زبدة الحلب من تاريخ حلب‏ - ج1

- عمر بن أحمد ابن أبي جرادة المزيد...
432 /
405

طرابلس، و شرط عليه الوصول إليه. و وصل أنطاكية، و استدعى جوسلين، و نصب المسلمون مجانيق أربعة على زردنا، و أخذوا الفصيل الأوّل، فوصل الفرنج بعد أربعة عشر يوما من منازلة المسلمين لها، فنزلوا تحت الدّير.

و بلغ الخبر إيلغازي، فترك زردنا و توجّه نحوهم، فنزل نواز، و طلب أن يخرج الفرنج من المضيق إلى السّعة فلم يخرجوا، فرجل إلى تلّ السّلطان، و أتابك طغتكين في صحبته، فخرج الفرنج فنزلوا على نواز و هجموا ربض الأثارب و أحرقوا البيدر و الجدار.

و دخل صاحبها يوسف بن ميرخان قلعتها، و نزلوا أبين، و رحلوا منها فنزلوا دانيث، و أقاموا عليها فلم يصلهم أحد، فعادوا إلى بلادهم، فعاد إيلغازي فنزل زردنا، و هجم الحوش الثّاني، و قتل جماعة من الفرنج.

فعاد الفرنج و نزلوا تحت الدّير، فرحل إيلغازي إلى نواز، و أقام ثلاثة أيام يزاحف الفرنج و هم لا يخرجون إلى الصّحراء، فاتّفق أن أكل إيلغازي لحم قديد كثيرا و جوزا أخضر و بطيخا و فواكه، فانتفخ جوفه و ضاق نفسه، و اشتدّ به الأمر، فرحل إلى حلب، و تزايد به المرض، فسار طغتكين إلى دمشق و بلك غازي إلى بلاده.

و دخل إيلغازي ليتداوى بحلب، فنزل القصر، و لم يخلص من علّته، و خرج عسكر حلب في ألف فارس إلى نبل‏ (1) من عمل عزاز، و معهم‏

____________

(1)- نبل من قرى أعزاز في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 22 كم.

406

أمراء منهم دولت بن قتلمش، فنهبوا و عادوا؛ فوقع عليهم عند حربل‏ (1) كليام في أربعين فارسا، فانهزم المسلمون و قتل منهم جماعة.

و في شهر رجب من هذه السنة، ظفر بلك غازي باللّعين جوسلين و ابن خالته قلران‏ (2) بالقرب من سروج، فأسرهما و أسر ابن أخت طنكريد، و قد كان أسره في وقعة ليلون، و اشترى نفسه بألف دينار و أسر ستّين فارسا.

و طلب جوسلين و قلران أن يسلّما ما بأيديهما من المعاقل فلم يفعلا، و قالا: «نحن و البلاد كالجمال و الحدج، متى عقر بعير حوّل رحله إلى آخر؛ و الذي بأيدينا قد صار بيد غيرنا». فأخذهما و مضى إلى بلده.

و وصل الفرنج بعد ذلك من تلّ باشر في شعبان، و كبسوا تلّ قبّاسين‏ (3) فخرج النائب ببزاعا مع أهلها فالتقوا، و انهزم المسلمون و قتل منهم تسعون رجلا.

و أمّا إيلغازي فأقام أياما، و صلح من مرضه، و سار إلى ماردين، ثم خرج منها يريد ميّافارقين، فاشتدّ مرضه في الطّريق، و توفّي بالقرب من ميّافارقين بقرية يقال لها «عجولين»، في أول شهر رمضان من سنة ستّ عشرة و خمسمائة.

____________

(1)- حربل من قرى منطقة أعزاز في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 20 كم.

(2)- أو في التفاصيل حول هذا الموضوع في نص السرياني المجهول، انظر كتابي الحروب الصليبية ص 484- 489.

(3)- تل قباسين من قرى العواصم من أعمال حلب. معجم البلدان.

407

و ملك ابنه سليمان ميّافارقين، و ابنه تمرتاش ماردين، و ابن أخيه بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق حلب، و لما سمع صاحب أنطاكية بوفاته حشد عسكره و جماعة من الأرمن، و نزل وادي بزاعا، و عاث فيه و أفسد ما قدر عليه، و حمل إليه أهل «الباب» من الوادي مالا و خدموه.

فرحل إلى بالس و قاتلها بالمنجنيقات، و قرّروا على بالس مع ابن مالك مالا يحمل إليه، فأسرف في الطلب و كان ببالس جماعة من التركمان و من خيل حلب، فخرج أهلها و الخيل التي عندهم و اقتتلوا، فقتل من الفرنج جماعة من المقدّمين، و ظفر المسلمون أحسن ظفر.

فرحل بغدوين إلى الوادي و قد وصل [سليمان بن‏] إيلغازي فحصر البيرة (1) و تسلّم حصنها على أن يؤمّن أهلها على أنفسهم فأخذهم و سار بهم إلى أنطاكية، و تتابعت غارات الفرنج حول حلب إلى آخر سنة ستّ عشرة و خمسمائة.

و ولّى بدر الدّولة سليمان الوزارة بحلب أبا الرّجاء سعد اللّه بن هبة اللّه بن السّرطان، في صفر، بعدما قبض عليه إيلغازي- كما تقدم ذكره-

و جدّد بدر الدّولة المدرسة الّتي بالزّجاجين بحلب، المعروفة ببني‏

____________

(1)- البيرة بلدة في تركية الآن- اسمها بيرة جك- على الفرات قرب سميساط. الأعلاق الخطيرة- قسم الجزيرة- ج 2 ص 769.

408

العجمي‏ (1)، بإشارة أبي طالب بن العجمي. و ذكر لي أنّه عزم على أن يقفها على الفرق الأربع، و نقل آلتها من كنيسة داثرة كانت بالطّحّانين بحلب.

و في العاشر من شهر صفر من سنة سبع عشرة و خمسمائة، استقر الصّلح بين بدر الدّولة صاحب حلب و بين بغدوين صاحب أنطاكية، و على أن يسلّم بدر الدولة إليه قلعة الأثارب فتسلموها، و صارت لصاحبها أولا سير ألان دمسخين، و بقيت في يده إلى أن مات، و كانت في يد الحاجب جبريل بن برق، فعوّضه بدر الدّولة عنها شحنكيّة حلب.

و في يوم الأربعاء تاسع عشر صفر، سار بغدوين صاحب أنطاكية ليقاتل نور الدّولة بلك بن بهرام بن أرتق، و كان محاصرا قلعة كركر (2)، فالتقيا على موضع اسمه «اروش» بالقرب من قنطرة سنجة، فكسره نور الدّولة بلك، و أسره، و قتل معظم عسكره و مقدّميه و نهب [خيمة]، و فتح [كركر] بعد جمعة؛ و كان في دون عدّة الفرنج، و جعل بغدوين في خرتبرت‏ (3) مع جوسلين و قلران.

ثمّ إنّ نور الدولة بلك عبر الفرات و نزل على حلب و ضايقها، و نزل‏

____________

(1)- تسمى الآن مجامع أبي ذر في محلة الجبيلة. الآثار الإسلامية و التاريخية في حلب ص 192.

(2)- كركر أو جرجر: حصن و بلدة قرب ملطية بين سميساط و حصن زياد (خرتبرت) غربي الفرات تولاها الخراب. اللؤلؤ المنثور ص 518.

(3)- و يعرف أيضا باسم حصن زياد بأرض أرمينية بين آمد و ملطية. اللؤلؤ المنثور ص 506.

و من أجل الأسرى انظر وليم الصوري ص 590- 591. مع نص السرياني المجهول.

409

من قبليّها، ثم انتقل إلى بانقوسا (1) و أقام أيّاما، و رحل إلى أرض النيرب، و جبرين‏ (2) و أمر بحرق الغلّة و أخذ الدّواب.

و مضى قطعة من عسكره إلى حدادين‏ (3)، فأخذ أحدهم عنزا، فرماه بعض فلّاحي الضيعة بسهم فقتله فحصرت مغارتها و أخذت بعد أن أمتنع أهلها من التسليم، فدخّنوا على المغارة فاختنق بها مائة و خمسون.

و خنق في مغارة تلّ عبّود و تعجين جماعة و سبوا نساء عقر بوز (4) و أولادها و باعوا بعضهم و استعبدوا بعضا و أخذ لاهل حلب جشير (5) خيل ثلاثمائة رأس، و كان حريق الزرع من رهقات بلك و كان سببا للغلاء العظيم.

و في صباح يوم الثلاثاء، غرة جمادى الأولى من سنة سبع عشرة و خمسمائة، تسلّم مدينة حلب سلّمها إليه مقلّد بن سقويق بالأمان و مفرّج بن الفضل، و نودي بشعار بلك من عدّة جهات، و كسر باب أنطاكية، و أخربت ثلمة من غربي باب اليهود.

و في يوم الجمعة رابع الشهر تسلّم القلعة و جلس بها بعدما نزل بدر الدّولة منها بيوم؛ و قرر حالها، و أخرج سلطان شاه بن رضوان، و سيّره إلى حرّان، و كان قد فتحها في شهر ربيع الآخر خوفا منه.

____________

(1)- بانقوسا: جبل في ظاهر حلب من جهة الشمال. معجم البلدان.

(2)- جبرين: قرية على باب حلب. معجم البلدان.

(3)- حدادين من قرى منطقة جبل سمعان في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 16 كم.

(4)- عقربوز من قرى منطقة جبل سمعان في محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 36 كم.

(5)- الجشير: المواشي على أنواعها.

410

ثم أنّه سار إلى البارة و هجمها، و أسر الأسقف الّذي بها و قيّده، و وكّل به‏ (1)، و رحل إلى كفرطاب فغفل الموكّل به فهرب إلى كفرطاب، فعزم على قتال حصنها و استرجاع الأسقف في يوم الثلاثاء الثاني عشرة من جمادى الآخرة.

فوصله من أخبره أن بغدوين الرّويس و جوسلين و قلران و ابن اخت طنكريد و ابن أخت بغدوين و غيرهم من الأسرى الّذين كانوا مسجونين بجب خرتبرت عاملوا قوما من أهل حصن خرتبرت فأطلقوهم، و وثبوا على الحصن فملكوه، و أخذوا كلّ ما كان لنور الدّولة فيه و كان جملة عظيمة، فقال جوسلين: «كنا قد أشرفنا على الهلاك و الآن فقد خلصنا، و الصواب أن نمضي و نحمل ما قدرنا عليه». فما سمحت نفس بغدوين بترك الحصن و الخروج منه‏ (2).

فاتّفق رأيهم على خروج جوسلين، و حلّفوه على أنّه لا يغيّر ثيابه و لا يأكل لحما و لا يشرب إلّا وقت القربان إلى أن يجمع جموع الفرنجة و يصل بهم إلى خرتبرت و يخلّصهم.

و أما بلك فإنّه سار حتّى نزل على خرتبرت ففتحه بالسّيف في ثالث و عشرين من رجب، و قتل كل من كان به من أصحابه الّذين كفروا نعمته‏

____________

(1)- قارن و استفد من السرياني المجهول.

(2)- مع نص السرياني المجهول انظر وليم الصورى ص 591- 595.

411

و من كان فيه من الفرنج، و لم يستبق سوى بغدوين الملك و قلران و ابن أخت بغدوين، و سيّرهم إلى حرّان و حبسهم بها.

و أما جوسلين فمضى إلى القدس، و استنجد بالفرنج، و وصلوا تلّ باشر، فسمعوا خبر فتح خرتبرت بالسّيف فسار إلى الوادي و قاتل بزاعا و أحرق بعض جدارها ثم أحرق الباب و قطع شجره، و أحرق ما سواه من الوادي.

ثم نزل حيلان‏ (1) ثم حلب من ناحية «مشهد الجفّ» من الشمال؛ و خرّب المشاهد و البساتين، و كسر الناس عند «مشهد طرود» بالقرب من بستان النقره؛ و قتل و سبى مقدار عشرين نفرا.

ثمّ رحل و نزل الجانب الغربي في البقعة السوداء، و خرب مشاهد الجانب القبلي و بساتينه، و نبش الضريح الذي ب «مشهد الدكّة» (2) فلم يجد فيه شيئا فألقى فيه النار، و الحلبيّون في كل يوم يقاتلونه أشدّ قتال، و يخسر معهم في كلّ حركة.

ثم رحل يوم الثلاثاء مستهلّ شهر رمضان، و نزل السعدي‏ (3)، و قطع شجره، و افترقوا منه و سار كلّ إلى بلده، و وجد في منازلهم التي نزلوها نيف و أربعون حصانا موتى، و نبش النّاس منهم موتى جماعة.

____________

(1)- حيلان: قرية قرب حلب تخرج منها عين فوارة كثيرة الماء سيقت إلى حلب. معجم البلدان.

(2)- اسمه الآن الشيخ محسّن. الآثار الإسلامية ص 56- 58.

(3)- انظر الأعلاق الخطيرة- قسم حلب- ج 1 ص 371- 399.

412

فأمر القاضي ابن الخشّاب بموافقة من مقدّمي حلب أن تهدم محاريب الكنائس الّتي للنصارى بحلب، و أن يعمل لها محاريب إلى جهة القبلة و تغيّر أبوابها، و تتّخذ مساجد: ففعل ذلك بكنيستهم العظمى، و سمّي مسجد السرّاجين‏ (1): و هو مدرسة الحلاويين الآن. و كنيسة الحدادين: و هي مدرسة الحدادين‏ (2) الآن؛ و كنيسة بدرب الحراف: و هي مكان مدرسة ابن المقدّم‏ (3). و لم يترك للنّصارى بحلب سوى كنيستين لا غير، و هي الآن باقية.

هذا كلّه و نور الدّولة بلك غائب عن مدينة حلب في بلاده.

ثم إنّ جوسلين خرج في تاسع عشر شهر رمضان إلى الوادي و النّقرة و الأحصّ، و أخذ ما يزيد عن خمسمائة فرس كانت في العزيب‏ (4)، حتّى لم يبق بحلب من الخيّالة خمسون فارسا لهم خيل، و أخذ من الدّواب البقر و الغنم و الجمال ما لا يحصى، و قتل و سبى و خرب ما أمكنه و عاد إلى تل باشر.

و خرج سير ألان في عسكر أنطاكية من الأثارب حتى وصل الحانوتة (5) و حلفا، و أخذ ما كان بقي من خيل في العزيب في الجانب القبليّ، و ذلك مقدار ثلاثمائة فرس؛ و أخذ قافلة كانت واصلة من شيزر بغلّة.

____________

(1)- هو الآن المدرسة الحلوية. الآثار الإسلامية ص 52- 62.

(2)- انظر الأثار الإسلامية ص 252.

(3)- هي في محلة الجلوم. انظر الآثار الإسلامية ص 67- 68.

(4)- العزيب من الإبل و الشاء التي عزب عن أهلها في المرعى، و إبل عزيب لا تروح على الحي. القاموس.

(5)- الحانوتة الآن اسمها تل الحواصيد، و تبعد عن حلب مسافة 60 كم.

413

ثم عبر جوسلين من الفرات إلى شبختان و أغار على تركمان و أكراد، فأخذ من الغنم و الخيل ما يزيد على عشرة آلاف و سبى و قتل، و من سلم له فرس من عسكر حلب يخرجون مع الحراميّة و لا يقطعون الغارات على بلادهم، و يحضرون الأسارى مرّة بعد أخرى.

ثم أغار جوسلين على الجبّول، و ما حولها، و أخذ دوابّ كثيرة و توجّه إلى دير حافر، فخنق أهلها بالدّخان في المغاير، و فتح المقابر، و سلب الموتى أكفانهم.

و في يوم الأربعاء سادس عشرين من ذي القعدة، عبر بلك إلى الشّام و قبض على نائب بهرام داعي الباطنية بحلب، و أمر بإخراجهم من حلب فباعوا أموالهم و رحالهم و خرجوا منها.

ثم إنّ الأمير نور الدّولة بلك جمع العساكر، و وصله أتابك طغتكين بعسكر دمشق و عسكر أق سنقر البرسقيّ، و عبروا حتى نزلوا على عزاز، و ضايقوها بالحصار، و أخذوا عليها نقوبا إلى أن سهل أمرها، فتجمّع الفرنج و قصدوا ترحيل المسلمين عنها فالتقى الجيشان، و هزم المسلمون، و تفرّقوا بعد قتل من قتل و أسر من أسر.

و عمّر بلك حصن الناعورة بالنّقرة و حصن المغارة- على شطّ الفرات- و تزوّج بالخاتون فرخنده خاتون بنت رضوان، و عرّس بها في ثالث و عشرين ذي الحجّة من سنة سبع عشرة و خمسمائة.

و في المحرّم من سنة ثماني عشرة و خمسمائة، تنكّر بلك على رئيس حلب‏

414

سلمان العجلاني و جعل عليها رجلا من أهل حرّان اسمه محمد بن سعدان، و يعرف بابن سعدانة، و كثر الأمن من الذّعّار و قطّاع الطريق عند قدوم بلك حلب؛ و أقام الهيبة العظيمة؛ و تقدّم بفتح أبواب حلب ليلا و نهارا، و حسم مادّة أرباب الفساد. و قال للحارس: «إنّ عدت سمعتك تصيح ضربت عنقك!».

و نقل بغدوين و من كان معه من حبس حرّان، فحبسه في قلعة حلب.

و توّجه في شهر صفر فرقة من أصحابه الأتراك إلى ناحية عزاز فوقع بينهم و بين الفرنج وقعة عند مشحلا (1)، و ظفر بهم الأتراك، و قتلوا منهم أربعين رجلا من الخيّالة و الرجّالة و أخذوا أسلابهم، و وصل الباقون عزاز و ما فيهم إلّا من جرح جراحا عدّة.

و انقطع المطر في كانونين و نصف شباط، ثم تدارك فأخصب الزرع و استغلّ الناس، و كان بحلب غلاء شديد.

و في صفر من سنة ثماني عشرة و خمسمائة، تنكّر نور الدولة بلك على حسّان بن كمشتكين صاحب منبج لشي‏ء بلغه عنه، فأنفذ قطعة من عسكره مع ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق، و تقدّم إليهم أن يمروا على منبج، و يطلبوا من حسّان أن يخرج معهم للإغارة على تلّ باشر فإذا خرج‏

____________

(1)- مشحلا: قرية من نواحي اعزاز من أعمال حلب. معجم البلدان.

415

قبضوه، ففعلوا ذلك، و دخلوا منبج، و عصى عليهم الحصن و دخله عيسى أخو حسان.

و سير حسان فحبس في حصن بالو (1) بعد أن عوقب و عرّي، و سحب على الشوك فلم يسلّمها أخوه.

و كتب عيسى إلى جوسلين: «إن وصلتني و كشفت عني عسكر بلك سلّمت إليك منبج». و قيل: إنه نادى بشعار جوسلين بمنبج، فمضى إلى بيت المقدس و طرابلس و جميع بلاد الفرنج، و حشد ما يزيد على عشرة آلاف فارس و راجل، و وصل نحو منبج ليرحل بلك عن منبج.

فسار إليه بلك لمّا قرب من منبج، و التقيا يوم الاثنين ثامن عشر شهر ربيع الأوّل، و اقتتل العسكران، و انهزم الفرنج، و تبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون إلى آخر النهار.

و حمل فيهم بلك ذلك اليوم خمسين حملة يفتك فيهم و يخرج سالما، يضرب بالسيوف و يطعن بالرماح و لا يكلم، و عاد إلى منبج فبات مصلّيا مبتهلا إلى اللّه تعالى لما جدده على يده من الظفر بالفرنج.

و أصبح يوم الثلاثاء تاسع عشر ربيع الأول قتل كلّ أسير أسره في الوقعة، ثم زحف نحو الحصن ليختار موضعا ينصب فيه المنجنيق، و عليه بيضة و بيده ترس.

____________

(1)- بالو: قلعة حصينة و بلدة من نواحي أرمينية بين أرزن الروم و خلاط. معجم البلدان.

416

و كان قد عزم على أن يستخلف ابن عمه تمرتاش بن إيلغازي على حصار منبج، و يطلع منجدا لأهل صور، فإنّ الفرنج كانوا في مضايقتها (1)، و في تلك المضايقة أخذوها، فبينا كان بلك قائما يأمر و ينهى إذ جاءه سهم من الحصن، و قيل: إنّه كان من يد عيسى فوقع في ترقوته اليسرى فانتزعه و بصق عليه، و قال: «هذا قتل المسلمين كلهم»، و مات لوقته.

و قيل: بقي ساعات و قضى نحبه- (رحمه اللّه)- و حمل إلى حلب، و دفن بها قبليّ مقام ابراهيم‏ (2)- (عليه السلام)-.

و وصل حسام الدين تمرتاش بن إيلغازي إلى حلب يوم الأربعاء العشرين من شهر ربيع الأوّل، و دخل القلعة و نصب علمه، و نادى الناس بشعاره.

و سار سليمان بن إيلغازي من ميّافارقين إلى خرتبرت و حصون بلك، و هي نيّف و خمسون موضعا فتسلّمها.

و سار داود بن سكمان، فأخذ حصن بالو و أطلق حسّان بن كمشتكين فعاد إلى منبج.

فأمّا تمرتاش فإنّه لمّا ملك حلب ألهاه الصّبى و اللعب عن التشمير و الجدّ و النظر في أمور الملك، ففسدت الأحوال، و ضعف أمر المسلمين بذلك،

____________

(1)- انظر ابن القلانسي ص 336- 337.

(2)- اسمه الآن مقام الصالحين. الآثار الإسلامية ص 52- 53.

417

و استوزر أبا محمّد بن الموصول، ثم عزله و صادره في رجب من سنة ثماني عشرة و استوزر أبا الرّجاء بن السّرطان، و ولى الرئاسة بحلب فضائل بن صاعد بن بديع.

و سيّر إلى حرّان فحمل منها سلطان شاه بن رضوان، و كان بلك أسكنه بها؛ فاعتقله في دار بقلعة ماردين و كان فيها طاقة فتدلّى منها بحبل و هرب إلى دارا، ثم رحل منها إلى حصن‏ (1) كيفا إلى داود بن سكمان.

و في العشر الأواخر من ربيع الأول سار نائب جوسلين من الرها و أغار على ناحية شبختان و نهبها فسار إليه نائب تمرتاش عمر الخاص و كان نائبه و ربيب أبيه إيلغازي و ركب خلفه في ثلاثمائة فارس فلحقه على مرج اكساس، فقاتله و هزمه و قتله، و قتل أكثر من كان معه من الفرنج، و عاد غانما، و أنفذ رؤوسهم و ما غنمه إلى تمرتاش إلى حلب.

و ولّاه تمرتاش شحنكية حلب، و هو المدفون في القبّة التي مقابل باب مشهد ابراهيم- (عليه السلام)- و اسمه مكتوب على جهاتها الأربع.

و ولّى قلعة حلب رجلا يقال له عبد الكريم.

و في غرة جمادى الأولى من هذه السنة استقرّ الأمر بين الملك بغدوين صاحب أنطاكية- و كان في سجن بلك بحلب- و بين تمرتاش بن إيلغازي على تسليم الأثارب و زردنا و الجزر و كفرطاب، و على تسليم عزاز و ثمانين ألف دينار، و قدّم منها عشرين ألف دينار.

____________

(1)- بلدة عظيمة مشرفة على دجلة بين آمد و جزيرة ابن عمر. اللؤلؤ المنثور ص 507.

418

و حلف على ذلك و على أن يخرج دبيس بن صدقة (1) من النّاس، و كان قد وصل دبيس منهزما من المسترشد بعد أن كسره المسترشد، و قتل خلقا من عسكره فترك بلاده، و حمل ما قدر عليه من العين و العروض على ظهور المطايا؛ و وفد على ابن سالم بن مالك بن بدران إلى قلعة دوسر، و استجار به فأجاره، و غاضب المسترشد و السلطان محمودا في أمره.

و كاتب دبيس قوما من أهل حلب؛ و أنفذ لهم جملة دنانير، و سامهم تسليمها إليه، و كشف ذلك رئيسها فضائل بن صاعد بن بديع، فأطلع على ذلك تمرتاش بن إيلغازي، فأخذهم و عذّبهم و شنق بعضهم، و صادر بعضا، و أحرق بعضا.

و كان المتوسّط حديث بغدوين مع تمرتاش الأمير أبو العساكر سلطان بن منقذ، و سيّر أولاده و أولاد إخوته رهنا عن بغدوين إلى حلب.

و فكّت قيود بغدوين و أحضر إلى مجلس تمرتاش، و تواكلا و تشاربا و خلع عليه قبآء ملكيا و قلنسوة ذهب و خفافا ورانا (2)؛ و أعيد عليه الحصان الذي كان أخذه منه بلك يوم أسره، فركبه، و سار إلى شيزر يوم الأربعاء رابع جمادى، فبقي عند أبي العساكر حتى أحضر جماعة رهنا على الوفاء بما شرطه لتمرتاش و هم: ابنته، و ابن جوسلين، و غيرهما من أولاد الفرنج، و عدّتهم اثنا عشر نفرا، و حمل العشرين ألف دينار التي عجّلها.

____________

(1)- لدبيس ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 3478- 3493.

(2)- ما يشد حول الساق.

419

و قبض صاحب شيزر الرّهائن، و أطلق بغدوين من سجن شيزر، في يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب، فخرج- لعنة اللّه- و غدر بتمرتاش و أنفذ إليه يقول: «البطريك الذي لا يمكن خلافه سألني عما بذلت، و ما الذي استقرّ، فحين سمع حديث عزاز و تسليم حصنها منّي أبى، و أمرني بالدفع عنها و قال: إنّ خطيئتك تلزمني، و لا أقدر على خلافه». فتردّدت الرسل بينهما فلم يستقرّ على قاعدة.

و خالط دبيس جوسلين و بغدوين، و صافاهم و صافوه بوساطة الأمير مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر، و اتّفق دبيس و الفرنج على قواعد تعاهدوا عليها منها أن تكون حلب لدبيس و الأموال و الأرواح للفرنج مع مواضع من بلد حلب تكون للفرنج؛ و تقدّم دبيس إلى مرج دابق فخرج إليه حسام الدّين تمرتاش فكسره.

و سار تمرتاش من حلب عندما علم بغدر الفرنج به إلى ماردين، في الخامس و العشرين من شهر رجب، ليستنجد بأخيه سليمان بن إيلغازي و بجمع العساكر، و بقي بنو منقذ رهائن بقلعة حلب عند تمرتاش، و أولاد الفرنج رهائن عند أبي العساكر بن منقذ بشيزر.

و الرسل مع هذا تتردّد بين تمرتاش و بغدوين إلى أن عادت الرسل في ثامن عشر شعبان مخبرة بنقض الهدنة، و بخروج بغدوين إلى أرتاح قاصدا النزول على حلب.

و رحل بغدوين من أرتاح حتى نزل على نهر قويق و أفسد كلّ ما كان‏

420

عليه، ثمّ رحل فنزل على باب حلب، في يوم الاثنين السادس و العشرين من شعبان، و هو السادس من تشرين الأوّل.

و خرج دبيس و جوسلين من تلّ باشر، و قصدا ناحية الوادي، و أفسدا القطن و الدخن، و سائر ما كان به وقوّم ذلك بمائة ألف دينار، و رحلا و نزلا مع بغدوين على حلب، و وصل إليهم الملك سلطان شاه بن رضوان.

و نزل بغدوين مقدّم الفرنج من الجانب الغربي من حلب في الحلبة، و نزل جوسلين على طريق عزاز و ما يجاوره يمنة و يسرة. و نزل دبيس و سلطان شاه بن رضوان ممايلي جوسلين من الشّرق؛ و في صحبة دبيس عيسى بن سالم بن مالك.

و نزل يغي سيان بن عبد الجبّار بن أرتق صاحب بالس ممايلي دبيس من الشّرق، و كانت عدّة الخيم ثلاثمائة: للفرنج مائتا خيمة، و للمسلمين مائة خيمة.

و أقاموا على حلب يزاحفونها، و قطعوا الشجر و خربوا مشاهد كثيرة، و نبشوا قبور موتى المسلمين، و أخذوا توابيتهم إلى الخيم و جعلوها أوعية لطعامهم، و سلبوا الأكفان، و عمدوا إلى من كان من الموتى لم تنقطع أوصاله، فربطوا في أرجلهم الحبال، و سحبوهم مقابل المسلمين.

و جعلوا يقولون: «هذا نبيّكم محمد» و آخر يقول: «هذا عليّكم» و أخذوا مصحفا من بعض المشاهد بظاهر حلب و قالوا: «يا مسلم أبصر

421

كتابكم». و ثقبه الفرنجي بيده، و شدّة بخيطين، و عمله ثفرا (1) لبرذونه؛ فظل البرذون يروث عليه، و كلّما أبصر الروث على المصحف صفّق بيديه و ضحك عجبا و زهوا.

و أقاموا كلّما ظفروا بمسلم قطعوا يديه و مذاكيره و دفعوه إلى المسلمين؛ و المسلمون يفعلون بمن يأسرونه من الفرنج كذلك.

و ربّما شنق المسلمون بعضهم، و يخرج الغزاة من باب العراق، و يسرقونهم من المخيم، و يقطعون عليهم الطّرق، و يقتلون و يأسرون.

و يصيح المسلمون على دبيس من الأسوار: «دبيس، يا نحيس». و الرسل تتردد بينهم في الصّلح، و لا يستتب إلى أن ضاق الأمر بالمسلمين جدّا.

و كان بحلب بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار و الحاجب عمر الخاص، و معهما مقدار خمسمائة فارس، و الذي يتولّى تدبيرها و هو في مقام الرئاسة القاضي أبو الفضل بن الخشّاب، و تولّى حفظ المكان و بذل المال و الغلال.

فاتفقوا على أن سيّروا جدّ أبي قاضي حلب القاضي أبا غانم محمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة و نقيب الأشراف و أبا عبد اللّه بن الجلي فخرجوا ليلا، و مضوا إلى تمرتاش إلى ماردين مستصرخين إليه و مستغيثين به فوجدوه و قد مات أخوه سليمان بن إيلغازي صاحب ميافارقين في شهر رمضان، و سار تمرتاش إلى بلاده ليملكها، و اشتغل بملك تلك البلاد عن حلب.

____________

(1)- الثفر: الجلدة التي توضع تحت الذيل و يربط بها حلس الدابة.

422

و كانت الرسل مترددة بينه و بين أق سنقر البرسقيّ صاحب الموصل في اتّفاق الكلمة على قصد الفرنج و كشفهم عن حلب؛ فاشتغل بهذا الأمر عن هذا التقرير، و الحلبيون عنده يمنّيهم و يمطلهم.

و لما خرج الحلبيّون من حلب بلغ الفرنج ذلك فسيّروا خلفهم من يلحقهم، فلم يدركهم و أصبحوا في صباح تلك اللّيلة و صاحوا إلى أهل حلب: «أين قاضيكم؟ و أين شريفكم؟» فأسقط في أيديهم إلى أن وصل منهم كتاب بخبر سلامتهم.

و بقي الحلبيّون عند تمرتاش يحثّونه على التّوجّه إلى حلب، و هو يعدهم و لا يفعل، و هم يقولون له: «نريد منك أن تصل بنفسك، و الحلبيون يكفونك أمرهم».

فضاق الأمر بالحلبيّين إلى حدّ أكلوا فيه الكلاب و الميتات، و قلّت الأقوات، و نفد ما عندهم، و فشا المرض فيهم، فكان المرضى يئنّون لشدّة المرض، فإذا ضرب البوق لزحف الفرنج قام المرضى كأنما أنشطوا من عقال، و زحفوا إلى الفرنج و ردّوهم إلى خيامهم، ثم يعودون إلى مضاجعهم.

فكتب جدّي أبو الفضل هبة اللّه بن القاضي أبي غانم كتابا إلى والده يخبره بما آل أمر حلب إليه من الجوع، و أكل الميتات، و المرض؛ فوقع كتابه في يد تمرتاش فغضب و قال: «انظروا إلى هؤلاء يتجلّدون عليّ، و يقولون إذا وصلت فأهل حلب يكفونك أمرهم، و يغرّرون بي حتى أصل في قلّة، و قد

423

بلغ بهم الضعف إلى هذه الحالة».

ثمّ أمر بالتّوكيل و التّضيق عليهم، فشرعوا في إعمال الحيلة و الهرب إلى أق سنقر البرسقيّ، ليستصرخوا به فاحتالوا على الموكّلين بهم، حتى ناموا و خرجوا هاربين، فأصبحوا بدارا (1).

و ساروا حتى أتو الموصل، فوجدوا البرسقي مريضا مدنفا، و الناس قد منعوا من الدّخول عليه إلّا الأطبّاء، و الفرّوج يدقّ له لشدّة الضعف، و وصل إلى دبيس من أخبره بذلك، فضرب البشارة في عسكره، و ارتفع عنده التكبير و التهليل، و نادى بعض أصحابه أهل حلب: قد مات من أمّلتم نصره، فكادت أنفس الحلبيّين تزهق.

و اسؤذن للحلبيّين على البرسقيّ فأذن لهم، فدخلوا إليه، و استغاثوا به، و ذكروا له ما أهل حلب فيه من الضرّ، فأكرمهم- (رحمه اللّه)- و قال لهم: «ترون ما أنا فيه الآن من المرض، و لكن قد جعلت للّه علي نذرا إن عافاني من مرضي هذا لأبذلنّ جهدي في أمركم، و الذبّ عن بلدكم، و قتال أعدائكم».

قال القاضي أبو غانم قاضي حلب: فما مضى ثلاثة أيام بعد ذلك حتى فارقته الحمى، فأخرج خيمته، و نادى في العساكر بالتأهب للجهاد إلى حلب.

____________

(1)- مدينة الآن بتركية هي في لحف جبل بين نصيبين و ماردين. معجم البلدان.

424

و بقي أياما و عمل العسكر أشغاله و خرج- (رحمه اللّه)- في عسكر قويّ، فوصل إلى الرّحبة، و كاتب أتابك طغتكين صاحب دمشق، و صمصام الدّين خير خان بن قراجا صاحب حمص.

و رحل إلى بالس، و سار منها إلى حلب فوصلها يوم الخميس لثمان بقين من ذي الحجة من سنة ثماني عشرة.

و لما قرب من حلب رحل دبيس ناشرا أعلامه البيض إلى الفرنج عند قربه من حلب، و تحوّلوا إلى جبل جوشن كلّهم، و خرج الحلبيّون إلى خيامهم فنهبوها و نالوا منها ما أرادوا.

و خرج أهل حلب و التقوا قسيم الدولة عند وصوله، و سار نحو الفرنج فانهزموا بين يديه من جبل جوشن، و هو يسير وراءهم على مهل حتى أبعدوا عن البلد.

فأرسل الشالشية (1)، و أمرهم أن يردّوا العسكر، فجعل القاضي ابن الخشّاب يقول له: «يا مولانا لو ساق العسكر خلفهم أخذناهم، فانهم منهزمون و العسكر محيطة بهم». فقال له: «يا قاضي تعلم أنّ في بلدكم ما يقوم بكم و بعسكري لو قدّر علينا- و العياذ باللّه- كسرة؟» فقال: «لا».

فقال: «ما يؤمننا أن يرجعوا علينا و يكسرونا، و يهلك المسلمون، و لكن قد كفى اللّه شرّهم و ندخل إلى البلد و نقوّيه و ننظر في مصالحه، و نجمع لهم إن شاء اللّه، و نخرج إليهم بعد ذلك» (2).

____________

(1)- حملة شارات و أعلام كانوا يقومون بوظيفة مراقبة أمن الجيش و نظامه.

(2)- لمزيد من التفاصيل انظر ترجمة آق سنقر البرسقي في بغية الطلب ص 1963- 1970.

425

و رجع و دخل البلد و تسلّم قلعتها، و نظر في مصالح البلد و قوّاه، و أزال الظلم و المكوس و عدل فيهم عدلا شاملا و أحسن إليهم إحسانا كاملا.

و كتب لأهل حلب توقيعا باطلاق المظالم و المكوس، نسخته موجودة، بعدما كان الحلبيّون منوا به من الظّلم و المصادرة من عبد الكريم والي القلعة، و عمر الخاص والي البلد، و تسليطهما الجند و الأتراك على مصادرة الناس بحيث أنهم استصفوا أموالهم من الأكابر و الصدور و غيرهم في حالة الحصار.

و أما الفرنج فانهم توجّهوا إلى الأثارب و دخلوا أنطاكية.

و شرع النّاس في الزّرع ببلد حلب في الثّاني عشر من شباط و جعلوا يبلّوا الغلّة بالماء، و يزرعونها فنبتت و تداركت عليها الأمطار فأخصبت، و جاءت الغلّة من أجود الغلال و أزكاها.

و أطلق البرسقيّ بني منقذ من الاعتقال بقلعة حلب، و رحل إلى تلّ السّلطان في سنة تسع عشرة و خمسمائة، في أواخر المحرّم، و أقام به ثلاثة أيام، و رحل إلى أن وصل إلى شيزر في سابع صفر، و تسلّم أولاد الفرنج من ابن منقذ، و باعهم بثمانين ألف دينار حملت إليه.

و أقام بأرض حماة أياما حتى وصل إليه أتابك طغتكين، فرحل في عساكره التي لا تحدّ كثرة، و نزل كفرطاب فسلّمت إليه يوم الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر، و سلّمها إلى صمصام الدين خيرخان بن قراجا، و كان قد

426

وصل إليه من حمص و التقاه بتلّ السلطان.

و سار إلى عزاز و قاتلها، و نقبت قلعتها فقصدهم الفرنج، فالتقوا سادس عشر ربيع الآخر، و كسر البرسقي كسر عظيمة، و استشهد جماعة من المسلمين من السّوقة و العامة، و لم يقتل من الأمراء و المقدّمين أحد.

و وصل أق سنقر البرسقي سالما إلى حلب، و أقام على قنّسرين أياما، و تفرّقت العساكر إلى بلادهم، و وصل أمير حاجب صارم الدّين بابك بن طلماس، فولّاه البرسقي حلب و بلدها، و عزل عنها سوتكين واليا كان ولّاه.

و وقعت الهدنة بين البرسقيّ و الفرنج على أن يناصفهم في جبل السّماق و غيره مما كان بأيدي الفرنج، و سار البرسقيّ إلى الموصل فلم يزل الفرنج يعلّلون الشحن و المقطعين بالمحال في مغلّ ما وقعت الهدنة عليه إلى العشرين من شعبان من السّنة.

و سار بغدوين إلى بيت المقدس و الرسول خلفه يعلمه بأن الفرنج لا يمكنون أحدا من رفع شي‏ء من الصّيافي؛ و أخذ بعض متصرفي المسلمين بعض الارتفاع من بعض الأماكن و الهدنة على حالها، فتجمّع الفرنج و نزلوا رفنية.

و خرج شمس الخواص صاحبها طالبا أق سنقر البرسقيّ مستصرخا به، و سلّمها إليهم ولده المستخلف فيها في آخر صفر من سنة عشرين و خمسمائة، و قصدوا بلد حمص فشعّثوه.

427

فجمع البرسقيّ العساكر و حشد، و سار نحو الشّام لحربهم حتى وصل الرّقة في أواخر شهر ربيع الآخر، و سار إلى أن نزل بالنّقرة على النّاعورة في الشهر المذكور، و أقام به أيّاما و الفرنج يراسلونه، فراسله جوسلين على أن تكون الضّياع ما بين عزاز و حلب مناصفة و أن يكون الحرب بينهما على غير ذلك، فاستقرّ هذا الأمر.

و كان بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار و شهريار بك ابن عمه، قد توجّها مع جماعة من التركمان إلى المعرّة فأوقعوا بعسكر الفرنج، و قتل المسلمون منهم مائة و خمسين، و أسروا جفري بلنك، صاحب بسرفوث، من جبل بني عليم، و أودع في سجن حلب.

و كان قد سيّر البرسقيّ ولده عزّ الدين مسعودا منجدا لصاحب حمص، فاندفع الفرنج عنها فعاد عزّ الدين إلى والده، فتركه بحلب، و عزل بابك عن ولايتها و ولّاها كافور الخادم إلى أن ينظر فيمن يوليه إياها ولاية مستقلة.

و رحل قسيم الدولة إلى الأثارب في الثامن من جمادى الآخرة من سنة عشرين، و سيّر بابك بن طلماس في جماعة من العسكر و النقّابين إلى حصن الدير المجدّد فوق سرمدا ففتحه سلما.

و قتل من الخيّالة بعد ذلك خمسون فارسا، و نهب العساكر الغلال و الفلاحين في سائر البلد الذي وصلت الغارات إليه، و رفعوا الغلّة جميعها إلى حلب، و زحفوا إلى قلعة الأثارب، و خربوا الحوشين، و لم يتيسر فتحها.

428

و وصل بغدوين من القدس في جموع الفرنج، و وصل إليه جوسلين، و نزلوا عم‏ (1) و أرتاح، و سيّروا إلى البرسقيّ: «ترحل عن هذا الموضع، و نتّفق على ما كنّا عليه في العام الخالي، و نعيد رفنية عليك»، فتجنّب الحرب، و خشي أن يتم على المسلمين ما تمّ على عزاز فصالحهم إلى أن فرّج الخناق عن الأثارب، و خرج صاحبها بماله و رجاله.

فغدر الفرنج و قالوا: «ما نصالح إلّا على أن تكون الأماكن التي ناصفنا فيها في العام الماضي لنا دون المسلمين». فامتنع من ذلك و أقام على حلب أياما و الرسل تتردد بينهم، فلما لم تتفق حال عاد أق سنقر، و نزل قنسرين، و رحل إلى سرمين، و امتدت العساكر إلى الفوعة و دانيث.

و نزل الفرنج على حوش معرّة مصرين، فأقاموا كذلك إلى نصف رجب، و نفدت أزواد الفرنج، فعادوا إلى بلادهم، ثم عاد البرسقي و في صحبته أتابك طغتكين، و كان وصل اليه و هو على قنسرين فدخلوا من العسكر و نزلوا باب حلب.

و مرض أتابك فعملت له المحفّات، و أوصى إلى البرسقي، و توجه إلى دمشق، و سلّم البرسقي حلب و تدبيرها إلى ولده عزّ الدين مسعود، فدخل حلب، و أجمل السيرة و تحلّى بفعل الخير.

و سار أبوه إلى الموصل، فدخلها في ذي القعدة سنة عشرين‏

____________

(1)- عمّ: قرية غناء ذات عيون جارية و أشجار متدانية بين حلب و أنطاكية- معجم البلدان.

429

و خمسمائة، و قصد الجامع بها ليصلّي فيه يوم الجمعة تاسع ذي القعدة، و قصد المنبر، فلما قرب منه وثب عليه ثمانية نفر في زيّ الزّهاد، فاخترطوا خناجر و قصدوه و عليه درع من الحديد، و حوله جمع عظيم و هو متحفظ منهم، فسبقوا أصحابه إليه، فضربوه حتى أثخنوه و حمل جريحا فمات من يومه.

و قتل من كان وثب عليه من الباطنيّة غير شاب واحد كان من كفرناصح‏ (1)- ضيعة من عمل عزاز- فإنّه سلم، و كان له أم عجوز فلما سمعت بقتل البرسقي و قتل من وثب عليه و كانت قد علمت أنّ ابنها معهم فرحت و اكتحلت و جلست مسرورة فوصلها ابنها بعد أيام سالما فأحزنها ذلك، و جزّت شعرها و سوّدت وجهها.

و قيل: إنّ البرسقي قتل بيده منهم ثلاثة، و كان البرسقي- (رحمه اللّه)- قد رأى تلك الليلة في منامه عدّة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها، و نال منه الباقون أذى شديدا، فقصّ رؤياه على أصحابه، فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدّة أيام، فقال: «لا أترك الجمعة لشي‏ء أبدا»، و كان من عادته أن يحضر الجمعة مع العامة- (رحمه اللّه)- و كان وزير البرسقيّ المؤيد بن عبد الخالق، و كان قدم معه حلب حين قدمها.

و ملك عزّ الدين مسعود حلب عند ورود الخبر عليه بقتل أبيه في سنة

____________

(1)- ما تزال كفر ناصح تحمل الاسم نفسه و هي في منطقة جبل سمعان- محافظة حلب و تبعد عن حلب مسافة 33 كم. انظر بغية الطلب 1968- 1970 حيث المزيد من التفاصيل.

430

عشرين، و استوزر المؤيد وزير أبيه و ولّى فيها من قبله الأمير تومان.

و سار من حلب في سنة إحدى و عشرين و خمسمائة إلى السلطان محمود و هو ببغداد، فسأله أن ينعم عليه ببلاد أبيه، فكتب له منشورا بذلك، فوصل إلى الموصل و ملكها، ثم نزل إلى الرّحبة قاصدا إلى الشام؛ و كان يظن أنّ قاتل أبيه قوم من أهل حماة، فأضمر للشّام و أهله شرّا عظيما.

و رجع عما كان عليه من الأفعال المحمودة و الإقبال على مجاهدة الفرنج، و بلغ طغتكين عنه أنّه يقصده، فتأهّب له فلمّا نزل بظاهر الرّحبة امتنع واليها من تسليمها، فحاصرها أيّاما فسلمها الوالي إليه، و نزل فوجده قد مات فجأة، و قيل: سقي سما فمات.

و ندم الوالي على تسليم الرّحبة، و كان قد وصلت قطعة من العسكر لتقوية حلب فمنعهم تومان من الدّخول إليها، فوقع الشرّ بينه و بين رئيس حلب فضائل بن بديع، و داخلهم إلى حلب.

فوصل إلى حلب ختلغ أبه‏ (1) السّلطانيّ غلام السّلطان محمود، و معه توقيع مسعود بن البرسقي بحلب، كتبه قبل وصوله إلى الرّحبة فلم يقبله تومان والي حلب فعاد ختلغ أبه إلى الرّحبة،- و قد جرى فيها ما ذكرناه من موت مسعود-.

فعاد ختلغ أبه على فوره إلى حلب فتسلّمها من يد تومان، آخر جمادى‏

____________

(1)- له ترجمة مفيدة في بغية الطلب ص 3216- 3219.

431

الآخرة، و صعد إلى قلعتها بطالع اختاره له المنجّمون، فأخذه الطّمع في أموال النّاس، و صادر جماعة من أهل حلب، و اتّهمهم بودائع المجنّ الفوعي، رئيس حلب المقتول في أيّام رضوان.

و قبض على شرف الدّين أبي طالب بن العجمي و عمّه أبي عبد اللّه، و اعتقلهما بحلب، و ثقب كعاب أبي طالب و صادره، فعاد فعله القبيح عليه بالبوار، و ضلّ رأي منجّمه في ذلك الاختيار.

و قام أهل حلب عليه فحصروه، و قدّموا عليهم بدر الدّولة سليمان بن عبد الجبّار، و نادى أهل حلب بشعار بدر الدّولة، و ساعده على ذلك رئيس حلب فضائل بن صاعد بن بديع، و قبض على أصحاب ختلغ أبه، و ذلك في الثاني من شوّال.

و قصد حلب في تلك الحال ملك أنطاكية و جوسلين فصانعوه على مال حتّى رحل‏ (1)؛ و ضايقوا القلعة و أحرقوا القصر، و دخل إليهم إلى المدينة الملك ابراهيم بن رضوان؛ و وصل اليهم حسّان صاحب منبج، و صاحب بزاعا؛ و دام الحصار إلى النّصف من ذي الحجّة.

و كان أتابك عماد الدّين زنكي بن قسيم الدّولة أق سنقر قد ملك الموصل بتواقيع السّلطان محمود، فسيّر إليه شهاب الدّين مالك بن سالم صاحب قلعة جعبر، و أعلمه بأحوال حلب و حصارها؛ فسيّر أتابك إليها

____________

(1)- انظر بغية الطلب ص 3218.

432

عسكرا مع الأمير سنقر دراز و الأمير الحاجب صلاح الدّين حسن‏ (1).

و دخل الأمير صلاح الدّين فأصلح الحال، و وفّق بينهما على أن استدعيا أتابك زنكي من الموصل، فتوجّه بالجيوش إلى حلب، و قيل: إنّ بدر الدّولة و ختلغ سارا إليه.

____________

(1)- كذا بالأصل و هذه الرواية مشوشة صوابها ما رواه ابن العديم نفسه في بغية الطلب ص 3218- 3219: «نصف ذي الحجة وصل الأمير سنقر دراز و الأمير حسن قراقش و جماعة أمراء في عسكر قوي إلى باب حلب و اتفق الأمر على يسير بدر الدولة و خطلبا إلى باب الموصل إلى المولى الاصفهسلار الملك عماد الدين قسيم الدولة زنكي بن قسيم الدولة آق سنقر إلى الموصل، فلمن ولى عاد إلى منصبه، و أقام بحلب الأمير حسن قراقش مع الأمير الحاجب صلاح الدين العمادي، فوصل إلى حلب، و أطلع إلى القلعة واليا من قبله، و رتب الأمور».