زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
155

بكجور إلى المكان الذي يؤمر بتلقيه إليه؛ و أن يشيّعه في أعمال الهدنة؛ و لا يهرب من في الضّياع ليبتاع العسكر الرّومي ما يحتاجون إليه، سوى التبن؛ فانه يؤخذ منهم على رسم العساكر بغير شي‏ء.

و يتقدم الأمير بخدمة العساكر الرّوميّة إلى الحدّ؛ فإذا خرجت من الحدّ عاد الأمير إلى عمله؛ و إن غزا الروم غير ملّة الإسلام سار إليه الأمير بعسكره، و غزوا معه كما يأمر.

و أيّ مسلم دخل في دين النصرانيّة فلا سبيل للمسلمين عليه؛ و من دخل من النّصارى في ملّة الإسلام فلا سبيل للرّوم عليه.

و متى هرب عبد مسلم أو نصراني، ذكرا كان أو أنثى، من غير الأعمال المذكورة إليها، لا يستره المسلمون، و يظهرونه، و يعطى صاحبه ثمنه: عن الرّجل ستّة و ثلاثون دينارا؛ و عن المرأة عشرون دينارا رومية؛ و عن الصبيّ و الصبيّة خمسّة عشر دينارا؛ فان لم يكن له ما يشتريه أخذ الأمير من مولاه ثلاثة دنانير؛ و سلّمه إليه. فإن كان الهارب معمدا فليس للمسلمين أن يمسكوه؛ بل يأخذ الأمير حقّه من مولاه؛ و يسلّمه إليه.

و إن سرق سارق من بلاد الرّوم، و أخفى هاربا أنفذه الأمير إلى رئيس العسكر الروميّ ليؤدّبه.

و إن دخل روميّ إلى بلد الإسلام فلا يمنع من حاكى.

و إن دخل من بلد الإسلام جاسوس إلى بلد الروم أخذ، و حبس.

و لا يخرب المسلمون حصنا؛ و لا يحدثوا حصنا؛ فإن خرب شي‏ء

156

أعادوه. و لا يقبل المسلمون أميرا مسلما؛ و لا يكاتبوا أحدا غير الحاجب و بكجور. فإن توفّيا لم يكن لهم أن يقبلوا أميرا من بلاد الإسلام؛ و لا يلتمسوا من المسلمين معونة؛ بل ينصب لهم من يختاره من بلاد الهدنة.

و ينصب لهم الملك بعد وفاة الحاجب و بكجور قاضيا منهم، يجري أحكامهم على رسمهم.

و للرّوم أن يعمروا الكنائس الخربة في هذه الأعمال، و يسافر البطارقة و الأساقفة إليها، و يكرمهم المسلمون.

و إنّ العشر الذي يؤخذ من بلد الرّوم، يجلس عشّار الملك مع عشّار قرغويه و بكجور فمهما كان من التجارة من الذهب، و الفضة، و الديباج الروميّ، و القزّ غير معمول، و الأحجار، و الجوهر، و اللؤلؤ، و السندس عشّره عشّار الملك. و الثياب، و الكتّان، و المزبون‏ (1)، و البهائم، و غير ذلك من التجارات يعشّره عشّار الحاجب و بكجور بعده؛ و بعدّهما يعشّر ذلك كلّه عشّار الملك.

و متى جاءت قافلة من الرّوم، تقصد حلب، يكتب الزروار (2) المقيم في الطرف إلى الأمير؛ و يخبره بذلك لينفذ من يتسلّمها، و يوصلها إلى حلب. و إن‏

____________

(1)- ثوب على تقطيع البيت كالحجلة. القاموس.

(2)- تحدث ابن الحوقل عن المراتب في القسطنطينية فقال: «ثم الدمستق من بعده، ثم البطارقة و هم اثنا عشر رجلا لا ينقصون و لا يزيدون بوجه، و إذا هلك أحدهم قام مقامه من يصلح له، ثم الزراورة و هم كثرة لا يحصون كالقواد اللاحقين بالأمراء، ثم الطرامخة» صورة الأرض-. بيروت، دار مكتب الحياة ص 178.

157

قطع الطريق عليها بعد ذلك، فعلى الأمير أن يعطيهم ما ذهب. و كذلك إن قطع على القافلة أعراب أو مسلمون في بلد الأمير، فعلى الأمير غرامة ذلك.

و حلف على ذلك جماعة من شيوخ البلد مع الحاجب و بكجور؛ و سلم إليهم رهينة من أهل حلب: أبو الحسن بن أبي أسامة؛ و كسرى بن كسور؛ و ابن أخت ابن أبي عيسى، و أخو أبي الحسن الخشّاب، و أبو الحسن بن أبي طالب، و أبو الطّيب الهاشميّ، و أبو الفرج العطّار، و يمن غلام قرغويه. و كان المتوسّط في هذه الهدنة رجل هاشميّ من أهل حلب يقال له طاهر.

و عادت الروم عن حلب؛ و بقي الحاجب قرغويه في ولايتها، و التدبير إليه و إلى غلامه بكجور؛ و ذلك في صفر من سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة.

و أقام سعد الدولة أبو المعالي بمعرّة النّعمان ثلاث سنين؛ و راسله الحاجب و بكجور و مشايخ حلب، في سنة ثمان و خمسين، على أن يؤدي إلى الروم قسطا من مال الهدنة، و كان القيّم بأمر أبي المعالي و عسكره رقطاش غلام سيف الدولة؛ و كان قد نزل إليه من حصن برزويه؛ و حمل إليه غلّة عظيمة و علوفة و طعاما؛ و وسّع على عسكره بعد الضّائقة.

و لم يؤدّ سعد الدولة ما هو مقرّر من مال الهدنة على البلاد التي في يده، فخرج الروم و هجموا حمص على غفلة.

و قيل: إن سعد الدولة استولى على حلب في سنة ثلاث و ستين، و وصله في شهر ربيع الأول رسول العزيز و أبو القاسم أحمد بن إبراهيم الرسي من مصر؛ فأقام الدعوة له بحلب في هذه السنة؛ و أرسل معه إلى مصر في‏

158

جواب الرسالة قاضي حلب؛ و أظنه ابن الخشاب الهاشمي.

و وصل إليه بكجور من حلب و هو بحمص؛ فخلع عليه أبو المعالي؛ و ولاه حلبّ؛ و أقيمت له الدعوة فيها و في سائر عملها؛ فوافق بكجور و غلمان سيف الدولة على القبض على مولاه قرغويه و قصد أبي المعالي، و قلعه من حمص؛ فقبض عليه. و سار أبو المعالي إلى حلب.

و قيل: دام الأمر بحلب مردودا إلى قرغويه و بكجور، فأحبّ الأمير أبو الفوارس بكجور الحاجبيّ الكاسكّي التفرد بالأمر دون مولاه؛ و حدّث نفسه بالقبض عليه، فقبض عليه و غدر به، في ذي الحجة من سنة أربع و ستين و ثلاثمائة. و استولى على حلب، و انفرد بالأمر، و جعل الحاجب محبوسا بقلعة حلب.

و كان سعد الدولة إذ ذاك بحمص، فحين علم بذلك طمع بحلب، فتوجّه إليها و معه بنو كلاب، بعد أن أقطعهم بحمص الاقطاع المعروف بالحمصيّ؛ فنزل بهم على معرّة النعمان، و بها زهير الحمدّاني، و قد استولى عليها، و عصى على مولاه؛ ففتح باب حناك‏ (1)؛ و دخلوا منه فقاتلهم زهير، و أخرجهم. ثم أحرقوا باب حمص؛ فخرج زهير مسلما نفسه بعد أن حلف له كبار الحمدانيّة انّهم لا يمكنوا أبا المعالي منه. فلمّا حصل معه غدر به فتغيّرت‏

____________

(1)- نسبة إلى بلدة اسمها حناك؛ هي الآن خربة أثرية في جبل الزاوية، تابعة لمنطقة معرة النعمان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

159

وجوه الحمدانيّة؛ فأمرهم بنهب الحصن فنهبوا ما فيه؛ و أنفذ زهيرا إلى حصن أفامية؛ فقتل هناك.

و سار أبو المعالي؛ و نزل بهم على باب حلب؛ و حاصرها مدة فاستنجد بكجور بالرّوم؛ و ضمن لهم تسليم حلب و أموالا كثيرة؛ فتخلّوا عنه. و كان نقفور- لعنه اللّه- قد قتل على ما شرحناه.

و جدّ سعد الدولة في حصارها و القتال، فسلم إليه بعض أهل البلد المرتبين في مراكز البلد برج باب الجنان؛ و رميت أبواب الحديد، و فتحها بالسيف فلم يرق فيها دما و أمن أهلها.

و انهزم بكجور إلى القلعة فاستعصى بها، و ذلك في رجب من سنة خمس و ستين و ثلاثمائة.

ثم أقام سعد الدولة يحاصر القلعة مدة حتى نفد ما فيها من القوت؛ فسلّمها بكجور إليه، في شهر ربيع الآخر من سنة سبع و ستين و ثلاثمائة.

و ولّى سعد الدولة بكجور حمص و جندها؛ و كان تقرير أمر بكجور بين سعد الدّولة و بينه، على يد أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي الكاتب، والد الوزير أبي القاسم.

و استقر أمر سعد الدّولة بحلب؛ و جدّد الحلبيون عمارة المسجد الجامع بحلب؛ و زادوا في عمارة الأسوار في سنة سبع و ستين.

و غيّر سعد الدّولة الأذان بحلب؛ و زاد فيه: «حيّ علي خير العمل؛

160

محمّد و عليّ خير البشر». و قيل: إنه فعل ذلك في سنة تسع و ستين و ثلاثمائة، و قيل: سنة ثمان و خمسين.

و سيّر سعد الدّولة في سنة سبع و ستين و ثلاثمائة الشريف أبا الحسن اسماعيل بن النّاصر الحسنيّ يهنى‏ء عضد الدّولة بدخوله مدينة السلام، و انهزام بختيار بين يديه؛ فوجّه إليه بتكنية الطائع؛ و وصلته خلعة منه و لقب بسعد الدولة فلبس الخلعة.

و وصل معها خلع من عضد الدّولة أيضا؛ و خاطبه في كتابه:

«بسيدي، و مولاي، و عدتي» فمدحه أبو الحسن محمّد بن عيسى النّامي بقصيدة أوّلها:

هوى في القلب لا عجه دخيل‏

و كان أبو صالح بن نانا الملقّب بالسّديد قد وزر لسعد الدّولة، فانفصل عنه في سنة إحدى و سبعين؛ و مضى إلى بغداد فاستوزر مكانه أبا الحسن بن المغربي.

و نزل فردس الفقاس الدمستق على حلب، في شهر جمادى الأولى من سنة إحدى و سبعين، و وقع الحرب على باب اليهود في اليوم الثاني من نزوله.

و طالب سعد الدّولة بمال الهدنة، و تردّدت المراسلة بينهما، و استقرّ الأمر على أن يحمل إلى الروم كلّ سنة أربعمائة ألف درهم فضّة، و رحل في اليوم الخامس من وصوله.

161

و في يوم الخميس السّابع عشر من شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة، نزل بردس الدمستق على باب حلب في خمسمائة ألف ما بين فارس و راجل؛ و كان قد ضمن لباسيل و قسطنطين ملكي الروم الأخوين أن يفتتح حلب، و ينقض سورها حجرا حجرا؛ و أنه يحمل سبيها إلى القسطنطينيّة.

و احتفل جمعا و حشد من المجانيق و العرّادات ما لا يحصى كثرة. و أقام بالحدث أيّاما، يرهب الناس، و يهوّل عليهم؛ و سعد الدولة بحلب غير محتفل به.

ثم إنّه أقبل و على مقدمته ملك الجزرية تريثاويل‏ (1)؛ و على ميمنته و ميسرته البطارقه في الحديد السابغ؛ فارتاع النّاس لذلك؛ و بثّ سراياه، و سعد الدّولة قد أمر الغلمان بلبس السلاح؛ فدام على هذا ثلاثة أيام؛ ثم صفّ لقتال البلد؛ و سعد الدولة لا يخرج إليه أحدا حتى استحكم طمعه.

ثم إنّه أمر غلمانه بالخروج إليهم في اليوم السابع، فحملوا حملة لم ير أشد منها؛ و قتلوا فيها ملك الجزرية تريثاويل؛ و كان عمدة عسكرهم؛ فعند ذلك اشتدّ القتال.

و أمر سعد الدولة عسكره بالخروج إليه، فالتقّوا في الميدان فرجع عسكره أقبح رجوع، و عليه الكآبة؛ و سيّر سعد الدّولة جيشه خلفه حتّى بلغت عساكره أنطاكية.

____________

(1)- كتب بهامش الأصل‏Taritaouil .

162

و كان الجيش مع وزيره أبي الحسن عليّ بن الحسين بن المغربي؛ فافتتح في طريقه دير سمعان عنوة بالسيف؛ و خرّب دير سمعان؛ و كان بنية عظيمة و حصنا قويا؛ و قد ذكر ذلك الواسانيّ في بعض شعره.

و قيل: إنّ الدمستق رأى في نومه المسيح، و هو يقول له مهدّدا:

«لا تحاول أخذ هذه المدينة، و فيها ذلك الساجد على الترس». و أشار إلى موضعه في البرج الذي بين باب قنّسرين، و برج الغنم، في المسجد المعروف بمشهد النّور. فلمّا أصبح ملك الرّوم سأل عنه فوجده ابن أبي نمير عبد الرزاق بن عبد السلام العابد الحلبيّ، و كان ذلك سببا لرحيله عن حلب‏ (1).

و قيل: إنّه صالح أهل حلب و رحل.

____________

(1)- قال ابن العديم في بغية الطلب ج 1 ص 461- 462: «هذا مشهد النور إنما سمي بذلك لأنه رئي النور ينزل عليه مرارا، قال: و كان ابن أبي نمير العابد يتعبد فيه، فاتفق أن نزل ملك الروم على حلب محاصرا لها، فجاء الحلبيون إلى ابن أبي نمير العابد، فقالوا: ادع اللّه لنا أيها الشيخ، قال: فسجد على ترس كان عنده، و دعا اللّه تعالى، و سأله دفع العدو عن حلب، فرأى ملك الروم في منامه تلك الليلة قائلا يقول له: ارحل عن هذه البلدة، و إلا هلكت، أتنزل عليها و فيها الساجد على الترس في ذلك البرج، و أشار إلى البرج الذي فيه مشهد النور- و هو بالقرب من باب قنسرين في برج من أسوار حلب، فيما بين برج الغنم و باب قنسرين.

فانتبه ملك الروم، و ذكر المنام لأصحابه، و صالح أهل حلب، و قال: لا أرحل حتى تعلموني من كان الساجد على الترس في ذلك البرج، فكشفوا عنه فوجدوه ابن أبي نمير، و رحل ملك الروم عن حلب ... و هذا ابن أبي نمير هو أبو عبيد اللّه عبد الرزاق بن عبد السلام بن عبد الواحد بن أبي نمير العابد الأسدي».

163

و قيل: هذا كان في نزول أرومانوس على تبّل، سنة إحدى و عشرين و أربعمائة.

و كان ابن أبي نمير من الأولياء الزهّاد و المحدّثين العلماء؛ و توفي بحلب في سنة خمس و عشرين و أربعمائة؛ و قبره بباب قنّسرين.

و يحتمل أن يكون في سنة إحدى و سبعين، حين نزل فردوس على حلب و رحل عنها عن صلح، في سنة اثنتين و سبعين و ثلاثمائة؛ فطلب من العزيز أن يوليه دمشق؛ و كاتب العزيز (1) في إنفاذ عسكر ليأخذ له حلب؛ فأنفذ إليه عسكرا، فنزل على حلب إلى أن نزل الدمستق أنطاكية؛ فخاف أن يكبسه، فرحل عنها.

و لما يئس الدمستق من حلب، و خاف على نفسه أن يقتله ملك الروم، خرج إلى جهة حمص، فهرب بكجور من حمص إلى جوسية، فكاتب الدمستق أهل حمص بالأمان؛ و أظهر لهم أنّه يسير إلى دمشق، و أنّه مهادن لجميع أعمال سعد الدّولة، فاطمأنوا إلى ذلك؛ و أمرهم بإقامة الزاد و العلوفة.

و هجم حمص في ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة؛ و أحرق الروم الجامع، و كثيرا من البلد.

و كان استوحش أبو المعالي من بكجور، فأمره أن يترك بلده و يمضي.

و صعد بكجور إلى دمشق فوليها في هذه السنة- أعني سنة ثلاث- من‏

____________

(1)- العزيز الفاطمي ثاني الخلفاء الفاطميين في مصر [365- 386 ه/ 975- 996 م‏].

164

قبل المصريين، و جار على أهل دمشق، و ظلّم، و جمع الأموال لنفسه، فجرد إليه عسكر من مصر مع منير الخادم في سنة ثمان و سبعين.

و كان بكجور يخاف من أهل دمشق لسوء سيرته؛ فبعث بعض عسكره؛ فكسره منير، فأرسل إليه بكجور و بذل له تسليم دمشق، و الإنصراف عنها؛ فأجابه إلى ذلك؛ فرحل عن دمشق متوجها إلى حوّارين، في شهر رجب من سنة ثمان و سبعين.

و مضى إلى الرقة؛ و أقام فيها الدعوة للمصريين‏ (1). و كان سعد الدّولة قد انتمى إلى المصريين؛ و أقام الدعوة لهم بحلب، في سنة ستّ و سبعين و ثلاثمائة، و وصلته خلع العزيز أبي المنصور، في شعبان من هذه السنة فلبسها.

و مات الأمير قرغويه بحلب في سنة ثمانين و ثلاثمائة.

ثم إنّ بكجور قوي أمره و استفحل؛ و أخذ إليه أبا الحسن عليّ بن الحسين المغربيّ؛ و استوزره لمباينة حصلت بينه و بين سعد الدّولة. و عاث على أعمال سعد الدّولة؛ و جمع إليه بني كلاب؛ و استغوى بني نمير؛ فبرز مضرب الأمير سعد الدولة، يوم السبت الثاني و العشرين من محرّم سنة إحدى و ثمانين، إلى ظاهر باب الجنان.

و سار يوم السّبت سلخ المحرّم، على أربع ساعات؛ و قد كان بكجور

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 50- 54.

165

سار إلى بالس، و حاصر من كان بها فامتنعوا عليه؛ فقصده سعد الدّولة، و التقوا على النّاعورة، في سلخ المحرّم من سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة.

و هزم بكجور، و هرب، و اختفى عند رحا القديمي‏ (1) على نهر قويق، و بثّ سعد الدّولة الناس خلفه، و ضمن لمن جاء به شيئا وافرا، فظفر به بعض الأعراب، و أتى به إلى سعد الدولة، فضرب عنقه صبرا بين يديه، ببندر النّاعورة، و صلبه على سبع ساعات من يوم الأحد مستهلّ صفر.

و رحل سعد الدّولة يوم الثلاثاء إلى بالس فوجد بكجور قد أخرب ربضها، فأقام بها أربعة أيّام.

و رحل حتّى أتى الرقة، و بها حرم بكجور و أمواله و أولاده، فتلقّاه أهل الرّقة بنسائهم، و رجالهم، و صبيانم، فأقام بها بقيّة يومه.

و نزل أهل الرقة، فاحتاطوا بحرم بكجور و أولاده، فآمنهم سعد الدولة، في اليوم التّاسع من صفر، و تنجّزت أمورهم إلى يوم الخميس الثّاني عشر منه. و رضي عن أولاده، و اصطنعهم، و وهب لهم أموال بكجور، و حلف لهم على ذلك، فمدحه أبو الحسن محمد بن عيسى النّامي بقصيدة أوّلها:

غرائز الجود طبع غير مقصود* * * و لست عن كرم يرجى بمصدود

____________

(1)- تفاصيل ما أوجزه ابن العديم هنا متوفر عند ابن القلانسي ص 58- 65، و عنده «و وافى بكجور إلى رحا تعرف بالقيريمي على فرسخ من حلب مما يلي قنسرين».

166

و لمّا خرج أولاد بكجور بأموالهم و آلاتهم استكثرها سعد الدّولة، فقال له وزيره أبو الهيثم بن أبي حصين: «أنت حلفت لهم على مال بكجور، و من أين لبكجور هذا المال؟ بل هذه أموالك». فغدر بهم، و نكث في يمينه، و قبض مال بكجور إليه، و كان مقداره ثمانمائة ألف دينار، و صادر نواب بكجور، و استأصل أموالهم.

ثم عاد إلى حلب فأصابه الفالج في طريقه. و قيل: أصابه في طريقه قولنج فدخل إلى حلب، و عولج فبرى‏ء. ثم جامع جارية له، فأصابه الفالج، و استدعى الطبيب، و طلب يده ليجسّ نبضه، فناوله اليسرى، فقال:

«اليمين» فقال: «ما أبقت اليمين يمين» يشير إلى غدره، و نكثه في اليمين التي حلفها لأصحاب بكجور.

و كان مبدأ علّته لأربع بقين من جمادى الأولى، و مات ليلة الأحد لأربع بقين من شهر رمضان من سنة إحدى و ثمانين و ثلاثمائة و حمل في تابوت إلى الرّقة، و دفن‏ (1) بها.

و كان قاضي حلب في أيامه أبا جعفر أحمد بن اسحاق قاضي أبيه؛ ثم ولي قضاءها رجل هاشميّ يقال له ابن الخشاب؛ ثم ولي الشّريف أبو عليّ الحسن بن محمد الحسيني والد الشّريف أبي الغنائم النسّابة؛ و كان زاهدا عالما ولاه سعد الدّولة قضاء حلب و عزل ابن الخشّاب عنه في سنة ثلاث و ستّين؛

____________

(1)- في ابن القلانسي ص 67: «و حمل تابوته و دفن في المشهد ظاهرها» و المشهد هو للامام علي (كرم اللّه وجهه) و بعض شهداء صفين، و هو بجوار ما يعرف الآن بباب بغداد في مدينة الرقة.

167

و دام في ولايته إلى تسع و سبعين و ثلاثمائة؛ و ولي بعده أبو محمد عبيد اللّه بن محمد.

و كان العزيز أرسل إلى سعد الدولة يسأله إطلاق أولاد بكجور و تسييرهم إلى مصر فأهان الرسول، و لم يقبل الشفاعة، ورد عليه جواب متوعد متهدّد.

168

[عهد سعيد الدولة] (1)

ثم إنّ غلمان سعد الدولة ملّكوا ابنه أبا الفضائل سعيدا؛ و لقبوه سعيد الدّولة؛ و نصبوه مكان أبيه في يوم الأحد. و صار المدبّر له و صاحب جيشه من الغلمان الأمير أبو محمد لؤلؤ الكبير السيفي، فاستولى على الأمور و زوّج ابنته سعيد الدولة، فرفع المظالم و الرسوم المقرّرة على الرعيّة من مال الهدنة. وردّ الخراج إلى رسمه الأوّل؛ وردّ على الحلبيين أملاكا كان اغتصبها أبوه و جدّه.

و طمع العزيز صاحب مصر في حلب؛ فاستصغر سعيد الدولة بن سعد الدولة، فكتب إلى أمير الجيوش بنجوتكين التركي؛- و كان أمير الجيوش واليا بدمشق من قبل العزيز- و أمره بالمسير إلى حلب و فتحها، فنزل في جيوش عظيمة، و مدّبر الجيش أبو الفضائل صالح بن عليّ الرّوذباري.

فنزل على حلب في سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة؛ و فتح حمص و حماة في طريقه، و حصر حلب مدة، فبذل له سعيد الدّولة أموالا كثيرة على أن يرحل عنه و على أن يكون في الطّاعة، و يقيم الدعوة، و يضرب السكّة باسم العزيز، و يكتب اسمه على البنود في سائر أعماله.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

169

فامتنع من قبول ذلك و قاتل حلب ثلاثة و ثلاثين يوما، و ضجر أهل حلب فقالوا لابن حمدان: «إمّا أن تدبّر أمر البلد و إلا سلّمناه». فقال:

«اصبروا عليّ ثلاثة أيّام، فإنّ البرجي والي انطاكية قد سار إلى نصرتي في سبع صلبان» (1). فبلغ ذلك بنجوتكين، فاستخلف بعض أصحابه و هم: بشارة القلعي، و ابن أبي رمادة، و معضاد بن ظالم، في عسكر معهم كبير على باب حلب.

و سار فالتقى البرجي عند جسر الحديد، و بنجوتكين في خمسة و ثلاثين ألفا و الروم في سبعين ألفا، فانهزم البرجي؛ و أخذ بنجوتكين سواده و قتل من أصحابه مقتلة عظيمة، و أسر خلقا كثيرا (2).

فانحاز ابن أخت البرجيّ إلى حصن عمّ‏ (3)، فسار بنجوتكين إلى «عمّ»، فقاتل حصنها، و فتحه بالسيف؛ و أسر منها ابن أخت البرجي، و والي الحصن، و ثلاثمائة بطريق، و حصل عنده ألفا فارس و غنم من «عمّ» مالا كثيرا، و أحرقها و ما حولها؛ و وجد في «عمّ» عشرة آلاف أسير من المسلمين فخرجوا و قاتلوا بين يديه.

و سار إلى أنطاكية فاستاق من بلدها عشرة آلآف جاموس، و من البقر

____________

(1)- الصليب الراية لحملها شارة الصليب، و قصده هنا أنه توجه نحوه في سبع قطع عسكرية.

(2)- قدم ابن القلانسي ص 70- 71، تفاصيل زائدة على ما أوجزه ابن العديم.

(3)- عم الآن في تركيه و اسمها يني شهر، و هي مزرعة تتبع قضاء الريحانية لواء الاسكندرونه، تكثر فيها الينابيع التي تشكل بركة عم إلى الجنوب من مدينة الريحانية ب 3 كم. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

170

و المواشي عددا لا يحصى؛ و سار من ظاهر أنطاكية في بلاد الروم حتى بلغ مرعش؛ فقتل، و أسر، و غنم، و خرّب، و أحرق.

و عاد إلى عسكره على باب حلب المعروف بباب اليهود، و قاتلها من جميع نواحيها، و كان هذا في جمادى الأولى و جمادى الآخرة، فأقام على حلب إلى انقضاء سنة اثنتين و ثمانين و ثلاثمائة، و عاد إلى دمشق.

ثم إنّه عاد، و خرج من دمشق في سنة ثلاث و ثمانين و ثلاثمائة، و مدّبر الجيش أبو سهل منشا بن ابراهيم اليهودي القزّاز؛ فنزلوا شيزر و قاتلوها، و فتحوها، و أمّنوا سوسن الغلام الحمداني- و كان واليا بها- و جميع من كان معه.

و سار بنجوتكين إلى أفامية، فتسلمها من نائب سعيد الدولة ثم [سار] أمير الجيوش بمن انتخبه من العسكر إلى أنطاكية، فغنموا بقرا و غنما، و رماكا (1) و جواميس؛ و بلغوا نواحي بوقا، و قطعوا بغراس؛ و عاد العسكر إلى الرّوج‏ (2) ثم إلى أفامية.

و سار إلى دمشق، و سيّر العزيز أبا الحسن علي بن الحسين بن المغربيّ الكاتب، الذي كان وزيرا لسعد الدولة أبي المعالي مرة، و فارقه عن وحشة- و هو والد الوزير أبي القاسم بن المغربي- في المحرم من سنة أربع و ثمانين‏

____________

(1)- جمع رمكة و هي الفرس تتخذ للنسل.

(2)- في معجم البلدان: الروح: كورة من كور حلب المشهورة في غربيها و بين المعرة، و لها ذكر في الأخبار». و أرجح أن يقال: في جنوبي أنطاكية بينها و بين أفامية.

171

و ثلاثمائة، من مصر إلى بنجوتكين ليجعله مدبّر جيشه و الناظر في أعمال الشام إن فتحت، لخبرته بتلك الناحية. و سار معه عسكر كثير فوصل إلى دمشق.

و سار منها بنجوتكين و ابن المغربي في ثلاثين ألف مقاتل، فوصلوا إلى ظاهر حلب في شهر ربيع الآخر، و ضيّق عليها بالحصار، فاستنجد سعيد الدولة و لؤلؤ بالروم، فخرج البطريق البرجيّ والي أنطاكية بعساكر الروم فنزل بالأرواج؛ على المقطعات على المخاض، و بثّ سراياه؛ و رتّب قوما يغيرون على أعمال حلب و يمنعون المتعلّفة.

و سار بنجوتكين فنزل مقابلهم، و سار عسكر حلب و فيهم الأمير رباح الحمدانيّ و كبار الحمدانية، فنزلوا مع الرّوم على مخاضة أخرى؛ فقطع المغاربة الماء، و عبروا إليهم، و أنفذ بنجوتكين العرب مع قطعة من عسكره للقاء الحلبيين؛ فحين أشرفوا عليهم انهزموا عن المخاضة، و نهبتهم العرب.

فحين شاهد الروم ذلك انهزموا، و تخلّوا عن البرجي؛ و اضطروه إلى الهزيمة؛ و تبعهم المغاربة مع بنجوتكين في يوم الجمعة لست خلت من شعبان سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة؛ فظفر بهم، و غنم الأموال و الرجال و الخيل التي لا تحصى؛ و قتل خلقا كثيرا، و أسر خلقا كثيرا من الروم، و سار فنزل على عزاز فأخذها.

ثم عاد إلى حصار حلب فبنى مدينة بازائها و شتى بها؛ و آثار العمارة التي تظهر حول نهر قويق هي آثار تلك العمائر؛ و لم يزل على حلب إلى أن انقضت سنة أربع و ثمانين؛ و كان حصارهم حلب أحد عشر شهرا، و أكلوا الخيل و الحمير.

172

و أنفذ أبو الفضائل سعيد الدولة و لؤلؤ: أبا عليّ بن دريس إلى باسيل ملك الروم بالقسطنطينية، يستنجدانه؛ و كانت له على حلب قطيعة تحمل إليه؛ و قالا له: «ما نريد منك قتالا دائما نريد أن تجفله».

فخرج باسيل في ثلاثة عشر ألفا، و عسكر بنجوتكين لا خبر معهم لباسيل فسير باسيل جواسيس، و قال لهم: «امضوا إلى العسكر، و أعلموهم بي». و كانت دوابّ أمير الجيوش بمرج أفامية، في الربيع؛ فلما أخبر الجواسيس عسكر أمير الجيوس بوصول باسيل إلى العمق‏ (1)، ضرب جميع آلته بالنار، و رحل إلى قنّسرين، فصار هزيمة.

و جاء باسيل ملك الروم، فنزل موضعهم، فلم يمله؛ و كان قد خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم؛ و شكره على ما فعل من رحيل بنجوتكين، و معه هديّة جليلة القدر؛ فقبلها منه، ثم أعادها إلى حلب و وهب له القطيعة التي كانت له على حلب في تلك السنة، فقال قسطنطين لأخيه الملك باسيل: «خذ حلب؛ و الشام ما يمتنع منك». فقال: «ما تسمع الملوك أني خرجت أعين قوما فغدرت بهم». فقال له بعض أصحابه: «ليست حلب غالية بغدرة». فقال الملك: «بلى ولو أنها الدنيا» (2).

____________

(1)- العمق سهل داخلي في لواء اسكندرونه يقع بين جبال حلب و سمعان و حارم شرقا، و جبال الأمانوس أو اللكام غربا، و بين اللجة و وادي نهر الأسود شمالا، و هضبة القصير جنوبا، يبلغ أقصى امتداد له 30 كم بين الشمال و الجنوب و 25 كم بين الشرق و الغرب، كان يشغل مستنقع العمق منه مساحة 22 ألف هكتار، و بحيرة أنطاكية 10 آلاف هكتار، و يجري بالسهل عدة أنهار. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- كان الامبراطور باسيل الثاني عندما سمع بأخبار حصار حلب معسكر بعيدا عن القسطنطينية

173

و كان إذا خرج أبو الفضائل إلى ملك الروم أقام لؤلؤ بحلب؛ و إذا خرج لؤلؤ أقام أبو الفضائل. و كان قد ضاق صدر أبي الفضائل لطول الحصار، و أراد تسليم حلب إلى بنجوتكين.

فتوجّع لؤلؤ فركب إليه أبو الفضائل يعوده، فحجبه ساعة، فشقّ عليه، و انصرف مغضبا فلحقه لؤلؤ و قال له: «ما كنت عليلا، و إنّما أردت أن أعلمك أنك متى مضيت إلى غير هذا البلد انك تحجب على أبواب الناس، و قد شقّ عليك أني حجبتك، و أنا عبدك، و البلد بلدك». فرجع إلى قول لؤلؤ.

و عصى رباح السيفيّ بالمعرّة على مولاه أبي الفضائل؛ فخرج إليه مع لؤلؤ في سنة ست و ثمانين، و انحاز إلى المغاربة، فخرج أبو الفضائل و لؤلؤ و حصراه مدة، فورد بنجوتكين لنجدته فانهزما و دخلا حلب.

و خرج بسيل إلى أفامية بعد وقعة جرت للروم مع المغاربة فجمع عظام القتلى من الروم، و صلّى عليهم و دفنهم، و سار إلى شيزر ففتحها بالأمان من المغاربة، و ذلك في سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة.

و سار ملك الروم إلى وادي حيران‏ (1)، فسبى منه خلقا عظيما من‏

____________

- يحارب البلغار، فترك أرض المعركة، و حث الخطا نحو حلب بمن خف معه من قواته، فقطع مسافة ثلاثمائة فرسخ في ستة عشر يوما حتى وصل إلى حلب، حيث أخذ القوات الفاطمية على حين غرة و أجبرها على رفع الحصار و الانسحاب ... انظر كتابي إمارة حلب- ط. دمشق، دار الكتاب العربي ص 37.

(1)- كذا بالأصل و أرجح أنها تصحيف حيلان، هذا و قال ياقوت: حيران: كأنه جمع حير، و هو مجتمع الماء، و اسم ماء ما بين سلمية و المؤتفكة، ذكره ابو الطيب المتنبي.

174

المسلمين؛ و خرج إليه أبو الفضائل من حلب إلى شيزر، فأكرمه و قال له:

«قد وهبت لك حلب». و وهب لأبي الفضائل في جملة ما وهبه سطيل ذهب، و قال له: «اشرب بهذا».

و مات أبو الفضائل سعيد الدّولة، ليلة السبت النصف من صفر سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة، سقته جارية سما، فمات. و قيل: إنّ لؤلؤ دسّ عليه ذلك و على ابنته زوجة أبي الفضائل، فماتا جميعا.

و كان قاضي حلب في أيامه عبيد اللّه بن محمد بن أحمد القاضي أبا محمد.

و ملّك لؤلؤ السيفي ولديه:

أبا الحسن عليا و أبا المعالي شريفا ابني سعيد الدولة. و استولى لؤلؤ على تدبير ملكهما، و ليس إليهما شي‏ء.

و خاف لؤلؤ على حصن كفر روما (1)، و حصن عار، و حصن أروح، أن يقفز (2) فيها، فهدمها جميعا سنة ثلاث و تسعين و ثلاثمائة.

و أحب لؤلؤ التفرد بالملك، فسيّر أبا الحسن و أبا المعالي ابني سعيد الدولة عن حلب إلى مصر مع حرم سعد الدولة، في سنة أربع و تسعين و ثلاثمائة. و حصل الأمر له ولولده مرتضى الدولة أبي نصر منصور بن لؤلؤ.

____________

(1)- كفر روما: من أشهر حصون منطقة معرة النعمان، و كذلك كما يبدو الحصنين الآخرين.

معجم البلدان.

(2)- أي يستولي عليها خلسة أو بطريقة ما، و هذه طريقة للتعبير عرفها عصر ابن العديم.

175

و قبض لؤلؤ على أحمد بن الحسين الأصفر بخديعة خدعه بها؛ و ذلك أنه طلب أن يدخل إليه إلى حلب، و أوهمه أن يصير من قبله؛ فلما حصل عنده قبض عليه، و جعله في القلعة مكرما، لأنه كان يهوّل به على الروم‏ (1).

و كان هذا الأصفر قد عبر من الجزيرة إلى الشام مظهرا غزو الروم‏ (2)، فتبعه خلق عظيم، و كان يكون في اليوم في ثلاثين ألفا ثم يصير في يوم آخر في عشرة آلاف و أكثر و أقل.

و نزل على شيزر و طال أمره فاشتكاه باسيل ملك الروم إلى الحاكم، فسيّر إليه والي دمشق في عسكر عظيم فطرده عنها؛ و دام الأصفر معتقلا في قلعة حلب إلى أن حصلت للمغاربة في سنة ست و أربعمائة.

و توفي قاضي حلب أبو طاهر صالح بن جعفر بن عبد الوهاب بن أحمد الصالحي الهاشمي‏ (3)، مؤلف كتاب «الحنين إلى الأوطان»، في سنة سبع و تسعين و ثلاثمائة. و كان فاضلا؛ و أظن أنّ ولايته القضاء كانت بعد أيام سعيد الدولة، بعد القاضي أبي محمد عبيد اللّه بن محمد بن أحمد.

____________

(1)- من أنواع المهدي المنتظر، و ظهر هذا بين قبائل حلب سنة 394/ 1003 م و دعا إلى الجهاد ضد الروم، مما سبب اضطرابا في الأراضي البيزنطية، فأوعز الامبراطور باسيل الثاني إلى لؤلؤ بالقبض عليه فغرر به و تخلص منه. انظر كتابي امارة حلب ص 36.

(2)- كان هناك أصفر آخر نشط في أراضي الجزيرة و قد قبض عليه نصر الدولة ابن مروان حاكم ميافارقين. إمارة حلب ص 36.

(3)- له ترجمة في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج 12 ص 32.

176

و ولّى لؤلؤ قضاء حلب في هذه السنة أبا الفضل عبد الواحد بن أحمد بن الفضل الهاشمي.

و توفي لؤلؤ الكبير بحلب في سلخ ذي الحجة من سنة تسع و تسعين و ثلاثمائة. و قيل: ليلة الأحد مستهل المحرّم سنة أربعمائة؛ و دفن بحلب، في مسجده المعروف به، فيما بين باب اليهود و باب الجنان؛ و كانت داره القصر بباب الجنان؛ و له منها إلى المسجد سرب يدخل فيه إلى المسجد، فيصلي فيه.

و كان لؤلؤ يعرف بلؤلؤ الحجراجي‏ (1)؛ و يعرف بذلك لأنه كان مولى حجراج، أحد غلمان سيف الدولة؛ فأخذه منه و سمّاه لؤلؤ الكبير. و كان عاقلا، محبا للعدل، شهما؛ و ظهرت منه في بعض غزوات سيف الدولة شهامة، فتقدّم على جماعة رفقته من السيفية و السعدية.

____________

(1)- في أخبار الدولة المنقطعة- الدولة الحمدانية- ص 57: لؤلؤ الحمداني، لؤلؤ الجراحي.

177

[عهد منصور بن لؤلؤ] (1)

و تقرّرت إمارة حلب بعده لابنه:

أبي نصر منصور بن لؤلؤ و لقّب مرتضى الدولة.

و كان ظالما عسوفا، فأبغضه الحلبيّون و هجوه هجوا كثيرا فمما قيل فيه:

لم تلقّب و إنّما قيل فألا* * * مرتضى الدّولة التي أنت فيها

و سيّر مرتضى الدولة ولديه أبا الغنائم و أبا البركات إلى الحاكم وافدين عليه، فأعطاهما مالا جسيما؛ و أقطعهما سبع ضياع في بلد فلسطين، و لقّب أباهما مرتضى الدولة، و كان ذلك قبل موت لؤلؤ بسنة (2).

و كان لسعد الدولة بن سيف الدولة بحلب ولد يقال له أبو الهيجاء، و كان قد أوصى سعد الدولة لؤلؤا لما مات به؛ فلما أن ملك لؤلؤ خاف منه، و ضيّق عليه لؤلؤ و مرتضى الدولة؛ و كان قد صاهر ممهد الدّولة أبا منصور أحمد بن مروان صاحب ديار بكر على ابنته؛ و أظن ذلك كان في أيام أبيه.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- انظر كتابي إمارة حلب ص 39.

178

فخاف أبو الهيجاء من لؤلؤ و ابنه مرتضى الدولة، فتحدّث مع رجل نصراني يعرف بملكونا كان تاجرا و بزّازا لمرتضى الدولة، فأخرجه من حلب هاربا، و التجأ إلى ملك الروم فلقبه الماخسطرس.

فلما كثر ظلم منصور و عسفه رغب الرعية و بنو كلاب المتدبّرون ببلد حلب في أبي الهيجاء بن سعد الدولة؛ و كاتبوا صهره ممهّد الدّولة ابن مروان في مكاتبة باسيل ملك الروم في إنفاذه إليهم.

فأنفذ إلى الملك يسأله تسيير أبي الهيجاء إليه ليتعاضدا على حلب، و يكون من قبله من حيث لا يكلفه إنجاده برجال و لا مال.

فأذن باسيل لأبي الهيجاء في ذلك، فوصل إلى صهره بميّافارقين، فسيّر معه مائتي فارس و خزانه؛ و كاتب بني كلاب بالانضمام إليه.

و سار قاصدا حلب في سنة أربعمائة فخافه منصور، و رأى أن يستصلح بني كلاب و يقطعهم عنه، لتضعف منّته؛ فراسلهم و وعدهم بإقطاعات سنية؛ و حلف لهم أن يساهمهم أعمال حلب البرّانيّة.

و استنجد مرتضى الدولة بالحاكم، و شرط له أن يقيم بحلب واليا من قبله، فأنفذ إليه عسكر طرابلس مع القاضي عليّ بن عبد الواحد بن حيدرة قاضي طرابلس، و أبي سعادة القائد والي طرابلس، في عسكر كثيف فالتقوا بالنقرة.

و تقاعد العرب عن أبي الهيجاء لما تقدّم من وعود مرتضى الدولة لهم،

179

فانهزم أبو الهيجاء راجعا إلى بلد الروم و نهبت خيامه و جميع ما كان معه.

ثم دخل إلى القسطنطينية فأقام بها إلى أن مات‏ (1).

و كان الحاكم قد كتب لمنصور بن لؤلؤ في شهر رمضان من سنة أربع و أربعمائة سجلا، و قرى‏ء في القصر بالقاهرة، بتمليكه حلب و أعمالها؛ و لقّب فيه بمرتضى الدولة.

و كان في قلعة عزاز غلام من غلمان مرتضى الدولة فاتهمه في أمر أبي الهيجاء، فطلب مرتضى الدولة منه النزول فلم يفعل، و خاف منه و قال:

«ما أسلّمها إلا إلى القاضي ابن حيدرة» فسلمها إليه.

و كتب القاضي فيها كتابا إلى الحاكم، و سلّمها إلى مرتضى الدولة، فنقم عليه، و قتله بعد ذلك.

و أما أبو الهيجاء فأقام بالروم إلى أن مات.

و عاد قاضي طرابلس إلى منصور يطلب منه ما كان وعده به، فدافعه، فرجع إلى طرابلس خائبا ..

و كان أبو المعالي بن سعيد الدولة بمصر، فسيّره الحاكم بعساكر المغاربة إلى حلب، فوصل معرّة النّعمان في سنة اثنتين و أربعمائة؛ و أرادت العرب الغدر به، و بيعه من مرتضى الدولة، لأنهم أغاروا. و ركب يريدهم، فأخذه مضي‏ء الدولة نصر اللّه بن نزّال وردّه إلى العسكر، و رجع فمات بمصر (2).

____________

(1)- عالجت هذا الموضوع في كتابي إمارة حلب ص 39- 42.

(2)- إمارة حلب ص 42.

180

[قيام الدولة المرداسية] (1)

و أما بنو كلاب فانهم طلبوا من مرتضى الدولة ما شرطه لهم من الإقطاع، فدافعهم عنه، فتسلطوا على بلد حلب، و عاثوا فيه، و أفسدوا، و رعوا الأشجار و قطعوها، و ضيّقوا على مرتضى الدولة، فشرع في الاحتيال عليهم، و أظهر الرغبة في استقامة الحال بينهم و بينه و طلبهم أن يدخلوا إليه ليحالفهم و يقطعهم و يحضروا طعامه، و اتخذ لهم طعاما.

فلما حصلوا بحلب مدّ لهم السماط و أكلوا و غلّقت أبواب المدينة، و قيّد الأمراء: و فيهم صالح بن مرداس، و فيهم أبو حامد و جامع ابنا زائدة.

و جعل كبار الأمراء بالقلعة، و من دونهم بالهري. و قتل منهم أكثر من ألف رجل، و ذلك لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة اثنتين و أربعمائة (2).

فجمع مقلّد بن زائدة من كان من بني كلاب خارج حلب، و أجفل بالبيوت، و نزل بهم كفر طاب و قاتلها، فرماه ديلميّ اسمه بندار فقتله، في‏

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- يعد هذا الحادث مقدمة لنهاية الدولة الحمدانية و اسبابها و بداية لقيام الدوله المرداسيه. انظر المعالجة المفصلة لهذه المسألة في كتابي إمارة حلب ص 42- 45.

181

أوائل سنة ثلاث و أربعمائة. و كان مرتضى الدولة قد أخرج أخويه أبا حامد و جامعا و غيرهما؛ و جعلهم في حجرة، و جعل فيها بسطا، و أكرمهم لأجل مقلّد. فلما جاءه خبر قتله أنفذ إليهم يعزّيهم به فقال بعضهم لبعض: «اليوم حبسنا».

و سيّر مرتضى الدّولة إلى صالح بن مرداس، و هو في الحبس، و ألزمه بطلاق زوجته طرود، و كانت من أجمل أهل عصرها؛ فطلّقها، و تزوجها منصور، و هي أم عطية بن صالح، و إليها ينسب مشهد طرود، خارج باب الجنان، في طرف الحلبة. و به دفن عطية ابنها؛ و مات أكثر المحبّسين بالقلعة في الضرّ، و الهوان، و القلة، و الجوع.

و كان مرتضى الدولة في بعض الأوقات إذا شرب يعزم على قتل صالح، لحنقه عليه من طول لسانه، و شجاعته. فبلغ ذلك صالحا، فخاف على نفسه، و ركب الصعب في تخليصها؛ و احتال حتى وصل إليه في طعامه مبرد؛ فبرد حلقة قيده الواحدة، و فكّها و صعبت الأخرى عليه، فشدّ القيد في ساقه، و نقب حائط السجن؛ و خرج منه في اللّيل؛ و تدلّى من القلعة إلى التلّ، و ألقى نفسه فوقع سالما ليلة الجمعة مستهل المحرم سنة خمس و أربعمائة.

و استتر في مغازة بجبل جوشن، و كثر الطلب له و البحث عنه، عند الصباح؛ فلم يوقف له على خبر، و لحق بالحّلة؛ و اجتمعت إليه بنو كلاب؛ و قويت نفوسهم بخلاصه، و بعد ستة أيام ظفر صالح بغلام لمنصور كان قد

182

أعطاه سيف صالح، فاستعاده منه و أيقن بالظفر، و تفاءل بذلك‏ (1).

و لما كان في اليوم العاشر من صفر نزل صالح بتلّ حاصد (2) من ضياع النقرة يريد قسمتها، بعد أن جمع العرب و استصرخهم؛ و كان يعلم صالح محبة مرتضى الدولة لتل حاصد.

فحين علم منصور بنزول صالح على تلّ حاصد، رأى أن يعاجله قبل وصول المدد إليه، فجمع جنده، و حشد جميع من بحلب من الأوباش، و السّوقة، و النّصارى، و اليهود؛ و ألزمهم بالسّير معه إلى قتال صالح؛ فخرجوا ليلة الخميس ثاني عشر صفر من سنة خمس و أربعمائة.

و بلغني: أنّ مرتضى الدّولة لما وصل إلى جبرين‏ (3) تطيّر و قال: جبرنا؛ فلمّا وصل بوشلا (4) قال: شللنا؛ فلمّا وصل تلّ حاصد قال: حصدنا.

و أصبح عليهم يوم شديد الحرّ فماطلهم صالح باللّقاء، إلى أن عطش العوام و جاعوا؛ و سيّر جاسوسا إلى العسكر فجاء و أخبره أنّ معظم عسكره‏

____________

(1)- المرجح أن هروب صالح تمّ على غير هذه الصورة، و أن الأمر دبّر مع متولي قلعة حلب أو سواه. انظر إمارة حلب ص 45.

(2)- في منطقة السفيرة- محافظة حلب، قرية اسمها الآن تل حاصل واقعة شمال جبل الأحص، فلعلها هي التي عرفت من قبل باسم تل حاصد. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(3)- جبرين مزرعة قرب حلب تبعد عنها مسافة 8 كم نحو الشرق. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(4)- في منطقة أريحا- محافظة ادلب- معلم أثري اسمه «بشلله»، فلعله المقصود هنا، المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

183

من اليهود، و النّصارى؛ و أنّه سمع يهوديا يقول لآخر بلغتهم: «والك حفيظه اطعزه و اتأخّر، و إيّاك يكون خلفه آخر يطعزك بمطعازه، يخعّب بيتك للدّواغيث» (1).

فقوي طمع صالح فيهم، و حمل عليهم فكسرهم؛ و أسر مرتضى الدّولة و سالم بن مستفاد، أبا المرجّا (2) الحمدانيّ، و خلقا غيرهما.

و قتل جمع كثير من العسكر و مقدار ألفي راجل من العوام؛ و آثار عظامهم إلى اليوم مدفونة في أرجام حجارة شبيهة بالتلال، فيما بين تلّ حاصد و بوشلا.

و انهزم أبو الجيش و أبو سالم أخو مرتضى الدّولة؛ و قصد القلعة فضبطها أبو الجيش المفلول، و ضبط البلد أخوه أبو الجيش و أمّه.

و حدّث بنو كلاب أنّهم لم يروا و لم يسمعوا بأشجع من مرتضى الدّولة، و أنه لو لم يقف به الحصان ما وصلو إليه، و أنّه لما وقف به الحصان لم يقدم عليه أحد حتى جاءه صالح، فقال: «إليّ يا مولانا». فرمى السّيف من يده؛ فلما رماه تقرّبوا منه؛ و أخذه صالح فقيّده بالقيد الذي كان في رجله.

و كان بين هرب صالح و أسره مرتضى الدّولة أحد و أربعون يوما.

و رأى صالح أنّه لا قدرة له على أخذ البلد لضبطه بأبي الجيش، فرأى‏

____________

(1)- اطعزه: اطعنه، اضربه، ادفعه. يخعب: يخرب. الدواغيث الدواويث جمع ديوث فيما أرجحه.

(2)- لسالم بن مستفاد ترجمة في بغية الطلب ص 4161- 4163.

184

أن يوقع الصلح؛ فتراسلوا في ذلك؛ و أشركوا أبا الجيش في تقرير ذلك؛ فخرج مشايخ من أهل حلب من أبي الجيش في حديث الصلح و تقريره.

فلما وصلوا إلى صالح سلّموا عليه غير هائبين له و لا مبجّلين، لقرب عهدهم برؤيته أسيرا حقيرا؛ و كلّموه بكلام جاف؛ و راددوه في شروط شرطها عليهم؛ فأحسّ منهم بذلك، فقال لهم: «قبل أن نتفرق بيننا أمر، اجتمعوا بأميركم، و شاوروه فيما تتحدثون به معي من الشروط».

قال: فقاموا، و دخلوا على مرتضى الدّولة، و فيهم الشاهدان اللّذان شهدا على صالح بطلاق طرود، فوجدوا مرتضى الدّولة على أقبح صورة مكشوف الرأس، على قطعة من كساء خلق، و القيد قد أثّر في ساقيه فاحتقروه؛ و عظم صالح في أعينهم؛ فهنأوه بالسّلامة؛ فقال: «سلامة العطب أصلح منها»؛ ثم قال: «إنّ الأمير صالح يطلب منّي طلاق طرود، فاشهدوا عليّ أنها طالق؛ و يطلب منّي تسليم حلب؛ و لست الآن مالكها، فدبّروا الأمر على حسب ما ترونه و يستصوبه أخي أبو الجيش، الذي هو الآن المستولي على القلعة و المدينة».

فلم يزالوا يتردّدون بينهما؛ و يدخلون إلى حلب، و يشاورون أبا الجيش إلى أن استقرّ الأمر مع صالح بعد التضرّع إليه و سؤاله باللّطف في كلام خلاف ما بدأوه به على أن يطلق منصور؛ على أن يحمل إليه خمسين ألف دينار عينا؛ و مائة و عشرين رطلا بالحلبيّ فضة؛ و خمسمائة قطعة ثياب أصنافا مختلفة؛ و يطلق جميع من في الحبوس من بني كلاب و حرمهم؛ و أن يقاسمه‏

185

باطن حلب و ظاهرها شطرين؛ و يجعل ارتفاع ذلك نصفين؛ و أن يزوجه مرتضى الدولة بابنته.

فأجاب إلى ذلك و وقعت اليمين عليه؛ و أخرج إلى صالح أمه بجيلا، و زوجته أم الكرم ابنة رباح السّيفي، و أولاده منها: أبا الغنائم، و أبا علي، و أبا الحسن، و أبا البركات، رهائن على المال.

و أطلق مرتضى الدّولة فدخل إلى حلب يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة خمس و أربعمائة، فلمّا حمل المال إلى صالح، خلّى سبيل الرهائن؛ و باع كلّ واحد من العرب ما حصل في يده من الغنيمة و الأسارى من الجند و غيرهم من الرعيّة المسلمين و أهل الذّمة لأهاليهم بما اتفق؛ و استغنى العرب و قويت شوكتهم.

و لما حصل منصور إلى حلب عاد إلى عادته الأولى في الغدر، و منع صالحا ما صالحه عليه من ارتفاع البلاد و التزوّج بابنته؛ فضيّق صالح عليه، و حاربه، و منع الميرة أن تدخل إليه حتى ضاقت على الرّعيّة فكرهوه‏ (1).

و انضاف إلى ذلك أنه وقعت التّهمة بين مرتضى الدّولة و بين غلامه فتح القلعي- و كان والي القلعة- في العاشر من شهر رجب من سنة ست؛ فاتهمه بأنّه هو الذي هرّب صالحا، و تتابع لومه له، و قال: لولا قلّة تحفّظه و تضجيعه‏

____________

(1)- تطور الصراع بين صالح بن مرداس و منصور بن لؤلؤ، إلى درجة عرضه على الامبراطور البيزنطي باسيل الثاني. انظر امارة حلب من 45- 47.

186

في الاحتياط على صالح لما هرب من السّجن؛ و هذه المحن كلّها بسببه.

و تواعده.

و عزم على أن يوّلي قلعة حلب صاحبا له يعرف بسرور، فأسرّ ذلك إليه؛ فنمّ الخبر من سرور إلى رجل يقال له ابن غانم صديق لفتح، فأطلعه على ذلك؛ فخاف فتح القلعيّ منه، فوافق المقيمين معه على العصيان؛ فأجابوه إلى ذلك.

و طلب نزوله فتعلّل، و أخذ حذره منه؛ ثم كاشفه بالعصيان؛ فصعدت إليه بجيلا والدة مرتضى الدولة و عنّفته، فلم يصغ إلى قولها، فقالت له: «كيف تفعل هذا مع ابن سيدك؟»- لأنه كان مولى لؤلؤ السّيفي- فقال: «كما فعل هو و أبوه بأولاد سيّده»- يعني بولدي سعد الدّولة أبي الفضائل و أبي الهيجاء-.

ثم أنفذ فتح إليه و قال له: «إمّا أن تخرج من حلب، و إلا سلمت القلعة إلى صالح». فبينا مرتضى الدولة في قصره سنة ست و أربعمائة، إذ ضربت البوقات و الطبول على القلعة، و صاح من فيها: «الحاكم يا منصور؛ صالح يا منصور» فظنّ منصور أن صالحا قد حصل في القلعة، ففتح باب الجنان؛ و هرب هو و أخوه و أولاده، و من تبعه من غلمانه إلى أنطاكية؛ و أخذ معه ما قدر على حمله من المال.

فلما علم أهل حلب بخروجه قصدوا داره؛ فأخذوا منها من الذّهب و الفضّة و المراكب و الأثاث ثمانين ألفا من الدّنانير.

187

و أخذ في جملة ما نهب له ثمانية و عشرون ألفا من الدّفاتر المجلّدة، و كانت مفهرسة بخطّه في درج؛ و نهبوا دور إخوته و دور بعض النّصارى و اليهود (1).

و وصل مرتضى الدّولة إلى أنطاكية لخمس بقين من شهر رجب، فطالع قطبان‏ (2) أنطاكية الملك باسيل بهرب منصور إليه؛ فأنفذ إليه يأمره باكرامه، و أن يواصلة براتب و إقامة، و كذلك برزق أجناده و أصحابه؛ ففعل ذلك، و كان جملتهم سبعمائة رجل من فارس و راجل؛ و أن لا ينقصه في المخاطبة و الكرامة من الرسم الذي كان يخاطبه به في أيّام امارته، و أمر أن يلقّب بالماخسطرس.

و استدعى الملك إخوته و ابنيّه: أبا الغنائم، و أبا البركات؛ فخلع عليهم؛ و أنفذ على أيديهم توقيعا باقطاع عدّة ضياع له و لهم؛ و كان من جملتها شيح ليلون‏ (3)؛ فعمر مرتضى الدولة حصنها، و سكن فيه ليقرب عليه ما يحتاج إلى معرفته من أمور حلب.

أما مرتضى الدولة فانه عمر إلى أن قدم أرمانوس من القسطنطينية؛ و نزل على تبّل في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة، و كان معه إذ ذاك، و توفي بعد ذلك‏ (4).

____________

(1)- بهذه الواقعة انتهى حكم الدولة الحمدانية فعليا من حلب، و يعتقد أن للخلافة الفاطمية دورها في عصيان فتح على منصور بن لؤلؤ. امارة حلب ص 48- 50.

(2)-Catapan أي حاكم.

(3)- هي في بغية الطلب ج 1 ص 233 «شيخ اللون»، في منطقة أنطاكية.

(4)- سترد أخبار حملة الامبراطور رومانوس الثالث على حلب بعد مقتل صالح بن مرداس.

188

[الحكم الفاطمي لحلب‏] (1)

و أما فتح القّلعي أبو نصر فإنه نادى بشعار الحاكم صاحب مصر؛ و صالح صالح بن مرداس على نصف الارتفاع ظاهرا و باطنا؛ و سلّم إليه حرم منصور و حرم إخوته و أولاده، ليسيّرهم إلى ابن لؤلؤ إلى أنطاكية؛ و في الجملة بنته التي وعده أن يزوّجه بها؛ فأخرجهم صالح إلى الحلّة و ضبط عنده بنته التي وعده بتزويجها منه؛ و دخل إليها و أنفذ إليه بقيّة الحرم.

و تسلّم صالح الأعمال و الضّياع التي تقرّر مع ابن لؤلؤ أن يدفعها إليه. و استدعى والي أفامية أبا الحسن عليّ بن أحمد العجميّ المعروف بالضّيف، فأنزله بالمدينة بالقصر بباب الجنّان، في أوائل شعبان من سنة ست و أربعمائة.

و بقي «فتح» بالقلعة فأحسن «الضّيف» السيرة؛ وردّ على الحلبيّين ما كان قد اغتصبه سيف الدولة و ولده من أملاكهم؛ و بالغ في العدل‏ (2).

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- كان صالح بن مرداس معاديا لسقوط حلب للفاطميين، و كذلك فعلت الامبراطورية البيزنطية، مما سيؤدي إلى تطورات سريعة تقود نحو تأسيس حكم الدولة المرداسية. امارة حلب ص 50- 51.

189

و كاتب «فتح» الحاكم يخبره بما فعل، فوردت مكاتبة الحاكم إليه يتضّمن شكره على ما فعل، و لقّبه مبارك الدولة و سعيدها.

و كتب إلى أبي الحسن الضّيف يأمره بمعاضدته، و لقّبه سديد الدولة، و كتب إلى صالح بن مرداس يأمره بالاتفاق معهما، و لقّبه أسد الدولة.

و كتب لأهل حلب توقيعا باطلاق المكوس و المظالم، و الصفح عن الخراج؛ و هو عندي متوّج بعلامة الحاكم عليه: «الحمد للّه ربّ العالمين». و نسخته:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

هذا من أمر الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين لجميع أهل حلب و أعمالها ..

إنّه لمّا انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنتم فيه من الظلمة المدلهمّة، و قبيح ظفر (1) من يتولّى أموركم في المعاملات و زيادتهم عليكم في الخراج و الجبايات، إضعافا لكم، و عدولا عن سنن الحقّ بكم، أمر- زاد اللّه أمره علوا و نفاذا- بإطلاق المؤن من داركوره و نظائرها؛ و الصّفح عن الواجب عليكم من مال الخراج لاستقبال سنة سبع و أربعمائة، لتعلموا أن ضياء الدّولة النّبويّة قد لمع و ظهر، و أنّ حندس الظلام قد انجاب و دثر».

و ذكر تمامه.

____________

(1)- كذا بالأصل، و أراها تصحيف «نظر».

190

و وصل من قبل الحاكم والي طرابلس مختار الدولة ابن نزال الكتامي؛ و والي صيدا مرهف الدّولة بجكم التركي؛ و كانوا جميعا في البلد من قبل الحاكم.

ثم كتب الحاكم إلى حسّان بن المفرّج بن الجرّاح الطائي‏ (1) و عشيرته، و سنان بن عليان الكلبيّ و عشيرته‏ (2)، بالاحتياط على حفظ حلب، و أتبع ذلك بمكاتبة إلى «فتح»، يمنّيه و يعده الجميل إذا سلّم القلعة. فأجاب إلى تسليمها؛ و أخذ جميع ما كان بها من الذّخائر لمنصور من عين، و ورق، و متاع، و سلاح.

و كتب بولاية صور، فسلّم القلعة إلى الأمير عزيز الدولة أبي شجاع فاتك، في شهر رمضان من سنة سبع و أربعمائة (3). و كان الحاكم قد خلع عليه في جمادى الأولى من سنة سبع و أربعمائة. و حمله على عدة من الخيل بسروج محلاة بذهب مصفّحة؛ و قلّده سيفا و منطقه بمنطقة و سيّره إلى حلب.

و توجّه «فتح» إلى صور. و ولّى «الضّيف» بحلب في سنة سبع‏

____________

(1)- لحسان بن المفرج ترجمة في بغية الطلب ص 2239- 2241.

(2)- سترد بعد قليل أخبار الحلف الثلاثي فيما بين صالح بن مرداس و سنان بن عليان، و حسان بن المفرج ضد الخلافة الفاطمية.

(3)- بهامش الأصل: مطلب: «و قد كان صالح راسل فتحا و أشار عليه أن يقيم بالقلعة و يكون هو خارج حلب و أن نتفق على إخراج المغاربة من حلب و الاجتماع على حفظها. فعلم أهل حلب بذلك فاجتمعوا تحت القلعة، و قالوا: ما نريد إلا المغاربة، و لا رغبة لنا في البادية. و صارت فتنة، فكتب الضيف إلى الحاكم يطلب منه أن يمده بالعساكر لتقوى يده على صالح؛ فسيّر إلى ولاة البلاد يأمرهم بالتوجه إليه ه.».

191

و أربعمائة، حين تولّى، القاضي أبا جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي القضاء بحلب.

و كان عزيز الدولة أرمنيا لبنجوتكين مولى العزيز صاحب مصر. و كان بنجوتكين شديد الشّغف به؛ و كان أديبا عاقلا، كريما، كبير الهمّة. فولاه الحاكم حلب و أعمالها؛ و لقّبه أمير الأمراء، عزيز الدولة، و تاج الملّة. و دخل حلب يوم الأحد الثاني من شهر رمضان من سنة سبع و أربعمائة.

و كان محبّا للأدب و الشّعر. و صنّف له أبو العلاء بن سليمان «رسالة الصّاهل و الشّاحج» و «كتاب القائف».

و فيه يقول القائد أبو الخير المفضّل بن سعيد العزيزيّ شاعره يمدحه، و يذكر و قود قلعة حلب ليلة الميلاد، و كان الغيم قد ستر النجوم:

ابق للمعروف و الأدب‏* * * آمنا من صولة النّوب‏

يا عزيز الدّولة الملك ال* * * منتضى للمجد و الحسب‏

كيف يخشى الدّين حادثة* * * و عزيز الدّين في حلب‏

سدّ منه ثغرها بفتى‏* * * لا يشوب الجدّ باللّعب‏

أضرم العنقاء قلعته‏* * * فبدت في منظر عجب‏

لزّت الأرض السّماء بها* * * فثنت كشحا على وصب‏

و رمتها بالشرار كما* * * رمت الغبراء بالشّهب‏

أوقدت تحت الغمام فما* * * يلقها من مزنة يذب‏

سخنت حوض الحيا فهمى‏* * * بجحيم عنه منسكب‏

192

لو تدوم النّار نشّفه‏* * * حرّ ما يلقى فلم يصب‏

طلعت شمس النّهار بها* * * و الدّجى مسدولة الحجب‏

فلو أنّ النار لاحقة* * * بالنّجوم الزّهر من كثب‏

حكت الشّماء غانية* * * حلّيت بالدّر و الذّهب‏

حاربتها الريح فاضطّرمت‏* * * غضبة من شدّة الغضب‏

جاذبتها في تغيّظها* * * شعلا محمرّة العذب‏

يا أمير الآمرين و يا* * * مستجار القصد و الطّلب‏

قد نفيت اللّيل عن حلب‏* * * نفي مظلوم بلا سبب‏

و تركت الشّمس حائرة* * * في دجى الظّلمأء لم تغب‏

و عزيز الدولة هذا، هو الذي جدّد القصر تحت قلعة حلب؛ و تناهى في عمارته؛ و حمّام القصر كانت له، و جعله ملاصقا لسفح القلعة؛ و قصد بعمارته قربه إلى القلعة، خوفا مما جرى لمرتضى الدولة. و كان متّصلا بالقلعة و هو الذي أمر بعمارة القناديل الفضّة للمسجد الجامع، و هي باقية إلى الآن و اسمه عليها.

و كلّف عزيز الدولة أسد الدّولة صالح بن مرداس أن يحمل والدته إلى حلب، لتسكن الأنفس و يعلم العوامّ التئام الكلمة و التضافر على الأعداء، ففعل ذلك في سنة ثمان و أربعمائة.

ثم إنّ عزيز الدولة تغيّر عليه الحاكم فعصى عليه، و ضرب الدينار و الدّرهم باسمه بحلب، و دعا لنفسه على المنبر، فأرسل الحاكم إلى الجيوش، و أمرها أن تتجهزّ إليه في سنة إحدى عشرة و أربعمائة.

193

فلما بلغ عزيز الدولة ذلك أرسل إلى باسيل ملك الرم يستدّعيه ليسلّم إليه حلب، فخرج باسيل الملك؛ فلمّا بلغ موضعا يعرف بمرج الدّيباج‏ (1)، بلغ عزيز الدولة وفاة الحاكم، فأرسل إلى باسيل يعلمه أنّه قد انتقض ما كان بينهما من الشرّط، و أنّه إن ظهر كان هو و بنو كلاب حربا له.

فعدل باسيل إلى مناز كرد (2) فأخذها من الخزر، و كان الناس قد أجفلوا من ملك الرّوم إلى حلب؛ فكانت هذه الجفلة تسمى جفلة عزيز الدولة لأنها بسببه.

و لما اطمأن عزيز الدّولة بموت الحاكم، و وصلته من الظّاهر الخلع من مصر؛ و دخل غلام له يدعى تيزون، و كان هنديا؛ و كان يميل إليه؛ و دخل في أوّل الليل عليه، و هو نائم في المركز، و في يده سيف مجرّد مستور في كمّه ليقتله، فوجد صبيا من رفقته يغمزه فلما رآه الصبيّ حرّك مولاه ليوقظه، فبادر الهندي، و ضربّ عزيز الدولة فقتله، وثّنى بالصبيّ، و قتل الهندي. و ذلك كله لأربع ليال خلت من شهر ربيع الآخر، سنى ثلاث عشرة و أربعمائة (3).

و عمل شاعره المفضّل بن سعيد:

لحمامه المقضيّ ربّى عبده‏* * * و لنحره المفريّ حدّ حسامه‏

____________

(1)- واد عجيب المنظر نزه بين الجبال، بينه و بين المصيصة عشرة أميال. معجم البلدان.

(2)- بلد مشهور قرب خلاط، كان يعد في أرمينية، ليس بعيدا عن بحيرة وان و فيه ستحصل المعركة الحاسمة بين السلطان ألب أرسلان و الامبراطور البيزنطي رومانوس دايجينس.

(3)- عالجت ملابسات اغتيال عزيز الدولة في كتابي إمارة حلب ص 52- 54، و يبدو أنه كان للخلافة الفاطمية دورها الكبير.

194

و كان الوالي بالقلعة، من قبل عزيز الدولة، أبا النجم بدرا التركيّ مملوكا كان لبنجوتكين مولى عزيز الدولة فاتك؛ و كانت بينهما في أيام بنجوتكين صداقة و مودّة بحكم المرافقة (1).

فلما تقدّم عزيز الدّولة قرّبه و اصطفاه، و ولاه القلعة بحلب من قبله.

و قيل: إنه مملوك لعزيز الدّولة، و يعرف ببدر الكبير. و قيل: إنّه هو الذي حمل تيزون على قتل عزيز الدّولة؛ فلما قتل استولى على البلد، يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة و أربعمائة، و لقّب وفيّ الدولة و أمينها.

و كان كاتب بدر رجلا يقال له ابن مدبّر إلى أن وردت العساكر المصرية من جهة الظّاهر؛ و زعيمها سديد الدولة علي بن أحمد الضّيف؛ فتسلّم حلب من وفيّ الدّولة بدر.

و لما دخل الضّيف على بدر بكتاب الظّاهر، لطف به، و استرسل إليه، و طرح القيد في رجله، و قبض عليه، و انزله من القلعة، و تسلّمها منه، فسلّمها إلى صفيّ الدّولة أبي عبد اللّه محمد ابن وزير الوزراء أبي الحسن عليّ بن جعفر بن فلاح الكتاميّ، يوم الأربعاء الحادي عشر من شهر رجب سنة ثلاث عشرة و أربعمائة.

و كان صفيّ الدولة هذا شاعرا أديبا؛ و أبوه عليّ وزر للحاكم؛ و جدّه جعفر بن فلاح أحد قواد المصريين؛ و وليت القلعة يمن الدّولة سعادة الخادم‏

____________

(1)- بهامش الأصل: «و أظن أن عزيز الدولة ولىّ قضاء حلب في أيامه أبا علي أحمد بن أبي ابراهيم الشريف الحسيني، و أقطعه اللجينة و اللّه أعلم».

195

المعروف بالقلانسيّ، و كان خادما بلحية بيضاء؛ و كان من أفاضل المسلمين؛ فيه الدّين و العلم؛ و جعل الظّاهر في المدينة واليا، و في القلعة واليا خوفا أن يبدو من والي حلب ما بدا من عزيز الدّولة فاتك.

و عزل صفيّ الدولة بن فلاح عن حلب، يوم الاثنين النصف من المحرّم سنة أربع عشرة و أربعمائة.

و ولّى حلب الأمير سند الدولة أبو محمد الحسن بن محمد بن ثعبان الكتامي الجيمليّ، و كان و أهله من وجوه كتامة، و كان واليا بحصن أفامية. و هو الذي كتب إليه أبو العلاء بن سليمان «الرسالة السّندّية» في مجلّد واحد، و كان وزيره أبو سعيد مسبح.

و توّفي سند الدّولة بمرض ناله بحلب، يوم الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة و أربعمائة.

و كان خبر مرضه قد وصل إلى الظّاهر، فكتب إلى أخيه سديد الملك أبي الحارث ثعبان بن محمد بن ثعبان إلى تنّيس‏ (1)، و كان يليها، أن يسير واليا إلى حلب.

فخرج من تنّيس في البحر إلى طرابلس، و سار من طرابلس جريدة فورد إلى حلب، و قد توّفي أخوه. و كان وصوله إلى حلب، يوم الأحد السابع عشر من جمادى الأولى سنة خمس عشرة و أربعمائة.

____________

(1)- تنيس بلدة ما بين الفرما و دمياط. معجم البلدان.

196

و كان قاضي حلب، في سنة خمس عشرة و أربعمائة، أبا أسامة عبد اللّه بن أحمد بن علي بن أبي أسامة، نيابة عن ابن أبي العوّام قاضي مصر عن الظّاهر. و ولّي القلعة أبو الحارث موصوف الخادم الصقلابي الأبيض الحاكميّ، من قبل الظّاهر؛ و كان شجاعا، عاقلا؛ و أقاما فيها واليين أحدهما بالمدينة، و الآخر بالقلعة، إلى أن حالف الأمير أبو عليّ صالح مرداس بن ادريس الكلابي سنان بن عليان الكلبيّ، و حسّان بن المفرّج بن الجرّاح الطائي على الظّاهر؛ و تحالفوا على احتواء الشّام، و تقاسموا البلاد. فتكون: فلسطين و ما برسمها لحسّان؛ و دمشق و ما ينسب إليها لسنان؛ و حلب و ما معها لصالح. فأنفذ الظّاهر إلى فلسطين أنوشتكين الدّزبري‏ (1) واليا، فاجتمع الأمراء الثلاثة على حربه، فهزموه إلى عسقلان‏ (2).

و فتح حسّان الرملة بالسّيف، في رجب سنة خمس عشرة و أربعمائة.

و أحرق أكثرها، و نهبها، و سبى خلقا من النّساء و الصّبيان‏ (3).

____________

(1)- للدزبري ترجمة في المقفى للمقريزي ج 2 ص 302- 306.

(2)- مدينة فلسطينية على ساحل البحر بين غزة و بيت جبرين. معجم البلدان.

(3)- عالجت مسألة الحلف الثلاثي في كتابي إمارة حلب ص 76- 83.

197

[إمارة صالح بن مرداس‏] (1)

و سيّر صالح بن مرداس كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، فوصل إلى معرّة مصرين؛ و غلب عليها؛ و قبض واليها؛ و قيّده؛ و سار إلى حلب في جماعة من العرب، لسبع بقين من رجب. فجرى بينه و بين سديد الملك ثعبان و موصوف الخادم، حرب في أيام متفرّقة.

و سار صالح بن مرداس إلى حلب، في جمع كثير؛ و نزلها يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان من سنة خمس عشرة و أربعمائة؛ على باب الجنان. وجاب الحلل يوم الاثنين؛ و حاصرها ستة و خمسين يوما؛ فوقع خلف بين موصوف الخادم و بين أبي المرجّا سالم بن مستفاد غلام سيف الدّولة بن حمدان؛ و كان من كبار القوّاد بحلب؛ و داره بالزّجاجين، و حمامه أيضا، آثارها باقية إلى وقتنا هذا.

فعزم موصوف على قتل سالم هذا؛ فجمع سالم جمعا، و فتح باب قنّسرين؛ و خرج إلى صالح، فأخذ منه الأمان لنفسه، و لجميع أهل المدينة.

و سلمت المدينة إليه، يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

198

و احتمى سديد الملك بن ثعبان في القصر الملاصق للقلعة؛ و نصبت المنجنيقات و العرّادات عليه و عليها.

ثم إنّ صالحا رتّب أبا المرجّا سالم بن المستفاد، و كاتبه سليمان بن طوق على قتال القصر و القلعة بحلب.

و سار إلى فلسطين منجدا حسّان بن المفرّج على الدّزبريّ، فإنه جمع، و عاد إليه في جيش كثيف، فالتقى الجيشان فكسر الدّزبريّ، و عاد مفلولا.

و أما قلعة حلب فإنّ الحلبيين نقبوها؛ و وصل النقب إلى بئرها المعين؛ و قلّ الماء فيها؛ و دام الحصار عليها سبعة أشهر.

و راسل من في القلعة سالما و سليمان في الصلح في عاشر ربيع الآخر؛ فلم يجيباهم. و نصبوا الصّلبان ثلاثة أيام؛ و دعوا لملك الرّوم؛ و لعنوا الظّاهر؛ و نقر الناقوس؛ و قاتلوا القلعة، ثم نفروا يوم الجمعة ثاني عشر الشّهر، و حملوا المصاحف على أطراف الرّماح في الأسواق؛ و نادوا النّفير و زحفوا.

فاستأمن جماعة من المغاربة الذين في القلعة، فخلع عليهم، و طيف بهم في المدينة. و بسطت ثياب الدّيباج و السّقلاطون‏ (1)؛ و بدر المال مقابل القلعة، و بذلت لمن ينزل إلى ابن مستفاد و سليمان مستأمنا.

____________

(1)- السقلاطون: نوع من النسيج مصنع من الحرير الموشى بالذهب.

199

فلمّا يئس أهل القلعة من النجدة نزل رجل أسود يعرف بأبي جمعة، و كان عريف المصامدة إلى المدينة، و بقي أياما ينزل من القلعة و يصعد فأفسده سالم بن مستفاد و سليمان بن طوق.

فلمّا جاء ليطلع القلعة في بعض الأيّام تقدّم موصوف الخادم والي القلعة بردّ الباب في وجهه؛ فصاح إلى أصحابه، فالتفت المصامدة و العبيد في القلعة؛ و وقع الصوت إلى أهل حلب، فطلعوا إلى القلعة من كلّ مكان‏ (1).

و دخلها ابن طوق و ابن مستفاد، يوم الاربعاء مستهلّ جمادى الأولى سنة ست عشرة و أربعمائة، و قدم صالح بن مرداس حلب عائدا من كسرة الدزبري. فدخلها يوم السبت ثامن شعبان من السنة، و قبض على موصوف الصقلبيّ و سديد الملك ثعبان، و أبي الفضل بن أبي أسامة.

فأما ثعبان ففدى نفسه بمال دفعه إلى صالح؛ و أمّا موصوف فضرب رقبته صبرا بين يديه. و أمّا القاضي أبو الفضل بن أبي أسامة فدفنه حيّا في القلعة.

و لمّا جدّد الملك العزيز أبو المظفّر محمّد بن غازي- (رحمه اللّه)- الدار الكبرى التي ابتناها بقلعة حلب، و حفر أساسها؛ وجدوا مطمورة فيها رجل في ساقيه لبنة حديد، و هو جالس فيها قد دفن حيّا و لم يبق إلا عظامه، و هو على هيئة القاعد فيها. و لا أشكّ في أنّه ابن أبي أسامة المذكور؛ و اللّه أعلم.

____________

(1)- انظر بشأن سقوط حلب لصالح بن مرداس و دور بيزنطة في ذلك كتابي إمارة حلب ص 77- 80.

200

و ملك صالح في هذه السنة: حمص، و بعلبكّ، و صيدا، و حصن ابن عكار بناحية طرابلس. و كان في يده الرّحبة، و منبج، و بالس، و رفنّيه‏ (1).

و كان، و هو محبوس بالقلعة عند مرتضى الدولة، قد رأى في المنام كأنّ انسانا قد دخل عليه، فألبسّه قلنسوة ذهب، ففرّج اللّه عنه؛ و خرج من السّجن؛ و كان منه ما ذكرنا.

ثمّ إن الظّاهر سيّر عسكرا مع الدزبريّ و ضمّ رافع بن أبي الليل إليه و قدّمه على الكلبيّين‏ (2)، و جهزّه إلى محاربة حسّان بن المفرّج الطّائي، لأنّه كان قد أخرب الشام، و عاث، و أفسد.

فلما علم حسّان بقربه استصرخ صالحا، فتوجّه نحوه؛ فرأى صالح ذلك الشّخص في المنام بعينه، قد دخل عليه و انتزع من رأسه القلنسوة الذّهب؛ فتطير من ذلك.

و لما وصل إلى حسّان و نشبت الحرب بينهما و بين الدزبري، و ذلك بالموضع المعروف بالأقحوانة (3) على الأردنّ، طعن صالح فسقط عن فرسه،

____________

(1)- حلت محل رفنية بلدة بارين، التي يرسم اسمها الان «بعرين» و هي تتبع ناحية عوج و تبعد عنها 5، 8 كم إلى الشمال، و تتبع عوج منطقة مصياف، و في بعرين بقايا قلعتها التاريخية الشهيرة. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- كان سنان بن عليان قد توفي، فتمزقت قبيلة كلب، و تحالف رافع بن أبي الليل مع الدزبري و صاهره، مما أخل بموازين القوى و أدى إلى انهيار الحلف الثلاثي. إمارة حلب ص 81- 83.

(3)- كانت على شاطى‏ء طبرية قرب عقبة أفيق. معجم البلدان.

201

طعنه طريف الفزاري، فرآه رافع بن أبي الليل فعرفه، فأجهز عليه، و قطع رأسه، و بادر به الدّزبري.

و قيل: طعنه رجل يقال له ريحان. [و كان‏] أسد الدّولة صالح [على‏] (1) فرس؛ فما زال يرمح حتى رماه، و جاءه رافع فأخذ رأسه؛ و كان مقتله لخمس بقين من شهر ربيع الآخر سنة عشرين و أربعمائة. و قيل: في يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى من السّنة.

و كان قاضي حلب في أيامه القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان المعروف بالقاضي الأسود، بعد ابن أبي أسامة، ولي قضاءها سنة ست عشرة، و استمرّ على القضاء في أيام ابنه شبل الدّولة.

و كان وزير صالح تاذرس بن الحسن النصراني، فأخذ في الوقعة و صلب و كان هذا النصراني متمكّنا عند صالح؛ و كان صاحب السّيف و القلم.

و قيل: إنّه كان يترجّل له- لعنه اللّه- الولاة و القضاة، فمن دونهم إلا القاضي أبا يعلى عبد المنعم بن عبد الكريم بن سنان قاضي حلب، و الشيخ أبا الحسن المهذّب بن علي بن المهذّب فانه أراد أن يترجّلا له فحلف أن لا يفعل.

____________

(1)- جاءت الجملة بالأصل مضطربة كما يلي «فرس أسد الدولة صالح، فما زال يرمح حتى» فأعيد تقويمها.

202

و قيل: إنّ أهل «حاس» (2)- قرية بمعرّة النّعمان- قتلوا حماه، و كان يقال له الخوري، و كان من أهل تلمنّس لأذّيته لهم؛ فحين سمع تاذرس بقتل حميه الخوري، خرج في عسكر حلب؛ و طلب أهل «حاس» في الجبال و الضّياع؛ و هرب القاتلون إلى أفامية، فلحقهم، فسلّمهم إليه واليها.

فكتب إلى صالح يستأذنه في قتلهم، فأذن له فقتلهم، و صلبهم، فلما أنزلوا عن الخشب ليصلّى عليهم و يدفنوا، صلّى عليهم خلق عظيم.

و قال الناس حينئذ، يكايدون النّصارى: «قد رأينا عليهم طيورا بيضا، و ما هي إلا الملائكة»، فبلغت هذه الكلمة تاذرس- لعنه اللّه- فنقمها على أهل المعرّة، و اعتدها ذنبا لهم.

فاتفق أن صاحت امرأة في الجامع، يوم الجمعة، و ذكرت أنّ صاحب الماخور أراد أن يغصبها نفسها، فنفر كلّ من في الجامع إلا القاضي و المشايخ؛ و هدموا الماخور، و أخذوا خشبه؛ و كان أسد الدّولة صالح في صيدا، سنة سبع عشرة و أربعمائة.

فلمّا توجّه إلى حلب، سنة ثمان عشرة، لم يزل به تاذرس حتى اعتقل مشايخ المعرّة و أماثلها، فاعتقل منهم سبعين رجلا، و قطع عليهم ألف‏

____________

(2)- حاس: قرية في جبل الزاوية، تتبع ناحية كفرنبل، منطقة معرة النعمان، محافظة ادلب، تبعد آثارها عن المعرة 9 كم إلى الجنوب الغربي منها. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

203

دينار. و قال له صالح حين لجّ عليه: «أأقتل المهذّب أو أبا المجد، بسبب ماخور! ما أفعل!».

و قد بلغني أنه دعي لهم في آمد و ميّافارقين؛ فغلبه على رأيه، فبقوا في الاعتقال في الحصن، سبعين يوما، إلى أن اجتاز صالح بالمعرّة؛ و استدعى أبا العلاء بن سليمان بظاهر المعرّة.

فلما حصل عنده بالمجلس قال له الشّيخ أبو العلاء، ساعيا فيهم:

«مولانا السّيد الأجل أسد الدولة و مقدّمها و ناصحها، كالنّهار الماتع، اشتدّ هجيره، و طاب أبرداه، و كالسّيف القاطع، لان صفحه، و خشن حدّاه، خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (1) فقال صالح: «قد وهبتهم لك أيّها الشّيخ». و لم يعلم أبو العلاء بما قطع عليهم من المال فأخذ منهم. ثم قال أبو العلاء شعرا:

تغيّبت في منزلي برهة* * * ستير العيوب فقيد الحسد

فلمّا مضى العمر إلا الأقلّ‏* * * و حمّ لروحي فراق الجسد

بعثت شفيعا إلى «صالح»* * * و ذاك من القوم رأي فسد

فيسمع منّي سجع الحمام‏* * * و أسمع منه زئير الأسد

فلا يعجبنّي هذا النّفاق‏* * * فكم نفقت محنة ما كسد (2)

____________

(1)- سورة الأعراف- الآية 177.

(2)- لزوم مالا يلزم- ط. دمشق 1986 ص 534. إمارة حلب ص 209- 211.

204

[إمارة نصر بن صالح‏] (1)

و لمّا قتل صالح بن مرداس؛ ملك حلب بعده ابناه:

معز الدولة أبو علوان ثمال في القلعة، و شبل الدولة نصر في المدينة.

و أوقعا في هذه السنة على قيبار (2) بقطبان أنطاكية ميخائيل الخادم. و كان قصد بلد حلب بغير أمر الملك و لاطفه ثمال و نصر؛ فلم يرجع عن قصد بلد حلب؛ فكبساه في قيبار، و هو يقاتل حصنها؛ و قتل جماعة من الفريقين؛ و انهزم عسكر الرّوم يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة.

ثم استعطّفاه و استقامت الحال بينهم‏ (3)؛ و داما على ذلك إلى أن جرى بين معزّ الدّولة ثمال و بين زوجته كلام؛ فغضبت عليه؛ و خرجت إلى الحلّة بظاهر حلب؛ فأمر ثمال أن يصاغ لها لالكة (4) من ذهب مرصّعة بالجواهر؛

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- القيبار: حصن بين أنطاكية و الثغور. معجم البلدان.

(3)- إمارة حلب ص 88- 89.

(4)- لالك بالفارسية: حذاء، عرف الديك، تاج. اكليل. المعجم الفارسي الكبير لابراهيم الدسوقي شتا. ط. القاهرة- مكتبة مدبولي.