زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
305

و نقل شرف الدّولة إلى الشّام من الغلال ما ملأ الأهراء، و عاد بالرّفق على الناس؛ و كذلك نقل إليها من سائر الحبوب و من البقر و الغنم و المعز و الدجاج شي‏ء كثير.

و عاش الناس في أيامه و رخصت الأسعار بحسن تدبيره. و تسلّم حصن عزاز من واليها عيسى. و تسلّم حصن الأثارب بعد حصار و حرب؛ و كذلك الحصون التي كانت في أيدي أصحاب تاج الدّولة من أعمال حلب التي افتتحها.

وصفت له جميع أعمال حلب، و قال لسديد الملك: «أمض في دعة اللّه فأنا سائر إلى بلادي. و يجب أن تصلح حالك فأنا أصل و أبلغك كل ما تؤثره». و رجع إلى بلاده، و جعل أخاه عليّ بن قريش بحلب مع قطعة من عسكره بحلب.

و كاتب السّلطان أبا الفتح ملك شاه يعلمه بما جرى، و يسأله في تقرير شي‏ء يحمله من الشّام فأجيب إلى ذلك.

و وصل أبو العزّ بن صدقة البغدادي وزير شرف الدّولة إلى حلب لجمع أموالها في سنة أربع و سبعين و أربعمائة؛ و عدل عما كان ابتدأ به من العدل و الاحسان، و صادر جماعة، و ضاعف الخراج.

و كان شرف الدّولة بالقادسيّة، فدخل الحمام و هي ملاصقة لداره، فوثب عليه مملوكان برسم خدمته، فجعلا في حلقه أنشوطة ليخنقاه، و انتظرا صاحبا لهما يدخل بسكّين؛ فصاح شرف الدّولة، فسمعت صياحه زوجته‏

306

خاتون أخت السّلطان ألب أرسلان، فخرجت إليه فانهزما عنه. و مرض من ذلك أياما، و أخذا و قتلا.

و لمّا بلغ ذلك أبا العز بن صدقة البغدادي عاد من حلب إلى القادسيّة.

و كان سديد الملك ابن منقذ قد عمر قلعة الجسر (1)، و قصد مضايقة شيزر و بها أسقف الباره‏ (2) و ضيّق عليه إلى أن راسله و اشتراها منه، و استحلفه على أشياء اشترطها عليه‏ (3).

و لم يزل ابن منقذ يعده الجميل و يتلطّف له إلى أن سلم إليه حصن شيزر ليلة الأحد النصف من شهر رجب من سنة أربع و سبعين و أربعمائة.

و وفى له ابن منقذ بكلّ ما عاهده عليه، فثقل ذلك على شرف الدّولة و حسد ابن منقذ على شيزر فسار عسكر حلب مع مؤيّد الدّولة عليّ بن قريش إلى شيزر، و نزلوا عليها في يوم الجمعة خامس ذي الحجة سنة أربع و سبعين و أربعمائة، بعد مراسلات جرت فلم يجب ابن منقذ إلى ما التمس منه.

و كان عليّ بن قريش قد أخذ في طريقه حصنا لابن منقذ يقال له أسفونا غربيّ كفر طاب، و كان ابن منقذ قد تأهب للحصار، و حمل من الجسر إلى شيزر ما يكفي لمن فيه مدة طويلة من سائر الأشياء.

و حصره عليّ بن قريش مدة إلى أن وصل شرف الدّولة بنفسه، فنزل‏

____________

(1)- على مقربة من شيزر.

(2)- البارة الآن قرية في وسط جبل الزاوية، تتبع منطقة أريحا- محافظة ادلب. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

(3)- انظر كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 168- 187.

307

على شيزر يوم الأربعاء سلخ المحرم من سنة خمس و سبعين و أربعمائة.

ثم رحل عنها إلى حمص يوم السبت ثالث صفر، و أقام عسكره على شيزر، فتطارح ابن منقذ عليه، و سيّر ابنه أبا العساكر و امرأته منصورة بنت المطوع و أخته رفيعة بنت منقذ إلى حمص؛ فدخلوا عليه، و حملوا إليه مالا، فأنفذ إلى عسكره، و رحّله عن شيزر في الثامن و العشرين من صفر من السنة.

و لما وصل شرف الدّولة إلى حماة قبض على جميع الأتراك الذين بالشام و أخذ منهم الحصون التي كانت في أيديهم، و هي: بيت لاها، و تل أعذى، و هاب، و كفرنبل‏ (1). و قبض على وثّاب و شبيب ابني محمود، و أخذ منهما قلعة عزاز و الأثارب، و أطلقهما بعد ذلك، و حمل الأتراك، و حبسهم في الرحبة فداموا بها إلى أن قتل.

و قبض شرف الدّولة على أكثر أقطاع بني كلاب بالشام؛ و عاد إلى حلب؛ و قبض على حسن بن وثّاب النّميري أمير بني نمير، و كان قد حصره بسروج‏ (2) في العام الخالي فسلّمها إليه بعد أن عوّضه عنها بنصيبين فاعتقله بحلب مدة و قتله.

و في نزوله على شيزر، و قتاله حصن الجسر، و فعل وزيره أبي العزّ، ابن‏

____________

(1)- ما تزال بعض هذه الأماكن تحتفظ بأسمائها في منطقة معرة النعمان.

(2)- سروج الآن إلى الشمال من عين العرب على الحدود السورية التركية، و هي تابعة لمحافظة حلب. المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري.

308

صدقة من المصادرة، يقول أبو المعافى سالم بن المهذّب المعرّي‏ (1).

أمسلم لا سلمت من حادث الرّدى‏* * * وزرت وزيرا ما شددت به أزرا

ربحت ولم تخسر بحرب ابن منقذ* * * من اللّه و النّاس المذمّة و الوزرا

فمت كمدا «فالجسر» لست بجاسر* * * عليه؛ و عاين شيزرا أبدا شزرا

فبلغت الأبيات شرف الدّولة، فقال: «من يقول هذا فينا؟» قالوا:

«رجل من أهل المعرّة يقال له ابن المهذّب». قال: «ما لنا و له اكتبوا إلى الوالي بالمعرّة يكفّ عنه، و يحسن إليه فربّما يكون قد جار عليه و أحوجه إلى أن قال ما قال».

و عاد شرف الدّولة إلى الجزيرة، و قد جرت منه هذه الحوادث، و أجحف ببني كلاب، فأجمع رأي وثّاب و شبيب ابني محمود، و خلف ابن ملاعب الأشهبي صاحب حمص‏ (2)، و أبي الحسن بن منقذ، و منصور بن الدّوح على مكاتبة الملك تاج الدّولة بدمشق، و شكوا أحوالهم، و عرضوا عليه خدمتهم، و أطمعوه في الشّام.

فسار من دمشق إلى الشام و قصد ناحية أنطاكية و أقام عليها مدّة، و اتّصل به خبر شرف الدّولة و ما هو عليه من الجمع و التّأهّب، و اجتماع‏

____________

(1)- له ترجمة في بغية الطلب ص 4146- 4150، و كان شاعرا مجيدا، بينه و بين الأمراء بني منقذ مودة و اختلاط.

(2)- شغل خلف بن ملاعب دورا هاما في أحداث هذه المرحلة، و في أثناء نشاطات الحملة الصليبية الأولى، له ترجمة في بغية الطلب، كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 380- 385.

309

العرب إليه من بني نمير، و عقيل، و الأكراد، و المولدة، و بني شيبان، للنّزول على دمشق، و المضايقة لها و الطمع في تملّك دمشق؛ فعاد تاج الدّولة إلى دمشق. و خرج عسكر مع بعض أصحاب شرف الدّولة إلى أعمالها، و رتّبوا ولاتهم فيها و ساروا إلى حماة، و بها وثّاب بن محمود، فلقي عسكر شرف الدّولة و كبسه و قتل منه جماعة، و عاد من سلم منهم إلى حلب.

فنزل وثّاب بن محمود و منصور بن كامل بن الدّوح و ابن ملاعب و ابن منقذ على معرّة النّعمان، و قطعوا كثيرا من شجرها، و رعوا زرعها بالظعون، و قلبوه بالفدن، و قاتلوها أياما، و لم يمكنهم أهلها من فتحها خوفا منهم.

و بلغ شرف الدّولة ذلك كله، فسار و معه أكثر بني كلاب و بني نمير، و بعض بني عقيل؛ و وصله بعض بني طّي‏ء و كلب و عليم؛ و نزل في بالس في محرّم سنة ستّ و سبعين.

و سار إلى دمشق و حاصرها (1)، و قاتل دمشق في بعض الأيّام و خرج إليه عسكر دمشق، و حمل عليه حملة صادقة فانكشف عسكره و تضعضع، و عاد كل فريق إلى مكانه.

و عاد عسكر دمشق بحملة أخرى، فانهزمت العرب، و ثبت شرف الدّولة مكانه، و أشرف على الأسر، و تراجع إليه أصحابه؛ و كان قد ظنّ أنّ‏

____________

(1)- عالجت مسألة حصار دمشق من قبل مسلم بن قريش في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 188- 191.

310

العسكر المصري ينجده فخاف أمير الجيوش من ميل العرب إليه فتثاقل عنه.

و ورد عليه من حرّان خبر أزعجه؛ و ذلك أنّه كان قد تسلّمها من يحيى بن الشّاطر أحد عبيد ابن وثّاب النّميري، و كان يليها لعلّي بن وثّاب الطفل، و كان وثّاب يعدل فيهم و يرفق بهم، فولّى فيها جعفر العقيلي، فعدل عمّا كان وثّاب يسلكه من العدل، و أظهر مذهب التشيّع و الاعلان به؛ و كان يتولى الحكم بها القاضي ابن جلبة، فاتّفق مع أهل حرّان على العصيان على شرف الدّولة، و كاتبوا يحيى بن الشّاطر الّذي تسلّمها منه مسلم، فوصل إليهم و معه ابن عطية النميري و جماعة، و وثبوا على أصحاب شرف الدّولة فهربوا إلى الحصن، و قاتلهم ابن جلبة و من انضم إليه.

فسيّر الوالي جماعة إلى شرف الدّولة يعلمه بالحال، فبعضهم أخذ بالقرب من حرّان، و بعضهم أخذه أصحاب تاج الدّولة؛ فعرف تاج الدّولة الخبر قبل معرفة شرف الدولة فقويت نفسه.

و عرف شرف الدّولة ذلك و استضر عسكره بتواصل الغارات عليه عندما قويت نفس تاج الدّولة، و كان ذا مكر و خديعة، فرحل إلى مرج الصّفر (1)، و أوهم أنه يسير مقتبلا لأمر عزم عليه، و قلق أهل دمشق لذلك.

ثم رحل مشرّقا في البرّيّة على وادي بني حصين و نزل شرقيّ حماة، و راسل ابن ملاعب، و طيّب نفسه إلى أن نزل فخلع عليه؛ و قرّر معه أن يكون بينه و بين تاج الدّولة ردءا يمنع من الأذية في بلاده، فأجابه إلى ذلك؛

____________

(1)- إلى الجنوب من دمشق فيما بين خان ذي النون و قرية شقحب.

311

و خلع عليه شرف الدولة و أكرمه و طيّب نفسه.

و سار شرف الدّولة إلى حرّان بعد أن أشرف الحصن على الأخذ، فقاتل حرّان، و نقب نقوبا في سورها و ثلم ثلمتين، و أقام عليها شهرين؛ و مضى أبو بكر ابن القاضي ابن جلبة و يحيى بن الشّاطر.

و استنجدا بجماعة من الأتراك فسيّر ابن عمّه ثروان بن وهيب فكسرهم و أسر منهم خلقا عبر بهم على حرّان و سيّرهم إلى بلاده.

و هجم حرّان بالسّيف من الثلمتين و هم يقاتلون و لم تسكن الحرب حتى أعطى لؤلؤ الخادم الأمان، و أمن أبا بكر ابن القاضي و كان قد عاد إلى البلد، فحينئذ تفرّق النّاس.

و نهب عسكر شرف الدّولة البلد، و قطع عليهم ألف دينار، و قبض على خلق منهم، و قتل ابن جلبة و ولديه و ثلاثة و تسعين رجلا صبرا، و صلبهم، و صلب ابن جلبة أمامهم، و لم يف له بعهده، و ذلك كله في سنة ستّ و سبعين‏ (1).

و وصل ابن جهير (2) وزير القائم ليتسلّم ديار بكر و معه عسكر من ملك شاه- و كان ابن جهير قد وزر مرّة لثمال بن صالح، ثمّ وزر لابن مروان، ثمّ للقائم- فوصل ابن مروان إلى شرف الدّولة، و استنجده عليه فأنجده، فالتقوا

____________

(1)- مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 191- 192.

(2)- درست حياة فخر الدّولة محمد بن محمد بن جهير و نشاطاته في الجزيرة في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 193- 196.

312

على آمد، فكسرهم ابن جهير، و أخذ أموال شرف الدّولة، و أسر أصحابه، و أطلق من أسر من بني عقيل.

ثم إنّ ابن جهير بثّ سراياه في أعمال شرف الدّولة فعاثت في بلاده، و نهبت؛ و ذلك في سنة سبع و سبعين.

و وصله‏ (2) مال من حلب فتقوّى به؛ و سار إلى الرّحبة و سيّر عمه مقبل بن بدران‏ (1) رسولا إلى مصر يطلب معونتهم، و يبذل لهم الطاعة، و كاتب السّلطان ملك شاه يذكّره بخدمته و طاعته و يذكر ما فعله ابن جهير.

فلما عرف ملك شاه ذلك و انفاذه عمّه إلى مصر سار إلى الموصل و معه نظام الملك- و كان نظام الملك يميل إلى شرف الدّولة، و يشير بالإحسان إليه و الصفح عنه- و كاتب الوزير نظام الملك شرف الدّولة يشير عليه بالوفود على السّلطان، و وعده بما طابت به نفسه، فسار من الرّحبة إليه، و لقيه نظام الملك على مراحل من الموصل.

فترجّل شرف الدّولة و قبّل يده؛ و كان في محفّة لمرض منعه من الرّكوب، فأمره بالرّكوب، و قال له: «ذهب خوفك و شرح صدرك، و حقّق أملك». و كان قد استصحب معه كلّ ما قدر عليه من بقايا ذحائره و أمواله و خيله عقيب هذه النّكبة العظيمة (2).

____________

(1)- الضمير عائد هنا إلى مسلم بن قريش.

(2)- النكبة العظيمة هي أن مسلم بن قريش هزم من قبل ابن جهير هزيمة ساحقة، و هرب مسلم و التجأ إلى آمد، مما جعل ابن جهير يسرع باستدعاء السلطان ملكشاه، فسارع بالتحرك نحو

313

و دخل على السّلطان فأكرمه و أحسن إليه، و أجابه إلى كلّ ما طلبه؛ و سامحه بما كان بقي عليه من مقاطعة الشّام؛ و جدّد له التّوقيع بالبلاد الشّامية و الجزرية و كلّ ما كان في يده؛ و قرّر معه مسير ولده محمد و ان يكون في عسكره، و كاتب أخاه تاج الدّولة أن لا يعرض لبلاده، و كان قد توجّه إليها، و سار أبو العزّ ابن صدقة إلى حلب لانجادها عليه، و بلغه خروج عسكر من مصر فرجع من لطمين.

و في سنة سبع و سبعين و أربعمائة، شرع سليمان بن قطلمش في العمل على أنطاكية و الاجتهاد في أخذها إلى أن تمّ له ما أراد.

فأسرى من نيقيه في عسكره، و عبر الدّروب و أوهم أن الفلاردوس استدعاه، و أسرع السّير إلى أن وصل أنطاكية ليلا، فقتل أهل ضيعة تعرف بالعمرانيّة جميعهم لئلا ينذروا به، و علقوا حبالا في شرفات السّور بالرّماح، و طلعوا مما يلي باب فارس؛ و حين صار منهم على السّور جماعة نزلوا إلى باب فارس و فتحوه.

و دخل هو و عسكره من الباب و أغلقوه، و كانوا مائتين و ثمانين رجلا، و ذلك يوم الأحد العاشر من شعبان؛ و قيل يوم الجمعة الثامن، و لم يشعر بهم أهل البلد إلى الصبّاح.

____________

الجزيرة، لكن ابن قريش تدبر أمره مع أرتق قائد قوات ابن جهير، و خرج ناجيا بحياته من آمد، مما غير موازين القوى مجددا. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 194- 195.

314

و صاح الأتراك صيحة واحدة فتوّهم أهل أنطاكية أنه عسكر الفلاردوس حتى قاتلوهم فانهزموا و علموا أن البلد قد هجم فبعضهم هرب إلى القلعة و بعضهم رمى بنفسه من السّور فنجا.

و استقلّ سليمان عسكره فوصل إليه ابن منجاك في ثلاثمائة فارس، و لم يزل عسكره يتواصل حتى قوي، فأمن النّاس و ردّهم إلى دورهم، و ردّ أكثر السّبي، و صلّى المسلمون يوم الجمعة خامس عشر شعبان في القسيان‏ (1)، و أذّن فيه ذلك اليوم مائة و عشرة من المؤذنين و خلق كثير من أهل الشّام.

و كان يوم فتحها أوّل يوم من كانون الأول؛ و كان فتح الرّوم لها أول ليلة من كانون الثاني لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من سنة ثمان و خمسين و ثلاثمائة.

و وجد خطّ بعض المنجمين و هو ابن أخت الصّابي على ظهر كتاب عند القاضي أبي الفضل بن أبي جرادة يقول: «ذكر المخبر عن أخذ مدينة أنطاكيّة أنّ دخول العدو- يعني الرّوم- إليها في وقت كذا و كذا من اللّيل؛ فان صحّ قول المخبر فإنها تثبت في أيدي الرّوم مائة و تسع عشرة سنة».

و كان قد وقف على هذا الخطّ محمود بن نصر بن صالح؛ و قد ذكر في مجلسه، و أظنّ ذلك حين نزل الأفشين التركيّ على أنطاكية، و خاف محمود من أن يملك أنطاكية فلم يتفق فتحها حينئذ، و كان الأمر كما ذكر المنجّم، ففتحها سليمان بن قطلمش عند تمام المدّة.

____________

(1)- القسيان: كاتدرائية أنطاكية.

315

و أقام سليمان بن قطلمش يحاصر قلعة أنطاكية إلى الثاني عشر من شهر رمضان من السّنة و فتحها بالأمان ليقيها من القتل و السّبي، و نهب الترك من أنطاكية ما يفوت الاحصاء و يزيد عن الوصف.

و سكنها سليمان بعسكره و فتح الحصون المجاورة لها، بعضها عن طوع و بعضها عن استدراج.

و صار لسليمان من نيقية إلى طرابلس، و ملك الثّغور الشّامية، و كان حسن السيرة في جنده و عسكره جوادا بماله، فمال إليه الناس لذلك. و لما فتح أنطاكية أهدى إلى شرف الدّولة من الغنيمة هدّية حسنة.

و لما استقرّ حال شرف الدّولة مع ملك شاه و اطمأن عاد إلى القادسيّة، و ناصف الجند في أرزاقهم، و نقصها عليهم، فصار أكثرهم إلى سليمان، و تركوه فأقطعهم؛ و أحسن إليهم و سبّب لهم أرزاقا تكفيهم.

و كان جماعة من أصحاب بني مرداس يخافون شرف الدّولة و هم متفرقون في الشّام فصاروا إليه.

و كان من ضياع أنطاكية و أعمالها مواضع عدة تغلّب محمود و الأتراك عليها، و قبضوها من الرّوم لضعفهم، و صارت في أعمال حلب، فقبضها سليمان و أقطعها و غيرها مما يجاور أعمال أنطاكية.

و كان الشريف حسن الحتيتي رئيس حلب و غيره من أصحاب شرف الدّولة خافوا منه لمّا استقر حاله مع السّلطان أن يتمّ له الصلح مع ابن‏

316

قطلمش فيتفرغ لهم و يقبضهم، و يستأصل أموالهم؛ فتوصّلوا إلى المفاسدة بينهما بمن صار في حلّته من أهل الشام ليشتغل عنهم شرف الدّولة.

و كان لأبي المكارم قطيعة على أنطاكية يحملها الروم إليه فطمع بها من سليمان فلم يجبه إلى ذلك و قال: «تلك جزية كانت على الروم لتمسك عن جهادهم، و قد قمت أنا بفريضة الجهاد، و صارت أنطاكية للمسلمين فكيف أؤدي عنها إليك جزية؟». ففسد ما بينهما لذلك.

و سار شبيب بن محمود و منصور بن الدوح و جماعة من بني كلاب إلى أنطاكية، و حضروا عند سليمان، و وعدهم و وعدوه بما لم يقبح من بعضهم لبعض؛ و أخذوا قطعة من عسكره؛ و خرجوا فعاثوا في بلاد شرف الدّولة، ثم إنّهم خافوا منه فهربوا إلى أسفونا.

و تواصلت غاراته على بلد حلب و سرمين و بزاعا و قبض شرف الدّولة على وزيره أبي العزّ بن صدقة و صادره و حبسه، و سيّر ابن الحلزون إلى حلب ليدبّر أمرها؛ فوصل إلى حلب، و راسل سليمان في الصّلح.

و قبض على عليّ بن قريش بأمر أخيه شرف الدّولة، و صادره على عشرة آلاف دينار، و أخذ منه منبج لأنها كانت أقطاعه، فعند ذلك ازدادت وحشة الشّريف و غيره لما شاهدوه من فعله بأخيه. و كذا كانت سيرته في أصحابه.

و بهذا الطريق فسد حاله؛ و أما رعيّته فكانوا معه على أجمل حال و أحسنه.

و حيث تحقّق شرف الدّولة اختلال حلب و نواحيها بغارات سليمان جمع‏

317

عسكره و انضاف إليه بعض الأتراك، و وصل إلى عزاز في صفر من سنة ثمان و سبعين و أربعمائة.

و أشير عليه بالنّزول على حلب و مراسلة سليمان في الصّلح، فامتنع و استدعى بني كلاب فوصله منهم جماعة من أعيانهم و فرسانهم، و سار فنزل على نهر عفرين بموضع يقال له قرزاحل‏ (1).

و وصل سليمان من أنطاكية في أربعة آلاف فارس، و كان شرف الدّولة في عدّة تزيد عن ستة آلاف ليس فيهم مناصح؛ و جاء شرف الدّولة بطيخ فنزل هو و بعض بني عمه و أكلوا، فقال ابن عمه:

كلوا أكلة من عاش يخبر أهله‏* * * و من مات يلقى اللّه و هو بطين‏

فقال شرف الدّولة: «قتلنا فألك يابن العمّ».

و التقوا في آخر نهار السّبت، لستّ بقين من صفر سنة ثمان و سبعين و أربعمائة، و الشّمس في وجوه عسكر شرف الدّولة؛ و كان اللقاء بغتة في غير وقت يظن فيه؛ فانهزم عسكر شرف الدّولة، و جاءته طعنة فقتل‏ (2). و لما طعن قال: «يا شام الشّؤم» و أتّهم بعض أصحابه بقتله. و كان القتل بين الفريقين قليلا لأن أصحاب شرف الدّولة لم يثبتوا معه لقبح رأيهم فيه. و رحل سليمان‏

____________

(1)- اسمها الآن قرزيحل، و هي قرية بجبل سمعان، تتبع منطقة عفرين، محافظة حلب، و تبعد عن عفرين 7 كم، و هي إلى الجنوب الشرقي منها.

(2)- ثبت مع مسلم في القتال أحداث حلب فقط، و كانوا ستمائة، فقد أربعمائة منهم حياتهم، و هم يحاولون تغطية انسحاب ابن قريش. مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 199- 201.

318

و نزل بظاهر حلب، و حمل شرف الدّولة، و طرحه على باب حلب فدفن هناك.

و انفرد الشريف أبو علي الحسن بن هبة اللّه الهاشمي المعروف بالحتيتي بتدبير حلب و سالم بن مالك العقيلي بالقلعة (1).

و كان القاضي بحلب في أيّام شرف الدّولة القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى و تولى قضاء حلب في سنة اثنتين و أربعين و أربعمائة و مات في أيام أبي المكارم مسلم بن قريش؛ فولي قضاءها أبو الفضل هبة اللّه بن أحمد بن أبي جرادة- و هو ابن بنت كسرى المذكور، و ابن القاضي أبي الحسن المتقدم قبل كسرى- و كان أبو المكارم شرف الدّولة يخاطبه بابن العمّ لكونه عقيليا؛ و القاضي عقيلي. و من شعر أبي المكارم بن قريش:

إذا قرعت رجلي الرّكاب تزعزعت‏* * * لها الشمّ و اهتزّ الصعيد إلى مصر

و من شعره أيضا:

الدّهر يومان ذا أمن و ذا خطر* * * و الماء صنفان ذا صاف و ذا كدر

(2)

و أما سليمان بن قطلمش فإنّه حاصر حلب مدّة، ثم ترددّت الرّسل إلى أهل حلب في التّسليم، فاستقرّت الحال بينهم على موادعة مدة.

و سيّر سليمان بن قطلمش قطعة من عسكره لاتباع العرب الذين كانوا

____________

(1)- لسالم بن مالك ترجمة في بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 405- 407، و هو مؤسس حكم الأسرة العقيلية في قلعة جعبر.

(2)- بهامش الأصل: بلغ مقابلة بخط المؤلف (رحمه اللّه).

319

مع شرف الدّولة، فهربوا، و لحقهم شدّة عظيمة من دخول البريّة في حزيران.

و توجّه سليمان إلى معرّة النعمان و كفر طاب، و تسلّمهما، ثمّ سار إلى شيزر، فقاتلها و قرّر أمرها على مال يحمل إليه، و أخذ لطمين، و شحنها بالرّجال، و عدل أصحابه بالشام عما عرف من سيرة العرب.

و جرت بالمعرّة أسباب وصل لأجلها حسن بن طاهر وزير سليمان، في النصف من جمادى الأولى، يطلب أصحابه فثارت فتنة بالبلد، و أخرجوه منه فخرج لوقته، و أصبح قاتل البلد، و قتل جماعة من أهله في الحرب، و أمن الناحية الغربية، و أمن الباقي منها و قطع على أهل البلد عشرة آلاف دينار.

و أما بلاد شرف الدّولة فملكها من بعده أخوه إبراهيم، ما خلا حلب؛ و كاتب من بحلب في تسليمها إليه فلم يجيبوه.

و أما الشّريف حسن الحتيتي فإنّه كان متقدم الأحداث و رئيسهم، فعمر لنفسه في صفر من سنة ثمان و سبعين قلعة الشّريف المنسوبة إليه، و بنى عليها سورا دائرا، و فصل بينها و بين المدينة بسور و خندق خوفا على نفسه أن يسلمه أهل حلب، و كانوا يبغضونه، و يكرهون ولايته عليهم.

و اتّفق الشّريف و سالم بن مالك صاحب القلعة الكبيرة على أن كاتبا السّلطان ملكشاه يبذلان له تسليم حلب إليه، و يحثّانه على الوصول أو وصول نجدة تدفع سليمان بن قطلمش.

320

و عمر سليمان بن قطلمش قلعة قنّسرين و تحول إليها و تزوج منيعة بنت محمود بن صالح زوجة مسلم بن قريش.

و نزل على حلب و طال انتظار الشّريف حسن لنجدة تصله من السّلطان، فاجتمع بمبارك بن شبل أمير بني كلاب، و اتفقا على أن سار مبارك بن شبل إلى تاج الدّولة تتش يستدعيه إلى حلب ليتسلّمها.

و عرفه ما استقرّ بينه و بين الشريف الحتيتي عن تسليمه حلب، و رغبة الكافة في مملكته، ففرج بذلك و جمع العسكر، و خرج من دمشق في المحّرم من سنة تسع و سبعين و أربعمائة إلى حلب، فحصر حصن سليمان بن قطلمش في قنّسرين.

و وصل إلى تاج الدّولة جماعة من بني كلاب، و رحل إلى النّاعورة و عوّل على مراسلة الشريف حسن فان سلم إليه و إلّا عاد لحربه، فبادر سليمان و هو نازل في عسكره على حلب، و عارضه في طريقه على عين سيلم‏ (1)، و تراءى العسكران، فدبّر أرتق عسكر تاج الدّولة أحسن تدبير، و التقوا فانهزم عسكر سليمان.

و قتل سليمان، و أسر وزيره الحسن بن طاهر و خلق من عسكره في يوم الأربعاء الثّامن عشر من صفر، فأطلق تاج الدّولة الوزير و من أسر، و غنم عسكره و العرب الذين معه جميع ما كان في العسكر.

____________

(1)- بينها و بين حلب ثلاثة أميال. معجم البلدان.

321

و اختلف في قتل سليمان، فقيل: عارضه فارس من فرسان تاج الدّولة فرماه في صدغه بسهم فقتله.

و قيل: بأنه لما يئس من النّصرة نزل عن فرسه، و قتل نفسه بسكّين خفّه، و قيل: إنّ المصامدة تتبّعت أسلاب القتلى فظفروا بدرع مرّصع بالياقوت و العقيان النفيس.

و نمى الخبر إلى تاج الدّولة، فأحضره فقال: «هذا يشبه سلب الملوك»، و سار إلى الموضع و إذا به مختلط بدمه فقال: «يشبه أن يكون هذا». و قد كان قال لهم: «لا تبّينوه لي حتى أريكموه من بين القتلى»، فقيل له: «و من أين علمت ذلك؟» فقال: «قدمه تشبه قدمي و أقدام بني سلجوق تتشابه».

ثم قال بلسانه: «ظلمناكم، و أبعدناكم و نقتلكم!» ثم مسح عينيه و اغتمّ لقتله، و ترّحم عليه، و أحضر أكفانا نفيسة فكفّنه، و صلّى عليه، و حمله إلى حلب فدفنه إلى جانب مسلم بن قريش قبل أن ينقل مسلم إلى سرّ من رأى، و قيل: دفن معه في قبر واحد.

و لما جرى ما جرى من قتل سليمان و سار تاج الدّولة إلى حلب عدل الشّريف حسن الحتيتي عما كان اتّفق عليه مع مبارك بن شبل، و امتنع من تسليم حلب إلى تاج الدّولة، و احتجّ بأنّ كتب ملكشاه وصلته بتجهيز العساكر إليه.

322

فأقطع تاج الدّولة بلد حلب و أعمالها لعسكره إلّا ما كان لبعض العرب الّذين وفدوا عليه، فانّه أقرّه في أيديهم؛ ثم رحل إلى مرج دابق‏ (1) و أقام أيّاما.

ثم عاد و نازل حلب؛ فعمد رجل من تجار حلب يعرف بابن البرعوني الحلبيّ، و راسل تاج الدّولة في تسليم حلب إليه، و رفع بعض أصحابه بحبال إلى بعض أبراج السور، و ساعده قوم من الأحداث و نادوا بشعار تاج الدّولة في ذلك الموضع، و تسامع الناس فنادوا بشعاره في البلد جميعه، و ذلك في ليلة السّبت السّادس و العشرين من شهر ربيع الأوّل من السّنة.

فانهزم هبة اللّه أبو الشريف حسن من قلعة ابنه إلى القلعة الكبيرة إلى سالم بن مالك‏ (2)، و بقي الشّريف حسن في قلعتة المجدّدة، و معه فيها رجال من أحداث حلب، فخافوا على أهلهم بحلب، فخرجوا منها و بقي الشريف حسن في قلعته في نفر قليل، فطلب الأمان فأمّنه تاج الدّولة بوساطة ظهير الدّين أرتق.

و خرج إلى أرتق و صار عنده بماله و أهله، و سلّم القلعة إلى تاج الدّولة تتش، و سيّره أرتق إلى بيت المقدس بماله فأقام به.

و عصى سالم بن مالك بالقلعة الكبيرة، و كان شرف الدّولة بن قريش‏

____________

(1)- دابق قرية قرب حلب من أعمال عزاز بينها و بين حلب أربعة فراسخ، عندها مرج معشب نزه كان ينزله بنو مروان، و به قبر سليمان بن عبد الملك. معجم البلدان.

(2)- انظر ترجمة سالم في بغية الطلب ص 4157- 4159. و كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 405- 407.

323

لما ولّاه فيها أوصاه أن لا يسلّمها إلّا إلى السلطان ملكشاه، فالتزم بوصيّته، و امتنع أن يسلّمها إلى تتش.

و أقام تتش بمدينة حلب إلى اليوم السّابع و العشرين من شهر ربيع الآخر، و أحسن إلى أهلها، و خلع على أحداثها، فوصله الخبر أنّ السلطان ملكشاه وصلت عساكره إلى نهر الجوز (1) قاصدين مدينة حلب، فسار تاج الدّولة إلى دمشق، و ترك بعض أصحابه بقلعة الشريف و معه عدّة في اليوم المذكور، و معه قوم من بياض حلب، فأقام نائبه أياما يسيرة، ثم سار و لحقه في دمشق.

و وصلت عساكر ملكشاه حلب مع برسق و بوزان و غيرهم، و نزل بعضهم إلى بلد الرّوم، و امتدوا فيما بينها و بين أنطاكية؛ و وصل بعضهم إلى حلب، و سارع أهل حلب و سالم بن مالك و مبارك بن شبل إلى طاعة الواصل و خدمته.

ثم إنّ السلطان وصل بعدهم إلى الرّها فسلّمها إليه الفلاردوس‏ (2) و أسلم على يده، و سار منها إلى قلعة دوسر- و هي المعروفة بجعبر- فتسلّمها في طريقه من جعبر بن سابق القشيري، و قتله لما بلغه عنه من الفساد و قطع الطّريق.

____________

(1)- نهر الجوز جزء من نهر الفرات كان يعبر منه نحو الغرب. انظر بغية الطلب ص 1974.

(2)- هو فيلارتيوس براخاموس، كان بالأصل أرمنيا من قادة الإمبراطور رومانوس دايجينس، انظر كتاب «الرها المدينة المباركة» ترجمة عربية، ط. حلب 1988 ص 273.

324

و سار حتّى وصل حلب في الثّالث و العشرين من شعبان من سنة تسع و سبعين و أربعمائة.

و تسلّم حلب و قلعتها و سائر قلاع الشّام، و عوّض سالم بن مالك عن قلعة حلب بقلعة دوسر، و أقطعه معها الرّقة و عدّة ضياع.

و توجّه السّلطان إلى أنطاكية فتسلّمها من الحسن بن طاهر وزير سليمان بن قطلمش، و رتب بأنطاكية يغي سيان بن ألب في عسكر و استخدم حسن بن طاهر في ديوانها، و تمّ إلى السّويديّة (1)، و صلّى على البحر، و حمد اللّه على ما أنعم عليه ممّا تملكه من بحر المشرق إلى بحر المغرب.

و عاد إلى حلب، و رتّب بها الأمير قسيم الدّولة أقسنقر (2) و معه عسكر، و استخدم بها تاج الرّؤساء ابن الخّلال في جمع الأموال.

و وصل إليه الشّريف حسن الحتيتي و هو بحلب يلتمس العودة إلى حلب، و يذكر خدمته و ما جري عليه، فتظلّم منه أهل حلب فلم يأذن له السّلطان فيما التمسه.

و كان هذا السّلطان من أعظم الناس هيبة و أكثر الملوك عدلا حتى أنّ أحدا لا يقول: إنّ أحدا من ذلك العالم العظيم من عسكره- و حزره أربعمائة

____________

(1)- ميناء مدينة أنطاكية على شاطى‏ء البحر المتوسط.

(2)- انظر ترجمته المنتزعة من بغية الطلب في ملاحق مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 269- 277.

325

ألف- أخذ لأحد من الرّعايا قسرا و ظلما ما يساوي درهما واحدا؛ حتى أنّ البازيار الّذي له اقتنص طائرين من الدّجاج من الأثارب‏ (1) طعما للبزاة في الطّريق، فعلم بذلك فعظم عليه حين رآه و هدّده حتى أعادها إلى صاحبها بعد عوده من أنطاكية.

و خرج هذا السّلطان إلى ضياع معرّة النّعمان يتصيّد، و بات بضيعة بينه و بين المعرّة ثلاثة فراسخ، فابتاع منها أصحابه ما احتاجوه بأوفى ثمن؛ و وضع السّلطان في هذه السّنة المكوس من جميع بلاده، و لم يبق من يستخرج مكسا في مملكته.

و أقام السّلطان بحلب إلى أن عيّد بها عيد الفطر، و عاد منكفئا إلى الجزيرة، و قد قرّر ولاية حلب، و ولّى بقلعتها نوحا التركي، و بلغه عصيان تكش‏ (2) بترمذ فسار السّلطان، و قطع ما بين حلب و نيسابور في عشرة أيّام، و عاد منكفئا إلى الجزيرة و قد قرّر ولاية حلب لقسيم الدّولة أقسنقر التركي في سنة تسع و سبعين و أربعمائة، و جعل معه أربعة آلاف فارس و مكّنه فيها.

و قيل إنّه مملوك لملكشاه، و قيل إنه لصيق و انّ اسم أبيه أل ترغان، و ولّى على جمع المال بحلب في الديوان تاج الرؤساء أبا منصور بن الخّلال‏

____________

(1)- الأثارب قلعة معروفة بين حلب و أنطاكية، تبعد عن حلب ثلاثة فراسخ. معجم البلدان.

(2)- هو أخو السلطان ملكشاه. انظر حول عصيانه الكامل لابن الأثير ط. القاهرة مطبعة الإستقامة- ج 8 ص 136.

326

الرحبيّ، و قال شاعر حلبيّ فيه و في الوزير ابن النّحاس:

قد زنجر العيش على النّاس‏* * * ما بين «خلّال» و «نحّاس»

فأحسن قسيم الدّولة في حلب السّيرة و أجمل السّياسة و أقام الهيبة، و أفنى قطّاع الطريق، و تتبع الذعّار في كلّ موضع فاستأصل شأفتهم.

و عمرت حلب في أيامه بسبب ذلك لورود التجار و الجلّابين إليها من كل مكان.

و حكى لي والدي- (رحمه اللّه)-: أنّه استأصل أرباب الفساد إلى حدّ بلغ به أن نادى في قرى حلب و ضياعها أن لا يغلق أحد بابه، و أن يتركوا آلاتهم الّتي للحرث في البقاع في اللّيل و النّهار.

فخرج متصيّدا فمرّ على فلّاح و قد فرغ من عمله، و أخذ آلة الحرث معه إلى منزله، فانفرد من عسكره، و قال له: «ألم تسمع مناداة قسيم الدّولة بأن لا يرفع أحد من أهل القرى شيئا من آلة الحرث؟» فقال: «بلى و اللّه- حفظ اللّه قسيم الدّولة- و اللّه لقد أمنّا في أيّامه من كل ذاعر و مفسد، و ما رفعت هذا خوفا عليها ممّن يأخذها، و إنّما ههنا دويبة يقال لها ابن آوى إذا تركنا هذه العدّة ههنا جاءت و أكلت هذه الجلود التي عليها».

فلما عاد قسيم الدولة أمر بالصيّادين و بثّهم في أقطار بلد حلب لصيد بنات آوى حتى أفنوها من ضواحي حلب، و كان ذلك سببا لقلّتها في بلد حلب إلى يومنا هذا، دون غيرها من البلاد.

327

و في أيّام قسيم الدّولة جدّد عمارة منارة حلب الموجودة في زماننا هذا، و جددت في سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة.

و جرى خلف بين لطمين‏ (1) و بين نصر بن عليّ بن منقذ في سنة إحدى و ثمانين، فخرج أقسنقر إلى شيزر، و قتل من أهلها مائة و ثلاثين رجلا، و عاد إلى حلب بعد أن نهب ربضها، و استقّرت الموادعة بينه و بين نصر صاحب شيزر.

و كان أقسنقر قد تزوّج خاتون داية السّلطان ملكشاه‏ (2) و كانت جالسة معه في بعض الأيّام في داره بحلب، و في يده سكّين فأومأ بها إليها على سبيل المداعبة و المزاح، فوقعت في قلبها للقضاء المحتوم غير متعمد لها؛ فماتت و حزن عليها حزنا شديدا؛ و تأسّف لفقدها، و حملها في تابوت لتدفن في مقابر لها بالشّرق؛ و خرج من حلب لتوديع تابوتها في مستهلّ جمادى الآخرة.

و تسلّم أقسنقر حصن‏ (3) برزويه، في شعبان سنة اثنتين و ثمانين و أربعمائة، من الأرمن- و هو آخر ما كان قد بقي في أيدي الكفّار من أعمال أنطاكية- و أقام في يده تسعة أشهر، و هدمه في ربيع الأوّل من سنة ثلاث و ثمانين.

____________

(1)- تتبع قرية لطمين ناحية محردة في محافظة حماه و تبعد عن حماه مسافة 36 كم.

(2)- في ترجمة أقسنقر- مدخل ص 269: «داية السلطان ادريس بن طغان شاه، و حظي عند السلطان ملكشاه».

(3)- حصن قرب السواحل الشامية على سن جبل شاهق. معجم البلدان.

328

و كتب ولاة الشّام إلى السلطان ملكشاه يشكون ما يلقونه من خلف بن ملاعب بحمص من قطع الطّريق و إخافة السّبيل، فكتب إلى قسيم الدّولة و يغى سيان و بوزان صاحب الرّها، فساروا في عساكرهم، فحاصروها و ضايقوها ففتحوها؛ و أعطاها السّلطان تاج الدّولة تتش.

و نزل قسيم الدّولة على أفامية، فأخذها من خلف بن ملاعب و سلّمها إلى نصر بن منقذ.

ثمّ إنّ السّلطان أمر بحمل ابن ملاعب في قفص حديد إلى أصبهان، فحبسه إلى أن مات ملكشاه؛ و توجّه إلى مصر و عاد إلى الشّام، و احتال حتى ملك أفامية بالحيلة بعد ذلك.

و لما فتحت حمص تسلّمها قسيم الدّولة إلى أن ورد عليه أمر السّلطان بتسليمها إلى تتش‏ (1).

و مات السّلطان ملكشاه ببغداد في اللّيلة السّادسة عشر من شوّال سنة خمس و ثمانين و أربعمائة، و كان أقسنقر قد خرج وافدا عليه، فلما بلغه الخبر عاد إلى حلب، و خطب لابنه محمود مدّة يسيرة، ثم إنّه خطب بعد ذلك لتاج الدّولة تتش- على ما يذكر- (2).

____________

(1)- لخلف بن ملاعب ترجمة مفيدة المعلومات في كتاب بغية الطلب، سلف و نشرتها في ملاحق كتاب مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 380- 385.

(2)- انظر تفاصيل هذا الموضوع في كتابي مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 221- 228.

329

و لما عاد إلى حلب قبض على شبل بن جامع أمير بني كلاب و على ولده مبارك، و اعتقلهما بالقلعة، و راسل تاج الدّولة قسيم الدّولة و يغي سيان و بوزان و جذبهم إلى طاعته، و الكون في جملته ليسيروا معه إلى بلاد أخيه ليفتحها، و يأخذ المملكة فأجابوا إلى ذلك، و خطبوا له في أعمالهم.

فسار في أوّل سنة ستّ و ثمانين، و سار إليه قسيم الدّولة و يغى سيان و بوزان، و وثق به أق سنقر، و فتح تاج الدّولة الرّحبة و نصيبين، فجمع ابراهيم بن قريش و تأهّب للقاء تاج الدّولة.

و التقى العسكران على دارا (1)، و عاد كلّ فريق إلى موضعه، فركب الأمير قسيم الدّولة في خلق من العسكر، و حمل حتّى توسّط عسكر ابراهيم فلم يثبت العرب، و تبعه باقي العسكر، فقتل منهم ما يقارب عشرة آلاف.

و أسر ابراهيم بن قريش و عمه مقبل و غيرهم. فقتلهم تاج الدّولة صبرا و سبيت الحرم، و قتل جماعة من نساء العرب نفوسهن.

و أمر تاج الدّولة بعد ذلك بجمع الأسرى و وهبهم من محمّد بن شرف الدّولة- و كان قد صار في جملته قبل الحرب- و أقطعه نصيبين‏ (2).

و عظمت هيبة تاج الدّولة بعد هذه الوقعة، و راسلته زوجة أخيه تحثّه‏

____________

(1)- دارا بلد في لحف جبل بين نصيبين و ماردين. معجم البلدان.

(2)- لمزيد من التفاصيل، أنظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 222- 223.

330

على الوصول؛ و استقرّ الحال على أن تتزوّجه؛ فسار عند ذلك بعد أن تسلّم من ابن جهير آمد و جزيرة ابن عمر، حتى وصل إلى تبريز، ففسخ عنه قسيم الدّولة أق سنقر صاحب حلب و عماد الدّولة بوزان و سارا إلى بركيارق ليكونا في خدمته- و كان بالقرب من الريّ‏ (1).

و كان سبب نفار قسيم الدّولة و بوزان تقريب تاج الدّولة يغي سيان و ميله إليه؛ و قيل: لأنّه لم يولهما شيئا من البلاد الّتي افتتحها، فرجع تاج الدّولة إلى ديار بكر، و شحنها بالرّجال، و سار منها إلى سروج فأخذها و ولّى فيها بعض ثقاته.

و وصله الخبر بوصول أق سنقر و بوزان إلى باب السّلطان بركيارق، و إكرامه لهما، و أنّهما وجدا خاله مستوليا على أمره، فقتلاه و بعض الأمراء.

فانبسطت يد بركيارق، و استقامت أحواله، و خاطبه أق سنقر و بوزان أن يسير معهما إلى بلادهما حلب و الرّها و حرّان، لئلا يجري عليهما حادث من تاج الدّولة عند عودته، و ضمنا له أن يكونا بينه و بين تاج الدّولة؛ فسار معهما إلى الرّحبة، و عقد بينهما و بين عليّ بن شرف الدّولة حلفا.

و سار عليّ بن قريش، و معه جماعة من بني عقيل و قطعة من عسكر السّلطان بركيارق مع قسيم الدّولة؛ فأوصلوه إلى حلب، فدخلها في شوّال من سنة ستّ و ثمانين و أربعمائة.

____________

(1)- الري الآن ضاحية لمدينة طهران.

331

و سار بوزان إلى بلاده، و عاد من كان معهما إلى السّلطان.

و أما تتش فانّه قطع الفرات و توجّه إلى أنطاكية، و أقام بها مع يغي سيان مدّة، فغلت بها الأسعار، فسار إلى دمشق في ذي القعدة من هذه السّنة.

و كان وثّاب بن محمود مع نفر يسير من بني كلاب، فأنفذ أق سنقر بعد مسير تتش إلى دمشق من أحرق حصن أسفونا و حصن‏ (1) القبّة، و قبض اقطاع وثّاب.

و في سنة سبع و ثمانين، قبض على الوزير أبي نصر محمّد بن الحسن بن النحاس بسعاية المجنّ بركات الفوعي به إلى قسيم الدّولة. و لم يزل به إلى أن أمره بخنقه، و هو معتقل عنده، فخنقه في هذه السّنة.

و في شهر ربيع الأوّل من سنة سبع و ثمانين و أربعمائة، خرج تاج الدّولة تتش من دمشق، و معه خلق عظيم من العرب، و لقيه يغي سيان بعسكر أنطاكية بالقرب من حماة و أقاموا هناك أياما؛ و زوّج ولده الملك رضوان من ابنة يغي سيان، و سيّره عائدا إلى دمشق.

و سار تاج الدّولة بعساكره فنزل تلمنس‏ (2)، و أقام بها أياما، فوصله الخبر بوصول كربوقا صاحب الموصل و بوزان صاحب الرّها، و يوسف بن‏

____________

(1)- قرب معرة النعمان. معجم البلدان.

(2)- تتبع تلمنس الآن منطقة معرة النعمان في محافظة أدلب السورية و تبعد عن المعرة مسافة 6 كم و عن أدلب 45 كم.

332

أبق صاحب الرّحبة، في ألفين و خمسمائة فارس إلى حلب، لنجدة أق سنقر، فعدل تاج الدّولة إلى الحانوتة، و رحل إلى النّاعورة، و عوّل على قصد الوادي‏ (1)، و أن يسير منه إلى أعمال أنطاكية؛ و أخذ العسكر دوابّ النقرة و [أحرق‏] بعض زرعها (2).

فخرج أق سنقر و من وصله من النّجدة و جماعة كثيرة مع شبل بن جامع و مبارك بن شبل من بني كلاب- و كان قد أطلقهما من الاعتقال في هذه السّنة- و محمّد بن زائدة في جماعته و جماعة من أحداث حلب و الديّلم و الخراسانيّة؛ و عدّة عسكره تزيد عن ستّة آلاف فارس و راجل، في أحسن أهبة و أكمل عدّة.

و قصد عسكر الملك تاج الدّولة، يوم السبت تاسع جمادي الأولى من السّنة، و التقوا على «سبعين» (3)، و كان أوّل من قطع السواقي التي كانت بين العسكرين و برز للحرب أق سنقر، و رتّب مصاف عسكره.

و بقي عسكر بوزان و كربوقا لم يتمكن من قطع السواقي، فيختلطون بالعسكر، و لم يستنصح أق سنقر العرب الّذين معه؛ و خاف ميلهم إلى تاج الدّولة، و كان عسكر تاج الدّولة في مثل هذه العدّة من العرب و الرّجالة،

____________

(1)- وادي بزاعا. انظر مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية ص 272.

(2)- أضيف ما بين الحاصرتين من ترجمة آق سنقر. مدخل ص 272.

(3)- سبعين قرية قريبة من حلب. معجم البلدان.

333

و كان التّرك معه في قلّة لأنّ أصحابه و خواصّه كانوا متفرقين في البلاد التي افتتحها.

و حمل عسكر تاج الدّولة على عسكر أق سنقر فلم يثبت لحظة واحدة، و انهزمت العرب و بوزان و كربوقا نحو حلب فدخلاها، و استأمن يوسف بن أبق إلى تاج الدّولة.

و أسر أق سنقر و جماعة من خواصه و وزيره أبو القاسم بن بديع، و أحضر بين يدي تاج الدّولة أسيرا، فقتله صبرا، و قال له تاج الدّولة: «لو ظفرت بي ما كنت صنعت؟» قال: «كنت أقتلك» فقال له: «فأنا أحكم عليك بما كنت تحكم عليّ» فقتله.

و حكى وثّاب بن محمود قال: «جلس تاج الدّولة، و طلب قسيم الدّولة، فأحضر مكشوف الرّأس، مكتوفا، فقام تاج الدّولة، و كلّمه كلاما كثيرا، فلم يردّ عليه جوابا، فضربه بيده أطار رأسه».

و حمل رأسه إلى حلب والي دمشق، و دفن جسده في القبّة التي على سطح جبل قرنبيا (1)، غربيّ المشهد الذي ابتناه بقرنبيا؛ ثم نقله ابنه زنكي لمّا فتح حلب إلى مدرسة الزجّاجين‏ (2)، و وقف شامر- قرية من بلد حلب- على من يقرأ على قبره.

____________

(1)- مشهد قائم بين حلب و قرية النيرب. الآثار الاسلامية في حلب لأسعد طلس. ط. دمشق 1956 ص 241.

(2)- انظر حولها الآثار الاسلامية ص 90- 91 ذلك أنها درست.

334

و اختار قسيم الدّولة وقتا للخروج إلى اللّقاء، و هو وقت قران زحل للمرّيخ في برج الأسد- و هو طالع بيت السّلطان بحلب- و كان موقنا بالظّفر، فخرج و أمرهم أن يلحقوه بالجبال لكتافهم بها، و كان تاج الدّولة قد عزم على ما ذكرناه؛ و لم يكن مؤثرا لقاءه؛ فنصره اللّه تعالى كما شاء و أراد؛ لا راد لأمره، و لا معقّب لحكمه، و لا تأثير لشي‏ء في ملكوته.

و أسر شبل بن جامع أمير بني كلاب فوهبه تاج الدّولة لابن أخيه وثّاب بن محمود.

و عوّل بوزان و كربوقا على الاعتصام بحلب، و انتظار النّجدة من بركيارق؛ لأن كتاب الطّائر وصل إلى حلب يخبر بوصول النّجدة إلى الموصل، و قرّروا مع الأحداث ذلك.

فوصل تاج الدّولة بعسكره إلى حلب، و تحيّر أهلها فيما يفعلونه، فبادر قوم من الأحداث ممّن لا يعرف و لا يذكر ففتحوا باب أنطاكية.

و دخل وثّاب بن محمود في مقدّمة أصحاب تاج الدّولة إلى حلب، و سكن البلد، فنزل الوالي بقلعة الشّريف، و سلّمها إلى تاج الدّولة فدخلها، و بات بها، فراسله نوح والي القلعة الكبيرة، و سلّمها إليه بعد أن توثّق منه، و طلع تاج الدّولة إليها في الحادي عشر من جمادى الأولى من السّنة (1).

____________

(1)- 487 ه/ 1094 م.

335

و قبض تاج الدّولة على بوزان فضرب رقبته صبرا، و أخذ كربوقا و اعتقله بحمص، و أقطع الشّام لعسكره، و أقطع معرّة النّعمان و اللّاذقية ليغي سيان، و رتّب أبا القاسم بن بديع وزيرا بحلب.

و أقام ثلاثة أيّام ثمّ توجّه فقطع الفرات، و تسلّم حرّان، و سار إلى الرّها فتسلّمها، و قيل: بأنّ واليها امتنع من تسليمها إلّا بعلامة من بوزان، و أنّ بوزان كان محبوسا بحلب، فأنفذ إليه من قطع رأسه و رماهم به، فسلّموا الرّها إليه، و تسلّم ديار بكر.

و سار إلى ميّافارقين فقتل بني جهير بعد أن قطع رؤوس أولادهم و علّقها في رقابهم.

و عدل عن الموصل، و سار للقاء زوجة أخيه خاتون الجلاليّة لإتمام ما كان استقرّ بينهما فماتت في الطريق.

و توجّه تاج الدّولة إلى الرّي، فوصله خلق كثير من التركمان و عساكر أخيه، و ملك كلّ بلدة مرّ بها، و خطب له على منابر الإسلام: الشّام و الفرات، و بغداد.

و عند وصوله إلى همذان كتب إلى ولده الملك رضوان يستدعيه من دمشق فتوجّه إليه و معه بقيّة من تخلّف من أصحابه بالشّام.

و دخل تاج الدّولة الرّي و ملكها في المحرّم سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة، و خرج بركيارق من أصبهان، و التقوا على خمسة فراسخ من‏

336

الرّي في يوم الأحذ السّابع عشر من صفر، فانهزم عسكر تاج الدّولة تتش و استبيح و نهب، و قتل ذلك اليوم تاج الدّولة و خواصّه في الحرب.

و قتل تاج الدّولة بعض أصحاب قسيم الدّولة بعد أن اصطنعه و قربّه، ضربة بنشّابة في ترقوته اليسرى فوقع؛ و قطع رأسه و طيف به العسكر، ثمّ حمل إلى بغداد فطيف به، و تفرّق من سلم منهم إلى مواضعهم.

و وصل الخبر إلى ولده الملك رضوان، و هو نازل على الفرات بعانة (1) متوجها إلى والده، فقلق و خاف من وصول من يطلبه فحطّ خيمه في الحال‏ (2).

و رحل مجدّا حتّى وصل حلب في جماعة من غلمانه و حاشيته؛ و ترك باقي عسكره من ورائه، فسلم وزير أبيه أبو القاسم بن بديع إليه المدينة و القلعة؛ و صعد إليها؛ و أخذوا الأهبة لمن يقصدها.

و وصل إليه إلى حلب من الفلّ أخوه أبو نصر دقاق‏ (3) و جناح الدّولة حسين‏ (4)، فاستولى جناح الدّولة على تدبير ملك الملك رضوان؛ و كان تاج‏

____________

(1)- عانة بلد مشهور على الفرات بين الرقة و هيت يعد في أعمال الجزيرة. معجم البلدان.

(2)- لرضوان ترجمة مطولة في كتاب بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي- مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية- ص 387- 396.

(3)- لدقاق ترجمة في تاريخ ابن عساكر، انظرها في كتاب المدخل ص 386.

(4)- لجناح الدّولة حسين ترجمة في بغية الطلب كنت قد نشرتها في ملاحق كتابي المدخل ص 376- 379.

337

الدّولة قد جعله مدبّرا له، و هو أتابكه في حياته، و جعل دقاق مع أتابك ظهير الدين.

و لمّا افتتح ديار بكر سلّمها إلى ظهير الدّين، و شمس الملوك دقاق معه، و لم يزل بها إلى أن سار إلى الرّيّ فسارا معه.

و عاد دقاق إلى حلب فأقام بها مدّة يسيرة، و راسله الأمير ساوتكين الخادم- و كان نائب تاج الدّولة بدمشق في حفظ القلعة و البلد- [و قرّر] لدقاق مملكة دمشق سرّا، و خاف من أخيه رضوان‏ (1)، فخرج من حلب و هرب إلى دمشق من غير أن يعلم به أحد. و جدّ في السّير، و تبعه رضوان، و أنفذ خلفه عدّة من الخيل ففاتهم، فدخل دمشق فسارع ساوتكين إلى طاعته، و صارت دمشق و بلادها بحكمه.

و قتل رضوان أخويه: أبا طالب و بهرام ابني تتش، و كان أتابك طغتكين معتقلا عند السّلطان بركيارق، و قبض في الوقعة فطلبوا منه كربوقا و الجماعة الذين معه، و كانوا في يد رضوان فاتّفق رأيهم أن يسيروا عضب الدّولة أبق بن عبد الرّزّاق إلى رضوان لاستخلاص كربوقا.

و كان أبق أيضا من جملة من قبض عليه من الجماعة الذين كانوا مع تتش فخاطبوا السّلطان في إطلاقه و تسييره فأجابهم إلى ذلك، و سيّره إلى حلب، فلمّا وصله أكرمه رضوان و أطلق كربوقا في شعبان و سيّره مكرما.

____________

(1)- انظر لمزيد من التفاصيل ترجمة رضوان- المدخل ص 391- 395.

338

فأطلق بركيارق أتابك طغتكين‏ (1) و جميع من كان في اعتقاله من خواصّ تاج الدّولة، و وصل دمشق فابتهج دقاق بوصوله و قويت نفسه؛ و ألقى تدبير أموره إليه، فقام فيها أحسن قيام.

فاستأذن عضب الدّولة الملك رضوان في الوصول إليه فأذن له، و قرّر معه قرب العودة إلى حلب و ترك اقطاعه بحلب على حاله، فوصل دمشق و اختار المقام بها، و كتب إلى أصحابه بعزاز يأمرهم بتسليمها إلى رضوان فسلّموها.

و لمّا وصلت هذه الأخبار وثب أهل أفامية على حصنها فأخذوه من الأتراك، و قتلوا بعضهم، و كان تاج الدّولة قد أخذه من ابن منقذ، و سار جماعة من أهلها إلى مصر يستدعون واليا من قبلهم [لميلهم‏] (2) إلى الإسماعيلية و نفورهم من التّرك.

و وصل خلف بن ملاعب في سنة تسع و ثمانين و أربعمائة و تسلمها، و عاد إلى الفساد و قطع الطريق، و قتل خلقا من أفامية.

و أمّا الملك رضوان فإنّه خرج في سنة ثمان و ثمانين من حلب، و معه جناح الدّولة حسين، و وصله يغي سيان و يوسف بن أبق من أنطاكية بعسكرهما، و توجهوا إلى الرّها، و معهم رهائن أهلها ليتسلمها الملك رضوان من المقيمين فيها من أصحاب والده.

____________

(1)- لطغتكين ترجمة قصيرة في تاريخ ابن عساكر، نشرتها في ملاحق- المدخل ص 408.

(2)- أضيف ما بين الحاصرتين لاستقامة السياق- أنظر ترجمة خلف بن ملاعب.

339

فلمّا نزلوا الرّها أراد يغي سيان و يوسف أن يقبضا جناح الدّولة و يتفرّدا بتدبير رضوان، فهرب منهما، و قطع الفرات، و وصل حلب، و تبعه رضوان، فدخل حلب، و هرب رهائن الرّها من العسكر و دخلوها، و عاد يغي سيان و يوسف بن أبق، و قد استوحش رضوان منهما.

و كتب رضوان إلى سكمان‏ (1)- و اقطاعه سروج‏ (2)- يستدعيه إلى حلب لمعونته، فسار و قطع الفرات فلقيه يوسف بن أبق في عدّة وافرة فخافة سكمان، فأظهر موافقته و صار معه.

و خاف جناح الدّولة من اجتماعهم، و كان عقيب وصول رضوان من الرّها قد سيّر جماعة من عسكر حلب إلى معرّة النّعمان مع عضب الدّولة لأخذها من يغي سيان.

و كاتب وثّاب بن محمود فوصل ببني كلاب لمساعدته على أخذ المعرّة، فأخرجوا ابن يغي سيان و أصحابه منها، و تسلّموها.

و عاد عضب الدّولة و وثّاب، فلمّا وصلا حلب حدث ما ذكرناه من أمر سكمان و يوسف بن أبق، فخرج جناح الدّولة بالعسكر، فلقيه يوسف بالقرب من مرج دابق فهرب يوسف و نهبوا عسكره، و أعانهم على ذلك‏

____________

(1)- سكمان بن ارتق. انظر المدخل ص 388. و من المفيد مقارنة ما جاء هنا بما جاء في الترجمة لوجود بعض التعارض.

(2)- سروج بلدة قريبة من حران من ديار مضر. معجم البلدان.

340

سكمان، و دخل يوسف أنطاكية. و عاد جناح الدّولة و سكمان و وثّاب و أبق إلى حلب.

و أقطع الملك رضوان معرّة النّعمان سكمان بن أرتق و أعمالها، ثم سار رضوان و سكمان لقصد دمشق و انتزاعها من أخيه دقاق، و ترك جناح الدولة بحلب.

فلمّا نزلا دمشق، وصل إليهما أن دقاق قبض على نجم الدين إيلغازي ابن أرتق، و اعتقله لتهمة وقعت به، فعاد الملك رضوان إلى حلب، و سار سكمان إلى بيت المقدس و تسلّمها من نواب أخيه و أقام بها.

و راسل يوسف بن أبق الملك رضوان و استأذنه في الوصول إلى خدمته فأذن له، و وصل حلب و سكنها.

ثم خاف رضوان و حسين منه فتقدّما إلى بركات بن فارس رئيس حلب المعروف بالمجن‏ (1) بقتله، فهجم عليه و أصحابه فقتلوه و نهبوا داره و أخذوا رأسه، و سيّروه إلى بزاعا و منبج، فتسلموها من أصحابه، و قبضوا على اقطار أخيه و أصحابهما؛ و هربوا من حلب، و كان الملك قد توهّم منه الارتداد عن الاسلام.

ثم أنّ رضوان و جناح الدّولة خرجا في سنة تسع و ثمانين إلى تلّ باشر؛ و شيح الدّير (2)، و فتحاها بالسّيف من أصحاب يغي سيان، و أغارا على‏

____________

(1)- المجن الفوعي، مقدم أحداث حلب. انظر المدخل ص 388- 392.

(2)- انظر بغية الطلب ص 321- 322، 474.

341

أعمال أنطاكية، و عادا إلى حلب، و سارا في أول شهر رمضان منها إلى دمشق.

فسار يغي سيان منجدا لدقاق فضعفت نفس رضوان و لم يتمكن من العودة، فسار إلى بيت المقدس، فتبعه دقاق و طغتكين و يغي سيان و أقاموا متحابسين مدة.

و أشرف عسكر رضوان على التّلف فانفصل عنه جناح الدّولة، و هرب على طريق البرية إلى حلب، و تبعه الملك رضوان بعد مدّة و حصلا بجميع العساكر بحلب.

و عاد دقاق و طغتكين إلى دمشق و يغي سيان إلى أنطاكية. و عاد سكمان بن أرتق من القدس على البريّة حتّى وصل حلب على البرية في المحرّم من سنة تسعين و أربعمائة.

و اجتمع بجناح الدّولة و اتفقا على قصد بلاد يغي سيان فخرج دقاق و طغتكين، فوصلا حماه و عاث العسكر في بلدها و وصلهما يغي سيان، و ساروا إلى كفر طاب في الثّاني من ربيع الأوّل، فقاتلوها، و نهبوها، و قرّروا على أهلها مالا.

و هرب أصحاب سكمان من المعرّة فتسلّمها يغي سيان و قرّر عليها مالا، و تنقّل العسكر في الجزر (1) و غيرها من أعمال حلب، فاستنجد رضوان‏

____________

(1)- الجزر كورة من كور حلب وقعت بينها و بين أنطاكية. معجم البلدان.

342

بسليمان بن إيلغازي صاحب سميساط (1) فوصل بعسكر كثير إلى حلب.

و جمع رضوان من قدر عليه من التّرك و العرب و أحداث حلب، و نزل عسكر دقاق بقنّسرين.

و نزل عسكر حلب بحاضر قنّسرين فاتّفق الأمر على أن يجتمعوا على نهر قويق و يتحدّثوا، فاجتمعوا و تحدّثوا، و النهر بينهم؛ فلم يتّفق الصّلح، فقال يغي سيان لسكمان: «هؤلاء الملوك يقتتلون على ملكهم، أنت يا بيّاع اللّبن دخولك معهم لأي صفة؟» قال: «غدا تبصر ايش أنا».

فأصبحوا و التقوا يوم الاثنين خامس شهر ربيع الآخر من سنة تسعين و أربعمائة فأبلى سكمان بلاء حسنا.

و لم تزل الحرب بينهم إلى آخر النهار، فانهزم يغي سيان إلى أنطاكية، و دقاق و طغتكين إلى دمشق؛ و أسر في الحرب اصباوه‏ (2)، فاعتقل بحلب ثم أطلق، فهرب إلى دمشق و لم يقتل من العسكر إلّاالقليل.

و قتل الفلّاحون في الطّريق وقت الهزيمة من الأرمن الذين كانوا مع يغي سيان جماعة كثيرة، و تغيّرت نيّة الملك رضوان على جناح الدّولة حسين‏

____________

(1)- سميساط مدينة على شاطى‏ء الفرات، هي الآن في تركيا. معجم البلدان- الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ص 801.

(2)- من أمراء التركمان وقادة جيوشهم و هو عند ابن الأثير في الكامل: 8/ 228 «أصبهبذ صباوو».

343

فهرب من حلب إلى حمص، و خرج من حلب ليلا و معه زوجته أمّ الملك رضوان؛ و أقام بحمص لأنها كانت في يده و حصّنها.

و وصل يغي سيان إلى حلب عقيب ذلك، و خدم رضوان، و دبّر أمره، و تزوّج رضوان ابنة يغي سيان خاتون جيجك‏ (1).

و عوّل رضوان على قصد جناح الدّولة بحمص، و قصد دقاق بدمشق، و وصله رسول الأفضل‏ (2) من مصر يدعوه إلى طاعة المستعلي و إقامة الدّعوة له، و على يده هديّة سنيّة من مصر، و وعده بأن يمدّه بالعساكر و الأموال.

فتقدم بالدّعوة للمصريين على سائر منابر الشّام التي في يده، و دعا الخطيب أبو تراب حيدرة بن أبي أسامة بحلب للمستعلي ثمّ للأفضل ثم لرضوان، في يوم الجمعة السّابع عشر من شهر رمضان من هذه السّنة.

و كان قد ولّى الخطابة أبا تراب و عزل جدّ أبي غانم أبا محمّد بن هبة اللّه بن أبي جرادة عن القضاء و الخطابة بحلب، لأن توليته كانت على قاعدة أبيه من بغداد في سنة ثمان و ثمانين و أربعمائة.

و كان أبوه القاضي أبو الفضل هبة اللّه قد مات في هذه السّنة المذكورة، و هو على القضاء و الإمامة بحلب.

____________

(1)- انظر المدخل ص 388.

(2)- الأفضل بن بدر الجمالي أمير الجيوش المتحكم بالخلافة الفاطمية. انظر المدخل ص 392.

344

و ولى رضوان قضاء حلب في سنة تسعين القاضي فضل اللّه الزّوزني العجمي الحنفي، و سيّره رسولا إلى مصر، و ناب عنه في القضاء حال غيبته أبو الفضل أحمد بن أبي أسامة الحلبي، و دامت الدّعوة بحلب إلى رجب من سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة. و قيل: لم تدم أكثر من أربع جمع‏ (1).

و أعادها رضوان للإمام المستظهر ثم للسّلطان بركيارق ثمّ لنفسه، و لم يصحّ له مما التمسة من المصريين شي‏ء.

و أعاد القضاء و الخطابة إلى جدّ أبي أبي غانم على قاعدته الأولى، في سنة خمس و تسعين و أربعمائة، حين قتل الزّوزنيّ، و كان خرج من بين يدي رضوان، فقتل في بعض الدّروب؛ و كان أزرى على الباطنيّة و على معتقدهم فقيل إنّهم قتلوه.

و لما سار رضوان و يغي سيان وصلا إلى شيزر متوجّهين إلى حمص لقصد (2) حمص، فتواصلت الأخبار بوصول خلق من الفرنج قاصدين أنطاكية، فقال يغي سيان: «عودنا إلى أنطاكية و لقآء الفرنج أولى»، و قال سكمان: «مسيرنا إلى ديار بكر و أخذها من المتغلّبين عليها و نتقوى بها، و أنزل أهلي بها و نعود إلى حمص أولى»؛ و اختلفوا.

فسار الملك رضوان نحو حلب جفلا و كان معه وزيره أبو النّجم بن بديع أخو وزير أبيه تتش أبي القاسم، و كان قد ولّاه وزارته حين ملك‏

____________

(1)- انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 217.

(2)- في تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 217 «لمعاودة النزول على دمشق» و هو الأقوم.

345

حلب، فاتهماه أنه هو الذي يفسد حال رضوان، فطلع إلى حصن شيزر، و أقام به عند ابن منقذ خشية من يغي سيان و سكمان، فلما سارا عن شيزر سار إلى حلب و لحق بالملك رضوان بها.

و لما عاد رضوان مغاضبا ليغي سيان و سكمان عاد (1) و الأمراء من شيزر إلى أنطاكية، و بلغهم نزول الفرنج البلّانة و نهبها (2).

و لما دخل يغي سيان أنطاكية أخرج ولديه شمس الدّولة و محمدا، فسار أحدهما إلى دقاق و طغتكين يستنجدهما، و بثّ كتبه إلى جناح الدّولة و وثاب بن محمود و بني كلاب، و سار محمّد ابنه إلى التركمان و كربوقا و أمراء الشرق و ملوكه، و سارت كتبه إلى جميع أمراء المسلمين.

و في ثامن شهر رمضان، وصل من قبرس إلى ميناء اللاذقية اثنتان و عشرون قطعة في البحر، فهجموه و أخذوا منه جميع ما كان للتجّار؛ و نهبوا اللّاذقية، و عادوا، و وصلت الفرنج إلى الشّام، و اعتبروا عسكرهم فكانوا ثلاثمائة ألف و عشرين ألف إنسان، لأنّهم وصلوا من جهة الشمال.

و في اليوم الثّاني من شوّال نزلت عساكر الفرنج على بغراس‏ (3) و أغاروا على أعمال أنطاكية، فعند ذلك عصى من كان في الحصون و المعاقل المجاورة لأنطاكية، و قتلوا من كان بها، و هرب من هرب منها.

____________

(1)- الضمير يعود هنا إلى يغي سيان. انظر ابن القلانسي ص 218.

(2)- انظر ابن القلانسي ص 218.

(3)- بغراس: مدينة في لحف جبل اللكام بينها و بين أنطاكية أربعة فراسخ، على يمين القاصد إلى أنطاكية من حلب. معجم البلدان.

346

و فعل أهل أرتاح‏ (1) مثل ذلك و استدعوا المدد من الفرنج، و هذا كله لقبح سيرة يغي سيان و ظلمه في بلاده.

و نزل الفرنج على أنطاكية لليلتين بقيتا من شوال من سنة تسعين و أربعمائة.

و خرج في المحرّم من سنة إحدى و تسعين و أربعمائة نحو ثلاثين ألفا من الفرنج إلى أعمال المسلمين ببلد حلب، فأفسدوا و نهبوا و قتلوا من وجدوا.

و كان قد وصل الملك دقاق و أتابك و معهما جناح الدّولة، و نزلوا أرض شيزر، و معهم ابن يغي سيان و هم سائرون لانجاد أبيه، فبلغهم خبر هذه السريّة، فساروا إليها بقطعة من العسكر، فلقوهم في أرض البارة (2) فقتلوا منهم جماعة.

و عاد الفرنج إلى الروج‏ (3)، و عرجوا منه إلى معرّة مصرين‏ (4)، فقتلوا من وجدوا و كسروا منبرها، و حين عاد العسكر الدمشقي من البارة فارقهم ابن يغي سيان و وصل إلى حلب يستنجد بالملك رضوان، فأخذ عسكر حلب و سكمان، و دخل بهما إلى أنطاكية فلقيهم من الفرنج دون عدّتهم، فانهزم‏

____________

(1)- أرتاح اسم حصن منيع كان من العواصم من أعمال حلب. معجم البلدان.

(2)- بليدة في منطقة أريحا محافظة ادلب السورية، كان بها حصن، ما زالت خرائبها شاهدة على عظمة ماضيها، انظر معجم البلدان و انظر الخبر أيضا عند ابن القلانسي ص 219.

(3)- الروج من كور حلب المشهورة في غربيها. معجم البلدان.

(4)- معرة مصرين من قرى محافظة ادلب و تتبع إداريا لها و تبعد عن ادلب مسافة 10 كم.

347

عسكر المسلمين إلى حارم‏ (1) و ذلك في آخر صفر، و تبعهم عسكر الفرنج إلى حارم فانهزموا إلى حلب، و غلب أهل حارم من الأرمن عليها.

و في شهر ربيع الأول من السّنة وصل خلق من الأرمن إلى تل قبّاسين بناحية الوادي فقتلوا من فيه، و خرج المسلمون الذين بالوادي و جماعة من الأتراك تبعوهم و قتلوا منهم جماعة، و التجأ الباقون إلى بعض الحصون الخربة، فأدركهم عسكر حلب فقاتلهم يومين، و أخذوهم فقتلوا بعضهم، و حمل الباقي أسرى إلى حلب فقتلوا، و كانوا يزيدون عن ألف و خمسمائة.

و لما نزل الفرنج- لعنهم اللّه- بأنطاكية جعلوا بينهم و بين البلد خندقا لأجل غارات عسكر أنطاكية عليهم و كثرة الظّفر بهم، و لا يكاد يخرج عسكر أنطاكية و يعود إلّا ظافرا.

و جعل يغي سيان النّاس على البعد و القرب، و كان حسن التّدبير في سياسة العسكر.

و جمع كربوقا صاحب الموصل عسكرا عظيما، و قطع به الفرات، و وصل دقاق و طغتكين و جناح الدولة، و وصل سكمان بن أرتق، و فارق رضوان و سار مع دقاق.

و وصل وثّاب بن محمود و معه جماعة من العرب و وصلوا تل منس و قاتلوها لأنه بلغهم أنهم كاتبوا الفرنج و أطمعوهم في الشّام، و قرّر عليهم‏

____________

(1)- حارم الآن من مناطق محافظة ادلب و تبعد عن ادلب مسافة 53 كم.

348

دقاق مالا أخذ بعضه و رهائن على الباقي، و سيّرهم إلى دمشق.

و سار دقاق بالعساكر إلى مرج دابق، و اجتمع بكربوقا فيه في آخر جمادى الآخرة، و رحلوا منه نحو أنطاكية.

فلما كان ليلة الخميس أوّل ليلة من رجب واطأ رجل يعرف بالزّرّاد من أهل أنطاكية و غلمان له على برج كانوا يتولّون حفظه؛ و ذلك أن يغي سيان كان قد صادر هذا الزّرّاد و أخذ ماله و غلّته، فحمله الحنق على أن كاتب بيمند و قال له: «أنا في البرج الفلاني، و أنا أسلّم إليك أنطاكية إن أمنتني و أعطيتني كذا و كذا». فبذل له ما طلب، و كتم أمره عن باقي الفرنج.

و كان بعسكر الفرنج تسعة قوامص مقدّمين عليهم كندفري، و أخوه القمص، و بيمند، و ابن اخته طنكريد و صنجيل و بغدوين و غيرهم، فجمعهم بيمند و قال لهم: «هذه أنطاكية إن فتحناها لمن تكون؟» فاختلفوا، و كلّ طلبها لنفسه، فقال: «الصّواب أن يحاصرها كلّ رجل منا جمعة؛ فمن فتحت في جمعته فهي له»، فرضوا بذلك.

فلما كانت نوبته دّلى لهم الزّرّاد- لعنه اللّه- حبلا، فطلعوا من السّور، و تكاثروا، و رفع بعضهم بعضا و جاءوا إلى الحراس، فقتلوهم، و تسلّمه بيمند بن الانبرت‏ (1).

____________

(1)- معلومات ابن العديم هنا على درجة عالية من الدقة، و الانبرت هو الامبراطور، أراد به والد بوهموند جويسكارد النورمندي، و هناك خلاف حول أصل و شخصية الزراد. انظر وقارن وليم الصوري- تاريخ الحروب الصليبية- ترجمتي- ط. بيروت 1990 ص 279- 332.

349

و طلع الفرنج في سحرة هذه اللّيلة إلى البلد و صاح الصّائح من ناحية الجبل، فتوهّم يغي سيان أنّ القلعة قد أخذت فخرج من البلد في جماعة منهزمين فلم يسلم منهم أحد.

و لمّا حصل بالقرب من أرمناز و معه خادم من غلمانه وقع عن ظهر فرسه، فحمله الخادم الذي كان معه، و أركبه، فلم يثبت على ظهر الفرس، و عاد فسقط، و أدركه الأرمن؛ فهرب الخادم عنه، و قتله الأرمن و حملوا رأسه إلى الفرنج.

و استشهد في ذلك اليوم بأنطاكية ما يفوت الإحصاء و يجاوز العدد، و نهبت الأموال و الآلات و السّلاح؛ و سبي من كان بأنطاكية، و وصل هذا الخبر إلى عمّ و انّب‏ (1)، فهرب من كان بها من المسلمين و تسلمها الأرمن.

و بلغ الخبر إلى دقاق و كربوقا و من كان معهما، فرحلوا إلى أرتاح، و سار بعضهم إلى جسر الحديد (2) و قتلوا من كان فيه من الفرنج، و توجّهوا نحو أنطاكية، فعرفوا أنّ قلعتها باقية في أيدي المسلمين، فأعلموا العساكر الإسلامية بذلك، فوصلوا إلى أنطاكية سحرة يوم الثلاثاء سادس رجب، فانهزم من كان بظاهر البلد من الفرنج إليها.

____________

(1)- إنب: حصن من أعمال عزاز من نواحي حلب. و عم قرية غناء بين حلب و أنطاكية.

معجم البلدان.

(2)- انظر وليم الصوري ص 333- 336، و جسر الحديد كان مقاما على العاصي انظر خريطة أنطاكية ص 124 من وليم الصوري.

350

و نزل المسلمون بظاهرها ممّا يلي الجبل، و دخلوا البلد من ناحية القلعة، و قاتلوا الفرنج في جبل المدينة، و أشرف الفرنج على التّلف فبنوا سورا على بعض الجبل يمنع المسلمين من النزول إليهم، و أقاموا أيّاما، و عدم القوت عندهم.

و احتوى كربوقا على كثير ممّا كان في قلعة أنطاكية، و ولّى فيها أحمد بن مروان، و ترادفت رسل الملك رضوان في أثناء ذلك إلى كربوقا، فتوهّم دقاق من ذلك، و خاف جناح الدّولة من أصحاب يوسف بن أبق و أخيه.

و جرت بين الأتراك و العرب الّذين مع وثّاب منافرة عادوا لأجلها، و تفرّق كثير من التّركمان بتدبير الملك رضوان و رسالته.

و تخيّل بعض الأمراء من بعض ثم اجتمع رأيهم على التحوّل إلى المنازلة في السّهل بظاهر أنطاكية، فنزلوا باب البحر، و جعل المسلمون بينهم و بين البلد خندقا.

و أكل الفرنج بأنطاكية الميتات و الدّواب، فخرجوا من أنطاكية يوم الاثنين السّادس و العشرين من شهر رجب.

فأشار وثّاب بن محمود أن يمنعوا من الخروج، و أشار بعض الأمراء أن لا يمكنوا من الخروج بأجمعهم و يقتلوا أوّلا فأوّلا، فلم يعرّج المسلمون على شي‏ء من ذلك لأنهم أيقنوا بالظّفر بالفرنج، و خرجوا بأجمعهم في خلق عظيم.

و عاث التّركمان في العسكر فانهزم، و توهّم الفرنج أن ذلك مكيدة

351

فتوقفوا عن تبعهم، فكان ذلك سببا لسلامة من أراد اللّه سلامته؛ و لم يبق غير كربوقا و معه أكثر عسكره، فأحرق سرادقة و خيامه و انهزم نحو حلب.

و قتل من المطوعة و الغلمان و السّوقة خلق كثير، و لم يقتل مذكور، و نهب من المسلمين من الآلات و الخيام و الكراع و الغلّات ما لا يحصى، و من انقطع من العسكر نهبه الأرمن‏ (1).

و عاد الفرنج إلى قلعة انطاكية، و بها أحمد بن مروان، فراسله الفرنج و أمّنوه، و من كان معه، و سلّمها إليهم يوم الأحد الثّاني من شعبان من السّنة، و أنزلوه في دار بأنطاكية و أطلقوا أصحابه و سيّروا معهم من يوصلهم إلى أعمال حلب؛ فخرج الأرمن فأخذوا بعضهم و قتلوا بعضهم، و لم يسلم منهم إلّا القليل.

و لمّا وصل كربوقا إلى حلب خرج إليه الملك رضوان، و حمل له خياما و غيرها، و رحل عنها، و عاد عسكر دمشق إليها و تفرّقت العساكر.

و بعد أيّام من هذه الوقعة خرج جماعة من الفرنج في شعبان، و زحفوا مع أهل تلمنس و جميع نصارى بلد المعرّة على المعرّة و قاتلوها، فوصلت قطعة من عسكر حلب إليهم، فالتقوا بين تلّ منس و المعرّة، فانهزم الفرنج و بقي الرّجالة منهم، فقتل منهم زائدا عن ألف رجل، و حملت رؤوسهم إلى معرّة النّعمان.

____________

(1)- انظر يوميات صاحب أعمال الفرنجة في كتابي الحروب الصليبية- ط. دمشق 1984 ص 239- 261. وليم الصوري ص 337- 364.

352

و في هذه السّنة- و هي سنة إحدى و تسعين- في جمادى الأولى عزل الملك رضوان وزيره أبا النجم هبة اللّه بن محمد بن بديع؛ و ولّى وزارته أبا الفضل هبة اللّه بن عبد القاهر بن الموصول. و كان أبو الفضل حسن السّيرة جوادا كثير المعروف و الصّدقات، و وافق ذلك شدة الغلاء و الجوع بحلب، حتّى أكلوا الميتات، فأخرج غلّة كثيرة، و تصدّق بها على النّاس.

و قيل: إنّه كان يخرج في كل سنة صدقة و برّا ثلاثة آلاف مكوك غلّة سوى ما يطلقه لمن يسأله معونته من الوفود و الضّيوف، و غير ما يطلقه من العين و الورق و غير ما كان يعتمد من افتكاك الأسرى من المسلمين.

و فيها قتل الملك رضوان رئيس حلب بركات بن فارس الفوعي المعروف بالمجنّ، و كان هذا المجن أوّلا من جملة اللّصوص الشطّار و قطّاع الطّريق الذعّار فاستتابه قسيم الدّولة أق سنقر، و ولّاه رئاسة حلب لشهامته و كفايته و معرفته بالمفسدين، و كان في حال اللّصوصية يصلّي العشاء الآخرة بالفوعة (1)، و يسري إلى حلب و يسرق منها شيئا و يخرج، و يصلّي الفجر بالفوعة فاذا اتهم بالسّرقة أحضر من يشهد له أنّه صلّى العشاء بالفوعة و الصبح فيبرئونه.

و استمرّ على رئاسة حلب في أيّام قسيم الدّولة و أيّام تاج الدّولة و بعده في أيّام رضوان، و امتدّت يده و حكم على القضاة و الوزراء و من دونهم، و هو الّذي قتل الوزير أبا نصر بن النّحاس في أيام قسيم الدّولة.

____________

(1)- الفوعة الآن من قرى محافظة ادلب و تبعد عنها مسافة 13 كم.

353

و بلغني أنه حنق عليه بسبب حصر أراد شراءها فاشتراها المجنّ، فشقّ على أبي نصر، فسيّرها المجنّ إليه، فردّها عليه أبو نصر، و تكلّم في حقّه بكلام قبيح فحنق بسببها على ابن النّحاس، فاعتقله بعد ذلك عنده و خنقه.

و كان كثير السّعاية في قتل النّفوس و سفك الدّماء و أخذ الأموال و ارتكاب الظّلم، فعصى على الملك رضوان، ثم ضعف و اختفى بعد أن حصر رضوان في قلعة حلب في سنة تسعين و أربعمائة.

فأمر رضوان مناديا نادى بالقلعة بأن الملك قد ولّى رئاسة حلب صاعد بن بديع فانقلب الأحداث عنه لبغضهم إيّاه، و مضوا إلى صاعد فاختفى المجنّ، ثم ظهر عليه فعجل اللّه المكافأة له على قبيح فعله.

و سلّط عليه الملك رضوان فسجنه في ذي القعدة من سنة تسعين و عذّبه عذابا شديدا بأنواع شتى، و أراد بذلك أن يستصفي ماله. فممّا عذّبه به أنّه أحمى الطست حتّى صار كالنّار، و وضعه على رأسه، و نفخ في دبره بكير الحدّاد، و ثقب كعابه، و ضرب فيها الرّزز و الحلق.

و لمّا وضع النّجار المثقب على كعبه قطع الجلد و اللّحم و لم يدر المثقب، فلطمه المجنّ و قال: «ويلك لا تعرف! أحضر خشبة، وضعها على الكعب». فأحضر خشبة و وضعها على كعبة، فدار المثقب و نزل و نزل، و ثقب الكعب.

354

فلما فرغ قيل له: «كيف تجد طعم الحديد؟» فقال: «قولوا للحديد كيف يجد طعمي»، و لم يقرّ المجنّ مع هذا كلّه بدرهم واحد، و لم يحصل للملك رضوان من ماله إلّا ما أقرّ به غلام أو جارية؛ و ذلك شي‏ء يسير، و استغنى جماعة من أهل حلب من ماله.

و لما طال الأمر على رضوان أشير عليه بقتله، فأخرج إلى ظاهر باب الفرج من نحو الشّرق، و معه ابنان له شابان مقتبلا الشباب، فقتلا قبله؛ و هو ينظر إليهما و لا يتكلم.

ثم قتل بعد ذلك في سنة إحدى و تسعين، و سلّمت رئاسة حلب إلى صاعد بن بديع، و لما قدم المجنّ للقتل صاح بصوت عال: «يا معشر أهل حلب، من كان لي عنده مال، فهو في حلّ منه».

و كان ابن بديع من أولاد الدّيلم الّذين كانوا في أيّام سيف الدّولة، و ولد أبوه بحلب.

و في سنة إحدى و تسعين و أربعمائة عصى عمر والي عزاز على الملك رضوان فخرج عسكر حلب و حصره، فاستنجد بالفرنج، فوصل صنجيل بعسكر كبير، فعاد عسكر حلب فنهب صنجيل ما قدر عليه و عاد إلى أنطاكية، و أخذ ابن عمر رهينة، فمات عنده، فوقع الملك رضوان على عمر إلى أن أخذه من تلّ هراق‏ (1) فسلّم إليه عزاز و أقام عنده بحلب مدّة، ثم قتله.

____________

(1)- انظر حوله الأعلاق الخطيرة لابن شداد- قسم حلب- ط. دمشق 1991 ج 2 ص 64.