زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
205

فلما استوت أخذها في كمّه و خرج.

فحين علم نصر ركب و اجتاز تحت القلعة، كأنّه يريد الخروج من باب العراق، في جماعة من أصحابه؛ و جذب سيفه لمّا قارب باب القلعة؛ و هجمها فلم يمانعه أحد من الأجناد لهيبته؛ و تبعه أصحابه مجرّدين سيوفهم؛ فجلس في المركز و قال: «إنّ من قدّم أخي عليّ فقد أساء؛ لأنّني أولى بمداراة الرّجال؛ و هو أولى بمداراة النّساء».

و من ذلك اليوم جعل لأبواب قلعة حلب سلسلة تمنع الرّاكب الصعود فجاءة، و رسم أن لا يدخلها أحد متقلّدا سيفا، و لو أنّه أقرب النّاس مودّة إلى مالكها.

فتفرّد نصر بالأمر في القلعة و البلد، و ذلك في سنة إحدى و عشرين و أربعمائة. و كان وزيره أبا الفرج المؤمل بن يوسف الشمّاس، الذي ينسب إليه حمّام الشمّاس بحلب؛ في الجلّوم‏ (1)؛ و كان نصرانيا و كان حسن التّدبير، محبّا لفعل الخير؛ و كان أخوه ناظرا في البلد البرّاني، فعمره، و عمر المساجد البرّانية.

فجمع أبو علوان ثمال بن صالح الأعراب؛ و عزم على منازلة أخيه نصر؛ فسيّر نصر إلى ملك الرّوم أرمانوس- و كان قد هلك باسيل في سنة

____________

(1)- من أحياء حلب القديمة، كان ينفذ إلى ظاهر المدينة بباب أنطاكية غربا و باب قنسرين جنوبا. أحياء حلب و أسواقها لخير الدين الأسدي- ط. دمشق 1984 ص 164- 172.

206

خمس عشرة، و ولي أرمانوس- يستدعيه إلى حلب فخرج على ما قيل في ستّمائة ألف حتّى وصل إلى أنطاكية.

فتوسّط مقدّمو العرب بين نصر و ثمال؛ و وفقوا بينهما على أن يكون لنصر حلب؛ و لثمال بالس و الرّحبة؛ فرجع نصر عمّا كان راسل به ملك الرّوم.

و أرسل ابن عمه مقلّد بن كامل بن مرداس إلى ملك الرّوم، يسأله أن لا يقصده، و يحمل إليه من القطيعة ما كان يحمله أولاد سيف الدولة إلى باسيل، فأبى و اعتقل مقلّد بن كامل عنده؛ فحين تحقّق رجوع نصر عن رأيه الأول جبن و ضعف عن منازلة حلب.

و سار من أنطاكية إلى قيبار في بضعة عشر يوما؛ و كسرت سرية له عرب حلب؛ و كانوا قد طاردوا عسكر الرّوم، فاستظهر الرّوم عليهم، و كان معه ملك البلغر، و ملك الرّوس، و الأبخاز، و الخزر و الأرمن، و البجناك، و الأفرنج.

و نزل الملك بجيوشه على تبّل قريبا من الجبل، في موضع بعيد عن الماء، و ضرب على عسكره خندقا؛ و كانت أمواله على سبعين جمّازة؛ و كان قدر موضع عسكره لمن يدور حوله مقدار يوم في يوم للمجدّ الرّاكب على فرس.

و لقيه في طريقه أبو علوان دفاع بن نبهان الكلابيّ في خيل قليلة؛ فنال من سراياه كلّ ما طلب؛ و أرسل الملك سريّة فيها صناديد عسكره إلى عزاز؛

207

فلقيتها بنو كلاب، فظفروا بها، و قتلوا بطارقها، و أسروا جماعة من أولاد الملوك الذين معهم، و جسرت عليهم بنو كلاب، فحاصروهم في الموضع الذي نزلوا فيه.

و لقد أخبر بعض من شاهدهم أن مقثاوة كانت قريبة من العسكر بمقدار رمية سهم، و أن الرّوم لم يقطعوا منها قثّاءة واحدة، خوفا من العرب أن تتخطّفهم.

و لمّا كسرت السرية التي أرسلها الملك أجمع رأيه على العود إلى بلاده، و اعتذر قائلا: «لولا عطش عسكري لبلغت مرادي». و هجم نصر و العرب على سوق الملك فنهبوه؛ و تأخّر رحيل ملك الرّوم من منزلته ثلاثة أيام.

و أقبل شبل الدولة نصر في تسعمائة و ثلاثة و عشرين فارسا، و قيل في سبعمائة فارس؛ فحين أشرف على الرّوم ظنّوا أنّها كبسة؛ فانهزموا؛ و منح اللّه أكتافهم يوم الاثنين لسبع ليال خلت من شعبان سنة إحدى و عشرين.

و نزع ارمانوس الملك خفّه الأحمر لئلا يعرف؛ و لبس خفّا أسود- و لا يلبس الخفّ الأحمر عندهم إلا الملك- و هرب. و أخذ شبل الدّولة تاجه و بلاطه و لبّاده؛ و هرب في أرمن كانوا معه حموه بالسّهام‏ (1).

و أخذ الرّوم الطريق إلى الجبل منهزمين و طلعوا فيه، و حصلوا في بلد

____________

(1)- عالجت هذه الأحداث في كتابي إمارة حلب ص 87- 96، معتمدا على مختلف المصادر، لا سيما البيزنطية منها.

208

قورس‏ (1)، و كان للرّوم. و لحق بعضهم بعضا و لم يبق مع الملك إلا القليل. و قتل المسلمون من بطارقته و غيرهم ما لا يحصى، و أسروا من أولاد الملوك و غيرهم كذلك، و اشتغل النّاس بالنّهب، و أخذوا من الدّواب و الثياب و الديباج و الأمتعة و آلآت العسكر ما لا يوصف.

و ذكر أنّ طائفة من بني قطن من نمير وردت عند الهزيمة؛ فأخذت ثقل الملك نحوا من ثلاثمائة بغل محمّلة، حتّى أنّهم تقاسموا الدنانير الأرمانوسيّة بالقصعة؛ فحصل لكلّ واحد منهم ثماني عشرة حفنه.

و كان ملك الرّوم لما رحل طرح النّار في المنجنيقات و العرّادات و التّراس؛ و نهب النّاس منها ما أبقته النّار، حتى أنّ أكثر سقوف بلد حلب جعلت التّراس عليها عوض الدفوف.

و قيل: إنّ الناس بحلب باتوا على السّور قبل الوقعة بيوم، و فيهم ابن نمير العابد، فبات يصلّي على السّور، و سجد في آخر اللّيل، فنام و هو ساجد، فرأى في منامه عليا- (عليه السلام)- راكبا، و لباسه أخضر، و بيده رمح، و هو يقول له: «ارفع رأسك يا شيخ، فقد قضيت حاجتك». فانتبه بقوله فحكى للنّاس ذلك، فتباشروا به.

و حكي عن مرتضى الدّولة أنّه قال: «استدعاني أرمانوس في آخر تلك‏

____________

(1)- لعل قورس المعروفة الآن باسم كويري، و تبعد عن حلب مسافة 33 كم. و كانت قورس كالمسلحة لأنطاكية. بغية الطلب ج 1 ص 263- 264.

209

الليلة التي رأى ابن نمير تلك الرؤيا فيها، فقال لي: لكم بحلب راهب.

فعلمت أنّه يعني ابن نمير، فقلت: نعم؛ فقال: صفه لي! فوصفته، و حلّيته.

فقال لي: رأيت هذا الرجل بعينه في هذه السّاعة، و كأني قد أشرفت على سور هذه المدينة؛ و هو قائم عليه يومي إليّ بيد و يقول: ارجع، فما تصل إلى هذا البلد. و تكرّر ذلك، و لا أرى أنه يتمّ فيه شي‏ء. فلمّا كان من غد كسرت السّرية التي أرسلها الملك إلى عزاز، ثم كانت الوقعة و الهزيمة بعد ذلك».

و قد ذكرنا عن ابن نمير نحوا من هذه الحكاية، عند منازلة ملك الروم حلب.

و حكى بعض الكتّاب بحلب: أنه كان في خدمة وثّاب بن محمود بن نصر، عند تاج الدّولة تتش بن ألب أرسلان، و هو في نوبتيه على ظاهر حماة، فخلع على وثاب فرجيّة و شقّ، و قال: «هذه مباركة أخذها أبي السلطان ألب أرسلان من ديوخانس ملك الرّوم لمّا كسره» (1).

قال: فاستدعى وثاب قحف مينا ظاهرا و باطنا، و قال: «هذا يا مولانا مبارك نشرب به لأن جدّي نصرا أخذه من الملك أرمانوس بناحية عزاز».

فقال تاج الدولة: «يا وثّاب لم يكن بد من مساواتي في الافتخار». فقال: «لا بل عرّفت مولانا كبر بيتي، و إنّني له كبعض العبيد الصّغار». فقال له بالتركي: «بل أنت أخي الكبير». فقام وثاب؛ و قبّل الأرض قدّام السّرير، فزاد في إقطاعه، و خلع و حمله على مركوبه.

____________

(1)- لما كسره في معركة منازكرد سنة 463 ه.

210

و قيل: إنّ ثمالا و نصرا حقد عليهما ملك الرّوم ما جرى منهما على ميخائيل بناحية قيبار، فخرج بنفسه، فسيّرا ابن عمهما مقلّد بن كامل يبذلان له الطاعة و الخدمة، و كان قد سيّر إليهما يسومهما تسليم حلب، و يقول إنّه يخاف أن تتم عليهما حيلة فتخرج حلب من أيديهما؛ و عرض عليهما عوضا عنها ما اختاراه؛ فاعتقلا رسوله انتظارا لما يرد من جواب رسالتهما.

فبلغه ذلك فاعتقل مقلّد بن كامل، و خرج بنفسه؛ فأخرجا حرمهما من حلب إلى البرّية خوفا منه، حتّى كان من أمره ما ذكرناه؛ و كان ثمال في القلعة يحفظها، و نصر باشر القتال.

فلما عاد ملك الرّوم سار نصر و ثمال لاحضار حرمهما، فسبق نصر إليها، و استولى عليها، و عوّض ثمالا بوساطة من توسّط بينهما الرّحبة و بالس و منبج و أعمالها.

و خرج بعد هذه الكسرة قطبان أنطاكية الخادم المعروف بنقيطا- و تفسيره بالعربية الدويك- في خلق عظيم، فعاث في البلد العربيّ، و أفسد، و فتح حصن المنيقة، و هجم رفنيّة، و سبى عشرة آلاف من أهلها، و نقض أبرجة سورها في سنة إحدى و عشرين؛ و فتح في سنة اثنتين حصن بني الأحمر، و حصن بني غناج، و غير ذلك من الحصون و خربّها (1).

____________

(1)- يرجح أن هذه الحصون وجدت ما بين منطقة القدموس امتدادا حتى سفوح منطقة جبلة و طرطوس. انظر تاريخ يحيى بن سعيد ص 418- 422، فالمنيقة سيكون من حصون الدعوة الاسماعيلية، و بدّل اسم بكسرائيل إلى بني قحطان، و مرقيه تحمل الاسم نفسه أو اسم نبع حسان في أحواز طرطوس إلى جانب منتجع الرمال الذهبية.

211

فراسله شبل الدّولة و لاطفه إلى أن صالحه، و جعله سفيرا بينه و بين ملك الرّوم في طلب الهدنة، فاستقرّ أن يحمل نصر في كل سنة إلى ملك الرّوم دراهم خمسمائة ألف درهم، في نجمين من السّنة، قيمتها ثمانية آلاف مثقال ذهب.

و أطلق الملك مقلّد بن كامل بن مرداس رسول نصر، و أعطاه صليبا من ذهب مرصّعا أمانا لنصر، و وفاء بالشّرط.

و سيّر شبل الدولة نصر شيخ الدولة أبا الحسن بن الأيسر إلى الظاهر بمصر؛ و حمل إليه هديّة من جملة ما غنمه من الرّوم، من الثياب، و الصياغات، و الأواني، و الألطاف الكثيرة. و قاد في صحبته نحو مائة و خمسين رأسا من الدواب، خيلا و بغالا، و وقع فعله عندهم أحسن موقع‏ (1).

و قام أبو الحسن الجرجرائي بتمهيد أمره.

و أقام ابن الأيسر إلى أن توفي الظّاهر، فخلع المستنصر على ابن الأيسر؛ و سيّر معه خلعا لنصر بن صالح، و لقّبه مختصّ الأمراء، خاصّة الإمامة، شمس الدّولة و مجدها، ذو العزيمتين.

و في أيّام نصر اجتمع بجبل السّماق قوم يعرفون بالدّرزيّة منسوبون إلى رجل خيّاط أعجميّ؛ و جاهروا بمذهبهم، و خرّبوا ما عندهم من المساجد، و دفعوا نبوة الأنبياء، و جحدوهم إلا الإمام الحاضر الذي يدعو إليه الدّرزي،

____________

(1)- عالجت هذه القضية في كتابي إمارة حلب ص 96- 99.

212

و أحلّوا نكاح المحارم، و تفاقم أمرهم، و تحصنوا في مغاير شاهقة على العاصي، و انضوى إليهم خلق من فلاحي حلب، و طمعوا بالاستيلاء على البلاد.

فخرج إليهم نقيطا قطبان أنطاكية، و حاصرهم في المغاير، و دخّن عليهم، و ساعده على ذلك نصر بن صالح صاحب حلب، ثمّ التمسوا الأمان بعد اثنين و عشرين يوما، فأخرجوهم بالأمان؛ و قبضوا على دعاتهم و قتلوهم؛ و ذلك في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث و عشرين و أربعمائة.

و في هذه السّنة استوحش سالم بن مستفاد الحمدانيّ من شبل الدّولة نصر؛ و كان صالح بن مرداس قد ولاه رئاسة حلب بعد ما سلّمها إليه، و قدّمه على الأحداث، و أبقاه نصر بعده على حاله إلى هذا التاريخ و استقرّ عليه أحداث حلب و رعاعها؛ و لبسوا السلاح؛ و عوّلوا على محاربة القلعة.

و كان يتردّد بين سالم و بين شبل الدّولة كاتب نصراني يعرف بتوما و كان يحرّف ما ينقله عن ابن مستفاد إلى نصر، و يزيد في التجني، و يسوم شططا لا يمكن إجابته إليه، و ذلك من غير علم ابن مستفاد.

فلما رأى شبل الدّولة نصر كثرة تعديه حمل نفسه على محاربته، و ركب إليه؛ فلمّا رآه الحلبيّون دعوا له و انقلبوا إليه، و قاتلوا دار ابن مستفاد، فطلب الأمان فحلف له أنه لا يجري له دما و حبسه بالقلعة، و نهبت داره؛ ثم خاف استبقاءه فقتله خنقا، ليخرج عن يمينه بأنه لم يجر له دما.

(1)

____________

(1)- انظر إمارة حلب ص 98- 99.

213

و تبيّن لنصر بعد قليل كذب ذلك النصرانيّ الكاتب، و ما كان يحرّفه في رسالته فقبض عليه، و طالبه بمال؛ فلما استصفى ماله دخل عليه بعض أجناد القلعة فخنقه في ذي القعدة. و قيل ذي الحجة من سنة خمس و عشرين و أربعمائة.

و دام نصر بن صالح في مملكة حلب إلى سنة تسع و عشرين و أربعمائة.

و قتل في المصاف بينه و بين أمير الجيوش الدّزبري.

و ذلك أن أمير الجيوش استقرّ بدمشق، بعد قتله صالح بن مرداس بالأقحوانة؛ فسعى جعفر بن كليد الكتامي والي حمص في إفساد ما بين نصر بن صالح و أنوشتكين الدّزبري. و كان عند أنوشتكين استعداد لذلك لقتله صالحا أباه؛ فشرع جعفر بن كليد يغري أنوشتكين بنصر، و يحمله على أذاه حتى خرجا إلى الوحشة و المنافرة.

فكاتب الدّزبري ملك الروم، و استأذنه في محاربة نصر، و استنقاذ حلب منه، و أن يؤدّي ما عليه من الحمل المقرّر إليه، فأذن له في ذلك، فاستمال الدّزبري جميع العرب من: الطائيّين، و الكلبيّين، و بعض الكلابيين، و سيّرهم إلى نصر بن صالح و معهم رافع بن أبي اللّيل. و من قبله من المغاربة، و اجتمع إليه علان بن حسّان بن الجرّاح الطائي.

و رحل الدّزبري قاصدا حماة، و كان عسكره قد تقدّم إلى وادي الملوك، شرقيّ الرّستن؛ فحين عرف نصر بخروجهم جمع بني عمّه و عسكره؛ و نزل تلا غربيّ سلمية، و التقوا فكسر نصر و أصحابه، و شرع في جمع من قدر

214

عليه، و استنجد بشبيب بن وثّاب أخي زوجته.

و رحل الدّزبري عقيب الوقعة الأولى إلى حماة، فدخلها، و نهبها. ثم رحل منها فالتقوا عند تلّ فاس، غربي لطمين‏ (1)، فانهزم ثمال بن صالح.

و ثبت نصر في خواصّ أصحابه، و قاتل قتالا شديدا، فطعن و وقع، و احتزّ رأسه في نصف شعبان. و قيل: لسبع عشرة ليلة بقيت منه، من سنة تسع و عشرين و أربعمائة.

و حمل رأسه إلى الدّزبريّ فحمله، و تأسّف عليه، و أظهر عليه حزنا، و أنفذ من تسلّم جثته فصلبت في حماة على الحصن، ثم أمر بانفاذ ثياب، و طيب، و تكفين الجثّة في تابوت، و دفنها في المسجد؛ فنقلها مقلد بن كامل لمّا ملك حماة إلى قلعة حلب.

و قيل: إنّ الذي قتله ريحان الجويني، و أجهز عليه هفتكين التركي المعروف بالسروري. و تأمّل المنجّمون الوقت و الزمان الذي قتل فيه أبوه فكان بين قتله و قتل أبيه أربعة أيام، يريد من السنين الشمسيّة (2).

____________

(1)- لطمين الآن احدى قرى محافظة حماة، و تبعد عنها مسافة 36 كم.

(2)- انظر معالجة هذه المسألة في كتابي إمارة حلب ص 99- 101.

215

[عهد أنوشكتين الدزبري‏] (1)

و لما هرب ثمال بن صالح وصل إلى حلب، و معه شبيب بن وثّاب، في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان؛ فملكها ثمال، و وعده مشايخها بالمعونة و النّصر، فخوّفه خليفة بن جابر الكعبي، و قال له: «ربّما خذلتك عشيرتك و قعد بك أهل البلد، و لم يمكنك الثبات و المقاومة، و لا الانصراف على حال السّلامة». و أراد بذلك غشّه لا نصحه.

و كان أمير الجيوش قد سيّر في أثرهم إلى حلب عسكرا يقدمه طغان المظفّري، فخاف ثمال من المقام بحلب، و ولّى بقلعة حلب مقلّد بن كامل بن مرداس، و بالمدينة خليفة بن جابر الكعبيّ.

و أطلق للتجّار ديونا كانت لهم على أخيه مقدارها ثلاثون ألفا ذهبا، ليستميل الناس بذلك إلى طاعته؛ و أخذ أولاد أخيه، و أخذ شبيب‏ (2) زوجة أخيه- أخته غلويّة المعروفة بالسيّدة- و أخذا من المال و الآنية الذّهب و الفضّة و الثّياب ما قدرا على حمله؛ و ساروا إلى الجزيرة.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- شبيب بن وثاب النميري، و أخته علوية بنت وثاب زوج نصر وام محمود بن نصر.

216

و قيل: إنّ السيّدة أخذت من القلعة عند قتل نصر خمسين ألف دينار، و أخذ ثمال ثلاثين ألفا، و سار ثمال يستنجد بأخواله بني خفاجة.

و وقعت الفتنة بحلب، و نهبت دار السّلطان، و أموال التجار. و كان رسول ملك الرّوم قد وصل إلى حلب فنهب العامّة متاعه و دوابّه.

و أما طغان فانّه لما وصل بالعسكر إلى حلب نزل على المدينة، فراسله خليفة بن جابر الكعبيّ و من وافقه من الحلبيّين في تسليم البلد؛ فتسلّمه في يوم السبت الرّابع من شهر رمضان.

و أنفذ رسولا إلى الدّزبري يعلمه بذلك؛ فأغذّ السّير إلى حلب، و وصل إليها في عدة قليلة، و اجتاز في طريقه بمعرّة النّعمان، فالتقاه أهلها، فأكرمهم و سألهم عن أبي العلاء بن سليمان. و قال لهم: «لأسيرنّ فيكم بسيرة العمرين». و اجتمع عنده بالمعرّة كثير من العرب، فخشي منهم، فأركب رجلا من أصحابه جملا، و نادى بمعرّة النّعمان و بظاهرها: «من لم يأخذ معه قوت ثلاثة أيّام فلا يلومنّ إلا نفسه». فلم يبق من العرب أحد حوله؛ و ظن كلّ منهم أنه يطلب حلّته.

و تمّ أمير الجيوش إلى حلب، فدخلها يوم الثلاثاء السابع من شهر رمضان، و القلعة مستعصية على أصحابه في يد سيف الدّولة مقلد بن كامل بن مرداس، و قد احتوى على الأموال التي بها، و استولى على جمهورها.

فتردّدت الرسل بينه و بين مقلّد حتى قرّر له عمّا في القلعة ثمانين ألف دينار، و ثيابا، و فرشا، و آلات فضّة، مكرا و خديعة و أن يأخذ المقلّد الباقي،

217

و قنع الدّزبري بذاك؛ و أفرج له عن نزوله و خروجه فسلّم مقلّد القلعة و صعد إليها أمير الجيوش، يوم الثلاثاء لثمان بقين و قيل لسبع بقين من شهر رمضان.

و أقام مقلّد يوما واحدا بعد نزوله من القلعة؛ و هرب بما معه من الأموال خوفا من غدر الدّزبري به؛ و لحق بحلّته و بثمال بن صالح بالجزيرة؛ و نادى الدّزبري في مدينة حلب بأن يخرج منها جميع الجند و الحواشي الذين كانوا يخدمون ابن صالح.

و اجتمع النّاس من سائر البلدان ليهنئوه بالفتح؛ و جلس للهناء في القصر بباب الجنان؛ و عيّد عيد الفطر بحلب؛ فذكر أنّه لم ير بحلب عيد أحسن منه، لكثرة ما أظهر فيه من العدّة و الآلة؛ و أحسن إلى أهل حلب؛ و أمر بردّ ما كان صالح اغتصبه من أملاك الحلبيّين؛ و تزوج بنت منصور بن زغيب. و ولّى بقلعة حلب مملوكين له: أحدهما يقال له فاتك، و الآخر سبكتكين؛ و ولّى بالمدينة غلامه رضيّ الدّولة بنجوتكين.

ثمّ قصد بالس و منبج؛ فأخذهما. و رام أخذ الرّحبة فلم يقدر عليها.

و أقام بحلب إلى أن عيّد عيد الأضحى، و سار إلى دمشق. و مدحه ابن حيّوس بقصيدة يذكر فيها قتل نصر، يقول فيها:

و لمّا طغى «نصر» أتحت له الرّدى‏* * * و لم ينجه الجمع الكثير و لا الحشد

(1) و بأخرى يذكر فيها فيها فتح حلب، أوّلها:

____________

(1)- ديوان ابن حيوس- ط. دمشق 1951 ج 1 ص 173.

218

هل بعد فتحك ذا لباغ مطمع‏* * * للّه هذا العزم ماذا يصنع‏ (1)

و ولّى قضاء حلب أبا الوليد سليمان بن خلف الباجي سنة واحدة (2)؛ ثم وليه بعده القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة- جدّ جدّ أبي- (3).

و مات شبيب بن وثّاب النميري في سنة إحدى‏ (4) و ثلاثين و أربعمائة.

و استولى أخواه مطاعن و قوام على ما كان في يده من الجزيرة؛ و كانت أخته السيّدة علويّة- امرأة نصر- مقيمة بالرّافقة؛ فتحيّلت على غلام أخويها الوالي بالرافقة إلى أن أخرجته؛ و استولت على البلد، و تزوجت بثمال لتقيم هيبتها به، و يحفظ أمرها.

و وقع في هذه السّنة وقعة بين عسكر الرّوم و عسكر حلب، فكسر عسكر أنطاكية الحلبيّين؛ و عاد الدّمستق إلى أنطاكية، و دخل طغان حلب، و حصل ثمال بن صالح في الرّقة، و خشي الدّزبري من قربه إلى حلب، فاشترى قلعة دوسر (5) ليكون مطلا عليه. و راسل نصر بن مروان صاحب ميّافارقين في أن يزوّج ابنته لابنه، فأجابه إلى ذلك، فاستوحش المصريّون منه‏

____________

(1)- ديوان ابن حيوس- ج 1 ص 337.

(2)- لأن الباجي عاد إثر هذا إلى الأندلس.

(3)- هذه هي المرة الأولى التي دانت فيها جميع بلاد الشام للفاطميين انظر كتابي إمارة حلب ص 105- 109.

(4)- بهامش الأصل: بلغ مقابلة و سماعا بخط المؤلف.

(5)- هي قلعة جعبر القائمة الآن في وسط بحيرة سدّ الفرات في سورية.

219

لذلك، و أنفذ إلى مصر ليحضر زوجته و ابنته، فلم يطلقهما الوزير.

و ثقل على الوزير الجرجرائي فتح الدّزبري حلب، لأنه لم يكن برأيه؛ و أنكر ذلك فقال الدّزبري: «قد خرف الوزير»، و بسط لسانه فيه بالكلام القبيح، فكاتب ولاة الشّام بترك الانقياد له؛ و كتب توقيعا عن المستنصر لثمال بن صالح بحلب؛ و شرط عليه أن يحمل جميع ما بقلعتها من المال إلى المستنصر.

و كاتب أجناد دمشق، و أغراهم به فثاروا عليه، و أحدقوا به بقصر كان له في ظاهر دمشق؛ فهرب من دمشق ليلا؛ و معه ثلاثمائة صبيّ من غلمانه الأتراك ليس لواحد منهم لحية، و على وسط كل واحد منهم ألف دينار؛ و أحدقت به بنو كلاب فلم يقدروا عليه.

و نزل بحصن المعرة، ثم سار منها إلى حلب؛ و لقيه عسكره بها في أراضي سرمين، فدخل حلب في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة.

و شرع ثمال بن صالح في جمع عشيرته، و حشد من أجابه من العرب و غيرهم لمنازلة حلب؛ و طمع في الدّزبري. فرأى بنفسه الذلّ لمّا لم يكن له طاقة بدفعهم، و زاد همّه و غمّه، حتّى مرض مرضا حادا؛ و مات بعد ثلاثة أيّام، يوم الأحد النصف من جمادى الأولى سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة.

و دفن بحلب؛ ثم نقل منها إلى البيت المقدّس، في سنة ثمان و أربعين‏

220

و أربعمائة (1).

فدّبر البلد بعده مملوكه رضيّ الدولة بنجوتكين التّركيّ أبو منصور، بقيّة جمادى الأولى و ثمانية و عشرين يوما من جمادى الآخرة؛ فوصل معزّ الدّولة أبو علوان ثمال بن صالح بالتّوقيع الذي سيّره إليه المستنصر، فسلّم بنجوتكين و أهل المدينة إليه، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة من سنة ثلاث و ثلاثين و أربعمائة، بعد أن نزل إليها و معه مقلّد ابن عمّه في جماعة، و قاتلوها أيّاما، و استظهر الحلبيّون عليهم، فرحلوا إلى ناحية قنّسرين.

و جرى بين الحلبيّين و المغاربة عربدة، و قتل بينهم جماعة، و نهبت أهراء السّلطان، و طلع أصحاب الدّزبري إلى القلعة خوفا على أنفسهم، فلم يمكنهم سبكتكين من دخولها، فنزلوا في القصر تحت القلعة.

و استدعى الحلبيون ثمالا و مقلّدا. فورد مقلّد في مقدّمته من قنّسرين، فتسلّمها يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى. و وصل ثمال يوم الثلاثاء، فدخلها و اجتمع إليه أحداثها. و اعتصم سبكتكين بالقلعة شهرا و سلّمها إليه.

و قيل: إنه بقي بها إلى النصف من صفر سنة أربع و ثلاثين و أربعمائة؛ و ان القلعيّين رموا على الحلبيّين، و أتوا على عدد كثير منهم، و أصلح الحلبيّون المنجنيقات، و قاتلو بها القصر الذي تحت القلعة، و نقبوه، و خربوا حيطانه مما يلي المدينة مع قطعة من سور المدينة من ناحية باب العراق.

____________

(1)- بحثت في حقبة حكم الدزبري من مختلف الجوانب في كتابي إمارة حلب ص 109- 111.

221

و ثبت سبكتكين على الحصار مدّة سبعة أشهر، و استنصر الفريقان‏ (1) و نفد ما مع آل مرداس من المال، و وقع المرض في القلعيّين فأفناهم، و أيس الباقون من نفوسهم فجنحوا إلى التّسليم، و اصطلحوا على شروط منها أن لا يعرض لأحد من القلعيّين بمساءة، و انتظم الأمر و سلّمها سبكتكين بجميع ما فيها بعد أن أخذ لنفسه ثلاثين ألف دينار، و لورثة الدّزبري اثنين و ثلاثين ألف دينار.

____________

(1)- راسل ثمال الامبراطورية البيزنطية و طلب تأييدها. إمارة حلب ص 113

222

[إمارة ثمال بن صالح‏] (1)

و استقرّ ملك حلب:

لمعزّ الدّولة أبي العلوان ثمال بن صالح بن مرداس.

و وصله تشريف من المستنصر في سنة ستّ و ثلاثين. و درّت الأرزاق في أيامه على النّاس، و أحسن السّيرة معهم، و جاد بالعطاء.

و ظهر في أيّامه ببعلبك رأس يحيى بن زكريّا في حجر منقور فنقل إلى حمص ثم إلى حلب، فوضع بمقام ابراهيم- (صلى اللّه عليه)- بقلعة حلب في سنة خمس و ثلاثين و أربعمائة.

و كان ثمال لمّا طاول حصار قلعة حلب قد رغب إلى تدورا ملكة الرّوم، و سيّر رسولا يلتمس نصرتها و إعانتها و انتماءه إليها، فرتبت ثمالا ماخسطرس على حلب، و مقلّد ابن عمه بسطرخس، و جعلت له واجب الماخسطرية عن حلب؛ و رتّبت صالح بن ثمال، و منيع بن مقلّد، و محمود بن نصر، و عطّية و حسنا أخوي ثمال، بطارقة. و رتبت السّيدة علويّة أم محمود بطريقة؛ و أطلقت لجماعتهم واجبات هذه المراتب؛ و سيّرت إليهم هدايا كثيرة؛

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

223

و شرطت على ثمال أن يحمل في كلّ سنة ما كان يحمله أخوه نصر، على الشروط المشروطة عليه‏ (1).

و كان المستنصر قد وقّع لثمال بحلب على أن يحمل إليه جميع ما بقلعتها من المال- على ما ذكرناه- فلمّا استولى ثمال على حلب حمل إلى المستنصر من ذلك مائتي ألف دينار؛ و أفرد برسم عمارة القلعة و مساكنها و مصانعها خمسة و سبعين ألف دينار؛ و إقامة العوض عما استنفد من العدّة و هلك من أصحاب الأسلحة باستعمالها و الابتذال لها في الحرب ثلاثين ألف دينار؛ و ما أخذه من آلات ذهب و فضّة و غيرها خمسة عشر ألف دينار.

فلمّا علم المستنصر بذلك شقّ عليه ذلك، و وقعت الوحشة بينه و بين معزّ الدّولة ثمال، فعصى ثمال على المستنصر، فسيّر المستنصر إليه إلى حلب الأمير ناصر الدّولة أبا محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان‏ (2)، و معه عبد العزيز بن حمدان، و شجاع الدّولة بن كليد.

و كان ناصر الدّولة بن حمدان قد ولّي دمشق من قبل المستنصر بعد الدّزبري، فوصلوا إلى حلب بعد أن فتحوا حماة و معرّة النّعمان، في سنة تسع و ثلاثين و أربعمائة؛ فطاف بحلب و لم ينزل بها؛ فخرج أهل حلب لقتاله، فهزمهم و اختنق منهم في الباب- على ما يقال- سبعة عشر ألف نفس.

____________

(1)- انظر إمارة حلب ص 113- 114.

(2)- هو الحسن بن الحسين بن الحسن بن عبد اللّه بن حمدان، ناصر الدولة بن ناصر الدولة.

ترجم له ابن العديم في بغية الطلب ص 2329- 2333.

224

و عاد ناصر الدّولة فنزل بصلدي- قرية قريبة من حلب على نهر قويق- فجاءهم سيل في اللّيل لم يسمع بمثله، فغرق أكثر المضارب، و أتلف الرجال، و أهلك الدّواب المشبوحة، فانهزم ناصر الدّولة عن حلب إلى دمشق، فقبض عليه الأمير منير الدّولة بها في شهر رجب من سنة أربعين و أربعمائة، و سيّر إلى مصر (1).

و كان معزّ الدّولة ثمال قد خاف من الحلبيّين أن يسلموا البلد إلى أبي محمد بن حمدان حين توجّه إلى حلب؛ فقبض أعيان الحلبيين- و منهم قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة- و اعتقلهم بالقلعة سنة أربعين، فلمّا كفي أمر ابن حمدان أطلقهم في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة.

و قتل معزّ الدّولة منهم الشريف أبا علي محمد بن محمد بن صالح المحبره بسعاية ابن الأيسر به، دون الباقين؛ فانّ ابن الأيسر صعد إلى مصر رسولا فتحقّق براءة الباقين من تهمة تتطرق إليهم.

و وصل شجاع الدولة بن كليد والي حمص، في سنة أربعين و أربعمائة عائثا على بلد حلب، فخرج إليه مقلّد بن كامل بن مرداس و أبو الوفاء حفاظ المعرّي، في جمع من الكلابيين و رجّالة الحلبيّين و الفلاحين، فالتقوا بكفر طاب.

و مضى ابن كليد لينهزم، فلحقته بنو كلاب، فقتل في هذه المرّة شجاع‏

____________

(1)- إمارة حلب ص 114- 115.

225

الدّولة بن كليد والي حمص؛ قتله جعفر بن كامل بن مرداس، و حمل رأسه إلى حلب. و كان المنجّم رأى أنّه يدخل إلى حلب، فدخلها قطعا، و انهزمت عساكره.

فسار مقلّد بن كامل إلى حماة ففتحها بعد أن قاتل حصنها أيّاما؛ ثم سار إلى حمص و وجد ابن منزو قد أتاها في عسكر من دمشق، فانهزم إلى باطن حمص، و قاتل قتالا عظيما فقلّ عليه الماء، فخرج ابن منزو إليهم بالأمان.

ثم إنّ المستنصر سيّر الأمير أبا الفضل رفق‏ (1) الخادم الى جيش كثيف إلى حلب، في سنة إحدى و أربعين، و قيل سنة اثنتين. و نزل على حلب على مشهد الجف، فقاتله الحلبيّون، فانكسر عليها و جرح و أخذ أسيرا، فمات في قلعة حلب في الأسر.

و سيّر معزّ الدّولة كلّ من بقي من أصحابه مأسورا إلى مصر؛ ففي ذلك يقول الأمير أبو الفتح بن أبي حصينة:

يا رفق رفقا ربّ فحل غرّه‏* * * ذا المشرب الأهنى و هذا المطعم‏

حلب هي الدّنيا تلذّ و طعمها* * * طعمان شهد في المذاق و علقم‏

قد رامها صيد الملوك فما انثتوا* * * إلا و نار في الحشا تتضرّم‏ (2)

____________

(1)- لرفق الخادم ترجمة في بغية الطلب ص 3674- 3678.

(2)- ديوان ابن أبي حصينة- ط. دمشق 1956، ج 1 ص 247.

226

و كان رفق لّما نزل على حلب داهن عليه العرب الكلبيّون، فأشار عليه عسكره أن يرحل عن حلب إلى صلدع فلم يفعل؛ فأشير عليه أن يقبض على أمراء طي‏ء و كلب فلم يفعل، فقيل له أن ينشى‏ء سجلا عن السلطان بانّه قد أقطع الشام لمعزّ الدّولة، و يعود بهيبته فلم يفعل؛ فلمّا رآه أمراء العسكر لا يلتفت إليهم، و لا يقبل مشورتهم، و وقع القتال، انهزم العرب فانهزم العسكر معهم، فسيّر رفق إليهم و أمرهم بالعود فلم يلتفتوا.

و خرج من حلب خيل يسيرة فشاهدوا رحيل العسكر فظنوا أنه حيلة فاتبعوهم، و غنموا منهم. و خرج من بحلب فلحقوا رفق الخادم، في طرف جبل جوشن، و جرح ثلاث جراحات، و أخذ و الضّرب القوىّ برأسه، فمات في القلعة و دفن في مشهد الجفّ. و نهب من العسكر شي‏ء عظيم من الأموال و القماش و الدّواب‏ (1).

ثم أن معزّ الدّولة ثمالا استمال المستنصر بعد هذه الوقعة، و لاطفه، و حمل القسط إلى مصر على يد شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، و سيّر معه ولده وثّاب و زوجته علويّة بنت وثّاب المعروفة بالسيّدة، و سيّر معه من مال القلعة أربعين ألف دينار، و هدايا، و ألطافا فاخرة، و تحفا جليلة.

فلمّا وصلت أكرمها المستنصر غاية الإكرام، و حضرت بين يديه،

____________

(1)- استنجد ثمال ببيزنطة، و استجاب الامبراطور فسطنطين التاسع إلى طلب ثمال، فبعث رسولا إلى القاهرة يطلب ايقاف حملة رفق و يهدد بالتدخل لصالح ثمال. إمارة حلب ص 116- 119.

227

فقبّلت الأرض، و قالت: «خصّك اللّه يا أمير المؤمنين بأفضل تحيّة و سلام».

فردّ عليها أفضل ردّ؛ و سألها عمن خلّفته بالشام، فقالت: «في نعيم و خير إن أنعمت عليهم بأمان و ذمام، حسبما جرت به عادة هذا البيت المنيف من الإحسان و الإكرام».

فأعجبه منها سرعة جوابها و حسن توصّلها، و قال لها: «أنت المسمّاة بالسّيدة» فقالت: «نعم، سيّدة قومي و أمتك يا أمير المؤمنين، صلوات اللّه عليك». فقال: «ما خيّب اللّه من فوّض تدبير أمره إليك في هذه الرّسالة». ثم أمرها أن تمل على كاتبها تذكرة ليوّقع لها بجميع ما تقترحه توقيعا مفردا، و توقيعا بحلب و سائر أعمالها لمعزّ الدّولة.

و أمر لمعزّ الدّولة بتشريف و لجميع بني عمّه، و أفاض عليها ما غمرها و جميع أصحابها و حاشيتها؛ و عادت بمقصودها (1).

و لما وردت زوجة معزّ الدّولة إلى حلب سكن معزّ الدّولة إلى ذلك، و اطمّأنّ، و نشر العدل، و طابت قلوب الرّعيّة. و ولى وزارته في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة رجلا من أهل الرّحبة يقال له أبو الفضل ابراهيم بن عبد الكريم بن الأنباري، و لقّبه الثقة الكافي؛ و كان رجلا حسن السّياسة.

و سيّر ثمال شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، في سنة ثلاث و أربعين، رسولا إلى القسطنطينية بالمال المقرّر عليه في كلّ سنة، و بهدية

____________

(1)- انظر إمارة حلب ص 119.

228

فشاهدوا من سداده و كمال مروءته ما أوجب لهم أن ميّزوه عن غيره من الرّسل، و أكرموه، و جعلوه بسطرخس في مرتبة مقلّد بن كامل، و جعلوا مقلدا ما خسطرس في مرتبة ثمال، و جعلوا ثمالا ابريدرس‏ (1)؛ و سيّروا إليه هديّة سنّية عوضا عن هديّته.

و مات قاضي حلب أبو الحسن بن أبي جرادة في سنة خمس و أربعين، فولّى القضاء بحلب القاضي أبا محمد كسرى بن عبد الكريم بن كسرى و إليه ينسب آدر بني كسرى‏ (2) بحلب.

ثم قدم الوزير فخر الدّولة أبو نصر محمّد بن محمّد بن جهير حلب فاستوزره معزّ الدّولة، و فوّض أموره جميعها إليه، فاستقامت، و تضاعف ارتفاعه، و ضبط أمواله، فحسد على مكانه، و قربه منه، فسعى به إلى معز الدّولة. و كان معز الدّولة له وفاء و ذمة فنبّهه على ما سعي به عليه، فاستأذنه في المفارقة ففسح له في ذلك، فسار من حلب سنة ستّ و أربعين و أربعمائة، و قصد ابن مروان.

فولّى معزّ الدّولة وزارته سديد الدّولة أبا القاسم هبة اللّه بن محمد بن‏

____________

(1)-Protoproedrus منصب رفيع أبدع في القرن الحادي عشر للميلاد. انظر

Cambridge 22 P, 2 P art, 4 Vol, Medieval History

. (2)- حيث قامت المدرسة الصلاحية في محلة سويقة علي، و أسست المدرسة من قبل الأمير المملوكي صلاح الدين يوسف بن الأسعد الدوادار [ت 745 ه]. الآثار الاسلامية و التاريخية بحلب ص 228- 229.

229

الرعباني الرحبي إلى أن سلّم حلب إلى المستنصر؛ و سافر ابن الرعباني إلى مصر، فولاه المستنصر وزارة مصر عشرة أيّام، ثم عزله، ثم أعاده إلى الولاية فأقام فيها عشرة أيام و انصرف.

و وصلت الخلع و التشريف من مصر لثمال، في محرم سنة سبع و أربعين و أربعمائة، على يدي أبي الغنائم صالح بن علي بن أبي شيبة، فمدحه أبو القاسم هبة اللّه بن فارس المؤدّب بقصيدة أوّلها:

لا زال طوعا لأمرك الأمم‏* * * و لا خلت من ديارك النّعم‏

و تنكّر معزّ الدّولة ثمال لثقته و أمينه شيخ الدّولة عليّ بن أحمد بن الأيسر، و قد ساء رأيه فيه، فصرفه عمّا كان يتولاه من أموره، و أقام مقامه سالما و مسلما ابني علي بن تغلب. و استوحش ابن الأيسر من المقام بحلب خوفا على نفسه فتسبّب في أن سار إلى مصر.

و أرسل ثمال سالما إلى تدورا الملكة بهدّية، و التمس منها الزيادة في مرتبته، فقبلت هديته، و عوضته عنها، و أجابته إلى ملتمسه، و جعلت سالما بسطرخس عوضا عن ابن الأيسر.

و اندفع البساسيري‏ (1) المتغلّب على بغداد إلى الشام، في سنة سبع و أربعين و أربعمائة، منهزما من طغرلبك؛ و حصل في أرض الرّحبة، و وصل‏

____________

(1)- للبساسيري ترجمة في بغية الطلب ص 1347- 1357. كما و عالجت مسألة قيام هجرة الغز و تأسيس السلطنة السلجوقية و إثر ذلك ثورة البساسيري في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية- ط. دمشق 1973 ص 13- 124.

230

في قل من الرّجال، فلقيه معزّ الدّولة ثمال و أكرمه و حمل إليه مالا عظيما.

و حدّث بعض العرب من بني كلاب أنّهم لم يروا مثله في الشجاعة و المكر و الحيلة؛ و كان إذا ركب معزّ الدّولة قفز إليه، ليمسك له الرّكاب، و يصلح ثيابه في السّرج، و همّت بنو كلاب بالقبض عليه فمنعهم معزّ الدّولة.

ثمّ ندم بعد ذلك فإنه تقدّم إلى بالس، و شتّى بشطّ الفرات؛ و اجتمعت إليه العرب و الأتراك، ففزع منه معزّ الدّولة؛ و كان قد عرض عليه معزّ الدولة أولا مفاتيح الرّحبة فلم يأخذها منه؛ ثم طلبها منه في هذه الحالة ليجعل فيها ماله و أهله، في سنة ثمان و أربعين، فسلّمها معز الدولة إليه.

و كان معزّ الدّولة كريما معطاء حليما. فمّها يحكي من كرمه: أنّ العرب اقترحوا عليه مضيرة (1)، فتقدّم إلى وكيله أن يطبخها لهم، و سأله: «كم ذبحت لأجلها؟» فقال: «سبعمائة و خمسين رأسا». فقال: «و اللّه لو أتممتها ألفا لوهبت لك ألف دينار».

و استغنى أهل حلب في أيّامه، حتى أنّ الأمير أبا الفتح بن أبي حصينة امتدحه بقصيدة، شكا فيها كثرة أولاده، و كان له أربعة عشر ولدا، قال فيها:

جنيت على نفسي بنفسي جناية* * * فأثقلت ظهري بالذي شبّ من ظهري‏

عداد الثّريّا مثل نصف عدادهم‏* * * و من نسله ضعف الثّريّا متى يثري‏

و أخشى اللّيالي الغادرات عليهم‏* * * لأنّ اللّيالي غير مأمونة الغدر

____________

(1)- المضيرة أن تطبخ اللحم باللبن.

231

ولي منك إقطاع قديم و حادث‏* * * تقلّبت فيه تحت ظلّك من عمري‏

و ما أنا بالممنوع منه و لا الّذي‏* * * أخاف عليه منك حادثة تجري‏

و لكنّني أبغيه ملكا مخلّدا* * * خلود القوافي الباقيات على الدّهر (1)

فأمر معزّ الدّولة بإحضار شهود، أشهدهم بتمليكه ضيعتين من أعمال حلب و منبج، مضافتين إلى ما كان له من الإقطاع؛ فأثرى و حسنت حاله؛ و عمر بحلب دارا؛ و كتب على روشنها (2):

دار بنيناها و عشنا بها* * * في نعمة من آل مرداس‏

قوم محوا بؤسي و لم يتركوا* * * عليّ للأيّام من باس‏

قل لبني الدّنيا ألا هكذا* * * فليفعل النّاس مع النّاس‏ (3)

فكتب معزّ الدّولة له دارا إلى جانب داره؛ و هي الآن لبعض الشراف بحلب بالبلاط، تجاه المسجد؛ و الدّار التي بناها إلى جانبها مقابل حمّام الواساني‏ (4).

و ممّا يحكى عن معزّ الدّولة: أنّ فرّاشا من جملة الحفدة صبّ يوما من الأيّام على يده ماء بإبريق كان في يده، فصادفت أنبوبة الإبريق بعض ثنّيته،

____________

(1)- ديوان ابن أبي حصينة ج 1 ص 351- 352، و فيه أن القصيدة قيلت في مدح عطية بن صالح.

(2)- الروشن: الشرفة.

(3)- ديوان ابن أبي حصينة ج 1 ص 360- 361، و فيه أنه قالها في مدح نصر بن صالح.

(4)- كانت في محلة سويقة علي، و هي قد زالت تماما بعد فتح طريق إلى القلعة سنة 1945.

الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب ص 176- 177.

232

فكسرتها و سقطت في الطّست، فهمّ به الغلمان فمنعهم، و أمر برفعها، و عفا عنه، فقال ابن أبي حصينة:

حليم عن جرائمنا إليه‏* * * و حتّى عن ثنيّته انقلاعا (1)

و لمّا اتسع الرّزق على معزّ الدّولة، و لم يبق له عدوّ يقصده، اضطرب عليه بنو كلاب، و امتدّت أعينهم إلى ما في يده، و استقلّوا ما كان يصل منه إليهم، و أكثروا في العنت له، و قالوا: «لولانا ما صرت إلى ما صرت إليه، و ما أنت بأحقّ منّا بذلك، فينبغي أن تفرضه على جميعنا».

و أوجب الزيادة في ذلك أنّ معزّ الدّولة في سنة تسع و أربعين، سلم الرقة و الرافقة إلى منيع بن شبيب بن وثّاب النميري، لأنّها كانت لأبيه و كانت عمّته السيّدة زوجة معزّ الدّولة- و كانت قبله عند أخيه شبل الدّولة، فولدت له محمود بن نصر- و هي التي أخذتها من غلمان أبيها، على ما ذكرناه؛ فأعادها إلى منيع؛ فكثر اشتطاط بني كلاب و فسادهم.

فكاتب معزّ الدّولة المستنصر في تسليم حلب إليه؛ و طلب أن يعوّضه عنها أماكن تبعد عن مواطن الكلبيّين، ليأمن شرّهم و تزول منّتهم عنه؛ فأجابه المستنصر إلى ذلك؛ و عوّضه عنها بيروت، و عكّا، و جبيل‏ (2).

و أنفذ المستنصر نوّابه فتسلّموها منه؛ و هم: مكين الدّولة أبو عليّ‏

____________

(1)- ديوان ابن أبي حصينة ج 1 ص 168.

(2)- لم تكن الأمور بهذه البساطة، بل ارتبطت بحركة البساسيري مع أسباب أخرى، انظر إمارة حلب ص 120- 124.

233

الحسّن بن عليّ بن ملهم بن دينار العقيلي، و عين الدّولة أبو الحسن عليّ بن عقيل، و القاضي أبو محمّد عبد اللّه بن عياض قاضي صور، تسلّموا البلد و القلعة، في ذي القعدة من سنة ثمان و أربعين و أربعمائة.

و قد كان أبو علي بن ملهم مقيما برفنية؛ فقلّد الحرب و الخراج بحلب.

و في اللّيلة التي سلّمها معزّ الدّولة إليهم احترق المركز الشرقي بالقلعة، و ولّوا في قلعة حلب رجلا يعرف بركن الدّولة.

و صعد معزّ الدّولة مع عين الدّولة و قاضي صور إلى مصر، فلقي من المستنصر من الكرامة و الحباء ما لم يلقه وافد منه و لا من آبائه؛ و جعل له كلّ يوم، إلى أن وصل إلى مصر، ثلاثمائة دينار، و أعطي ما لم يعط أحد من المال و الجوهر و الآلة؛ و كان إذا ركب السلطان حجبه، و كان ذنب دابّته عند رأس دابّة السلطان.

و اعتلّ معزّ الدّولة بمصر، فركب السلطان، فوقف بباب داره حتّى خرج إليه و سأله عن حاله.

234

[إمارة محمود بن نصر الأولى‏]

(1) و أما ابن ملهم:

فإنّه أقام بحلّب، و عدل في الرّعيّة، و أحسن السّيرة، و بسط وجهه و يده لهم، و رخصت الأسعار في أيّامه، و بنى كثيرا من أبرجة سور حلب؛ إلى أن تجمّعت بنو كلاب و امتدّت أطماعهم إلى حلب. و ذلك أن البساسيري كان من المنتمين إلى المصريّين، و دعا لهم ببغداد، في سنة إحدى و خمسين و أربعمائة فعاد السلطان طغرلبك، و جمع جموعا عظيمة، و لقي البساسيري فقتله، و كانت الرّحبة في يده- على ما ذكرناه.

فسار الأمير أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح إلى الرّحبة، فأخذ جميع ما تركه البساسيري بها، من السلاح الذي لم ير مثله، كثرة وجودة، و أموالا جزيلة كانت للبساسيري؛ ثم ولى فيها بعض أصحابه‏ (2).

فطمع بنو كلاب حينئذ في حلب، و قوي جأشهم، و قدموا عليهم:

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- انظر إمارة حلب ص 124- 125.

235

الأمير محمود بن نصر بن صالح.

لأنّ حلب كانت لأبيه شبل الدّولة؛ فسار إليها محمود ببني كلاب، في جمادى الأولى سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة؛ و نزل عليها، و قاتلها، و أقام عليها سبعة أيّام، و معه منيع بن مقلّد بن كامل؛ ثم رحل عنها.

فطلب الأحداث من مكين الدّولة مالا ينفقه فيهم، فقال: «قد أخذتم واجبكم المقرّر على الكمال، و تسلّفتم أيضا؛ فلا تطمعوا في وصول شي‏ء آخر إليكم». فعصى أحداث‏ (1) حلب عليه، و غدروا به، و أنفذوا إلى محمود بن نصر بن صالح فردّوه.

فلمّا قرب منهم محمود، و ثب أهل حلب على دار الشريف القاضي معتمد الدّولة يحيى بن يزيد بن يحيى الحسيني الزّيدي، و كان قاضي الشّام، و على دار رجل يعرف بالظّهير جلال الدّولة؛ و كانا مكرمين لأهل حلب؛ فنهبوا داريهما؛ و أخرجوهما راجلين، حفاة، مكشّفي الرؤوس إلى الضّياع العربيّة، و كان من جملتهم: كندي، و ابن الزغري، و ابن عنتر، و ابن النّاقد.

و وصل محمود ببني كلاب، فسلّموا إليه حلب يوم الاثنين مستهلّ جمادى الآخرة سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة؛ و انحاز مكين الدّولة بن ملهم‏

____________

(1)- عالجت مسألة أصل منظمة الأحداث، و تكوينها و أدوارها في كتابي إمارة حلب ص 215- 220.

236

إلى القلعة، و تحصّن بها، و أنفذ إلى مصر رسولا، فطلب النّجدة و الإعانة، فوصل الأمير ناصر الدّولة أبو علي الحسين ابن الأمير ناصر الدّولة الحسن بن الحسين بن حمدان- و هو ولد ناصر الدّولة الذي نازل حلب أوّلا في أيّام معزّ الدّولة- و قدم في عسكر ضخم في جيوش المغاربة، حتى نزل حمص لنصرة أصحاب القلعة؛ فسارت إليه بنو كلاب و بنو خفاجة، و كانوا جيرانا لهم بالظّعن، في خلق كبير.

فرجع ناصر الدّولة بن حمدان إلى بعلبك، و همّت بنو كلاب باتّباعه، فأبى عليهم أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس، و انحاز عنهم فافترقوا، و رجعوا إلى قنّسرين.

و أقبل ناصر الدّولة حتى نزل أفامية، و استدعى من قدر عليه من بني كلاب، و استحلفهم أربعين يمينا، و خلع عليهم خلعا فاخرة، و سار بعد أن استوثق منهم، فلمّا وصل إلى سرمين أجفلت بنو كلاب و محمود إلى الشّرق، و أجفل أحداث حلب منها؛ و حصلوا مع بني كلاب، و ذلك ليلة الاثنين السّابع من رجب من السنة.

و نزل مكين الدّولة ابن ملهم و أصحابه من القلعة، فنهبوا المدينة، و قتلوا من وجدوا من أحداثها، و عدّتهم أربعون رجلا، و صلبوا في محال حلب جماعة من القتلى، و نهبوا كلّ موضع جليل يعرفونه بالمدينة، و قياسر الوكلاء، و أموال التجار، و غير ذلك.

و وصل ناصر الدّولة أبو عليّ الحسين فنزل حلب، و أراد أن ينهبها، فقيل‏

237

له: «إنّ أصحاب مكين الدّولة قد سبقوك؛ و لم يبق لك و لأصحابك إلا الاسم بلا فائدة» فامتنع من النّهب. و قال: لا بد من أهل المدينة أن يقسطوا لي خمسين ألف دينار، عوضا عن ترحيل محمود عنهم، فبذلوا له خدمة فلم يفعل، و قال: «أنا أمضي إلى الفنيدق و أقابل محمودا على فعله، و أعود أنتقم من الحلبيّين».

فسار عن حلب في مقدار خمسة عشر ألف فارس، و محمود في دون الألفين؛ و نزلوا على الفنيدق و هو المعروف الآن بتلّ السلطان‏ (1)؛ و انهزمت بنو كلب و بنو طي‏ء؛ و بقي العسكر وحده؛ و قلّ الماء عليهم، فكسروا. و أسر الدنين بن أبي كلب الجهبلي الكلابيّ ناصر الدّولة، و أمكنته الهزيمة فلم ير على نفسه أن يولي، و أسر كل مقدم كان في عسكره.

و قتلت بنو كلاب أكثر عسكره، و غنموا كلما كان في العسكر، و لم يسلم منهم إنسان بالجملة إلا عاريا.

و بعد ذلك علم محمود بن نصر بن صالح بأسر الأمير ناصر الدّولة، فاشتراه من الدنين بألفين و سبعمائة دينار؛ و قيل: بأقل من ذلك.

و أسر رجل يقال له جبر من بني كلاب أخا ناصر الدّولة، فاشتري‏

____________

(1)- تل السلطان قرية تعرف أحيانا باسم المرج الأحمر، و هي واقعة في سهول ادلب الشرقية، و تتبع ناحية أبي الظهور، و تبعد عنها مسافة 7 كم إلى الشمال الغربي. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

238

أيضا بمال كثير، و كانت الكسرة في يوم الأربعاء سلخ شهر رجب سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة (1).

و وصل وقت الكسرة أسد الدّولة أبو ذؤابة عطيّة بن صالح بن مرداس إلى حلب، و تسلّم المدينة من المغاربة، يوم الخميس؛ و دار فيها ساعة، و نزل عند شافع بن عجل بن الصوفي في داره، التي هي الآن مدرسة القاضي بهاء الدين بن شداد.

و قيل: إن [ابن‏] ملهم استدعاه، و سلّم المدينة، و فرّج اللّه عن أهل حلب‏ (2). و قدم الأمير محمود بن نصر إلى المدينة، فانهزم عطيّة منه آخر النّهار من يوم الخميس مستهلّ شعبان؛ و تسلّم محمود البلد يوم الجمعة الثاني من شعبان سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة، و هذا من أغرب الاتفاقات أن يملك حلب ثلاثة من الملوك في ثلاثة أيّام متتابعة.

و أيس مكين الدّولة بن ملهم و ركن الدّولة والي القلعة، من حلب و من نجدة تصل إليهما من مصر بعد هذه الكسرة فأنفذا من استحلف محمود بن‏

____________

(1)- هناك بعض الشكوك حول تفاصيل هذه الرواية و التواريخ فيها، لأنه من غير المعقول أن نتصور أنه يمكن في مدة قدرها اثنان و ثلاثون يوما انجاز الأعمال التالية:

توجه رسول من حلب إلى القاهرة حاملا طلب المساعدة، استجابة القاهرة بإصدار الأوامر إلى والي دمشق ليقوم بواجب التفريج عن حلب، قيام هذا الوالي باطاعة ما صدر إليه من أوامر بتشكيل جيش فيه ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألفا من العساكر و قيادته نحو حلب! من أجل معالجة هذه المسألة انظر إمارة حلب ص 126- 129.

(2)- يبدو أن عطية جاء بناء على اتفاق مسبق. امارة حلب ص 129.

239

نصر على شروط اشترطاها عليه، و سلّما إليه القلعة في عاشر شعبان من هذه السنة، بعد أن أخذا أولاد بني كلاب: ولد محمود بن نصر، و ولد شبل بن جامع، و ولد محمود بن زائدة، و ولد منصور بن زغيب، و جعلاهم في حصن أفامية رهينة على أنفسهما و عسكرهما و أموالهما ثم سيّرهم مع الأمراء في الرّوج إلى أفامية سالمين؛ و أخذوا أولادهم الرهائن و رجعوا إلى حلب.

و أما ناصر الدّولة، فبقي في أسر محمود إلى أن قدم البلد عمّه معزّ الدّولة، فاصطنعه منيع بن وثّاب؛ و خلّى سبيله في سنة ثلاث و خمسين.

و سيّر محمود كل من كان في أسره من الأمراء و القوّاد إلى مصر، بعد أن أحسن إليهم، و شلّت يد ناصر الدّولة في وقعة الفنيدق، فلمّا وصل إلى مصر ولاه المستنصر دمشق، فقال أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الحلبي الفكيك فيه:

على حلب به حلبت دماء* * * و حكّم فيكم الرّمح الأصمّ‏

و قد أرسلته والي دمشق‏* * * يد شلا و أمر لا يتمّ‏

و في ذلك يقول أبو نصر منصور بن تميم بن الزنكل السرميني من قصيدة، يذكر فيها مآثر بني كلاب:

أليس هم ردّوا ابن حمدان عنوة* * * على عقبه لا يتّقون العواقبا

أليس ابنه يوم الفنيدق قاده‏* * * دنين أبي كلب و عرّاه سالبا

و لما أخذ محمود حلب من ابن ملهم، كان عمّه معزّ الدّولة بمصر، فصرفه المستنصر عن عكّا و بيروت و جبيل، و قال له: «إنّ هذه الأماكن‏

240

أخذتها عوضا عن حلب، و قد عادت إلى ابن أخيك، فتمضي إلى حلب و تستعيدها منه»، فقال: «إنّ نوّابكم فرّطوا فأعينوني بمال». فأعانوه على ذلك بمال، و سيّروه، و قررّوا ألقابه: «الأجلّ، الأعزّ، تاج الأمراء، عماد الملك، سيف الخلافة، عضد الإمامة، بهاء الدّولة العلوية، و زعيم جيوشها المستنصريّة، علم الدّين ذو الفخرين مصطفى أمير المؤمنين».

فعاد معزّ الدّولة إلى حلب، و جمع قوما من عشيرته، بعد أن كاتبهم حين وصل إلى حمص، فأجابوه، و لقيه أكثرهم بحمص و بعضهم بحماة، فلمّا نزل معرّة النعمان، أقام بها ثمانية أيّام، و ضيّق العرب على النّاس، و كان ذلك في قوّة الشّتاء، فنزلوا منازل الناس.

و سيّر محمود الشيخ أبا محمّد عبد اللّه بن محمّد الخفاجي رسولا إلى ملك الرّوم، يستنجده على عمّه و بقي عندهم إلى أن ملك ثمال حلب؛ و كتب الخفاجي إلى حلب القصيدة المشهورة:

هذا كتابي عن كمال سلامة (1)

و رحل ثمال، فنزل حلب محاصرا لابن أخيه محمود، فأغلق محمود باب حلب في وجهه؛ و عمل قوم من الأحداث؛ و فتحوا لمعزّ الدّولة باب قنّسرين.

و دخل أصحابه إلى أن وصلوا درب البنات، فنزل محمود من القلعة،

____________

(1)- طبع ديوان ابن سنان الخفاجي في بيروت سنة 1316 ه و كانت نسخة منه موجودة في المكتبة الظاهرية، فقدت و لم أستطع الحصول على نسخة أخرى في سورية، علما أنني وقفت على نسخة موجودة في مكتبة معهد الدراسات الشرقية و الأفريقية بلندن.

241

و عاد أخرجهم و لم يقتل منهم واحد، و قبض على من كان سبب ذلك من الأحداث و هم: ابن حيّون، و ابن المغازلي؛ و ذلك في ذي الحجّة من سنة اثنتين و خمسين و أربعمائة.

و وصل منيع بن شبيب بن وثّاب إلى حلب لنصرة محمود ببني نمير، و حصل مع محمود بالقلعة، فرحل معزّ الدّولة عن حلب؛ و نزل منيع ببني نمير مدّة عشرين يوما في ضيافة محمود، و أشار على محمود باطلاق ناصر الدّولة بن حمدان ففعل، و خلع عليه، و قاد خيلا كثيرة إليه، و سيّره إلى مصر.

و سار محمود إلى الحانوتة (1) ليجمع العرب على عمّه فعاد معزّ الدّولة ثاني يوم مسيره، و نزل على حلب، ثم رحل طالبا لمحمود فلقيه، و كسره، و انهزم محمود، و دخل حلب في ثلاث فوارس آخر صفر؛ و أسر معزّ الدّولة أكثر عسكره، و الأحداث الذين كانوا معه، و هم: كندي، و صبح، و ابن الأقراصي، و الشّطيطي، و اللّباد. و استأمن منهم صبح إلى القلعة، فحبسه نائب محمود، و قيّده خيفة من حيلة تتمّ عليه.

و قصد محمود حسام الدّولة منيع بن مقلّد، و قال له: «أنت كنت مساعدي و معاضدي في كسر العسكر المصري الواصل مع ناصر الدّولة و أوثر أيضا أن تساعدني على عمّي» فاستمهله إلى غد ذلك اليوم، و رحل في اللّيل‏

____________

(1)- الحانوته أو تل الحواصيد، قرية في هضبة حلب تتبع منطقة جبل سمعان. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

242

طالبا معزّ الدّولة، و قال لنائبه: «تقول لمحمود: عمّك هو الشيخ الكبير، و العرب تأنف من معاضدة الولد على الوالد، بل أنا برحيلي أصلح الأمر بينكما إن شاء اللّه».

فأمر محمود كاتبه أبا العلاء صاعد بن عيسى بن سمّان النّصرانيّ بأن يعمل شعرا، يذكره فيه بعهده، و يعتب عليه في اطراح ودّه، فكتب إليه:

ألا أيهّا السّاري تخبّ برحله‏* * * قصيرة فضل النّسعتين إذا تسري‏

تحمّل- هداك اللّه- عنّى رسالة* * * إذا بلغت يوما شفيت بها صدري‏

إلى معشر إن تنح نحوي سهامهم‏* * * فأخطأ منها ما توغّل في صدري‏

و خصّ حسام الدّولة ابن مقلّد* * * أخا الغارة الشّعواء و الكرم الدّثر

و من علقت كفّاي حبل وداده‏* * * و ما خلت أن تغتاله نوب الدّهر

تذكّر- هداك اللّه- يوما أظلّنا* * * به الموت في ظل الرّدينيّة السّمر

لقد غالني في ودّك الدّهر بعد ما* * * غدوت أراه و هو من أنفس الذّخر

و حاشا لذاك العهد من بعد ما غدا* * * نقي الحواشي أن يدنّس بالغدر

و أنت من القوم الذّين نفوسهم‏* * * ترى الغدر بالإخوان ضربا من الكفر

سأصفيك ما صافيت يوما بحفظه‏* * * و آمل ان ضيّعتني عاجل النّصر

و أنت عليم أنّني غير جازع‏* * * إذا ما رماني الدّهر بالنّوب الغبر

و إنّي إذا ما يدج ليل خطوبها* * * أصدعه بالسّيف عن فلق الفجر

و ما الموت إلا خطّة حمّ وقتها* * * و أكرمها ما كان في طلب الفخر

أبى اللّه و الأصل الذي طاب فرعه‏* * * إلى اليوم إعطاء القياد على قسر

243

و أخسر من تلقاه في النّاس صفقة* * * فتى عند مجد لا يريش و لا يبري‏

فلا تحتقر ذنبا جنيت على الوفا* * * و لا تعتذر منه فما لك من عذر

فقال منيع بن مقلّد و أبو العلوان ثمال لّما وصلت هذه القصيدة: «من أين لمحمود هذه الفصاحة؟ و من له بالشّعر؟». فقيل: «إن هذا شعر أبي العلاء بن سمان النّصراني». فقال منيع بن المقلّد: «لقد ألبسني هذا النّصراني من العار طوقا لا يبلى، و لئن عشت لأقابلنّه بما يكون له أهلا».

و تردّدت الرّسل بين ثمال و محمود، في تسليم حلب، و توّسط بينهما مشايخ العشيرة، و قالوا: هذا بمنزلة والدك، فتأخذ من الأعمال ماشئت.

فأجابهم محمود: بأنّ هذا صحيح، و لكنه ضيّع مملكتنا و إرثنا، و قد استعدتها بسيفي، و بذلت فيها مهجتي. فاعترف له معزّ الدولة بذلك؛ و ضمن له معيشة بخمسين ألف دينار، و ثلاثين ألف مكوك غلّة. و شهد مشايخ العشيرة بها.

و عاد محمود إلى حلب في آخر ربيع الأوّل و قد استقرّ الصلح بينهما يوم الأربعاء الرابع و العشرين من شهر ربيع الأول من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة. و فتحت أبواب البلد عند دخوله؛ ثم خرج إلى عمه‏ (1) إلى المخيم، و استركبه يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، و داخله القلعة، و سلّمها إليه، و سار محمود ليحضر أهله من الحلّة.

____________

(1)- بالأصل «عمله» و هو تصحيف واضح.

244

و لما استقرّ معزّ الدّولة بالقلعة، نفى من الحلبيّين الأحداث العتق جماعة، و صلب منهم خمسة عشر رجلا. و كاتب المستنصر بظفره بحلب، فسيّر إليه الخلع مع ظفر المستفادي، و لأخيه و لأولاده، و لحسام الدّولة منيع بن مقلّد. و لما وصل ظفر رأى المصلّبين من الأحداث فسأل فيهم فدفنوا.

و لمّا ملك معزّ الدّولة حلب جاء أبو العلاء بن سمان ليسلّم عليه، فحمل عليه ليطعنه، فطرح نفسه من بغلته، و غيّب شخصه عنه، و سار إلى أنطاكية، و صار بها أسقفا إلى أن مات.

و فسد ما بين منيع بن وثّاب و بين ثمال. و كان منيع بالرّحبة، فسيّر ثمال أخاه أسد الدّولة عطيّة بن صالح، في شعبّان من سنة ثلاث و خمسين و أربعمائة، لدفع منيع عنها؛ فأخذها عطيّة، و أقام بها، و عصى على أخيه ثمال، و عاد محمود إلى حلب من الحلّة بأمه السيّدة، و اجتمع بعمّه معزّ الدّولة، و سارت السيّدة، و أصلحت ما بين أخيها منيع و بين زوجها معزّ الدّولة (1).

و في المحرّم من سنة أربع و خمسين و أربعمائة، عمر الرّوم حصن قسطون‏ (2) و حصن عين التمر (3)، فسار معزّ الدّولة في جمادى الأولى لغزوهم،

____________

(1)- امارة حلب ص 130.

(2)- قسطون قرية في الجزء الشمالي من سهل الغاب عند أقدام السفح الغربي لجبل الزاوية، قربها تل أثري يحمل الاسم نفسه. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(3)- لم أقف على عين تمر في بلاد الشام، و تشير المصادر المتفرقة أن بيزنطة أرادت تحصين خط-

245

ففتح حصن أرتاح، فراسلوه في الصّلح، فأرسل إليهم شافع بن الصّوفي يقول: «لا أجيب إلى الصّلح إلا على أن تهدموا الحصنين المجدّدين، و أن يكون ليلون للمسلمين، لا علقة لهم فيه، و يحملون عن حصن أرتاح مالا و يردّه عليهم» فضمنوا ذلك.

فرحل في الثّاني من جمادى الآخرة، و دخل إلى حلب، و لم يف الرّوم إلا ببعض ما ضمنوا له من الشّروط.

و بلغ معزّ الدّولة أن قوما من أحداث حلب مضوا إلى أنطاكية، و تحدّثوا مع واليها في تسليم معرّة مصرين، و التدرّج منها إلى غيرها، و قالوا له: «حزبنا في حلب و أصحابنا تحت أوامرنا». فلمّا صحّ عند معزّ الدّولة ذلك، طلبهم و أحضر منهم قوما و قتلهم. و هم: ابن أبي الريحان، و ابن مطر، و ابن الشّاكري، و بهلول؛ و صلبهم، و ترك باقيهم؛ و ذلك في شهر رمضان من سنة أربع و خمسين.

و كبس الرّوم في شوّال مريمين‏ (1) العقبة، و أحرقوها، و نهبوها، و أدركهم الأمير منصور بن جابر، و الأمير حارثة بن عبد اللّه؛ و ظفروا بالرّوم على كثرتهم و قلّة المسلمين؛ فقتلوا من الرّوم مقدار ألف و خمسمائة.

____________

الثغور بدليل الخبر في أن ثمال بن صالح غزا البيزنطيين و افتتح أرتاح، و المثير للانتباه تغيير ثمال لموقفه من بيزنطة، و لعل أسباب ذلك تغير موازين القوى إثر ظهور الغز و شروعهم باجتياح الأراضي البيزنطية، و ادراك ثمال بعد عودته من القاهرة، أن الخلافة الفاطمية باتت عاجزة عن ممارسة أدنى تهديد ضد حلب. إمارة حلب ص 130- 131.

(1)- عدّ ياقوت مريمين من قرى حلب المشهورة.

246

و سار معزّ الدّولة، في العشر الثّاني من شوّال، للغزو فنزل قيبار، و فتحها، و نهبها، و قتل الرجال، و سبى النساء و الصبيان. ثم مرض معزّ الدّولة في العشر الأوّل من ذي القعدة، من سنة أربع و خمسين و أربعمائة؛ و اضطرب البلد، فبلغه ذلك، فاستدعى أخاه أبا ذؤابة عطيّة بن صالح؛ و وصىّ له بحلب، و ولاه الأمر.

و توفي يوم الخميس لستّ بقين من ذي القعدة سنة أربع و خمسين و أربعمائة. و دفن في مقام ابراهيم الفوقاني بالقلعة، داخل الباب الغربي؛ و عمل عليه ضريح؛ و بقي إلى أيّام الملك رضوان‏ (1)؛ و قلع و بلّط عليه.

____________

(1)- رضوان بن تتش. سترد أخباره في العصر السلجوقي.

247

[إمارة عطية بن صالح‏]

(1) و جلس أخوه:

أسد الدّولة عطيّة بن صالح بن مرداس‏

في منصبه يوم الجمعة، فبلغ ذلك محمود بن نصر بن صالح و هو في حلّته فلم يرض بالوصيّة، و أرسل إلى عطية يقول له: «إنّ معزّ الدّولة شرط على نفسه أن يردّ عليّ البلد عند موته لمّا تسلّمه منّي، و أنا أخذته بسيفي من المصريّين عن غلبة و قهر؛ و هو إرثي عن أبي». و عرف ذلك مشايخ العشيرة و اجتمعوا على صحّة ما ذكره، و ساعدوه على منازلة حلب، فكان في كلّ وقت يقصدها و يرعى زرعها و يأخذ ما في ضواحيها و يرحل عنها.

فجاء في رجب من سنة خمس و خمسين و أربعمائة، و نزل بحلّته على عين سيلم‏ (2)، فخرج إليه أسد الدّولة عطيّة فكسره، و نهب حلّته و انهزم محمود.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- وقعت عين سيلم على مسافة ثلاثة أميال من حلب، و كانت العرب تنزلها. معجم البلدان.

248

ثم إنّه تجمع إليه شبل الدّولة بن جامع، و محمد بن زغيب، و غيرهما من بني كلاب، و نزلوا على قنّسرين- و عطية نازل على السعدي بباب حلب- فلم يقدروا على النّزول على حلب.

فسار إليهم سيف الدّولة منيع بن مقلّد بن كامل فقوي جأش محمود به لأنه كان ذا مال عظيم. و كان كريما يطعم العرب و يعلق على خيلهم، و يخلع و يهب، فلما حصل معهم نزلوا على حلب. و حاصروا حلب شهورا فضرب حجر المنجنيق منيع بن مقلد فقتله.

و قيل: إن رجلا حقيرا ضرب صدغه بمقلاع فيه حجر، فبقي أيّاما، و مات؛ و ذلك في العشر الأول من شوّال سنة خمس و خمسين و أربعمائة.

و أوصى منيع بجميع ماله و ما يملكه لخاله أسد الدّولة أبي ذؤابة عطيّة الذي كان يحاربه. و كان إقطاعه يرتفع منه كل سنة ثمانون ألف دينار؛ و كان له في حصن يقال له المجدّد، ثلاثمائة ألف دينار، و سلاح و آلة بمال عظيم.

و كان أبو الحسن عليّ بن محمد بن عيسى العمري الحلبي وزير منيع؛ و كان عطية قد دعاه إلى خدمته فامتنع، فلما مات منيع عاد أبو الحسن العمري إلى حلب فقبض عليه عطية، و قتله لحقده على ما فعله من امتناعه من خدمته.

و لعله احتج بأنه حمل منيعا على حصار حلب مع محمود؛ و بعد أن قتله صلبه؛ و رثاه أبو محمد الخفاجي بأبياته التي يقول فيها:

249

و معذل جار على غلوائه‏* * * يروى حديث نداه عن أعدائه‏

و استوزر عطية أبا الحسن عليّ بن يوسف بن أبي الثريا الذي داره الآن مدرسة ابن أبي عصرون‏ (1) بحلب. ثم صالح عطية بن مرداس ابن أخيه محمودا؛ على أن يدفع لمحمود إقطاعا بخمسة و عشرين ألف دينار؛ من ذلك: سرمين و باقي الاقطاع في بلد حلب من الأرتيق‏ (2)؛ و تحالفا على ذلك و تمّماه.

و في نصف جمادى الأولى سنة ست و خمسين و أربعمائة، سلم ثابت بن معز الدولة إلى ابن عمه محمود معرة النعمان و كفر طاب و حماة، و كان فيها من قبل عمه.

و ذلك أن بني كلاب تجمعوا بأرض شيزر: شبل بن جامع بن زائدة، و محمود بن زائدة، و منصور بن محمد بن زغيب، و حسين بن كامل بن حسين بن سليمان بن الدوح، و جماعة معهم من سبيعة و ذؤيبة؛ و أجمع رأيهم على الوثوب على بلدان أسد الدولة عطية.

فأخذوا حماة و كفر طاب؛ و أتوا إلى معرّة النعمان و فيها شهم الدولة خليفة بن جبهان، فأخذ منهم أمانا و سلّمها، و ساروا حتّى نزلوا قريبا من‏

____________

(1)- ما تزال هذه المدرسة تحمل الاسم نفسه في محلة الفرافرة في حلب. الآثار الاسلامية و التاريخية في حلب ص 226- 228.

(2)- ذكر ابن العديم في بغية الطلب ج 1 ص 437، هذه الكورة و قال إنه يشرف عليها و على عزاز جبل برصايا.

250

حلب، فسار عطية من حلب يكبس محمودا، و كان بتل خالد (1) فظفر به محمود، و عاد عطية منهزما إلى حلب.

و نزل محمود ببني كلاب على حلب، و منعوا منها الميرة، و حصروها، و قاتلوها قتالا كثيرا، و أشرفت على أمر عظيم من الجوع و قلة ما يدخلها.

و كان أسد الدولة عطية قد أرزق أحداثها، فمنعوا باقي أهلها من التسليم.

فلما رأى أسد الدولة ضعف البلد صالح ابن أخيه محمودا. فكان لعطية حلب و الرحبة و بالس و منبج و عزاز و قنسرين. و سلّم بعد ذلك ما كان في يده غير هذه المواضع المذكورة إلى ابن أخيه محمود بن صالح، و وقع الصلح على ذلك.

و استدعى عطية ابن خان و كان في ديار بني مروان مغاضبا لأبيه ملك الترك، و كانت الروم تمده بالخلع و الدنانير إكراما لأسد الدولة عطية لأنه كان مهادنهم، فقدم ابن خان إلى عطية في ألف قوس فأكرمهم و أضافهم.

فلما حصل ابن خان على باب حلب- و كان هذا أول دخول الترك إلى الشام- تجمعت بنو كلاب إلى محمود بن نصر بن صالح؛ و قصدوا حلب فرأى محمود أنه لا طاقة لهم بالترك فانهزم.

و مشى السفراء بين محمود و بين عطية، فانعقد الصلح بينهما على أن يأخذ عطية: حلب و الرحبة و منبج و عزاز و بالس و أعمال ذلك؛ و يأخذ محمود

____________

(1)- كتبت هذه الصفحة بخط مختلف، و الكلمة مطموسة و هذه أقرب قراءة لها، و تل خالد قلعة قرب حلب. معجم البلدان.

251

ابن أخيه من الأثارب قبلة و اقطاعه الذي كان قديما و ما كان في يده في أيام معزّ الدّولة ثمال. و تمّ ذلك في المحرّم من سنة سبع و خمسين و أربعمائة.

و خرج عطيّة بالأتراك و أحداث حلب إلى الغزو، ففتح كمنون، و سبى أهلها، و عاد إلى حلب غانما. و دخل ابن خان حلب فخاف الحلبيون و عطية منه؛ فأغرى بهم الأحداث من أهل حلب فنهبوهم ليلا، في صفر من سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و قتلوا منهم جماعة، و نهبوا خيولهم و سلاحهم و ما قدروا عليه من رحلهم.

و ركب ابن خان منهزما- و كان ظاهر البلد- و صاح تحت القلعة:

«أليس قد غدرت بي و بأصحابي يا عطية، و اللّه لأنزلك منها على أقبح قضية».

و سار إلى الشرق فعبرت طائفة منهم إلى الجزيرة فنهبتهم بنو نمير، و رجع الباقون فصادفوا عسكرا للروم في بطريق لهم يعرف بالنحت، فلم يجدوا بدا من شق عسكر الروم، و كان في عشرين ألفا ففتح لهم الروم طريقا بينهم ليطبقوا عليهم فعبروا سالمين.

و قتلوا من الروم خلقا عظيما، و كان السالم منهم نحوا من مائة و خمسين رجلا، فركبت عليهم العرب بنو قريظ و ربيعة بن كعب و غيرهم، فأشار أمير منهم يقال له قمار على الملك أن يموت كريما، و لا يثق بالعرب فلم يفعل.

و التجأ إلى منصور بن جابر فغدر به بعد أن كان أعطاه مقنعة زوجته و مخصرته؛ و قتل قمار و جماعة.

و سلم ابن خان في جماعة فلحق بمحمود، و نزل عليه و هو بسرمين؛

252

فأمنهم؛ و بعث بهم إلى معرة النعمان. ثم أن محمودا سير ولده إلى أنطاكية رهينة، فوجّهوا قطعة منهم، و تلقّاه بالجنايب في كلّ منزل بمراكبها، و جعلوا له كلّ يوم خمسين دينارا، و خلعوا عليه و على أصحابه خلعا سنية، و وهبوا له في جملة ما وهبوا دبوس ذهب وزنه ثلاثمائة مثقال.

و سار محمود بمن جمعه من العرب، و معه ابن خان التركي و من انضوى إليه من التركمان، إلى مرج دابق، فخرج عطية إليهم، و جمع جموعا كثيرة من العوفيين و غيرهم، و قصد محمودا و التركمان، في يوم الخميس حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع و خمسين، فالتقوا، فانهزم عطية إلى حلب، و تبعه محمود بمن معه.

و نزل على حلب محاصرا لها و فيها عمه عطية و جاءه ظفر المستفادي رسولا من المستنصر، و هو محاصر حلب، و لقبوه عظيم أمراء العرب عضد الدولة، سيف الخلافة، ذو الفخرين؛ و كان يلّقب أولا عزّ الدّولة، و شمسها؛ فبقي محاصرا حلب مائة يوم و يومين.

ثم سلّمها إليه عمه أسد الدّولة بن صالح بعد حصار شديد و جوع عظيم؛ و أخذ عمه عطية الرحبة، و عزاز و منبج؛ و بالس، و جميع الضياع التي شرقي حلب و شماليها؛ و أخذ محمود حلب و قبليها؛ و اصطلحا صلحا خالصا ذلت به لهما العرب‏ (1).

____________

(1)- يعد دخول ابن خان حدثا هاما في تاريخ حلب و بلاد الشام، و قد عالجت هذه المسألة و تقصيت ما ورد في مختلف المصادر حول ابن خان هذا. إمارة حلب ص 133- 136.

253

[إمارة محمود بن نصر الثانية]

(1) و دخلها محمود بن نصر يوم السّبت النصف من شهر رمضان سنة سبع و خمسين و أربعمائة، و استقرت ألقابه: الأجلّ، شرف أمراء العرب، سيف الخلافة، معزّ الدّولة و فخرها، و عضدها، ناصر الملك، ذو الحسبين‏ (2).

و مضى عطيّة إلى الرّحبة و كانت ألقاب عطيّة خالصة الأمراء، عمدة الإمامة، عضد الخلافة، أسد الدّولة و سيفها، ذو العزيمتين.

و أقطع محمود معرّة النّعمان الملك هرون بن خان ملك الترك؛ فدخل‏

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- رأيت منذ سنوات في قلعة حلب حجرا ملقى داخل مسجد حلب حجمها 51* 31 سم عليه نقش مؤلف من خمسة أسطر جاء يه:

- بسم الله الرحمن الرحيم (أمر بعمله الأمير)- الأجل تاج الملوك ناصر الدين شر (ف) الأمة ذو الحسبين خالصة أمير المؤمنين أبو سلامة محمود بن نصر بن صالح. سنة خمس و ستين و أربعمائة.

و عرف محمود بذي الحسبين لأن أباه من كلاب و أمه من نمير.

254

المعرّة يوم الأربعاء السّابع عشر من شوال، سنة ثمان و خمسين و اربعمائة، و وصل معه إليها من التّرك، و الدّيلم، و الكرد، و الأوج‏ (1) مقدار ألف رجل مع حاشيتهم فنزل بالمصلّى.

فما رؤي أعف منهم عن البساتين و الكروم و غيرها، و لم يكونوا يأخذون من أحد شيئا إلا بثمنه؛ و سقوا دوابّهم الماء بثمنه. و فزعت العرب منه فزعا عظيما؛ ثم استدعي إلى حلب و عوّض معرّة النّعمان.

و خرج محمود بن نصر بابن خان و التّركمان، في سنة تسع و خمسين، و معه بنو عوف من بني أبي بكر بن كلاب، فنزل المعشيرة (2)- من بلد حماة- ثم أتى حماة؛ و وطى‏ء جميع العرب و أذلّها.

و كانت العرب تطلب فتنة تقع بينه و بين عمّه عطيّة بن صالح، و كان بحمص، فظنّت بنو كلاب أنّه يحاربه؛ فلم يفعل عطيّة، لمعرفته بغدر العرب به مرة بعد أخرى؛ و أراد أن لا ينهدم مجد آل مرداس.

و في هذه السّنة سلّم حسين بن كامل بن الدّوح «حصن أسفونا» (3) إلى نوّاب المصريّين، بعد أن نهب عسكر التّرك «حناك» (4) و جميع ضياعه بالشّام.

____________

(1)- الأوج اسم أطلق على المسلمين من سكان الثغور البيزنطية الاسلامية.

(2)- لعل المعيشرة هي العشارنة الحالية إلى الغرب من شيزر على العاصي.

(3)- أسفونا الآن تل أثري في جبل الزاوية، ناحية كفر نبل، منطقة معرة النعمان يقع شمال غرب قرية اسمها سفوهن. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(4)- حناك- كما سلف القول- خربة أثرية في جبل الزاوية تتبع منطقة معرة النعمان.