زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
255

و وقع الوباء العظيم بحلب، حتّى أنه مات في رجب من هذه السّنة زهاء عن أربعة آلاف فضلا عن سائر الشّهور.

و فيها طلعت طائفة كبيرة من التّرك، فنزل بعضها على دلوك و تقدم منهم نحو ألف، فنهبوا بلد أنطاكية عن آخره؛ و أخذوا نحو اربعين ألف جاموس. و قيل أكثر، حتى أنّ الجاموس كان يباع بدينار، و أكثره بدينارين و ثلاثة. و أما البقر، و الغنم و المعز، و الحمير، و الجواري، فلم يقع على ذلك إحصاء من الكثرة. و كانت الجارية تباع بدينارين و الصبيّ بتطبيقة نعال للخيل.

و خرب بلد الرّوم خرابا لم يسمع بمثله؛ و بقيت الغلات في البيادر ما لها من يرفعها منهم، حتّى كان الفلاحون و سائر العوامّ يمضي الواحد منهم و يأخذ ما يريد، فلا يجد من يدافعه عن ذاك؛ لإنّ الرّوم تحصّنوا في الحصون و الجبال، و المغاير، و تركوا بيوتهم على حالها لم يأخذوا منها شيئا، لأنّ التّرك أتوهم على غفلة، و كان ذلك في شوال.

و كان مقدّمهم أفشين بن بكجي، و كان قد غضب عليه العادل ألب أرسلان بسبب خادم كان زعيم بعض عساكره، فقتله الأفشين. و قطع الفرات إلى بلد الرّوم، ثم خرج إلى أعمال حلب، و باع الغنائم التي كانت معه.

و نزل في سنة ستين حول أنطاكية؛ و ضاق الشيّ‏ء فيها حتى بلغت‏

256

الحنطة قفيزين‏ (1) بدينار. فلمّا لم يبق شي‏ء دون فتحها أتته كتب العادل ألب أرسلان من العراق بالرّضا عنه. و قيل إنّ أصحاب مؤونة السّوق بحلب حصل في دفاترهم نحو سعبن ألف مملوك و مملوكة سوى ما بيع بغير مؤونة في بلد الرّوم و سائر البلدان، و أخذ من أصحاب أنطاكية مائة ألف دينار، و مثلها من ثياب الدّيباج و الآلة و سار إلى العراق في جمادى الآخرة من السنة.

و في هذه السّنة سلّم أمير من أمراء المغاربة يعرف بابن المرأة حصن أسفونا إلى الأمير عزّ الدّولة محمود بن نصر بن صالح. و توّلى ذلك الأمير سديد الملك أبو الحسن عليّ بن منقذ.

و في يوم الثّلاثاء السّابع و العشرين من شعبان، فتحت أرتاح بالسّيف؛ و نهب جميع ما فيها و ما في حصنها من الأموال و الذّراري؛ و كان فيها خلق عظيم من النّصرانية لأنّ جميع من كان في تلك المواضع منهم حصل بها لأنّها كانت الكرسيّ لهم هناك. و قتل من رجالها نحو ثلاثة آلاف رجل؛ و قد كان الملك ابن خان حاصرها زهاء خمسة أشهر.

و أتى عسكر عظيم من عساكر الرّوم، فنزل على باب أنطاكية ليصالح الملك ابن خان عن أرتاح و غيرها من بلاهم؛ فلم يتمّ بينهم صلح. و إنّما كان غرض العسكر أن يدسّ إلى أنطاكية غلّة حملت إلى السّويداء (2) لتقويتها.

و كان فتح أرتاح فتحا عظيما لأنّ عملها قريب من أعمال الشّام، من‏

____________

(1)- القفيز: مكيال يساوي ثمانية مكاكيك، و يسع المكوك صاعا و نصف الصاع.

(2)- السويداء هي ميناء السويدية ميناء أنطاكية على البحر المتوسط.

257

الفرات إلى العاصي إلى أفامية إلى باب أنطاكية إلى الأثارب. و قيل بأنهم أحصوا إلى شهر رمضان من هذه السنة أنّه افتقد من الرّوم في الدّرب إلى أفامية بحساب قتلا و أسرا ثلاثمائة ألف نفر.

و خرج ملك الرّوم في سنة إحدى و ستّين و أربعمائة إلى ديار الشام فأخذ كثيرا من أهل منبج، و هرب أهلها من حصنها فأخذه، و شحنه رجالا و غلة و عدّة. و سار إلى عزاز فوقف عليها ساعة، و رجع جاولا، و سلّط اللّه عليه و على أصحابه الغلاء، و العلّة، و الوباء. فذكر ملك الرّوم للقاضي القضاعي رسول المصريّين أنّه مات له في يوم واحد ثلاثة آلاف من خيله سوى عسكره.

و قيل: إنّ منبج بقيت في بلد الرّوم سبع سنين، و هذا الملك هو يوجانس‏ (1). و لا يبعد عندي أنّه الذي عناه هرقل بقوله: «لا يعود إليك روميّ إلا خائفا حتّى يولد المولود المشئوم، و يا ليته لا يولد».

و في يوم السّبت أول شعبان من هذه السنة، جمع قطبان أنطاكية و دوقسها المعروف بالنحت جموعا كثيرة. و طلع إلى حصن أسفونا بعملة عملها عليه قوم يعرفونه ببني ربيع من أهل جوزن ففتحوه، و قتلوا كثيرا من رجاله و كانوا ثمانين رجلا، و أسروا الباقين. و كان الوالي به رجلا من الأتراك يعرف بنادر.

____________

(1)- اسمه رومانوس الرابع، و معنى لقب ديوجانس: حامي الثغور أو الحدود، و سيقع في أسر السلطان ألب أرسلان في معركة منازكرد.

258

و بلغ الخبر إلى الأمير عزّ الدّولة محمود بن نصر بن صالح، و هو يسير في الميدّان بظاهر مدينة حلب؛ فسار في الوقت يوم الاثنين في التّرك و العرب؛ و لم يدخل البلد، و اجتمع عليه خلق عظيم سمع من يحزرهم بخمسين ألفا؛ فحاصره سبعة أيام، و فتحه يوم السّبت، و قتل جميع رجاله، و كانوا ألفين و سبعمائة؛ و في ذلك يقول أبو محمّد الخفاجي:

إن أظهرت لعلاك «أنطاكيّة»* * * حزنا فقد ضحكت على قطبانها

بعث البريد مخبّرا عن وثبة* * * ما كان أحوجه إلى كتمانها

لمّا أطلّ له لواؤك خافقا* * * عرفت وجوه الذّل في صلبانها

و فيه يقول أبو الفضل عبد الواحد بن محمّد الحلبيّ الربعي:

رددت على الاسلام شرخ شبابه‏* * * و كادت عليه أن تقام المآتم‏

و ظنّ طغاة الرّوم منذ أغبّهم‏* * * نزالك أنا حين ذاك نسالم‏

ثم إنّ محمودا هادن الرّوم في هذه السّنة على أن اقترض منهم أربعة عشر ألف دينار، و على أن يجعل ولده «نصرا» رهنا عليها، و يهدم حصن أسفونا. فأخرج ثابت ابن عمّه معزّ الدّولة و شبل بن جامع، و جمعا النّاس من معرّة النّعمان و كفر طاب و أعمالهما؛ و خربا حصن أسفونا.

و وقعت فتنة بحلب بين الحلبيّين و الأتراك، و قتل من الأتراك نحو أربعين رجلا، و من الحلبيين عشرة. و وصل في سنة اثنتين و ستّين و أربعمائة صندق التركي خارجا من بلد الرّوم، و معه عسكر عظيم؛ و دخل إلى بلد

259

حلب من الأرتيق إلى الجزر (1) إلى بلد معرّة النّعمان و كفر طاب إلى حماة و حمص إلى رفنية.

و شتوا في هذه السّنة فنهبوا الضّياع و سبوا منها، و عاقبوا من وجد هناك، و فتحوا جباب الغلّة و مدافنها. و قطع القطائع الكثيرة على مواضع امتنعت عليه.

و لقي أهل الشّام من عسكره شدّة عظيمة، و هو أوّل نهب و فساد جرى بالشّام من الأتراك. و لما انقضى زمن الشّتاء عاد إلى بلد الرّوم بعد أن أكرمه محمود بن نصر بتحف و هدايا حملها إليه.

ثمّ إنّ محمود بن نصر بن صالح راسل في هذه السّنة السلطان العادل ألب أرسلان‏ (2)، و استقرّ الأمر بينهما فأجاب مشايخ البلد إلى ذلك فلبس المؤذّنون و الخطيب السّواد، و خطب للامام القائم، و بعده للسّلطان ألب أرسلان، و بعده لمحمود، و لقّب الأمير الأجلّ حسام الدّولة العبّاسية، و زعيم جيوشها الشّاميّة تاج الملوك، ناصر الدّين شرف الأمّة ذو الحسبّين خالصة أمير المؤمنين.

و أمر ابن خان الأتراك بالوقوف على باب الجامع و قتل كلّ من يخرج ممتنعا من الصّلاة و سماع الخطبة؛ فسأله الشّيوخ ألا يفعل خوفا من وقوع‏

____________

(1)- الجزر كورة من كور حلب تقع بينها و بين أنطاكية.

(2)- للسلطان ألب أرسلان ترجمة واسعة في بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 278- 293.

260

فتنة. و أخذت العامّة الحصر التي في الجامع، و قالوا: «هذه حصر عليّ بن أبي طالب فليجى‏ء أبو بكر بحصر حتى يصلّي عليها النّاس». و كان ذلك يوم الجمعة التّاسع عشر من شوّال سنة اثنّتّين و ستّين و أربعمائة.

و مدحه الشّيخ أبو محمّد بن سنان الخفاجيّ الحلبيّ بقصيدة طويلة، يقول فيها:

ما يصنع الحسب الكريم بعاجز* * * يبنى له الشّرف الرّفيع و يهدم‏

على أن يخطب محمود بحلّب للإمام القائم خليفة بغداد و بعده للسّلطان العادل ألب أرسلان و بعده لنفسه؛ فوصل إليه نقيب النّقباء أبو الفوارس طراد بن علي الزينبي لإقامة الدّعوة العبّاسية، و معه الخلع من القائم بأمر اللّه و من السّلطان.

فجمع محمود أهل حلب و قال لهم: «قد ذهبت دولة المصريّين و هذه دولة جديدة، و مملكة سديدة و نحن تحت الخوف منهم، و هم يستحلّون دماءكم لأجل مذهبكم، و الرأي أن نقيم الخطبة خوفا من أن يجيئنا وقت لا ينفعنا فيه قول و لا بذل».

و كان ناصر الدّولة بن حمدّان قد تغلّب على مصر، و وقع بينه و بين جماعة من الأمراء بمصر وحشة؛ فأنفذ إليه الفقيه أبا جعفر محمد بن أحمد البخاري المعروف بقاضي حلب- و أظنّ ناصر الدّولة قلّده قضاء حلب حين وردها؛ و وقعت به وقعة الفنيدق، و السلطان ألب أرسلان حين حاصر حلب و هو معه فعرف بذلك- أرسله ابن حمدان رسولا إلى السلطان ألب أرسلان‏

261

يستدعي عساكره ليسلّم إليه ديار مصر و يغيّر الدعوة؛ و ذلك في سنة اثنتين و ستّين.

فلمّا ورد عليه الرسول إلى خراسان جهز العساكر العظيمة التي تملأ الفضاء، و وصل معها على طريق ديار بكر، و نزل الرّها في أوّل سنة ثلاث و ستّين، و أقام عليها نيّفا و ثلاثين يوما.

و سيّر الفقيه أبا جعفر قاضي حلب المذكور رسولا إلى محمود بن نصر بن صالح يستدعيه إلى وطء بساطه و خدمته أسوة بمن وفد عليه من الملوك مثل: شرف الدّولة مسلم بن قريش، و ابن مروان، و ابن وثّاب، و ابن مزيد، و أمير التّرك و الديّلم. فلم يجب محمود إلى ذلك، و خاف منه.

فسار عن الرّها إلى الشّام قاصدا محمود بن نصر، فقطع الفرات في النّصف من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث و ستّين و أربعمائة، من نهر الجوز (1)؛ و نزل على بعض المروج فأعجبه، فقال له الفقيه أبو جعفر قاضي حلب:

«يا مولانا أحمد اللّه تعالى على هذه النّعمة؛ و هي أنّ هذا النهر لم يقطعه قطّ تركيّ إلا مملوك. و أنت قد قطعته ملكا». فأحضر الأمراء و الأتراك و أمره بإعادة القول. قال: فأعدته، فحمد اللّه تعالى حمدا كثيرا.

و نزل بنقرة بني أسد إلى أرض قنّسرين إلى الفنيدق. و كان نقيب النقباء بحلب لم ينفصل عنها بعد إقامة الدّعوة، فسأله محمود أن يخرج إلى‏

____________

(1)- نهر الجوز: ناحية ذات قرى و بساتين و مياه بين حلب و البيرة على الفرات. معجم البلدان.

262

السّلطان، و يصلح أمره معه، فخرج مستفسرا و متوسّلا. و تلطّف الأمر، و أحسن السفارة. و خاطب السّلطان بأنّه قريب العهد بالخطبة للخليفة، و قد لبس تشريفه.

فقال السّلطان: «أي شي‏ء تساوي خطبته للخليفة و لبس تشريفه، مع ما سبق من شقّه العصا و خروجه عن الطّاعة!» و أبى قبول الشّفاعة فيه بدون وطء محمود بساطه.

فخاف محمود و لم يجب إلى ذلك، و تمادى الأمر نحو شهرين. و حصّن محمود حلب و جفّل الناس من سائر الشام إليها، و حصل الرّعب في قلوبهم هيبة. لما اجتمع إليه من العساكر الجمة، و الجيوش الكثيفة الضخمة. و كان الأمر بخلاف ما ظنّ الناس؛ فإنّه لما أيس من خروج محمود إليه عاد من الفنيدق و كانت خيمته على ذلك التّلّ فعرف بتلّ السّلطان من ذلك اليوم.

و نزل على حلب في آخر جمادى الآخرة من السّنة، و كانت الخيام و العساكر من حلب إلى نقرة بني أسد، إلى عزاز، إلى الأثارب، متقاربة بعضها من بعض، و لم يتعرّض أحد من العسكر بمال أحد، و لا سبيت حرمة، و لا قاتل حصنا.

و بلغني أنّ عسكره العظيم لم يأخذ عليقة تبن من فلاح إلا بثمنه، و أقام محاصرا حلب شهرا و يومين. و لم يقاتلها غير يوم واحد، و قصد المطاولة بالبلد بعد أن أشرف على الأخذ، و قال: «أخشى أن أفتح هذا الثغر بالسّيف‏

263

فيصير إلى الرّوم». و نقب برج الغنم، و علّق‏ (1)، فظفر أهل حلب بمن دخل ذلك النّقب و أخذوا بعضهم، و وقع الرّدم على الباقين.

و عصّب الحلبيون برج الغنم بشقة أطلس، و كان السلطان نازلا بميدان باب قنّسرين، فسأل عن ذلك فقيل: «هؤلاء الحلبيّون يقولون على سبيل المزح: قد صدّع البرج رأسه من حجارة المنجنيق فقد عصّبوه». فغضب، و فرّق في تلك الليلة ثمانين ألف فردة نشّاب خلنج‏ (2)، غير ما رماه بقيّة العسكر.

و أصبح و أمر بالزّحف فجدّ النّاس في قتال البلد، و حمل السّلطان بنفسه في ذلك اليوم، فوقعت يد فرسه في خسف كان هناك، و أصاب في الحال رأس فرسه حجر المنجنيق فركب غيره؛ و عاد، و صرف النّاس عن الحرب بعد أن أشرف البلد على الأخذ إبقاء لحرمة البلد، و كان عسكره دائرا بالبلد من جميع وجوهه.

ثم إنّ السّلطان راسل الأمراء من بني كلاب و أحضرهم من البرّيّة، فوصلوا إليه، و عوّل على تقليد بعضهم و تركه في مقابلة محمود و عوده لأجل ما بلغه من ظهور ملك الرّوم إلى بلاد أرمينية عازما على قصد خراسان.

و لمّا علم محمود بأنّ البلد قد أشرف على الفتح، و علم بوصول الأمراء من بني كلاب، و أنّه إن تم ذلك خرج الشّام من يده، فراسل السّليمانيّ-

____________

(1)- أي حشي بالأخشاب لسند الثغرة قبل اشعال النار فيها بغية بغية انهيار البرج.

(2)- الخلنج حتى الآن بالدارجة: الجديد الذي لم يستخدم بعد.

264

و كان يتردّد إليه في الرّسالة- يعلمه أنّه قد عزم على وطء بساط السّلطان و خدمته خوفا مما أشرف عليه.

فخرج إلى السّلطان بنفسه، و معه والدته علويّة، المعروفة بالسّيدة، في أوّل شعبان؛ و أخذ مفاتيح البلد معه، فدخلا و العسكر سماطان بين يديه، فخدماه، و سلّما عليه، فأكرمهما، و أحسن اليهما، و قال للسيّدة: «أنت السيّدة؟» قالت: «سيدة قومي»- و قد ذكرنا أنّه جرى لها ذلك مع المستنصر.

و أطلق له البلد، و شرّفه، و خلع عليه، و كتب له توقيعا بحلب، و تردّد خروج محمود إلى خدمته مرّة بعد أخرى؛ و قرّر معه السّلطان أن يخرج بعسكره، و يضيف إليه السّليماني، و أن يتوجّها إلى بلاد دمشق و الأعمال المصريّة لفتحها ففعل ما أمره به، و عاد السّلطان إلى بلاده‏ (1).

و قيل: إنّه خلّف ابنه مع فوج من عساكره بكورة حلب، و قصد ملك الرّوم، و أسرع في السّير لأنّه بلغه أنّ ملك الرّوم خرج في جموع لا تحصى؛ و أنه وصل إلى قاليقلا- و هي أرزن‏ (2) الرّوم- فوصل السّلطان إلى أذربيجان حين بلغه أنّ ملك الرّوم قد أخذ على سمت خلاط، و كان السّلطان في خواصّ جنده، و جموع عساكره بعيدة عنه، و لم ير العود إلى بلاده؛ فسيّر وزيره نظام الملك و زوجته الخاتون إلى تبريز مع أثقاله.

____________

(1)- عالجت هذه الحوادث و بحثت فيها اعتمادا على مختلف المصادر في كتابي امارة حب ص 138- 143.

(2)- أرزن: مدينة قرب خلاط. معجم البلدان.

265

و بقي في خمسة عشر ألف فارس من نخبة عسكره مع كل واحد فرسه و جنيبه؛ و الرّوم في زهاء ثلاثمائة ألف أو يزيدون ما بين فارس و راجل، من جموع مختلفة من الرّوم، و الرّوس، و الخزر، و اللان، و الغزّ، و القفجق، و الكرج و الأبخاز، و الفرنج، و الأرمن. و فيهم خمسة آلاف جرخي‏ (1)؛ و فيهم ثلاثون ألف مقّدم ما بين دوقس، و قومص، و بطريق.

فرأى السّلطان أنّ الإمهال للحشد و الجمع مضرّ؛ فركب في نخبته و قال: أنا أحتسب نفسي عند اللّه؛ و هي إمّا السعادة بالشهادة، و إمّا النصر وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ‏ (2). ثم سار مرتّبا جيشه قاصدا جموع الرّوم.

و كان ملك الرّوم قد قدم مقدّما في عشرين ألف مدرع من شجعان عسكره، و معه صليبهم الأعظم؛ فوصل إلى خلاط، فنهب و سبى، فخرج إليه عسكر خلاط، و معه صندق التركي الخارج إلى بلد حلب، في سنة اثنتين و ستّين- على ما قدّمنا ذكره- فكسره صندق؛ و أسره، و صادف ذلك وصول السّلطان، فأمر بجدع أنفه.

و عجّل إنفاذ الصّلب الذي كان في صحبته إلى نظام الملك، و أمره بتعجيل إنفاذه إلى «دار السّلام» مبشّرا بالفتح؛ و تلاحق عسكر الرّوم، فنزلوا علي خلاط محاصرين لها؛ و نزل الملك على منازكرد فسلّموها إليه بالأمان خوفا

____________

(1)- الجرخ آلة عليها قوس ثقيل يرمي السهام أو النفط.

(2)- سورة الحج- الآية: 40.

266

من معرّة جيوشه إن استولوا عليهم؛ و ذلك في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، سنة ثلاث و ستّين و أربعمائة.

فلما كان يوم الأربعاء سيّر أهل منازكرد، و خرج بنفسه ليشيعهم و هو في جموعه و وافق ذلك وصول العسكر السّلطاني، و وقعت العين في العين، فحمل المسلمون حملة رجل واحد، فردّوهم على أعقابهم. و شرع أهل منازكرد يتسلّلون من بينهم فقتل الرّوم بعضهم، و نجا الباقون، و ترك الرّوم طريقهم الذي كانوا سالكيه، و عاد ملكهم فنزل في مضاربه بين خلاط و منازكرد؛ و باتوا ليلتهم على أعظم قلق و أشدّه.

فلمّا أصبحوا بكرة الخميس وصل السلطان ألب أرسلان في بقيّة عساكره، فنزل على النّهر، و ملك الرّوم على موضع يعرف بالرّهوة في مائتي ألف فارس، و السّلطان في خمسة عشر ألف؛ فأرسل السّلطان رسولا حمّله سؤالا و ضراعة، و مقصوده أن يكشف أمرهم، و يختبر حالهم و يقول لملك الرّوم: «إن كنت ترغب في الهدنة اتممناها، و إن كنت تزهد فيها و كلنا الأمر إلى اللّه عزّ و جل».

فظنّ الرّومي أنّه إنّما أرسله عن ضرورة فأبى و استكبر، و أجاب بأنّي سوف أجيب عن هذا الرأي بالريّ؛ فغاظ السّلطان جوابه، و انقطعت المراسلة بينهما.

و أقام الفريقان يوم الخميس على تعبئة الصّفوف، فقال أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاريّ الحنفي فقيه السّلطان و إمامه: «أنت تقاتل عن‏

267

دين اللّه الذي وعد بإظهاره على الأديان، فالقهم يوم الجمعة بعد الزّوال، و النّاس يدعون لك على المنابر في أقطار الأرض».

فلما أصبحوا يوم الجمعة ركب السّلطان بجموعه و ركب الرّوم فتواقفوا، فلمّا حان وقت الزّوال نزل السّلطان عن فرسه، و أحكم شدّ حزامه؛ و تضرّع بالدّعاء إلى اللّه تعالى، ثم ركب و فرّق أصحابه فرقا كلّ فرقة منهم لها كمين؛ ثمّ استقبل بوجهه الحرب.

و حمل ملك الرّوم بجمعه، فاستطرد المسلمون بين أيديهم، و استجرّوا الرّوم إلى أن صار الكمين من ورائهم؛ ثمّ خرج الكمين من خلفهم، و ردّ المسلمون في وجوههم؛ فأنزل اللّه نصره؛ و كسرت الرّوم، و أسر الملك، و استولى المسلمون على عساكرهم، و غنموا ما لا يعدّ كثرة و لا يحصى عددا و عدّة.

و قيد الملك أسيرا بين يدي السّلطان، فأقامه بين يديه. و معه بازي و كلب صيد.

و كانت مع الرّوم ثلاثة آلاف عجلة تحمل الأثقال و المنجنيقات، و كان من جملتها منجنيق بثمانية أسهم تحمله مائة عجلة؛ و يمدّ فيه ألف و مائتا رجل، وزن حجره بالرّطل الكبير قنطار؛ و حمل العسكر من أموالهم ما قدروا عليه.

و سقطت قيمة المتاع و السّلاح و الكراع، حتى بيعت اثنتا عشرة خوذة بسدس دينار؛ و لم يسلم من عسكر الرّوم إلا العسكر الذي كان محاصرا

268

خلاط، فلما بلغتهم الكسرة رحلوا عن البلد جافلين؛ فاتبعهم المسلمون و تخطّفوا أطرافهم، فلم يلو أوّلهم على آخرهم.

فمن عجيب الاتفاق ما حكى: أنّه كان لسعد الدّولة كوهرائين مملوك أهداه لنظام الملك، فردّه عليه فجعل يرغبه فيه، فقال نظام الملك: «و ما ذا عسى أن يكون من هذا المملوك يأتينا بملك الروم أسيرا»، مستهزئا به.

ثمّ رحل السّلطان إلى أذربيجان، و الملك في قيده، فأحضره السّلطان بين يديه، و سأله عن سبب خروجه و تعريضه نفسه و عسكره لهذا الأمر؛ فذكر أنه لم يرد إلا حلب، و كلّما جرى علي كان محمود السبب فيه و الباعث عليه، فقال: «اصدقني عما كنت عازما عليه أن لو ظفرت بي» فقال: «كنت أجعلك مع الكلاب في ساجور».

فقال السّلطان: «ما الذي تؤثر أن يفعل بك؟» فقال: «انظر عاقبة فساد نيّتي و اختر لنفسك» فرقّ له قلب السّلطان، فمنّ عليه، و أطلقه، و أكرمه، و خلع عليه بعد أن شرط عليه أن لا يتعرّض لشي‏ء من بلاد الاسلام، و أن يطلق أسرى المسلمين كلهم، و سيّره إلى بلاده، و سيّر معه قطعة من العسكر توصله.

فلمّا انصرف ديوجانس إلى قسطنطينية خلعوه من الملك، و لم يتمّ له ما أراد. و قيل: إنّه كحل، و مات بعد مدّة. و لم ينقل أنّه أسر للرّوم ملك في الإسلام قبل هذا (1).

____________

(1)- جمعت أخبار هذه المعركة الحاسمة من مختلف المصادر عربية و غير عربية، و من ثم قمت‏

269

و أمّا محمود بن نصر بن صالح فإنّه سار بعسكره بعد رحيل السّلطان عن حلب، و معه بنو كلاب و السّليماني، في شعبان من هذه السّنة، فنزلوا بالقرب من بعلبكّ قاصدين دمشق و بلادها- و بها يومئذ ابن منزو الكتاميّ- حسب ما تقدّم السلطان إليه، و أقام محمود ليتبينّ ما يفعل.

و كان عمّه عطيّة بن صالح قد صار مع الرّوم مستنجدا بهم على ابن أخيه محمود؛ و بعد أن قصد المصريّين فلم يحصل على شي‏ء منهم. فخرج عطيّة مع النحت دوقس أنطاكية و عسكر الرّوم؛ فهجموا معه معرّة مصرين و أحرقوا بعضها، و قتلوا من قدروا عليه.

و بلغ الخبر محمودا و هو في أرض بعلبكّ فعاد إلى حلب، و سار السليماني ليلحق بالسّلطان ألب أرسلان؛ و اتصلت غارات الرّوم على الشّام، فاستنجد محمود «بقرلو التركيّ» و من معه من الأمراء بفلسطين، و هم: ابن أخي الملك ابن خان، و أتسز بن أوق‏ (1) و إخوته. و كانوا أوّل من طلع من التّرك إلى بلاد فلسطين، و فتحوها، و أقاموا بها فنزلوا إلى محمود منجدين له، و أقاموا إلى أن تفرّق عسكر الرّوم.

و دخل عطيّة عمّ محمود إلى قسطنطينّية، فسقط من سطح كان نائما

____________

بدراستها بموضوعية و تفصيل. انظر كتاب مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 140- 151.

(1)- لأتسز بن أوق ترجمة في المقفى للمقريزي كنت قد نشرتها في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 265- 268.

270

عليه و هو سكران؛ فمات سنة أربع و ستّين- و سار محمود إلى الرّحبة فأخذها- و حمل إلى حلب و دفن بها غربيّ باب الجنان، في مشهد أمه طرود قبلي بستان النّقرة، و صلى عليه ابن أخيه محمود. ثمّ عاد الأتراك بعد أن حمل إليهم محمود مالا و خيلا.

و في سنة أربع و ستّين و أربعمائة، تغيّرت أخلاق محمود بعد رحيل السّلطان، و تنكّر لأصحابه؛ و تغيّر على وزيره أبي بشر النّصراني؛ و كان هو الذي ساعده بماله حتى ملك حلب، و استجذب العرب إليه، و كان القائد أبو الحسن بن أبي الثريا- الذي كان وزير عطيّة- قد سعى به ليلي وزارة محمود، و طالبه بمال جليل.

و كان محمود قد رغب في جمع المال، و غلب عليه حبّ الدنيا فذكر له أبو بشر أنه عاجز عن أداء ما طولب به، و أنّه ممّا لا تصل يده إليه و لا إلى بعضه. فأمر محمود بقتل ولد كان لأبي بشر و بقتل أخيه؛ فقتلا و قطع رأساهما، و علّقا في عنقه؛ فسمع أبو بشر و هو يقول:

ويح دهري ما أمرّه‏* * * ما وفى خير بشرّه‏

و حلف أبو بشر أنه بعد ما فعله بابنه و أخيه لا يظهر له شيئا من ماله.

و قال: كلّ من عنده شي‏ء مودع فهو في حلّ منه و سعة.

و ندم محمود على ما فعل، و أراد الرّجوع له؛ و أرسل إليه شافع ابن الصّوفي أن يقرّر عليه شيئا و يطلقه فامتنع.

271

و اتّفق أنّ محمودا اصطبح، و قدّم إليه طعام بعد سكره، فأنفذ منه لأبي بشر مع فرّاشه؛ فقام قائما و قبّل الأرض، و شكر و دعا. فعرف ابن أبي الثّريا، فركب، و لقى الفرّاش و دفع إليه مائة دينار؛ و سأله أن يقول لمحمود:

«إنّ هذا شيخ خرف لأنه لم يقبل طعام مولانا، و قال: كافأه اللّه و عجّل عليه». ففعل الفرّاش ذلك.

و دخل ابن أبي الثّريا عقيبة على محمود؛ و جاراه في حديث لا يتعلّق بأبي بشر فلم يقبل عليه، و وجده مملوء القلب غيظا من جواب الفرّاش. فقال ابن أبي الثّريا: «اللّه لا يشغل لمولانا خاطرا، فما أراه منبسطا في مجلسه و لا مصغيا إلى المملوك». فحدّثه بما قال الفرّاش، فقال يا مولانا: «لم تزل إليه محسنا و يقابلك بالإساءة فكيف يكون بعد ما جرى عليه و على ابنه و أخيه ما جرى؟

و أنا أدري أنك تريد ماله؛ و قد تكرّر قوله أنّه لا يعطيك شيئا». قال محمود:

«هذا سيفي و خاتمي، خذهما و امض إليه فان لم يقرّ بشي‏ء فاقتله».

فقام ابن أبي الثّريّا من عنده بذلك، و اشتغل محمود بالشرب فلها عنه؛ و أحضر ابن أبي الثريا أبا بشر فلم يطالبه بمال بل قال له: «ما زلت تتجلّد حتّى صرت إلى هذه الحال». فقال: «يا قائد السّوء قد علمت أنّ هذا كلّه من سعيك؛ و الأجل لا مردّ له، و هذا موت الشّهداء؛ و لكن استعدّ لرجلك بحبل، فستموت ميتة الكلاب، و تجرّ جيفتك إلى الخندق».

و قتل أبو بشر، و رمي وسط بئر بستان القصر. و صعد الوزير أبو نصر بن النحاس ثاني يوم قتل أبي بشر إلى خدمة محمود، فقال له سرّا:

272

«تمضي إلى أبي بشر لتقرير ما عليه، و يطلق». فقال: «يا مولانا أو ما قد قتلته».؟ فأطرق محمود ساعة و قال: «تمّت عليّ و عليه الحيلة، و يجب يا أبا نصر أن تكتم هذا الأمر».

قال أبو نصر: «فما حدّثت به إلا بعد موت محمود». و استقلّ ابن أبي الثريا بوزارة محمود.

و أما سديد الملك أبو الحسن بن منقذ فإنّه استشعر من تاج الملوك أن يقبضه- و كان أخاه من الرّضاعة- فاجتمع باسباسلار (1) أبي حرب- المعروف، بخريبة الفافا- و كان صاحب سرّ محمود و نديمه، و كان لابن منقذ إليه إحسان كثير و صنائع جمّة؛ فقال له: «قد استشعرت من تاج الملوك فانظر ما تعمله معي». فقال: «تكلّفني أن يقول الأمير أريد أقبض على فلان فأخبرك بذلك؛ لا واللّه، و لكن أنا أنفذ إليك مع عجوز عندي ألفي دينار؛ فإذا نفذت طلبتها منك فشأنك و نفسك».

فبقيت تلك الدّنانير عنده مدّة ثمّ نفّذ العجوز يطلبها، و كان قد أصلح حاله للسّفر، فدفع إليها الدّنانير، و ركب من يومه، و خرج من حلب إلى كفر طاب فاستصحب منها ما أراد.

و سيّر حسين بن كامل بن الدوخ إلى سديد الملك بن منقذ يسأله الاجتماع به فاجتمعا؛ فقال له حسين: «ايش رأيك في الدّخول إلى حلب؟»

____________

(1)- الاسباسلار أو الاسفهلار فارسية تعني القائد.

273

فقال: «ما أقول لك شيئا لأنّ لك مالا عظيما، فإن أشرت عليك بتركه كنت ملوما عندك، و لكنّي أقول لك ما أعمل، و أنت ترى رأيك. و اللّه لا نظرت محمودا أبدا»!.

و سار إلى طرابلس فكتب محمود إلى ابن عمار يأمره بالقبض عليه، و يبذل له ثلاثة آلاف درهم و رفنية فلم يظفر به.

و سار ابن منقذ حتى وصل إلى طرابلس في سنة خمس و ستّين، فلقي ابن عمّار و أخاه، فكاتبهما محمود فتنكّرا له.

و عزم ابن منقذ على الطلوع إلى مصر، فاتفق موت أمين الدّولة ابن عمّار فشدّ ابن منقذ من جلال الملك علي بن عمار و عاضده بمماليكه و من طلع معه من أهل كفر طاب؛ فأخرجوا أخا أمين الدّولة؛ و تولّى جلال الملك؛ و عظم محلّ ابن منقذ عنده حتّى كان حكمه في طرابلس مثله. و كاتبه محمود بتطييب قلبه، فلم يثق به، و لم يعد إلى حلب حتّى مات.

و قيل: إنّ ابن النحاس، كاتب محمود، كتب إليه كتابا من نفسه يضمن له فيه الرّضا عن محمود، و كتب في آخر: «إنّ شاء اللّه» و شدّد النّون من «إنّ»؛ ففطن ابن منقذ بأنه أراد قوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ‏ (1) فكتب جوابه: «و كتب إنّا الخادم» و كسر الألف، و شدّد النّون من «إنّا»؛ ففطن ابن النّحّاس بأنّه أراد قوله تعالى: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها (2).

____________

(1)- سورة القصص- الآية: 20.

(2)- سورة المائدة- الآية: 23.

274

و أما محمود فإنه لما يئس من عود أبي الحسن بن منقذ قبض على أملاكه جميعها. و أمّا حسين بن الدّوخ فانه دخل إلى حلب فقتله محمود و لم يمهله.

و كان محمود قد خطر له أن يولي في كلّ قلعة من قلاعه رجلا من أهل حلب، و تكون ذريته و أهله تحت يده، و طلب من الوزير ابن أبي الثريا أن يختار له من يوليه عزاز، فقال: «لا أجد لذلك إلا أبا محمد بن سنان الخفاجيّ». و كان أبو نصر ابن النحاس حاضرا، فصوّب الرأي فيه.

فأحضره محمود و ولاه بعد أن امتنع ثمّ أجاب.

ثمّ إنّه استوحش عليه فاستدعاه محمود عدّة دفعات إلى حلب، فتعلل عليه و لم يحضر، و كان أبو نصر بن النحّاس صديقه و كان كاتب محمود؛ فكان يكتب إليه و يحذّره.

فأمره في بعض الأيّام أن يكتب إليه كتابا يتلطّفه و يأمره بالحضور و الكتاب عن أبي نصر؛ لأنّه كان يعلم ما بينهما من المودّة؛ و أمره أن يضمن له عن محمود كلّ خير؛ و أمره أن يكتب الكتاب بين يديه، و لم يقع له أن يلغز فيه شيئا.

قال أبو نصر: «فما قدرت أن أعمل فيه سوى أن شددت النّون من (إن شاء اللّه)؛ و تناهيت في لفظ الكتاب، و قلت: لو عرفت ضدّ ما كتبت لما كنت بصورة من يغشّه». و أخذ محمود الكتاب و وقف عليه، و كرّر فيه نظره فرآه كافيا شافيا، فأمر بالصاقه و عنوانه؛ و دفعه لبعض أصحابه و وصّاه أن يقول:

«هذا كتاب دفعه إليّ أبو نصر بداره». و سار الفرّاش.

275

فلما وقف أبو محمد عليه كرّر فيه نظره، و بقي متعجّبا منه، و يقول:

«أخي أبو نصر أعطاك الكتاب بداره أم بالديوان أم بالقلعة قدّام الأمير؟» فقال: «بل بداره» فقال: «ما هذا صحيح!» فحلف له فلم يصدقه إلى أن قال: «وقعت على المعنى». و كتب جوابه يذكر فيه شكر أبي نصر، و أنّه مهتمّ بالحضور عندد زوال حمّى جسمه. ثم إنّه كاتب أبا نصر خفية، و أعلمه أنه عثر على المعنى في تشديد «إنّ».

و قد ذكرنا أنه جرى له ذلك مع ابن منقذ فيحتمل أن يكون وقع ذلك معهما جميعا.

ثم إنّ محمودا أفكر و قال: «ما أعرف قتله إلا منك»؛ فقال: «كيف؟» قال: «تمضي إليه اليوم و معك ثلاثون فارسا يقفون لك في بعض الطّريق، و تقدم منك إليه من يعلمه بوصولك و معك في رانك هذه الخشكنانة (1) و معك أنت خشكنان غيره؛ فإذا فعلت ذلك لا بدّ أن ينزل و يلتقيك من قلعة عزاز، و يعرض عليك الصعود و النّزول عنده، فقل له: أنا موجل و مستحلف أن لا أنزل على الأرض، و لا آكل لك طعاما؛ و طوّل الحديث معه إلى أن تعلم أنه قد جاع؛ ثم اذكر أنت الجوع و اخرج لك خشكنانة من الذي معك؛ ثم أخرج المسمومة فادفعها إليه، و كل أنت التي لك، و تحدّث معه و يكون حديثكما على فرسيكما و أنتما بمعزل من أصحابكما، و طوّل معه الحديث و لا تبرح حتّى يستوفي أكلها، و علامة صدقك موته؛ و إلا ضربت عنقك».

____________

(1)- من أنواع الخبز يصنع من الدقيق و الزبد و الفستق و السكر أو سواه.

276

قال أبو نصر بن النحاس: فنزل عليّ من ذلك أمر تمنيت الموت معه، فخرجت و أنا على غاية من الجزع و التأسّف كيف قضى اللّه ذلك على يدي، و جعلت دفعة أعوّل على الهرب؛ ثمّ إنّي أفكّر في أولادي و أهلي، و إنّني إن فعلت ذلك أهلكتهم لعلمي بظلم صاحبي؛ ثمّ إنّ الفرسان متوكّلة بي.

فلمّا اجتمعت به فعلت ما ذكره لي، ثمّ ودّعته عند استيفاء أكل الخشكنانة، و رجعت من موضعي مبادرا؛ و أبعدت من أرض عزاز، و ركبت جنيبا كان معي، و جدّيت في السّير خوفا من الطّلب.

و صعد أبو محمد إلى المركز، فوجد مغصا شديدا و رعدة؛ ثمّ قال:

«قتلني أخي أبو نصر اطلبوه». فركبت الخيل خلفه فلم تلحقه.

و وصل أبو نصر فاجتمع بمحمود، فعرّفه ما جرى. فلمّا كان من ذلك الغد وصل رسول من عزاز يستدعي الشّريف النقيب أبا المعالي الفضل بن موسى و ابنه سنان بن أبي محمّد الخفاجيّ، و جماعة من أهله. و ذكر الرسول أنه في السّياق، فمنع محمود ولده من الخروج؛ و أمر الشّريف أن يتولّى القلعة إلى أن ينفذ إليها واليا؛ فولاها بعد خمسة أيام واحدا من أصحابه.

و توفي أبو محمد في قلعة عزاز في سنة ستّ و ستّين و أربعمائة؛ و قيل سنة أربع و ستّين- و هو الصّحيح- و حمل إلى حلب؛ و صلّى عليه الأمير محمود بن صالح؛ و قيل: إنه توفي سنة ثلاث و ستّين- و الأوّل أصحّ- و لمّا أحسّ بالموت عمل:

خف من أمنت و لا تركن إلى أحد* * * فما نصحتك إلا بعد تجريب‏

277

إن كانت التّرك فيهم غير وافية* * * فما تزيد على غدر الأعاريب‏

تمسّكوا بوصايا اللّؤم بينهم‏* * * و كاد أن يدرسوها في المحاريب‏

و قيل: إنّه كان كتبها أبو محمد من عزاز إلى سديد الملك بن منقذ، و يذكر له في كتابه أحواله و لجاج محمود في طلبه، و تغيّر نيّته فيه، و خوفه من غائلته و ظلمه.

و في سنة خمس و ستّين و أربعمائة- و قيل في شوّال سنة أربع و ستّين- وفد أبو الفتيان بن حيّوس على محمود بن نصر بن صالح، و كان سديد الملك بن منقذ اجتمع به بطرابلس، و رأى نفور بني عمّار منه لأجل ميله إلى الدّولة المصريّة، فأشار عليه أن يقصد محمودا بحلب، فقصده صحبة نصر بن سديد الملك بن منقذ، فأحضره محمود.

و كان قد جلس في مجلسه و أمر باحضار الشّراب فشرب أقداحا، ثم قال: «ارفعوا الخمر فإنّ ابن حيّوس يحضرني ممتدحا، و في نفسي أن أهبه جائزة سنيّة فإن كان الشّراب في مجلسي قيل وهبه و هو سكران» فرفع. و حضر الأمير أبو الفتيان فأنشده قصيدته الميميّة التي أوّلها:

قفوا في القلى حيث انتهيتم تذمّما* * * و لا تقتفوا من جار لمّا تحكّما

أرى كلّ معوجّ المودّة يصطفى‏* * * لديكم، و يلقى حتفه من تقوّما

و هي قصية طويلة، أحسن فيها كلّ الإحسان، و ذكر إشارة ابن منقذ عليه بقصده فقال:

278

سأشكر رأيا منقذيا أحلّني‏* * * ذراك فقد أولى جميلا و أنعما (1)

فوهب له ألف دينار ذهبا في صينيّة فضّة، و جعلها له رسما عليه في كل سنة.

و احتفر الخندق بحلب فجاءه أبو الفتيان فقال: «هذه أعمال يعجز عنها كسرى و ذو الأكتاف». فقال محمود: «ما كان الأمير أبو الحسن ينفذك حتّى سألته ذلك» (2).

و اجتمع بباب محمود بن نصر جماعة من الشّعراء، فلم تصل إلى واحد منهم جائزة غير ابن حيّوس، فكتب إليه ابن الدّويدة، المعروف بالقاق:

على بابك الميمون منا عصابة* * * مفاليس فانظر في أمور المفاليس‏

و قد قنعت منك العصابة كلّها* * * بعشر الذي أعطيته لابن حيّوس‏

و ما بيننا هذا التّفاوت كلّه‏* * * و لكن سعيد لا يقاس بمنحوس‏

فقال محمود: «و اللّه لو قال بمثل الّذي أعطيته لأعطيتهم مثله». ثمّ أمر لهم بالجائزة مائة دينار أو أكثر.

و قصد الرّوم ناحية عزاز في جموعهم، فخرج محمود إليهم في عدّة قليلة تناهز ألف فارس، فاندفع الرّوم بين أيديهم، و قصدوا أنطاكية و احتموا بها في سنة أربع و ستّين. و افتتح محمود قلعة السّن‏ (3) في تاسع شهر ربيع الآخر سنة ستّ و ستّين.

____________

(1)- ديوان ابن حيوس ج 2 ص 598- 606.

(2)- الجملة مطموسة بالأصل و لعل هذه القراءة هي الصحيحة.

(3)- قلعة قرب سميساط.

279

و مرض محمود بن نصر بن صالح بحلب في جمادى الأولى من سنة سبع و ستّين و أربعمائة. و حدثت به قروح في المعا كانت سبب منيّته.

و كان محمود في أول ملكه حسن الأخلاق، ليّن الجانب، كريم النفس، عفيفا عن الفروج و الأموال، ثم تنكّر و زاد عليه حبّ الدّنيا، و جمع المال فلحقه من البخل ما لا يوصف.

280

[إمارة نصر بن محمود] (1)

و أوصى بحلب لابنه شبيب- و كان أصغر أولاه- فلم ينفذ أصحابه وصيّته؛ و ملّكوا حلب ولده الأمير نصر بن محمود؛ و جدّه لأمّه الملك العزيز بن جلال الدّولة بن بويه؛ و أحصي ما وجد في خزائن محمود فكانت قيمته من العين و المتاع و الآلات، و الثّياب، و المراكب ألف ألف و خمسمائة ألف دينار.

و أمن الناس في أيام نصر. و كانت سيرته أصلح من سيرة أبيه، و أحسن إلى أهل حلب؛ و أطلق من كان في اعتقال أبيه من أحداثهم، و عمّ النّاس بجوده، و كان بحرا للمكارم إلا أنّه كان لا يستطيع أن يرى أحدا يأكل طعامه مع كرمه و جوده.

و دخل عليه أبو الفتيان بن حيّوس حين ولي حلب فأنشده القصيدة التي أوّلها:

كفى الدّين عزّا ما قضاه لك الدّهر* * * فمن كان ذا نذر فقد وجب النّذر

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

281

اعتذر فيها عن تأخّره عن سلفه فقال:

تباعدت عنكم حرفة لا زهادة* * * و سرت إليكم حين مسّني الضرّ

فجاد ابن نصر لي بألف تصرّمت‏* * * و إنّي لأرجو أن سيخلفها نصر

(1)

فأطلق له نصر ألف دينار، و قال: «و حياتي، لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها». و لم يزل يواصل ابن حيوس بالحباء و جزيل العطاء، و أنشده ابن حيّوس يوما بديها و قد خرج ينظر المدّ في قويق:

أرى الأرض تثني بالنّبات على الحيا* * * و لو تستطيع النّطق خصّتك بالحمد

بك افترّت الأيّام عن ناجذ الغنى‏* * * و غرّد طير العيش في الزّمن الرّغد

عهدنا مدود الأرض تأتي بحورها* * * و لم نر بحرا قطّ سار إلى مدّ (2)

فأعطاه صلة جزيلة.

و جهّز نصر عساكره إلى منبج صحبة أحمد شاه‏ (3)، و كانت في أيدي الروم؛ فحصرها مدّة؛ و أيس و اليها من نجدة تأتيه، فسلّمها في صفر من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة، فقال في ذلك ابن حيّوس من قصيدة:

و طريدة للدّهر أنت رددتها* * * قسرا فكنت السّيف يقطع مغمدا (4)

و وصل في سنة ثمان و ستّين و أربعمائة أتسز بن أوق التركي إلى أعمال‏

____________

(1)- ديوان ابن حيوس ج 1 ص 242- 249.

(2)- ديوان ابن حيوس ج 1 ص 197.

(3)- لأحمد شاه ترجمة في بغية الطلب نشرتها في ملاحق مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 251- 253.

(4)- ديوان ابن حيوس ج 1 ص 205.

282

حلب القبلية؛ و نزل العاصي على الجلالي؛ و جفل أهل الشّام بين يديه- و كان قد سمّى نفسه الملك المعظّم- فنهب كلّ ما قدر عليه، و ملك رفنية، و سلّمها إلى أخيه جاولي، و تردّدت سراياه في جميع الشّام، و تمادى فساده.

و تردّدت الرّسل بينه و بين نصر بن محمود صاحب حلب، فلم يستقرّ بينهما أمر، و عاد إلى دمشق فتسلّمها (1).

و اعتمد جاولي مدّة مقامه برفنية إساءة المجاورة؛ و شنّ الغارات و الأذى في الأعمال القبلية من عمل حلب؛ فجهزّ إليه نصر بن محمود عسكر حلب و مقدّمهم أحمد شاه التّركي، و ذكر أنه شيبانيّ فسار إليه، و التقوا بأرض حماة، فكسره جاولي و غنم عسكره.

و عاد أحمد شاه و نزل مذكين‏ (2) و جمع إليه من سلم من عسكره، فلما اجتمعوا عوّلوا على العوة إلى حلب، فقال لهم أحمد شاه: «ما بقي لنا وجه إلى حلب بعد هذه الكسرة، فإن راجعتم الحرب و أظفرنا اللّه بهم كان الأمر لنا بحكم الظّفر، و إن أبيتم فأنا أسير إلى الفرات و أستدعي أهلي، فما لي وجه ألقى به نصر بن محمود؛ و إنما أعطى و منح و أكرم لمثل هذا الموقف».

فأجمعوا أمرهم على معاودة الحرب فأسرى من موضعه إلى عسكر جاولي، و كبسه، فاستثأر منهم؛ و نهب عسكره، و أسر منهم ما يزيد عن ثلاثمائة

____________

(1)- مر سقوط دمشق لأتسز بن أوق بعدة مراحل، و قد آذى المدينة كثيرا و أنهكها. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 157- 165.

(2)- لم أقف لهذا الموقع على ذكر في المصادر المتوفرة، و يبدو أنه في أحواز رفنية.

283

نفس؛ و سيّرهم في الوثاق إلى حلب مشاة؛ و هرب جاولي إلى رفنية؛ و سار بعد ذلك إلى أخيه بدمشق.

و كان نصر حين ملك حلب و استقر بها أمر بقتل وزير أبيه أبي الحسن عليّ بن أبي الثريا القائد، صاحب الدّار التي هي المدرسة العصرونية؛ فقتل و كان راكبا تحت القلعة، و هو في حشمه على بغلته، و عمل في رجله حبل و جذبت جثّته من تحت القلعة إلى باب أنطاكية، جزاء على ما فعله بأبي بشر، و صدق فأل أبي بشر فيه- على ما ذكرناه- و كان نصر قد اتّهمه بأنه أشار على أبيه أن يولي أخاه الأصغر شبيبا، و كذلك قتل نصر ناجية بن عليّ أحد ولاة أبيه.

و استوزر نصر أبا نصر محمد بن الحسن التميميّ المعروف بابن النّحاس الحلبيّ، و بقي وزيرا بعده لسابق أخيه إلى أن اعتقله، ثمّ أطلق.

و كان أبو نصر كاتبا لمحمود قبل وزارته.

و في يوم عيد الفطر من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة، عيّد نصر بن محمود، و هو في أحسن زيّ، و كان الزمان ربيعا و الأرض نضرة؛ و احتفل الناس في عيدهم و تجمّلوا بأفخر ملابسهم؛ و دخل عليه ابن حيّوس فأنشده قصيدة منها:

ضفت نعمتان خصّتاك و عمّتا* * * حديثهما حتّى القيّامة يؤثر (1)

____________

(1)- ديوان ابن حيوس ج 1 ص 269.

284

و قبض نصر على الأمير أحمد شاه التركيّ، و اعتقله في القلعة؛ و جلس فشرب إلى العصر؛ و حمله السّكر على الخروج إلى الأتراك، و سكناهم في الحاضر، و أراد أن ينهبهم، و حمل عليهم، فرماه تركيّ بسهم في حلقه فقتله، و تبعه أصحابه فوجدوه قد مات؛ و ذلك يوم الأحد مستهلّ شوال من سنة ثمان و ستّين و أربعمائة. و كان نصر أهوج‏ (1).

____________

(1)- امارة حلب ص 151.

285

[إمارة سابق بن محمود] (1)

و زحفت الأتراك إلى البلد و كان والي القلعة رجلا يقال له ورد، و عنده الأمير سديد الملك أبو الحسن بن منقذ، و كان قد عاد من طرابلس إلى حلب في أيّام نصر؛ و عندهما جماعة من الخواصّ؛ فلما علموا بذلك استدعوا أخاه سابق بن محمود (2).

و حمل من العقبة (3)، و كان ساكنا بها في الدّار التي تنسب إلى عزيز الدّولة فاتك، و رفع إلى القلعة بحبل من السّور، و هو سكران، و نادوا بشعاره، و أطاعه الأجناد، و أشاروا عليه باطلاق أحمد شاه فأطلقه في الحال، و خلع عليه.

فنزل أحمد شاه إلى العسكر بالحاضر فسكّن النائرة (4)، و أخمد الفتنة،

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- لسابق ترجمة في بغية الطلب سلف لي نشرها في ملاحق مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 397- 404.

(3)- يقال لها عقبة بني المنذر، و كانت من أشرف نواحي حلب و أفضلها. أحياء حلب و أسواقها للاسدي ص 280.

(4)- النائرة: الفتنة.

286

و استقرّت قاعدة سابق؛ و لقّب عزّ الملك أبو الفضائل، و دخل عليه ابن حيّوس فأنشده قصيدة أولها:

عليّ لها أن أحفظ العهد و الودّا* * * و إن لم يفد إلا القطيعة و الصدّا (1)

فأطلق له سابق ألف دينار، و جعل له في كل شهر ثلاثين دينارا، و كان سابق من متخلّفي بني مرداس.

و لما ملك سابق اجتمعت بنو كلاب إلى أخيه وثّاب؛ و عوّلوا على معونته عليه و أخذ حلب له من أخيه سابق و انضاف إلى وثّاب أخوه شبيب بن محمود، و مبارك بن شبل ابن خالهما، و عامّة بني كلاب.

فلمّا تحقّق سابق ذلك استدعى أحمد شاه أمير الأتراك، و كان في ألف فارس و شاوره، فأنفذ أحمد شاه إلى رجل من الأتراك يعرف بابن دملاج- و اسمه محمّد بن دملاج- في يوم الأربعاء مستهلّ ذي القعدة، من سنة ثمان و ستّين.

و تحالفوا و خرجوا إلى وثّاب و بني كلاب، في يوم الخميس مستهلّ ذي الحجة من سنة ثمان و ستين و أربعمائة، و كان بنو كلاب في جمع عظيم ما اجتمعوا قط في مثله. يقال إنّهم يقاربون سبعين ألف فارس و راجل، و كانوا قد عاثوا في بلد حلب، و كانوا نزولا بقنّسرين، فعند معاينتهم الأتراك انهزموا من غير قتال و خلّفوا حللهم و كلّ ما كانوا يملكونه و أهاليهم و أولادهم.

____________

(1)- ديوان ابن حيوس ج 1 ص 144.

287

فغنم أحمد شاه و أصحابه و محمّد بن دملاج و أصحابه كلّ ما كان لبني كلاب. فيقال: إنهم أخذوا لهم مائة ألف جمل و أربعمائة ألف شاة، و سبوا من حرمهم الحرائر جماعة كبيرة، و من إمائهم أكثر، و كل ما كان في بيوتهم. و عفوا عن قتل عبيدهم المقاتلة، و كانوا يزيدون عن عشرة آلاف عبد مقاتل فلم يقتلوا أحدا منهم، و كان الذي غنمه التّرك من العرب في ذلك اليوم ما لا يحصى كثرة؛ و أسروا جماعة منهم.

و عاد أحمد شاه بالأسرى إلى حلب فتقدّم سابق بن محمود باطلاقهم، و أنزل أخته زوجة مبارك بن شبل في دار، و أكرمها لأنّها كانت فيمن أخذ ذلك اليوم.

و بعد هذه الهزيمة بثلاثة عشر يوما دعا محمد بن دملاج التركي أحمد شاه، فخرج إليه، و كان نازلا شمالي حلب؛ فلما أكلوا و شربوا قبض محمّد بن دملاج على أحمد شاه و أسره؛ و كان في نفر قليل فأقام في أسره تسعة أيام.

(1)

____________

(1)- امارة حلب ص 152- 153.

288

[التسلط التركماني‏] (1)

ثم إن سابق بن محمود اشترى أحمد شاه من محمّد بن دملاج بعشرة آلاف دينار و عشرين فرسا، يوم السّبت الرابع و العشرين من ذي الحجة من السّنة.

فعند ذلك سار وثّاب بن محمود و مبارك بن شبل، و حامد بن زغيب، إلى السّلطان أبي الفتح ملك شاه بن ألب أرسلان؛ و حضروا عنده، و شكوا إليه حالهم، و سألوه أن يعينهم على سابق، و يكشف عنهم ما نزل بهم منه.

و أنكر السّلطان ذلك و وعدهم بما طابت به نفوسهم، و وقع لهم باقطاعهم في الشّام؛ و أقطع الشّام لأخيه تاج الدولة تتش، و أمره بالمسير إلى الشّام في أوائل سنة سبعين و أربعمائة.

و تقدّم السّلطان ملك شاه إلى أفشين بن بكجي، و صندق التركي، و محمّد بن دملاج، و ابن طوطو، و ابن بريق، و غيرهم، من أمراء التّرك بالكون مع تأج الدّولة و المسير في خدمته.

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

289

فسار تاج الدّولة و معه وثّاب بن محمود، و مبارك بن شبل و حامد بن زغيب، حتّى وصل إلى ديار بكر، و تواصلت إليه الأمداد مع المذكورين.

و كان أحمد شاه قد حصر أنطاكية مدّة و معه عسكر حلب و اشتدّ الغلاء بها في هذه السّنة، و استقرّت الحال على خمسة آلاف دينار مقاطعة، فأخذها، و رحل عنها إلى حلب.

و لما قرب تاج الدّولة من الشّام هرب جماعة الأتراك المقيمين بحاضر حلب مع أحمد شاه إلى حصن الجسر- و كان ابن منقذ جدّد عمارته ليضايق به شيزر، و يقطع المادّة عنها من بلد الرّوم؛ و أذن له سابق بن محمود في ذلك، فجدّد في هذه السّنة- فتركوا أموالهم و أهاليهم بهذا الحصن، و عادوا إلى خدمتهم بحلب، و لم يأمنوا أهل حلب أن يتركوا حرمهم عندهم لما كانوا فعلوه بابن خان؛ و تغيّر الهواء بالجسر عليهم، فهلك عامّتهم بهذا الموضع.

و أما تاج الدولة تتش فإنه أقام بالمروج إلى أن وصلته بنو كلاب بالظّعن، و نزلوا حلب في سنة إحدى و سبعين و أربعمائة.

و وصل شرف الدّولة أبو المكارم مسلم بن قريش في عسكر كثير بأمر ملك شاه، و نزل معه على حلب معينا له، و حصروها ثلاثة أشهر و عشرين يوما؛ و كان نزوله على حلب لثلاث خلون من ذي القعدة من سنة إحدى و سبعين و أربعمائة. و كان القتال عليها متّصلا.

و قتل أحمد شاه مقدّم الأتراك بحلب بطعنة أصابته في الحرب، و كان هوى شرف الدّولة أبي المكارم مع سابق، و كان يسير إليه في الباطن بما يقوّي‏

290

نفسه، و كان ينكر على بني كلاب خلطتهم بعسكر التّرك.

فاستأذن بنو كلاب تاج الدّولة في رحيل الظعّون فأذن لهم فأحسّ شرف الدّولة أبو المكارم بتغيّر النيّة فيه، و تحقيق التهمة به من مراسلة سابق و أهل حلب، فاستأذن تاج الدّولة في الرّحيل، و رحل. و جعل عبور عسكره على باب حلب، و باع أصحابه أهل حلب كلّ ما كان في العسكر عصبية و تقوية لهم، و قوّى نفوسهم و نفس سابق.

و سار بعد أن قوي أهل حلب بما ابتاعوه من عسكره بعد الضّعف الشديد إلى بلاده؛ و أشار على مبارك و وثّاب و شبيب بالاحتياط على أنفسهم أو الهرب إلى حلب.

و لم يك بقي مع تاج الدّولة من بني كلاب غيرهم في نفر يسير، فكاتبهم سابق و تألفهم و قال لهم: «إني إنّما أذبّ و أحامي عن بلادكم و عزّكم، و لو صار هذا البلد إلى تتش لزال ملك العرب و ذلّوا» و جرت أمور أوحشتهم من الأتراك؛ فهربوا إلى حلب بعد أن قتل أصحابهم قبل الهزيمة و بعدها، و صاروا إلى سابق.

و كتب سابق إلى الأمير أبي زائدة محمد بن زائدة قصيدة من شعر وزيره أبي نصر بن النّحاس، يعرّفه ما هو فيه من الضّيق، و يسأله الإقبال عليه و القيام بمعونته؛ و يحذّره من التخلّف عنه، فيكون ذلك مسببا لزوال ملك العرب، و يعتب عليه في التوقف عنه فيما كان جرى مع أحمد شاه التركيّ، و القصيدة هي:

291

دعوت لكشف الخطب و الخطب معضل‏* * * فلبّيتني لمّا دعوت مجاوبا

و وفّيت بالعهد الذي كان بيننا* * * وفاء كريم لم يخن قطّ صاحبا

و ما زلت فرّاجا لكلّ ملمّة* * * إذا المحرب الصّنديد ضجّع هائبا

فشمّر لها و انهض نهوض مشيّع‏* * * له غمرات تستقلّ النّوائبا

و قل ل «كلاب»: بدّد اللّه شملكم‏* * * أو يحكم ما تتّقون المعايبا!

أتستبدلون الذّلّ بالعزّ ملبسا* * * و تمسون أذنابا و كنتم ذوائبا

و ما زلتم الآساد تفترس العدى‏* * * فما بالكم مع هؤلاء ثعالبا

ثبوا وثبة تشفي الصّدور من الصّدا* * * و لا تخجلوا أحسابنا و المناقبا

و لا بدّ من يوم نحكّم بيننا* * * و بين العدى فيه القنا و القواضبا

أرى الثّغر روحا أنتم جسد له‏* * * إذا الرّوح زالت أصبح الجسم عاطبا

292

و قد ذدت عنه طالبا حفظ عزّكم‏* * * إباء و لاقيت المنايا السّواغبا

و ها أنا لا أنفكّ أبذل، في حمى‏* * * حماكم مجدّا، مهجتي و الرّغائبا

أأدخر مالي عنكم و ذخائري‏* * * إذا بتّ عن طرق المكارم عازبا

شكرت صنيع «ابن المسيّب» إذ أتى‏* * * يجرّ مغاويرا تسدّ السّباسبا (1)

و منها:

أيا راكبا يطوي الفلاة بجسرة* * * هملّعة (2) لقّيت رشدك راكبا

ألا أبلغ «أبا الرّيّان» عني ألوكة* * * تزيح من الإيلاف ما كان واجبا

أخا شخصه لا يبرح الدّهر حاضرا* * * تمثّله عيني و إن كان غائبا

متى تجمع الأيّام بيني و بينه‏* * * أشدّ عليه ما حييت الرّواجبا (3)

____________

(1)- السباسب: المفازات.

(2)- الجسر من الابل: العظيم و مؤنثها جسرة، و الهملع السريع، و مؤنثها الهملعة.

(3)- الرواجب: مفاصل أصول الأصابع.

293

و أهد إلى «شبل» سلامي و قل له:* * * لك الخير دع ما قد تقدّم جانبا

فتلك حقود لو تكلّم صامت‏* * * لجاء إليها الدّهر منهنّ تائبا

و قد أمكنتكم فرصة فانهضوا لها* * * عجالا و إلا أعوز الدرّ جالبا

فإنّي رأيت الموت أجمل بالفتى‏* * * و أهون أن يلقى المنايا مجاوبا

و كان قد بلغ «سابقا» أنّ أميرا من أمراء خراسان يقال له تركمان التّركيّ قد توجّه منجدا لتاج الدّولة، و معه عسكر، فأخرج سابق منصور بن كامل الكلابي- أحد أمراء بني كلاب- من حلب ليلا، و أعطاه كتابه إلى الأمير أبي زائدة، و فيه هذه الأبيات؛ و معه بعض أصحاب سابق و معهم مال.

فلمّا وقف الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة على هذه الأبيات، اتّفق مع منصور و نائب سابق، و جمعوا ما يزيد عن ألف فارس و خمسمائة راجل من بني نمير، و قشير، و كلاب، و عقيل، و كلّ ذلك بتدبير الأمير شرف الدّولة أبي المكارم و مشورته.

و وفد بهم الأمير أبو زائدة، و وصلوا إلى «وادي بطنان». و اتّفق وصول‏

294

المعروف بتركمان التّركي في ألف فارس من الغزّ، و معه جملة من العدد لمحاصرة حلب و معونة تتش.

و عبر تركمان على طريق الفايا، فسار الأمير أبو زائدة بمن معه من الجمع؛ و لقوا تركمان في أرض الفايا، فأوقعوا به و كبسوا عسكره، و قتلوه، و نهبوا ما كان فيه بأسره و جميع ما كان للتجّار الواصلين في صحبته، و اتّصل هذا الخبر بتاج الدّولة و هو منازل حلب، فرحل عنها إلى الفرات، و توجّه نحو ديار بكر و شتى بها.

ثم عاد و قطع الفرات، و تسلّم منبج و حصن الفايا و حصن الدّير، و شحنها بالرّجال، و سار بالعسكر إلى حصن بزاعا (1)، و كان صاحبه شبل بن جامع؛ و بعض رجال هذا الحصن ممّن كانت له النكاية العظيمة في عسكر تركمان، فقاتله تاج الدّولة، و فتحه بالسّيف، و قتل كافّة من كان فيه، و نهبه و شحنه بالرّجال.

و رحل إلى عزاز وقد انضوى إلى قلعتها خلق عظيم، و منعهم الوالي بها من الصّعود إليها فالتجئوا إلى سند القلعة بأقمشتهم، و النّاس عليها؛ و أساء الوالي بها- و كان اسمه عيسى- التدبير و السياسة.

فزحف العسكر إلى القلعة؛ و قاتلها؛ و ضربها بالنار، فاحترقت أقمشة

____________

(1)- بزاعا: بلدة من أعمال حلب في وادي بطنان بين منبج و حلب- معجم البلدان. و تتبع بزاعة الآن منطقة الباب، و تطل على وادي الذهب الذي يتجه من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي نحو مملحة الجبول. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

295

الناس، و غلاتهم، و حرمهم، و أولادهم؛ و أشرفت على الأخذ. و خرج قوم من الحريق إلى عسكر تاج الدّولة فأمّنهم، و تقدّم إليهم بالعودة إلى ضياعهم.

و رحل الملك تاج الدّولة إلى جبرين قورسطايا (1)؛ فأخذها و شحنها بالرّجال؛ فخرج الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة من حلب في الليل؛ و وصل إلى ضيعة تعرف بكرمين‏ (2)، فوجد بها خمسين فارسا من الغزّ، فقتلوا أكثرهم، و غنموا كلّ ما كان معهم، و عادوا إلى حلب سالمين.

فأسرى تاج الدّولة في الليل من جبرين عند ذلك في جميع عسكره، و هم ملبسون مستعدّون، فصبّحوا حلب صباحا، و أغاروا عليها، فخرج عسكر حلب فالتقوا على الخنّاقيّة على باب حلب. ثم إنّ بعض عسكر حلب انهزموا لغير موجب؛ و هزم اللّه عسكر تتش بغير قتال.

و كان الأمير أبو زائدة محمد بن زائدة و ابن عمه شبل بن جامع بن زائدة في قدر خمسين فارسا مقابلهم، فحملوا عليه، و اتّفقت هزيمتهم، فقتلوا من الغزّ جماعة و غنموا.

و لو عاد عسكر حلب في اثرهم ما كان أفلت منهم إلا من سبق به فرسه. و شاع لمحمّد بن زائدة في ذلك اليوم ذكر جميل.

____________

(1)- سلف بي القول: إن جبرين تبعد عن حلب مسافة 8 كم نحو الشرق. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(2)- اسمها الآن كفر كرمين على مقربة من خان العسل الذي يبعد عن حلب 10 كم باتجاه الجنوب الغربي. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

296

و تقدّم الأمير محمّد بن زائدة إلى الشيخ أبي نصر منصور بن تميم المعروف بابن زنكل أن يجيب أبا الفضائل سابق بن محمود عن القصيدة التي أنفذها إليه، و يعرّفه ما لبني كلاب من الأيّام المعروفة، و يذكر هذه الوقائع، فعمل:

دعوت مجيبا ناصحا لك مخلصا* * * يرى ذاك فرضا لا محالة واجبا

فلبيّت لا مستنكفا جزعا و لا* * * هدانا (1) إذا خاض الكريهة هائبا

و منها:

و لمّا دعاني المدركيّ ابن صالح‏* * * شققت، و لم أرهب؛ إليه الكرائبا

أسابق صرف الدّهر في نصر «سابق»* * * إلى «تركمان» التّرك أزجي النّجائبا

فلمّا التقيناهم غدا البعض سالبا* * * لأنفسهم، و البعض للمال ناهبا

فيا لك من يوم سعيد بيمنه‏* * * عن الثّغر أضحى عسكر الضدّ هاربا

و كان يرى في كفّه الشّام حاصلا* * * و يوم «بزاعا» ردّ ما ظنّ خائبا

____________

(1)- الهدان: الأحمق، الوخم الثقيل في الحرب.

297

و ليلة «كرمين» تركنا كرامهم‏* * * كضأن بها لاقت مع القدر قاصبا

و في يوم «خنّاقيّة» قد خنقتهم‏* * * بعثير ذلّ ردّ ذا الشّرخ شائبا

عطفت لهم إذ خام من خام منهم‏* * * بفتيان كالعقبان شامت توالبا (1)

فللّه قومي الصّادرون لو انثنوا* * * معي، أو فريق كنت للجمع ناكبا

فولّوا و قضبان المخافة فيهم‏* * * مسابقة أرماحنا و القواضبا

فكم فارس منهم تركنا مجدّلا* * * يباشر ترب القاع منه التّرائبا

و إذ أيقنوا أن ليس للكسر جابر* * * تولّوا و عن «جبرين» حثّوا الرّكائبا

و خلّوا بها كسبا حووه، و أبصروا* * * سلامتهم منّا أجل مكاسبا

و أما تاج الدولة تتش فإنّه رحل من جبرين، و سار إلى دمشق فملكها؛ و تسلّمها من أتسز بن أوق التّركيّ‏ (2)، ثم فسح من عسكره أفشين التركيّ،

____________

(1)- التولب: ولد الحمار.

(2)- انظر حول استيلاء تتش على دمشق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 164- 165.

298

و معه أكثر العسكر؛ و عاد شمالا و نهب عسكره ضياعا في أعمال بعلبكّ.

و وصل رفنيّة في اليوم العاشر من جمادى الأولى، و فيها جماعة كثيرة من التّجّار و القوافل متوجّهين إلى طرابلس، فهجمها بغتة؛ و قتل مّمن كان بها جماعة، و استباح أموالهم و حريمهم، و أقام بها عشرة أيام.

ثم سار فنزل حصن الجسر، فأكرمه أبو الحسن بن منقذ فأعلمه بما عوّل عليه من نهب الشّام، فسأله في بلدة كفر طاب ألا يعترضها فأجابه.

و سار فنزل قسطون فجرى أمرها في النهب و العقوبة مجرى رفنيّة، و أقام بها نيفا و عشرين يوما. ثم تنقّل و عسكره بالمنجنيقات على أبراج جبل السّمّاق‏ (1) و غيرها؛ حتى لم يبق بها موضع و لا برج إلا افتتحه و أهلكه؛ و استباح حريمهم و أولادهم، و استغرق أحوال أهل سرمين و المعرّة بالقطائع، و طلع إلى جبل بني عليم‏ (2) فلم يتمّ له بها شي‏ء.

و سار فنزل ضياع معرّة النّعمان الشرقية بالمنجنيقات، ففتح أبراجها و حصونها بالسّيف، و أخذ ما لا يمكن إحصاؤه، و غلب أهلها فهلك منهم خلق؛ و نزل تلّ منس، و قطع عليها خمسة آلاف دينار، و لم يتمكّن من أخذها.

و انتقل إلى عمل معرّة النعمان ففعل مثل ذلك؛ و سار إلى معرتارح‏ (3)-

____________

(1)- هو جبل الأربعين هذه الأيام.

(2)- هو جبل الزاوية فوق بلدة أريحا.

(3)- معرتارح: من نواحي كفر طاب، في شماليها. تاريخ معرة النعمان لمحمد سليم الجندي- ط. دمشق 1994 ج 1 ص 20.

299

من بلد كفرطاب- فتحصّن أهلها في أبراجها؛ و تعذّرت عليه فأحرقها، و هلك جميع من كان فيها.

و بلغ تاج الدّولة ذلك، و هو بدمشق، فأسرع السّير إلى أن وصل إلى ظاهر كفرطاب يطلب أرسلان تاش، فوجده قد رحل إلى بلاد الروم، فعاد إلى دمشق و سكن الناس في طريقه.

و حين رجع أفشين من الشّام و لم يبق في أعمال حلب ضيعة مسكونة من بلد المعرة إلى حلب، توجه إلى بلد أنطاكية فأخرب ما قدر عليه، و نهب و سبى ما وجده، و حمل إليه من أنطاكية مال؛ و توجّه إلى الشرق بعد امتلاء صدره و صدر عسكره من النّهب.

و جرى من هذا الحادث بالشّام أمر لم يسمع بمثله، و تلف أهله بعد ذلك بالجوع. و وجد قوم قد قتلوا قوما و أكلوا لحومهم؛ و بيعت الحنطة ستة أرطال بدينار و ما سوى ذلك بالنسبة.

و جلا من سلم من الشام إلى بلد شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش، فأحسن إليهم و تصدّق عليهم؛ و كان ذلك الاحسان منه أكبر الأسباب في مملكته حلب.

و لمّا جرى هذا الحادث طمع شرف الدّولة في الشّام؛ و كاتبه سابق بن محمود يبذل له التّسليم إليه؛ و وفدت عليه بنو كلاب بأسرها، فتوجّه إلى حلب، و نزل بالس‏ (1) يوم عيد النّحر من سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة.

____________

(1)- هي بلدة مسكنة الحالية في سورية.

300

و نزل حلب في السّادس عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة فغلّقت أبوابها في وجهه، و كان عند سابق أخواه شبيب و وثّاب بحلب، فلم يمكّناه من التّسليم، فلم يقاتلها، و أهلها يحرصون على التّسليم إليه لما هم فيه من الجوع و عدم القوت.

و كان مع شرف الدّولة في عسكره غلّة كثيرة و قوّة تجوز الحدّ، و تزيد عن الوصف. و كان الرّئيس بحلب و نقيب الأحداث بها الشريف حسن بن هبة اللّه الهاشميّ، المعروف بالحتيتي، و كان ولده أبو منصور قد خرج مع عسكر سابق لقتال بعض الأتراك المخالفين في بيت لاها (1) فأسروه؛ و بقي أسيرا في الموضع مع خطلج أحد أصحاب أحمد شاه.

فلمّا وصل شرف الدّولة إلى حلب وفد التّرك كلّهم عليه؛ و تقرّبوا إليه بولد الشّريف الحتيتي.

و قيل: إنّه طلبه منهم فلمّا حضر عنده خلع عليه، و أطلقه فدخل البلد، و أخذ معه جماعة من أصحابه، و فتح باب حلب، و نادى بشعار شرف الدّولة في اليوم السادس و العشرين من ذي الحجة، من سنة اثنتين و سبعين و أربعمائة.

و تسلّمها، و دخل أصحابه إليها، و قلع أبوابها جميعها، و فتح باب‏

____________

(1)- يقال لبيت لاها الغربي جبل اللكام، و هو مسكن العباد و الزهاد، و فيه من الفواكه المباحة ما يقتاتون به، و هو يفصل بين الثغور الشامية و الجزرية. و بغية الطلب ج 1 ص 439.

301

أربعين‏ (1)- و كان مسدودا- و أحسن إلى كافّة أهلها، و خلع على أحداثهم، و تصدّق بمال كثير و غلّة.

و كان سديد الملك بن منقذ قد وفد على شرف الدّولة و نزل معه على حلب، و كان شرف الدّولة قد عزم على الرّحيل من حلب لما حلّ بهم من الضجر و مصابرة أهل حلب؛ و غلت الأسعار عندهم حتى صار الخبز ستّة أرطال بدينار.

و فرّ سديد الملك أبو الحسن بن منقذ من سور القلعة، فاطلع إليه صديق له من أهل الأدب، فقال له: «كيف أنتم» فقال: «طول جبّ» خوفا من تفسير الكلمة. فعاد ابن منقذ و هو يقلّب هذا الكلام فصحّ له أنّه قصد بكلامه أنّهم قد ضعفوا. و أوجس أنّها كلمتان، و أنّ قوله: «طول» يريد به:

«مدا» و «جبّ» يريد به «بير» فقال «مدابير و اللّه». فأعلم شرف الدّولة بذلك فقوّى نفسه فملكها.

و لمّا فتحت المدينة انحاز سابق إلى القلعة، و أخواه شبيب و وثّاب في القصر، لضيق القلعة؛ و شرف الدّولة محاصر للقلعة بالمنجنيقات و العساكر. و لم يبق بالشّام و حصون جبل بهراء (2)، و حمص، و فامية شيزر و من لم يفد على السّلطان إلا وفد عليه.

____________

(1)- وصف ابن العديم هذا الباب، و تحدث عن سبب تسميته. بغية الطلب ج 1 ص 55- 56.

(2)- جبال اللاذقية أو العلويين.

302

و دبّر شبيب و وثّاب، و هما في القصر على سابق و قفزا في القلعة، و صاح الأجناد بها: «شبيب يا منصور». و قبض سابق و حبس؛ و تسلّم شبيب ما كان بها من مال و سلاح.

ثم وقعت السّفارة بينهم و بين شرف الدّولة على أن أقطع شبيبا و وثّابا قلعتي عزاز و الأثارب و عدّة ضياع. و أقطع سابق بن محمود مواضع أخر في أعمال الرّحبه، و أن يتزوج منيعة بنت محمود أخت سابق، و كان السّفير بينهم في ذلك الأمير سديد الملك عليّ بن منقذ؛ و بتدبيره جرى ذلك.

و وافق ذلك أنّ غار الماء في قلعة حلب؛ و نزل منها أولاد محمود و انقضت دولة آل مرداس.

و كان الوزير لسابق بن محمود الشّيخ أبا نصر محمد بن الحسن بن النّحّاس و عزله، و اعتقله مدّة ثمّ أطلقه.

و ولّى وزارته أبا منصور عيسى بن بطرس النّصرانيّ فامتنع؛ فألزم بها؛ و وزر له في النّصف من شوّال سنة تسع و ستّين و أربعمائة (1).

____________

(1)- إمارة حلب ص 161- 164.

303

[إمارة مسلم بن قريش العقيلي‏]

(1) و تسلّمها أبو المكارم في شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث و سبعين و أربعمائة، بعد حصار أربعة أشهر للقلعة. و قال ابن أبي حصينة يهنى‏ء شرف الدّولة بفتح القلعة:

لقد أطاعك فيها كلّ ممتنع‏* * * خوف انتقامك حتّى غارت القلب‏ (2)

و لمّا ملك شرف الدّولة حلب أحسن إلى أهلها، و خفّف عنهم أثقالا كثيرة، و صفح عن كلف كانت عليهم في أيام بني مرداس. و نقلت الغلات إلى حلب، فرخصت الأسعار بعد الغلاء الشّديد.

و في يوم تسلّمه القلعة و دخوله إليها دخل بزوجته منيعة أخت سابق، في اليوم و السّاعة، و هو اتّفاق لم يسمع بمثله، ففتح حصنين و قال في ذلك أبو نصر بن الزّنكل يمدح شرف الدّولة:

فرعت أمنع حصن و افترعت به‏* * * نعم الحصان ضحى من قبل يعتدل‏

و حزت بدر الدّجى شمس الضّحى‏* * * فعلى مثليكما شرفا لم تسدل الكلل‏

____________

(1)- أضيف ما بين الحاصرتين للتوضيح.

(2)- ديوان ابن أبي حصينة ج 1 ص 377.

304

و مدحه ابن حيّوس بالقصيدة التي أولها:

ما أدرك الطّلبات مثل متمّم‏* * * إن أقدمت أعداؤه لم يحجم‏

فلما وصل إلى قوله:

أنت الّذي نفق الثّناء بسوقه‏* * * و جرى النّدى بعروقه قبل الدّم‏ (1)

اهتزّ شرف الدّولة و أمره بالجلوس، فأتّمها جالسا و أجازه بألفي دينار و قرية.

و قيل: أنّه لما مدحه ابن حيوس قال له أبو العزّ بن صدفة البغدادي وزير شرف الدّولة: «هذا رجل كبير السنّ و لم يبق من عمره إلا القليل، فأرى أن تعظم له الجائزة فتحصل على الذكر الجميل»؛ فأقطعه الموصل جائزة له.

فمات في هذه السنة قبل أن يصل إليها و ترك مالا حزيلا فقيل لشرف الدولة: «هذا لا وارث له إلا بيت المال» فقال «و اللّه لا يدخل خزانتي مال قد جمعه من صلات الملوك انظروا له قرابة». فسألوا عن ذلك فوجوا له من ذوي الأرحام بنت أخ فأعطاها ماله جميعه و هي بنت أخيه أبي المكارم محمّد بن سلطان بن حيّوس.

و لما سفر ابن منقذ في تسليم حلب و تسلّمها شرف الدّولة وعد ابن منقذ و عودا جميلة، و منّاه أماني حسنة و أكرمه غاية الاكرام.

____________

(1)- ديوان ابن حيوس ج 2 ص 569 مع فوارق.