميدان الأخضر في دمشق من القصور الحسنة عجيبة من العجائب و هذا في القرن العاشر.

و قد أنشأ العثمانيون بعض خانات في طريق الشام إلى الروم و في طريق الشام إلى الحجاز و بعض قلاع أو أبراج و منها برج قلعة طرابلس فقد كتب على أحد جدرها بعد البسملة «رسم الشريف العالي السلطاني الملكي المظفري سلطان سليمان شاه ابن السلطان سليم شاه لا زالت أوامره الشريفة مطاعة في الأمراء بأن يجدد هذا البرج المبارك ليكون حصنا منيعا على الدوام و كان الفراغ من عمارته في شهر شعبان المبارك سنة (927)» و في سنة (967) أمر السلطان سليمان بتعمير قلاع بطريق الحاج الشامي و تعيين صنجق لكل قلعة واحدة بالقطرانة و ثانية بمعان إلى ما وراء ذلك من أرض الشام، فعمرت و دام الانتفاع بها زمنا طويلا.

و من آثار العثمانيين في دمشق التكيتان السليمانية و السليمية و الجامعان‏

282

السنانية و الدرويشية. بنوها على الأسلوب التركي البيزنطي و لهم مثل ذلك في حلب و منها المدرستان البديعتان مدرسة الخسروية و المدرسة العثمانية.

قال سوبرنهيم الأثري: إن عددا عظيما من مصانع حلب يرد إلى زمن المماليك و العثمانيين و ما عدا الجوامع الكثيرة مثل جامع الأطروش و ألطون بغا و الطواشي و مناراتها المختلفة الهندسة- و بفضلها تذكّر حلب بصورة القاهرة في هذا المعنى- فإن حلب قد احتفظت بالمستشفى الجميل الذي بناه ارغون سنة (755) و بكثير من المخازن و الخانات و الحمامات و الدور و السلسبيلات. و في هذا المستشفى أفاريز و نقوش من أجمل ما نقش النقاشون، تزينه فتجعله بهجة للناظرين. و مدينة حلب غنية بمصانعها الجيدة الهندسة و منها العسكري و الديني و المدني و كلها بما زبر عليها من الكتابات مادة واسعة لمن يريد أن يتصور أصول الهندسة لا في حلب فقط بل في شمالي الشام اه. و من أجمل آثار الهندسة في حلب محراب مدرسة الفردوس التي بنتها ضيفة خاتون التي ملكت حلب ست سنين. و لو كتب البقاء للقصر الذي بناه بقرية بطياس من عمالة حلب صالح بن علي العباسي و قصر الدارين الذي بناه عبد الملك بن صالح خارج باب أنطاكية و قصر مرتضى الدولة أحد موالي بني حمدان و قصر سيف الدولة ابن حمدان الذي بناه بالحلمة من ضواحي حلب و تناهى في حسنه و عمل له أسوارا، و قد أحرقه الروم في إحدى غزواتهم فلم يعمر بعد ذلك، أو قصر آخر من قصور الحمدانيين- لو كتبت الأقدار ذلك لساغ لنا أن نحكم حكما صحيحا على هندسة دور الشهباء في القديم. و الغالب أن هذا الطراز المعروف اليوم منها منقول كما هو الحال في دمشق عن الطراز القديم.

هندسة الجسور:

و في سنة (692) كان الفراغ من بناء جسر نهر الكلب الذي شرع ببنائه سيف الدين أرقطاي، و كان بناؤه بعد خراب الجسر الذي أقامه انطونيوس الحليم الذي تملك على رومية بعد المسيح بمائة و أربعين سنة. و هو الذي قطع الصخور و بنى البرج و مشى في الطريق الذي على شاطئ البحر الموصل إلى مدينة بيروت، كما هو مكتوب على الصخر قبالة الجسر القديم مما يلي قبليه‏

283

على هذه الصورة: الأمير ادوار قيصر مارقوس اورليوس أنطونيوس الحليم السعيد اغسطس كبير الجرمانيين الحبر الأعظم قطع الجبال المشتملة على نهر ليقا و نهج الطريق مهلا و لقبه بالطريق الأنطونياني. و لقب هذا النهر بالكلب لكونه بعد ما أصلحه أنطونيوس الملك نصب به قائمة (نصبا) من حجر كبير على صورة الكلب و قيده بسلسلة حديد في الصخر و جعلوا قدامه نقيرا لأجل الطعام.

لما أراد نائب الشام في أواخر النصف الأول من القرن الثامن عمارة جسر الدامور الجاري بين صيدا و بيروت، ندبوا لذلك مهندسا خبيرا بالأعمال الساحلية يقال له أبو بكر بن البصيص البعلبكي و هو الذي عمر جسر نهر الكلب و له غير ذلك من الأعمال الثقال ببلاد طرابلس فعمله على صورة متينة. و عمر الأمير بشير الشهابي بإيعاز من والي صيدا جسرا على نهر الدامور أيضا فجمع أهل الصناعة إليه فكانوا أكثر من مائة و خمسين رجلا فأتمه في شهرين و غرّم عليه نحو مائة ألف درهم. و كذلك جسر الظاهر برقوق الذي بناه على نهر الأردن (الشريعة) و طوله مئة و عشرون ذراعا و عرضه عشرون. و قالت فيه السيدة عائشة الباعونية الدمشقية:

بنى سلطاننا برقوق جسرا* * * بأمر و الأنام له مطيعه‏

مجاز في الحقيقة للبرايا* * * و أمر بالمرور على الشريعه‏

و عمر قاضي دمشق سنة (932) سوقا تجاه باب جيرون بدمشق فبنى أقواسا بجملون فيها قباب مبنية بالآجر، إذ رآه أحكم في البناء لأنه لا يحتاج إلى طين و يؤمن من حرقه. وجدد سور قلعة حلب السلطان سليمان في شهر المحرم سنة ثمان و عشرين و تسعمائة و كتب ذلك بالعربية.

القاعات و القصور المعتبرة:

من القاعات في دمشق و حلب ما يرجع تاريخه إلى القرن التاسع و العاشر و الحادي عشر و الثاني عشر و منها نعرف كيف كانت هندسة القوم في تلك العصور. فمنها القاعة المشهورة بباب جيرون و باب السلسلة أنشأها الأمير محمد بن منجك الذي عمر العمارات الفائقة بدمشق فإنه تأنق في عمارتها

284

بالقاشاني و الرخام و عمر القصر المعروف به في الوادي الأخضر (1011) و ذكر الخياري أنه كان في القرن الحادي عشر في المرجة بدمشق قصر مقابل القصر المنجكي قصر الباشا محمد بن الناشف و غير ذلك من العمارات و القصور الفائقة. و كان في الصالحية محل يقال له القصر عمّره أبو البقاء الصفوري المتوفى سنة (1035) و كان يقال له صاحب القصر و كان من أحسن المتنزهات و فيه يقول الأمير المنجكي من قصيدة:

أقسمت بالبيت العتيق و ما حوت* * * بطحاؤه من حجره و حجوبه‏

ما ضمت الدنيا كقصرك منزلا* * * كلا و لا سمحت بمثل قطينه‏

و منها عمارات ابن الفريخ أمير البقاع (1002) و كانت له دار عظيمة خارج دمشق قبلي دار السعادة قال المحبي: لم يرسم مثلها، جعل بابها بالرخام الأبيض و الحجر الأحمر المعدني، و نقل لها الرخام من الساحل و الحجارة من البقاع و استعمل فيها العملة بالسخرة. و في سنة 1034 بنى الأمير منذر التنوخي سرايا عظيمة في قرية عبيه في لبنان و بقى أربعين سنة لم يكملها لزيادة اتساعها و كان البناؤون من اسلامبول و لعلها هي المعروفة بدار الأمير سيف الدين و لا تزال موجودة و قد كتب على باب دارها:

قسما بمن ضمت أباطح مكة* * * و منى و زمزم و الكتاب المنزل‏

ما شدتها طمع الخلود و إنما* * * هي جنة الدنيا لأهل المنزل‏

و أمر الوزير أحمد باشا الكوبرلي الذي ولي دمشق سنة (1071) بعمارة قاعة معظمة داخل دار الإمارة بدمشق فبنيت كما قال المحبي على أسلوب عجيب و وضع غريب. و قال المؤرخون: إن الأمير بشير الشهابي كان كالأمير فخر الدين المعني يحب البذخ و الرفاهية و تنظيم إصطبلاته و بيطرته حتى أصبح مضرب الأمثال في ذلك، و عمر في بيت الدين قصرا ملوكيا و جلب إليه الماء في ساقية طولها ثلاثة فراسخ. قال بعض المؤرخين: جر الأمير بشير بواسطة رجل دمشقي قناة ماء من ينبوع القاعة بجانب نهر الصفا إلى منزله في بيت الدين من بعد ثلاث ساعات و غرّم على ذلك زهاء مائتي ألف درهم و كانت جميع أهل الأقاليم تحضر في كل سنة يومين تعمل في هذه القناة بغير أجرة اكراما له. و مدة العمل اثنان و عشرون شهرا.

285

و المهندسون في سراي بيت الدين إيطاليون و البناؤون دمشقيون و حلبيون و أتراك من الاستانة، و هي على الطرز التركي الممتزج بالطراز الإيطالي، أنشأها الأمير بشير عمر الكبير (1810) و انتهت سنة (1815) و على جوانب هذا القصر أربعة جواسق بديعة و له مدخل فخم يبلغ علوه نحو 15 مترا كله بني بضروب الرخام الوطني الغالي الثمن و الأجنبي الفاخر، مزين بنقوش ملونة، و تمثل أشكالا هندسية و نباتات و تصاوير شتى، و لهذا المدخل أفاريز لطيفة الصنع تطيف به على شكل الأقواس، و فوقه شرف بتقاطيع جميلة، و للمدخل رتاج عظيم ذو مصراعين، و في داخل القصر ديوان كبير واسع يعرف بقاعة العمود، لعمود من الرخام المجزع في وسطه، كان مفروشا بالفسيفساء و الرخام و هو ملك الحكومة منذ سنة (1860) م و لم يبرح عامرا تتعهده بالإصلاح. و من الأبنية التي اشتهرت قاعة حسين بن قرنق في صالحية دمشق عمرت سنة (1077) و كان يضرب بها المثل و هي على الأرجح في رأس العقبة مكان دار بني الشريف دثرت في القرن الماضي. و كان ابن قرنق صدر دمشق و عمر الأماكن البهية من جملتها قصره و قاعته.

و من الدور القديمة في حلب و هو مما بني في القرن العاشر دار جان بلاط ابن عربو و هي ملك آل إبراهيم باشا ذكر في أعلام النبلاء أن صدر إيوانها مبلط بالقاشاني على اختلاف أنواعه و ألوانه على أشكال هندسية و أوضاع بديعة أحكمت فيه الصنعة أيما إحكام قال: إن رؤيتها تذكرك إيوان كسرى و عظمته. و ذكر المحبي أن الوزير حسين باشا صاري أحد ولاة دمشق المتوفى (1094) عمر القصر المعروف به في طرف الشرف بالميدان الأخضر من دمشق و كان مكانه يعرف بالخاتونية و تأنق في وضعه و غرس فيه أنواع الأشجار من كل صنف و عزّ عليه بدمشق بعض أنواع الفاكهة فجلبه من أماكن بعيدة.

و من محاسن دمشق الداران اللتان عمرهما في القنوات الأمير منصور الشهابي أمير وادي التيم و ابن عمه الأمير علي و ذلك على أسلوب متقن محكم و زخرفاهما بأنواع الزخارف و النقوش و جلبا إليهما الرخام من إقليمهما. قال المحبي:

و لعمري إنهما أبدعا و نوعا و أجادا في صنعهما.

و ذكر المؤرخون أن الأمير فخر الدين المعني جلب مهندسين من الغرب‏

286

و لعلهم من إيطاليا ليضعوا له خطط قصوره في بيروت و صيدا و ذكروا أيضا أنه بنى عدة بنايات و قلاعا و حصونا كثيرة، و لما حدث اختلاف بينه و بين بيت سيفا و أتى بنو سيفا أصحاب طرابلس فأحرقوا و نهبوا الشوف قيل إنه اقسم هكذا: و حق زمزم و النبي المختار لأعمرك يا دير بحجر عكار. و هكذا لما فاز على بني سيفا و حاصر قلعة الحصن و أخذها و هدمها، جعل الجمال بالألوف تحمل الحجارة من قلعة عكار إلى دير القمر، و بنى جميع الدور القديمة في دير القمر، و وزع في جدرانها من حجارة عكار، و هي الحجارة الصفراء الموجودة في الخراج، و في جميع بنايات بيت معن القديمة و هي باقية إلى الآن.

قصور القرن الثاني عشر و الثالث عشر:

و من أمثلة البناء الجميل دار أسعد باشا العظم في جوار جامع بني أمية بدمشق شرع بإنشائها (1163) و انتهت (1174) قيل: إن ما أنفق عليها أربعمائة كيس، كل كيس بخمسمائة قرش. و هذا أجور العملة، و أما الخشب و البلاط و التراب و غيره فكله من أملاكه و بساتينه عدا من سخرهم للبناء من الناس. و كان عدد العملة ثمانمائة. قال ابن بدير: إن بانيها جد في العمارة ليلا و نهارا و أحضر لها 12 ألف عمود خشب، عدا ما أهداه إياه أعيان البلد. و أو عز إلى الأطراف أن لا يباع القصر مل إلا إليه، و شغل غالب بنائي البلدة و نجاريها و نقاشيها، و جلب البلاط من أكثر دور المدينة، و حيثما وجد بلاطا و رخاما و أعمدة و فساقي يبعث بمن يقتلعها و يعطي القليل في ثمنها.

و كان على مقربة من مقبرة البرامكة فوق نهر بانياس قصر يقال له قصر الزهرائية مطل على المرجة الخضراء انهدم فأخذ أنقاضه، و أخذ انقاض طاحون كانت على نهر بانياس في وادي كيوان و نقل من بصرى أحجارا و عمدا من الرخام، و أخذ من مدرسة الملك الناصر في الصالحية عمدا غلاظا و هدم سوق الزنوطية فوق حارة العمارة، و كان كله عقدا بالأحجار ففكه و أخذ أحجاره، كما نقل أحجارا من جامع يلبغا. و أينما سمع ببلاط لطيف أو عمد حسنة يأتي بها شراء و بلا شراء و يشغل العملة بكراء و بلا كراء. قيل: إن داخل هذه‏

287

الدار أماكن عديدة لا تشبه الواحدة الأخرى، و جميعها عمل بماء الفضة و الذهب و اللازورد و البلاط و الرخام العظيم. و نقل بعض السائحين أن ليس مثلها في ملك بني عثمان حتى و لا سراي الملك المعظم. و هذه الدار بما حوت من الفناء و القاعات و الردهات و الأبهاء و الفساقي و الفوّارات و الحمام من ألطف ما هندس المهندسون في ذاك القرن و كذلك يقال في قصره في حماة و هو على مثال داره في دمشق على صورة مصغرة. و النقوش و أنواع الزينة فيها فارسية.

فاستدل من ذلك أن النقاشين كانوا فرسا أو تأثروا بالأسلوب الفارسي. و من أجمل ما فيه صورة حماة في القرن الثاني عشر تبين منها أنها كانت عامرة أكثر من اليوم على ما يظهر. و دار أسعد باشا العظم في دمشق اشترتها فرنسا و رمتها و جعلتها معهدا للدراسات الإسلامية (حزيران 1922) و قد حرقت قاعتها في ثورة سنة (1344 ه). و دار أسعد باشا في حماة اشترتها جمعية و جعلتها مدرسة و هي عامرة أيضا. و من أجمل الآثار في دمشق أيضا خان أسعد باشا العظم و واجهته و رتاجه «بوابتة» و قد عمر هذا الباشا جسر الكسوة من الرأس إلى الرأس و عرّضه. و من أعظم بيوت حلب القديمة سراي الجلبي كانت كل غرفة منها تضاهي دارا عظيمة استخرج منها مؤخرا خان وعدة دور. و من أعظم خانات حلب خان الكمرك القديم المعروف بخان محمد باشا الشهيد طوله مائة ذراع في مثلها.

و من أجمل آثار ذاك القرن جامع الجزار في عكا و داره في البهجة على مقربة منها نسج فيها على مثال الهندسة المصرية في ذاك القرن. و من البيوت الجميلة قصور بني جنبلاط في المختارة في لبنان و في الهلالية قرب صيدا و قصر بني شهاب في حاصبيا و سرايهم في راشيا. فإن هذه القصور مثال من تفنن أعيان ذاك الزمان في تنجيد بيوتهم و حسن هندستها. و كانوا يبنون كما قيل بناء الجبابرة و ينقشون نقش الصياغ.

و إنا إذا تأملنا الأبنية التي قامت في النصف الثاني من القرن الثالث عشر للهجرة في مدن الشام نراها طرزا طليانيا في الأكثر قد لا ينطبق مع روح القطر و مصطلحه في إشادة البيوت منذ القرون الأولى. و قد انتشر هذا الطراز في مدينة بيروت و لبنان أولا ثم امتد إلى طرابلس و يافا و حيفا و القدس و دمشق‏

288

و حلب و حمص و غيرها من المدن. و ما دور بني سرسق في بيروت و صوفر و دور بني بسترس و التويني و غيرها في بيروت و الدور المعلقة في مدينة طرابلس و دور الجميلية و العزيزية في حلب و مصايف لبنان في عالية و صوفر و بحمدون و بكفيا و شوير و غيرها و بعض الدور المحدثة في دمشق إلا مثال منها. و من أهم أبنية الشام المحدثة دير الكازانوفا في الناصرة، و دير الألمان و دير الروس في القدس، و مدرسة اليسوعيين و الجامعة الأميركية و قصر الصنوبر في بيروت.

و محطة السكة الحجازية في دمشق، و محطة سكة بغداد في حلب، و غير ذلك من القصور الخاصة و الفنادق و المدارس و الملاجئ و المياتم و المستشفيات في القدس و طبرية و بيروت و لبنان و غيرها. و من أهم دور القرن الماضي في دمشق دار القوتلي و شامية و عنبر و شمعايا و استانبولي و الحلبوني. و من الدور الحديثة قصر الإمارة الجديد في عمان سموه قصر رغدان. و يسرع البلى إلى ما كان بناؤه منها من الخشب و الطين أو بعضها منهما على الأغلب.

و أكثر دمشق كانت كذلك ظاهرها تنبو عنه العين و الزخرف في داخلها قال البحتري:

و تأملت أن تظل ركابي* * * بين لبنان طلّعا و السنير

مشرفات على دمشق و قد أع* * * رض منها بياض تلك القصور

و مع أن المقالع قريبة من دمشق و فيها ضروب الحجر الجميل من أبيض و مائل إلى الصفرة أو الحمرة، فإن القوم يستسهلون أو يسترخصون البناء بالخشب و اللبن أو الحجر الأسود البركاني فيبنون به كما يبني أهل حمص بل أهل كل بلد كانت الحرار السوداء قريبة منهم. و أجمل الحجر الحجر الرملي في بيروت و حجر حلب. و لم يزل بناء بيت المقدس- كما قال القاضي الفاضل- من الرخام الذي يطرد ماؤه، و لا ينطرد لألاؤه، قد لطف الحديد في تجزيعه، و تفنن في توسيعه، إلى أن صار الحديد الذي فيه بأس شديد، كالذهب الذي فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض لها من بياض الترخيم رقراق، كالأشجار لها من النبت أوراق. و إن بعض القاعات إذا كتب لها البقاء فلأنها بنيت بالحجر الصلب و تعاورتها أيدي العقلاء فرمتها يوم احتاجت إلى الترميم بطارئ طرأ عليها.

289

أسباب الخراب و العلة في قلة قصور الأفراد:

قلّت في الشام قصور الأفراد من التجار و الصناع و الزراع كما تشاهد في الغرب مثلا، لأن السكان كانوا يفنون في كبرائهم فلم يكن شأن من مظاهر النعمة و الغبطة مدة قرون لغير أرباب الدولة أو من كان يعد من جملتهم و كان سائر الناس يحاذرون أن تنشأ لهم شهرة في الثروة، و الثروة تتجلى في الدار و الفرش و الدابة و اللباس، فيتظاهرون بالفقر لينجوا من مخالب العمال و فسدت الأذواق في البناء و حسن الذوق تبع للحضارة في الأمة، فاذا تأخرت حضارتها كان الذوق من أول ما يفسد فيها. و لذا كان الناس يخربون العامر و يبنون بأنقاضه. و كم أدركنا و أدرك آباؤنا و أجدادنا من أثر بديع سطت عليه يد خرقاء لنسل حجارته. و كم من كتابة تاريخية عفي أثرها جهلا و غباوة.

اجتاز القاضي أبو يعلى المعري ببلدة شياث ظاهر معرة النعمان و الناس ينقضون بنيانها ليعمروا به موضعا آخر فقال:

مررت برسم في شياث فراعني* * * به زجل الأحجار تحت المعاول‏

تناولها عبل الذراع كأنما* * * رمى الدهر فيما بينهم حرب وائل‏

أتتلفها شلّت يمينك خلّها* * * لمعتبر أو زائر أو مسائل‏

منازل قوم حدثتنا حديثهم* * * و لم أر أحلى من حديث المنازل‏

و العلة العظمى في نزول الدمار ببيوت الأفراد أنها أسرع عرضة للتبدل أكثر من المصانع العامة بالخراب و الانتقال من يد إلى يد بالإرث و التقسيم و يتحيفها ما يتحيف المصانع من زلزال و تخريب بأيدي الفاتحين و الغزاة.

قال بنيامين في رحلته: و قد أصاب حماة هزة أرضية منذ عهد قريب (552 ه) اهلكت خمسة عشر ألفا من سكانها في يوم واحد فلم يبق منها إلا سبعون نفسا. و قال أبو الفداء في هول هذا الزلزال: و يكفي أن معلم كتاب كان بمدينة حماة فارق المكتب و جاءت الزلزلة فسقط المكتب على الصبيان جميعهم قال المعلم فلم يحضر أحد يسأل عن صبي كان له هناك.

و زلزلت الأرض سنة (597) فهدمت مدينة نابلس فلم يبق فيها جدار قائم و مات تحت الردم ثلاثون ألفا و هدمت عكا و صور و جميع قلاع الساحل‏

290

و امتدت إلى دمشق فهدمت أكثر الكلاسة و البيمارستان النوري و تهدمت بانياس و هونين و تبنين. و خرج قوم من بعلبك يجنون الريباس من جبل لبنان فالتقى عليهم الجبلان فماتوا بأسرهم و تهدمت قلعة بعلبك مع عظم حجارتها و وثيق عمارتها و امتدت إلى حمص و حماة و حلب و النواحي و أحصى من هلك في هذه السنة على سبيل التقريب فكان ألف ألف إنسان و مئة ألف إنسان قاله في ذيل الروضتين، و لم يكن زلزال سنة (565) أقل من هذا فقد أخربت دمشق و بعلبك و حمص و حماة و شيزر و بعرين و حلب و تهدمت أسوارها و قلاعها و سقطت الدور على أهلها و هلك منهم ما يخرج عن الحد و أتى الخراب على حلب فأتى على سورها و جوامعها.

الاحتفاظ بالعاديات و المصانع:

و بعد فقد علمنا بما مرّ بنا أن الشام وافر المصانع أبقت فيه كل أمة و كل جيل أثرا من غناها و عظمتها، و أن الخراب يتحيف أكثر هذه العاديات لأن حب الاحتفاظ بالقديم قد ضعف فينا. و نرى الشام لا يحتفظ بآثاره و ينميها إلا يوم تنشأ فيه إدارة للعاديات يكون سلطانها نافذا على الكبير و الصغير كما فعلت مصر منذ أمد، فاحتفظت بالبقية الباقية من أعمال الغابرين، و خدمت أحباب الآثار و غلاة الهندسة من المحدثين. و لا يبحث عن العاديات إلا إذا توفر للباحثين العلم بالآثار على أحدث الطرق العلمية، حتى إذا استخرج شي‏ء منها يضنّ به فلا يصدره إلى القاصية بل يحفظ في دور الآثار تراث الأجداد. و أهم من هذا و ذاك أن يتربى في الأمة الذوق في الجمال، و ينتشر العلم بالصنائع النفيسة حتى بين الأطفال، و يعرف كل وطني معنى هذه التذكارات المطبوعة بطابع الأجداد، المنبعثة من أرجائها ريح فضائلهم، المشبعة بأنوار نبوغهم، الصادرة من فيض قرائحهم و عبقريتهم، و عندئذ يصبح الشام كله متحفا نفيسا دونه أجمل المتاحف، و أفخم بيت يجمع المفاخر و المآثر.

انتهى الجزء الخامس من خطط الشام و يليه الجزء السادس و أوله التاريخ المدني- البيع و الكنائس و الديرة

291

فهرست الجزء الخامس من خطط الشام‏

التاريخ المدني 3- 31

الجيش 3

جيوش الأشوريين و الفراعنة و العبرانيين 3

جيوش اليونان و الرومان 4

الجيش العربي مع الرومي 5

بعض قوانين الجيش العربي 7

تعبية الجيش العربي 11

شدة الأمويين و مثال من أوامرهم 12

أدوات التدمير و السلاح و المواصلات 17

الجيش على عهد ملوك الطوائف 20

الجيوش الصليبية و التترية 22

الجيوش في القرون الوسطى و جمعيات الفتوة 22

الجيوش العثمانية 25

الجيوش الحديثة 29

الأسطول 32- 46

بحرية الفينيقيين و العبرانيين و الفراعنة 32

بحرية الرومان و اليونان 33

العرب و البحار 34

أول خليفة غزا البحر الشامي و البحرية الأموية 35

وصف أسطول شامي 38

سواحل الشام و نفقات الأسطول و المناور و الرباطات و الفداء 40

الأساطيل في القرون الوسطى 42

قصورنا في البر و البحر 46

الجباية و الخراج 47- 88

جبايات القدماء 47

الجباية في الإسلام 48

292

ضروب الجباية 49

أول ما فرض من الجباية 51

عهد الأمويين 54

عهد العباسيين و مساحة الشام 58

تحري العدل في الدولتين النورية و الصلاحية 63

الضرائب زمن الأتراك و الشراكسة 64

غنى الشام و المكوس (سقط هذا العنوان سهوا و موضعه بعد السطر 17) 67

تفنن الشراكسة في اقتضاء الأموال 70

الأموال أوائل العهد العثماني 71

الخراج و العثمانيون (طبعت خطأ و العثمانيين) 71

تفنن الجزار في أخذ المال و طريقة العثمانيين 74

الجباية على عهد المصريين و المقابلة بين طريقتهم و طريقة العثمانيين 75

رأي إنكليزي في إعنات البلاد بالضرائب 76

رأي مدحت باشا في مظالمهم 77

الاشتطاط في الأعشار و القسط في الجباية 78

خراج الأرض و العقارات 79

رسم المواشي 81

الأعشار 81

رسوم الجمرك 82

الجمارك الشامية و وجوه نفقاتها و توزيعها 84

ضريبة التمتع 85

الضريبة النسبية 87

الضريبة المقطوعة 87

الضريبة المتحولة 88

الرأي في الجباية و النفقات 88

الأوقاف 89- 122

منشأ الوقف 89

تعريف الأوقاف و طرقها 90

أول أوقاف الشام و سوء استعمالها 91

شرط الواقف و خراب أوقاف الشام 92

293

التفنن في الأحباس و التلاعب بالموقوف 94

أوقاف نور الدين و صلاح الدين و من تقدمهما و خلفهما 98

تكاثر الأوقاف و مضار الجمود 100

تأثير الوقف في العمران 101

الأوقاف عند قدماء العثمانيين 101

الوقف من مال غير محلل 102

مضار الأوقاف 104

منافع الأوقاف 104

تقسيم الأوقاف و إصلاحها 105

ضروب الحيل و انتهاك حرمة الأوقاف 108

مصائب الأوقاف 111

أوقاف الذرية 112

الأوقاف في العهد العثماني الأخير 113

الأوقاف بعد العهد التركي 117

وسائل إصلاح الأوقاف 118

الحسبة و البلديات 123- 139

العرب دعاة مدنية 123

تعريف الحسبة 124

الحسبة تجمع الشرطة و الصحة و البلدية و عملها 125

الحسبة قانون مدني 126

عمل المحتسب بحسب البلد 128

ثلاثة آراء في الحسبة 129

الحاجة و الحسبة أمس و اليوم 131

تأسيس البلديات 131

النظام الجديد 134

تأثير البلديات في العمران 137

رأي في إصلاح البلدة 138

الترع و المرافئ و الطرق 140- 216

ترعة السويس 140

الترعة العظيمة عن طريق فلسطين 147

294

الترعة بين البحر الأبيض و الخليج الفارسي 148

مرفأ غزة 148

مرفأ يافا 149

مرفأ حيفا 150

مرفأ عكا 152

مرفأ صور 152

مرفأ صيدا 153

مرفأ بيروت 154

فرضتا جونيه و جبيل 157

مرفأ طرابلس 157

مرفأ اللاذقية 158

مرفأ الإسكندرونة 158

الخطوط الحديدية 160

خط بيروت- دمشق 160

خط بيروت- المعاملتين 164

خط دمشق- حوران 164

خط دمشق- حلب 165

خط حمص- طرابلس 167

طريق الحج و إنشاء الخط الحجازي 168

إنشاء الخط الحجازي 170

الخط الحجازي في عهد العثماننين و بعدهم 180

تقسيم الخط الحديدي الحجازي 181

الخط الحجازي في شرقي الأردن و الحكومة الهاشمية 182

الخط الحجازي في المؤتمرات 183

نفقات الخط الحجازي و إصلاحه 184

الخطوط الفلسطينية: خط يافا- القدس 185

خط حيفا- دمشق 186

الخطوط العسكرية الفلسطينية 188

خط بغداد 191

295

الخطوط الحديدية بين الشام و مصر 196

الكهرباء و خطوط الترام في دمشق 197

ترامواي حلب الكهربائي 202

خط الترام في طرابلس 204

الطرق العامة في الشام 204

طرق الشام 206

الطرق العامة 207

وصف الطرق 208

السيارات 216

البريد و البرق و الهاتف 217- 222

منشأ البرق «التلغراف» 217

الآلات و الأدوات و المخابرة 218

إحداث الهاتف 219

منشأ البريد 219

مراكز البريد و البرق في الشام 221

المصانع و القصور 223- 290

تقاسيم المصانع و عظمتها 223

مصانع الأمم القديمة 223

هندسة الفينيقيين و آثارهم 225

عاديات الرومان 226

عاديات البتراء و جرش و عمان 227

وصف المحدثين خرائب جرش 230

عاديات تدمر 232

وصف عاديات تدمر 233

عاديات بعلبك أمس و اليوم 236

أنطاكية و حمص و أفامية و البارة و دمشق 239

حوران و لبنان و غيرهما 241

الهندسة الشامية و الكنائس و الهياكل 243

آثار العرب قبل الإسلام 244

296

قصور العرب في الإسلام 246

عناية الأمويين و تفننهم 248

الجامع الأموي و المسجد الأقصى 248

تاريخ الحرم القدسي 250

المسجد الأقصى اليوم 252

صفة المسجد الأقصى 254

وصف المقدسي للمسجد الأقصى في القرن الرابع 256

أصل الجامع الأموي 257

قصور الأمويين و مصايفهم و مشاتيهم 263

عمل العباسيين 266

آثار عربية محلية ميناء عكا 267

القصر الأبلق 269

المعاهد الدينية و المدنية في العهدين النوري و الصلاحي 270

عمران دمشق في القرون الوسطى 271

دور الخاصة 272

تجديد المدن الصغيرة 273

القلاع و الحصون و قلعة حلب و دمشق 274

مثال التخريب في الحصون و البيع 277

قلاع الصليبيين و كنائسهم 278

هندسة البيوت و بيوت دمشق و حلب 279

نماذج من آثار الشراكسة و العثمانيين 281

هندسة الجسور 282

القاعات و القصور المعتبرة 283

قصور القرن الثاني عشر و الثالث عشر 286

أسباب الخراب و العلة في قلة قصور الأفراد 289

الاحتفاظ بالعاديات و المصانع 290

فهرست الجزء الخامس من خطط الشام 291- 296

تم طبع هذا الجزء على مطابع دار القلم بيروت ص. ب 6664