زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
105

من قبل ابن رائق، فكسره كافور، و أسره، و أخذ منه حلب؛ و ولّى بها مساور بن محمد الرومي؛ و عاد كافور إلى مصر.

و هذا أبو المظفر مساور بن محمد الرّومي مدحه المتنبي بقوله:

أمساور أم قرن شمس هذا* * * أم ليث غاب يقدم الأستاذا (1)

يريد بالأستاذ: كافورا الخادم. و ذكر فيها كسره ابن يزداذ فقال:

هبك ابن يزداذ حطمت و صحبه‏* * * أترى الورى أضحوا بني يزداذا

و مساور هو صاحب الدار المعروفة بدار ابن الرومي بالزّجاجين بحلب، و تعرف أيضا بدار ابن مستفاد، و هي شرقي المدرسة العمادية التي جددها سليمان بن عبد الجبار بن أرتق بحلب، و هي المنسوبة إلى بني العجمي‏ (2).

و أظن أن قاضي حلب في هذا التاريخ كان أبا طاهر محمد بن محمد بن سفيان الدباس أو قبل هذا التاريخ.

ثم اتفق الإخشيذ و محمد بن رائق على أن يخلي له الإخشيذ حمص و حلب و يحمل إليه مالا؛ و زوج الإخشيذ ابنته بمزاحم بن أبي بكر بن رائق.

و قتل ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن عبد اللّه بن حمدان أبا بكر بن رائق، في رجب سنة ثلاثين و ثلاثمائة بين يدي المتقي يوم الاثنين لتسع بقين منه.

____________

(1)- ديوان المتنبي ص 113.

(2)- انظر الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب ص 263.

106

و كان ابن رائق شهما مقداما سخيا جوادا، لكنه كان عظيم الكبر، مستبدا برأيه، منزوعا من التوفيق و العصمة و التسديد.

و كان أحمد بن علي بن مقاتل بحلب من جهة أبي بكر بن رائق و معه ابنه مزاحم بن محمد بن رائق، فقلّد ناصر الدولة علي بن خلف ديار مضر و الشام؛ و أنفذ معه عسكرا، و كاتب يانس المؤنسي أن يعاضده.

و كان يانس يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة فسار إلى «جسر منبج» و سار أحمد بن مقاتل و مزاحم إلى منبج، فالتقوا على شاطى‏ء الفرات.

و سيّر يانس كاتبه و نذيرا غلامه برسالة إلى ابن مقاتل، فاعتقلهما و وقعت الحرب بين الفئتين؛ و لحق يانس جراح كادت تتلفه فعدل به إلى «قلعة نجم» (1) ليشده. و نظر نذير غلامه و هو معتقل في عسكر ابن مقاتل، على بغل إلى شاكري‏ (2) ليانس معه جنيبة من خيله، فأخذ سيف الشاكريّ، و ركب الجنيبة؛ و صار إلى ابن مقاتل فقتله و انهزم عسكره.

و أفاق يانس المؤنسي، فسار و علي بن خلف متوجهين إلى حلب و تلاوم قواد ابن مقاتل على هزيمتهم؛ فعادوا إلى القتال في وادي بطنان، فانهزموا ثانية؛ و ملك علي بن خلف و يانس المؤنسي حلب في سنة ثلاثين و ثلاثمائة.

ثم إنّ علي بن خلف سار منها إلى الإخشيذ محمد بن طغج، فاستوزره و علا أمره معه، إلى أن رآه يوما، و قد ركب في أكثر الجيش بالمطارد و الزيّ؛

____________

(1)- قلعة حصينة قرب جسر منبج. معجم البلدان.

(2)- الشاكري: معرب جاكر، و هو الأجير أو التابع.

107

و محمد جالس في متنزه له، فأمر بالقبض عليه؛ فلم يزل محبوسا إلى أن مات محمد بن طغج. فأطلق و بقي يانس المؤنسي واليا على حلب في سنة إحدى و ثلاثين و ثلاثمائة.

و كان يانس هذا مولى مؤنس المظفر الخادم، و تولى الموصل في أيام القاهر، و كان يلي ديار مضر من قبل ناصر الدولة إلى أن كان من أمره ما ذكرناه. فاستأمن إلى الأخشيذ، و دعا له على المنابر بعمله.

و اتفق ناصر الدولة بن حمدان و توزون، في سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، على أن تكون الأعمال من مدينة الموصل إلى آخر أعمال الشام لناصر الدولة؛ و أعمال السن‏ (1) إلى البصرة لتوزون و ما يفتحه من وراء ذلك؛ و أن لا يعرض أحد منهما لعمل الآخر.

فولى ناصر الدولة حلب و ديار مضر و العواصم أبا بكر محمد بن علي بن مقاتل صاحب ابن رائق في شهر ربيع الأول من سنة اثنتين [و ثلاثين‏] و ثلاثمائة، و وافق ناصر الدولة أبا محمد بن حمدان على أن يؤدي إليه إذا دخل حلب خمسين ألف دينار.

فتوجّه أبو بكر من الموصل و معه جماعة من القواد، و لم يصل إليها؛ فوقع بين الأمير سيف الدولة بن حمدان و بين ابن عمه أبي عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان كلام بالموصل و أراد القبض عليه.

____________

(1)- السن: مدينة على دجلة فوق تكريت. معجم البلدان.

108

فقلد ناصر الدولة أبا عبد اللّه الحسين بن سعيد بن حمدان، أخا الأمير أبي فراس، حلب و أعمالها، و ديار مضر، و العواصم، و كلّما يفتحه من الشام، فتوجه في أول شهر رجب سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة، و دخل الرقة بالسيف لأن أهلها حاربوه مع أميرها محمد بن حبيب البلزمي، فأسره و سلمه، و أحرق قطعة من البلد و قبض على رؤساء أهله، و صادرهم.

و توجه إلى حلب و معه أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، و بحلب يانس المؤنسي و أحمد بن العباس الكلابي، فهربا من بين يديه من حلب، و تبعهما إلى معرة النعمان ثم إلى حمص.

و هرب أمير حمص اسحاق بن كيغلغ بين يديه، و ملك هذه البلاد و دانت له العرب، ثم عاد إلى حلب، و أقام بها إلى أن وافى الأخشيذ أبو بكر محمد بن طغج بن جفّ الفرغاني.

و إنما لقب بالأخشيذ لأن ملك فرغانه يتسمى بذلك؛ و كان أبوه من أهل فرغانه.

و قدمها الإخشيذي في ذي الحجة من سنة اثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة. و لما دنا الإخشيذ من حلب انصرف الحسين بن حمدان عنها لضعفه عن محاربته إلى الرقة.

و كان ابن مقاتل مع ابن حمدان بحلب؛ فلما أحس بقرب الأخشيذ منها و تعويل ابن حمدان على الانصراف استتر في منارة المسجد الجامع إلى أن انصرف ابن حمدان.

109

و دخل الاخشيذ فظهر له ابن مقاتل، و استأمن إليه، و قلده الاخشيذ أعمال الخراج و الضياع بمصر.

و أما الحسين بن سعيد، فإنّه لما وصل إلى الرقة وجد المتقي للّه بها هاربا من توزون التركي و قد تغلب على بغداد، و سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن حمدان مع المتقي بالرقة؛ و قد فارق أخاه ناصر الدولة لكلام جرى بينهما، فلم يأذن المتقي لأبي عبد اللّه الحسين في دخول الرقة، و أغلقت أبوابها دونه؛ و وقعت المباينة بينه و بين ابن عمه سيف الدولة؛ و سفر بينهما في الصلح، فتمّ، و مضى إلى حران و منها إلى الموصل.

و قدم الاخشيذ عند حصوله بحلب مقدمته إلى بالس‏ (1)، و سار بعدها بعد أن سيّر المتقي أبا الحسن أحمد بن عبد اللّه بن اسحاق الخرقي يسأل الإخشيذ أن يسير إليه ليجتمع معه بالرقة، و يجدد العهد به، و يستعين به على نصرته، و يقتبس من رأيه.

فلما وصل أبو الحسن إلى حلب تلقاه الإخشيذ، و أكرمه؛ و أظهر السرور و الثقة بقرب المتقي، و أنفذ من وقته مالا مع أحمد بن سعيد الكلابي إلى المتقي، و سار خلفه حتى نزل و بينه و بين المتقي الفرات، فراسله المتقي بالخرقي، و بوزيره أبي الحسين بن مقلة؛ فعبر إليه يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.

____________

(1)- هي مسكنة الآن في سورية على الطريق الذي يصل حلب بالرقة.

110

و وقف بين يدي المتقي للّه؛ ثم ركب المتقي للّه فمشى بين يديه؛ و أمره أن يركب فلم يفعل؛ و حمل إليه هدايا و مالا كثيرا، و حمل إلى الوزير أبي الحسين بن مقلة عشرين ألف دينار؛ و لم يدع أحدا من أصحاب المتقي و حواشيه و كتابه إلا برّه و وصله.

و اجتهد بالمتقي للّه أن يسير معه إلى الشام و مصر؛ فأبى. فأشار عليه بالمقام مكانه، و ضمن له أن يمدّه بالأموال فلم يفعل‏ (1)، إلى أن كاتبه توزون، و خدعه، و قبض عليه و بايع المستكفي.

و كتب المتقي عهدا للإخشيذ بالشامات و مصر على أن الولاية له و لأبي القاسم أنوجور ابنه إلى ثلاثين سنة.

و كتب الإخشيذ في هذه السفرة إلى عبده كافور الخادم إلى مصر و قال له: «و مما يجب أن تقف- عليه- أطال اللّه بقاءك- أنّي لقيت أمير المؤمنين بشاطى‏ء الفرات فأكرمني، و حباني‏ (2)، و قال: كيف أنت يا أبا بكر أعزّك اللّه»، فرحا بأنّه كناه، و الخليفة لا يكني أحدا.

____________

(1)- في ترجمة الاخشيذ في المقفى ج 5 ص 750: «و اجتهد المتقي أن يسير معه إلى مصر، فأشار عليه بالمقام مكانه و لا يرجع إلى بغداد، و أشار على ابن مقلة أن يسير معه إلى مصر ليحكمه في جميع البلاد فلم يجبه، فخوفه من طوزون فلم يوافقه».

(2)- كذا بالأصل و يرجع أنها تصحيف: «و كناني» فقد جاء في ترجمة الاخشيذ في المقفى ج 5 ص 750، أن الاخشيذ التقى المتقي بالرقة «فلما قدم عليه بالرقة وقف بين يديه و مشى عند ركوبه، فأمره المتقي بالركوب فلم يفعل، فألح عليه المتقي، و أكرمه و كناه و كنى ابنه و جعله خليفة له»، يضاف إلى هذا أن سياق الخبر يؤكد التصحيف.

111

[عصر الدولة الحمدانية] (1)

و عاد الإخشيذ من الرقة إلى حلب و سار إلى مصر. و ولى بحلب من قبله أبا الفتح عثمان بن سعيد بن العباس بن الوليد الكلابي، و ولى أخاه أنطاكية. فحسد أبا الفتح إخوته الكلابيون، و راسلوا سيف الدولة بن حمدان ليسلموا إليه حلب، و قد كان طلب سيف الدولة من أخيه ناصر الدولة ولاية، فقال له ناصر الدولة: «الشام أمامك؛ و ما فيه أحد يمنعك منه».

و عرف سيف الدولة اختلاف الكلابيين، و ضعف أبي الفتح عن مقاومته، فسار إلى حلب؛ فلما وصل إلى الفرات خرج إخوة أبي الفتح عثمان بن سعيد بأجمعهم للقاء سيف الدولة؛ فرأى أبو الفتح أنه مغلوب إن جلس عنهم، و علم حسدهم‏ (2) له، فخرج معهم.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- أفرد ابن العديم في آخر الجزء الأول من بغية الطلب بابا للحديث عن قبائل كلاب التي قطنت ديار حلب، ولدى بحثي في تاريخ الدولة المرداسية أدركت أن كلاب عانت دوما من التمزق و الصراعات الداخلية.

112

فلما قطع سيف الدولة الفرات، أكرم أبا الفتح دون إخوته، و أركبه معه في العمارية (1)؛ و جعل سيف الدولة يسأله عن كل قرية يجتاز بها:

ما اسمها؟ فيقول أبو الفتح: هذه الفلانية! حتى عبروا بقرية يقال لها «ابرم» و هي قرية قريبة من الفايا (2). فقال له سيف الدولة: «ما اسم هذه القرية؟» قال أبو الفتح: «أبرم». فظن سيف الدولة أنه قد أكرهه بالسؤال. فقال له أبرم من الإبرام. فسكت سيف الدولة عن سؤاله. فلما عبروا بقرى كثيرة، و لم يسأله عنها علم أبو الفتح بسكوت سيف الدولة. فقال له أبو الفتح: «سيدي يا سيف الدولة، و حقّ رأسك، إنّ القرية التي عبرنا عليها اسمها ابرم، و اسأل عنها غيري». فعجب سيف الدولة من ذكائه. فلما وصل حلب أجلسه معه على السرير.

و دخل سيف الدولة حلب، يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، من سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.

و كان القاضي بها أحمد بن محمد بن ماثل، فعزله و ولّى أبا حصين علي بن عبد الملك بن بدر بن الهيثم الرقي؛ و كان ظالما، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة. و قال: «كلّ من هلك فلسيف الدولة ما ترك، و على أبي حصين الدّرك» (3).

____________

(1)- العمارية هودج يجلس فيه.

(2)- الفايا: كورة بين منبج و حلب كبيرة، و هي من أعمال منبج في جهة قبلتها قرب وادي بطبان، و لها قرى عامرة، فيها بساتين و مياه جارية. معجم البلدان.

(3)- بهامش الأصل: «هذه حكاية عجيبة من قاض ظالم يقول: كل من هلك فلسيف الدولة

113

ثم إنّ الإخشيذ سيّر عسكرا إلى حلب مع كافور و يانس المؤنسي‏ (1)؛ و كان الأمير سيف الدولة غازيا بأرض الروم قد هتك بلد الصفصاف‏ (2) و عربسوس‏ (3) فغنم؛ و رجع فسار لطيته إلى الإخشيذية، فلقيهم بالرّستن.

فحمل سيف الدولة على كافور، فانهزم و ازدحم أصحابه في جسر الرّستن، فوقع في النهر منهم جماعة.

و رفع سيف الدولة السيف، فأمر غلمانه أن لا يقتلوا أحدا منهم.

و قال: «الدم لي و المال لكم». فأسر منهم نحو أربعة آلاف من الأمراء و غيرهم، و احتوى على جميع سواده.

و مضى كافور هاربا إلى حمص، و سار منها إلى دمشق؛ و كتب إلى الإخشيذ يعلمه بهزيمته؛ و أطلق سيف الدولة الأسارى جميعهم؛ فمضوا و شكروا فعله.

و رحل سيف الدولة بعد هزيمتهم إلى دمشق، و دخلها في شهر رمضان‏

____________

- ما ترك، و على أبي حصين الدرك. بئس ما قال هذا القاضي من المقالة القبيحة، و بئس ما فعله من الفضيحة».

(1)- في المقفى ج 5 ص 751: «فبعث- الاخشيذ- فاتك و كافور بالجيوش إلى الشام، ثم خرج يوم السبت لخمس خلون من شعبان سنة ثلاث و ثلاثين يريد محاربة سيف الدولة».

(2)- الصفصاف: كورة من ثغور المصيصة. معجم البلدان، و من أجل المصيصة انظر بغية الطلب ج 1 ص 153- 165.

(3)- هي مدينة أفسوس في تركية، و كان من الرائج أنها مدينة أهل الكهف. انظر ما جاء حولها في بغية الطلب ج 1 ص 330- 334.

114

سنة ثلاث و ثلاثين، و أقام بها. و كاتبه الإخشيذ يلتمس منه الموادعة، و الاقتصار على ما في يده؛ فلم يفعل.

و خرج سيف الدولة إلى الأعراب؛ فلما عاد منعه أهل دمشق من دخولها. فبلغ الإخشيذ ذلك فسار من الرملة؛ و توجه يطلب سيف الدولة؛ فلما وصل طبرية عاد سيف الدولة إلى حلب بغير حرب، لأن أكثر أصحابه و عسكره استأمنوا إلى الإخشيذ. فاتبعه الإخشيذ إلى أن نزل معرة النعمان في جيش عظيم؛ فجمع سيف الدولة، و لقيه بأرض قنسرين، في شوال من سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة.

و كان الإخشيذ قد جعل مطارده و بوقاته في المقدمة، و انتقى من عسكره نحو عشرة آلاف؛ و سمّاهم الصابرية فوقف بهم في الساقة.

فحمل سيف الدولة على مقدمة الإخشيذ فهزمها، و قصد قبته و خيمه؛ و هو يظنه في المقدمة؛ فحمل الإخشيذ و معه الصابرية فاستخلص سواده. و لم يقتل من العسكرين غير معاذ بن سعيد والي معرة النعمان، من قبل الإخشيذ؛ فإنه حمل على سيف الدولة ليأسره، فضربه سيف الدولة بمستوفى‏ (1) كان معه فقتله.

و هرب سيف الدولة فلم يتبعه أحد من عسكر الإخشيذ و سار على حاله إلى الجزيرة فدخل الرقة. و قيل: إنه أراد دخول حلب فمنعه أهلها.

____________

(1)- المستوفى: عمود حديد، طوله ذراعين، مربع الشكل، له مقابض مدورة.

115

و دخل الإخشيذ حلب، و أفسد أصحابه في جميع النواحي، و قطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب و كانت عظيمة جدا. و قيل: إنها كانت من أكثر المدن شجرا. و أشعار الصنوبري تدل على ذلك.

و نزل عسكر الاخشيذ على الناس بحلب؛ و بالغوا في أذى الناس لميلهم إلى سيف الدولة.

و عاد الإخشيذ إلى دمشق بعد أن ترددت الرسل بينه و بين سيف الدولة، و استقر الأمر على أن أفرج الإخشيذ له عن حلب و حمص و أنطاكية.

و قرّر عن دمشق مالا يحمله إليه في كل سنة.

و تزوج سيف الدولة بابنة أخي الإخشيذ عبيد اللّه بن طغج‏ (1)؛ و انتظم هذا الأمر على يد الحسن بن طاهر العلوي‏ (2) و سفارته، في شهر ربيع الأول، سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة.

____________

(1)- في المقفى ج 5 ص 751: «و عاد الاخشيذ إلى دمشق، فسار سيف الدولة إلى حلب و ملكها، و بعث إلى الاخشيذ و هو في دمشق، فاصطلحا على مال يحمله للاخشيذ في كل سنة، و زوجه الاخشيذ بابنة أخيه».

(2)- ترجم ابن العديم للحسن بن طاهر في بغية الطلب ج 5 ص 2408- 2413 و نقل عن ابن زولاق أنه بعدما هزم الاخشيذ سيف الدولة عاد: «الأمير سيف الدولة عسكر مواجها للاخشيذ، فاختار الاخشيذ المسالمة، و راسله بالحسن بن طاهر على مال يحمله إليه، و أن يكون لسيف الدولة من خرشنة إلى حمص، و زوجه ابنته فاطمة، و كان الولي الحسن بن طاهر بتوكيل الاخشيذ، فسر سيف الدولة بذلك، و عقد النكاح، و نثر سيف الدولة في مضربه على الحاضرين ثلاثين ألف دينار، و نثر خارج المضرب أربعمائة ألف درهم. و حمل إلى الحسن بن طاهر مالا كثيرا و خلعا و حملانا».

116

فسار الإخشيذ إلى دمشق و عاد سيف الدولة إلى حلب؛ و توفي الإخشيذ بدمشق في ذي الحجة، من سنة أربع و ثلاثين، و قيل: في المحرم من سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة.

و ملك بعده ابنه أبو القاسم أنوجور؛ و استولى على التدبير أبو المسلك كافور الخادم.

و كان سيف الدولة، فيما ذكر، قد عمل على تخلية الشام. فلما مات الإخشيذ سار كافور بعساكر مولاه إلى مصر من دمشق، و كان قد استولى على مصر رجل مغربي‏ (1)، فحاربه كافور، و ظفر به.

و خلت دمشق من العساكر، فطمع فيها سيف الدولة، و سار إليها فملكها؛ و استأمن إليه يانس المؤنسي في قطعة من الجيش.

و أقام سيف الدولة بدمشق، وجبى خراجها؛ ثم أتته والدته «نعم» أمّ سيف الدولة إلى دمشق؛ و سار سيف الدولة إلى طبرية.

____________

(1)- ترجم المقريزي في المقفى ج 2 ص 313- 319 لأونوجور، أنه عندما مات الإخشيذ بدمشق كان أونوجور بمصر، و قد لحق به كافور فيما بعد، فخلت الشام من جيوش الاخشيذ فاستغل الفرصة هذه سيف الدولة فاستولى على دمشق و سار إلى طبرية، فما كان من أونوجور إلا أن «ندب العساكر إلى الشام، و عليها أبو المظفر- عم أونوجور- و كافور فسارا في جمع عظيم و معهما الوزير أبو علي الحسين بن محمد بن علي الماذرائي إلى الشام، و قاتلا ابن حمدان، و دخلا دمشق» و في أثناء غياب الجيش بالشام ورد الخبر بخلاف غلبون بن سعيد المغربي متولي اخميم و خروجه عن الطاعة، فندب لقتاله شادن الصقلبي فانهزم منه ...

فأخرج إليه عسكر آخر، ثم خرج أونوجور فلقيه فانهزم منه، و ملك غلبون دار الامارة ...

ثم عاد أونوجور فانهزم غلبون، و لحق بالصعيد، فخرجت إليه العساكر، و أحضر رأسه».

117

و كان سيف الدولة في بعض الأيام يساير الشريف العقيقي بدمشق، في الغوطة بظاهر البلد، فقال سيف الدولة للعقيقي: «ما تصلح هذه الغوطة تكون إلا لرجل واحد»، فقال له الشريف العقيقي: «هي لأقوام كثير». فقال له سيف الدولة: «لئن أخذتها القوانين ليتبرأن أهلها منها». فأسرّها الشريف في نفسه، و أعلم أهل دمشق بذلك.

و جعل سيف الدولة يطالب أهل دمشق بودائع الإخشيذ و أسبابه؛ فكاتبوا كافورا فخرج في العساكر المصرية، و معه أنوجور بن الإخشيذ.

فخرج سيف الدولة إلى اللّجون، و أقام أياما قريبا من عسكر الإخشيذ ب «أكساك» (1)، فتفرق عسكر سيف الدولة في الضياع لطلب العلوفة، فعلم به الإخشيذية، فزحفوا إليه. و ركب سيف الدولة يتشرف، فرآهم زاحفين في تعبئة، فعاد إلى عسكره فأخرجهم، و نشبت الحرب فقتل من أصحابه خلق و أسر كذلك.

و انهزم سيف الدولة إلى دمشق فأخذ والدته، و من كان بها من أهله و أسبابه؛ و سار من حيث لم يعلم أهل دمشق بالوقعة؛ و كان ذلك في جمادى الآخرة من سنة خمس و ثلاثين.

و جاء سيف الدولة إلى حمص؛ و جمع جمعا لم يجتمع له قط مثله، من بني‏

____________

(1)- تبعد أكساك عن الناصرة ستة كم في اتجاه الجنوب الشرقي. و يجاورها من الشرق جبل الطور. معجم بلدان فلسطين لمحمد شراب.

118

عقيل، و بني نمير، و بني كلب، و بني كلاب؛ و خرج من حمص. و خرجت عساكر ابن طغج من دمشق، فالتقوا «بمرج عذراء» و كانت الوقعة أولا لسيف الدولة ثم آخرها عليه، فانهزم، و ملكوا سواده؛ و تقطع أصحابه في ذلك البلد، فهلكوا؛ و تبعوه إلى حلب، فعبر إلى الرّقة، و انحاز يانس المؤنسي من عساكر سيف الدولة إلى أنطاكية (1).

و وصل ابن الإخشيذ حلب، في ذي الحجة من سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة. فأقام بها و سيف الدولة في الرّقة فراسل أنوجور يانس المؤنسي و هو بأنطاكية، و ضمن هو و كافور ليانس أن يجعلاه بحلب في مقابلة سيف الدولة، و ضمن لهما يانس بأن يقوم في وجه سيف الدولة بحلب، و أن يعطيهم ولده رهينة على ذلك فأجابوه.

و انصرف كافور و أنوجور بالعسكر عن حلب إلى القبلة، و أتاها يانس فتسلمها. و قيل: إنّ الإخشيذية عادوا.

و أقام سيف الدولة بحلب، فخالف عليه يانس و الساجية، و أرادوا القبض عليه، فهرب و كتابه، و أصحابه، إلى الرّقة. و ملك يانس حلب.

و لم يقم يانس بحلب إلا شهرا، حتى أسرى إليه سيف الدولة إلى حلب، في شهر ربيع الآخر، سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة؛ فكبسه، فانهزم يانس إلى سرمين‏ (2) يريد الإخشيذ. فأنفذ سيف الدولة في طلبه سرية مع‏

____________

(1)- انظر المقفى للمقريزي ج 2 ص 316.

(2)- سرمين الآن قرية تتبع ناحية قرى مركز و منطقة أدلب، تبعد عن ادلب 9 كم إلى الجنوب الشرقي. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

119

ابراهيم بن البارد العقيلي، فأدركته عند ذاذيخ‏ (1)؛ فانهزم، و خلّى عياله، و سواده، و أولاده. و انهزم إلى أخيه بميّافارقين.

و كان ابن البارد قد وصل إلى سيف الدولة، في سنة خمس و ثلاثين؛ و كان في خدمة أخيه ناصر الدولة، ففارقه، و قدم على سيف الدولة.

ثم إنّ الرّسل ترددت بين سيف الدولة و ابن الإخشيذ و تجدّد الصلح بينهما على القاعدة التي كانت بينه و بين أبيه، دون المال المحمول عن دمشق.

و عمر سيف الدولة داره بالحلبة (2)، و قلّد أبا فراس ابن عمه منبج، و ما حولها من القلاع. و استقرت ولاية سيف الدولة لحلب من سنة ست و ثلاثين و ثلاثمائة. و هذه هي الولاية الثالثة.

و جرى بينه و بين الروم وقائع أكثرها له و بعضها عليه.

فمنها: أنه فتح حصن برزويه‏ (3) في سنة سبع و ثلاثين و ثلاثمائة من ابن اخت أبي الحجر الكردي‏ (4). و وقع بينه و بين الروم وقعة فكانت الغلبة للروم‏

____________

(1)- ذكر ياقوت قرية ذا ذيخ و عدها من قرى سرمين.

(2)- من المعتقد أن موقع الحلبة، و كان خارج حلب، حيث الآن مركز انطلاق السيارات إلى المحافظات.

(3)- وصف ابن العديم حصن برزويه و ذكر أنه كان يعرف في أيامه باسم حصن برزيه. بغية الطلب ج 1 ص 328- 329، و برزية الآن قلعة في السفوح الشرقية لجبال اللاذقية، حملت قديما اسم ليزياس، على بعد 3 كم شرق مضيق سلمى، مساحتها ثلاثة هكتارات، يحيط بها سور محصن بعشرة أبراج مربعة أو مستطيلة، و ظلت مقطونة حتى القرن الرابع عشر م.

المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(4)- في تاريخ يحيى بن سعيد الأنطاكي- ط. طرابلس 1990 ص 77، «و فيه يومئذ أبو تغلب الكردي».

120

و ملكوا مرعش و نهبوا طرسوس. و سار إلى ميّافارقين، و استخلف على حلب ابن أخيه محمد بن ناصر الدولة؛ و خرج لاون الدمستق إلى «بوقا» (1) من عمل أنطاكية. و خرج إليه محمد (2) فكسره الدمستق، و قتل من عسكره خلقا، في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة.

و منها: أنه غزا، سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة، و معه خلق عظيم، فظفر فيها، و غنم غنيمة كثيرة. فلما رجع إلى درب الجوزات‏ (3)، و فارقه أهل الثغور، فاجتمع الروم في الدّرب على سيف الدولة، فقتل خلق عظيم من المسلمين؛ و أسر كذلك.

و ما سلم إلا سيف الدولة على ظهر فرسه، و عرفوه فطلبوه، و لزّوه إلى جبل عظيم، و تحته واد، فخاف أن يأسروه إن وقف أو رجع، فضرب فرسه بالمهماز، و قبله الوادي، لكي يقتل نفسه، و لا يأسروه فوقع الفرس قائما (4).

و خرج سيف الدولة سالما. و سميّت هذه الغزاة غزاة المصيبة (5)، و أخذ

____________

(1)- بوقا حصن إلى الشمال من أنطاكية. معجم البلدان. بغية الطلب ج 1 ص 229.

(2)- محمد بن ناصر الدولة الحمداني. تاريخ يحيى بن سعيد ص 78.

(3)- حصن الجوزات بينه و بين طرسوس ثمانية فراسخ و هو بين البذندون و طرسوس، و هو حصن مذكور موصوف بالقوة. بغية الطلب ج 1 ص 212- 313.

(4)- كانت أسس الاستراتيجية البيزنطية في حروب الامبراطورية مع سيف الدولة هي السماح له بقطع الممرات الصعبة في الجبال، و التحرش به في الداخل و اشغاله حتى تتمكن قوات البند من الرجالة من الانتشار بالممرات الجبلية و إقامة كمائن، و في طريق العودة كانت هذه القوات تعمل على حصر قوات سيف الدولة في الممرات و ابادتها، هذا و تمركز في الجبال دوما قوات للانذار البيزنطي استخدمت المرايا العاكسة و النيران و شارات الدخان.

(5)- من المرجح أن تاريخ يحيى بن سعيد هو مصدر ابن العديم، انظر ص 78- 79.

121

له من الآلات، و الأموال، ما لا يحصى حتى أنه ذكر أنه هلك منه من عرض ما كان معه في صحبته خمسة آلاف ورقة بخط أبي عبيد اللّه بن مقلة- (رحمه اللّه)- و كان منقطعا إلى بني حمدان، و كان قد بلغ سيف الدولة إلى سمندو (1) و أحرق صارخة (2) و خرشنة (3).

و منها: أنّ سيف الدولة بنى مرعش في سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة، و أتاه الدمستق بعساكر الروم ليمنعه منها فأوقع به سيف الدولة الوقعة العظيمة المشهورة

أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا* * * و أدبر إذ أقبلت يستبعد القربا

(4).

و منها: أنّ سيف الدولة دخل بلد الروم، في سنة اثنتين و أربعين و ثلاثمائة، و أغار على زبطره‏ (5) و التقاه قسطنطين بن بردس و الدّمستق على درب موزار (6) و قتل من الفريقين خلق. ثمّ تم سيف الدولة إلى الفرات، و عبره، و قصد بطن هنزيط (7)، و دخل سيف الدولة سميساط (8)، فخرج الدمستق إلى‏

____________

(1)- سمندو: بلد في وسط بلاد الروم في شمالي طريق مرعش إلى قيصرية. معجم البلدان.

(2)- ذكر ياقوت صارخة و أن سيف الدولة غزاها سنة 339 ه.

(3)- خرشنة بلد قرب ملطية بين سيواس و قيصرية. معجم البلدان.

(4)- أفرد ابن العديم في بغية الطلب بابا لذكر مرعش، و ذكر هذه الوقعة التي قال فيها المتنبي:

أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا* * * و أدبر إذ أقبلت يستبعد القربا

(5)- زبطرة: بلدة قريبة من الحدث، بينها و بين الحدث ثمانية عشر فرسخا. بغية الطلب ج 1 ص 247- 248.

(6)- على مقربة من ملطية. تاريخ يحيى بن سعيد ص 83. معجم البلدان.

(7)- من ثغور الروم، ورد ذكره في شعري المتنبي و أبي فراس. معجم البلدان.

(8)- مدينة صغيرة على الفرات و لها قلعة حصينة. بغية الطلب ج 1 ص 258- 259.

122

ناحية الشام؛ فرجع سيف الدولة، فلحقّه وراء مرعش، فأوقع به، و هزم جيشه، و قتل لاون البطريق في الحرب، و أسر قسطنطين ولد الدمستق، و حمّله الإبريق إلى بيت الماء؛ و كان أمرد، فخرج فوجده قائما يبكي، و لم يزل عنده حتى مات من علة اعتلها (1).

و كان الدمستق استتر في تلك الوقعة في القناة و دخل فترهب، و لبس المسوح؛ ففي ذلك يقول المتنبي:

فلو كان ينجي من «عليّ» ترهب‏* * * ترهّبت الأملاك مثنى و موحدا

(2)

و قال أبو العباس أحمد بن محمّد النامي‏ (3):

لكنّه طلب التّرهّب خيفة* * * ممّن له تتقاصر الأعمار

فمكان قائم سيفه عكّازه‏* * * و مكان ما يتمنطق الزّنّار

____________

(1)- نقل ابن العديم في بغية الطلب ص 2532 عن «تاريخ أبي اسحق ابراهيم بن حبيب السقطي صاحب كتاب الرديف في حوادث سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة في ذكر من توفي فيها قال: و فيها، أو في سنة ثلاث و خمسين مات أبو العشائر الحسين بن علي بن الحسين بن حمدان ببلد الروم في أسره مسموما، و كان السبب في سمه أن ملك الطاغية بلغه أن علي بن حمدان فسق بابن قسطنطين، كان في أسره فأنفذوا من بلد الروم من سمه فهلك، و سمّوا هم أبا العشائر بن حمدان حنقا لما جرى من قتلهم ابن قسطنطين». و جاء في الأعلاق الخطيرة لابن شداد- ط. دمشق 1991 ج 1 ق 2 ص 312 عن ابن أبي طي الحلبي: «أن قسطنطين المأسور كان في غاية الحسن، فبذل أبوه فيه ثمانمائة ألف دينار، و ثلاثة آلاف أسير، فاشتط سيف الدولة، فسير الدمستق إلى عطار كان بحلب، نصرانيا، و أمره أن يسقي ولده سما ففعل فمات، وعدت هذه من غلطات سيف الدولة».

(2)- ديوان المتنبي ص 94.

(3)- أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي، المعروف بالنامي، كان من خواص سيف الدولة، و عدّ بالمرتبة التالية للمتنبي. يتيمة الدهر ج 1 ص 241- 249.

123

و بنى سيف الدولة الحدث‏ (1)، و قصده الدمستق بردس، فاقتتلا سحابة يومهما. و كان النصر للمسلمين، و ذلك في سنة ثلاث و أربعين، و أسر صهر الدمستق على ابنته اعورجرم‏ (2)، بعد أن سلمها أهلها إلى الدمستق.

و منها: أن سيف الدولة غزا سنة خمس و أربعين بطن هنزيط و نزل شاطى‏ء أرسناس‏ (3)، و كبس يانس ابن شمشقيق‏ (4) على تل بطريق‏ (5) فهزمه و فتحها.

و قتل في هذه الوقعة رومانوس بن البلنطس صهر ابن شمشقيق، و أسر ابن قلموط (6)، و انثنى سيف الدولة قافلا إلى درب الخياطين‏ (7)، فوجد عليه‏

____________

(1)- و تعرف بالحدث الحمراء لحمرة أرضها، و هي مدينة كثيرة الماء و الزروع. بغية الطلب ج 1 ص 239.

(2)- في بغية الطلب ج 1 ص 242: «و كان أسر قودس- أي‏Theodose الأعور بطريق سمندو و ابن ابنة الدمستق» انظر أيضا.

. 20- 719PartiI ,PP ، 4Cambridge Medieval History ,Vol

(3)- هو نهر «مرادصو» اليوم، و يعد من فروع الفرات، و قال عنه ياقوت. «نهر ببلاد الروم يوصف ببرودة مائه».

(4)- يوحنا تذمسيس، و كان من أصل أرمني، و هو بالأرمنيةGemezkig و معناه «قصير القامة» أعلن امبراطورا سنة 969 م و استمر حتى سنة 976 م. أوربا العصور الوسطى لعاشور- ط.

القاهرة 1966 ص 423.

(5)- يقع تل بطريق على الطرف الغربي للفرات، بينه و بين الفرات ثلاثة فراسخ. معجم البلدان.

(6)- انظر نخب تاريخية و أدبية جامعة لأخبار الأمير سيف الدولة الحمداني، لموريس كنار- ط.

الجزائر 1934 ص 378.

(7)- حدده كنار ص 116 بأنه قريب من آمد.

124

كذو بن الدمستق فأوقع به و هزمه.

و خلف ابن عمه أبا العشائر الحسين بن عليّ على عمارة عرنداس فقصده ليون بن الدمستق فهزمه، و أسره، و حمله إلى قسطنطينية، فمات بها (1).

و غزا في هذه السنة في جمادى الآخرة مع أهل الثغور و خرب مواضع من بلاد الروم مثل خرشنة و صارخة. و أسر الرست بن البلنطس؛ و أسر لاون بن الاسطراطيغوس، و ابن غذال بطريق مقدونية؛ و هرب الدمستق و بركيل بطريق الخالديات؛ فلما قفل سيف الدولة فكّ قيود الأسارى، و خلع عليهم، و أحسن إليهم‏ (2).

و في جمادى الأولى من سنة ست و أربعين كاتب الروم جماعة من غلمان سيف الدولة بالقبض عليه، و حمله إلى الدمستق عند شخوصه لمحاربته؛ و بذل لهم مالا عظيما على ذلك. فخرج سيف الدولة عن حلب و قد عزموا على ذلك، فصار بعض الفراشين إلى ابن كيغلغ فأخبره بما عزموا عليه؛ فأعلم سيف الدولة، فجمع الأعراب و الدّيلم؛ و قتل منهم مائة و ثمانون غلاما، و قبض على زهاء مائتي غلام، فقطع أيديهم و أرجلهم و ألسنتهم، و هرب بعضهم.

و عاد إلى حلب و قتل من بها من الأسرى، و كانوا زهاء أربعمائة أسير؛

____________

(1)- لأبي العشائر ترجمة جيدة في بغية الطلب ص 2527- 2532، فيها تفاصيل ما أوجز هنا.

(2)- انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 87.

125

و ضيّق على ابن الدمستق، و زاد في قيده، و صيّره في حجرة معه في داره، و أحسن إلى ذلك الفراش، و قلّد ابن كيغلغ أعمالا، و تنكر على سائر غلمانه.

و منها: أن يانس بن شمشقيق خرج إلى ديار بكر، و نزل على حصن اليماني‏ (1). و عرف سيف الدوة خبره، فسيّر إليه نجا الكاسكي في عشرة آلاف فارس، فالتقاه فانهزم نجا، و قتل من أصحابه خمسة آلاف فارس؛ و أسر مقدار ثلاثة آلاف راجل؛ و استولى على سواد نجا كله.

و سار ابن شمشقيق و البراكموس‏ (2) إلى حصن سميساط، و فتحاه؛ ثم سارا إلى رعبان‏ (3)، و حصراها؛ و سار سيف الدولة إليهما، و لقيهما؛ فاستظهر الروم عليه استظهارا كثيرا.

و عاد سيف الدولة منهزما و تبعه الروم و قتلوا، و سبوا من عشيرته و قواده ما يكثر عدده؛ و ذلك في سنة سبع و أربعين و ثلاثمائة (4).

و في هذه السنة قدم ناصر الدولة الحسين بن عبد اللّه بن حمدان‏ (5) أخو

____________

(1)- انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 88. حيث قال: «و نزل على حصن يقال له اليماني من عمل آمد».

(2)-Basile parakimaumene الابن الطبيعي للامبراطور رومانوس الثاني (959- 963 م) و الذي سيكون الامبراطور باسيل الثاني سفاح البلغار [976- 1025 م‏].

(3)- رعبان مدينة صغيرة، قديمة البناء، و لها قلعة حسنة، بينها و بين الحدث سبعة فراسخ. بغية الطلب ج 1 ص 259- 260.

(4)- لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 88- 89.

(5)- لناصر الدولة ترجمة في بغية الطلب ص 2433- 2437.

126

سيف الدولة مستنجدا بأخيه سيف الدولة إلى حلب و معه جميع أولاده عندما قصد معز الدولة الموصل. و تلقاه سيف الدولة على أربع فراسخ من حلب، و لما رآه ترجل له. و أنفق سيف الدولة عليه و على حاشيته؛ و قدم لهم من الثياب الفاخرة و الجوهر ما قيمته ثلاثمائة ألف دينار.

و كان يجلس ناصر الدولة على السرير؛ و يجلس سيف الدولة دونه. و لما دخل دار سيف الدولة و جلس على السرير؛ جاء سيف الدولة لينزع خفه من رجله؛ فمدّهما إليه، فنزعهما بيده. و صعب على سيف الدولة لأنه قدّر أنه إذا خفض له نفسه إلى ذلك رفعه عنه، فلم يفعل ذلك إظهارا لمن حضر أنه و إن ارتفعت حاله، فهو كالولد و التبع. و كان يعامله بأشياء نحو ذلك قبيحة كثيرة فيحتملها على دخن. و تحمل عنه سيف الدولة لمعز الدولة مائتي ألفا من الدراهم حتى انصرف عنه‏ (1).

و في هذه السنة مات قسطنطين بن لاوي‏ (2) ملك الروم، و صيّر نفقور بن الفقّاس دمستقا على حرب المغرب، و أخاه ليون بن الفقاس دمستقا على حرب المشرق؛ فتجهّز ليون إلى نواحي طرسوس‏ (3)، و سبى، و قتل، و فتح‏

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 89- 90. أخبار الدولة الحمدانية لعلي ابن ظافر الأزدي- ط. دمشق 1985 ص 18- 19.

(2)- هو عند يحيى بن سعيد ص 91 «ابن لاون».

(3)- ما تزال طرسوس تحمل الاسم نفسه في تركيه، و كانت أهم مدن الثغور، «بها كان يقوم سوق الجهاد، و ينزلها الصالحون و العبّاد، و يقصدها الغزاة من سائر البلاد». اهتم بها ابن العديم و أودع كتابه بغية الطلب موادا ثمينة عنها ج 1 ص 175- 204.

127

الهارونيّة (1)، و سار إلى ديار بكر.

و توجّه إليه سيف الدولة فرحل الدمستق راجعا إلى الشام؛ و قتل من أهله عددا متوافرا، و أخرب حصونا كثيرة من حصون المسلمين؛ و أسر محمد بن ناصر الدولة.

و منها: غزوة مغارة الكحل‏ (2): غزا سيف الدولة في سنة ثمان و قيل تسع و أربعين و ثلاثمائة بلاد الروم، فقتل، و سبى. و عاد غانما يريد درب مغارة الكحل؛ فوجد ليون بن الفقاس الدّمستق قد سبقه إليه، فتحاربوا؛ فغلب سيف الدولة. و ارتجع الروم ما كان أخذه المسلمون؛ و أخذوا خزانة سيف الدولة و كراعه و قتل فيها خلق كثير.

و أسر أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان و ترك بخرشنة. و أسر علي بن منقذ بن نصر الكناني فلم يؤخذ له خبر. و أسر مطر بن البلدي، و قاضي حلب أبو حصين الرقي، و قتلا. و قيل: إنّ أبا حصين قتل في المعركة فداسه سيف الدولة بحصانه، و قال: «لا رضي اللّه عنك، فإنّك كنت تفتح لي أبواب الظلم». و قيل: إنهم لما أخذوا الطرق على سيف الدولة و ثب به حصانه عشرين ذراعا. و قيل: أربعين؛ فنجا في نفر قليل.

و ولى سيف الدولة، بعد قتل أبي حصين، أحمد بن محمد بن ماثل‏

____________

(1)- الهارونية حصن صغير غربي جبل اللكام، بناه هارون الرشيد. بغية الطلب ج 1 ص 219.

(2)- في تاريخ يحيى بن سعيد ص 94 «مغارة الكجك» و يستدل من روايته أن هذا الموقع كان على مقربة من المصيصة.

128

قضاء حلب، و كان قد عزله بأبي حصين حين ملك. و ذلك أنه لما قدم حلب خرج للقائه أبو طاهر بن ماثل فترجل له أهل حلب، و لم يترجل القاضي لأحد، فأغتاظ سيف الدولة و عزله.

ثم قدم سيف الدولة من بعض غزواته فترجل له ابن ماثل مع الناس.

فقال له: «ما الذي منعك أولا، و حملك ثانيا؟». فقال له: «تلك المرة لقيتك و أنا قاضي المسلمين، و هذه الدفعة لقيتك، و أنا أحد رعاياك». فاستحسن منه ذلك.

فلما قتل أبو حصين أعاده إلى القضاء. و ولّى سيف الدولة أيضا قضاء حلب أبا جعفر أحمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد بن الحلبي المعروف بالجرد، و كان حنفي المذهب.

و نقل الملك رومانوس إلى حرب المشرق نقفور بن الفقاس الدمستق؛ فسار إليه رشيق النسيمي أمير طرسوس في حميّة من المسلمين؛ فبرز إليه نقفور فقاتله؛ و انهزم رشيق و قتل من المسلمين زهاء تسعة آلاف رجل‏ (1).

و عاد نقفور فضايق عين زربه‏ (2) و فتحها بالأمان في ذي القعدة سنة خمسين و ثلاثمائة؛ و هدم سورها فانهزم أهلها إلى طرسوس. و فتح حصن دلوك، و مرعش، و رعبان، في سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة (3).

____________

(1)- لرشيق النسيمي ترجمة غنية بالمعلومات في بغية الطلب ص 3656- 3658.

(2)- مدينة من الثغور الشامية، بينها و بين المصيصة ثمانية عشر ميلا. بغية الطلب ج 1 ص 167.

(3)- لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 96- 97.

129

ثم إنّ نقفور بن الفقاس الدمستق و يانس بن شمشقيق قصدا مدينة حلب في هذه السنة، و سيف الدولة بها، و كانت موافاتهما كالكبسة. و قيل:

إنّ عدة رجاله مائتا ألف فارس، و ثلاثون ألف راجل بالجواشن، و ثلاثون ألف صانع للهدم و تطريق الثلج، و أربعة آلاف بغل عليها حسك حديد يطرحه حول عسكره ليلا.

و لم يشعر سيف الدولة بخبرهم، حتى قربوا منه. فأنفذ إليهم سيف الدولة غلامه «نجا» في جمهور عسكره، بعد أن أشار عليه ثقاته و نصحاؤه بأن لا يفارق عساكره. فأبى عليهم و مضى نجا بالعسكر إلى الأثارب‏ (1). ثم توجه منها داخلا إلى أنطاكية فخالفه عسكر الروم؛ و وصل إلى دلوك؛ و رحل منها إلى تل حامد (2)، ثم إلى تبّل‏ (3).

و اتصل خبره بسيف الدولة فعلم أنه لا يطيقه مع بعد جمهور العسكر عنه، فخرج إلى ظاهر حلب و جمع الحلبيين و قال لهم: «عساكر الروم تصل اليوم، و عسكري قد خالفها؛ و الصواب أن تغلقوا أبواب المدينة، و تحفظوها؛ و أمضي أنا ألتقي عسكري، و أعود إليكم و أكون من ظاهر البلد، و أنتم من باطنه، فلا يكون دون الظفر بالروم شي‏ء».

____________

(1)- تعرف الآن بالأتارب، و هي بلدة و مركز ناحية تتبع منطقة جبل سمعان و تبعد عن حلب 30 كم نحو الجنوب الغربي. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- تل حامد المذكور هنا واقع إلى الجنوب من دلوك. نخب تاريخية لكنار ص 384.

(3)- تبل من قرى عزاز و تبعد عنها 8 كم. انظرها في معجم البلدان.

130

فأبى عامة الحلبيين و غوغاؤهم، و قالوا: «لا تحرمنا أيها الأمير، الجهاد؛ و قد كان فينا من يعجز عن المسير إلى بلد الروم للغزو، و قد قربت علينا المسافة». فلما رأى امتناعهم عليه، قال لهم: «اثبتوا فإنّي معكم».

و كان سيف الدولة على بانقوسا (1)، و وردت عساكر الروم إلى الهزازة (2)، فالتقوا فانهزم الحلبيون، و قتل و أسر منهم جماعة كثيرة و قتل أبو داود بن حمدان، و أبو محمد الفياضي كاتب سيف الدولة (3)، و بشرى الصغير غلام سيف الدولة؛ و كان أسند الحرب ذلك اليوم إليه، و جعله تحت لوائه.

و مات في باب المدينة المعروف بباب اليهود (4) ناس كثير لفرط الزحمة.

و كان سيف الدولة راكبا على فرس له يعرف بالفحّى؛ فانهزم مشرقا حتى بعد عن حلب. ثم انحرف إلى قنّسرين فبات بها.

و أقام الروم على ظاهر البلدة أربعة أيام محاصرين لها، فخرج شيوخ حلب إلى نقفور يسألونه أن يهب لهم البلد، فقال لهم: «تسلّمون إليّ ابن‏

____________

(1)- بانقوسا الآن من أحياء حلب، و قال عنها ياقوت: جبل في ظاهر مدينة حلب.

(2)- الهزازه الآن من أحياء الشمال الغربي من حلب.

(3)- له ترجمة في يتيمة الدهر، حيث قال عنه الثعالبي: أبو محمد عبد اللّه بن عمرو بن محمد الفياض، كاتب سيف الدولة و نديمه، أخذ بطرفي النظم و النثر، و كان سيف الدولة لا يؤثر عليه في السفارة إلى الحضرة أحدا، لحسن عبارته و قوة بيانه، و نفاذه في استغراق الأغراض، و تحصيل المراد. يتيمة الدهر ج 1 ص 117- 119.

(4)- هو الباب الشمالي لمدينة حلب، سمى بذلك لأن محال اليهود كانت من داخله، غيره السلطان الملك الظاهر غازي ابن صلاح الدين، و إثر ذلك «سمي الباب باب النصر، و محي عنه اسم باب اليهود» بغية الطلب ج 1 ص 55.

131

حمدان». فحلفوا أن، ابن حمدان ما هوف البلد. فلما علم أن سيف الدولة غائب عنها طمع فيها و حاصرها.

و قيل: إنّ نقفور خرج إليه شيوخ حلب باستدعاء منه لهم، يوم الاثنين الثاني و العشرين من ذي القعدة من السنة. و كان نزوله على المدينة، يوم السبت العشرين من ذي القعدة. و جرى بينه و بينهم خطاب آخره على أن يؤمنهم، و يحملوا إليه مالا، و يمكّنوا عسكره أن يدخل من باب و يخرج من آخر، و ينصرف عنهم عن مقدرة. فقالوا له: «تمهلنا الليلة حتى نتشاور، و نخرج غدا بالجواب». ففعل، و مضوا، و تحدّثوا، و خرجوا بكرة الثلاثاء إليه، فأجابوه إلى ما طلب. فقال لهم نقفور: «أظنكم قد رتبتم مقاتلتكم في أماكن مختفين بالسلاح حتى إذا دخل من أصحابي من يمكنكم أن تطبقوا عليه و تقتلوه فعلتم ذلك». فحلف له بعضهم من أهل الرأي الضعيف أنه ما بقي بالمدينة من يحمل سلاحا، و فيه بطش، فكشفهم نقفور عند ذلك، فعند ذلك قال لهم: «انصرفوا اليوم و اخرجوا إليّ غدا»؛ فانصرفوا.

و قال نقفور لأصحابه: «قد علمتم أنه ما بقي عندهم من يدفع، فطوفوا الليلة بالأسوار و معكم الآلة، فأي موضع رأيتموه ممكنا فتسوّروا إليه، فانكم تملكون الموضع.

فطافوا، و كتموا أمرهم، و أبصروا أقصر سور فيها مما يلي الميدان بباب قنّسرين، فركبوه، و تجمعوا عليه؛ و كان وقت السحر، و صاحوا، و دخلوا المدينة.

132

و قيل: إنّ أهل حلب قاتلوا من وراء السور، فقتل جماعة من الروم بالحجارة و المقالع؛ و سقطت ثلمة من السور على قوم من أهل حلب فقتلتهم.

و طمع الروم فيها فأكبوا عليها، و دفعهم الحلبيون عنها؛ فلما جهنّم الليل اجتمع عليها المسلمون، فبنوها، فأصبحوا و قد فرغت، فعلوا عليها و كبّروا؛ فبعد الروم عن المدينة إلى جبل جوشن‏ (1).

فمضى رجّالة الشرط و عوام الناس إلى منازل الناس، و خانات التجار، لينهبوها. فاشتغل شيوخ البلد عن حفظ السور، و لحقوا منازلهم. فرأى الروم السور خاليا فتجاسروا، و نصبوا السلالم على السور، و هدموا بعض الأبدان، و دخلوا المدينة من جهة برج الغنم، ليلة الثلاثاء لثمان بقين من ذي القعدة من سنة إحدى و خمسين. و قيل: يوم الثلاثاء آخر ذي القعدة، في السحر.

و أخذ الدمستق منها خلقا من النساء و الأطفال؛ و قتل معظم الرجال، و لم يسلم منه إلا من اعتصم بالقلعة من العلويين، و الهاشميين و الكتّاب، و أرباب الأموال. و لم يكن على القلعة يومئذ سور عامر فإنها كانت.

قد تهدّمت، و بقي رسومها. فجعل المسلمون الأكف‏ (2) و البراذع بين أيديهم.

و كانت بها جماعة من الديلم الذين ينسب إليهم درب الدّيلم‏ (3)

____________

(1)- جبل جوشن في ظاهر حلب غربيها.

(2)- جمع أكاف، أي البراذع.

(3)- على مقربة من باب الجامع الشرقي. الأعلاق الخطيرة ج 1، ق 1، ص 344.

133

بحلب، فزحف إليها ابن أخت الملك، فرماه ديلميّ فقتله فطلبه من الناس فرموه برأسه، فقتل عند ذلك من الأسرى اثني عشر ألف أسير. و قيل أكثر من ذلك، و قيل أقلّ؛ و اللّه أعلم.

و أقام نقفور بحلب ثمانية أيام ينهب، و يقتل، و يسبي باطنا و ظاهرا.

و قيل: إنّه أخرب القصر الذي أنشأه سيف الدولة بالحلبة، و تناهى في حسنه، و عمل له أسوارا، و أجرى نهر قويق فيه من تحت الخناقية (1)، يمر من الموضع المعروف بالسقايات حتى يدخل في القصر من جانب، و يخرج من آخر، فيصب في المكان المعروف بالفيض‏ (2)، و بنى حوله اصطبلا و مساكن لحاشيته.

و قيل: إنّ ملك الروم وجد فيه لسيف الدولة ثلاثمائة و تسعين بدرة دراهم؛ و وجد له ألفا و أربعمائة بغل، فأخذها. و وجد له من خزائن السلاح ما لا يحصى كثرة فقبض جميعها، و أحرق الدار فلم تعمر بعد ذلك؛ و آثارها إلى اليوم ظاهرة.

و يقال: إنّ سيف الدولة رأى في المنام أنّ حيّة قد تطوقت على داره فعظم عليه ذلك، فقال له بعض المفسرين: الحيّة في النوم ماء. فأمر بحفر يحفر بين داره و بين قويق، حتى أدار الماء حول الدار.

و كان في حمص رجل ضرير من أهل العلم يفسر المنامات، فدخل على‏

____________

(1)- من منتزهات حلب، و سلفت الاشارة إلى تحديد مكان قصر سيف الدولة في أنه حيث مركز انطلاق السفريات إلى المحافظات.

(2)- من منتزهات حلب. تاريخ حلب لابن الشحنه- ط. طوكيو 1990 ص 245.

134

سيف الدولة فقال له كلاما معناه: أنّ الروم تحتوي على دارك. فأمر به فدفع، و أخرج بعنف. و قضى اللّه سبحانه أنّ الروم خرجوا، ففتحوا حلب، و استولوا على دار سيف الدولة، فذكر معبّر المنام أنه دخل على سيف الدولة بعد ما كان من أمر الروم، فقال له: ما كان من أمر ذلك المنام الملعّن؟.

و كان المعتصمون بالقلعة و الروم بالمدينة تحت السماء ليس لهم ما يظلهم من الهواء و المطر، و يتسلّلون في الليل إلى منازلهم فإن وجدوا شيئامن قوت أو غيره أخذوه و انصرفوا.

ثم ان نقفور أحرق المسجد الجامع و أكثر الأسواق، و الدار التي لسيف الدولة، و أكثر دور المدينة. و خرج منها سائرا إلى القسطنطينية بعد أن ضرب أعناق الأسارى من الرجال، حين قتل ابن أخت الملك؛ و كانوا ألفا و مائتي رجل‏ (1).

و سار بما معه و لم يعرض لسواد حلب و القرى التي حولها. و قال: «هذا البلد قد صار لنا، فلا تقصروا في عمارته؛ فإنّا بعد قليل نعود إليكم».

و كان عدة من سبى من الصبيان و الصبايا بضعة عشر ألف صبي و صبية؛ و أخذهم معه.

و قيل: إنّ جامع حلب كان يضاهي جامع دمشق في الزخرفة و الرخام و الفسيفساء- و هي الفص المذهب- إلى أن أحرقه الدمستق- لعنه اللّه- و إنّ‏

____________

(1)- تاريخ يحيى بن سعيد ص 97- 99.

135

سليمان بن عبد الملك اعتنى به كما اعتنى أخوه الوليد بجامع دمشق‏ (1).

و سار الدمستق عنها، يوم الأربعاء مستهل ذي الحجة من سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة.

و اختلف في السبب الذي أوجب رحيل نقفور عن حلب، فقيل: إنه ورد إليه الخبر أن رومانوس الملك وقع من ظهر فرسه في الصيد بالقسطنطينية، و انهم يطلبونه ليملكوه عليهم.

و قيل: سبب رحيله أن نجا عاد بجمهور العسكر إلى الأمير سيف الدولة فاجتمع به. و جعل يواصل الغارات على عسكر الروم، و تبلغ غاراته إلى السعدي‏ (2)؛ و أنه أخذ جماعة من متعلفة الروم. و استنجد سيف الدولة بأهل الشام، فسار نحوه ظالم بن السلال العقيلي‏ (3) في أهل دمشق؛ و كان يليها من قبل الإخشيذية. فكان ذلك سببا لرحيله عن حلب.

و كان هذا نقفور بن الفقاس الدمستق، قد دوّخ بلاد الإسلام، و انتزع من أيدي المسلمين جملة من المدن، و الحصون، و المعاقل؛ فانتزع الهارونية،

____________

(1)- نقل ابن شداد في الأعلاق الخطيرة ج 1 ق 1 ص 103- 105 عن ابن العديم وصف المسجد الجامع في حلب.

(2)- من منتزهات حلب. ابن الشحنة ص 245.

(3)- يرجح أن المشار إليه هنا هو ظالم بن موهوب العقيلي الذي ولي دمشق للفاطمين سنة 360 ه، حيث يبدو أنه عمل من قبل مع الاخشيذية ثم تعاون مع القرامطة. انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي- تحقيقي- ط. دمشق 1983 ص 9.

136

و عين زربه- كما ذكرناه- و كذلك دلوك، و أذنة (1)، و غير ذلك من الثغور.

و نزل على أذنه في ذي الحجة من سنة اثنتين و خمسين، و لقيه نفير طرسوس فهزمهم و قتل منهم مقدار أربعة آلاف، و انهزم الباقون إلى تلّ بالقرب من أذنة؛ فأحاط الروم بهم و قاتلوهم و قتلوهم بأسرهم.

و هرب أهل أذنة إلى المصّيصة (2) و حاصرها نقفور مدة فلم يقدر عليها بعد أن نقب في سورها نقوبا عدة. و قلت الميرة عندهم فانصرف، بعد أن أحرق ما حولها.

و ورد في هذا الوقت إلى حلب انسان من أهل خراسان و معه عسكر لغزو الروم؛ فاتفق مع سيف الدولة على أن يقصدا نقفور و كان سيف الدولة عليلا فحمل في قبّة؛ فألفياه و قد رحل عن المصّيصة.

و تفرقت جموع الخراساني لشدة الغلاء في هذه السنة بحلب و الثغور؛ و عظم الغلاء و الوباء في المصيصة و طرسوس حتى أكلوا الميتة.

و عاد نقفور إلى المصيصة و فتحها بالسيف في رجب سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة. و فتح أيضا كفربيّا في هذه السنة و مرعش. و فتح طرسوس من أيدي المسلمين في شعبان سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة (3).

____________

(1)- هي أضنه الحالية في تركيا، أفرد لها ابن العديم بابا في كتابه بغية الطلب ج 1 ص 169- 171.

(2)- من مدن الثغور، تشتمل على مدينتين بينهما نهر جيجان: مدينة المصيصة من الجانب الغربي من النهر، و مدينة كفربيا من الجانب الشرقي. بغية الطلب ج 1 ص 153- 161.

(3)- المادة التي رواها ابن العديم عن سقوط طرسوس و ثائقية آخرها: «أن نقفور لما صالح أهل‏

137

و كان المسلمون يخرجون في كل سنة و يزرعون الزرع فيأتي بعساكره فيفسده.

فضعفت، و تخلّى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها؛ و كان فيها فيما ذكر أربعون ألف فارس، و في عتبة بابها أثر الأسنّة إلى اليوم. فلما رأى أهلها ذلك راسلوا نقفور المذكور، فوصل إليهم، و أجابوه إلى التسليم. و قال لهم:

«إنّ كافورا الخادم قد أرسل إليكم غلة عظيمة في المراكب، فان اخترتم أن تأخذوها و أنصرف عنكم، في هذه السنة، فعلت». فقالوا: لا. و اشترطوا عليه أن يأخذوا أموالهم. فأجابهم إلى ذلك إلا السلاح.

و نصب رمحين جعل على أحدهما مصحفا، و على الآخر صليبا. ثم قال لهم: «من اختار بلد الاسلام فليقف تحت المصحف؛ و من اختار بلد النصرانية فليقف تحت الصليب». فخرج المسلمون فحزروا بمائة ألف ما بين رجل و أمرأة و صبي؛ و انحازوا إلى أنطاكية.

و دخل نقفور إلى طرسوس، و صعد منبرها، و قال لمن حوله: «أين أنا؟» فقالوا: «على منبر طرسوس» فقال: «لا؛ و لكنّي على منبر بيت المقدس؛ و هذه كانت تمنعكم من ذلك».

____________

- طرسوس، و خرجوا منها و تسلمها صعد على منبرها و قال: يا معشر الروم أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس، فقال: لا بل أنا على منبر بيت المقدس، و هذه البلدة التي كانت تمنعكم من بيت المقدس» و جعلت الروح الدينية المتعصبة التي أظهرتها حملات نقفور و الذين تقدموه المؤرخين يطلقون عليها اسم صليبية القرن العاشر. بغية الطلب ج 1 ص 194- 197.

138

و استولى بعد موت سيف الدولة في سنة سبع و خمسين على كفر طاب، و شيزر، و حماة، و عرقة (1)، و جبلة، و معرّة النعمان، و معرة مصرين، و تيزين‏ (2)، ثم فتح أنطاكية في سنة ثمان و خمسين؛ على ما نذكره بعد- إن شاء اللّه تعالى.

و صارت وقعاته للروم و النصارى كالنزه و الأعياد. و حكم في البلاد حكم ملوك الروم. و لما رجع عن حلب سار إلى القسطنطينية مغذا، فدخلها في صفر سنة اثنتين و خمسين و ثلاثمائة؛ فوجد رومانوس قد مات و جلس في الملك ولداه باسيل و قسطنطين و هما صبيان و والدتهما «تفانو» (3) تدبرهما.

فلما وصل نقفور سلّموا الأمر إليه فدبّرهما مدة. ثم رأى أنّ استيلاءه على الملك أصوب، و أبلغ في الهيبة فلبس الخف الأحمر، و دعا لنفسه بالملك، و تحدّث مع البطريرك في ذلك، فأشار عليه أن يتزوج تفانو أم الصبيّين، و أن يكون مشاركا لهما في الملك؛ فاتقوا على ذلك و ألبسوه التاج.

ثم خافت على ولديها منه؛ فأعملت الحيلة، و رتّبت مع يانس بن شمشقيق أن تتزوج به. وبات نقفور في البلاط في موضعه الذي جرت عادته به. فلما ثقل في نومه أدخلت يانس و معه جماعة، و شكلت رجل نقفور. فلما

____________

(1)- عرقة: بلدة في شرقي طرابلس بينهما أربعة فراسخ. معجم البلدان.

(2)- تيزين الآن خربة أثرية في جبل باريشا تتبع منطقة حارم، محافظة أدلب، تشرف على سهل العمق، مهجورة منذ قرون طويلة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(3)- أرخ لهذه الأحداث و ما تلاها المؤرخ البيزنطي ميخائيل بزللوس‏Michael Psellus الذي ترجم كتابه إلى الانكليزية و طبع تحت عنوان «أربعة عشر حاكم بيزنطي» لندن 1966.

139

دخل يانس قام نقفور من نومه ليأخذ السيف فلم يستطع فقتله. و لم يتزوّج بها يانس خوفا منها.

و نعود إلى بقية أخبار سيف الدولة:

فإنه لما رحل الروم عن حلب، عاد إليها و دخلها في ذي الحجة سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة. و عمر ما خرب منها؛ و جدّد عمارة المسجد الجامع؛ و أقام سيف الدولة إلى سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة.

و سار إلى ديار بكر بالبطارقة الذين كانوا في أسره ليفادي بهم؛ و أخذهم نجا، و سار إلى ميافارقين فاستولى عليها.

فلما وصل سيف الدولة قال: «أروني نجا»؛ فأروه أيّاه على برج، فوقف تحته، و قال: «يانجا» فقال: «لبيك يا مولانا» فقال: «انزل». فنزل في الوقت، و خدمه على رسمه، و خلع عليه، و سلم إليه البلد و البطارقة. و قتل نجا، قتله غلام لسيف الدولة اسمه قبجاج بحضرته؛ و كان سيف الدولة عليلا، فأمر به فقتل قبجاج في الحال.

و سار سيف الدولة بالبطارقة إلى الفداء، ففدى بهم أبا فراس ابن عمه، و جماعة من أهله، و غلامه «رقطاش»، و من كان بقي من شيوخ الحمصيين و الحلبيين. و لما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى بقية المسلمين من العدوّ كل رجل باثنين و سبعين دينارا؛ حتى نفد ما كان معه من المال. فاشترى الباقين و رهن عليهم بدنته الجوهر المعدومة المثل و كاتبه أبا

140

القاسم الحسين بن علي المغربي جد الوزير (1)، و بقي في أيدي الروم إلى أن مات سيف الدولة، فحمل بقية المال و خلّص ابن المغربي.

و لما توجّه سيف الدولة إلى الفداء ولّى في حلب غلامه و حاجبه قرغويه الحاجب في سنة أربع و خمسين، فخرج على أعمال سيف الدولة مروان العقيلي، و كان من مستأمنة القرامطة.

و كان مروان مع سيف الدولة حين توجّه إلى آمد. و أقام سيف الدولة بكل ما يحتاج إليه عسكره، و أنفذ إليه ملك الروم هدية سنيّة، فقتل مروان القرمطيّ رجلا من أصحاب الرسول، فتلافى سيف الدولة ذلك؛ و سيّر إلى ملك الروم هديّة سنيّة؛ و أفرد دية المقتول؛ و اعتذر أن مروان فعل ذلك على سكر، فرد الهدية و التمس إيفاد القاتل، ليقيده به أو يصفح عنه؛ فلم يفعل؛ و انتقضت الهدنة؛ و كان ذلك في سنة ثمان و ثلاثين و ثلاثمائة. و ولّى بعد ذلك مروان السواحل.

فلما توجّه سيف الدولة إلى الفداء سار إلى ناحية حلب، فأنفذ إليه قرغويه غلاما له اسمه بدر فالتقيا غربي كفر طاب؛ فأخذه مروان أسيرا؛ و قتله صبرا؛ و كسر العسكر و ملك حلب. و كتب إلى سيف الدولة بأنه من قبله، فسكن إلى ذلك، و أخذ مروان في ظلم الناس بحلب، و مصادرتهم.

فلم تطل مدته؛ و توفي سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة، من ضربة ضربه بها بدر

____________

(1)- ترجم ابن العديم للحسين بن علي بن محمد المغربي، و رجح أنه توفي في حياة سيف الدولة، و أن ابنه علي حل محله. بغية الطلب 2532، 2702- 2706.

141

حين التقيا بلتّ‏ (1) في وجهه. و عاد الحاجب قرغويه إلى خلافة سيف الدولة.

و كان بأنطاكية رجل يقال له الحسن بن الأهوازي يضمن المستغلات لسيف الدولة، فاجتمع برجل من وجوه أهل الثغر يقال له رشيق النسيمي- و كان من القواد المقيمين بطرسوس- فاندفع إلى أنطاكية حين أخذ الروم طرسوس، و تولى تدبير رشيق و أطمعه في أن سيف الدولة لا يعود إلى الشام.

فطمع و اتفق مع ملك الروم على أن يكون في حيزه، و يحمل إليه عن أنطاكية في كل سنة ستمائة ألف درهم.

و كان بأنطاكية من قبل سيف الدولة تنج‏ (2) اليمكي أو الثملي؛ فسار رشيق‏ (3) نحوه، فوثب أهل أنطاكية على تنج؛ فأخرجوه؛ و سلموا البلد إلى رشيق. فأطمع ابن الأهوازي رشيقا بملك حلب، لعلمه بضعف سيف الدولة، و اشتغاله بالفداء. و عمل له ابن الأهوازي كتابا ذكر أنه من الخليفة ببغداد، بتقليده أعمال سيف الدولة، فقرى‏ء على منبر أنطاكية.

و اجتمع لابن الأهوازي جملة من مال المستغلّ، و طالب قوما بودائع ذكر أنها عندهم، و استخدم بتلك الأموال فرسانا و رجالة؛ و استأمن إليه دزبر بن أونيم الديلمي‏ (4) و جماعة من الديلم الذين كانوا مع الحاجب قرغويه بحلب.

____________

(1)- اللتب بالفارسية: عمود، مطرقة، هراوة، فأس.

(2)- هو في تاريخ يحيى بن سعيد «فتح» ص 108.

(3)- لرشيق ترجمة مفيدة المعلومات في بغية الطلب ص 3656- 3658.

(4)- لدزبر بن أونيم ترجمة غنية في بغية الطلب ص 3495- 3496.

142

فحصل مع رشيق نحو خمسة آلاف رجل، فسيّر إليه الحاجب غلامه يمن في عسكر. فخرج إليه رشيق من أنطاكية، و التقوا بأرتاح‏ (1)؛ فاستأمن يمن إلى رشيق؛ و مضى عسكره إلى حلب، و توجّه رشيق إلى حلب، و نازل حلب، و زحف على باب اليهود، فخرج إليه بشارة الخادم في جماعة؛ فقاتل إلى الظهر؛ و انهزم بشارة و دخل من باب اليهود؛ و دخلت خيل رشيق خلفه.

و استولى رشيق على المدينة في اليوم الأول من ذي القعدة سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة. و نادوا بالأمان للرعية؛ و قرأوا كتابا مختلقا عن الخليفة بتقليد رشيق أعمال سيف الدولة؛ و أقام رشيق يقاتل القلعة ثلاثة أشهر و عشرة أيام. و فتح باب الفرج‏ (2)؛ و نزل غلمان الحاجب من القلعة فحملوا على أصحاب رشيق، فهزموهم، و أخرجوهم من المدينة. فركب رشيق و دخل من باب أنطاكية، فبلغ إلى القلانسيين؛ و خرج من باب قنّسرين، و مضى إلى باب العراق. فنزل غلمان الحاجب، و خرجوا من باب الفرج و هو الباب الصغير.

و وقع القتال بينهم و بين أصحاب رشيق، فطعن ابن يزيد الشيباني‏ (3)

____________

(1)- أرتاح: حصن منيع كان من العواصم من أعمال حلب. معجم البلدان.

(2)- قال ابن العديم: «و كان لحلب باب يقال له باب الفرج إلى جانب حمام القصر، كان إلى جانبه القصر المشهور الذي يلي قلعة حلب، فخربه الملك الظاهر» بغية الطلب ج 1 ص 57.

(3)- هو في بغية الطلب ص 3657 «أبو يزيد الشيباني» «و قيل إن أبا يزيد طعن رشيقا فوقع إلى الأرض، و ضربه حسنش الديلمي و احتز رأسه عبد اللّه التغلبي».

143

رشيقا فرماه؛ و كان ممن استأمن من عسكر سيف الدولة إلى رشيق؛ و أخذ رأسه، و مضى به إلى الحاجب قرغويه، و عاد الحاجب إلى حالته في خلافة الأمير سيف الدولة.

و عاد عسكر رشيق إلى أنطاكية فرأسوا عليهم دزبر بن أونيم الديلمي، و عقدوا له الإمارة، و استوزر أبا علي بن الأهوازي، و قبل كل من وصل إليه من العرب و العجم.

و سار إليه الحاجب قرغويه إلى أنطاكية، فأوقع به دزبر، و نهب سواده، و انهزم قرغويه و قد استأمن أكثر أصحابه إلى دزبر، فتحصّن بقلعة حلب، و تبعه دزبر فملكها في جمادى الأولى من سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة.

و أقام بها و ابن الأهوازي بعسكره في حاضر قنّسرين، و جمع إليه بني كلاب، وجبى الخراج من بلد حلب و حمص؛ و فوّض إلى القضاة، و الولاة، و الشيوخ، و العمال الأعمال و الولايات.

و جاء سيف الدولة فدخل حلب و عسكره ضعيف فبات بها و خرج إلى دزبر و ابن الأهوازي. و كان سيف الدولة قد فلج و بطل شقه الأيسر فالتقوا شرقي حلب ب «سبعين» (1).

فغدرت بنو كلاب بدزبر و ابن الأهوازي حين نظروا إلى سيف الدولة؛

____________

(1)- اسمها الآن تل سبعين، و هي قريبة من سبخة الجبول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري. و انظر أيضا بغية الطلب ص 1956- 1957.

144

و استأمنوا إليه، فآمنهم؛ و وضع السيف في عسكر دزبر وضع محنق مغيظ؛ فقتل جمعا كثيرا، و أسر خلقا، فقتلهم صبرا. و كان فيهم جماعة ممن اشتراه بماله من الروم، فسبقوه إلى الشام، و قبضوا الرزق من ابن الأهوازي، و جعلوا يقاتلونه، فما أبقى على أحد منهم. و حصل دزبر و ابن الأهوازي في أسره. فأما دزبر فقتله ليومه؛ و أما ابن الأهوازي فاستبقاه أياما ثم قتله.

ثم إنّ سيف الدولة قويت علّته بالفالج، و كان بشيزر، فوصل إلى حلب فأقام بها يومين أو ثلاثة. و توفي يوم الجمعة العاشر من صفر من سنة ست و خمسين و ثلاثمائة (1). و قيل: توفي بعسر البول و حمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها في تربته.

و كان على قضاء حلب إذ ذاك- في غالب ظني- أبو جعفر أحمد بن اسحاق بن محمد بن يزيد الحنفي، بعد أحمد بن محمد بن ماثل.

و ينسب إلى سيف الدولة أشعار كثيرة، لا يصح منها له غير بيتين، ذكر أبو القاسم الحسين بن علي المغربي كاتبه- و هو جدّ الوزير أبي القاسم المغربي- أنهما لسيف الدولة. و لم يعرف له غيرهما. و كتب بهما إلى أخيه ناصر الدولة و قد مدّ يده إلى شي‏ء من بلاده المجاورة له، من ديار بكر، و كانت في يد أخيه:

لست أجفو و إن جفيت و لا أت* * * رك حقا عليّ في كل حال‏

____________

(1)- بهامش الأصل: وفات سيف الدولة سنة 356، 956.

145

إنمّا أنت والد و الأب الجفا* * * في يجازى بالصبر و الإحتمال‏

و وزر لسيف الدولة أبو اسحاق القراريطي‏ (1)؛ ثم صرفه و ولى وزارته أبا عبد اللّه محمد بن سليمان بن فهد؛ ثم غلب على أمره أبو الحسين علي بن الحسين المغربي أبو الوزير أبي القاسم و وزر له.

____________

(1)- هو محمد بن أحمد بن ابراهيم الاسكافي الكاتب، وزر لمحمد بن رائق، ثم وزر للمتقي للّه مرتين، و صودر، و صار إلى الشام، و كتب لسيف الدولة، و كان ظلوما غشوما، عاش ستا و سبعين سنة» و توفي سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة. العبر للذهبي- ط. الكويت 1984 ج 2 ص 315.

146

[عهد سعد الدولة] (1)

و قام بالأمر بحلب الحاجب قرغويه غلام سيف الدولة، من قبل ابن سيف الدولة؛ فبقي بها إلى أن مضى غلمان سيف الدولة إلى ميّافارقين، فأحضروا ابنه: سعد الدولة أبا المعالي شريف بن علي بن عبد اللّه بن حمدان، و كان مع والدته أم الحسن ابنة أبي العلاء سعيد بن حمدان بها.

فدخل حلب، يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل، من سنة ست و خمسين و ثلاثمائة؛ و زيّنت له المدينة؛ و عقدت له القباب؛ و جلس على سرير أبيه، و جلس الحاجب قرغويه على كرسيّ، و المدّبر لدولته وزيره أبو اسحاق محمد بن عبد اللّه بن شهرام كاتب أبيه.

و قبض أبو تغلب بن ناصر الدولة بن عبد اللّه بن حمدان على أبيه ناصر الدولة، في هذه السنة (2)؛ فامتعض حمدان بن ناصر الدولة لذلك و عصى على‏

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- اعتقله بقلعة الموصل حتى توفي «يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة» و قد تجاوز الثمانين. بغية الطلب من 2436- 2437.

147

أخيه بالرقة و الرّحبة (1).

فسار أبو تغلب إليه إلى الرقة، و حصره فيها إلى أن صالحه على أن يقتصر على الرّحبة، و يسلم إليه الرّقة و الرافقة. و كتب لأبي تغلب توقيع بتقليده أعمال ناصر الدّولة و سيف الدّولة من المطيع، و هو بالرّقة.

و كان قرغويه قد جاء إلى خدمته، و هو يحاصر أخاه؛ فلما صالح أخاه قدم حلب جريدة، وزار ابن عمه سعد الدولة، و عاد إلى الموصل.

____________

(1)- لم تكن هذه محاولة التمرد الوحيدة في صفوف الحمدانيين فقد روى المقريزي في ترجمته لبشارة الاخشيدي مايلي:

«فلما مات سيف الدولة بن حمدان بحلب سار بتابوته إلى ديار بكر بشارة الخادم، و تقي، في جمادى الأولى سنة ست و خمسين و ثلاثمائة، و كان بينهما منافرة، فأذاع تقي عن بشارة أنه كاتب حمدان بن ناصر الدولة، و كان قد غلب على الرقة عند وفاة عمه سيف الدولة، و حثه على أخذ حلب، و كتب تقي إلى قرغويه القائم بضبط حلب نيابه عن سعد الدولة أبي المعالي شريف ابن سيف الدولة، فقبض قرغويه على أسباب بشارة بحلب.

فلما بلغ ذلك بشارة داخل تقي و وانسه، فأنس به، و صفي بنيته له، و أطلعه على أنه يريد ديار بكر ليعمل على أبي المعالي شريف ابن مولاه، و يقبض عليه، و يملك التدبير، و ضمن لبشارة أنه يسلم له ميافارقين، فأظهر له بشارة القبول، و سار بمسيره إلى قريب من ميافارقين، فكتب بشارة مع من يثق به إلى أبي المعالي يحذره الخروج إلى لقاء تابوت أبيه، و يعرفه ما عزم عليه تقي.

فلما قرب تقي كتب إليه بخبر التابوت و أن يخرج لتلقيه، فأظهر أبو المعالي علة و امتنع عن الركوب، و أخرج كل من في البلد لتلقيه، و ضرب تقي مضاربه و لم يدخل المدينة، و وكل بأبوابها الرجال، فطلع بشارة على السور، و غلق الأبواب، و خاطب أصحابه عن الأمير أبي المعالي بكل جميل، فانقلبوا عن تقي، و بطل مادبره، و سلمه إلى بشارة فقتله». الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية- ط. دمشق 1995 ج 1 ص 300.

148

و أقام سعد الدولة إلى أن تجدّد بينه و بين ابن عمه أبي فراس الحارث بن سعيد بن حمدان- و هو خاله- وحشة و كان بحمص.

فتوجّه سعد الدولة إليه، فانحاز إلى «صدد» (1)، و نزل سعد الدولة بسلمية، و جمع بني كلاب و غيرهم.

و قدّم الحاجب قرغويه و بني كلاب على مقدّمته، مع قطعة من غلمان أبيه، فتقدّموا إلى صدد. فخرج إليهم أبو فراس و ناوشهم، و استأمن أصحابه؛ و اختلط أبو فراس بمن استأمن، فأمر قرغويه بعض غلمانه بالتّركية بقتله، فضربه بلت مضرّس، فسقط؛ و نزل فاحتز رأسه؛ و حمله إلى سعد الدولة.

و بقيت جثته مطروحة بالبرية، حتى كفّنه رجل من الأعراب، و ذلك في شهر ربيع من سنة سبع و خمسين و ثلاثمائة. و لطمت أمّه سخيّة حتى قلعت عينها عليه؛ و كانت أم ولد.

و خرج في هذه السّنة فاثور (2) للرّوم في خمسة آلآف فارس و راجل؛ فصار إلى نواحي حلب؛ فواقعه قرغويه بعسكر حلب، فأسر قرغويه، ثم أفلت، و انهزم أصحابه؛ و أسر الرّوم جماعة من غلمان سيف الدّولة.

ثم إنّ نقفور ملك الروم خرج إلى معرة النّعمان ففتحها، و أخرب‏

____________

(1)- صدد الآن مركز ناحية تتبع حمص و تبعد عنها 60 كم باتجاه الجنوب الشرقي، تكثر فيها الكنائس الأثرية، في وسطها تل أثري. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- الفاثور: الجماعة في الثغر يذهبون خلف العدو في الطلب. القاموس.

149

جامعها و أكثر دورها؛ و كذلك فعل بمعرّة مصرين؛ و لكنه أمّن أهلها من القتل، و كانوا ألفا و مائتي نفس، و أسرهم، و سيّرهم إلى بلد الروم.

و سار إلى كفرطاب و شيزر، و أحرق جامعها؛ ثم إلى حماة ففعل كذلك؛ ثم إلى حمص، و أسر من كان صار إلى تلك الناحية من الجفلة.

و وصل إلى عرقة ففتحها و أسر أهلها؛ ثم نفذ إلى طرابلس و كان أهلها قد أحرقوا ربضها، فانصرف إلى جبلة ففتحها؛ و منها إلى اللاذقيّة؛ فانحدر إليه أبو الحسين علي بن إبراهيم بن يوسف الفصيص. فوافقه على رهائن تدفع إليه منها، و انتسب له فعرف نقفور سلفه، و جعله سردغوس‏ (1). و سلّم أهل اللاذقية.

و انتهى إلى أنطاكية، و في يده من السبي مائة ألف رأس، و لم يكن يأخذ إلا الصبيان و الصّبايا و الشباب؛ فأما الكهول و المشايخ و العجائز فمنهم من قتله و منهم من تركه. و قيل بأنه فتح في هذه الخرجة ثمانية عشر منبرا. و أما القرى فلا يحصى عدد ما أخرب منها و أحرق؛ و نزل بالقرب من أنطاكية، فلم يقاتلهم، و لم يراسلهم بشي‏ء.

و بنى حصن بغراس‏ (2) مقابل أنطاكية و رتّب فيه ميخائيل البرجي، و أمر أصحاب الأطراف بطاعته.

____________

(1)- أي ستراتيغوس، و هو الحاكم العسكري للمدينة.

(2)- من أشهر القلاع و أكثرها حصانة، تقع على الطريق المؤدية إلى مضيق بيلان فالاسكندرونه.

بغية الطلب ج 1 ص 151- 152. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

150

و تحدّث الناس أنه يريد أن ينازل أنطاكية طول الشتاء، و ينفذ إلى حلب أيضا من ينازلها. فأشار الحاجب قرغويه على سعد الدولة أن يخرج من حلب، و لا يتحاصر فيها؛ فخرج إلى بالس فسيّر إليه قرغويه، و قال له:

«امض إلى والدتك، فإنّ أهل حلب لا يريدونك، و لا يتركونك تعود إليهم».

و حالف قرغويه أهل حلب على سعد الدّولة؛ و تقرّب إليهم بعمارة القلعة و تحصينها، و عمارة أسوار البلدة و تقويتها؛ فيئس سعد الدولة من حلب؛ و مضى أكثر أصحابه إلى أبي تغلب بن ناصر الدّولة.

و قطع قرغويه الدعاء لسعد الدّولة، فعمل على قصد حرّان و المقام بها؛ فمنعه أهلها منها، و راسلهم، و وعدهم بالجميل فلم يستجيبوا له؛ فسألهم أن يتزوّد منها يومين، فأذنوا له في ذلك. فمضى إلى والدته إلى ميّافارقين، و حرّان شاغرة يدبّرها أهلها، و يخطبون لأبي المعالي سعد الدولة.

و لما قرب أبو المعالي من ميّافارقين بلغ والدته أن غلمانه و كتّابه عملوا على القبض عليها و حملها إلى القلعة، كما فعل أبو تغلب بناصر الدولة؛ فطردت الكتّاب، و أغلقت أبواب المدينة في وجه ابنها ثلاثة أيّام حتى استوثقت منه؛ و فتحت له.

و حين علم ملك الروم بتقوية قرغويه لحلب دخل بلاده.

و أما قرغويه فاستولى على حلب في المحرّم من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة؛ و أمّر غلامّه بكجور؛ و شاركه في الأمر؛ و دعي لهما على المنابر في عمله. و كتب اسم بكجور على السّكة. و كان يخاطب قرغويه بالحاجب، و غلامه بكجور بالأمير.

151

و حصل زهير غلام سيف الدّولة بمعرّة النّعمان، و كان و اليها؛ و انضاف إليه جماعة من غلمان سيف الدّولة. فأقاموا الدّعوة بالمعرّة لسعد الدولة؛ و كاتبوا مولاهم سعد الدولة أبا المعالي و استدعوه إلى الشّام؛ فسار و نزل منبج؛ فاجتمعوا معه. و نزلوا على حلب في شهر رمضان من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة؛ و حاصروا قرغويه و بكجور. و جرت بينهم حروب يطول ذكرها.

و كتب قرغويه إلى الرّوم، فاستدعى بطريقا كان في أطراف بلد الرّوم لنجدته، و هو خادم كان لنقفور و يعرف بالطربازي‏ (1)؛ فسار نحوه، ثم عدل إلى أنطاكية، و ذلك أنّ ملك الروم لما نزل ببوقا، و معه السبي و الغنائم- على ما ذكرناه- توافق هو و أهلها، و كانوا نصارى في أن ينتقلوا إلى أنطاكية، و يظهروا أنّهم إنّما انتقلوا خوفا من الرّوم، حتى إذا حصلوا بها، و صار الرّوم إلى أنطاكية وافقوهم على فتحها. ففعلوا ذلك و وافقوا نصارى أنطاكية، و كاتبوا الطّربازي حين خرج بأن أنطاكية خالية، و ليس بها سلطان.

و كان أهلها من المسلمين قد ضيّعوا سورها، و أهملوا حراستها؛ فجاء الروم إليها مع الطربازي و يانس بن شمشقيق، في أربعين ألفا. فأحاطوا بأنطاكية؛ و أهل بوقا على أعلى السور في جانب منه، فنزلوا و أخلوا السّور، فصعده الرّوم و ملكوا البلد، و ذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان و خمسين.

____________

(1)- هو في تاريخ يحيى بن سعيد ص 135 «بطرس الاصطراطوبودرج»- الستراتيجوس.

152

و دخل الرّوم فأحرقوا و أسروا و كانت ليلة الميلاد. فلمّا طلع الروم على جبلها، جعلوا يأخذون الحارس فيقولون له: «كبّر و هلّل»؛ فمن لم يفعل قتلوه؛ فكان الحرّاس يهلّلون و يكبّرون، و الناس لا يعلمون بما هم فيه، حتّى ملكوا جميع أبرجتها، و صاحوا صيحة واحدة، فمن طلب باب الجنان قتل أو أسر.

و اجتمع جماعة إلى باب البحر فبردوا القفل فسلموا، و خرجوا و بنوا قلعة في جبلها، و جعلوا الجامع صيرة للخنازير (1)؛ ثم ان البطرك جعله بستانا.

ثم إنّ الطّربازي سار إلى حلب، منجدا لقرغويه و بكجور، و أبو المعالي محاصر لهما؛ فانحاز أبو المعالي شريف عن حلب إلى خناصرة، ثم إلى معرّة النّعمان.

فطمع الرّوم بحلب فنازلوها؛ و هجموا المدينة من شماليها، و حصروا القلعة.

فهادنهم قرغويه على حمل الجزية، عن كل صغير و كبير من سكّان المواضع التي وقعت الهدنة عليها، دينار، قيمته ستّة عشر درهما إسلاميّة؛ و أن يحمل إليهم، في كل سنة عن البلاد التي وقعت الهدنة (2) عليها سبعمائة ألف درهم.

____________

(1)- الصيرة: الحظيرة.

(2)- في تاريخ يحيى بن سعيد ص 135: «و ترددت المراسلات بينه و بين أهلها إلى أن تقرر الأمر

153

و البلاد: حمص، و جوسية (1)، و سلمية، و حماة، و شيزر، و كفرطاب، و أفامية، و معرة النّعمان، و حلب و جبل السّمّاق‏ (2)، و معرّة مصرين، و قنّسرين، و الأثارب إلى طرف البلاط (3) الذي يلي الأثارب و هو الرصيف، إلى إرحاب‏ (4)، إلى باسوفان‏ (5)، إلى كيمار (6)، إلى برصايا (7)، إلى المرج الذي هو قريب عزاز؛ و يمين الحدّ كلّه لحلب؛ و الباقي للرّوم.

____________

- على صلح و هدنه مؤبدة، و مال يحمل في كل سنة إلى ملك الروم عن حلب و حمص و جميع أعمالها من المدن و القرى، و هي ثلاثة قناطير ذهب عن حق الأرض، و سبعة قناطير ذهب عن خراج هذه الأعمال، و عن كل رجل حالم دينار واحد في السنة، سوى ذوي العاهات، و أن يكون لملك الروم صاحبا مقيما بحلب يستخرج أعشار الامتعة الواردة إليها من البلاد، و يرفعه إلى الملك».

(1)- اسمها الآن جوسيه الخراب، تقع قرب الحدود اللبنانية، و هي تابعة لمنطقة القصير- محافظة حمص، تبعد عن القصير 11 كم إلى الجنوب. و تبعد عن حمص 38 كم إلى الجنوب الغربي منها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- هو جبل الأربعين الآن.

(3)- الطريق الروماني المرصوف، و يوجد الآن مزرعة في منطقة حارم اسمها البلاط. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(4)- إرحاب قرية في جبل سمعان، تتبع ناحية دارة عزة، و تتصل بها بطريق مزفته طولها 9 كم.

المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(5)- على مقربة من دير سمعان.

(6)- تقع كيمار على بعد 12 كم من باسوفان.

(7)- جبل برصايا: «جبل عال شامخ شمالي عزار، يشرف على بلد عزاز و كورة الأرتيق، و هو من أبهى البقاع منظرا، و أرقها هواء». و اسم هذا الجبل الآن برصة، و يقع على بعد 5 كم شمال مدينة أعزاز، يمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي بطول 5 كم و عرض أقصى 5، 3 كم. بغية الطلب ج 1 ص 437. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

154

و من برصايا يميل إلى الشّرق، و يتصل وادي أبي سليمان إلى فج سنياب‏ (1)، إلى نافوذا، إلى أوانا، إلى تلّ حامد (2)؛ إلى يمين السّاجور، إلى مسيل الماء إلى أن يمضي و يختلط بالفرات.

و شرطوا أن الأمير على المسلمين قرغويه؛ و الأمر بعده لبكجور؛ و بعدهما ينصب ملك الروم أميرا يختاره من سكّان حلب. و ليس للمسلمين أن ينصبوا أحدا، و لا يؤخذ من نصراني جزية في هذه الأعمال، إلا إذا كان له بها مسكن أو ضيعة.

و إن ورد عسكر إسلاميّ يريد غزو الروم منعه قرغويه، و قال له:

«امض من غير بلادنا، و لا تدخل الهدنة». فإن لم يسمع أمير ذلك الجيش قاتله، و منعه؛ و إن عجز عن دفعه كاتب ملك الروم و الطربازي لينفذ إليه من يدفعه.

و متى وقف المسلمون على حال عسكر كبير كتبوا إلى الملك و إلى رئيس العسكر، و أعلموهما به لينظروا في أمرهما.

و إن عزم الملك أو رئيس العسكر على الغزاة إلى بلد الاسلام، تلقّاه‏

____________

(1)- تحدث ابن العديم عن مخارج نهر قويق فقال: «و المخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سنياب» و قال ياقوت: و سألت عن سنياب «بحلب فقالوا: لا نعرف هذا الاسم، انما مخرجه من شناذر، قرية على ستة أميال من دابق». بغية الطلب ج 1 ص 347. معجم البلدان- مادة قويق.

(2)- تل حامد: حصن في ثغور المصيصة، و يرجح أن «حامد» تصحيف «خالد» و تل خالد من القلاع الهامة القريبة من حلب. معجم البلدان.