زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
55

و مات عليّ- (كرم اللّه وجهه)- مقتولا بالكوفة، في سنة أربعين، و معاوية متغلب على الشام جميعه، فصالح الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- و بويع بالخلافة، في ربيع الأول سنة إحدى و أربعين؛ فمصرّ معاوية قنسرين، و أفردها عن حمص، و قيل إنّما فعل ذلك ابنه يزيد. و صار الذكر في ولاية قنسرين، و وظّف معاوية الخراج على قنسرين أربعمائة ألف و خمسين ألف دينار، و حلب للخلفاء من بني أمية لمقامهم بالشام، و كون الولاة في أيامهم بمنزلة الشرط، لا يستقلون بالأمور و الحروب؛ و ولاة الصوائف ترد كل عام مع الجيوش الاسلامية إلى دابق‏ (1).

و أقام جماعة منهم بنواحي حلب، فإن سليمان بن عبد الملك رابط بدابق إلى أن مات. و أقام [عمر (2) بن عبد العزيز بخناصرة (3) إلى أن مات‏].

____________

(1)- دابق الآن قرية في هضبة حلب تتبع ناحية صوران، منطقة أعزاز، محافظة حلب، فيها تل أثري في شمال القرية، تنتشر عليه الكسر الفخارية، أقيم عليه ضريح الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، و قربها جرت المعركة الفاصلة بين السلطان المملوكي قانصوه الغوري و السلطان العثماني سليم الأول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- فقد من الأصل- كما هو مرجح- ورقة جرى استدراك ما رجح أنها حوته، اعتمادا على ما جاء في مصادر التاريخ الاسلامي العامة مع كتاب الأعلاق الخطيرة لابن شداد، و الجزء الأول من اعلام النبلاء للطباخ.

(3)- هي الآن خناصر، بلدة في الأطراف الجنوبية لهضبة حلب، مركز لناحية خناصر، تتبع منطقة السفيرة، محافظة حلب، تبعد عن السفيرة 45 كم، و هي قائمة عند نهاية السفح الجنوبي لجبل الأحص، فيها آثار ظاهر منها السور و القلعة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

56

[و لم يزل حبيب بن مسلمة مع معاوية في حروبه، و قد وجهه إلى أرمينية و اليا، فمات بها سنة اثنتين و أربعين. و استعمل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على غزو الروم؛ و لشدة بأسه خافه معاوية، و خشي منه؛ و أمر ابن أثال النصراني أن يحتال في قتله. و ضمن له أن يضع عنه خراجه ماعاش؛ و أن يوليه خراج حمص. فلما قدم عبد الرحمن من الروم دسّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها، فمات بحمص سنة ست و أربعين.

و قاد مالك بن عبد اللّه الخثعمي الصوائف أربعين سنة. و سير معاوية جيشا كثيفا إلى بلاد الروم، و جعل عليهم سفيان بن عوف و أمر يزيد ابنه بالغزاة معهم، فتثاقل، و اعتلّ، فأمسك عنه أبوه. فأصاب الناس في غزاتهم جوع و مرض شديد، و ذلك في سنة اثنتين و خمسين.

و شتا بأرض الروم بعده عبد الرحمن ابن أم الحكم الثقفي و غزا المسلمون الصائفة في سنة أربع و خمسين كذلك، و فتحوا قرب القسطنيطينية.

فلما مات معاوية سنة ستين، و ولي ابنه يزيد أمرهم بالعود منها فعادوا.

و مات يزيد بن معاوية بحوارين‏ (1) من أرض الشام في سنة أربع و ستين. و بويع بعده معاوية ابنه بالخلافة في الشام و لكنه لم يمكث إلا أربعين يوما حتى خلع نفسه، ثم هلك.

____________

(1)- حوارين قرية في هضبة حمص الجنوبية الشرقية، تتبع ناحية مهين، منطقة مركز المحافظة- محافظة حمص، تتصل بحمص بطريق مزفتة هي طريق حمص القريتين، فيها آثار من العصور التدمرية، و البيزنطية و الاسلامية، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

57

و بويع بعده مروان بن الحكم، و ذلك في سنة أربع و ستين.

و تحارب مروان و الضحّاك بمرج راهط (1) عشرين ليلة، و اقتتلوا قتالا شديدا، فقتل الضحّاك، قتله دحية بن عبد اللّه، و قتل معه ثمانون رجلا من أشراف أهل الشام. و كانت الوقعة في المحرم سنة خمس و ستين.

و لما بلغت الهزيمة زفر بن الحارث الكلابيّ بقنسرين هرب منها فلحق بقرقيسيا (2). و استوثق الشام لمروان و استعمل عماله عليها. و لما مات مروان سنة خمس و ستين قام ابنه عبد الملك في اليوم الذي مات فيه.

و أقام عبد الملك بدمشق بعد رجوعه من قنسرين ما شاء اللّه أن يقيم، ثم سار يريد قرقيسيا، و بها زفر بن الحارث الكلابي، ثم قفل إلى دمشق فدبر لعمرو بن سعيد فقتله. و استعمل عبد الملك أخاه محمدا على الجزيرة و أرمينية فغزا منها، و أثخن العدو، و ذلك في سنة ثلاث و سبعين.

و أعاد الكرة في سنة خمس و سبعين حين خرجت الروم من قبل مرعش. و بعد سنتين غزا الصائفة الوليد بن عبد الملك، و ظل على الولاية إلى أن مات عبد الملك في شوال سنة ست و ثمانين.

____________

(1)- كان الضحاك بن قيس الفهري قد بايع عبد اللّه بن الزبير، و تزعم القيسية في الشام، و بالمقابل قامت القبائل اليمانية بزعامة حسان بن بحدل الكلبي بعقد مؤتمر الجابية، حيث بويع فيه مروان بن الحكم، و اثر ذلك كانت معركة مرج راهط، شرقي بلدة جوبر، خارج دمشق، و في هذه المعركة هزم الضحاك بن قيس، وترسخت بيعة مروان.

(2)- هي البصيرة حاليا (البوسرايا) حيث يلتقي الخابور بالفرات في سورية.

58

و ولى ابنه الوليد بن عبد الملك و محمد بن مروان على ولايته فما زال كذلك إلى أن عزله الوليد بن عبد الملك في سنة تسعين. و ولى مكانه أخاه مسلمة بن عبد الملك.

فدخل مسلمة حرّان و كان محمد بن مروان يتعمم للخطبة؛ فأتاه آت فقال: هذا مسلمة على المنبر يخطب! فقال محمد: هكذا تكون الساعة بغتة! و ارتعدت يده، فسقطت المرآة من يده؛ فقام ابنه إلى السيف فقال: مه يابني؛ ولاني أخي و ولاه أخوه.

و كان أكثر مقام مسلمة بالناعورة، و بنى فيها قصرا بالحجر الأسود الصلد، و حصنا بقي منه برج إلى زماننا هذا (1).

و كان عبد الملك بن مروان يقول للوليد: كأنني- لو قد متّ- بك قد عزلت أخي و ولّيت أخاك.

و مات الوليد بن عبد الملك في سنة ست و تسعين.

و ولي سليمان بن عبد الملك فسيّر أخاه مسلمة غازيا إلى القسطنطينية و استخلف مسلمة على عمله خليفة؛ و رابط فيها سليمان بمرج دابق إلى أن مات به سنة تسع و تسعين.

و ولي عمر بن عبد العزيز بن مروان، فكان أكثر مقامه بخناصرة الأحصّ. و ولى من قبله على قنسرين هلال بن عبد الأعلى. ثم ولى أيضا عليها الوليد بن هشام المعيطي على الجند، و الفرات بن مسلم على خراجها.

____________

(1)- لمزيد من المعلومات حول الناعورة انظر بغية الطلب ج 1 ص 64.

59

و توفي عمر بدير سمعان‏ (1) من أرض معرة النّعمان، يوم الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى و مائة.

و ولي يزيد بن عبد الملك، و الوليد على قنسرين؛ و كان مرائيا سأل عمر أن ينقص رزقه تقربا إليه؛ فعلم أنه إنما أراد أن يتزيّن عنده بذلك؛ فحطّ رزقه. و كتب إلى يزيد، و هو ولي عهده: «إنّ الوليد بن هشام كتب إليّ كتابا أكثر ظني أنه تزّين بما ليس هو عليه، فأنا أقسم عليك إن حدث و أفضى هذا الأمر إليك فسألك أن تردّ رزقه، و ذكر أني نقصته فلا يظفر منك بهذا».

فلما استخلف يزيد كتب الوليد إليه: «إنّ عمر نقصني و ظلمني» فغضب يزيد، و عزله، و أغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر و يزيد كلها؛ فلم يل له عملا حتى هلك.

و مات يزيد بن عبد الملك بالبقاء (2) في شعبان سنة خمس و مائة [فاستخلف هشام بن عبد الملك‏] (3).

و ولى على قنسرين و عملها خال أخيه سليمان و هو الوليد بن القعقاع بن خليد العبسيّ و قيل إنّه ولّى عبد الملك بن القعقاع على قنّسرين؛ و إليهم ينسب حيار بني عبس‏ (4)، و إلى أبيهم ينسب القعقاعية قرية من بلد الفايا (5).

____________

(1)- على مقربة من معرة النعمان أعيد ترميمه حديثا.

(2)- كانت البلقاء كورة من أعمال دمشق، قصبتها عمان. معجم البلدان.

(3)- زيد ما بين الحاصرتين لاستقامة السياق.

(4)- هي أشهر باسم حيار بني القعقاع، و كانت أيضا تعرف باسم كورة قنسرين الثانية. بغية الطلب ج 1 ص 125.

(5)- الفاية كورة بين منبج و حلب كبيرة. معجم البلدان.

60

و توفي هشام سنة خمس و عشرين و مائة.

و ولي الوليد بن يزيد بن عبد الملك، و كانت بينه و بين بني القعقاع وحشة، فهرب الوليد بن القعقاع و غيره من بني أبيه من الوليد، فعاذوا بقبر يزيد بن عبد الملك. فولى الوليد على قنّسرين يزيد بن عمر بن هبيرة؛ و بعث إلى الوليد بن القعقاع، فأخذه من جوار قبر أبيه؛ و دفعه إلى يزيد بن عمر بن هبيرة، و هو على قنسرين، فعذبه و أهله. فمات الوليد بن القعقاع في العذاب.

و خرج يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، فقتله في «البخراء» (1) في جمادى الآخرة سنة ست و عشرين و مائة. و وثب على عامله بدمشق فأخذه، و سيّر أخاه مسرور بن الوليد، و ولاه قنّسرين؛ و قيل بل ولي قنسرين أخوه بشر بن الوليد. و بويع يزيد، و مات في ذي الحجة من هذه السنة.

و بويع ابراهيم بن الوليد؛ و خلع في شهر ربيع الأول، سنة سبع و عشرين و مائة.

فولي مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، و كان بحرّان‏ (2)، فسار منها

____________

(1)- البخراء: مدينة أثرية في البادية، ناحية مركز و منطقة تدمر. محافظة حمص تقع إلى الجنوب من مدينة تدمر، و على بعد 25 كم، اشتق اسمها من البخر، و هي الرائحة النتنة الصادرة عن الينابيع الكبريتية، أثارها تدل على أنها كانت مدينة محصنة أبعادها 200* 160 م، يحيط بها سور من الحجارة المنحوتة بعرض 3 م، مدعم بأبراج نصف دائرية، يتجه بابها نحو الجنوب الشرقي، و يحيط به برجان مستديران و في وسطها باحة ذات أعمده، تيجانها كورنثية، بناها التدمريون، و اتخذوها محطة رئيسة للقوافل. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- حران الآن قرية مهملة داخل الحدود التركية مع محافظة الرقة السورية.

61

في سنة سبع و عشرين و مائة. و نزل بحلب؛ و قبض على مسرور بن الوليد الوالي بحلب، و على أخيه بشر، بعد أن لقيهما فهزمهما و قتلهما بحلب. و كان معهما ابراهيم بن عبد الحميد بن عبد الرحمن، فقتله أيضا.

و استتب أمر مروان. و خرج على مروان سليمان بن هشام بن عبد الملك فالتقاه مروان بن محمد بخساف‏ (1) فاستباح عسكره في سنة ثمان و عشرين و مائة.

و كان الحكم و عثمان ابنا الوليد بن يزيد حبسا بقلعة قنسرين؛ و كان يزيد بن الوليد حبسهما؛ فنهض عبد العزيز بن الحجاج و يزيد بن خالد القسري؛ فقتلاهما و قتلا معهما يوسف بن عمر الثقفي بقنسرين؛ و أخذا بعد ذلك فقتلهما مروان و صلبهما.

____________

(1)- برية خساف: المنطقة القائمة بين بالس- مسكنة حاليا- و حلب، و بين بالس و بين انقضاء برية خساف خمسة عشر ميلا. بغية الطلب ج 1 ص 63- 64.

62

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

63

[ابتداء دولة العباسيين‏]

و بويع أبو العباس السفاح‏ (1)، في شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، بالكوفة، فسيّر عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس، في جمع عظيم، للقاء مروان بن محمد؛ و كان مروان في جيوش كثيفة، فالتقيا بالزّاب‏ (2) من أرض الموصل، في جمادى الآخرة من سنة اثنتين و ثلاثين و مائة.

فهزم مروان و استولى على عسكره؛ و سار مروان منهزما حتى عبر الفرات من جسر منبج‏ (3) فأحرقه.

فلما مرّ على قنّسرين و ثبت به طي و تنوخ، و اقتطعوا مؤخرة عسكره و نهبوه، و قد كان تعصّب عليهم؛ و جفاهم أيام دولته، و قتل منهم جماعة.

و تبعه عبد اللّه بن عليّ؛ و سار خلفه، حتى أتى منبج، فنزلها. و بعث إليه أهل حلب بالبيعة مع أبي أميّة التغلبي.

____________

(1)- بهامش الأصل بخط مخالف: ابتداء دولة العباسيين سنة 132. و منه استعير عنوان هذه الصفحة.

(2)- الزاب الأعلى نهر بين الموصل و إربل. معجم البلدان.

(3)- جسر منبج: مدينة صغيرة لها زرع سقي و مباخس، و ماؤها من الفرات، حصينة، و زروعها سقي، نزهة ذات مياه و أشجار، و هي قريبة من الفرات. بغية الطلب ج 1 ص 108.

64

و قدم عليه أخوه عبد الصّمد بن عليّ؛ فقلّده حلب و قنسرين. و سار عبد اللّه و عبد الصّمد أخوه معه إليها، فبايعه أبو الورد مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي- و كان من أصحاب مروان- و دخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة.

و سار عبد اللّه إلى دمشق، ثم بلغ خلفه إلى نهر أبي فطرس‏ (1)، و أتبعه بأخيه صالح، حتّى بلغ إلى الديار المصرية، خلف مروان بن محمد، فأدركه ببوصير (2) فقتله؛ ثم عاد إلى دمشق بعده.

و ذكر ابن الكلبي: و قدم بالس قائد من قوّاد عبد اللّه بن عليّ، في مائة و خمسين فارسا؛ و تقدّم إلى الناعورة فعبث بولد مسلمة بن عبد الملك و نسائهم- و كانوا مجاورين أبا الورد بحصن مسلمة بالناعورة و ببالس- فشكا بعضهم ذلك إلى أبي الورد الكلابي، فخرج من مزرعته خساف في عدة من أهل بيته؛ و خالف و بيّض؛ و جاء إلى الناعورة، و القائد المذكور نازل بحصن مسلمة بها؛ فقاتله حتى قتله و من معه؛ و أظهر الخلع و التبييض‏ (3)؛ و دعا أهل حلب و قنسرين إلى ذلك فأجابوه.

فبلغ ذلك عبد اللّه بن علي، و هو بدمشق؛ فوجه أخاه عبد الصّمد بن عليّ، في زهاء عشرة آلاف فارس، و معه ذؤيب بن الأشعث على حرسه،

____________

(1)- خارج مدينة الرملة في فلسطين.

(2)- بوصير قوريدس من كورة الأشمونين في مصر. معجم البلدان.

(3)- كان شعار بني أمية البياض، و معروف أن العباسيين اتخذوا السواد شعارا.

65

و المخارق بن عفّان على شرطه؛ فسار أبو الورد إليه، و جعل مقدّم جيشه و صاحبه أبا محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان؛ و أبو الورد مدبر الجيش، و لقيهم فهزم عبد الصّمد و من معه.

فلما قدم عبد الصّمد على أخيه عبد اللّه أقبل عبد اللّه بن عليّ بعسكره لقتال أبي محمد و أبي الورد، و معه حميد بن قحطبة، فالتقوا في سنة اثنتين و ثلاثتين و مائة، في آخر يوم من السنة؛ و اقتتلوا بمرج الأجم‏ (1)، و ثبت لهم عبد اللّه و حميد فهزموهم. و قتل أبو الورد (2). و أمّن عبد اللّه بن عليّ أهل حلب و قنّسرين و سوّدوا و بايعوا. ثم انصرف راجعا إلى دمشق فأقام بها شهرا.

فبلغه أنّ العباس بن محمد بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان السفياني قد لبس الحمرة، و خالف، و أظهر المعصية بحلب؛ فارتحل نحوه حتى وصل إلى حمص، فبلغه أنّ أبا جعفر المنصور- و كان يومئذ يلي الجزيرة، و أرمينية، و أذربيجان- وجّه مقاتل بن حكيم العكّي من الرقّة، في خيل عظيمة لقتال السفيانيّ؛ و أنّ العكي قد نزل منبج، فسار عبد اللّه مسرعا حتى نزل مرج الأجم، فبلغه أنّ العكّي واقع السفيانيّ و هزمه، و استباح عسكره، و افتتح حلب عنوة، و جمع الغنائم، و سار بها إلى أبي جعفر و هو بحرّان.

____________

(1)- في بغية الطلب ص 3927 «فاقتتلوا بمرج الأخرم من ناحية قنسرين».

(2)- لأبي محمد السفياني- زياد بن عبد اللّه الأسوار ترجمة وافية في بغية الطلب 3927- 3932، فيها تفاصيل ما أوجزه ابن العديم هنا.

66

فارتحل عبد اللّه إلى دابق، و شتا بها، ثم نزل سميساط (1)، و حصر فيها اسحاق بن مسلم العقيليّ، حتى سلّمها؛ و دخل في الطاعة.

ثم قدم أبان بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، في أربعة آلاف من نخبة من كان مع اسحاق بن مسلم. فسيّر إليه حميد بن قحطبة، فهزم أبانا، و دخل سميساط، فسار إليها عبد اللّه، و نازلها حتى افتتحها عنوة.

و كتب إليه أبو العباس يأمره بالمسير إلى الناعورة، و أن يترك القتال؛ و يرفع السّيف عن الناس، و ذلك في النصف من رمضان سنة ثلاث و ثلاثين و مائة.

و هرب أبو محمد و من معه من الكلبية إلى تدمر ثم خرج إلى الحجاز، فظفر به و قتل‏ (2). و كتب إليه السفّاح أن يغزو بلاد الروم، فأتى دابق، فعسكر بها، و جمع، و توجّه إلى بلاد الرّوم.

فلمّا وصل دلوك‏ (3) يريد الإدراب، كتب إليه عامله بحلب يخبره بوفاة

____________

(1)- سميساط: بلدة على شاطى‏ء الفرات الغربي في طرف بلاد الروم. معجم البلدان.

(2)- قتل قرب أحد خارج المدينة المنورة. انظر ترجمته في بغية الطلب السالفة الذكر. و جاء بهامش الأصل بخط مخالف: و ذكر ابن الكلبي أن عبيد اللّه بن العباس بن يزيد من بني حجر بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن الحارث بن ثور بن مرتع الكندي ولي قنسرين لأبي السفاح، و أنه ولي بعد ذلك أرمينية لأبي جعفر و بها مات.

(3)- عرفها ابن العديم، و أوضح أن الرشيد كان قد أفردها مع غيرها و جعلها من العواصم، و شغلت المدينة هذه دورا في الحروب الصليبية حتى حررها نور الدين محمود بن زنكي، و إثر ذلك خربت المدينة و القلعة، و بقيت قرية مضافة إلى عين تاب. بغية الطلب ج 1 ص 261.

67

السفاح و بيعة المنصور؛ فرجع من دلوك، و أتى حرّان، و دعا إلى نفسه، و زعم أنّ السّفاح جعله وليّ عهده.

و غلب على حلب، و قنّسرين، و ديار ربيعة و مضر، و سائر الشّام. و لم يبايع المنصور. و بايعه حميد بن قحطبة و قوّاده الذين كانوا معه. و ولّى على حلب زفر بن عاصم بن عبد اللّه بن يزيد الهلالي أبا عبد اللّه، في سنة سبع و ثلاثين و مائة.

فسيّر المنصور أبا مسلم الخراسانيّ صاحب الدعوة لقتال عبد اللّه بن علي؛ فسيّر عبد اللّه حميد بن قحطبة، و كتب له كتابا إلى زفر بن عاصم إلى حلب، و فيه: «إذا ورد عليك حميد فاضرب عنقه» (1). فعلم حميد بذلك؛ فهرب إلى أبي مسلم الخراساني، خوفا من عبد اللّه.

ثم سار أبو مسلم إلى عبد اللّه بن عليّ، فالتقيا، و انهزم عبد اللّه و عبد الصمد أخوه معه؛ فسار أبو مسلم خلفه فوصل إلى الرقة؛ و أخذ منها أموال عبد اللّه، و تبعه إلى رصافة هشام‏ (2) فانهزم عبد اللّه إلى البصرة، و توارى عند أخيه سليمان بن عليّ، فأخذ له أمانا من المنصور؛ و سيّره إليه، فحبسه إلى أن سقط عليه الحبس، فمات‏ (3).

____________

(1)- لحميد ترجمة جيدة في كتاب بغية الطلب 2973- 2975 فيها تفاصيل ما أوجزه ابن العديم هنا.

(2)- ماتزال بقايا رصافة هشام قائمة خارج مدينة الرصافة التي تبعد عن الرقة قرابة العشرين ميلا.

(3)- وجدت في كتاب المقفى للمقريزي ترجمة وافية لعبد اللّه بن علي نشرتها مع تراجم أخرى ملحقة بكتاب تاريخ الخلفاء للوثابي، بيروت 1995.

68

و قبض أبو مسلم على عبد الصّمد بن عليّ، بالرّصافة، و أخذ أمواله، و سيّره إلى المنصور، فأمّنه و أطلقه.

و ورد كتاب المنصور على أبي مسلم بولاية الشّام جميعه، و حلب، و قنّسرين، و أمره أن يقيم له في بلاده نوّابا، ففعل أبو مسلم ذلك.

و سار إلى المنصور، فالتقاه في الطريق يقطين بن موسى، و قد بعثه المنصور إليه لاحصاء جميع ما وجدوا في عسكر عبد اللّه بن عليّ. فغضب أبو مسلم و قال: «أنكون أمناء في الدماء و خونة في الأموال؟» ثم أقبل و هو مجمع على خلاف المنصور (1). فاستوحش المنصور منه، و قتله في سنة تسع و ثلاثين و مائة.

و لما عاد أبو مسلم من الشّام ولى المنصور حلب و قنسرين و حمص صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس سنة سبع و ثلاثين و مائة؛ فنزل حلب، و ابتنى بها خارج المدينة قصرا بقرية يقال لها بطياس‏ (2) بالقرب من النيرب؛

____________

(1)- أخبار أبي مسلم الخراساني منتشرة في مختلف المصادر المبكرة مثل أنساب الأشراف للبلاذري، و تاريخ الطبري، و غرر السير للمرعشي، و لأبي مسلم ترجمة متميزة في تاريخ دمشق لابن عساكر تحت اسم عبد الرحمن بن مسلم.

(2)- في بغية الطلب ج 1 ص 528- 529: و ابتنى صالح بن علي بن عبد اللّه بن عباس «قصره المعروف ببطياس، و كان على الرابية المشرفة على النيرب من جهة الغرب و الشمال، و كان عن يسار المتوجه من حلب إلى النيرب، و موضع اصطبله عن يمين المتوجه، و الطريق بينهما، و دثر القصر، و لم يبق منه إلا الآثار، و يجد الناس في موضعه شيئا من الفسيفساء و كسور الرخام» و ما يزال موقع النيرب يحمل الاسم نفسه خارج حلب.

69

و آثاره باقية إلى الآن. و معظم أولاده ولدوا ببطياس. و قد ذكرها البحتريّ و غيره في أشعارهم.

و أغزى الصائفة مع ابنه الفضل في سنة تسع و ثلاثين و مائة بأهل الشام، و هي أول صائفة غزيت في خلافة بني العباس. و كانت انقطعت الصوائف في أيام بني أمية قبل ذلك بسنين.

و ظهر في سنة إحدى و أربعين و مائة قوم يقال لهم الراوندية (1)، خرجوا بحلب و حرّان. و كانوا يقولون قولا عظيما. و زعموا أنهم بمنزلة الملائكة.

و صعدوا تلا بحلب، فيما قالوا؛ و لبسوا ثيابا من حرير؛ و طاروا منه فتكدوا (2) و هلكوا. و دام صالح في ولاية حلب إلى أن مات في سنة اثنتين و خمسين و مائة.

و رأيت فلوسا عتيقة، فتتبعت ما عليها مكتوب فإذا أحد الجانبين مكتوب عليه: «ضرب هذا الفلس بمدينة حلب سنة ست و أربعين و مائة».

و على الجانب الآخر: «مما أمر به الأمير صالح بن عليّ أكرمه اللّه».

و لما مات صالح بن عليّ تولّى حلب و قنسرين بعده ولده الفضل بن صالح، و اختار له «العقبة» (3) بحلب، فسكنها و أقام بحلب واليا مدّة. ثم ولى المنصور بعده موسى بن سليمان الخراساني. و مات المنصور سنة ثمان و خمسين،

____________

(1)- قالوا بتأليه الخليفة المنصور، خرجوا في أيامه في بغداد و أبيدوا.

(2)- أي لحق بهم الأذى. القاموس.

(3)- عرفت قديما باسم عقبة بني المنذر، و سميت عقبة لارتفاعها عن المدينة. الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب ص 54- 55.

70

و موسى على قنسرين و حلب. و رأيت فلوسا عتيقة فقرأت عليها: «ضرب هذا الفلس بقنسرين سنة سبع و خمسين و مائة». و على الجانب الآخر: «مما أمر به الأمير موسى مولى أمير المؤمنين».

و لما ولي المهدي خرج عبد السلام بن هاشم الخارجي بالجزيرة، و كثر أتباعه فلقيه جماعة من قواد المهدي، فهزمهم؛ فبعث المهدي إليه جنودا كثيرة، فهرب منهم إلى قنسرين، فلحقوه فقتلوه بها في سنة اثنتين و ستين و مائة؛ و كان مقدم الجيش شبيبا (1).

و عزم المهدي على الغزو فخرج حتى وافى حلب في سنة ثلاث و ستين و مائة، و التقاه العباس بن محمد إلى الجزيرة؛ و أقام له النزل في عمله، و اجتاز معه على حصن مسلمة بالناعورة، فقال له العباس: «يا أمير المؤمنين إنّ لمسلمة في أعناقنا منّة». كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار، و قال له: «يابن عم، هذه ألفان لدينك و ألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا». فقال المهدي: «أحضروا من ههنا من ولد مسلمة و مواليه»؛ فأمر لهم بعشرين ألف دينار و أمر أن تجري عليهم الأرزاق.

ثم قال: «يا أبا الفضل كافينا مسلمة و قضينا حقه؟» قال العباس:

«نعم، وزدت».

و نزل المهدي بقصر بطياس ظاهر حلب. و ولى المهدي حين قدم‏

____________

(1)- شبيب بن واج المروروذي، و تفاصيل ثورة عبد السلام بن هاشم اليشكري في سنة ستين و مائة موجودة في تاريخ خليفة بن خياط- ط. دمشق 1968 ج 2 ص 700- 704.

71

قنسرين و حلب و الجزيرة علي بن سليمان بن علي بن عبد اللّه بن العباس حربا و خراجا و صلاة.

ثم إن المهدي عرض العسكر بحلب و أغزى ابنه هارون بلاد الروم و سيّر محتسب حلب عبد الجبار فأحضر له جماعة من الزنادقة فقتلهم بحلب.

و ولى حلب و الشام جميعه ابنه هارون. و أمر كاتبه يحيى بن خالد أن يتولى ذلك كله بتدبيره؛ و كانت توليته في سنة ثلاث و ستين و مائة

و لما بويع الهادي أقر أخاه و يحيى على حالهما.

فلما أفضى الأمر إلى الرشيد ولّى حلب و قنّسرين عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد اللّه، فأقام بمنبج، و ابتنى بها قصرا لنفسه و بستانا إلى جانبه، و يعرف البستان يومنا هذا ببستان القصر، و كانت ولايته سنة خمس و سبعين؛ ثم صرفه لأمر عتب عليه فيه.

ثم ولاها الرشيد موسى بن عيسى سنة ست و سبعين و مائة. و مرّ الرشيد على عبد الملك بمنبج فأدخله منزله بها. فقال له الرشيد: «هذا منزلك». قال «هو لك ولي بك». قال: «فكيف هو؟». قال: «دون منازل أهلي و فوق منازل الناس». قال: «فكيف طيب منبج؟». قال: «عذبة الماء، عذبة الهواء، قليلة الادواء». قال: «فكيف ليلها؟». قال: «سحر كله!».

و هاجت الفتنة بالشام بين النزارية و اليمانية، فولى الرشيد موسى بن يحيى بن خالد في هذه السنة الشّام جميعه، فأقام به حتى أصلح بينهم.

ثم ولاها الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك سنة ثمان و سبعين؛

72

و توجّه إليها سنة ثمانين، و استخلف عليها عيسى بن العكي.

ثم إنّ الرشيد ولى حلب و قنّسرين اسماعيل بن صالح بن عليّ لما عزله عن مصر سنة اثنتين و ثمانين و مائة؛ و أقطعه ما كان له بحلب في سوقها و هي الحوانيت التي بين باب أنطاكية إلى رأس الدلبة (1) و عزله و ولاه دمشق.

ثم ولى الرشيد بعده عبد الملك بن صالح بن علي ثانية، فسعى به ابنه عبد الرحمن إلى الرشيد، و أوهمه أنه يطمع في الخلافة فاستشعر منه، و قبض عليه في سنة سبع و ثمانين و مائة.

و ولّى على حلب و قنسرين ابنه القاسم بن هارون، و أغزاه الروم و وهبه للّه تعالى في سنة سبع و ثمانين و مائة.

و رابط القاسم بدابق هذه السنة و التي بعدها. و قيل: إنّ الرشيد لما غضب على عبد الملك بن صالح ولى أخاه عبد اللّه بن صالح ثم عزله سنة ثمان و ثمانين و ولى القاسم بن هارون ابنه. و قيل: إن أحمد بن اسحاق بن اسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس ولي قنسرين للرشيد، و قد كان ولي له مصر، و عزله عنها سنة تسع و ثمانين؛ فلا أتحقق ولايته في أي سنة كانت.

و قد ذكر بعضهم: أن عبد اللّه بن صالح توفي ببغداد في أيام المنصور.

و قال بعضهم: إنه توفي بسلمية في سنة ست و ثمانين. فعلى هذا يكون الذي ولاه الرشيد ابن ابنه عبد اللّه بن صالح بن عبد اللّه بن صالح؛ و اللّه أعلم.

____________

(1)- ترجم ابن العديم لاسماعيل بن صالح في بغية الطلب ص 1648- 1655، و ذكر ما أقطعه الرشيد في حلب و زاد: «و قدرها قدر جليل جسيم».

73

ثم إنّ الرشيد ولّى حلب و قنّسرين خزيمة بن خازم بن خزيمة، من قبل ابنه القاسم بن الرشيد، في سنة ثلاث و تسعين و مائة. و لم يزل القاسم بن الرشيد في ولاية حلب و قنسرين حتى مات أبوه الرشيد في سنة ثلاث و تسعين و مائة في جمادى الآخرة فأقره أخوه الأمين عليها؛ و جعل معه قمامة بن أبي زيد؛ و ولى خزيمة بن خازم الجزيرة.

ثم إن محمدا الأمين عزل أخاه القاسم بن الرشيد عن حلب و قنسرين و العواصم و سائر الأعمال التي ولاه أبوه سنة أربع و تسعين و مائة؛ و وليّها خزيمة بن خازم في هذه السنة.

ثم ولّى الأمين حلب و قنسرين و الجزيرة عبد الملك بن صالح بن عليّ؛ فخرج إليها، و اجتمعت إليه العرب في سنة ست و تسعين و مائة (1). و هذه الولاية الثالثة لعبد الملك. و كان الأمين قد أخرجه من حبس أبيه حين مات سنة ثلاث و تسعين و مائة في ذي القعدة.

و استمر عبد الملك في هذه الولاية إلى أن مات في سنة ست و تسعين و مائة بالرقة؛ و دفن في دار من دور الإمارة. و كان يرى للأمين ما فعله به. فلما خلع الأمين حلف عبد الملك إن مات الأمين لا يعطي المأمون طاعة؛ فمات قبل الأمين فبقيت في نفس المأمون إلى أن خرج إلى الغزاة؛ و وجد قبر عبد

____________

(1)- بهامش الأصل: و خرج أبو العميطر علي بن عبد اللّه بن يزيد بن معاوية السفياني ...

بالخلافة في ذي الحجة سنة ... و بايعه أهل قنسرين، و خرج إبراهيم بن اسحق بن قضاعة الثويبي من بني الفصيص في جماعة من أصحابه، ثم هرب أبو العميطر و استخفى». انظر بغية الطلب ج 1 ص 563- 565.

74

الملك في دار الإمارة فأرسل إلى ابن لعبد الملك: «حول أباك من داري» فنبشت عظامه و حوّل.

ثم ولي خزيمة بن خزيمة حلب و قنسرين في سنة سبع و تسعين و مائة.

و قيل إن الوليد بن طريف ولي حلب و قنسرين بعد عبد الملك بن صالح؛ و بعده و رقاء عبد عبد الملك ثم بعده يزيد بن مزيد، ثم استأمن إلى طاهر بن الحسين.

فلما قتل الأمين و بويع المأمون ولى حلب و الشام جميعه طاهر بن الحسين؛ و جعل إليه حرب نصر بن شبث فتحصن بكيسوم‏ (1) فقصده طاهر فلم يظفر به ولقيه، فكسر طاهر و عاد مفلولا؛ و ذلك في سنة ثمان و تسعين و مائة.

ثم أضاف إليه ولاية مصر و إفريقية في سنة أربع و مائتين.

ثم ولاه خراسان سنة ست. و ولى ابنه عبد اللّه مصر و الشام جميعه؛ و أمره بمحاربة نصر بن شبث في سنة ست و مائتين.

و توفي طاهر بخراسان سنة سبع و مائتين؛ فأضاف المأمون ولايته إلى ابنه عبد اللّه مع الشام. فسار عبد اللّه بن طاهر إلى الشام من الرقة و احتوى على الشام جميعه. و هدم سور معرة النعمان. و هدم معظم الحصون الصغار مثل‏

____________

(1)- كانت كيسوم مدينة كبيرة قديمة، و ولاية واسعة عظيمة، و كان حصنها حصينا و بناؤها قويا ركينا، و بينها و بين الحدث سبعة فراسخ. بغية الطلب ج 1 ص 265.

75

حصن الكفر و حصن حناك‏ (1) و غير ذلك. و نزل بكيسوم و بها نصر بن شبث فحصره إلى أن ظفر به، و خرج إليه بأمان. و خرّب حصن كيسوم بعد وقائع كثيرة جرت بينه و بين نصر بن شبث؛ و سار إلى مصر؛ و ذلك كله في سنة تسع و مائتين.

و لما فتح مصر في سنة إحدى عشرة و مائتين كتب المأمون إليه:

أخي أنت و مولاي‏* * * و من أشكر نعماه‏

فما أحببت من أمر* * * فإني الدهر أهواه‏

و ما تكره من شي‏ء* * * فاني لست أرضاه‏

لك الله على ذاك‏* * * لك الله لك الله‏

و دامت ولاية عبد اللّه بن طاهر إلى سنة ثلاث عشرة و مائتين؛ و وجهه المأمون إلى خراسان، و عزله عن الشام؛ و ولى ابنه العباس بن المأمون حلب و قنسرين و العواصم و الثغور؛ و أمر له بخمسمائة ألف دينار في سنة ثلاث عشرة و مائتين.

ثم ولاها المأمون إسحاق بن ابراهيم بن مصعب بن زريق و عزل ابنه العباس في سنة أربع عشرة و مائتين. ثم إنّ المأمون عزل اسحاق بن ابراهيم في هذه السنة و ولاه مصر، و أعاد ابنه العباس إليها ثانية.

ثم ولى المأمون حلب و قنسرين ورقة الطريفي، و أظنه مع العباس‏

____________

(1)- لعله أراد بالكفر، بلدة كفر طاب، علما بأنه يوجد على مقربة من خربة حناك قرية اسمها كفر رومه، تبعد عنها 3 كم. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

76

و كانت لورقة حركة أيام الفتنة.

فلما قدم المأمون حلب للغزاة و نزل بدابق، في سنة خمس عشرة و مائتين، لقيه عيسى بن علي بن صالح الهاشمي فقال له: «يا أمير المؤمنين أيلينا أعداؤنا في أيام الفتنة و في أيامك؟» فقال: «لا و لا كرامة». فصرف ورقة.

و ولى عيسى بن علي بن صالح نيابة عن ولده العباس فيما أرى، فوجد عنده من الكفاية و الضبط و حسن السيرة ما أراد فقدّمه و كبر عنده و أحبه.

و كان المأمون كلما غزا الصائفة لقيه عيسى بن علي بالرقة و لا يزال معه حتى يدخل الثغور، ثم يرد عيسى إلى عمله.

و ولى المأمون في سنة خمس عشرة و مائيين قضاء حلب عبيد بن جناد بن أعين مولى بني كلاب، فامتنع من ذلك، فهدده على الامتناع فأجاب.

ثم ولى المأمون عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح لما غزا الصائفة في سنة ثمان عشرة و مائتين العواصم.

و فيها مات المأمون و إنما وليها عبيد اللّه عن العباس بن المأمون في غالب ظني فان العباس ولي حلب و قنسرين و الجزيرة من سنة أربع عشرة و مائتين إلى أن توفي أبوه المأمون بالبذندون من أرض طرسوس‏ (1).

____________

(1)- للمأمون ترجمة وافية في المقفى للمقريزي ألحقتها بكتاب تاريخ الخلفاء للوثابي، و البذندون قرية بينها و بين طرسوس يوم، ثم نقل إلى طرسوس و دفن فيها، و أودع ابن العديم مادة رائعة عن طرسوس. بغية الطلب ج 1 ص 175- 204.

77

و بويع أبو اسحاق المعتصم فأقر العباس بن المأمون على ولايته، و كان الجند قد شغبوا و طلبوا العباس و نادوه باسم الخلافة؛ فأرسل المعتصم إليه، و أحضره فبايعه؛ و خرج إلى الناس و قال لهم: «ما هذا الحب البارد قد بايعت عمي» فسكنوا.

و سار المعتصم إلى بغداد و العباس معه؛ فلما توجه المعتصم إلى الغزاة و مرّ بحلب، في سنة ثلاث و عشرين و مائتين، و دخل إلى بلاد الروم اجتمع به بعض الجند و وبّخه على ما فعل من إعطاء المعتصم الخلافة، و حسّن له تدارك الأمر، فاستمال جماعة من القواد و عزموا أن يقبضوا على المعتصم و هو داخل إلى الغزاة فلم يمكنهم العباس و قال: «لا أفسد على الناس غزاتهم».

فنمى الخبر إلى المعتصم فقبض على العباس، و على من ساعده على ذلك، و هو عائد من الغزاة، فلما وصل إلى منبج سأل العباس الطعام و كان جائعا فقدم إليه طعام كثير فأكل. فلمّا طلب الماء منع و أدرج في مسح‏ (1) فمات بمنبج في ذي القعدة، من سنة ثلاث و عشرين و مائتين؛ و صلى عليه بعض إخوته و دفن بمنبج.

و ولى المعتصم حلب و قنسرين حربها و خراجها و ضياعها عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح بن عليّ الهاشمي؛ ثم إنه ولى أشناس التركي الشام جميعه و الجزيرة و مصر، و توّجه و ألبسه و شاحين بالجوهر في سنة خمس و عشرين و مائتين.

____________

(1)- المسح: الكساء من شعر. المعجم الوسيط.

78

و نظر في صلات المعتصم لأشناس فوجد مبلغها أربعين ألف ألف درهم. و أظن أنه بقي في ولايته إلى أن مات سنة ثلاثين و مائتين في أيام الواثق.

و ولى الواثق عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي حلب و قنسرين حربها و خراجها و ضياعها؛ و أظنه كان متوليا في أيام المعتصم من جهة أشناس، فأقره الواثق على ولايته.

و ولّى الواثق قنسرين و حلب و العواصم، بعد عبيد اللّه، محمد بن صالح بن عبد اللّه بن صالح فكانت سيرته غير محمودة. و كان أحمر أشقر، فلقّب: «سمّاقة» لشدة حمرته. و يقال: إنه أول من أظهر البرطيل بالشام، و أوقع عليه هذا الاسم؛ و كان لا يعرف قبل ذلك إلا الرّشوة على غير إكراه.

و كان أكثر الناس سكوتا و أطولهم صمتا؛ لا يكاد يسمع له كلام إلا في أمر يأمر به، أو قول يجيب عنه.

و كان قاضي حلب في أيامه أبا سعيد عبيد بن جناد الحلبي، توفي سنة إحدى و ثلاثين و مائتين؛ و كان المأمون ولاه قضاء حلب. و له يقول عمرو بن هوبر الكلبي في قصيدة يغضّ منه؛ أولها:

لا در درّ زمانك المتنكس‏* * * الجاعل الأذناب فوق الأرؤس‏

ما أنت إلا نقمة في نعمة* * * أو أصل شوك في حديقة نرجس‏

يا قبلة ذهبت ضياعا في يد* * * ضرب الإله بنانها بالنقرس‏

من سرّ أبطح مكة آباؤه‏* * * وجدوده و كأنّه من قبرس‏

79

و هذا عمرو بن هوبر كان من معراثا البريدية من ضياع معرّة النعمان و ولي في أيام المتوكل معرّة مصرين و قتل بها (1).

و كان الواثق قد ولى الثغور و العواصم دون حلب و أعمالها أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة، و أمره بحضور الفداء مع خاقان و صاحب الروم ميخائيل، فأمضى الفداء سنة إحدى و ثلاثين و مائتين.

ثم إنه غزا شاتيا فأصاب الناس شدة فوجد الواثق عليه بسبب ذلك، و عزله و ولاها نصر بن حمزة الخزاعي.

و ولّى الشارباميان، في أول أيام المتوكل على حلب و قنسرين و العواصم، و اليين أنا ذاكرهما. و كان الشارباميان أحد قواد المتوكل و كان خصيصا عنده. فإما أن يكون المتوكل ولاه جند قنسرين و العواصم أو أنه كان السلطان في أيام المتوكل فكان أمر الولاية إليه. فانني قرأت في كتاب نسب بني صالح بن علي قال: و ولى الشارباميان جند قنسرين و العواصم عليّ بن اسماعيل بن صالح بن علي، أبا طالب؛ و إنما أراد أن يتزين به عند المتوكل فامتنع من قبول ولايته؛ فأعلمه إن لم يفعل كتب فيه إلى الخليفة فقبلها؛ و أقام على ولاية جند قنسرين و العواصم، حتى مات. فكانت أيامه أحسن أيام و سيرته أجمل سيرة. و كان عليّ بن اسماعيل إذا خرج إلى العواصم استخلف ابنه محمد بن علي على قنسرين و حلب فلا يفقد الناس من أبيه‏

____________

(1)- ما يزال هناك أكثر من معراثا على مقربة من معرة النعمان، هذا و أفرد ابن العديم بابين لكل من معرة النعمان و معرة مصرين. ج 1 ص 127- 135.

80

شيئا، قال: ولى الشارباميان جند قنسرين و العواصم عيسى بن عبيد اللّه بن الفضل بن صالح بن علي الهاشمي.

قال: و ولى المتوكل طاهر بن محمد بن اسماعيل بن صالح على المظالم بجند قنسرين و العواصم، و النظر في أمور العمال؛ و جاءته الولاية منه فألفاه الرسول في مرضه الذي مات فيه، و جعل المتوكل ولاية عهده إلى ابنه محمد المنتصر؛ و ولاه قنسرين، و العواصم، و الثغور و ديار مضر، و ديار ربيعة، و الموصل، و غير ذلك في سنة خمس و ثلاثين و مائتين؛ فاستمر في الولاية إلى أن قتل أباه و كانت الولاة من قبله.

و في أيام ولايته حلب في سنة اثنتين و أربعين و مائتين وقع طائر أبيض دون الرخمة (1) و فوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من رمضان، فصاح: «يا معشر الناس، اللّه اللّه» حتى صاح أربعين صوتا. ثم طار؛ و جاء من الغد فصاح أربعين صوتا. و كتب صاحب البريد بذلك و أشهد خمسمائة انسان سمعوه. و لا يبعد عندي أن تكون الدّلبة التي ينسب إليها رأس الدلبة (2).

و سمع في هذه السنة أصوات هائلة من السماء، و زلزلت نيسابور،

____________

(1)- الرخم (الشوح) طائر يشبه النسر في الخلقة، كانت له مكانة دوائية منها أن يطلى بمرارته لسم الحية و غيرها، و التبخير يجفف لحمه مخلوطا بخردل سبع مرات يحل المعقود عن النساء ...

القاموس.

(2)- بهامش الأصل: مقال الطائر. غريبة، إن اللّه على كل شي‏ء قدير.

81

و تقلعت جبال من أصولها، و نبع الماء من تحتها، و وصلت الزلزلة إلى الشام و الثغور.

و أظن أن نائب المنتصر في جند قنسرين في حياة المتوكل كان بغا الكبير؛ فلمّا قتل المتوكل قدم بغا عليه. و سيّر المنتصر و صيفا إلى الثغر الشامي، فأقام به إلى أن مات.

و ولى المستعين في سنة خمسين و مائتين قنّسرين و حلب و حمص موسى بن بغا؛ و توجه إليها حين عاث أهل حمص على الفضل بن قارن. ثم ولي حلب و العواصم أبو تمام ميمون بن سليمان حدقة بن عبد الملك بن صالح في أيام المستعين، و كانت له حركة و بأس في فتنة المستعين.

و عصى أهل حلب و أقاموا على الوفاء للمستعين ببيعتهم؛ فقدم عليهم أحمد المولد محاصرا لهم فلم يجيبوه إلى ما أراد من البيعة للمعتز. و كان السفير بينه و بينهم الحسين بن محمد صالح بن عبد اللّه بن صالح أبا عبيد اللّه الهاشمي.

فلما بايعوا بعد ذلك للمعتز و انقضى أمر المستعين ولاه أحمد المولد جند قنسرين و حلب، في سنة اثنتين و خمسين و مائتين؛ فأقام مدة يسيرة؛ ثم انصرف إلى سلمية- أعني الحسين بن محمد.

و ولي حلب و قنسرين و العواصم صالح بن عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح، في فتنة المستعين؛ و كان له سعي و تقدم و رئاسة.

82

ثم ولي بعده، فيما أرى، أبو تمام ميمون بن سليمان بن عبد الملك بن صالح. و هذه ولاية ثانية له؛ و مات بالرقة، ثم ولي بعده ثانية صالح بن عبيد اللّه بن عبد العزيز بن الفضل بن صالح الهاشمي و انقضت ولاية بني صالح الهاشميين.

ثم ولي حلب و قنسرين في أيام المعتز أبو الساج داود اذ في شهر ربيع الأول، سنة أربع و خمسين و مائتين، و بقي واليا إلى أن تغلب أحمد بن عيسى بن شيخ على الشامات في أيام المهتدي.

فلما مات، و ولي المعتمد سيّر إلى ابن شيخ بولاية أرمينية، على أن ينصرف عن الشام آمنا؛ فأجاب إلى ذلك؛ و رحل عنها في سنة ست و خمسين و مائتين.

83

[عصر الدولة الطولونية] (1)

و وليها أحمد بن طولون مع أنطاكية و طرسوس و غيرها من البلاد و كان أحمد بن طولون شهما شجاعا عاقلا، و كان على مربطه أربعة آلاف حصان، و كانت نفقته في كل يوم ألف دينار (2).

فعقد المعتمد لأخيه أبي أحمد الملقب بالموفق على حلب و قنسرين و العواصم، في شهر ربيع الأول سنة ثمان و خمسين و مائتين. ثم ولاه بغداد، و اليمن، و خراسان؛ ولى الشام لابنه جعفر؛ و جعل له ولاية العهد، و هو صبي؛ و جعل الأمر بعده لأخيه أبي أحمد.

فولى أبو أحمد الموفق «سيما الطويل» أحد قواد بني العباس و مواليهم حلب و العواصم. فابتنى بظاهر مدينة حلب دارا حسنة، و عمل لها بستانا.

و هو الذي يعرف الآن «ببستان الدّار» ظاهر باب أنطاكية. و بهذه الدّار سميت المحلة التي بباب أنطاكية «الدّارين»؛ إحدى الدارين هذه؛ و الدار الأخرى‏

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- لأحمد بن طولون ترجمة وافية في بغية الطلب ص 826- 835.

84

بناها قبله محمد بن عبد الملك بن صالح فعرفت المحلة بالدّارين لذلك.

و إحدى الدارين تعرف بالسليمانية على حافة نهر «قويق»؛ و حاضر السليمانية بها يعرف و هو حاضر حلب.

و جدّد سيما الطويل الجسر الذي على نهر قويق قريبا من داره. و ركب عليه بابا أخذه من قصور بعض الهاشميين بحلب يقال له: «قصر البنات».

و أظن أن «درب البنات» بحلب يعرف به؛ و أظن القصر يعرف بأم ولد كانت لعبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح اسمها «بنات»؛ و هي أم ولده داود.

و سمى سيما الباب باب السلامة و هو الباب الذي ذكره الواساني‏ (1) في قصيدته الميمية التي أولها:

يا ساكني حلب العوا* * * صم جادها صوب الغمامة (2)

و في سيما الطويل يقول البحتري:

و سيما الرّضا في كلّ أمر يحاوله‏* * *فردّت إلى سيما الطّويل أمورنا

فعصى أحمد بن طولون على أبي أحمد الموفق، و أظهر خلعه و نزل إلى الشام، فانحاز سيما الطويل إلى أنطاكية فحصره أحمد بن طولون بها فألقت‏

____________

(1)- الواساني من شعراء يتيمة الدهر للثعالبي- ط. القاهرة 1956 ج 1 ص 351.

(2)- انظر بغية الطلب ج 1 ص 57.

(3)- لم ترد قصيدة البحتري في ديوانه المطبوع، و ذكر المرحوم سامي الدهان أنه رآها في مخطوطة باريس من ديوان البحتري بالورقة 311.

و قال يمدح الموفق و يذكر ولاية سيما الطويل الشام:

لقد وفق الله الموفق للذي‏* * * أتاه و أعطى الشام ما كان يأمله‏

أضاف إلى سيما الطويل أمورنا* * * و سيما الرضا في كل أمر يحاوله‏

85

عليه امرأة حجرا و قيل قوفا (1) فقتلته. و قيل بل قتله عسكر ابن طولون، و كان ذلك في سنة أربع و ستين أو سنة خمس و ستين و مائتين.

و استولى أحمد بن طولون على حلب و الشام جميعه منابذا لأبي أحمد الموفق؛ و كان قاضي حلب في أيامه عبيد اللّه بن محمد بن عبد العزيز بن عبد اللّه أبو بكر القاضي العمري. و دام على قضائها إلى أن مات أحمد.

و كان سيما حين صارت له حلب قد قصد جماعة من الأشراف [من‏] بني صالح بن علي بالأذى، و استولى على أملاكهم، و أودع بعضهم السجن.

فلما ولي أحمد بن طولون قال صالح بن محمد بن اسماعيل بن صالح بن علي الهاشمي الحلبي، يمدحه و يشكره، و يذكر ظفره بسيما بقصيدة يقول فيها:

و قد لبستنا من قذا الجور ذلة* * * و دار بنا كيد الأعادي فأحدقا

و حكّم فينا عاندا فجرت له‏* * * أفاعيل غرّ تترك اللب أخلقا

إلى أن أتيحت بابن طولون رحمة* * * أشار إلى معصوصب فتفرّقا

فدتك بنو العباس من ناصر لها* * * أنار به قصد السبيل فأشرقا

بنيت لهم مجدا تليدا بناؤه‏* * * فلم نر بنيانا أعزّ و أوثقا

منحتهم صفو الوداد و لم يكن‏* * * سواك ليعطي الودّ صفوا مزوّقا

تجوز منك العبد لما قصدته‏* * * و أسكن أشراف الأقاوم مطبقا

بلا ترة أسدوا إليه و إنّما* * * يجازي الفتى يوما على ما تحققا

____________

(1)- القفة و القف: ما ارتفع من متون الأرض و صلبت حجارته. و القف حجارة غاص بعضها ببعض مترادف بعضها إلى بعض حمر لا يخالطها من اللين و السهولة شي‏ء. اللسان.

86

و هيهات ما ينجيه لو أنّ دونه‏* * * ثمانين سورا في ثمانين خندقا

ثم إنّ أحمد بن طولون توجه إلى مصر، و ولى مملوكه لؤلؤ حلب في سنة ست و ستين؛ فخرج بكار الصالحي من ولد عبد الملك بن صالح، بنواحي حلب بينها و بين سلمية؛ و دعا إلى أبي أحمد الموفق في سنة ثمان و ستين؛ فحاربه ابن العباس الكلابي فهزم الكلابي؛ و وجه إليه لؤلؤ قائدا يقال له أبو ذر، فرجع و ليس معه كبير أحد. ثم. إن لؤلؤ ظفر به فقبض عليه.

ثم إن لؤلؤ الطولوني خالف مولاه أحمد بحلب، و عصى عليه في سنة تسع و ستين؛ و كاتب أبا أحمد الموفق في المسير إليه فأجابه إلى ذلك. و قطع لؤلؤ الدعاء لمولاه أحمد في مدنه جميعها: حلب، و قنسرين، و حمص، و ديار مضر؛ و ترك أهل الثغور الدعاء لابن طولون؛ و أخرجوا نائبه منها و هموا بقبضه، فهرب. فنزل أحمد بن طولون من مصر في مائة ألف فقبض على حرم لؤلؤ و باع ولده و أخذ ما قدر عليه مما كان له؛ و هرب لؤلؤ منه و لحق بأبي أحمد طلحة بن المتوكل و هو على محاربة العلوي البصري عميد الزنج.

و لؤلؤ هو الذي قتل علوي البصرة في سنة تسع و ستين و مائتين. و بقي لؤلؤ ببغداد إلى أن قبض عليه الموفّق؛ و قيّده في سنة ثلاث و سبعين و مائتين، فوجد له أربعمائة ألف دينار. فذكر لؤلؤ الطولوني أنه لا يعرف لنفسه ذنبا إلا كثرة ماله و أثاثه.

و لمّا انحدر لؤلؤ من الرقة كان معه من السفن و الخزائن زهاء ثلاثمائة خزانة.

87

و لما هرب لؤلؤ من مولاه إلى العراق في جمادى الأولى من السنة، اجتاز ببالس، و بها محمد بن العبّاس بن سعيد الكلابي أبو موسى، و أخوه سعيد فأسرهما.

ثم إن ابن طولون وصل إلى الثغور، فأغلقوها في وجهه، فعاد إلى أنطاكية و مرض. فولى على حلب عبد اللّه بن الفتح، و صعد إلى مصر مريضا، فمات سنة سبعين و مائتين.

و ولي ابنه أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون؛ فولى في حلب أبا موسى محمد بن العباس بن سعيد الكلابي، في سنة إحدى و سبعين و مائتين.

و نزل أبو الجيش من مصر إلى حلب، و كاتب أبا أحمد بن المتوكل بأن يولي حلب و مصر و سائر البلاد التي في يده، و يدعى له على منابرها، فلم يجبه إلى ذلك، فاستوحش من الموفق.

و ولى في حلب القائد أحمد بن ذو غباش؛ و صعد إلى مصر فوصل إلى حلب اسحاق بن كنداج‏ (1)، و كان يلي ديار ربيعة؛ و محمد بن أبي الساج، و كان يلي ديار مضر، فولاه الموفق حلب و أعمالها؛ و كتبا إلى العراق يطلبان نجدة تصل إليهما، فان ابن جبغويه و غيره من قواد ابن طولون بشيزر.

فسيّر الموفق ابنه ابا العباس أحمد بن طلحة، و كان قد جعل إليه ولاية عهده، فوصل إلى حلب في ربيع الآخر من سنة إحدى و سبعين‏

____________

(1)- لخمارويه ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 3382- 3386، و في هذه الترجمة «اسحق بن كنداجيق».

88

و مائتين، و كان فيها محمد بن ديوداذ بن أبي الساج، المعروف بالأفشين حينئذ واليا؛ و سار إلى قنسرين، و هي يومئذ لأخي الفصيص التنوخي و هي عامرة و حاضر طي‏ء لطي‏ء و عليها أيضا سور، و قلعتها عامرة.

و سار إلى شيزر، فكسر العسكر المقيم، و سار إلى أن تواقع المعتضد و خمارويه على الطواحين‏ (1)، بقرب الرملة؛ و كانت الغلبة أولا لأبي العباس المعتضد، فهرب خمارويه بمن خفّ معه إلى مصر، و نزل أبو العباس بخيمة خمارويه، و هو لا يشك في الظفر، فخرج كمين لخمارويه، فشدّوا عليهم و قاتلوهم؛ فانهزموا؛ و تفرق القوم‏ (2).

و رجع الأمير أبو العباس إلى أن انتهى إلى أنطاكية؛ و كان محمد بن ديوداذ المعروف بالأفشين بن أبي الساج قد فارق أبا العباس لكلام أغلظ له فيه أبو العباس، فجاء قبل وقعة الطواحين، و استولى على حلب، و معه اسحاق بن كنداج.

و سار أبو العباس من أنطاكية إلى طرسوس فأغلقها أهلها دونه، و منعوه من دخولها؛ فسار إلى مرعش، ثم إلى كيسوم، ثم إلى سميساط، و عبر الفرات، و نكب عن حلب لاستيلاء الأفشين عليها؛ و كان قد جرت بينهما وحشة.

و نزل خمارويه إلى حلب، فصالحه الأفشين و صار في جملته؛ و دعا له‏

____________

(1)- في أحواز بلدة الرملة في فلسطين.

(2)- لمزيد من التفاصيل، انظر بغية الطلب ص 808- 809، 3382.

89

على منابر أعماله، و حمل إليه خمارويه مائتي ألف دينار و نيفا و عشرين ألف دينار لوجوه أصحابه؛ و عشرين ألف دينار لكاتبه؛ و ذلك في سنة ثلاث و سبعين و مائتين. و أعطاه ابن أبي الساج ولده رهينة على الوفاء بعهده؛ فراسل خمارويه أبا أحمد الموفق، و سأله الصلح فأجابه إلى ذلك؛ و ولاه مصر، و أجناد الشام، و قنسرين، و حلب، و العواصم، و الثغور.

و صعد أبو الجيش إلى مصر، و كان أبو الجيش قد أعطى ابن أبي الساج يوم دفع ولده إليه ما مبلغه ثلاثون ألف دينار، فقال ابن أبّا (1): «خدعكم محمد بن ديوداذ، إذ أعطاكم بولة يبول مثلّها في كل ليلة مرات، و أخذ منكم ثلاثين ألف دينار».

ثم إن ابن أبي الساج نكث عهده مع أبي الجيش، و عاث في نواحي الأعمال التي له، في ذي القعدة من سنة أربع و سبعين و مائتين؛ فخرج إليه أبو الجيش، و التقيا بالثنية (2)، من أعمال دمشق فانهزم ابن أبي الساج و استبيح عسكره قتلا و أسرا، ففي ذلك يقول البحتري:

و قد تدلت جيوش النّصر منزلة* * * على جيوش أبي الجيش بن طولونا

خمسين ألفا رجالا أو يزيدونا* * *يوم «الثنّية» إذ ثنّى بكرّته‏

____________

(1)- هو أحمد بن أبا، و كان من قواد خمارويه. انظر تاريخ الطبري ج 10 ص 34 (ط. دار المعارف، القاهرة).

(2)- ثنية العقاب، اسمها الآن «التنايا» خارج دمشق على الطريق الواصل بين حمص و دمشق.

(3)- لم ترد القصيدة في ديوان البحتري المطبوع، و ذكر المرحوم د. دهان أنه رآها في مخطوطة ديوان البحتري المحفوظة في باريس الورقة 398، حيث جاء: و قال يمدح أبا الجيش خمارويه بن‏

90

و كتب إلى ابن أبي الساج يوبخه، و يقول له: «كان يجب يا قليل المروءة و الأمانة، أن نصنع برهنك ما أوجبه غدرك! معاذ اللّه أن‏ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ (1).

و رجع أبو الجيش إلى مصر في سنة خمس و سبعين و مائتين. فعاد محمد بن ديوداذ، و عاث عليه في أطراف بلاده، فقصده فانهزم بين يديه؛ فوصل ابن طولون خلفه إلى الفرات. و هرب ابن أبي الساج؛ و لحق بأبي أحمد الموفّق، فانضم إليه، فخلع عليه، و أخرجه معه إلى «الجبل»، و ذلك في سنة ست و سبعين و مائتين. فولّى أبو الجيش على حلب غلام أبيه طغج بن جف والد الإخشيذ أبي بكر محمد بن طغج.

و دعا يازمار والي الثغور لخمارويه بطرسوس و الثغور، و حمل إليه خمارويه خمسين ألف دينار، و حمل إليه قبل الدعاء له ثلاثين ألف دينار لينفقها في سبيل اللّه و مائة و خمسين ثوبا و مائة و خمسين دابة و سلاحا كثيرا؛ و ذلك في سنة سبع و سبعين و مائتين.

و رجع أبو الجيش إلى مصر، و مات المعتمد بعد ذلك في سنة تسغ و سبعين؛ فولي الخلافة أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد (2) فبايعه أبو

____________

- أحمد بن طولون:

يكاد عاذلنا في الحب يغرينا* * * فما لجاجك في لوم المحبينا

(1)- سورة الأنعام- الآية: 164.

(2)- للمعتضد ترجمة وافية في بغية الطلب 808- 826.

91

الجيش بن طولون و خطب له في عمله. و سيّر إليه هدية سنية مع الحسين بن الجصّاص‏ (1). و طلب منه أن يزوج ابنته من عليّ بن المعتضد، فقال المعتضد:

«بل أنا أتزوجها»، فتزوجها المعتضد و هي قطر الندى.

و قيل: إنه دخل معها مائة هاون ذهب في جهازها، و ان المعتضد دخل خزانتها، و فيها من المنائر و الأباريق، و الطاسات، و غير ذلك من الآنية الذهب. فقال: «يا أهل مصر، ما أكثر صفركم». فقال له بعض القوم:

«يا أمير المؤمنين، إنما هو ذهب».

و زفّت إلى المعتضد مع صاحب أبيها الحسين بن عبد اللّه بن الجصّاص. فقال المعتضد لأصحابه: «أكرموها بشمع العنبر»! فوجد في خزانة الخليفة أربع شمعات من عنبر، في أربعة أتوار (2) فضة.

فلما كان وقت العشاء، جاءت إليه و قدّامها أربعمائة و صيفة، في يد كل واحدة منهن تور ذهب و فضة؛ و فيه شمعة عنبر. فقال المعتضد لأصحابه:

«أطفئوا شمعنا و استرونا».

و كانت إذا جاءت إليه أكرمها بأن يطرح لها مخدة. فجاءت إليه يوما فلم يفعل ما كان يفعله بها. فقالت: «أعظم اللّه أجر أمير المؤمنين» قال:

____________

(1)- الحسين بن عبد اللّه بن حسين بن منصور، أبو عبد اللّه الجوهري، المعروف بابن الجصاص، كان من أعيان تجار عصره، ذوي الثروة الواسعة و اليسار. له ترجمة وافية في المقفى للمقريزي- ط. بيروت 1989 ج 3 ص 520- 534.

(2)- آنية صغيرة توضع فيها الشمعة.

92

«فيمن؟». قالت: «في عبده خمارويه»- تعني أباها- فقال لها: «أو قد سمعت بموته؟» قالت: «لا و لكني لمّا رأيتك قد تركت إكرامي علمت أنه قد مات أبي». و كان خبره قد وصل إلى المعتضد، فكتمه عنها. فعاد إلى إكرامه لها بطرح المخدّة في كل الأوقات.

و قتل خمارويه بدمشق في سنة [ثماني و] ثمانين و مائتين‏ (1)، و حلب في ولاية طغج بن جفّ من قبله.

و أظن أن قاضي حلب بعد أيام أحمد بن طولون حفص بن عمر قاضي حلب.

و ولي مكان خمارويه ولده جيش بن خمارويه‏ (2)، و طغج في حلب على حاله.

و عزل القواد جيش بن خمارويه؛ و ولوا أخاه هارون بن خمارويه، فولى طغج بن جفّ حلب على حاله، و سيّر إلى المعتضد رسولا يطلب منه إجراءه على عادة أبيه في البلاد التي كانت في ولايته، فلم يفعل.

و سيّر رسولا إلى هارون، فاستنزله عن حلب و قنسرين، و العواصم، و سلّم لهارون مصر و بقية الشام، و اتفق الصلح مع المعتضد و هارون على ذلك، في جمادى الأولى من سنة ست و ثمانين و مائتين.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين من ترجمة خمارويه في بغية الطلب ص 3386.

(2)- لجيش بن خمارويه ترجمة مفيدة في المقفى للمقريزي ج 3 ص 116- 117.

93

و كان هارون قد ولى قضاء حلب و قنسرين أبا زرعة محمد بن عثمان الدمشقي، فقلد المعتضد حلب و قنسرين ولده أبا محمد علي بن أحمد في هذه السنة.

و ولى بحلب من قبل ابنه الحسن بن عليّ المعروف بكوره الخراساني، و إليه تنسب دار كوره؛ التي داخل باب الجنان‏ (1) بحلب، و الحمام المجاورة لها. و قد خربت الآن و لم يبق لها أثر.

و كان كاتب علي بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النصراني، فقلده النظر في هذه النواحي.

و سار المعتضد، في سنة سبع و ثمانين و مائتين، خلف و صيف خادم ابن أبي الساج إلى الثغور إلى أن لحقه. فضم عمل الثغور أيضا إلى كوره، و عاد إلى أنطاكية، و وصيف‏ (2) معه.

ثم رحل إلى حلب، فأقام بها يومين؛ و وجد لوصيف بعد أسره في بستان بحلب مال كان دفنه و هو بها مع مولاه مبلغه ستة و خمسون ألف دينار، فحمل إلى المعتضد؛ ثم رحل إلى بغداد، فمات في شهر ربيع الآخر سنة تسع و ثمانين و مائتين.

و تولى الخلافة ولده أبو محمد، و لقب بالمكتفي؛ فصرف الحسن بن علي‏

____________

(1)- سمى بذلك لأنه يخرج منه إلى البساتين التي لحلب، بغية الطلب ج 1 ص 55.

(2)- لمزيد من التفاصيل انظر ترجمة المعتضد في بغية الطلب ص 818- 819.

94

كوره عن ولايته؛ و ولى حلب أحمد بن سهل البوشجاني‏ (1)، في جمادى الآخرة سنة تسع و ثمانين و مائتين. ثم صرفه عنها سنة تسعين و مائتين.

و ولى حلب في هذه السنة أبا الأغر خليفة بن المبارك السلمي‏ (2)، و وجهه إليها لمحاربة القرمطي صاحب الخال- لعنه اللّه- فإنه كان قد عاث في البلاد؛ و غلب على حمص، و حماة، و معرة النعمان، و سلمية. و قتل أهلها و سبى النساء و الأطفال.

فقدم أبو الأغر حلب في عشرة آلاف فارس، فانفذ القرمطي سرية إلى حلب، فخرج أبو الأغر إلى وادي بطنان‏ (3)، فلما استقر و افاه جيش القرمطي، يقدمه المطوّق غلامه و كبسهم، و قتل عامة أصحابه و خادما جليلا يقال له بدر القدامي‏ (4).

____________

(1)- كذا بالأصل، و لم يرد في لباب الأنساب لابن الأثير البوشجاني بل البوشنجي، و النوشجاني.

(2)- ترجم ابن العديم في بغية الطلب لكل من صاحب الخال و خليفة بن المبارك (أبو الأغر السلمي) و سلف لي نشر هاتين الترجمتين في كتابي الجامع في أخبار القرامطة- ط. دمشق 1987 ج 2 ص 407- 425.

(3)- في ترجمة أبي الأغر- الجامع في أخبار القرامطة ج 2 ص 424: «و للنصف من شهر رمضان- سنة 290 ه- مضى أبو الأغر إلى حلب، و نزل وادي بطنان، قريبا من حلب، و نزل معه جميع أصحابه، فنزع- فيما ذكر- جماعة من أصحابه ثيابهم، و دخلوا يتبردون بمائه، و كان يوما شديد الحر، فبيناهم كذلك إذ وافاهم جيش القرمطي المعروف بصاحب الشامة، مقدمهم المعروف بالمطوق، فكبسهم على تلك الحال، فقتل منهم خلقا كثيرا، و انتهب العسكر، و أفلت أبو الأغر و جماعة من أصحابه، فدخل حلب، و أفلت معه مقدار ألف رجل، و كان في عشرة آلاف رجل ما بين فارس و راجل».

(4)- رسم هذا الاسم بالأصل دونما ضبط أو نقط، و لم يرد ذكره في ترجمتي أبي الأغر و صاحب الخال.

95

و سلم أبو الأغر في ألف رجل، فصار إلى قرية من قرى حلب؛ و خرج إليه ابنه في جماعة من الرجّالة و الأولياء، فدخل إلى حلب. و أقام القرامطة على مدينة حلب على سبيل المحاصرة.

فلما كان يوم الجمعة، سلخ شهر رمضان من سنة تسعين و مائتين، تسرّع أهل مدينة حلب إلى الخروج للقاء القرامطة فمنعوا من ذلك، فكسروا قفل الباب، و خرجوا إلى القرامطة، فوقعت الحرب بين الفئتين؛ و رزق اللّه الحلبيين النصر عليهم. و خرج أبو الأغر فأعانهم فقتل من القرامطة خلق كثير.

و خرج أبو الأغرّ يوم السبت يوم عيد الفطر إلى المصلى، و عيد بأهل حلب، و خطب الخطيب؛ و عادت الرعية على حال سلامة؛ و أشرف أبو الأغر على القرامطة، فلم يخرج منهم أحد إليه؛ ثم أنهم رحلوا إلى صاحبهم، في سنة ثلاثمائة.

ثم إن المكتفي ولى حلب الحسين بن حمدان بن حمدون عم سيف الدولة، فعاثت عليه العرب من كلب و اليمن و أسد و غيرهم، فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم، في شهر رمضان من سنة أربع و تسعين و مائتين؛ فهزموه حتى بلغوا به باب حلب؛ و جرى بينه و بين القرامطة، في هذه السنة وقعة كسرهم فيها و استأصلهم.

ثم إنه عزل عن حلب، و ولي عيسى غلام النوشري؛ و كان المكتفي قد صار إلى الرقة في سنة إحدى و تسعين و مائتين؛ و كان وجّه بمحمد بن‏

96

سليمان صاحب الجيش إلى حلب و الشام في عشرين ألف فارس و راجل، لمحاربة الطولونية و القرامطة، و فتح مصر. فقدم محمد بن سليمان حلب في أواخر سنة تسعين، و الوالي بها على الحرب عيسى غلام النوشري، فدخلها محمد في أحسن تعبئة وزي؛ و أقام بها أياما و طالب عمال الخراج بحمل المال؛ و قصده رؤساء بني تميم و بني كلاب.

فأمر عيسى والي حلب أن يستخلف على عمله و يشخص معه إلى مصر؛ فامتثل أمره، و استخلف على حلب ولده، و أنفق في جنده؛ و رحل في آخر شوال معه. فلما وافى معرة النعمان خلع عليه، و حمله، و ولاه بلده إلى حدود حماة؛ و لقيهم القرامطة بين تل منّس‏ (1) و كفر طاب‏ (2)، في عشرة آلاف فارس، فنصره اللّه عليهم، و انهزموا و قتل الرّجالة، و أسر أكثر الخيّالة (3).

و صار محمد بن سليمان إلى مصر، و افتتحها من يد الطولونية، عند قتل هارون بن خمارويه؛ و استولى على أموالها. ثم ضمّ إلى طغج بن جفّ الطولوني أربعة آلاف رجل، و ولاه حلب، و أخرجه عن مصر.

فلما صار إلى حلب وجد بها ابن الواثقي، و قد أنفذه السلطان إلى حلب لعرض جيوش الواردين من مصر، و ذلك في سنة اثنتين و تسعين‏

____________

(1)- تل منس: قرية في سهول ادلب، تابعة لمنطقة معرة النعمان و تبعد عنها مسافة 6 كم، و ذلك إلى الشرق منها، في شمالها الشرقي تل أثري فيه آثار تعود إلى العصور الكلاسيكية و ما تلاها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- تبعد خرائب كفر طاب نحو 3 كم إلى الغرب من بلدة خان شيخون.

(3)- لمزيد من التفاصيل انظر الجامع في أخبار القرامطة ص 408- 422.

97

و مائتين. فعرض ابن الواثقي جيشه لما وصل إلى حلب، و أمره بالنفوذ إلى بغداد، فرحل حتى وافى مدينة السلام.

و كذلك ورد حلب جماعة من القواد الطولونية، فعرضهم و توجهوا إلى بغداد. و وافى وصيف البكتمري و ابن عيسى النوشري صاحب حلب بغداد، يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة اثنتين و تسعين و مائتين، و معهما طغج، و أخوه، و ابن لطغج، فخلع عليهم و طوّق منهم البكتمري و ابن عيسى النوشري.

ثم شخص عيسى النوشري عن مصر إلى حلب، لأنه كان واليها. فلما كان بعد شخوصه إليها بأيام، ورد كتاب العباس بن الحسن الوزير بتولية عيسى النّوشري مدينة مصر، و يؤمر محمد بن سليمان بالشخوص إلى طرسوس للغزو، فوجه محمد بن سليمان من لحق عيسى بالرملة فردّه؛ و ورد إلى عيسى كتاب من السلطان بذلك فعاد واليا على مصر.

و ولى المكتفي في هذه السنة أبا الحسن ذكا بن عبد اللّه الأعور حلب؛ و دام بها إلى سنة اثنتين و ثلاثمائة. و كان كريما يهب و يعطي و إليه تنسب «دار ذكا» التي هي الآن دار الزكاة. و إلى جانبها دار حاجبه فيروز فانهدمت، و صارت تلا يعرف بتل فيروز؛ فنسفه السلطان الملك الظاهر- (رحمه اللّه)- في أيامه؛ و ظهر فيه بقايا من الذخائر مثل الزئبق و غيره؛ و هو موضوع سوق الصّاغة الآن. و لأبي بكر الصنوبريّ الشاعر فيه مدائح كثيرة.

و عاد محمد بن سليمان إلى حلب، و وافاه مبارك القمّي بكتب يؤمر فيها

98

بتسليم الأموال، و ركب إليه ذكا الأعور صاحب حلب، و أبو الأغرّ و غيرهما.

فاختلط بهم و سار معهم إلى المدينة، فأدخلوه إلى الدار المعروفة بكوره، بباب الجنان، و وكلوا به في الدار.

و شخص ذكا عن حلب لمحاربة ابن الخلنج‏ (1) مع أبي الأغر إلى مصر؛ و وجّه بمحمد بن سليمان مقبوضا إلى بغداد.

و توفي المكتفي سنة خمس و تسعين و مائتين؛ و ولي أخوه أبو الفضل المقتدر.

و عاثت بنو تميم في بلد حلب، و أفسدت فسادا عظيما، و حاصروا ذكا بحلب، فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسرى من الرحبة (2) حتى أناخ عليهم بخناصرة، و أسر منهم جماعة، و انصرف و لم يجتمع بذكا. ففي ذلك يقول شاعر من أهل الشام:

أصلح ما بين تميم و ذكا* * * أبلج يشكي بالرماح من شكا

يدلّ بالجيش إذا ما سلكا* * * كأنّه سليكة بن السّلكا (3)

و كان وزير ذكا و كاتبه أبا الحسن محمد بن عمر بن يحيى النفري‏

____________

(1)- كذا بالأصل و في ولاه مصر للكندي- ط. بيروت 1908 ص 258- 297 «ابن الخليج».

(2)- ما تزال بقاياها قائمة على مقربة من الميادين، و تعرف باسم الرحيبة.

(3)- من الشعراء الصعاليك في الجاهلية، نشر ديوانه مع دراسة عنه في بيروت 1994.

99

الكاتب؛ و إليه ينسب حمّام النفري، و هي الآن داثرة. و داره هي المدرسة النورية؛ و مدحه الصنوبري.

ثم إن المقتدر عزل ذكا عن حلب، و ولاه دمشق ثم مصر إلى أن مات.

و قيل إنّ المقتدر ولّى حلب مولاه تكين الخادم أبا منصور ثم عزله عنها.

و الصحيح أنه ولّى الشام و مصر مؤنس المظفر الخادم نيابة عن ابنه أبي العباس، فقدم إلى حلب و صعد إلى مصر.

و ولى مؤنس ذكا الأعور دمشق و مصر، و عزله عن حلب؛ و ولى الأمير أبا العباس أحمد بن كيغلغ حلب سنة اثنتين و ثلاثمائة. و كان على قضاء حلب سنة تسعين محمد بن محمد الجدوعي.

ثم ولى القضاء بحلب و قنسرين محمد بن أبي موسى عيسى الضرير الفقيه، في سنة سبع و تسعين و مائتين. و شخص إلى عمله لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر.

ثم صرف محمد بن عيسى عن قضاء حلب و قنسرين، في سنة ثلاثمائة بأبي حفيص عمر بن الحسن بن نصر الحلبي القاضي. و كانت داره بسوق السرّاجين. و عزل أبو حفيص عن القضاء في حلب سنة اثنتين و ثلاثمائة. و وليها أبو عبد اللّه محمد بن عبده بن حرب.

و توفي عمر بن الحسن القاضي سنة سبع و ثلاثمائة؛ و كان محمد بن عبده بن حرب قاضيا بها سنة خمس و ثلاثمائة.

100

ثم تولى قضاء حلب و حمص ابراهيم بن جعفر بن جابر أبو اسحاق الفقيه، في سنة ست و ثلاثمائة. و ولي الخراج من قبل المكتفي بحلب الحسن بن الحسن بن رجاء بن أبي الضحّاك. و توفي بحلب في جمادى الأولى سنة إحدى و ثلاثمائة فجاءة.

و ولي الخراج بعده علي بن أحمد بن بسطام و الانفاق عبد اللّه بن محمد بن سهل. ثم توفي سنة اثنتين و ثلاثمائة؛ و تولى مكانه محمد بن الحسن بن علي الناظري.

و كان أبو العباس بن كيغلغ أديبا؛ شاعرا، جوادا، و هو الذي مدحه المتنبي بقوله:

كم قتيل كما قتلت شهيد (1)

و من شعر الأمير أحمد بن كيغلغ قوله:

قلت له، و الجفون قرحى:* * * قد أقرح الدمع مايليها

ما لي في لوعتي شبيه‏* * * قال: و أبصرت لي شبيها

ثم ولّى مؤنس المظفر حلب أبا قابوس محمود بن حبك الخراساني؛ و كان جبارا، قاسيا، منحرفا عن أهل البيت. و قيل: هو محمود بن حمل، فدام واليا بها إلى سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة.

و كان مؤنس المظفر بالشام، فاستدعي إلى بغداد لقتال القرمطي، فسار

____________

(1)- ديوان المتنبي- ط. بيروت 1969 ص 71.

101

إليها؛ و ولى حلب وصيف البكتمري الخادم سنة اثنتي عشرة و ثلاثمائة. ثم عزله عنها سنة ست عشرة و ثلاثمائة.

و وليها في هذه السنة هلال بن بدر أبو الفتح، غلام المعتضد؛ و كان أمير دمشق قبل ذلك؛ ثم عزل عن حلب؛ و ولي قطربّل‏ (1) و سامرّا في سنة سبع عشرة، فوليها في هذه السنة وصيف البكتمري ثانية.

و مات بحلب على ولايته يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة من سنة سبع عشرة و ثلاثمائة.

و كان كاتبه عبد اللّه والد أبي العباس أحمد بن عبد اللّه الشامر المعروف بابن كاتب‏ (2) البكتمري، فوليها الأمير أحمد بن كيغلغ ثانية إلى ثماني عشرة و ثلاثمائة.

ثم ولّى مؤنس المظفر غلامه طريف بن عبد اللّه السبكريّ الخادم، في سنة تسع عشرة و ثلاثمائة، و كان ظريفا شهما شجاعا، و حاصر بني الفصيص في حصونهم باللاذقية و غيرها، فحاربوه حربا شديدا حتى نفد جميع ما كان عندهم من القوت و الماء، فنزلوا على الأمان فوفّى لهم، و أكرمهم؛ و دخلوا معه حلب مكرمين معظمين، فأضيفت إليه حمص مع حلب.

____________

(1)- قطربل: اسم قرية بين بغداد و عكبرا. معجم البلدان.

(2)- لعله أبو الفتح البكتمري الذي ترجم له الثعالبي في يتيمة الدهر- ط. القاهرة 1956 ج 1 ص 120- 122.

102

ثم إن القاهر (1) قبض على مولاه مؤنس المظفر، و تولى طريف قبضه، و أحضره إلى القاهر في سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة، فرأى له ذلك.

و ولى القاهر بشرى الخادم دمشق و حلب؛ و سار إلى حلب ثم إلى حمص، فكسره ابن طغج و أسره، و خنقه. و وصل أبو العباس بن كيغلغ إلى حلب فاتفق مع محمد بن طغج و حالفه.

و ولي الخلافة الراضي بعد القاهر (2). و كان الراضي قد خاف على بدر الخرشني من الحجرية أن يفتكوا به؛ فقلده حلب و أعمالها؛ و هي بيد طريف سنة أربع و عشرين؛ و أمره بالمسير من يومه. فسار و بلغ طريف، فأنفذ صاحبا له إلى ابن مقلة؛ و بذل له عشرين ألف دينار ليجدد له العهد، و أن لا يصرف من حلب. و وصل الخرشني فدافعه طريف، رجاء أن يقضي ابن مقلة و طره، فزحف بدر الخرشني، و التقى طريف في أرض حلب، فانهزم طريف من بين يديه.

و تسلم بدر حلب، و أقام بها مدة يسيرة، ثم كوتب من الحضرة بالانصراف فرجع إلى الحضرة، و قلد طريف حلب مرة ثالثة؛ فقلد طريف السبكري من جهته حلب و العواصم فأقام بها إلى سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة.

و كان قاضي حلب عبيد اللّه بن عبد الرحمن ابن أخي الإمام.

____________

(1)- حكم القاهر من سنة 320 ه/ 932 م إلى 322 ه/ 934 م.

(2)- حكم الخليفة الراضي من سنة 322 ه/ 934 م إلى 329 ه/ 940 م.

103

ثم ولي حلب أبو العباس أحمد بن سعيد بن العباس الكلابي؛ و مدحه أبو بكر الصنوبري؛ و كان بها نائبا عن أبي بكر الإخشيذ محمد بن طغج بن جفّ- في غالب ظني- فان الأخشيذ استولى على الشام إلى سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة.

و في ولاية أبي العباس الكلابي، وردت بنو كلاب إلى الشام من أرض نجد، و أغارت على معرة النعمان، فخرج إليهم والي المعرة معاذ بن سعيد بجنده، و تبعهم إلى البراغيثي، فعطفوا عليه، و أسروه و أكثر جنده. و أقام فيهم مدة يعذبونه، فخرج إليهم أبو العباس أحمد بن سعيد الكلابي والي حلب، فخلصه منهم. و كان ورودهم في سنة خمس و عشرين و ثلاثمائة (1).

ثم إن الراضي قدم الموصل، و كان أبو بكر محمد بن رائق ببغداد (2)، و بينه و بين بجكم وحشة؛ فأنفذ الراضي أبا الحسين عمر بن محمد القاضي إلى أبي بكر محمد بن رائق يخيّره في أحد البلدين: واسط، أو حلب و أعمالها؛ فاختار حلب؛ و أراد بذلك البعد عن بجكم، فأجابه الراضي إلى ذلك، و خلع عليه أبو جعفر و أبو الفضل ابنا الراضي و عقدا له.

و جعل بجكم يحثّ الراضي على الوصول إلى بغداد، و يتأسف على خروج ابن رائق منها ليشفي غيظه؛ فقال له الراضي: «هذا لا يصلح؛ و هذا رجل قد أمنته، و قلدته ناحية من النواحي، فسمع و أطاع و ما أمكنّك منه».

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر ترجمة أحمد بن سعيد الكلابي في بغية الطلب ص 760- 761.

و جاء في هذه الترجمة أن معاذ بن سعيد لاحق كلاب «إلى مكان يعرف بمرج البراغيث».

(2)- لابن رائق ترجمة جيدة في المقفى للمقريزي ج 5 ص 654- 659.

104

فخرج أبو بكر بن رائق في شهر ربيع الآخر من سنة سبع و عشرين و ثلاثمائة. و قيل: دخل حلب في سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة. و سار عنها إلى قتال الأخشيذ محمد بن طغج بن جف‏ (1) الفرغاني؛ و ولى في حلب نيابة عنه خاصة محمد بن يزداذ.

و جرت بين أبي بكر بن رائق و الإخشيذ وقعة انهزم فيها الإخشيذ؛ و سلّم دمشق إلى ابن رائق، و اقتصر على الرملة و مصر.

ثم وقع بينهما وقعة أخرى في الجفار (2)، أسر فيها أبو الفتح مزاحم بن محمد بن رائق، فرجع في عدة يسيرة حتى يخلّص ابنه، فقتل أبو نصر بن طغج؛ فكفنه ابن رائق؛ و جعله في تابوت؛ و أنفذه إلى أخيه الإخشيذ مع ابنه مزاحم؛ و قال: «ما أردت قتل أخيك؛ و هذا ولدي قد أنفذته إليك لتقيده به». فخلع الإخشيذ عليه؛ و أعطاه مالا كثيرا، ورده. و ذلك في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة.

ثم أن أبا بكر محمد بن طغج الإخشيذ سيّر كافورا الخادم من مصر، و معه عسكر و في مقدمته أبو المظفر مساور بن محمد الرومي، أحد قواد الإخشيذ؛ فوصل إلى حلب؛ فالتقى كافور و محمد بن يزداذ الوالي بحلب‏

____________

(1)- لابن طغج ترجمة واسعة في كتاب المقفى للمقريزي ج 5 ص 745- 752.

(2)- في رواية المقريزي أن المعركة وقعت باللجون، و اللجون عند ياقوت بلد بالأردن على عشرين ميلا من طبرية، و جاء عند ياقوت أيضا: الجفار: أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين و مصر.