زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
355

و خرج صنجيل في ذي الحجّة، و حصر البارة فقل الماء فأخذها بالأمان، و غدر بأهلها، و عاقب الرّجال و النّساء، و استصفى أموالهم و سبى بعضا و قتل بعضا، ثم خرج بقيّة الفرنج من أنطاكية و الأرمن الّذين في طاعتهم و النّصارى، و انضموا إليه، و وصلوا إلى معرّة النّعمان لليلتين بقيتا من ذي الحجة في مائة ألف.

و حصروا معرّة النّعمان في سنة اثنتين و تسعين، و قطعوا الأشجار، و استغاث أهلها بالملك رضوان و جناح الدولة فلم ينجدهم أحد.

و عمل الفرنج برجا من خشب يحكم على السّور و زحفوا إلى البلد، و قاتلوه من جميع نواحيه حتى لصق البرج بالسّور فكشفوه و أسندوا السّلالم إلى السّور و ثبت النّاس في الحرب من الفجر إلى صلاة المغرب، و قتل على السّور و تحته خلق كثير، و دخلوا البلد بعد المغرب ليلة الأحد الرّابع و العشرين من محرّم سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة.

و دخل عسكر الفرنج جميعه إلى البلد، و انهزم بعض الناس إلى دور حصينة، و طلبوا الأمان من الفرنج فأمّنوهم، و قطعوا على كل دار قطيعة، و اقتسموا الدّور، و هجموها و ناموا فيها، و جعلوا يهدّئون النّاس حتى أصبح الصبح، فاخترطوا سيوفهم، و مالوا على النّاس، و قتلوا منهم خلقا؛ و سبوا النّساء و الصّبيان.

و قتل فيها أكثر من عشرين ألف رجل و امرأة و صبّي، و لم يسلم إلّا القليل ممّن كان في شيزر و غيرها من بني سليمان و بني أبي حصين‏

356

و غيرهم، و قتلوا تحت العقوبة جمعا كثيرا، فاستخرجوا ذخائر النّاس، و منعوا النّاس من الماء، و باعوا منهم فهلك أكثر النّاس من العطش، و ملكوها ثلاثة و ثلاثين يوما بعد الهجمة، و لم يبقوا ذخيرة بها إلّا استخرجوها.

و هدموا سور البلد و أحرقوا مساجده و دوره و كسروا المنابر (1). و عاد بيمند إلى أنطاكية و قمص الرّها إليها، و في هذه السّنة فتحوا بيت المقدس و فعلوا فيها كما فعلوا بالمعرّة (2).

و في سنة ثلاث و تسعين، وصل مبارك بن شبل أمير بني كلاب في جمع كثير من العرب فخالف الملك رضوان، و رعوا زرع المعرّة، و كفر طاب، و حماة، و شيزر، و الجسر، و غير ذلك.

و خلت البلاد، و وقع الغلاء في بلد حلب، و لم يزرع شي‏ء في بلدها، و سلّط اللّه الوباء على العرب، فمات شبل و مبارك ولده، و اضمحلت دولة العرب.

و توّجه الملك رضوان في سلخ رجب من هذه السّنة إلى الأثارب و أقام عليها أيّاما، و توّجه إلى «كلّا» في الخامس و العشرين من شعبان لإخراج الفرنج منها، فاجتمع من كان في الجزر و زردنا و سرمين من الفرنج‏

____________

(1)- انظر الحروب الصليبية ص 268- 271.

(2)- انظر الحروب الصليبية ص 278- 282.

357

و التقوا؛ فانهزم رضوان، و استبيح عسكره، و قتل خلق كثير و أسر قريب من خمسمائة نفس و فيهم بعض الأمراء (1).

و عاد الفرنج إلى الجزر و أخذوا برج كفر طاب‏ (2) و برج الحاضر، و صار لهم من كفر طاب إلى الحاضر، و من حلب غربا سوى تلّ منس فإنّ أصحاب جناح الدّولة كانوا بها.

و سار رضوان عقيب هذه النّكبة إلى حمص مستنجدا بجناح الدّولة فأجابه، و عاد إلى حلب و معه جناح الدّولة، و قد عاد الفرنج إلى أنطاكية، فأقام جناح الدّولة بظاهر حلب أيّاما، فلم يلتفت إليه رضوان فعاد عنه إلى حمص.

و تجمع الفرنج بالجزر و سرمين و أعمال حلب و جمعوا العدد و الغلال لحصار حلب، و عولوا على حصارها في سنة خمس و تسعين، و قيل قبلها.

و وصل بيمند و طنكريد إلى قرب حلب فنزلوا المشرفة- من الجانب القبلي على نهر قويق- لما بلغهم من ضعف رضوان و تمزيق عسكره، و عزموا أن يبنوا مشهد الجفّ، و مشهد الدّكّة، و مشهد قرنبيا حصونا، و أن يقيموا على حلب و يستغلوا بلدها.

فأقاموا في تدبير ذلك يوما أو يومين فبلغهم خروج أنوشتكين‏

____________

(1)- انظر المدخل ص 392.

(2)- تبعد خرائب كفرطاب عن خان شيخون- الى الغرب منها- قرابة 3 كم.

358

الدّانشمند، و أنه قد نازل بعض معاقل الفرنج، و هي ملطية فعادوا للدّفع عنها.

فخرج الدّانشمند فلقي بيمند و جمعا من الفرنج بأرض مرعش فأسره، و قتل عسكره، و لم يفلت منهم أحد، فخيّب اللّه ظنّ الفرنج، و هربوا من أعمال حلب، و تركوا جميع ما كانوا أعدّوه، فخرج رضوان و أخذ الغلال التي جمعوها، و نزل سرمين.

و سار جناح الدّولة إلى أسفونا و به جماعة من الفرنج فهجمه و قتل جميع من فيه، و سار إلى سرمين فكبس عسكر الملك رضوان و نهبه؛ و انهزم رضوان و أكثر عسكره و أسر الوزير أبا الفضل بن الموصول و جماعة و حملهم إلى حمص.

و طلب الحكيم المنجّم الباطني فلم يظفر به، و كان هذا الحكيم قد أفسد ما بينه و بين رضوان و استمال رضوان إلى الباطنية جدّا، و ظهر مذهبهم في حلب، و شايعهم رضوان و حفظ جانبهم، و صار لهم بحلب الجاه العظيم و القدرة الزّائدة، و صارت لهم دار الدّعوة بحلب في أيامه، و كاتبه الملوك في أمرهم، فلم يلتفت و لم يرجع عنهم؛ فوصل هذا الحكيم حلب سالما في جملة من سلم في هذه الوقعة.

و استغلّ جناح الدّولة سرمين و معرّة النّعمان و كفر طاب و حماة، و فدى الوزير ابن الموصول نفسه من جناح الدولة بأربعة آلاف دينار، و فدى أصحاب الملك نفوسهم أيضا بمال حملوه إليه.

359

و لم يبق في أيدي المسلمين في سنة خمس و تسعين إلّا حصن بسرفوث‏ (1)- من عمل بني عليم- و تسلم دقاق الرّحبة في سنة ست و تسعين و أربعمائة، و كان المقيم بها زوج آمنة بنت قيماز (2)، و كان قيماز من أصحاب كربوقا فمات، و كانت الرّحبة له، و كان جناح الدّولة قد خرج إليها فوجد الأمر قد فات، فعاد و نزل النّقرة و خرج إليه رضوان إلى النقرة و اصطلحا، و أخذه معه إلى ظاهر حلب، و ضرب له خياما، و أقام في ضيافته عشرة أيام، و لم يصف قلب أحد منهما لصاحبه.

و سار جناح الدّولة إلى حمص فسيّر الحكيم المنجّم الباطني ثلاثة أعجام من الباطنّية فاغتالوه، و قد نزل يوم الجمعة الثاني و العشرين من شهر رجب، لصلاة الجمعة فقتلوه، و قتلوا بعض أصحابه و قتلوا، و قيل: إنّ ذلك كان بأمر رضوان و رضاه.

و بقي المنجّم الباطني بعده أربعة و عشرين يوما و مات، و قام بعده بأمر الدّعوة الباطنيّة بحلب رفيقه أبو طاهر الصّائغ العجميّ.

و وصل صنجيل الفرنجي و نزل حمص بعد قتل جناح الدّولة بثلاثة أيّام، فسيّرت زوجته خاتون أم الملك رضوان تستدعيه لتسلم إليه حمص و يدفع الفرنج، فكره المقدّمون ذلك، و خافوا منه لسوء رأيه فيهم، و سيّروا

____________

(1)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 138.

(2)- انظر ابن القلانسي ص 229.

360

إلى نواب دقاق إلى دمشق، و كان دقاق بالرّحبة فسار أيتكين الحلبي من دمشق و دخلها و طلع القلعة.

و وصل رضوان إلى القبّة (1) فبلغه الخبر و عاد و رحل صنجيل عنها بعد أن قرّر عليهم مالا، و وصل دقاق فتسلّم حمص و أحسن إلى أهلها و نقل أهل جناح الدّولة و أولاده إلى دمشق، و سلم حمص إلى طغتكين.

و سار والي عزاز و أغار على الجومة- و هي من عمل أنطاكية- فخرج عسكر أنطاكية و عسكر الرّها فنزلوا المسلميّة (2)، و قتلوا بعض أهلها، و قطعوا على عدّة مواضع قطائع أخذوها، و أقاموا ببلد حلب أياما، و راسلوا الملك رضوان.

و استقر الحال على سبعة آلاف دينار و عشرة رؤوس من الخيل، و يطلقون الأسرى ما خلا من أسروه على المسلمية من الأمراء، و ذلك في سنة ستّ و تسعين.

ثم خرج الفرنج من تلّ باشر، و أغاروا على بلد حلب الشمالي و الشّرقي، و أحرقوه، و تكرر ذلك منهم، و نزلوا على حصن بسرفوث، و فتحوه بالأمان، و وصلوا إلى كفرلاثا (3)، فكبسهم بنو عليم فانهزموا إلى بسرفوث.

____________

(1)- قبة ابن ملاعب «و هي حصن دثر في طرف بلد حلب، بينها و بين سلمية». معجم البلدان.

(2)- المسلمية من قرى منطقة جبل سمعان في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 15 كم.

(3)- بلدة من نواحي حلب بينهما يوم واحد. معجم البلدان.

361

و وقع بين الفرنج و بين سكمان و جكرمش وقعة عظيمة استظهر فيها المسلمون، و هلك الفرنج، و أسر القمص، و غنم المسلمون غنيمة عظيمة (1).

و كان الملك رضوان قد سار إلى الفرات ينتظر ما يكون من خبر الفرنج، فلما وصله الخبر أنفذ إلى الجزر و غيره من أعمال حلب الّتي في أيدي الفرنج، فأمرهم بالقبض على من عندهم من الفرنج، فوثب أهل الفوعة و سرمين، و معرّة مصرين و غيرها، ففعلوا ذلك.

و طلب بعض الفرنج الأمان من رضوان فأمّنهم من القتل، و حملهم أسرى، و لم يبق بأيدي الفرنج غير الجبل و «هاب» (2)، و حصون المعرّة، و كفر طاب، و صوران‏ (3).

فوصل شمس الخواص و فتح صوران، فهرب من كان بلطمين و كفر طاب و بلد المعرّة و البارة إلى أنطاكية، و سلّموها إلى رضوان و أصحابه ما خلا «هاب».

و استرجع رضوان بالس‏ (4) و الفايا ممن كان بهما من أصحاب جناح الدّولة

____________

(1)- لمزيد من التفاصيل انظر ابن القلانسي ص 232.

(2)- هاب قلعة عظيمة من العواصم. معجم البلدان.

(3)- ما تزال تحمل هذا الاسم تبعد عن حماه مسافة 18 كم إلى الشمال منها.

(4)- اسمها الآن مسكنة تبعد عن حلب مسافة 90 كم. و الفايا كورة بين منبج و حلب. معجم البلدان.

362

و جرى بحماة خلف؛ و خافوا من شمس الخواص، فكاتبوا رضوان، و سلّموها إليه و سلمية، فأمنت أعمال حلب و تراجع أهلها إليها و قوي جأش رضوان.

و اتّصلت غارات عسكر حلب إلى بلد أنطاكية، و عرف بيمند ضعفه عن حفظ البلد، و أنّه لم يفلت من وقعة سكمان إلا في نفر قليل، و خاف من المسلمين فصار إلى بلاده في البحر يستنجد بمن يخرج بهم إلى البلاد، و استخلف ابن أخته طنكريد يدبّر أمر أنطاكية و الرّها (1).

و مات الملك دقاق سنة سبع و تسعين في رمضان، و أوصى بالملك لولد له صغير اسمه تتش‏ (2)، و جعل التدبير إلى أتابك طغتكين، فتوجّه الملك رضوان نحو دمشق، و حاصرها، و قرّر له الخطبة و السكّة، فلم تستتب أموره و عاد إلى حلب.

ثم إنّه خرج في شهر رجب في سنة ثمان و تسعين، و جمع خلقا كثيرا، و عزم على قصد طرابلس معونة لفخر الملك بن عمّار على الفرنج النّازلين عليه.

و كان الأرمن الذين في حصن أرتاح قد سلّموه إلى الملك رضوان لجور الأفرنج، فخرج طنكريد من أنطاكية لاستعادة أرتاح، و خرج جميع من في‏

____________

(1)- أنطاكية نعم أما الرها فكانت دويلة قائمة بذاتها لها حاكمها.

(2)- انظر ترجمة دقاق منتزعة من تاريخ دمشق لابن عساكر. المدخل ص 386.

363

أعماله من الفرنج معه، و نزل عليها، فتوجّه نحوه رضوان في عساكره و جموعه و جميع من أمكنه من عمل حلب و الأحداث.

فلمّا تقاربا نشبت الحرب بين الفريقين فثبت راجل المسلمين و انهزمت الخيل، و وقع القتل في الرجالة فلم يسلم منه إلّا من كتب اللّه سلامته، و وصل الفلّ إلى حلب، و قتل من المسلمين مقدار ثلاثة آلاف ما بين فارس و راجل، و هرب من بأرتاح من المسلمين.

و قصد الفرنج بلد حلب فأجفل أهله، و نهب من نهب و سبى من سبى، و ذلك في الثالث من شعبان.

و اضطربت أحوال بلد حلب من ليلون إلى شيزر، و تبدّل الخوف بعد الأمن و السّكون، و هرب أهل الجزر و ليلون إلى حلب، فأدركهم خيل الفرنج فسبوا أكثرهم، و قتلوا جماعة.

و كانت هذه النّكبة على أعمال حلب أعظم من النّكبة الأولى على كلّا.

و نزل طنكريد على تلّ أعذى- من عمل ليلون- و أخذه و أخذ بقيّة الحصون الّتي في عمل حلب. و لم يبق في يد الملك رضوان من الأعمال القبلية إلّا حماة و من الغربيّة إلّا الأثارب، و الشّرقية و الشّمالية في يده، و هي غير آمنة.

و سيّر أبو طاهر الصّائغ الباطني جماعة من الباطنيّة من أهل سرمين إلى خلف بن ملاعب بتدبير رجل يعرف بابن القنج السّرميني، من دعاة الاسماعيلية، فقتلوه و وافقهم جماعة من أهل أفامية، و نقبوا سور الحصن، و دخلوا منه، و طلع بعضهم إلى القلّة فأحسّ بهم، فخرج فطعنه أحدهم‏

364

بخشت‏ (1) فرمى بنفسه، فطعن أخرى فمات؛ و نادوا بشعار الملك رضوان.

و وصل أبو طاهر الصّائغ إلى الحصن عقيب ذلك و أقام به، و سار طنكريد إلى أفامية، فقطع عليها مالا أخذه، و عاد فوصله مصبح بن خلف بن ملاعب و بعض أصحابه، فأطمعوه في أفامية، فعاد و نزلها، و حاصرها فتسلّمها في الثّالث عشر من محرّم من سنة خمسمائة بالأمان.

و قتل ابن القنج السّرميني بالعقوبة، و لم يف لأبي طاهر الصّائغ بالأمان، و حمله معه أسيرا فاشترى نفسه بمال، و دخل حلب.

و في سنة إحدى و خمسمائة، عصى ختلغ بقلعة عزاز، و استقرّ أن يسلّمها إلى طنكريد، و يعوّضه عنها موضعا غيرها، فسار رضوان إليها فتسلم عزاز منه.

و بلغ رضوان، في سنة إحدى و خمسمائة، ما ذكر به من مشايعة الباطنيّة، و أنّه لعن بذلك في مجلس السّلطان محمّد بن ملكشاه، فأمر أبا الغنائم ابن أخي ابن القنج الباطنيّ الذي عمل في قتل ابن ملاعب ما دبر الخروج من حلب فيمن معه، فانسلّ و خرج بجماعة من أصحابه بعد أن قتل أفراد منهم.

و في سنة إحدى- و قيل: اثنتين- و خمسمائة اجتمع جاولي سقاوه و جوسلين الفرنجي، على حرب طنكريد صاحب أنطاكية؛ و استنجد

____________

(1)- الخشت من أنواع النبل أو الخناجر.

365

طنكريد بالملك رضوان، فأمدّه بعسكر حلب و التقوا، فقتل من الفرنج جماعة.

و وصل إلى جاولي من أخبره أنّ الفرنج يريدون الاجتماع عليه فمال على أصحابه من الفرنج و قتل فيهم، و هرب بعد أن قتلهم عن آخرهم و هلك جميع رجالة طنكريد و أكثر خيله.

و عاد إلى أنطاكية و عاد عسكر حلب إلى رضوان، فتسلّم بالس من أصحاب جاولي، و خرج بيمند من بلاده و معه خلق عظيم، ثم عاد و توفي سنة أربع و خمسمائة، و كفي المسلمون شره.

و في سنة ثلاث و خمسمائة، كاتب السّلطان الأمير سكمان القطبي صاحب أرمينية و مودود صاحب الموصل، يأمرهما بالمسير إلى جهاد الفرنج، فجمعا و سارا، و وصل إليهما نجم الدّين إيلغازي بن أرتق في خلق كثير من التّركمان، فرحلوا إلى الرّها فنزلوا عليها و أحدقوا بها في شوّال من هذه السّنة.

فاتّفق الفرنج كلّهم، و أزالوا ما كان بينهم من الشّحناء، و كان المسلمون في جمع عظيم، فتصافى طنكريد و بغدوين و ابن صنجيل بعد النّفار، و قصدوا إنجاد من بها من الفرنج، و أحجموا عن العبور إلى الجانب الجزري لكثرة من به من عساكر المسلمين.

فاندفع المسلمون عن الرّها إلى حرّان ليعبر الفرنج و يتمكنوا منهم، و وصلهم عسكر دمشق.

366

فحين عبر الفرنج و بلغهم خبر المسلمين عادوا ناكصين على الأعقاب إلى شاطى‏ء الفرات، فنهض المسلمون في أثرهم، و أدركتهم خيول الإسلام، و قد عبر الأجلاد منهم، فغنم المسلمون جلّ سوادهم و أكثر أثقالهم، و استباحوهم قتلا و أسرا و تغريقا في الماء، و أقام المسلمون بإزائهم على الفرات.

و لما عرف الملك رضوان هزيمة الفرنج عن الرّها خرج ليتسلّم أعمال حلب الّتي كانت في أيدي الفرنج، و قاتل ما امتنع عليه منها، و أغار على بلد أنطاكية و غنم منها ما يجلّ قدره، و كان بينه و بينهم مهادنة نقضها.

و كاتب الفرنج رضوان يوهنون رأيه في نقض الهدنة، فلمّا تحقّق سلامة طنكريد و عوده رجع إلى حلب.

و عاد الفرنج من الفرات فقصدوا بلد حلب من شرقيّها، فقتلوا من وجدوا، و سبوا أهل النّقرة، و أخذوا ما قدروا عليه من المواشي.

و هرب النّاس نحو بالس، و عاد طنكريد، فنزل على الأثارب‏ (1)، و طيّب قلوب الفلّاحين من المسلمين، و أمّنهم، و نصب على الأثارب المناجيق و كبشا عظيما ينطح به شرفات الأسوار فيلقيها، فخرب أسوارها و كان يسمع نطحه من مسيرة نصف فرسخ،

و بذل رضوان لطنكريد في الموضع عشرين ألف دينار على أن يرحل فامتنع، و قال: «قد خسرت ثلاثين ألف دينار، فان دفعتموها إليّ و أطلقتم‏

____________

(1)- الأثارب من قرى محافظة حلب- منطقة جبل سمعان.

367

كلّ عبد بحلب منذ ملكت أنطاكية فأنا أرحل». فاستعظم ذلك و اتّكل على الحوادث.

و كان الّذي بقي في القلعة مقدار مائة دينار، و أخذها الخازن على وسطه، و هرب إلى الفرنج، و هرب جماعة أخر من المسلمين إليهم فكتبوا إلى الملك رضوان كتابا على جناح طائر يخبرونه بما تجدّد من قوّة الحصار و قلّة النفقة و قتل الرّجال، و أرسلوا الطّائر فسقط في عسكر الفرنج، فرماه أحدهم بنشّابة فقتله.

و حمل الكتاب إلى طنكريد، ففرح و قويت نفسه، و بذل رضوان المال المطلوب له على أن يكون أقساطا و يضع عليه رهائن فلم يفعل، و يئس من في الأثارب من نجدة تصل إليهم فسلّموها إلى طنكريد في جمادى الآخرة منها، و أمن أهلها و خرجوا منها.

ثم صالح رضوان على عشرين ألف دينار و عشرة رؤوس من الخيل، و قبضها و عاد إلى أنطاكية.

ثم عاد و خرج إلى الأثارب، و قد أدركت الغلّة، و ضعفت حلب بأخذ الأثارب ضعفا عظيما، و طلب من حلب المقاطعة التي قررها على حلب و أسرى من الأرمن كان رضوان أخذهم وقت إغارته على بلد أنطاكية، و الفرنج على الفرات، فأعادهم إليه، و طلب بعض خيل الملك رضوان فأعطاه، و طلب حرم الفلّاحين المسلمين من الأثارب، و كانوا وقت نزول طنكريد على الأثارب حصلوا بحرمهم في حلب فأخرجهنّ إليه.

368

و ضاق الأمر بأهل حلب، و مضى بعضهم إلى بغداد و استغاثوا في أيام الجمع، و منعوا الخطباء من الخطبة مستصرخين بالعساكر الإسلامية على الفرنج.

و قلّت المغلّات في بلد حلب، فباع الملك رضوان في يوم واحد ستّين خربة من بلد حلب لأهلها بالثّمن البخس، و طلب بذلك استمالتهم، و أن بلتزموا بالمقام بها بسبب أملاكهم، و هي ستّون خربة معروفة في دواوين حلب إلى يومنا هذا، غير ما باعه في غير ذلك اليوم من الأملاك‏ (1).

و لذلك يقال ان بيع الملك من أصحّ أملاك الحلبيين لأنّ المصلحة في بيعها كانت ظاهرة لاحتياج بيت المال إلى ثمنها، و لعمارة حلب ببقاء أهلها فيها بسبب أملاكهم.

و لما استصرخ الحلبيّون العساكر الاسلامية ببغداد و كسروا المنابر، جهّز السّلطان العساكر للذبّ عنهم، فكان أوّل من وصل مودود صاحب الموصل بعسكره إلى شبختان؛ ففتح تلّ قراد (2) و عدّة حصون.

و وصل أحمديل الكرديّ في عسكر ضخم و سكمان القطبي، و عبروا إلى الشّام فنزلوا تلّ باشر، و حصروها حتى أشرفت على الأخذ، و كان طنكريد قد أخذ حصن بكسرائيل‏ (3)، و توجّه مغيرا على بلد شيّزر و نازلها.

____________

(1)- أملاك بيت المال. المدخل ص 389.

(2)- تل قراد حصن في بلاد الأرمن قرب شبختان. معجم البلدان.

(3)- غير اسمه الآن إلى بني قحطان، كان يقع أمام جبلة. معجم البلدان.

369

و شرع في عمارة تلّ ابن معشر (1) و ضرب اللّبن و حفر الجباب ليودع بها الغلّة، فلما بلغه نزول عساكر السّلطان محمّد على تلّ باشر رحل عنها. و أمّا العساكر الإسلامية النازلة على تلّ باشر فانّ سكمان مات عليها- و قيل: بعد الرّحيل عنها- و أشرف المسلمون على أخذها فتطارح جوسلين الفرنجي صاحبها على أحمديل الكردي و حمل إليه مالا، و طلب منه رحيل العسكر عنه فأجابه إلى ذلك.

و كتب الملك رضوان إلى مودود و أحمديل و غيرهما: «إنني قد تلفت و أريد الخروج من حلب، فبادروا إلى الرّحيل»، فحسّن لهم أحمديل الرّحيل عنها بعد أن أشرفوا على أخذها، و رحلوا إلى حلب، فأغلق رضوان أبواب حلب في وجوههم، و أخذ إلى القلعة رهائن عنده من أهلها لئلّا يسلّموها.

و رتّب قوما من الجند و الباطنيّة الّذين في خدمته لحفظ السّور و منع الحلبيين من الصّعود اليه، و بقيت أبواب حلب مغلقة سبع عشرة ليلة.

و أقام النّاس ثلاث ليال ما يجدون شيئا يقتاتون به، فكثرت اللّصوص من الضّعفاء، و خاف الأعيان على أنفسهم.

و ساء تدبير الملك رضوان فأطلق العوامّ ألسنتهم بالسبّ له و تعييبه، و تحدثوا بذلك فيما بينهم، فاشتد خوفه من الرعية ان يسلموا البلد، و ترك الرّكوب بينهم.

____________

(1)- هو العشارنة في محافظة حماة في منطقة الغاب.

370

و ضبر (1) انسان من السّور فأمر به فضربت عنقه، و نزع رجل ثوبه و رماه إلى آخر فأمر به فألقي من السّور إلى أسفل، فعاث العسكر فيما بقي سالما ببلد حلب بعد نهب الفرنج له و سبيهم أهله.

و بثّ رضوان الحراميّة تتخطّف من ينفرد من العساكر فيأخذونه، فرحلوا إلى معرّة النّعمان في آخر صفر من سنة خمس و خمسمائة، و أقاموا عليها أياما و وجدوا حولها ما ملأ صدورهم ممّا يحتاجون إليه من الغلّات و ما عجزوا عن حمله.

و كان أتابك طغتكين قد حصل معهم، فراسل رضوان بعضهم حتى أفسد ما بينه و بينهم، فظهر لأتابك منهم الوحشة، فصار في جملة مودود صاحب الموصل، و ثبت له مودود، و وفى له.

و حمل لهم أتابك هدايا و تحفا من متاع مصر، و عرض عليهم المسير إلى طرابلس و المعونة لهم بالأموال، فلم يعرجوا؛ و سار أحمديل و برسق بن برسق و عسكر سكمان نحو الفرات، و بقي مودود مع أتابك، فرحلا من المعرّة إلى العاصي فنزلا على الجلالي.

فنزل الفرنج أفامية: بغدوين و طنكريد و ابن صنجيل، و ساروا لقصد المسلمين، فخرج أبو العساكر بن منقذ من شيزر بعسكره و أهله؛ و اجتمعوا بمودود و أتابك و ساروا إليهم.

____________

(1)- أي قفز.

371

و نزلوا قبلي شيزر و الفرنج شماليّ تلّ ابن معشر، و دارت خيول المسلمين حولهم و منعوهم الماء، و الأتراك حول الشرائع بالقسي تمنعهم الورد، فأصبحوا هاربين سائرين، يحمي بعضهم بعضا.

و وصل إلى حلب في هذه السّنة في شهر ربيع الأوّل من سنة خمس و خمسمائة، رجل فقيه تاجر كبير يقال له أبو حرب عيسى بن زيد بن محمد الخجندي، و معه خمسمائة جمل عليها أصناف التجارات، و كان شديدا على الباطنيّة أنفق أموالا جليلة على من يقاتلهم، و كان قد صحبه من خراسان باطنيّ يقال له أحمد بن نصر الرّازي و كان أخوه قد قتله رجال الخجندي.

فدخل أحمد إلى حلب، و مضى‏ (1) إلى أبي طاهر الصّائغ العجمي رئيس الباطنيّة بحلب، و كان متمكّنا من رضوان، فصعد إلى رضوان، و أطمعه في مال الفقيه أبي حرب، و أراه أنّه بري‏ء من التّهمة في بابه، إذ هو معروف بعداوة الباطنيّة.

فطمع رضوان في ماله و طار فرحا، و بعث غلمانا له يتوكّلوا به، و سيّر أبو طاهر الباطنيّ معه جماعة من أصحابه، فبينا أبو حرب الخجندي في غلمان له يستعرض أحماله و حوله جماعة من مماليكه و خدمه إذ هجم عليه أحمد بن نصر الرّازي في جماعة من أصحاب أبي طاهر الباطنيّ، فقال لغلمانه: «أليس هذا رفيقنا؟» فقالوا: «هو هو». فوقعوا عليه فقتلوه.

____________

(1)- في ترجمة رضوان- المدخل ص 390: «و استدل على أبي الفتح الصائغ رئيس الملاحدة بها».

372

و قتل الجماعة الّذين معه من أصحاب أبي طاهر الباطنيّ العجمي بأسرهم، ثم قال أبو حرب: «الغياث باللّه من هذا الباطنيّ الغادر، أمنّا المخاوف و رآنا إلى أن جئنا إلى الأمنة، فبعث علينا من يقتلنا».

فأخبر رضوان بذلك فأبلس، و صار السّنة و الشيعة إلى هذا الرجل، و أظهروا إنكار ما تمّ عليه. و عبث أحداثهم بجماعة من أحداث الباطنيّة فقتلوهم، و لم يتجاسر رضوان على إنكار ذلك.

و كاتب الفقيه أبو حرب أتابك طغتكين و غيره من ملوك الاسلام فتوافت رسلهم إلى رضوان ينكرون عليه، فأنكر و حلف أنه لم يكن له في هذا الرجل نيّة.

و خرج الرّجل عن حلب مع الرّسل فعاد إلى بلده، و مكث الناس يتحدّثون بما جرى على الرجل و نقص في أعين الناس، فتوثّبوا على الباطنيّة من ذلك اليوم.

ثم إنّ رضوان حين ضعف أمره بحلب رأى أن يستميل طغتكين أتابك إليه و يستصلحه، فاستدعاه إلى حلب عندما أراد أن ينزل طنكريد على قلعة عزاز، و بذل له رضوان مقاطعة حلب عشرين ألف دينار و خيلا و غير ذلك، فامتنع طنكريد من ذلك، فوصل طغتكين أتابك، و تعاهدا على مساعدة كلّ منهما لصاحبه بالمال و الرّجال.

و استقرّ الأمر على أن أقام طغتكين الدّعوة و السكّة لرضوان بدمشق، فلم يظهر منه بعد ذلك الوفاء بما تعاهدا عليه.

373

و مات طنكريد في سنة ستّ و خمسمائة، و استخلف ابن اخته روجار و أدّى إليه رضوان ما كان يأخذه منه طنكريد و هو عشرة آلاف دينار.

و وصل مودود إلى الشّام، و اتفق مع طغتكين على الجهاد، و طلب نجدة من الملك رضوان فتأخّرت إلى أن اتّفق للمسلمين وقعة استظهروا فيها على الفرنج، و وصل عقيبها نجدة للمسلمين من رضوان، دون المائة فارس، و خالف فيما كان قرّره و وعد به، فأنكر أتابك ذلك، و تقدّم بابطال الدّعوة و السكّة باسم رضوان من دمشق في أوّل ربيع الأوّل من سنة سبع و خمسمائة.

و كان رضوان يحب المال، و لا تسمح نفسه باخراجه حتّى كان أمراؤه و كتّابه ينبزونه بأبي حبّة، و هو الّذي أفسد أحواله و أضعف أمره.

و مرض رضوان بحلب مرضا حادّا و توفي في الثّامن و العشرين من جمادى الآخرة سنة سبع و خمسمائة، و دفن بمشهد الملك، فاضّطرب أمر حلب لوفاته و تأسّف أصحابه لفقده، و قيل: إنّه خلّف في خزانته من العين و الآلات و العروض و الأواني ما يبلغ مقداره ستّمائة ألف دينار.

و ملك حلب بعده ابنه ألب أرسلان، و يعرف بالأخرس، و عمره ستّ عشرة سنة، و أمّه بنت يغي سيان صاحب أنطاكية، و كان في كلامه حبسة و تمتمة فلذلك عرف بالأخرس، و كان متهورا قليل العقل، و وضع عن أهل حلب ما كان والده جدّده عليهم من الرّسوم و المكوس.

و قبض على أخويه ملك شاه و مبارك، و كان مبارك من جارية و ملك‏

374

شاه من أمّه، فقتلهما، و كذلك فعل أبوه رضوان بأخويه؛ فانظر إلى هذه المقابلة العجيبة، و قبض جماعة من خواصّ والده فقتل بعضهم، و أخذ أموال الآخرين.

و كان المتولّي لتدبير أموره خادم لأبيه يقال له لؤلؤ اليايا، و هو الذي أنشأ خانكاه‏ (1) البلاط بحلب، و كان قبل وصوله إلى رضوان خادما لتاج الرّؤساء ابن الخلّال، فدبر أسوأ تدبير مع سوء تدبيره في نفسه.

و كان أمر الباطنيّة قد قوي بحلب في أيّام أبيه، و تابعهم خلق كثير على مذهبهم طلبا لجاههم، و صار كلّ من أراد أن يحمي نفسه من قتل أو ضيم التجأ إليهم.

و كان حسام الدّين بن دملاج وقت وفاة رضوان بحلب، فصاروا معه، و صار ابراهيم العجمي الدّاعي من نوّابه في حفظ القليعة بظاهر بالس.

فكتب السّلطان محمّد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان و قال له: «كان والدك يخالفني في الباطنيّة، و أنت ولدي فأحبّ أن تقتلهم».

و شرع الرّئيس ابن بديع متقدّم الأحداث في الحديث مع ألب أرسلان في أمرهم، و قرّر الأمر معه على الإيقاع بهم، و النكاية فيهم، فساعده على ذلك.

____________

(1)- بقاياها في سوق الصابون بحلب. انظر الآثار الإسلامية و التاريخية في حلب ص 251- 253.

375

فقبض على أبي طاهر الصائغ و قتله، و قتل اسماعيل الدّاعي و أخا الحكيم المنجّم و الأعيان من أهل هذا المذهب بحلب، و قبض على زهاء مائتي نفس منهم.

و حبس بعضهم و استصفى أموالهم، و شفع في بعضهم فمنهم من أطلق و منهم من رمي من أعلى القلعة، و منهم من قتل. و أفلت جماعة منهم فتفرّقوا في البلاد، و هرب إبراهيم الدّاعي من القليعة إلى شيزر، و خرج حسام الدين بن دملاج عند القبض عليهم فمات في الرقة.

و طلب الفرنج من ألب أرسلان المقاطعة التي لهم بحلب، فدفعها إليهم من ماله، و لم يكلّف أحدا من أهل حلب شيئا منها.

ثمّ إنّ ألب أرسلان رأى أن المملكة تحتاج إلى من يدبّرها أحسن تدبير، و أشار خدمه و أصحابه عليه بأن كاتب أتابك طغتكين أمير دمشق، و رغب في استعطافه، و سأله الوصول إليه ليدبر حلب و العسكر، و ينظر في مصالح دولته، فأجابه إلى ذلك، و رأى موافقته لكونه صبيا لا يخافه الكفّار و لا رأي له، فدعا له على منبر دمشق بعد الدّعوة للسّلطان و ضربت السّكة باسمه، و ذلك في شهر رمضان.

و أوجبت الصّورة أن يخرج ألب أرسلان بنفسه في خواصّه، و قصد أتابك إلى دمشق ليجتمع معه، و يؤكد الأمر بينه و بينه، فلقيه أتابك على مرحلتين، و أكرمه و وصل معه و أنزله بقلعة دمشق.

و بالغ في إكرامه و خدمته و الوقوف على رأسه، و حمل إليه دست ذهب‏

376

و طيرا مرصّعا و عدّة قطع ثمينة، و عدّة من الخيل، و أكرم من كان في صحبته‏ (1).

و أقام بدمشق أيّاما و سار في أوّل شوّال عائدا إلى حلب، و معه أتابك و عسكره، فأقام عنده أياما و استخلص كمشتكين البعلبكي مقدّم عسكره، و كان قد أشار عليه بعض أصحابه بقبضه، و قبض جماعة من أعيان عسكره و قبض الوزير أبي الفضل بن الموصول، ففعل ذلك؛ فاستوهب أتابك منه كمشتكين فوهبه إيّاه.

و قبض على رئيس حلب صاعد بن بديع، و كان وجيها عند أبيه رضوان، فصادره بعد التّضييق عليه حتى ضرب نفسه في السجن بسكين ليقتل نفسه، ثمّ أطلقه بعد أن قرّر عليه مالا، و أخرجه و أهله من حلب، فتوجّه إلى مالك بن سالم إلى قلعة جعبر.

و سلّم رئاسة حلب إلى ابراهيم الفراتي، فتمكّن و لقّب و نوّه باسمه، و إليه تنسب عرصة ابن الفراتي بالقرب من باب العراق بحلب، ثمّ رأى أتابك من سوء السيرة و فساد التدّبير مع التقصير في حقّه و الاعراض عن مشورته ما أنكره، فعاد من حلب إلى دمشق، و خرجت معه أمّ الملك رضوان هربا منه.

و ساءت سيرة ألب أرسلان، و انهمك في المعاصي و اغتصاب الحرم‏

____________

(1)- انظر تاريخ دمشق لابن القلانسي ص 302- 303. ترجمة ألب أرسلان المنتزعة من بغية الطلب- في ملاحق الجزء الأول من المدخل ص 294- 297.

377

و القتل‏ (1)، و بلغنا أنّه خرج يوما إلى عين المباركة متنزها، و أخذ معه أربعين جارية، و نصب خيمة، و وطئهنّ كلّهن.

و استولى لؤلؤ اليايا على الأمر، فصادر جماعة من المتصرّفين، و أعاد الوزارة إلى أبي الفضل بن الموصول، و جمع ألب أرسلان جماعة من الأمراء، و أدخلهم إلى موضع بالقلعة شبيه بالسّرداب لينظروه، فلمّا دخلوا اليه قال لهم: «ايش تقولون في من يضرب رقابكم كلكم ههنا؟» فقالوا: «نحن مماليكك و بحكمك». و أخذوا ذلك منه بطريق المزاح، و تضرّعوا له حتى أخرجهم.

و كان فيهم مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر فلمّا نزل سار عن حلب و تركها خوفا على نفسه.

و خاف منه لؤلؤ اليايا فقتله بفراشه بالمركز بقلعة حلب، في شهر ربيع الآخر من سنة ثمان و خمسمائة، و ساعده على ذلك قراجا التركي و غيره.

و لزم لؤلؤ اليايا قلعة حلب و شمس الخواصّ في العسكر، و نصب لؤلؤ أخا له صغيرا عمره ست سنين، و اسمه سلطان شاه بن رضوان، و تولّى لؤلؤ تدبير مملكته، و جرى على قاعدته في سوء التّدبير.

و كاتب لؤلؤ و مقدّمو حلب أتابك طغتكين و غيره يستدعونهم إلى حلب لدفع الفرنج عنها، فلم يجب أحد منهم إلى ذلك.

____________

(1)- الذي أبلغ ابن العديم هذا هو بدران بن حسين بن مالك بن سالم العقيلي. المدخل ص 295.

378

و من العجائب أن يخطب الملوك لحلب فلا يوجد من يرغب فيها، و لا يمكنه ذبّ الفرنج عنها، و كان السبب في ذلك أنّ المقدّمين كانوا يريدون بقاء الفرنج ليثبت عليهم ما هم فيه.

و قلّ الربيع ببلد حلب لاستيلاء الفرنج على أكثر بلدها و الخوف على باقيه، و قلّت الأموال و احتيج إليها لصرفها إلى الجند، فباع لؤلؤ قرى كثيرة من بلد حلب، و كان المتولّي بيعها القاضي أبا غانم محمّد بن هبة اللّه بن أبي جرادة قاضي حلب، و لؤلؤ يتولّى صرف أثمانها في مصالح القلعة و الجند و البلد.

و قبض لؤلؤ على الوزير أبي الفضل بن الموصول، و استأصل ماله، و سار إلى القلعة فأقام عند مالك بن سالم، و استوزر أبا الرّجاء بن السّرطان الرحبي مدّة، ثم صادره و ضربه، و طلب أبا الفضل بن الموصول فأعاده إلى الوزارة بحلب.

و جاءت زلزلة عظيمة ليلة الأحد ثامن و عشرين من جمادى الآخرة من سنة ثمان بحلب و حرّان و أنطاكية و مرعش و الثّغور الشامية، و سقط برج باب أنطاكية الشّمالي و بعض دور العقبة و قتلت جماعة.

و خربت قلعة عزاز، و هرب واليها إلى حلب، و كان بينه و بين لؤلؤ مواحشة، فحين وصل إلى حلب قتله و أنفذ إليها من تداركها بالعمارة و التّرميم، و خرب شي‏ء يسير في قلعة حلب، و خرب أكثر قلعة الأثارب و زردنا.

379

و قيل: إنّ مؤذن مسجد عزاز كان حارسا بالقلعة، فحرس و نام على برج المسجد بالقلعة، فلما جاءت الزّلزلة ألقته على كتف الخندق و هو نائم لم يعلم بها، فاجتاز به جماعة فظنّوه ميّتا، فأخذوا عنه اللّحاف فانتبه و سألهم فأخبروه بما جرى.

و صار شمس الخواصّ مقدّم عسكر حلب، و متولّي أقطاع الجند، و كانت سيرته إذ ذاك صالحة، و كان لؤلؤ في أوّل أمره مقيما بقلعة حلب لا ينزل منها و يدبّر الأمور، فكتب إلى السّلطان على سبيل المغالطة يبذل له تسليم حلب و الخزائن التي خلّفها رضوان و ولده ألب أرسلان، و يطلب إنفاذ العساكر إليه.

فوصل برسق بن برسق مقدّم الجيوش و منكوبرس‏ (1) و غيرهم من أمراء السّلطان في سنة تسع و خمسمائة، فتغيّرت نيّة لؤلؤ الخادم عمّا كان كتب به إلى السّلطان، و كتب إلى أتابك طغتكين يستصرخه و يستنجده، و وعده تسليم حلب اليه، و أن يعوّضه طغتكين من أعمال دمشق، فبادر إلى ذلك‏ (2).

و وصل حلب، و العساكر السّلطانيّة ببالس متوجّهين إلى حلب فرحلوا

____________

(1)- كذا بالأصل و جاء في الكامل لابن الأثير ج 8 ص 271: «برسق بن برسق صاحب همذان و معه الأمير جيوش بك و الأمير كنتغدي».

(2)- لم يذكر ابن القلانسي هذا الخبر لكن أكده ابن الأثير ج 8 ص 271 مع المزيد من التفاصيل الهامة.

380

منها إلى المعرّة، و وصلهم الخبر أنّ ذلك اليوم وصل أتابك إلى حلب فأعرضوا عن حلب، و ساروا إلى حماة فتسلّموها.

و تسلّموا رفنية (1) من أولاد علي كرد، و سلّموها إلى خير خان بن قراجا، فخاف طغتكين من عساكر السلطان أن يقصد دمشق، فأخذ عسكر حلب، و شمس الخواص، و ايلغازي بن أرتق، و استنجد بصاحب أنطاكية روجار و غيره من ملوك الفرنج و نزلوا أجمعين أفامية.

و نزلت العساكر السّلطانية أرض شيزر، و جعل أتابك يريّث الفرنج عن اللّقاء خوفا من الفرنج أن يكسروا العساكر السّلطانية فيأخذوا الشّام جميعه، أو ينكسروا فتستولي العساكر السّلطانية على ما في يده.

و خاف الفرنج و ضاقت صدور أمراء عسكر السّلطان من المصابرة، فرحلوا و نزلوا حصن الأكراد و أشرف على الأخذ، فاتّفق أتابك و الفرنج على عود كلّ قوم إلى بلادهم، ففعلوا ذلك.

و توّجه أتابك إلى دمشق، و عاد عسكر حلب و شمس الخواص إلى حلب، فقبض عليه لؤلؤ الخادم و اعتقله فعادت عساكر السّلطان حينئذ عن حصن الأكراد، و ساروا إلى كفر طاب، و حصروا حصنا كان الفرنج عمروه بجامعها و أحكموه، فأخذوه و قتلوا من فيه، و رحلوا إلى معرّة النّعمان.

____________

(1)- ما تزال بقايا رفنية قائمة قرب بلدة بعرين (بارين) على الطريق الذي يصل مصياف بحمص، هذا و ما أورده كل من ابن القلانسي ص 306 و ابن الأثير ج 8 ص 272 بشأن رفنية يحالف رواية ابن العديم هذه، و يوضح ابن الأثير أن الذي استولى عليه عسكر السلطان ثم آل إلى خير خان هو مدينة حماه، و هو الصحيح.

381

و أمن الترك و انتشروا في أعمال المعرّة و اشتغلوا بالشّرب و النّهب و وقع التّحاسد فيما بينهم، و وصل رسول من بزاعا من جهة شمس الخواص يستدعيهم لتسليم بزاعا، و يقول إنّ شمس الخواص مقبوض عليه عند لؤلؤ الخادم، و لؤلؤ يكشف أخبار العساكر و يطالع بها الفرنج، و رحل برسق و جامدار صاحب الرّحبة نحو دانيث‏ (1) يطلبون حلب، فنزل جامدار في بعض الضّياع.

و وصل برسق بالعسكر إلى دانيث بكرة الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر، و الفرنج يعرفون أخبارهم ساعة فساعة، فوصلهم الفرنج؛ و قصدوا العسكر من ناحية جبل السّماق، و العسكر على الحال التي ذكرناها من الانتشار و التفرّق، فلم يكن لهم بالفرنج طاقة، فانهزموا من دانيث إلى تلّ السّلطان‏ (2).

و استتر قوم في الضّياع من العسكر فنهبهم الفلّاحون و أطلقوهم، و غنم أهل الضّياع ممّا طرحوه وقت هزيمتهم ما يفوت الإحصاء، و أخذ الكفّار من هذا ما يفوت الوصف، و غنموا من الكراع و السّلاح و الخيام و الدّوابّ و أصناف الآلات و الأمتعة ما لا يحصى، و لم يقتل مقدّم و لا مذكور.

____________

(1)- دانيث بلد من أعمال حلب بين حلب و كفر طاب. معجم البلدان.

(2)- تل السلطان موضع بينه و بين حلب مرحلة نحو دمشق، و فيه خان و منزل للقوافل و هو المعروف بالفنيدق. معجم البلدان. و يبعد تل السلطان عن ادلب 47 كم.

382

و قتل من المسلمين نحو خمسمائة و أسر نحوها و اجتمع العسكر على تلّ السّلطان، و رحلوا إلى النّقرة مخذولين مختلفين، و نزلوا النّقرة؛ و كان أونبا (1) قد طلع أصحابه إلى حصن بزاعا، و كان قد تقدّم العسكر إليها، فلمّا بلغهم ذلك نزلوا و وصلوا إلى العسكر.

و توجّهت العساكر إلى السّلطان و إلى بلادهم، و وصل طغتكين من دمشق فتسلم رفنية (2) ممّن كانوا بها، و أطلق لؤلؤ شمس الخواص من الاعتقال، و سلّم إليه ما كان أقطعه من بزاعا و غيرها، فوصل إلى طغتكين فردّ عليه رفنية، و عاد إلى دمشق و استصحبه معه.

و أما لؤلؤ الخادم فانّه صار بعد ملازمة القلعة ينزل منها في الأحيان و يركب، فاتّفق أنّه خرج في سنة عشر و خمسمائة بعسكر حلب و الكتاب إلى بالس، و هو في صورة متصيّد، فلمّا وصل إلى تحت قلعة نادر قتله الجند (3).

و اختلف في خروجه، فقيل: إنّه كان حمل مالا إلى قلعة دوسر، و أودعه عند ابن مالك فيها، و أراد ارتجاعه منه و العود إلى حلب، و كان السّلطان قد أقطع حلب و الرّحبة أق سنقر البرسقي‏ (4)، فواطأ جماعة من‏

____________

(1)- كذا و عند ابن الأثير ج 8 ص 272 «جيوش بك».

(2)- يتوافق هذا مع ما أورده ابن القلانسي ص 306 و ابن الأثير ص 272.

(3)- في ترجمة ألب أرسلان بن تتش روى ابن العديم «فلما وصل إلى دير حافر»، و أورد ابن الأثير ج 8 ص 279 أنه قتل سنة 511 ه و أعطى المزيد من التفاصيل، و من أجل قلعة نادر و هي قرب بالس انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 2 ص 25. هذا و دير حافر مركز ناحية تابعة لمنطقة الباب في محافظة حلب، و يبعد عن حلب مسافة 50 كم.

(4)- للبرسقي ترجمة جيدة في بغية الطلب ص 1963- 1970.

383

أصحابه على أن أظهروا مفارقته، و خدموا لؤلؤا و صاروا من خواصه، و واطأهم على قتل لؤلؤ، و أمّل أنّهم إذا قتلوه تصحّ له أقطاع حلب فقتلوه.

و سار بعضهم إلى الرّحبة فأعلمه، فأسرع أق سنقر البرسقي المسير إلى حلب من الرّحبة، و انضاف بعض عسكره إلى بقيّة القوم الّذين قتلوه، و طمعوا في أخذ حلب لأنفسهم، و ساروا إليها فسبقهم ياروقتاش الخادم- أحد خدم الملك رضوان- و دخل حلب.

و قيل: إنّ لؤلؤا كان قد خاف فأخذ أمواله، و خرج طالبا بلاد الشّرق للنجاة بأمواله، فلمّا وصل إلى قلعة نادر قال سنقر الجكرمشيّ: «تتركونه يقتل تاج الدّولة و يأخذ الأموال و يمضي!» و صاح بالتّركية: «أرنب أرنب» فضربوه بالسهام فقتلوه.

و لمّا خرج عن حلب أقامت القلعة في يد آمنة خاتون بنت رضوان يومين إلى أن وصل ياروقتاش‏ (1) الخادم مبادرا فدخل حلب و نزل بالقصر، و أخرج عسكر حلب، و أوقع بالّذين قتلوا لؤلؤا، و ارتجع ما كان أخذوه من عسكر حلب و انهزم بعض من كان في النّوبة فالتقوا أق سنقر في بالس في أوّل محرّم سنة إحدى عشرة و خمسمائة.

و لم يتسهّل للبرسقي ما أمّل و راسل أهل حلب و من بها في التّسليم إليه فلم يجيبوه إلى ذلك.

____________

(1)- ياروقتاش هو شمس الخواص المتقدم ذكره، انظر ابن الأثير ج 8 ص 279.

384

و كاتب ياروقتاش الخادم نجم الدّين إيلغازي بن أرتق ليصل من ماردين و يدفع أق سنقر، و كاتب روجار صاحب أنطاكية أيضا فوصل إلى بلد حلب، و أخذ ما قدر عليه من أعمال الشّرقية، فحينئذ أيس البرسقيّ من حلب، و انصرف من أرض بالس إلى حمص فأكرمه خير خان صاحبها، و سار معه إلى طغتكين إلى دمشق فأكرمه، و وعده بانجاده على حلب.

و هادن ياروقتاش صاحب أنطاكية روجار، و حمل إليه مالا و سلّم إليه حصن القبّة، و رتّب مسير القوافل من حلب إلى القبلة عليه، و أن يؤخذ المكس منهم له.

ثم إنّ ياروقتاش طلع إلى قلعة حلب، و عزم على أن يعمل حيلة يوقعها بالمقدّمين و يملكها مثل لؤلؤ، فقبض عليه مقدّمو القلعة بأمر بنات رضوان بعد تمام شهر من ولايته، و أخرجوه من حلب و ولّوا في القلعة خادما من خدم رضوان.

و ردّ أمر سلطان شاه و تقدمة العسكر و تدبير الأمور إلى عارض الجيش العميد أبي المعالي المحسن بن الملحّى، فدبّر الأمور وساسها، و ضعفت حلب و قلّ ارتفاعها و خربت أعمالها.

و وصل إيلغازي بن أرتق إلى حلب فأنزلوه في قلعة الشّريف، و منعوه من القلعة الكبيرة، و استولى على تدبير الأمور و تربية سلطان شاه في سنة إحدى عشرة و خمسمائة، و سلّموا اليه بالس و القليعة.

385

و قبض على أبي المعالي بن الملحّى، و قصر ارتقاع حلب عما يحتاج إليه ايلغازي و التّركمان الذين معه، و لم ينتظم له حال، و استوحش من أهل حلب و جندها فخرج عنها إلى ماردين، و بقيت بالس و القليعة في يده، و أخرج ابن الملحّى من الاعتقال و أعيد إلى تدبير الأمور.

و أفسد الجند الّذين ببالس في أعمال حلب فاستدعوا الفرنج، و خرج بعض عسكر حلب و معهم قطعة من الفرنج و حصروها، فوصل إيلغازي في جمع من التركمان إليها، فعاد عسكر حلب و الفرنج عن بالس و باعها لابن مالك، و عاد إلى ماردين، و بقي تمرتاش ولده رهينة في حلب.

و وصل في هذه السّنة أتابك طغتكين و أق سنقر البرسقي إلى حلب، و راسل أهلها في تسليمها فامتنعوا من إجابته، و قالوا: «ما نريد أحدا من الشّرق» و أنفذوا و استدعوا الفرنج من أنطاكية لدفعه عنهم، فعاد أق سنقر إلى الرّحبة و أتابك إلى دمشق.

و اشتدّ الغلاء بأنطاكية و حلب، لأن الزّرع عرق و لحقه هواء عند إدراكه أتلفه، و هرب الفلّاحون للخوف، و استدعى أهل حلب ابن قراجا من حمص، فرتّب الأمور بها، و حصّنها، و سار إلى حلب، و نزل في القصر خوفا من إيلغازي لما كان بينهما (1).

و خرج أتابك إلى حمص، و نهب أعمالها و شعّثها، و أقام عليها مدّة، و عاد إلى‏

____________

(1)- كان خير خان قد أسر إيلغازي سنة ثمان و خمسمائة و ذلك أثناء نزوله على حمص. انظر ابن القلانسي ص 305.

386

دمشق لحركة الفرنج، و خرجت قافلة من حلب إلى دمشق فيها تجار و غيرهم، و حملوا ذخائرهم و أموالهم لما قد أشرف عليه أهل حلب، فلمّا وصلوا إلى القبّة نزل الفرنج إليهم، و أخذوا منهم المكس، ثم عادوا و قبضوهم و ما معهم بأسرهم، و رفعوهم إلى القبّة، و حملوا الرجال و النساء بعد ذلك إلى أفامية، و معرّة النّعمان، و حبسوهم ليقرّوا عليهم مالا.

فراسلهم أبو المعالي بن الملحى و رغّبهم في البقاء على الهدنة و أن لا ينقضوا العهد، و حمل إلى صاحب أنطاكية مالا و هدّية، فردّ عليهم الأحمال و الأثقال و غير ذلك، و لم يعدم منه شي‏ء.

و قوي طمع الفرنج في حلب لعدم النجد و ضعفها، و غدروا و نقضوا الهدنة، و أغاروا على بلد حلب، و أخذوا مالا لا يحصيه إلّا اللّه، فراسل أهل حلب أتابك طغتكين، فوعدهم بالإنجاد، فكسره جوسلين و عساكر الفرنج، و راسلوا صاحب الموصل و كان أمره مضطربا بعد عوده من بغداد.

و نزل الفرنج بعد عودهم من كسرة أتابك على عزاز، و ضايقوها و أشرفت على الأخذ، و انقطعت قلوب أهل حلب إذ لم يكن بقي لحلب معونة إلّا من عزاز و بلدها، و بقيّة بلد حلب في أيدي الفرنج، و الشرقيّ خراب مجدب، و القوت في حلب قليل جدا، و مكوك الحنطة بدينار، و كان إذ ذاك لا يبلغ نصف مكوك بمكّوك حلب الآن، و ما سوى ذلك مناسب له.

و يئس أهل حلب من نجدة تصلهم من أحد من الملوك، فاتّفق رأيهم‏

387

على أن سيّروا الأعيان و المقدّمين إلى إيلغازي بن أرتق، و استدعوه ليدفع الفرنج عنهم و ظنّوا أنّه يصل في عسكر يفرّج به عنهم، و ضمنوا له مالا يقسطونه على حلب يصرفه إلى العساكر.

فوصل في جند يسير و المدبّر لحلب جماعة من الخدم؛ و القاضي أبو الفضل بن الخشّاب هو المرجوع إليه في حفظ المدينة و النظر في مصالحها؛ فامتنع عليه البلد، و اختلفت الآراء في دخوله، فعاد فلحقه القاضي أبو الفضل بن الخشّاب و جماعة من المقدّمين، و تلطّفوا به و لم يزالوا به حتّى رجع.

و وصل إلى حلب، و دخلها، و تسلّم القلعة، و أخرج منها سائر الجند و أصحاب رضوان و أنزل سلطان شاه بن رضوان و بنات رضوان في دار من دور حلب.

و قبض على جماعة ممّن كان يتعلّق بالخدم و يخدمهم، و أخذ منهم ما كان صار إليهم من مال رضوان و مال الخدم الّذين استولوا على حلب بعده.

و راسل الفرنج في مال يحمله عن عزاز ليرحلوا عنها، فلم يلتفتوا لقوّة أطماعهم في أمر الاسلام؛ و كان إيلغازي يعجز بحلب عن قوت الدّواب، و حلب على حدّ التّلف.

فلما عرف من بعزاز ذلك و يئسوا من دفع الفرنج سلّموها إلى الفرنج، و راسلهم من بحلب في صلح يستأنفونه معهم، فأجابوا إلى ذلك لطفا من‏

388

اللّه بهم، على أن يسلّموا إلى الفرنج تلّ هراق و يؤدّون القطيعة المستقرّة على حلب عن أربعة أشهر، و هي ألف دينار، و يكون لهم من حلب شمالا و غربا.

و زرعوا أعمال عزاز و قوّوا فلاحها و عادوا إلى أنطاكية و صار يدخل إلى حلب ما يتبلّغون به من القوت.

و سار إيلغازي إلى الشّرق ليجمع العساكر و يعود بها إلى حلب؛ و سارت الرّسل إلى ملوك الشّرق و التّركمان يستنجدونهم.

و كان ابن بديع رئيس حلب عند ابن مالك بقلعة دوسر، فنزل إلى إيلغازي ليطلب منه العود إلى حلب، فلمّا صار عند الزّورق ليقطع الماء إلى العسكر وثب عليه اثنان من الباطنيّة فضرباه عدّة سكاكين، و وقع ولداه عليهما فقتلاهما، و قتل ابن بديع و أحد ولديه و جرح الآخر، و حمل إلى القلعة فوثب آخر من الباطنيّة و قتله، و حمل الباطني ليقتل فرمى بنفسه في الماء و غرق. و توجّه إيلغازي إلى ماردين و معه أتابك، و راسلا من بعد و قرب من عساكر المسلمين و التّركمان، فجمعا عسكرا عظيما، و توجّه إيلغازي في عسكر يزيد عن أربعين ألفا في سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، و قطع الفرات من عبر بدايا و سنجه‏ (1).

و امتدت عساكره في أرض تلّ باشر و تلّ خالد و ما يقاربهما، يقتل‏

____________

(1)- سنجة نهر يجري بين حصن منصور و كيسوم و هما من ديار مضر، و على هذا النهر قنطرة عظيمة. معجم البلدان.

389

و ينهب و يأسر، و غنموا كلّ ما قدروا عليه، و وصل من رسل حلب من يستحثّه على الوصول لتواصل غارات الفرنج من جهة الأثارب و اياس أهلها من أنفسهم، فسار إلى مرج دابق ثمّ إلى المسلمية، ثمّ إلى قنّسرين في أواخر صفر من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة.

و سارت سراياه في أعمال الرّوج و الفرنج يقتلون و يأسرون، و أخذوا حصن قسطون في الرّوج، و جمع سرجال صاحب أنطاكية الفرنج و الأرمن و غيرهم، و خرج إلى جسر الحديد، ثمّ رحلوا و نزلوا بالبلاط بين جبلين، ممايلي درب سرمدا، شمالي الأثارب، و ذلك في يوم الجمعة التّاسع من شهر ربيع الأول.

و ضجر الأمراء من طول المقام، و إيلغازي ينتظر أتابك طغتكين ليصل إليه و يتفقا على ما يفعلانه، فاجتمعوا و حثّوا إيلغازي على مناجزة العدوّ فجدّد إيل غازي الأيمان على الأمراء و المقدّمين أن يناصحوا في حربهم، و يصابروا في قتال العدوّ، و أنّهم لا ينكلون و يبذلون مهجهم في الجهاد، فحلفوا على ذلك بنفوس طيبة.

و سار المسلمون جرايد، و خلّفوا الخيام بقنّسرين، و ذلك في يوم الجمعة السّادس عشر من شهر ربيع الأوّل، فباتوا قريبا من الفرنج و قد شرعوا في عمارة حصن مطلّ على تل عفرين و الفرنج يتوهّمون أن المسلمين ينازلون الأثارب أو زردنا، فما شعروا عند الصبح إلّا ورايات المسلمين قد أقبلت، و أحاطوا بهم من كل جانب.

390

و أقبل القاضي أبو الفضل بن الخشّاب يحرّض النّاس على القتال، و هو راكب على حجر (1) و بيده رمح؛ فرآه بعض العسكر فازدراه و قال: «إنّما جئنا من بلادنا تبعا لهذا المعمّم!» فأقبل على الناس، و خطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم، و استرهف هممهم بين الصفّين، فأبكى النّاس و عظم في أعينهم.

و دار طغان أرسلان بن دملاج من ورائهم و نزل في خيامهم، و قتل من فيها و نهبها، و ألقى اللّه النصر على المسلمين، و صار من انهزم من الفرنج و قصد الخيام قتل.

و حمل التّرك بأسرهم حملة واحدة من جميع الجهات صدقوهم فيها، و كانت السّهام كالجراد، و لكثرة ما وقع في الخيل و السّواد من السّهام عادت منهزمة و غلبت فرسانها، و طحنت الرّجالة و الأتباع و الغلمان بالسّهام، و أخذوهم بأسرهم أسرى.

و قتل سرجال في الحرب، و فقد من المسلمين عشرون نفرا منهم سليمان بن مبارك بن شبل، و سلم من الفرنج مقدار عشرين نفرا لا غير، و انهزم جماعة من أعيانهم.

و قتل في المعركة ما يقارب خمسة عشر ألفا من الفرنج، و كانت الوقعة يوم السبت وقت الظهر، فوصل البشير إلى حلب بالنّصر، و المصافّ قائم،

____________

(1)- الحجر: الأنثى من الخيل. القاموس.

391

و النّاس يصلّون صلاة الظهر بجامع حلب، سمعوا صيحة عظيمة بذلك من نحو الغرب، و لم يصل أحد من العسكر إلى نحو صلاة العصر.

و أحرق أهل القرى القتلى من الفرنج، فوجد في رماد فارس واحد أربعون نصل نشّاب، و نزل إيلغازي في خيمة سرجال، و حمل إليه المسلمون ما غنموه، فلم يأخذ منهم إلّا سلاحا يهديه لملوك الإسلام، و ردّ عليهم ما حملوه بأسره.

و لمّا حضر الأسرى بين يدي إيلغازي، كان فيهم رجل عظيم الخلقة مشتهرا بالقوّة، و أسره رجل ضعيف قصير قليل السّلاح، فلمّا حضر بين يدي إيلغازي قال له التركمان: «أما تستحي يأسرك مثل هذا الضّعيف و عليك مثل هذا الحديد؟» فقال: «و اللّه ما أخذني هذا، و لا هو مولاي و إنّما أخذني رجل عظيم أعظم مني و أقوى، و سلّمني إلى هذا؛ و كان عليه ثوب أخضر و تحته فرس أخضر» (1).

و تفرّقت عساكر المسلمين في بلد أنطاكية و السويدية و غيرهما يقتلون و يأسرون و ينهبون، و كانت البلاد مطمئنّة لم يبلغهم خبر هذه الوقعة، فأخذ المسلمون من السّبي و الغنائم و الدّواب ما يفوت الاحصاء. و لم يبق أحد من التّرك إلّا امتلأ صدره و يداه بالغنائم و السّبي.

و لقي بعض السّرايا بغدوين الرويس و ابن صنجيل في خيلهما بالقرب من جبلة، و قد توجها لنصره سرجال صاحب أنطاكية، فأوقع بهم التّرك،

____________

(1)- أي أن آسره كان من الملائكة.

392

و قتلوا جماعة و غنموا ما قدروا عليه، و انهزم بغدوين و ابن صنجيل، و تعلّقوا بالجبال.

و رحل إيلغازي إلى أرتاح، و بادر بغدوين فدخل أنطاكية، و سلّمت إليه أخته زوجة سرجال خزائنه و أمواله، و قبض على أموال القتلى و دورهم، و أخذها و زوّج نساء القتلى بمن بقي، و أثبت الخيل، و جمع و حشد و استولى على أنطاكية، و لو سبقه إيلغازي إلى أنطاكية لما امتنعت عليه.

و وصل أتابك إلى نجم الدّين بأرتاح، فعاد و نزل الأثارب، و هجم الرّبض و نهبه، و قتل من قدر عليه، و خرج أحداث من حلب و نهبوا حصنها فطلبوا الأمان فأمّنهم بعد أن استأخذت، و سيّرهم إلى مأمنهم.

و رحل منها إلى زددنا و كانوا قد حصّنوها و أحكموا عمارتها، و قاتلها فطلبوا الأمان فأمّنهم، و سيّرهم إلى أنطاكية فلقيهم بعض التّركمان، فنهبوهم و قتلوا بعضهم و مضوا إلى أهلهم.

و كان صاحب زردنا لمّا بلغه منازلتها، حمل بغدوين و الفرنج على الخروج لاستنقاذها، و قد عرفوا تفرّق التّركمان بالغنائم و عودهم إلى أهلهم، و أن إيلغازي في عدّة قليلة، فبلغه ذلك فجدّ في قتالها حتى أخدها- كما ذكرناه- و رتّب أصحابه بها، و توجّه بمن بقي معه و استصحب معه عسكر أتابك و طغان أرسلان بن دملاج جرايد إلى دانيث بعد أن ردّ الأثقال و الخيام إلى قنّسرين.

و وصل إلى دانيث في يومه، فوجد الفرنج قد نزلوها يوم فتحه زردنا في‏

393

مائتي خيمة و راجل كثير، و قيل إنّهم كانوا يزيدون على أربعمائة فارس سوى الرّجالة، و ذلك في رابع جمادى الأولى، و التقوا فحمل صاحب زردنا و أكثر خيل الفرنج على عسكر دمشق و حمص و بعض التركمان، فكشفوهم و انهزموا بين أيديهم، و سار ليتدارك أمر زردنا، و يكبس الأثقال و الخيام فعرف أخذها و تسيير الأثقال إلى قنّسرين فعاد.

و حمل بقيّة المسلمين على بغدوين و من كان معه، فقتلوهم و ردّوهم على أعقابهم، فحينئذ حمل إيلغازي و طغتكين و طغان أرسلان فيمن بقي من الخواصّ على الفرنج، فكسروهم و قتلوا أكثر الرّجالة و بعض الخيّالة، و تبعوهم إلى أن دخلوا إلى حصن هاب، و غنموا أكثر ما كان معهم.

و عاد نجم الدّين و طغتكين و طغان أرسلان إلى دانيث، فوجدوا صاحب زردنا و الفرنج قد عادوا بعد أن هزموا من كان بين أيديهم من المسلمين و معرفة أخذ المسلمين زردنا، فلقوهم و قتلوا منهم جماعة كثيرة، و انهزم الباقون إلى هاب، و عاد الترك بالظّفر و الغنيمة.

و حين بلغ من بقنّسرين مع الأثقال هزيمة من كان في مقابلة صاحب زردنا رحلوا إلى حلب، و انزعج أهل حلب غاية الانزعاج، فوصلهم البشير بعد ساعتين بما بدّل غمهم سرورا و همّهم حبورا.

و كان البشير من الفرنج قد مضى إلى بلادهم و أخبر بكسرة صاحب زردنا للمسلمين، فزيّنوا بلادهم، و أظهروا فيها الجذل و المسرّة فوصل ابن‏

394

صنجيل من الكسرة بعد ذلك، فانقلب سرورهم حزنا و راحتهم تعبا و عناء.

و كان صاحب زردنا، و هو القومص الأبرص و اسمه رونارد (1)، قد سقط عن فرسه، فأدركه قوم من أهل جبل السمّاق من أهل مريمين‏ (2)، فقبضوه و حملوه إلى إيلغازي بظاهر حلب، فأنفذه إلى أتابك طغتكين، فقتله صبرا.

ثم دخل إيلغازي إلى حلب، و أحضر الأسرى فأفرد أصحاب القلاع و المقدّمين و ابن بيمند صاحب أنطاكية و رسول ملك الروم و نفرا يسيرا ممّن كان معه مال فأخذه و أطلقهم، و بقي من الأسرى نيّف و ثلاثون رجلا بذلوا من المال ما رغب عنه، فقتلهم بأسرهم.

و توجّه من حلب إلى ماردين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة و خمسمائة، ليجمع من التّركمان من يعود به إلى بلد حلب، و كانت حلب ضعيفة عن مقامه فيها، فخرج الفرنج إلى بلد المعرة، فسبوا جماعة، و أدركهم جماعة من التّرك فرجعوا (3).

ثم خرج بغدوين من أنطاكية في عسكره و نزل على زور، غربيّ البارة- و هو حصن كان لابن منقذ و سلّمه إليهم- و لما جرت الوقعة الأولى‏

____________

(1)- رينوماسيور. انظر حوله وليم الصوري ج 1 ص 582.

(2)- مريمين من قرى منطقة جسر الشغور محافظة أدلب و تبعد عن ادلب 85 كم.

(3)- قارن وليم الصوري ج 1 ص 579- 582.

395

على البلاط عاد و أخذه، فقاتله بغدوين، و أخذه في جمادى الأولى، و أطلق من كان فيه.

و رحل إلى كفر روما (1) فأخذ حصنها بالسّيف، و قتل جميع من كان فيه، و وصلوا إلى كفر طاب، و قد أحرق ابن منقذ حصنها، و أخذ رجاله منه خوفا منهم، فرمّموه، و رتّبوا رجالهم فيه، و ساروا إلى سرمين و معرّة مصرين فتسلّموها بالأمان، ثم نزلوا زردنا، و رحلوا عنها إلى أنطاكية.

و مع هذا فغارات عسكر حلب متواصلة على ما يقرب منهم، و تعود بالظّفر و الغنيمة.

و وصل جوسلين إلى بغدوين خاله وقت أخذه سرمين، فأقطعه الرّها و تلّ باشر، و سيّره إليهما، فأسرى إلى وادي بطنان دفعتين، و إلى ما يلي الفرات من جهة الشّام، و قتل و سبى ما يقارب ألف نفس، و أغار جوسلين على منبج و النّقرة و أعمال حلب الشرقية، و أخذ كلّ ما وجده من [دواب‏]، و أسر رجالا و نساء، و أسرى إلى الرّاوندان‏ (2) يتبع طائفة من التّركمان كانت قطعت الفرات، فاقتتلوا فانهزم الفرنج و قتل منهم جماعة.

و في صفر من سنة أربع عشرة و خمسمائة، وقعت مشاحنة بين والي الأثارب بلاق بن اسحاق صاحب نجم الدين إيلغازي و بين الفرنج فأسرى و معه جماعة من عسكر حلب إلى أنطاكية، فلقيهم عسكر أنطاكية

____________

(1)- كفر روما قرية من قرى معرة النعمان. معجم البلدان.

(2)- الراوندان قلعة حصينة من نواحي حلب. معجم البلدان.

396

فكسرهم، و عاد فتبعه الفرنج و التقوا ما بين ترمانين‏ (1) و تلّ أعذى، من فرضة ليلون.

و وصل في هذه السّنة إيلغازي بجمع كثير من التركمان، و قطع الفرات في الخامس و العشرين من صفر، و توجّه إلى تلّ باشر، و أقام أياما و لم يقاتلها، و رحل إلى عزاز يريد أخذها، و لم يمكّن أحدا من التركمان من تشعيث ضياعها، و رحل إلى أنطاكية و أقام عليها يوما واحدا، و أقام في أعمال الرّوم أياما يسيرة.

ثم خرج إلى قنسرين فتشوشّت قلوب التركمان لأنهم أمّلوا من الغنائم مثل السّنة الخالية، و لم يقاتل بهم حصنا، و لا غنموا شيئا، و باع الأسرى الّذين أسرهم في الوقعة الأولى، فعادوا إلى بلادهم، و بالغوا في التشفّي من المسلمين و القتل و السّبي.

و جرى من نجم الدين إساءة إلى بعض التركمان على شي‏ء أنكره عليهم، فبالغ في هوانهم و حلق لحى بعضهم، و قطع أعصابهم، فتفرّق عسكره و بقي نفر يسير متفرّقين في أعمال حلب.

فطمع الفرنج و خرجوا إلى دانيث، فوصل طغتكين و عسكر دمشق، و اجتمعوا مع إيلغازي في عسكر يقاوم الفرنج، فساروا إلى الفرنج، و هم في ألف فارس و راجل كثير، فدار التّرك حولهم فلم يخرج منهم أحد، و كرهوا

____________

(1)- ترمانين الآن أحدى قرى منطقة حارم، محافظة ادلب، و تبعد عن ادلب مسافة 76 كم.

397

أن يعودوا على أعقابهم فتكون هزيمة، فساروا نحو معرّة مصرين لا ينفرد منهم فارس و لا راجل.

و أشرف التّرك على أخذهم، و من خرج منهم قتل، و من وقفت دابّته تركها و أخذت، و لا يقدرون على الماء و هم على حالة الهلاك، و إيلغازي و طغتكين يردّان الناس عنهم بالعصا، فنزلوا بقرب معرّة مصرين، و عاد التّرك عنهم إلى حلب، و عادوا إلى أنطاكية. (1)

و صالحهم إيلغازي إلى آخر سنة أربع عشرة، على أنّ لهم المعرّة و كفرطاب و الجبل و البارة، و ضياعا من جبل السّمّاق برسم هاب، و ضياعا من ليلون برسم تل أعذى، و ضياعا من بلد عزاز برسم عزاز.

و سار نجم الدّين إيلغازي إلى ماردين ليجمع العساكر، و هدم إيلغازي زردنا في شهر ربيع الأوّل، و كان أهل حلب قد شكوا إليه تجديد رسوم جدّدت عليهم في أيّام رضوان، لم تجر بها عادة في دولة العرب و لا دولة المصريّين و لا في أيّام أق سنقر، فأمر بكشف مقدارها، فأخبر أنّها مبلغ اثني عشر ألف دينار في كلّ سنة، فرسم بحذفها، و وقّع لهم بذلك، و كتب لوحا بذلك، و سمّره على باب الجامع و ذلك في هذه السنّة.

____________

(1)- مزج ابن العديم هنا كما فعل قبله ابن القلانسي ص 320، و ابن الأثير ج 8 ص 294، الروايات حول معركة دانيث لسنة 513 ه/ 1119 م و معركة دانيث الثانية لسنة 514 ه/ 1120 م التي انتصر فيها الفرنجة حسب رواية وليم الصوري ج 1 ص 583- 585.

398

و خرج الفرنج فقبضوا على الفلّاحين الّذين تحت أيديهم في هذه الأعمال من المسلمين و عاقبوهم و صادروهم، و أخذوا منهم من الأموال و الغلّات ما تقوّوا به، و كانت الضّياع الّتي في أيدي المسلمين قد عمرت، و اطمأنوا بالصّلح، فغدر اللّعين جوسلين، و خرج فأغار على النّقرة و الأحصّ، و احتجّ بأنه أسر له والي منبج أسيرا، و أنّه كاتب في ذلك فلم ينصف، و ذلك في شوّال، و قتل و سبى و أحرق كل ما في النّقرة و الأحص؛ و نزل الوادي و عاث فيه.

ثم سار إلى تلّ باشر، ثمّ عاد و حشد و خرج و عمل كفعله الأول، و أخذ في غارته الأولى المشايخ و العجايز و الضعفاء، فنزع عنهم ثيابهم و تركهم في البرد عراة، فهلكوا بأجمعهم.

فأنفذ والي حلب إلى بغدوين في ذلك، و قال: «إنّ نجم الدّين لم يترك هذه البلاد خالية من العساكر إلّا ثقة بالصلح» فقال: «ما لي على جوسلين يد». و تتابعت من جوسلين غارات متعددة.

ثم خرج الفرنج من أنطاكية عقيب ذلك، و أغاروا على بلد شيزر و أخذوا ما لا يحصى، و أسروا جمعا، و طلبوا المقاطعة التي جرت عادتهم قبل الوقعة بأخذها، فبذل لهم ابن منقذ ذلك على أن يردّوا ما أخذوه، فلم يجيبوه إلى ذلك، فجعل لهم مالا حمله، و صالحهم إلى آخر السّنة.

و هرب ملك العرب دبيس بن صدقة الأسديّ من المسترشد و السلطان محمود، فوصل إلى قلعة جعبر، فأكرمه نجم الدّولة مالك، و أضافه، ثمّ‏

399

سار إلى إيلغازي إلى ماردين، و تزوّج ابنته فاشتدّ به و أجاره، و وصل معه الأموال العظيمة و النّعمة الوافرة، و حمل إليه إيلغازي ما يفوت الإحصاء.

فاشتغل إيلغازي بدبيس عن العبور إلى الشّام، فخرب بلد حلب، و استولى الفرنج على معظمه، و أغار جوسلين إلى صفّين‏ (1)، و سبى العرب و التركمان، و نزل بزاعا و قاتلها، و أحرق بعض جدارها، و صونع على شي‏ء و دخل بلده.

ثم هجم الفرنج، في صفر من سنة خمس عشرة و خمسمائة، الأثارب، و قتلوا جماعة و أحرقوها و أسروا من لم يعتصم بالقلعة.

ثم إنّهم في ربيع الآخر من السّنة، نزلوا نواز (2)، و زحفوا إلى الأثارب ثانية، و أحرقوا الدّور و الغلّة، و سار بغدوين، و أغار على حلب؛ و أخذ الناس و الدواب من حاضر حلب و من الفنادق، و أخذ ما يجلّ قدره من الماشية، و أسر نحوا من خمسين أسيرا، و صاح الصائح فخرج نفر يسير من العسكر فظفروا بالفرنج و خلّصوا المواشي، و عاد الفرنج إلى أعمالهم.

و كان النائب بحلب شمس الدّولة سليمان بن نجم الدين إيلغازي، و كان إيلغازي قد ولّى رئاسة حلب، في سنة أربع عشرة في رجب، مكي بن‏

____________

(1)- تتوافق هذه الرواية مع ما أراده باختصار ابن القلانسي ص 323، لكن ابن الأثير تحدث في ج 8 ص 289 عن نشاط جوسلين في منطقة طبرية، و صفين هي منطقة أبي هريرة قرب الرقة حاليا.

(2)- قرية كبيرة في جبل السماق في بلد حلب. معجم البلدان.

400

قرناص الحمويّ، و جعله بين يديه، فكتب إلى ولده و نوّابه يأمرهم بصلح الفرنج على ما يريدون، فصالحوهم على سرمين و الجزر و ليلون و أعمال الشمال على أنها للفرنج، و ما حول حلب للفرنج منه النّصف، حتى أنّهم ناصفوهم في رحى الغربية (1) و على أن يهدم تلّ هراق بحيث لا يبقى للفئتين فيه حكم، و طلبوا الأثارب فأجاب إيلغازي إلى ذلك، فامتنع من كان فيها من التّسليم فبقيت في أيدي المسلمين.

و كان الذي تولى الصلح جوسلين و جفري، و كان بغدوين في القدس، فلما وصل رضي بذلك، و شرع في عمارة دير خراب قديم، بالقرب من سرمدا (2)، و حصّنه ثمّ أطلقه لصاحب الأثارب سير ألان دمسخين.

و أمر إيلغازي ولده باخراب قلعة الشّريف المجدّدة بحلب و إخراج من كان فيها من جند رضوان، فأخرجهم شمس الدّولة و ابن قرناص بعذر الإغارة على أعمال الفرنج، و أغلقت أبواب حلب في وجوههم، و تولى الرئيس مكيّ بن قرناص خرابها في جمادى الآخرة.

و استنجد الملك طغرل بإيلغازي بن أرتق على الكرج و ملكهم داود، فسار إليه في عالم عظيم و معه دبيس بن صدقة، فكسرهم المسلمون، و دخلوا وراءهم في الدّرب، فكرّ الكرج عليهم في الدّرب، فانهزم المسلمون‏

____________

(1)- لعلها كانت قرب باب الجنان.

(2)- سرمدا قرية تابعة لمنطقة حارم في محافظة ادلب و تبعد عن ادلب مسافة 64 كم.

401

و تبعهم الكرج قتلا و أسرا، و نهب لدبيس ما مقداره ثلاثمائة ألف دينار، و وصل مع نجم الدين إيلغازي إلى ماردين سالما (1).

و أنفذ إيلغازي إلى ابنه سليمان بحلب يلتمس منه أشياء، فقبّح بذلك عنده، و قيل له أشياء أوجبت عصيانه على والده، فعصى و أخرج الملوك:

سلطان شاه و ابراهيم و غيرهما من حلب، فمضوا إلى قلعة جعبر، و مدّ يده في مصادرة أهل حلب و ظلمهم و الفساد.

و قيل: إن دبيس بن صدقة لما سار مع إيلغازي إلى الكرج سأل إيلغازي في الطّريق أن يهب له حلب و أن يحمل إليه دبيس مائة ألف دينار يجمع بها التركمان و يعاضده حتى يفتح أنطاكية، فأجابه إيلغازي إلى ذلك، و أخذ يده على ذلك.

فلما وقعت كسرة الكرج بدا له من ذلك، فأنفذ إلى ولده سليمان، و كان خفيفا، و قال له: «أظهر أنك قد عصيت عليّ حتى يبطل ما بيني و بين دبيس». فحمله الجهل على أن عصى و نابذ أباه، و وافقه مكيّ بن قرناص و الحاجب ناصر، و هو شحنه حلب و غيرهما.

و قبض سليمان حجّاب أبيه فصفعهم و حلق لحاهم، و مدّ يده إلى أموال النّاس و ظلمهم، فطمع الفرنج و قرّبهم سليمان، فنزلوا زردنا و عمروها لابن صاحبها كليام بن الأبرص.

____________

(1)- أوسع التفاصيل حول هذه الواقعة عند ابن الأزرق الفارقي انظر الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية ص 5230- 5233.

402

ثم سار الفرنج إلى باب حلب، فكبسوا في طريقهم حاضر طيّ‏ء و غيرها، فخرج إليهم الحاجب ناصر و العسكر فكسروهم و قتلوا منهم جماعة.

و خرج بغدوين في جمادى الآخرة، فنازل خناصرة، و أخذها و خرّبها، و حمل باب حصنها إلى أنطاكية، و نزل برج سينا ففعل به كذلك، و كذلك فعل بغيرهما من حصون النّقرة و الأحصّ، و سبى و أحرق و نهب.

و عاد فنزل صلدع- على نهر قويق- و خرج إليه اتزز بن ترك طالبا منه الصّلح مع سليمان، فقال: «على شرط أن يعطيني سليمان الأثارب حتى أحفظه، و أنا أذبّ عنه و أقاتل دونه»، فقال له: «ما يجوز أن يسلّم ثغرا من ثغور حلب في بدوّ مملكته، بل التمس غير هذا ممّا يمكن ليوافقك عليه» فقال له: «الأثارب لا يقدر صاحب حلب على حفظها، فانّي قد عمرت عليها الحصون بما دارت، و أنا أعلمكم أنّها اليوم تشبه فرسا لفارس قد عطبت يداها، و للفارس هري شعير (1)، يعلفها رجاء أن تبرأ و يكسب عليها، فنفد هري الشّعير، و عطبت الفرس، و فاته الكسب». ثمّ رحل نحوها، فحصرها ثلاثة أيّام، و اتّصل به ما أوجب رحيله إلى أنطاكية.

و لما بلغ إيلغازي إصرار ولده على العصيان ضاقت عليه الأرض، و أعمل في الوصول إليه و أخذ حلب منه، فكاتبه أقوام و عرفوه أن ما بحلب من يدفعه عنها، فسار حتى وصل إلى قلعة جعبر فضعفت نفس ابنه سليمان‏

____________

(1)- الهري بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان. القاموس.

403

عن العصيان على أبيه، فأنفذ إليه من استحلفه على الصّفح عنه و الاحسان إليه و إلى من حسّن له العصيان مثل ابن قرناص و ناصر الحاجب، و أكّد الأيمان على ذلك.

و دخل حلب في أول شهر رمضان فخرج الناس للقائه، و دخل إلى القصر، و أحسن إلى أهل حلب، و سامحهم بشي‏ء من المكوس، و صرف الشّحنة الّذي كان يؤذي الناس في البلد.

و قبض على الرّئيس مكي بن قرناص و على أهله، و شقّ لسانه و كحله و أخذ ما وجد له، و سلّم أخاه إلى من يعذّبه و يستصفي ماله.

و كحل ناصر الحاجب، فعني به من تولّى أمره فسلمت إحدى عينيه، و عرقب طاهر بن الزائر، و كان من أعوان الرئيس مكي.

و أعاد الملوك أولاد رضوان من قلعة جعبر إلى حلب، و خطب بنت الملك رضوان، و تزوّج بها، و دخل بها بحلب، و ولّى رئاسة حلب سلمان بن عبد الرزّاق العجلاني البالسي، و ولّى ابن أخيه بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبار نيابته في حلب، و صالح الفرنج مدّة سنة كاملة، و أعطاهم من الضياع ما كان في أيديهم أيّام مملكتهم الأثارب و زردنا.

و سار في محرّم من سنة ستّ عشرة و خمسمائة إلى الشرق ليجمع العساكر، فمات وزيره بحلب أبو الفضل بن الموصول في صفر و ولي الوزارة أبو الرجاء بن السرطان.

404

و عبر إيلغازي و بلك في سابع عشر شهر ربيع الآخر الفرات- و كان بلك غازي ابن أخيه بهرام بن أرتق، و استدعاه من أعمال الرّوم و بيده عدة قلاع بالقرب من ملطية- و صحبتهما عدّة من التّركمان دون ما جرت عادته باستصحابه، فعزل أبا الرجاء بن السرطان عن الوزارة، و قبض عليه لسعاية سعي به إليه عليه.

و نزل إيلغازي زردنا، نزل عليها في العشرين من جمادى الأولى، و حصرها أياما و أخذ حوشها، و كان صاحبها قد سمع حين عبر إيلغازي الفرات أنه ينزلها، فجمع أصحابه و استحلفهم على المصابرة من وقت نزولهم على مدّة خمسة عشر يوما، و حلف هو لهم على أن ينجدهم، و مضى على أن يستجيش، فان جازت هذه المدّة و لم يصلهم فإنّه يبتاع دماءهم بكلّ ما يملكه، و قال لهم: «و اللّه لكم عليّ من الشاهدين، لئن لم يخلصكم إلا إسلامي إن قبله أسلمت على يديه لخلاصكم».

و خرج حتى وصل إلى بغدوين صاحب أنطاكية، و هو بأكناف طرابلس في حكومة بينه و بين صاحبها، فأخبره بعبور إيلغازي و بما بلغه من قصده زردنا، فقال: «مذ حلفنا له و حلف لنا ما نكثنا، و حفظنا بلده في غيبته و نحن شيوخ، و ما أظنه يغدر، بل ربّما قصد طرابلس أو قصدني في القدس، لأنني ما صالحته إلّا على أنطاكية و أعمالها، بل يجب أن تعود إلى أفامية و كفرطاب و تكشف ما يتجدد». فعاد و كشف الأمر.

و سيّر إلى بغدوين فأعلمه بنزوله إلى زردنا، فصالح صاحب‏