محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
53

التكليف إلى كل واحد من افراد المكلف غير معلوم فيكون كل منها شاكاً في ذلك، و معه لا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه عقلا و شرعاً. لفرض ان الشك في أصل ثبوت التكليف و هذا هو القدر المتيقن من موارد جريان البراءة. و على هذا فلا يمكن ان يصل هذا التكليف إلى المكلف أصلا، لما ذكرناه من ان وصول التكليف يتوقف على وصول الكبرى و الصغرى له معاً، و المفروض في المقام ان الصغرى غير واصلة، ضرورة ان من كان مكلفاً بهذا التكليف في الواقع غير معلوم و انه من هو؟

و من الطبيعي ان جعل تكليف غير قابل للوصول إلى المكلف أصلا لغو محض فلا يترتب عليه أي أثر، و من المعلوم ان صدور اللغو من الحكيم مستحيل، فاذن يستحيل ان يكون موضوعه هو الواحد المعين عند اللَّه كما انه لا يمكن ان يكون موضوعه هو الواحد المعين مطلقاً حتى عند المكلفين، و ذلك لأنه مضافاً إلى كونه مفروض العدم هنا يلزم التخصيص بلا مخصص و الترجيح من غير مرجح، فان نسبة ذلك الغرض الواحد إلى جميع المكلفين على صعيد واحد، و عليه فتخصيص الواحد المعين منهم بتحصيله لا محالة يكون بلا مخصص.

الثاني- ان يقال: التكليف في الواجبات الكفائية متوجه إلى مجموع آحاد المكلفين من حيث المجموع بدعوى انه كما يمكن تعلق تكليف واحد شخصي بالمركب من الأمور الوجودية و العدمية على نحو العموم المجموعي إذا كان الغرض المترتب عليه واحداً شخصياً، كذلك يمكن تعلقه بمجموع الأشخاص على نحو العموم المجموعي.

و يرد على ذلك أولا ان لازم هذا هو عدم حصول الغرض و عدم سقوط التكليف بفعل البعض، لفرض ان الفعل مطلوب من مجموع المكلف على نحو العموم المجموعي، و الغرض مترتب على صدوره من مجموعهم على نحو الاشتراك‏

54

و عليه فمن الطبيعي انه لا يسقط بفعل البعض و لا يحصل الغرض به، و هذا ضروري الفساد و لن يتوهم أحد و لا يتوهم ذلك. (و ثانياً) ان هذا لو تم فانما يتم فيما إذا كان التكليف متوجهاً إلى صرف وجود مجموع افراد المكلف الصادق على القليل و الكثير دون مجموع أفراده المتمكنين من الإتيان به ضرورة ان بعض الواجبات الكفائية غير قابل لأن يصدر من المجموع فاذن كيف يمكن توجيه التكليف به إلى المجموع، و على كل فهذا الوجه واضح الفساد.

الثالث- ان يقال ان التكليف به متوجه إلى عموم المكلفين على نحو العموم الاستغراقي فيكون واجباً على كل واحد منهم على نحو السريان، غاية الأمر ان وجوبه على كل مشروط بترك الآخر.

و يرده مضافاً إلى انه بعيد في نفسه. فان الالتزام بوجوبه أولا و اشتراطه بالترك ثانياً تبعيد للمسافة فلا يمكن استفادته من الأدلة، ان الشرط لو كان هو الترك في الجملة فلازمه هو ان المكلف لو ترك في برهة من الزمان و لو بمقدار دقيقة واحدة فقد حصل الشرط و تحقق، و من المعلوم انه إذا تحقق يجب على جميع المكلفين عيناً. و هذا خلف. و لو كان الشرط هو الترك المطلق فلازمه هو انه لو أتى به جميع المكلف لم يحصل الشرط- و هو الترك المطلق- و إذا لم يحصل فلا وجوب لانتفائه بانتفاء شرطه على الفرض، فاذن لا معنى للامتثال و حصول الغرض. ضرورة انه على هذا الفرض لا وجوب في البين ليكون الإتيان بمتعلقه امتثالا و موجباً لحصول الغرض في الخارج، على انه لا مقتضى لذلك و الوجه فيه هو ان الغرض بما انه واحد و قائم بصرف وجود الواجب في الخارج فلا بد ان يكون الخطاب أيضاً لذلك، و إلا لكان بلا داع و غرض.

و هو محال.

نعم لو كانت هناك أغراض متعددة بعدد افعال المكلفين. و لم يمكن الجمع‏

55

بينها و استيفائها معاً لتضادها. فعندئذ لا محالة يكون التكليف بكل منهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر على نحو الترتب، و قد ذكرنا في بحث الضدان الترتب كما يمكن بين الحكمين في مقام الفعلية و الامتثال، كذلك يمكن بين الحكمين في مقام الجعل و التشريع، فلا مانع من ان يكون جعل الحكم لأحد الأمرين مترتباً على عدم الإتيان بالآخر.

و غير خفي ان هذا مجرد فرض لا واقع له أصلا اما أولا فلان هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فان المفروض في محل الكلام هو ما إذا كان الغرض واحداً بالذات، و فرض تعدد الغرض بتعدد افعال المكلفين فرض خارج عن مفروض الكلام. و اما (ثانياً) فلان فرض التضاد بين الملاكات مع عدم التضاد بين الأفعال يكاد يلحق بأنياب الأغوال، بداهة انه لا واقع لهذا الفرض أصلا، على انه لو كان له واقع فلا طريق لنا إلى إحراز تضادها و عدم إمكان الجمع بينها مع عدم التضاد بين الأفعال. و اما (ثالثاً) فلان فرض تعدد الغرض انما يمكن فيما إذا كان الواجب متعدداً خارجاً، و اما إذا كان الواجب واحداً كما هو المفروض في المقام كدفن الميت و كفنه و غسله و صلاته و نحو ذلك فلا معنى لأن تترتب عليه أغراض متعددة، فلا محالة يكون المترتب عليه غرضاً واحداً، بداهة انه لا يعقل ان يكون المترتب على واجب واحد عرضين أو أغراض كما هو واضح فالنتيجة ان هذا الوجه أيضا فاسد.

الرابع- ان يكون التكليف متوجهاً إلى أحد المكلفين لا بعينه المعبر عنه بصرف الوجود، و هذا الوجه هو الصحيح، بيان ذلك هو ان غرض المولى كما يتعلق تارة بصرف وجود الطبيعة و أخرى بمطلق وجودها، كذلك يتعلق تارة بصدوره عن جميع المكلفين و أخرى بصدوره عن صرف وجودهم، فعلى الأول الواجب عيني فلا يسقط عن بعض بفعل بعض آخر .. و هكذا، و على الثاني‏

56

فالواجب كفائي بمعنى انه واجب على أحد المكلفين لا بعينه المنطبق على كل واحد واحد منهم، و يسقط بفعل بعض عن الباقي، و هذا واقع في العرف و الشرع، و لا مانع منه أصلا، اما في العرف فلأنه لا مانع من ان يأمر المولى أحد عبيده أو خدامه بإيجاد فعل ما في الخارج من دون ان يتعلق غرضه بصدور هذا الفعل من خصوص هذا و ذاك، و لذا أي واحد منهم أتى به و أوجده فقد حصل الغرض و سقط الأمر لا محالة كما إذا امر أحدهم بإتيان ماء مثلا ليشربه، فانه من المعلوم ان أي واحد منهم قام به فقد و في بغرض المولى. و اما في الشرع فائضاً كذلك، ضرورة انه لا مانع من ان يأمر الشارع المكلفين بإيجاد فعل في الخارج كدفن الميت- مثلا- أو كفنه أو ما شاكل ذلك من دون ان يتعلق غرضه بصدوره عن خصوص واحد منهم، بل المطلوب وجوده في الخارج من أي واحد منهم كان، فان نسبة ذلك الغرض الواحد إلى كل من المكلفين على السوية، فعندئذ تخصيص الواحد المعين منهم بتحصيل ذلك الغرض خارجاً بلا مخصص و مرجح، و تخصيص المجموع منهم بتحصيل ذلك مع انه بلا مقتض و موجب باطل بالضرورة، كما عرفت، و تخصيص الجميع بذلك على نحو العموم الاستغراقي أيضاً بلا مقتض و موجب، إذ بعد كون الغرض واحداً يحصل بفعل واحد منهم فوجوب تحصيله على الجميع لا محالة يكون بلا مقتض و سبب، فاذن يتعين وجوبه على الواحد لا بعينه المعبر عنه بصرف الوجود، و يترتب على ذلك انه لو أتى به بعض فقد حصل الغرض لا محالة و سقط الأمر، لفرض ان صرف الوجود يتحقق بأول الوجود و لو أتى به جميعهم، كما إذا صلوا على الميت- مثلا- دفعة واحدة كان الجميع مستحقاً للثواب، لفرض ان صرف الوجود في هذا الفرض يتحقق بوجود الجميع دون خصوص وجود هذا أو ذاك، و اما لو تركه الجميع لكان كل منهم مستحقاً للعقاب، فان صرف الوجود يصدق على وجود كل منهم من ناحية

57

و المفروض ان كلا منهم قادر على إتيانه من ناحية أخرى.

فالنتيجة هي ان الواجب الكفائي ثابت في اعتبار الشارع على ذمة واحد من المكلفين لا بعينه الصادق على هذا و ذاك نظير ما ذكرناه في بحث الواجب التخييري من ان الواجب أحدهما لا بعينه المنطبق على هذا الفرد أو ذاك لا خصوص أحدهما المعين، فلا فرق بين الواجب التخييري و الواجب الكفائي إلا من ناحية ان الواحد لا بعينه في الواجب التخييري متعلق الحكم و في الواجب الكفائي موضوعه.

بقي هنا فرع ذكره شيخنا الأستاذ (قده) هو انه إذا فرضنا شخصين فاقدي الماء فتيمما، ثم بعد ذلك وجدا ماء لا يكفي إلا لوضوء أحدهما فهل يبطل تيمم كل منهما أو لا يبطل شي‏ء منهما أو يبطل واحد منهما لا بعينه دون الآخر وجوه قد اختار (قده) الوجه الأول، و أفاد في وجه ذلك ان في المقام أموراً ثلاثة:

(الأول) الأمر بالوضوء. (الثاني) الأمر بالحيازة. (الثالث) القدرة على الحيازة، لا إشكال في ان وجوب الوضوء مترتب على الحيازة الخارجية و كون الماء في تصرف المكلف، ليصدق عليه انه واجد له فعلا، و اما وجوب الحيازة على كل منهما فمشروط بعدم سبق الآخر و حيازته، و إلا فلا وجوب، كما هو واضح و على هذا فلا يمكن وجوب الوضوء على كل منهما فعلاً، لفرض ان الماء لا يكفى إلا لوضوء أحدهما، و لكن بطلان تيممها لا يترتب على وجوب الوضوء لهما فعلا، بل هو مترتب على تمكن المكلف من استعمال الماء و قدرته عليه عقلا و شرعاً، و المفروض ان القدرة على الحيازة بالإضافة إلى كليهما موجودة فعلا، ضرورة ان كلا منهما متمكن فعلا من حيازة هذا الماء في نفسه مع قطع النّظر عن الآخر، و عدم كفاية الماء إلا لوضوء واحد إنما يكون منشأ لوقوع التزاحم بين فعلية حيازة هذا و ذاك خارجاً لا بين القدرة على الحيازة، لما عرفت من انها

58

فعلية بالإضافة إلى كليهما معاً من دون أي تناف في البين.

و على الجملة فبما ان بطلان التيمم في الآية المباركة أو نحوها منوط بوجدان الماء و قد ذكرنا ان المراد منه القدرة على استعماله عقلاً و شرعاً فلا محالة يبطل تيمم كل منهما، لفرض انه واجد للماء و متمكن من استعماله كذلك، و هذا لا ينافي وقوع التزاحم بين الخطابين في ناحية الوضوء خارجاً و ذلك لفرض ان يتمم كل مكلف مشروط بعدم الوجدان، فإذا كان واجداً و قادراً على الاستعمال لا محالة يفسد تيممه، و لا فرق فيه بين وقوع التزاحم بين الخطابين في ناحية الوضوء و عدم وقوعه أصلاً، كما هو واضح.

و لنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قده) و هي ان هذين الشخصين لا يخلوان من ان يتسابقا إلى أخذ هذا الماء المفروض وجوده أم لا، فعلى الأول ان كان كل منهما مانعاً عن الآخر، كما إذا فرض كون قوة أحدهما مساوية لقوة الآخر فتقع الممانعة بينهما و المزاحمة إلى ان يضيق الوقت فلا يتمكن واحد منهما من الوصول إلى الماء، فعندئذ لا وجه لبطلان تيممها أصلا و لا لبطلان تيمم أحدهما، لفرض عدم تمكنهما من استعمال الماء، و إذا كان أحدهما أقوى من الآخر فالباطل هو تيمم الأقوى دون الآخر، اما بطلان تيمم الأقوى، فلفرض انه واجد للماء فعلا، و اما عدم بطلان تيمم الآخر، فلكشف ذلك عن عدم قدرته على الوضوء أو الغسل و انه باق على ما كان عليه من عدم الوجدان، و على الثاني فيبطل كلا التيممين معاً، و الوجه في ذلك هو ان كلا منهما قادر على حيازة هذا الماء و استعماله في الوضوء أو الغسل من دون مانع من الآخر، لفرض عدم تسابقهما إلى أخذه و حيازته و لو لأجل عدم المبالاة بالدين، و عليه فيصدق على كل منهما انه واجد للماء و متمكن من استعماله عقلاً و شرعاً، و معه لا محالة يبطل كلا التيممين معاً، و قد ذكرنا في محله ان وجوب الوضوء و بطلان التيمم في الآية المباركة مترتبان‏

59

على وجدان الماء، فإذا كان المكلف واجداً له وجب الوضوء و بطل تيممه و إلا فلا، و هذا واضح، و لكن العجب من شيخنا الأستاذ (قده) كيف فصل بين بطلان التيمم و عدم وجوب الوضوء مع ان وجوب الوضوء لا ينفك عن بطلان التيمم كما هو مقتضى الآية الكريمة، كما انه لا وجه لما ذكره (قده) من بطلان تيمم كليهما معاً لما عرفت من انه لا بد من التفصيل في ذلك.

و نتيجة هذا البحث عدة نقاط:

الأول- ان الأمر كما انه لا يمكن تحققه بدون متعلق كذلك لا يمكن تحققه بدون موضوع على جميع المذاهب و الآراء.

الثانية- انه كما يمكن لحاظ متعلق الحكم تارة على نحو العموم الاستغراقي و أخرى على نحو العموم المجموعي، و ثالثاً على نحو صرف الوجود يمكن لحاظ الموضوع أيضاً كذلك بان يلحظ تارة على نحو العموم الاستغراقي، و أخرى على نحو العموم المجموعي، و ثالثاً على نحو صرف الوجود.

الثالثة- ان الواجب الكفائي ثابت على ذمة أحد المكلفين لا بعينه الّذي عبر عنه بصرف الوجود لا على ذمة جميع المكلفين و لا على ذمة مجموعهم و لا على ذمة الواحد المعين كما عرفت.

الرابعة- ان فرض تعدد الملاك فرض خارج عن محل الكلام، مع انه لا شاهد عليه أصلا كما مر.

الخامسة- ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من بطلان تيمم شخصين كانا فاقدي الماء، ثم وجدا ماء لا يكفي إلا لوضوء أحدهما فحسب مطلقاً لا وجه له أصلا كما سبق، كما انه لا أصل لما ذكره (قده) من التفصيل بين بطلان التيمم و عدم وجوب الوضوء.

60

الواجب الموسع و المضيق‏

ينقسم الواجب باعتبار تحديده بزمان خاص و عدم تحديده به إلى موقت و غير موقت، و ينقسم الموقت باعتبار زيادة الزمان المحدد له على الزمان الوافي بإتيان الواجب فيه و عدم زيادته عليه إلى موسع و مضيق، و الأول كالصلوات اليومية، فان وقتها زائد على زمان فعلها فيتمكن المكلف من الإتيان بها في وقتها مرات عديدة كما هو واضح، و الثاني كصوم شهر رمضان أو نحوه، فان الزمان المحدد له مساو لزمان الإتيان به بحيث يقع كل جزء منه في جزء من ذلك الزمان بلا زيادة و نقيصة.

قد يشكل في إمكان الواجب الموسع تارة، و في المضيق أخرى، اما في الأول فبدعوى انه يستلزم جواز ترك الواجب في أول الوقت و هو ينافي وجوبه كيف فان الواجب ما لا يجوز تركه، فإذا فرض انه واجب في أول الوقت كيف يجوز تركه.

و غير خفي ما فيه من المغالطة، و ذلك لأن الواجب هو الجامع بين المبدأ و المنتهى المعرى عنه جميع خصوصيات الافراد من العرضية و الطولية، و الواجب على المكلف هو الإتيان بهذا الجامع بين هذين الحدين لا في كل آن و وقت، ليكون تركه أول الوقت تركا للواجب و لو أتى به في آخر الوقت، بل تركه فيه ترك لفرده و هو ليس بواجب على الفرض، و لذا لو ترك المكلف الصلاة في أول الوقت و أتى بها في آخر الوقت فلا يقال انه ترك الواجب، و قد تقدم نظير هذا الإشكال في الواجب التخييري أيضاً فيما إذا فرض ان كل واحد من الفعلين واجب فكيف يجوز تركه مع الإتيان بالآخر، مع انه لا يجوز ترك الواجب، و قد

61

أجبنا عنه بعين هذا الجواب، و قلنا بان الواجب هو الجامع بينهما لا خصوص هذا و ذاك، فاذن لو أتى المكلف بأحدهما و ترك الآخر فلا يكون تاركاً للواجب.

و على الجملة فلا فرق بين الافراد العرضية و الطولية من هذه الناحية أصلا، فكما ان الواجب هو الجامع بين الافراد العرضية، فكذلك هو الجامع بين الافراد الطولية، فكما ان المكلف مخير في تطبيقه على أي فرد من افراده العرضية، فكذلك هو مخير في تطبيقه على أي فرد من افراده الطولية، و لا يكون تركه في ضمن فرد، و الإتيان به ضمن فرد آخر تركا للواجب من دون فرق في ذلك بين الافراد العرضية و الطولية أصلا، فاذن لا وجه لهذا الإشكال أبداً. و اما في الثاني و هو الإشكال في إمكان وجود المضيق فبدعوى ان الانبعاث لا بد و ان يتأخر عن البعث و لو انا ما، و عليه فلا بد من فرض زمان يسع البعث و الانبعاث معاً أعني الوجوب و فعل الواجب و لازم ذلك هو زيادة زمان الوجوب على زمان الواجب- مثلا- إذا فرض تحقق وجوب الصوم حين الفجر فلا بد و ان يتأخر الانبعاث عنه آنا ما و هو خلاف المطلوب ضرورة ان لازم ذلك هو خلو بعض الآنات من الواجب، و إذا فرض تحقق وجوب الصوم قبل الفجر يلزم تقدم المشروط على الشرط و هو محال، و عليه فلا بد من الالتزام بعدم اشتراطه بدخول الفجر لئلا يلزم تقدم المعلول على علته، و لازم ذلك هو عدم إمكان وجود الواجب المضيق.

و يرد على ذلك أولا ان الملاك في كون الواجب مضيقاً هو ما كان الزمان المحدد له وقتاً مساوياً لزمان الإتيان بالواجب بحيث يقع كل جزء منه في جزء من ذلك الزمان بلا زيادة و نقيصة، و اما كون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب أو مساوياً له فهو أجنبي عما هو الملاك في كون الواجب مضيقاً، و من هنا لا شبهة في تصوير الواجب المضيق و الموسع على القول بالواجب المعلق، مع ان‏

62

زمان الوجوب فيه أوسع من زمان الواجب، و لن يتوهم أحد و لا يتوهم انه لا يتصور المضيق على هذه النظرية كما هو واضح. و ثانياً ان تأخر الانبعاث عن البعث ليس بالزمان ليلزم المحذور المزبور، بل هو بالرتبة كما لا يخفى. نعم العلم بالحكم و ان كان غالباً متقدماً على حدوثه أي حدوث الحكم زماناً، إلا انه ليس مما لا بد منه، بداهة ان توقف الانبعاث عند تحقق موضوع البعث كالفجر في المثال المزبور- مثلا- على العلم به أي بالبعث رتبي، و ليس زمانياً كما هو واضح كتقدم العلم بالموضوع على العلم بالحكم.

ثم ان مقتضي القاعدة هل هو وجوب الإتيان بالموقت في خارج الوقت إذا فات في الوقت اختياراً أو لعذر أم لا مع قطع النّظر عن الدليل الخاصّ الدال على ذلك كما في الصلاة و الصوم، هذه هي المسألة المعروفة بين الأصحاب قديماً و حديثاً في أن القضاء تابع للأداء أو هو بأمر جديد فيها وجوه بل أقوال: الأول وجوب الإتيان به مطلقاً. الثاني عدم وجوبه كذلك. الثالث التفصيل بين ما إذا كانت القرينة على التقيد متصلة و ما إذا كانت منفصلة، فعلى الأول ان كانت القرينة بصورة قضية شرطية فتدل على عدم وجوب إتيانه في خارج الوقت بناء على ما هو المشهور من دلالة القضية الشرطية على المفهوم، و اما إذا كانت بصورة قضية وصفية فدلالتها على ذلك تبتنيان على دلالة القضية الوصفية على المفهوم و عدم دلالتها عليه. و على الثاني (و هو كون القرينة منفصلة) فلا تمنع عن إطلاق الدليل الأول الدال على وجوبه مطلقاً في الوقت و في خارجه، ضرورة ان القرينة المنفصلة لا توجب انقلاب ظهور الدليل الأول في الإطلاق إلى التقييد، بل غاية ما في الباب انها تدل على كونه مطلوباً في الوقت أيضاً، فاذن النتيجة في المقام هي تعدد المطلوب بمعنى كون الفعل مطلوباً في الوقت لأجل دلالة هذه القرينة المنفصلة و مطلوباً في خارجه لأجل إطلاق الدليل الأول، و عليه فإذا لم يأتي المكلف‏

63

به في الوقت فعليه ان يأتي به في خارج الوقت، و هذا معنى تبعية القضاء للأداء.

و لنأخذ بالنقد على هذا التفصيل و ملخصه: هو انه لا فرق فيما نحن فيه بين القرينة المتصلة و المنفصلة، بيان ذلك ان القرينة المتصلة كما هي تدل على التقييد و على كون مراد المولى هو المقيد بهذا الزمان، كذلك القرينة المنفصلة، فانها تدل على تقييد إطلاق دليل المأمور به و كون المراد هو المقيد من الأول، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا. نعم فرق بينهما من ناحية أخرى، و هي ان القرينة المتصلة مانعة عن ظهور الدليل في الإطلاق، و معها لا ينعقد له ظهور، و القرينة المنفصلة مانعة عن حجية ظهوره في الإطلاق دون أصله، و لكن من المعلوم ان مجرد هذا لا يوجب التفاوت بينهما في مفروض الكلام، ضرورة انه لا يجوز التمسك بالإطلاق بعد سقوطه عن الحجية و الاعتبار، سواء أ كان سقوطه عنها بسقوط موضوعها و هو الظهور، كما إذا كانت القرينة متصلة أم كان سقوطه عنها فحسب من دون سقوط موضوعها. كما إذا كانت القرينة منفصلة، فالجامع بينهما هو انه لا يجوز التمسك بهذا الإطلاق.

و على الجملة فالقرينة المنفصلة و ان لم تضر بظهور المطلق في الإطلاق إلا انها مضرة بحجيته، فلا يكون هذا الظهور حجة معها، لفرض انها تكشف عن ان مراد المولي هو المقيد من الأول، فاذن لا أثر لهذا الإطلاق أصلا. هذا من ناحية و من ناحية أخرى انها لا تدل على انه مطلوب في الوقت بنحو كمال المطلوب، ليكون من قبيل الواجب في الواجب، و إلا لانسد باب حمل المطلق على المقيد في تمام موارد القيود الثابتة بقرينة منفصلة، سواء أ كانت زماناً أو زمانية، إذ على هذا لا بد من الالتزام بتعدد التكليف و ان التكليف المتعلق بالمقيد غير التكليف المتعلق بالمطلق، غاية الأمر ان المقيد أكمل الافراد، مثلا الأمر المتعلق بالصلاة مع الطهارة المائية أو مع طهارة البدن أو اللباس أو مستقبلا إلى القبلة أو ما شاكل‏

64

ذلك غير الأمر المتعلق بها على إطلاقها، و عليه فلو أتى بالصلاة مثلا فاقدة لهذه القيود فقد أتى بالواجب و ان ترك واجباً آخر و هو الصلاة المقيدة بهذه القيود، و من المعلوم ان فساد هذا من الواضحات الأولوية عند الفقهاء، و لن يتوهم ذلك في تلك القيود، و من الطبيعي انه لا فرق بين كون القيد زماناً أو زمانياً من هذه الناحية أصلا، و لذا لو ورد أعتق رقبة مطلقاً و ورد في دليل آخر أعتق رقبة مؤمنة لا يتأمل أحد في حمل الأول على الثاني و ان مراد المولى هو المقيد دون المطلق، و لأجل ذلك لا يجزي الإتيان به، و كيف كان فلا شبهة في ان ما دل على تقييد الواجب بوقت خاص كالصلاة أو نحوها لا محالة يوجب تقييد إطلاق الدليل الأول و ينكشف عن ان مراد المولى هو المقيد بهذا الوقت دون المطلق و لا فرق في ذلك بين كون الدليل الدال علي التوقيت متصلا أو منفصلا و هذا واضح فالنتيجة انه لا فرق بين القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة، فكما ان الأولى تدل على تقييد الأمر الأول و ان مراد المولى هو الأمر بالصلاة- مثلا- في هذا الوقت لا مطلقاً، فكذلك الثانية تدل على ذلك، فاذن ليس هنا أمر آخر متعلق بالصلاة على إطلاقها، ليكون باقياً بعد عدم الإتيان بها في الوقت على الفرض.

و لصاحب الكفاية (قده) في المقام تفصيل آخر و إليك نصّ كلامه. ثم انه لا دلالة للأمر بالموقت بوجه على الأمر به في خارج الوقت بعد فوته في الوقت لو لم نقل بدلالته على عدم الأمر به. نعم لو كان التوقيت بدليل منفصل لم يكن له إطلاق على التقييد بالوقت و كان لدليل الواجب إطلاق لكان قضية إطلاق ثبوت وجوب القضاء بعد انقضاء الوقت، و كون التقييد بحسب تمام المطلوب لا أصله. و بالجملة التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب، كذلك ربما يكون بنحو تعدد المطلوب بحيث كان أصل الفعل و لو في خارج الوقت مطلوباً في الجملة و ان لم يكن بتمام المطلوب، إلا انه لا بد في إثبات انه‏

65

بهذا النحو من الأدلة، و لا يكفي الدليل على الوقت إلا فيما عرفت، و مع عدم الدلالة فقضية أصالة البراءة عدم وجوبها في خارج الوقت، و لا مجال لاستصحاب وجوب الموقت بعد انقضاء الوقت فتدبر جيداً.

توضيح ما أفاده (قده) هو ان التقييد بالوقت لا يخلو من ان يكون بدليل متصل أو منفصل و لا ثالث لهما، اما على الأول (و هو ما إذا كان التقييد بدليل متصل) فلا يدل الأمر بالموقت على وجوب الإتيان به في خارج الوقت، إذ على هذا يكون الواجب هو حصة خاصة من طبيعي الفعل و هي الحصة الواقعة في هذا الوقت الخاصّ، و عليه فإذا لم يأت به المكلف في ذلك الوقت فلا دليل على وجوب الإتيان به في خارجه، و هذا واضح، و اما على الثاني (و هو ما إذا كان التقييد بدليل منفصل) فلا يخلو من ان يكون له إطلاق بالإضافة إلى حالتي الاختيار و عدمه أولا إطلاق له، فعلى الأول لا يدل على وجوب الإتيان به في خارج الوقت، لفرض ان ما دل على تقييده بزمان خاص و وقت مخصوص مطلق و بإطلاقه يشمل حال تمكن المكلف من الإتيان به في الوقت و عدم تمكنه منه، و لازم هذا لا محالة سقوط الواجب عنه عند مضي الوقت، و عدم ما يدل على وجوبه في خارج الوقت، و لا فرق في ذلك بين ان يكون للدليل الأول إطلاق بالإضافة إلى الوقت و خارجه أم لم يكن له إطلاق، كما لو كان الدليل الدال عليه لبياً من إجماع أو نحوه أو كان لفظياً، و لكنه لا يكون في مقام البيان من هذه الناحية، و الوجه في ذلك واضح على كلا التقديرين، اما على تقدير عدم الإطلاق له فالامر ظاهر إذ لا إطلاق له ليتمسك به، فاذن المحكم هو إطلاق الدليل المقيد، و اما على تقدير ان يكون له إطلاق فلما ذكرناه غير مرة من ان ظهور القرينة في الإطلاق يتقدم على ظهور ذي القرينة فيه فلا تعارض بينهما بنظر العرف أصلا، و على الثاني (و هو ما إذا لم يكن له إطلاق بالإضافة

66

إلى كلتا الحالتين) فالمقدار المتيقن من دلالته هو تقييد الأمر الأول بخصوص حال الاختيار و التمكن لا مطلقاً، بداهة انه لا يدل على أزيد من ذلك، لفرض عدم الإطلاق له، و عليه فلا بد من النّظر إلى الدليل الأول هل يكون له إطلاق أم لا؟ فان كان له إطلاق فلا مانع من الأخذ به لإثبات وجوب الإتيان به في خارج الوقت.

و بكلمة أخرى ان مقتضى إطلاق الدليل الأول هو وجوب الإتيان بهذا الفعل كالصلاة مثلا أو نحوها مطلقاً أي في الوقت و خارجه، و لكن الدليل قد دل على تقييده بالوقت في خصوص حال الاختيار، و من الطبيعي انه لا بد من الأخذ بمقدار دلالة الدليل، و بما ان مقدار دلالته هو تقييده بخصوص حال الاختيار و التمكن من الإتيان به في الوقت فلا مانع من التمسك بإطلاقه عند عدم التمكن من ذلك لإثبات وجوبه في خارج الوقت، ضرورة انه لا وجه لرفع اليد عن إطلاقه من هذه الناحية أصلا، كما هو واضح.

ثم ان هذا الكلام لا تختص بالتقييد بالوقت خاصة، بل يعم جميع القيود المأخوذة في الواجب بدليل منفصل، فان ما دل على اعتبار تلك القيود لا يخلو من ان يكون له إطلاق بالإضافة إلى حالتي الاختيار و عدمه أو لا يكون له إطلاق كذلك، و الأول كالطهارة- مثلا- فان ما دل على اعتبارها في الصلاة و اشتراطها بها كقوله (عليه السلام) «لا صلاة إلا بطهور» و نحوه مطلق و بإطلاقه يشمل صورة تمكن المكلف من الإتيان بالصلاة معها و عدم تمكنه من ذلك، و على هذا فمقتضى القاعدة سقوط الأمر بالصلاة عند عدم تمكن المكلف من الإتيان بها معها، بل قد ذكرنا ان الطهارة من الحدث مقومة لها، و لذا ورد في بعض الروايات انها ثلث الصلاة، و من هنا قوينا سقوط الصلاة عن فاقد الطهورين و عدم وجوبها عليه، و لا يفرق في ذلك بين ان يكون للدليل الأول أيضاً إطلاق أولا، و ذلك‏

67

لأن إطلاق دليل المقيد حاكم على إطلاق دليل المطلق فيقدم عليه، كما هو واضح، و الثاني كالطمأنينة- مثلا- و ما شاكل ذلك، فان ما دل على اعتبارها في الصلاة لا إطلاق له بالإضافة إلى حالة عدم تمكن المكلف من الإتيان بها معها، و ذلك لأن الدليل على اعتبارها هو الإجماع، و من المعلوم ان القدر المتيقن منه هو تحققه و ثبوته في حال تمكن المكلف من ذلك لا مطلقاً، كما هو ظاهر و عليه فلا بد من أن ننظر إلى دليل الواجب، فان كان له إطلاق فنأخذ به و نقتصر في تقييده بالمقدار المتيقن و هو صورة تمكن المكلف من الإتيان به لا مطلقاً. و لازم هذا هو لزوم الإتيان به فاقداً لهذا القيد، لعدم الدليل على تقييده به في هذا الحال، و معه لا مانع من التمسك بإطلاقه لإثبات وجوبه فاقداً له و هذا الّذي ذكرناه لا يختص بباب دون باب، بل يعم جميع أبواب الواجبات من العبادات نحوها. و خلاصة ما ذكرناه هي انه لا فرق بين كون القيد زماناً و زمانياً من هذه الناحية أصلا كما هو واضح، هذا ما أفاده (قده) مع توضيح مني.

و الإنصاف انه في غاية الصحة و المتانة و لا مناص من الالتزام به. نعم بعض عبارته لا تخلو عن مناقشة و هو قوله (قده) و بالجملة التقييد بالوقت كما يكون بنحو وحدة المطلوب كذلك يكون بنحو تعدد المطلوب ... إلخ. و ذلك لما عرفت من ان الدليل الدال على التقييد ظاهر في تقييد الواجب من الأول سواء أ كان الدليل الدال عليه متصلاً أم كان منفصلا فلا فرق بين المتصل و المنفصل من هذه الناحية أصلا، و اما دلالته على كمال المطلوب في الوقت فهو يحتاج إلى عناية زائدة، و إلا فهو في نفسه ظاهر في تقييد أصل المطلوب لا كماله، و من هنا لم يتوهم أحد و لا يتوهم ذلك في بقية القيود بان يكون أصل الصلاة- مثلا- مطلوباً على الإطلاق و تقييدها بهذه القيود مطلوباً آخر على نحو كمال المطلوب‏

68

كيف فان لازم ذلك هو جواز الإتيان بالصلاة فاقدة لتلك القيود اختياراً و هذا كما ترى. و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه ان الدليل المقيد ظاهر في تقييد دليل الواجب من الابتداء، و يدل على ان مراد المولى بحسب اللب و الواقع هو المقيد دون المطلق، و لا يفرق في ذلك بين كون الدليل الدال على التقييد متصلا أو منفصلا و كون القيد زماناً أو زمانياً، غاية الأمر إذا كان منفصلا و لم يكن له إطلاق و كان لدليل الواجب إطلاق فيدل على تقييده بحال دون آخر و بزمان دون زمان آخر و هكذا.

فالنتيجة في المقام هي ان مقتضي القاعدة سقوط الأمر عن الموقت بانقضاء وقته و عدم وجوب الإتيان به في خارج الوقت إلا فيما قامت قرينة على ذلك.

ثم ان فيما ثبت فيه القضاء لو ترك المكلف الواجب في الوقت فان أحرزنا ذلك وجداناً أو تعبداً بأصل أو أمارة، فلا إشكال في وجوب قضائه و الإتيان به في خارج الوقت بلا فرق في ذلك بين القول بكون القضاء تابعاً للأداء و القول بكونه بأمر جديد، و هذا واضح و لا كلام فيه، و الكلام إنما هو فيما إذا لم يحرز ذلك لا وجدانا و لا تعبداً، هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه لا بد من فرض الكلام فيما إذا لم تجر قاعدة الحيلولة المقتضية لعدم الاعتبار بالشك بعد خروج الوقت، فان مقتضاها عدم وجوب الإتيان به في خارج الوقت أو قاعدة الفراغ فيما إذا فرض كون الشك في صحة العمل و فساده بعد الفراغ عن أصل وجوده و تحققه في الوقت، فان في مثله يحكم بصحته من ناحية تلك القاعدة و إلا فلا يجب الإتيان به في خارج الوقت، فاذن لا بد من فرض الكلام فيما نحن فيه اما مع قطع النّظر عن جريانها، أو فيما إذا لم تجريا، كما إذا فرض ان شخصا توضأ بمائع معين فصلى، ثم بعد مضي الوقت حصل له الشك في ان هذا المائع الّذي توضأ به هل كان ماء ليكون وضوئه صحيحا،

69

أو لم يكن ماء ليكون وضوئه فاسداً، أو فرض انه صلى إلى جهة ثم بعد خروج الوقت شك في ان القبلة هي الجهة التي صلى إليها، أو جهة أخرى. و هكذا ففي أمثال ذلك لا يجري شي‏ء منهما اما قاعدة الحيلولة فلان موردها الشك في أصل وجود العمل في الخارج و تحققه، لا فيما إذا كان الشك في صحته و فساده بعد الفراغ عن أصل وجوده، فاذن لا يكون مثل هذين المثالين من موارد تلك القاعدة. و اما قاعدة الفراغ فلما حققناه في محله من ان قاعدة الفراغ انما تجري فيما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، كما إذا شك في صحة الصلاة- مثلا- بعد الفراغ عنها من ناحية الشك في ترك جزء أو شرط منها، ففي مثل ذلك تجري القاعدة، لأن صورة العمل غير محفوظة بمعنى ان المكلف لا يعلم انه أتى بالصلاة مع القراءة- مثلا- أو بدونها أو مع الطمأنينة أو بدونها. و هكذا، و هذا هو مرادنا من ان صورة العمل غير محفوظة. و اما إذا كانت محفوظة و كان الشك في مطابقة العمل للواقع و عدم مطابقته له كما في مثل هذين المثالين فلا تجري القاعدة، لفرض ان المكلف يعلم انه أتى بالصلاة إلى هذه الجهة المعينة أو مع الوضوء من هذا المائع و لا يشك في ذلك أصلا، و الشك إنما هو في أمر آخر و هو ان هذه الجهة التي صلى إليها قبلة أو ليست بقبلة، و هذا المائع الّذي توضأ به ماء أو ليس بماء، و من المعلوم ان قاعدة الفراغ لا تثبت ان هذه الجهة قبلة و ان ما أتى به وقع إلى القبلة و مطابق للواقع، لما عرفت من اختصاص القاعدة بما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، و اما إذا كانت كذلك، و إنما الشك كان في مصادفته للواقع و عدم مصادفته فلا يكون مشمولا لتلك القاعدة، و بما ان صورة العمل في هذين المثالين محفوظة كما عرفت، و ان ما أتى به المكلف في الخارج معلوم كماً و كيفاً و لا يشك فيه أصلا، و الشك إنما هو في مصادفته للواقع و عدم مصادفته له، و قاعدة الفراغ لا تثبت المصادفة، فعندئذ يقع الكلام في هذين‏

70

المثالين و ما شاكلهما و انه هل يجب قضاء تلك الصلوات خارج الوقت أم لا، فاذن تظهر الثمرة بين القولين، و ذلك لأنه لو قلنا بكون القضاء تابعاً للأداء و مطابقاً للقاعدة فيجب قضاء تلك الصلوات.

و الوجه في ذلك واضح و هو ان التكليف المتعلق بها معلوم و لا يشك في ذلك أصلا، و الشك إنما هو في سقوطه و فراغ ذمة المكلف عنه، و معه لا مناص من الالتزام بقاعدة الاشتغال، لحكم العقل بان الشغل اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني. نعم المعلوم سقوطه إنما هو التكليف عن المقيد لاستحالة بقائه بعد خروج الوقت من ناحية استلزامه التكليف بالمحال و اما سقوط التكليف عن المطلق فغير معلوم، لفرض ان ما أتى به المكلف لا نعلم بصحته ليكون مسقطاً له، فاذن يدخل المقام في كبرى موارد الشك في فراغ الذّمّة بعد العلم باشتغالها بالتكليف و من المعلوم ان المرجع في تلك الكبرى هو قاعدة الاشتغال.

و اما إذا قلنا بان القضاء بأمر جديد كما هو الصحيح، لما ذكرناه من ان القرينة على التقييد، سواء أ كانت متصلة أم كانت منفصلة توجب تقييد الواجب من الأول فلا يمكن عندئذ التمسك بإطلاقه إلا في صورة واحدة، كما تقدمت بشكل واضح، و على هذا فلا يجب الإتيان بها في خارج الوقت، و ذلك لأن المكلف شاك عندئذ في أصل حدوث التكليف بعد خروج الوقت، لفرض ان التكليف بالموقت قد سقط يقيناً اما من ناحية امتثاله في وقته و حصول غرضه و اما من ناحية عدم القدرة عليه فعلا، فاذن لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه فالنتيجة ان الثمرة تظهر بين القولين في المثالين المزبورين و ما شاكلهما، فانه على القول الأول أي القول بكون القضاء تابعاً للأداء فالمرجع فيهما و في ما شاكلهما قاعدة الاشتغال، كما تقدم بشكل واضح، و على القول الثاني أي القول بكونه بأمر جديد فالمرجع في أمثالهما قاعدة البراءة، كما عرفت الآن.

71

و قد تحصل مما ذكرناه عدة أمور:

الأول- ان التقييد سواء أ كان بمتصل أم بمنفصل ظاهر في التقييد من الأول و ان مراد المولى هو المقيد لا غيره و حمله على تعدد المطلوب لا يمكن بلا قرينة تدل عليه من داخلية أو خارجية.

الثاني- ان لازم ذلك هو كون مقتضى القاعدة سقوط الواجب بسقوط وقته.

الثالث- ان نتيجة هذين الأمرين هو كون القضاء بأمر جديد، و ليس تابعاً للأداء، كما هو واضح.

ثم انه فيما ثبت فيه وجوب القضاء كالصلاة و الصوم و نحوهما إذا خرج الوقت و شك المكلف في الإتيان بالمأمور به في وقته فهل يمكن إثبات الفوت باستصحاب عدم الإتيان به أم لا وجهان مبنيان على ان المتفاهم العرفي من هذه الكلمة أعني كلمة الفوت هل هو أمر عدمي الّذي هو عبارة عن عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت، أو أمر وجودي ملازم لهذا الأمر العدمي لا انه عينه، فعلى الأول يجري استصحاب عدم الإتيان به في الوقت، إذ به يثبت ذلك العنوان و يترتب عليه حكمه و هو وجوب القضاء في خارج الوقت، و على الثاني فلا يجري إلا على القول بالأصل المثبت، لفرض ان الأثر غير مترتب على عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت، بل هو مترتب على عنوان وجودي ملازم له في الواقع و هو عنوان الفوت، و من المعلوم ان إثبات ذلك العنوان باستصحاب عدم الإتيان به من أوضح أنحاء الأصل المثبت و لا نقول به.

و على الجملة فمنشأ الإشكال في المقام الإشكال في ان عنوان الفوت الّذي هو مأخوذ في موضوع وجوب القضاء هل هو أمر وجودي عبارة عن خلو الوقت عن الواجب أو هو أمر عدمي عبارة عن عدم الإتيان به في الوقت؟ و الصحيح هو انه عنوان وجودي، و ذلك للمتفاهم العرفي، ضرورة انه بنظرهم ليس عين الترك‏

72

بل هو بنظرهم عبارة عن خلو الوقت عن الفعل و ذهاب الواجب من كيس المكلف مثلا المتفاهم عرفاً من قولنا فات شي‏ء من زيد هو الأمر الوجوديّ أعني ذهاب شي‏ء من كيسه، لا الأمر العدمي، و هذا واضح، فعلى هذا الضوء لا يمكن إثباته بالاستصحاب المزبور و لا أثر له بالإضافة إليه أصلا، و عليه فيرجع إلى أصالة البراءة. هذا فيما إذا أحرز ان عنوان الفوت أمر وجودي أو عدمي. و اما إذا لم يعلم ذلك و شك في أنه أمر وجودي ملازم لعدم الفعل في الوقت أو انه نفس عدم الفعل فهل يمكن التمسك بالاستصحاب المزبور لإثبات وجوب القضاء في خارج الوقت أم لا؟

الصحيح بل المقطوع به عدم إمكان التمسك به، و الوجه في ذلك واضح و هو ان المكلف لم يعلم ان المتيقن- و هو عدم الإتيان بالواجب في الوقت- هو الموضوع للأثر في ظرف الشك أو الموضوع للأثر شي‏ء آخر ملازم له خارجاً، فاذن لم يحرز ان رفع اليد عنه أي عن المتيقن السابق من نقض اليقين بالشك، و معه لا يمكن التمسك بإطلاق قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين بالشك، لكون الشبهة مصداقية.

بقي هنا شي‏ء و هو ان المكلف لو شك في أثناء الوقت انه صلى في أول الوقت أم لا فمقتضى قاعدة الاشتغال هو لزوم الإتيان بالصلاة، لأن الاشتغال اليقينيّ يقتضي الفراغ اليقيني، و لكن المكلف إذا لم يأت بها إلى ان خرج الوقت ففي هذا الفرض اتفق الفقهاء على وجوب قضائها في خارج الوقت، مع ان- مقتضى ما ذكرناه من ان استصحاب عدم الإتيان بها في الوقت لا يثبت عنوان الفوت- عدم وجوب القضاء لفرض ان عنوان الفوت في نفسه غير محرز هنا، و استصحاب عدم الإتيان بها في الوقت لا يجدي، و الجواب عن هذا ظاهر و هو ان الشك في المقام بما انه كان قبل خروج الوقت فلا محالة يكون مقتضى قاعدة

73

الاشتغال- و الاستصحاب وجوب الإتيان بها، و على ذلك فلا محالة إذا لم يأت المكلف به في الوقت فقد فوت الواجب، و معه لا محالة يجب قضائه لتحقق موضوعه و هو عنوان الفوت، و هذا بخلاف ما إذا شك المكلف في خارج الوقت انه أتى بالواجب في وقته أم لا، ففي مثل ذلك لم يحرز انه ترك الواجب فيه ليصدق عليه عنوان الفوت، و المفروض ان استصحاب عدم الإتيان به غير مجد، و هذا هو نقطة الفرق بين ما إذا شك المكلف في إتيان الواجب في الوقت و ما إذا شك في إتيانه في خارج الوقت.

نتائج هذا البحث عدة أمور:

الأول- انه لا إشكال في إمكان الواجب الموسع و المضيق، بل في وقوعهما خارجاً، و ما ذكر من الإشكال على الواجب الموسع تارة و على المضيق تارة أخرى مما لا مجال له، كما تقدم بشكل واضح.

الثاني- ان ما ذكر من التفصيل بين ما كان الدليل على التوقيت متصلا و ما كان منفصلاً، فقد عرفت انه لا يرجع إلى معنى محصل أصلا، و قد ذكرنا انه لا فرق بين القرينة المتصلة و القرينة المنفصلة من هذه الناحية أبداً، فكما ان الأول تدل على التقييد من الأول و على وحدة المطلوب، فكذلك الثانية، كما سبق.

الثالث- ان الصحيح ما ذكرناه من ان التقييد بالوقت إذا كان بدليل متصل فيدل على ان الواجب هو حصة خاصة من طبيعي الفعل و هي الحصة الواقعة في زمان خاص، و اما إذا كان بدليل منفصل فان كان له إطلاق بالإضافة إلى حالتي التمكن و عدمه فيقيد به إطلاق دليل الواجب مطلقاً، لحكومة إطلاق دليل المقيد على إطلاق دليل المطلق، و ان لم يكن له إطلاق فيقيد دليله في حال التمكن‏

74

فحسب، و في حال عدمه نتمسك بإطلاق دليل الواجب لإثبات وجوبه في خارج الوقت.

الرابع- ان مقتضى القاعدة هو سقوط الواجب بسقوط وقته إلا فيما قامت قرينة على خلاف ذلك.

الخامس- ان الثمرة تظهر بين القول يكون القضاء تابعاً للأداء و القول بكونه بأمر جديد فيما إذا شك بعد خروج الوقت في الإتيان بالمأمور به و عدمه أو في صحة المأتي به في الوقت و عدم صحته إذا لم يكن هناك أصل مقتض للصحة كقاعدة الفراغ أو نحوها، فانه على الأول المرجع قاعدة الاشتغال و على الثاني قاعدة البراءة، كما تقدم.

السادس- ان الصحيح هو القول بكون القضاء بأمر جديد و ليس تابعاً للأداء فانه خلاف ظاهر دليل التقييد فلا يمكن الالتزام به إلا فيما قامت قرينة عليه السابع- انه لا يمكن إثبات الفوت الّذي علق عليه وجوب القضاء باستصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت إلا على القول بالأصل المثبت، كما سبق.

الأمر بالأمر بفعل أمر بذلك الفعل أم لا؟

توضيح ذلك انه بحسب مقام الثبوت و الواقع يتصور على وجوه:

الأول- ان يكون غرض المولى قائماً بخصوص الأمر الثاني باعتبار انه فعل اختياري للمكلف فلا مانع من ان يقوم غرض المولى به و كونه متعلقاً لأمره‏

75

كسائر أفعاله الاختيارية مثل الصلاة و الصوم و الحج و ما شاكل ذلك. و على الجملة فلا مانع من ان يأمر الشارع بإيجاد أمر بشي‏ء أو إيجاد نهى عن آخر كما هو الحال في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

الثاني- ان يكون قائماً بالفعل الصادر من المأمور الثاني فيكون الأمر الثاني ملحوظاً على نحو الطريقية من دون ان يكون له دخل في غرض المولى أصلا، و لذا لو صدر الفعل من المأمور الثاني من دون توسط أمر من المأمور الأول لحصل الغرض و لا يتوقف حصوله على صدور الأمر منه فاذن ليس له شأن ما عدا كونه واقعاً في طريق إيصال أمر المولى إلى هذا الشخص. فهذا القسم في طرفي النقيض مع القسم الأول. فان غرض المولى في القسم الأول متعلق بالأمر الصادر من المأمور الأول دون الفعل الصادر من الثاني، فيكون المأمور به هو الأمر فقط، و في هذا القسم متعلق بالفعل دون الأمر بمعنى ان المأمور به هو الفعل و الأمر طريق إلى إيصال أمر المولي إلى المكلف بهذا الفعل، و هذا القسم هو الغالب و المتعارف من الأمر بالأمر بشي‏ء لا القسم الأول.

الثالث- ان يكون الغرض قائماً بهما معاً بمعنى ان الفعل مطلوب من المأمور الثاني بالأمر من المأمور الأول لا مطلقاً بحيث لو اطلع المكلف من طريق آخر على أمر المولى من دون واسطة أمره لم يجب عليه إتيانه، فوجوب إتيانه عليه منوط بان يكون اطلاعه على أمر المولى بواسطة أمره لا مطلقاً، فاذن هذا القسم يكون واسطة بين القسم الأول و الثاني، و نقطة الفرق بين هذه الوجوه هي انه على الوجه الأول لا يجب الفعل على الثاني، لفرض ان غرض المولى يحصل من صدور الأمر من الأول، سواء صدر الفعل من الثاني أيضاً أم لا، فإذا صدر الأمر منه فقد حصل الغرضي، و على الوجه الثاني يجب الفعل عليه و لو فرض انه اطلع على‏

76

أمر المولى به من طريق أخير غير الأمر من المأمور الأول، و على الوجه الثالث يجب عليه الإتيان به إذا أمر به المأمور الأول لا مطلقاً. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الظاهر من الأمر بالأمر بشي‏ء هو القسم الثاني دون القسم الأول و الثالث ضرورة انه المتفاهم من ذلك عرفاً، فلو أمر المولى أحداً بان يأمر زيداً- مثلا- بفعل كذا الظاهر منه هو هذا القسم دون غيره. و من هنا يظهر ان ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من انه لا دلالة بمجرد الأمر بالأمر بشي‏ء على كونه أمراً به، بل لا بد للدلالة عليه من قرينة لا يمكن المساعدة عليه بوجه، لما عرفت من أنه دال على ذلك بمقتضى الفهم العرفي، و لا حاجة في الدلالة عليه من نصب قرينة.

ثم ان الثمرة المترتبة على هذا النزاع هي شرعية عبادة الصبي بمجرد ما ورد في الروايات من قوله (عليه السلام): «مروهم بالصلاة و هم أبناء سبع سنين» و نحوه مما ورد في أمر الولي للصبي، فانه بناء على ما ذكرناه من ان الأمر بالأمر بشي‏ء ظاهر عرفاً في كونه أمراً بذلك الشي‏ء تدل تلك الروايات على شرعية عبادة الصبي، لفرض عدم قصور فيها لا من حيث الدلالة كما عرفت، و لا من حيث السند لفرض ان فيها روايات معتبرة.

قد يقال كما قيل انه يمكن إثبات شرعية عبادة الصبي بعموم أدلة التشريع كقوله تعالى: «أقيموا الصلاة» و قوله تعالى: «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» و ما شاكلهما ببيان ان تلك الأدلة بإطلاقها تعم البالغ و غيره، فانها كما تدل على تشريع هذه الأحكام للبالغين، كذلك تدل على على تشريعها لغيرهم، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، و حديث رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم لا يقتضي أزيد من رفع الإلزام، لفرض ان هذا الحديث ورد في مورد الامتنان، و من المعلوم ان المنة إنما هي في رفع الحكم الإلزامي، و اما رفع‏

77

الحكم غير الإلزامي فلا منة فيه أبداً، فاذن هذا الحديث يرفع الإلزام عن عبادة الصبي فحسب لا أصل الحبوبية عنها، و على هذا فتكون عباداته مشروعة لا محالة فالنتيجة انه مع قطع النّظر عن تلك الروايات يمكن إثبات مشروعية عباداته.

و لنأخذ بالمناقشة على هذه النظرية و ملخصها: انا قد ذكرنا غير مرة ان الوجوب عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف و إبرازه في الخارج بمبرز من لفظ أو نحوه، و لا نعقل له معنى ما عدا ذلك، و على هذا فليس في مورد تلك العمومات إلا اعتبار الشارع الصلاة و الصوم و الحج و ما شاكلها على ذمة المكلف و إبرازه في الخارج بها أي بتلك العمومات، غاية الأمر ان قامت قرينة من الخارج على الترخيص فينتزع منه الاستحباب و إلا فينتزع منه الوجوب، و حيث انه لا قرينة على الترخيص في موارد هذه العمومات فلا محالة ينتزع منه الوجوب، و قد عرفت انه لا شأن له ما عدا ذلك. و على هذا الضوء فحديث الرفع و هو قوله (عليه السلام): «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» يكون رافعاً لذاك الاعتبار أي اعتبار الشارع هذه الأفعال على ذمة المكلف فيدل على ان الشارع لم يعتبر تلك الأفعال على ذمة الصبي، و عليه فكيف يمكن إثبات مشروعية عباداته بهذه العمومات لفرض ان مفاده هو ان قلم الاعتبار و التشريع مرفوع عنه في مقابل وضعه و اعتباره في ذمته، فاذن تلك العمومات أجنبية عن الدلالة على مشروعية عباداته بالكلية.

و بكلمة أخرى ان الأمر سواء أ كان عبارة عن الإرادة أو عن الطلب أو عن الوجوب أو عن الاعتبار النفسانيّ المبرز في الخارج بمبرز ما بسيط في غاية البساطة و على هذا فمدلول هذه العمومات سواء أ كان طلب هذه الأفعال أو وجوبها أو إرادتها أو اعتبارها في ذمة المكلف لا محالة يقيد بغير الصبي و المجنون و ما شاكلهما بمقتضى حديث الرفع، لفرض ان مفاد الحديث هو عدم تشريع مدلول تلك العمومات للصبي و نحوه، فاذن كيف تكون هذه العمومات دالة على مشروعية

78

عبادته من الصوم و الصلاة و ما شاكلهما. و توهم- ان الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك و المرفوع بحديث الرفع هو المنع من الترك لا أصل الطلب بل هو باق، و عليه فتدل العمومات على مشروعيتها- خاطئ جداً و غير مطابق للواقع قطعاً، و الوجه في ذلك اما أولا فلأنه تقدير تسليم كون الوجوب هو المجعول في موارد هذه العمومات إلا انه لا شبهة في أنه أمر بسيط، و ليس هو بمركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، و إلا لكان تركه محرماً و ممنوعاً شرعاً مع ان الأمر ليس كذلك، ضرورة ان تركه ليس بمحرم، بل فعله واجب و العقاب إنما هو على تركه لا على ارتكاب محرم، أو فقل: ان لازم ذلك هو انحلال وجوب كل واجب إلى حكمين: أحدهما متعلق بفعله و الآخر متعلق بتركه، و هذا باطل جزماً، كما ذكرناه غير مرة.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان الوجوب أمر بسيط لا تركيب فيه أصلا. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان هذا مرفوع عن الصبي بمقتضى حديث الرفع و من المعلوم انه بعد رفعه لا دلالة لتلك العمومات على مشروعية عباداته كما هو واضح، و اما ثانياً فلأنه على فرض تسليم ان الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك، مع ذلك لا تتم هذه النظرية، و ذلك لأنها ترتكز على ان يبقى الجنس بعد ارتفاع الفصل و هو خلاف التحقيق، بل لا يعقل بقائه بعد ارتفاعه، كيف فان الفصل مقوم له، و على هذا فلا محالة يرتفع طلب الفعل بارتفاع المنع من الترك المقوم له، و اما إثبات الطلب الآخر فهو يحتاج إلى دليل، فالعمومات لا تدل على ذلك كما هو ظاهر، و من هنا قد ذكرنا ان نسخ الوجوب لا يدل على بقاء الجواز أو الرجحان.

و قد تحصل من ذلك ان هذه النظرية إنما تتم فيما إذا كان الدليل على مشروعية هذه العبادات على نحو الإطلاق شي‏ء، و الدليل على وجوبها و لزومها

79

شي‏ء آخر ليكون حديث الرفع ناظراً إلى الدليل الثاني و مقيداً لمدلوله دون الدليل الأول، و لكن الأمر هنا ليس كذلك كما هو واضح.

لحد الآن قد تبين انه لا يمكن إثبات مشروعية عبادات الصبي بتلك العمومات أصلا. فالصحيح ان الدليل على مشروعيتها انما هو تلك الروايات فحسب و مع قطع النّظر عنها أو مع المناقشة فيها كما عن بعض فلا يمكن إثبات مشروعيتها أصلا كما عرفت.

و نتائج هذا البحث عدة نقاط:

الأولى- ان الأمر بالأمر بشي‏ء يتصور بحسب مقام الثبوت على وجوه ثلاثة كما تقدم.

الثانية- ان ظاهر من هذه الوجوه بحسب مقام الإثبات الوجه الثاني و هو ما كان الغرض قائماً بالفعل لا بالأمر الصادر من المأمور الأول.

الثالثة- ان الثمرة المترتبة على هذا البحث هي مشروعية عبادات الصبيان على تقدير ظهور تلك الروايات في الوجه الثاني أو الثالث كما عرفت.

الرابعة- ان ما توهم من إمكان إثبات شرعية عباداتهم بالعمومات الأولية خاطئ جداً، لما عرفت من ان تلك العمومات أجنبية عن الدلالة على ذلك بالكلية بعد تقييدها بحديث الرفع بالبالغين.

الخامسة- ان الدليل على شرعية عبادات الصبي إنما هو الروايات المتقدمة أعني قوله (عليه السلام): «مروهم بالصلاة و هم أبناء سبع سنين» و نحوه.

80

الأمر بشي‏ء بعد الأمر به ظاهر

في التأكيد أو التأسيس لا إشكال في ان الأمر بشي‏ء في نفسه ظاهر في التأسيس و إنما الإشكال فيما إذا كان مسبوقاً بأمر آخر فهل هو عندئذ ظاهر في التأسيس أو التأكيد إذا كانا مطلقين بان لم يذكر سببهما أو ذكر سبب واحد أم لا وجوه: الظاهر هو الوجه الثاني، ضرورة ان المتفاهم عرفاً من مثل قول المولى صل، ثم قال «صل» هو التأكيد بمعنى ان الأمر الثاني تأكيد للأمر الأول، و هذا واضح. نعم لو قيد الأمر الثاني بالمرة الأخرى و نحوها لكان دالا على التأسيس لا محالة، فيكون المراد وقتئذ من الأمر الأول صرف وجود الطبيعة و من الثاني الوجود الثاني منها و لكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام، فان محل الكلام فيما إذا كان الأمر الثاني متعلقاً بعين ما تعلق به الأمر الأول من دون تقييده بالمرة الأخرى أو نحوها و الا فلا إشكال في دلالته على التأسيس، و اما إذا لم يكونا مطلقين بان ذكر سببهما كقولنا: «ان ظاهرت فأعتق رقبة» و «ان أفطرت فأعتق رقبة» أو قولنا «ان نمت فتوضأ» و «ان بلت فتوضأ» و هكذا، فهل الأمر الثاني ظاهر في التأكيد أو التأسيس فيه كلام سيأتي بيانه في بحث المفاهيم إن شاء اللَّه تعالى بصورة مفصلة و خارج عن محل كلامنا هنا.

و على الجملة فمحل الكلام في المقام فيما إذا كان الأمر ان مطلقين و لم يذكر سببهما أو ذكر سبب واحد ففي مثل ذلك قد عرفت ان الظاهر من الأمر الثاني هو التأكيد دون التأسيس، فانه قضية إطلاق المادة و عدم تقييدها بشي‏ء.

81

المقصد الثاني (مبحث النواهي)

و فيه جهات من البحث:

الأولى- ان المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً ان النهي بمادته و صيغته، كالأمر بمادته و صيغته في الدلالة على الطلب، غير ان متعلق النهي ترك الفعل و نفس ان لا تفعل، و متعلق الأمر إيجاد الفعل.

و بكلمة واضحة ان المعروف بينهم هو ان النهي يشترك مع الأمر في المعنى الموضوع له، و هو الدلالة على الطلب. و من هنا انهم يعتبرون في دلالة النهي عليه ما اعتبروه في دلالة الأمر، من كونه صادراً عن العالي، فلو صدر عن السافل أو المساوي فلا يكون نهياً حقيقة، و غير ذلك مما قدمناه في بحث الأوامر بشكل واضح و بصورة مفصلة، فلا فرق بينهما من هذه النواحي أصلا.

نعم فرق بينهما في نقطة أخرى و هي ان متعلق الطلب في طرف النهي الترك و في طرف الأمر الفعل.

و قد أشكل عليه بان الترك امر أزلي خارج عن القدرة و الاختيار و سابق عليها. و من الواضح جداً انه لا تأثير للقدرة في الأمر السابق، ضرورة ان القدرة انما تتعلق بالأمر الحالي، و لا يعقل تعلقها بالأمر السابق المنصرم زمانه فضلا عن الأمر الأزلي. و عليه فلا يمكن ان يتعلق النهي به، ضرورة استحالة تعلقه بما هو خارج عن الاختيار و القدرة

82

و من هنا ذهب بعضهم إلى ان المطلوب في النواهي هو كف النّفس عن الفعل في الخارج، دون الترك و نفس ان لا تفعل.

و غير خفي ان هذا الإشكال يرتكز على نقطة واحدة، و هي ان يكون متعلق النهي العدم السابق، فان هذا العدم امر خارج عن القدرة و الاختيار، فلا يعقل تعلقها به، إلا ان تلك النقطة خاطئة جداً و غير مطابقة للواقع، و ذلك لأن متعلقه الترك اللاحق. و من المعلوم انه مقدور على حد مقدورية الفعل، لوضوح استحالة تعلق القدرة بأحد طرفي النقيض، فإذا كان الفعل مقدوراً للمكلف كما هو المفروض فلا محالة يكون تركه مقدوراً بعين تلك المقدورية، و إلا فلا يكون الفعل مقدوراً و هذا خلف.

فالنتيجة هي ان النهي يشترك مع الأمر في المعنى الموضوع له و هو الطلب و يمتاز عنه في المتعلق، فانه في الأول هو الترك، و في الثاني الفعل، فيدل الأول على طلب الترك و إعدام المادة في الخارج، و الثاني على طلب الفعل و إيجاد المادة فيه.

ثم انهم قد رتبوا على ضوء هذه النظرية- أعني دلالة النهي على طلب ترك الطبيعة، و دلالة الأمر على طلب إيجادها- ان متعلق الطلب في طرف الأمر حيث انه صرف إيجاد الطبيعة في الخارج فلا يقتضي عقلا إلا إيجادها في ضمن فرد ما، ضرورة ان صرف الوجود يتحقق بأول وجودها، و به يتحقق الامتثال و يحصل الغرض، و معه لا يبقى مجال لإيجادها في ضمن فرد ثان ... و هكذا.

كما هو واضح.

و اما في طرف النهي فيما انه صرف ترك الطبيعة فلا محالة لا يمكن تركها إلا بترك جميع افرادها في الخارج العرضية و الطولية، ضرورة ان الطبيعة في الخارج تحقق بتحقق فرد منها، فلو أوجد المكلف فرداً منها فقد أوجد الطبيعة فلم تترك.

83

و إلى ذلك أشار المحقق صاحب الكفاية (قده) بما حاصله هو انه لا فرق بين الأمر و النهي في الدلالة الوضعيّة، فكما ان صيغة الأمر تدل وضعاً على طلب إيجاد الطبيعة من دون دلالة لها على الدوام و التكرار، فكذلك صيغة النهي تدل وضعاً على طلب ترك الطبيعة بلا دلالة لها على الدوام و الاستمرار. نعم تختلف قضيتهما عقلا و لو مع وحدة المتعلق بان تكون طبيعة واحدة متعلقة للأمر مرة و للنهي مرة أخرى، ضرورة ان وجودها بوجود فرد واحد من افرادها، و عدمها لا يمكن إلا بعدم الجميع.

و من هنا قال (قده): ان الدوام و الاستمرار انما يكون في النهي إذا كان متعلقه طبيعة واحدة غير مقيدة بزمان أو حال، فانه حينئذ لا يكاد يكون مثل هذه الطبيعة معدومة إلا بعدم جميع افرادها الدفعيّة و التدريجية. و بالجملة قضية النهي ليس إلا ترك تلك الطبيعة التي تكون متعلقة له كانت مقيدة أو مطلقة و قضية تركها عقلا انما هو ترك جميع افرادها.

أقول: ان كلامه (قده) هذا صريح فيما ذكرناه من ان النهي لا يدل وضعاً إلا على ترك الطبيعة سواء أ كانت مطلقة أم مقيدة. نعم لو كانت الطبيعة مقيدة بزمان خاص أو حال مخصوص لم يعقل فيها الدوام و الاستمرار، و كيف كان فالنهي لا يدل إلا على ذلك، و لكن العقل يحكم بان ترك الطبيعة في الخارج لا يمكن إلا بترك جميع افرادها العرضية و الطولية.

و قد تحصل مما ذكرناه ان النقطة الرئيسية لنظريتهم امران:

الأول- ان النهي يشترك مع الأمر في الدلالة على الطلب، فكما ان الأمر يدل عليه بهيئته، فكذلك النهي. نعم يمتاز النهي عن الأمر في ان متعلق الطلب في النهي صرف ترك الطبيعة، و في الأمر صرف وجودها.

الثاني- ان قضية النهي عقلا من ناحية متعلقه تختلف عن قضية الأمر

84

كذلك، باعتبار ان متعلق النهي حيث انه صرف الترك فلا يمكن تحققه إلا بإعدام جميع افراد تلك الطبيعة في الخارج عرضاً و طولا، ضرورة انه مع الإتيان بواحد منها لا يتحقق صرف تركها خارجاً، و متعلق الأمر حيث انه صرف الوجود فيتحقق بإيجاد فرد منها، و بعده لا يبقى مقتض لإيجاد فرد آخر. و هكذا.

و لنأخذ بالمناقشة في كلا هذين الأمرين معاً- أعني المبنى و البناء-.

اما الأول- فيرده ان النهي بماله من المعنى مادة و هيئة يباين الأمر كذلك فلا اشتراك بينهما في شي‏ء أصلا. و هذا لا من ناحية ما ذكره جماعة من المحققين من ان النهي موضوع للدلالة على الزجر و المنع عن الفعل باعتبار اشتمال متعلقه على مفسدة إلزامية، و الأمر موضوع للدلالة على البعث و التحريك نحو الفعل باعتبار اشتماله على مصلحة إلزامية، و ذكروا في وجه ذلك هو ان النهي لا ينشأ من مصلحة لزومية في الترك، ليقال ان مفاده طلبه، بل هو ناشئ من مفسدة لزومية في الفعل. و عليه فلا محالة يكون مفاده الزجر و المنع عنه، فاذن لا وجه للقول بان مفاده طلب الترك أصلا.

فما ذكرناه من ان النهي بما له من المعني يباين الأمر كذلك ليس من هذه الناحية، بل من ناحية أخرى.

فلنا دعويان:

الأولى- ان التباين بين الأمر و النهي في المعنى ليس من هذه الناحية.

الثانية- انه من ناحية أخرى.

اما الدعوى الأولى فلما ذكرناه غير مرة من ان تفسير الأمر مرة بالطلب و مرة أخرى بالبعث و التحريك، و مرة ثالثة بالإرادة، و كذا تفسير النهي تارة بالطلب، و تارة أخرى بالزجر و المنع، و تارة ثالثة بالكراهة لا يرجع بالتحليل العامي إلى معنى محصل، ضرورة ان هذه مجرد ألفاظ لا تتعدى عن مرحلة التعبير

85

و ليس لها واقع موضوعي أبداً.

نعم ان صيغة الأمر مصداق للبعث و التحريك، لا انهما معناها، كما انها مصداق للطلب و التصدي، و كذلك صيغة النهي مصداق للزجر و المنع، و ليس الزجر و المنع معناها، و اما الإرادة و الكراهة فليستا معنى الأمر و النهي بالضرورة لاستحالة تعلق الإرادة بمعنى الاختيار، و كذلك ما يقابلها من الكراهة بفعل الغير. نعم يتعلق الشوق و مقابله بفعل الغير، و لا يحتمل ان يكونا معنى الأمر و النهي. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا في محله انه لا معنى للإرادة أو الكراهة التشريعية في مقابل التكوينية، و لا نعقل لها معنى محصلا ما عدا الأمر أو النهي.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي انه لا معنى لتفسير الأمر بالإرادة و النهي بالكراهة.

و خلاصة الكلام كما انه لا أصل لما هو المشهور من تفسير الأمر بطلب الفعل و تفسير النهي بطلب الترك، كذلك لا أصل لما عن جماعة من تفسير الأول بالبعث و التحريك، و الثاني بالزجر و المنع.

و اما الدعوى الثانية فيقع الكلام فيها مرة في معنى الأمر، و مرة أخرى في معنى النهي.

اما الكلام في الأول فقد تقدم في بحث الأوامر بشكل واضح انه إذا حللنا الأمر المتعلق بشي‏ء تحليلا موضوعياً فلا نعقل فيه ما عدا شيئين:

أحدهما- اعتبار الشارع ذلك الشي‏ء في ذمة المكلف من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة.

و ثانيهما- إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز، كصيغة الأمر أو ما يشبهها، فالصيغة أو ما شاكلها وضعت للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري‏

86

النفسانيّ، لا للبعث و التحريك، و لا للطلب. نعم قد عرفت ان الصيغة مصداق للبعث و الطلب و نحو تصد إلى الفعل، فان البعث و الطلب قد يكونان خارجيين و قد يكونان اعتباريين، فصيغة الأمر أو ما شاكلها مصداق للبعث و الطلب الاعتباري لا الخارجي، ضرورة انها تصد في اعتبار الشارع إلى إيجاد المادة في الخارج و بعث نحوه، لا تكويناً و خارجاً، كما هو واضح.

و نتيجة ما ذكرناه امران:

الأول- ان صيغة الأمر و ما شاكلها موضوعة للدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفسانيّ، و هو اعتبار الشارع الفعل على ذمة المكلف، و لا تدل على امر آخر ما عدا ذلك.

الثاني- انها مصداق للبعث و الطلب، لا انهما معناها.

و اما الكلام في الثاني- فالامر أيضاً كذلك عند النقد و التحليل، و ذلك ضرورة انا إذا حللنا النهي المتعلق بشي‏ء تحليلا علمياً لا نعقل له معنى محصلا ما عدا شيئين:

أحدهما- اعتبار الشارع كون المكلف محروماً عن ذلك الشي‏ء باعتبار اشتماله على مفسدة ملزمة و بعده عنه.

ثانيهما- إبراز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج بمبرز كصيغة النهي أو ما يضاهيها. و عليه فالصيغة أو ما يشاكلها موضوعة للدلالة على إبراز ذلك الأمر الاعتباري النفسانيّ، لا للزجر و المنع. نعم هي مصداق لهما.

و من هنا يصح تفسير النهي بالحرمة باعتبار دلالته على حرمان المكلف عن الفعل في الخارج، كما انه يصح تفسير الأمر بالوجوب بمعنى الثبوت باعتبار دلالته على ثبوت الفعل على ذمة المكلف، بل هما معناهما لغة و عرفاً، غاية الأمر الحرمة مرة حرمة تكوينية خارجية كقولك: الجنة- مثلا- محرمة على الكفار، و نحو

87

ذلك، فان استعمالها في هذا المعنى كثير عند العرف، بل هو امر متعارف بينهم، و مرة أخرى حرمة تشريعية كاعتبار المولى الفعل محرماً على المكلف في عالم التشريع و إبراز ذلك بقوله: لا تفعل أو ما يشابه ذلك، فيكون قوله هذا مبرزاً لذلك و دالا عليه، و كذا الثبوت مرة ثبوت تكويني خارجي، و مرة أخرى ثبوت تشريعي، فصيغة الأمر أو ما شاكلها تدل على الثبوت التشريعي و تبرزه.

و على الجملة فالامر و النهي لا يدلان إلا على ما ذكرناه لا على الزجر و المنع و البعث و التحريك. نعم المولى في مقام الزجر عن فعل باعتبار اشتماله على مفسدة لزومية يزجر عنه بنفس قوله: لا تفعل أو ما شاكله، غاية الأمر الزجر قد يكون خارجياً، كما إذا منع أحد آخر عن فعل في الخارج، و قد يكون بقوله لا تفعل أو ما يشبه ذلك، فيكون قوله لا تفعل عندئذ مصداقاً للزجر و المنع، لا انه وضع بإزائه، كما ان الطلب قد يكون طلباً خارجياً و تصدياً نحو الفعل في الخارج كطالب ضالة أو طالب العلم أو نحو ذلك، و قد يكون طلباً و تصدياً في عالم الاعتبار نحو الفعل فيه بقوله: افعل أو ما يشبه ذلك، فيكون قوله: افعل وقتئذ مصداقاً للطلب و التصدي، لا انه وضع بإزائه.

و على ضوء بياننا هذا قد ظهر ان الأمر و النهي مختلفان بحسب المعنى، فان الأمر معناه الدلالة على ثبوت شي‏ء في ذمة المكلف، و النهي معناه الدلالة على حرمانه عنه، و متحدان بحسب المتعلق، فان ما تعلق به الأمر بعينه هو متعلق النهي، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا.

و الوجه في ذلك واضح و هو انه بناء على وجهة نظر العدلية من ان الأحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها. فلا محالة يكون النهي كالأمر متعلقاً بالفعل، ضرورة ان النهي عن شي‏ء ينشأ عن مفسدة لزومية فيه و هي الداعي إلى تحريمه و النهي عنه، و لم ينشأ عن مصلحة كذلك في تركه،

88

لتدعو إلى طلبه، و هذا واضح، فاذن لا مجال للقول بان المطلوب في النواهي هو ترك الفعل و نفس ان لا تفعل، إلا ان يدعى ان غرضهم من ذلك هو انه مطلوب بالعرض و قد أخذ مكان ما بالذات، و لكن من الواضح ان إثبات هذه الدعوى في غاية الإشكال.

و قد تحصل من ذلك انه لا شبهة في ان متعلق الأمر بعينه هو ما تعلق به النهي، فلا فرق بينهما من ناحية المتعلق أبداً و الفرق بينهما انما هو من ناحية المعنى الموضوع له، كما مضى.

عدة نقاط فيما ذكرناه:

الأولى- ان كلا من الأمر و النهي اسم لمجموع المركب من الأمر الاعتباري النفسانيّ و إبرازه في الخارج، فلا يصدق على كل منهما، ضرورة انه لا يصدق على مجرد اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف بدون إبرازه في الخارج. كما انه لا يصدق على مجرد إبرازه بدون اعتباره شيئاً كذلك، و كذا الحال في النهي، و هذا ظاهر. و نظير ذلك ما ذكرناه في بحث الإنشاء و الاخبار من ان العقود و الإيقاعات كالبيع و الإجارة و الطلاق و النكاح و ما شاكل ذلك أسام لمجموع المركب من الأمر الاعتباري النفسانيّ و إبراز ذلك في الخارج بمبرز فلا يصدق البيع- مثلا- على مجرد ذلك الأمر الاعتباري، أو على مجرد ذلك الإبراز الخارجي، كما تقدم هناك بشكل واضح.

الثانية- ان النزاع المعروف بين الأصحاب من ان متعلق النهي هل هو ترك الفعل و نفس ان لا تفعل، أو الكف عنه باطل من أصله، و لا أساس له أبداً الثالثة- ان نقطتي الاشتراك و الامتياز بين الأمر و النهي على وجهة نظرنا و نقطتي الاشتراك و الامتياز بينهما على وجهة نظر المشهور متعاكستان، فان الأمر و النهي على وجهة نظر المشهور، كما عرفت مختلفان بحسب المعنى، و متفقان في‏

89

المتعلق. و على وجهة نظرنا مختلفان في المعنى، و متفقان في المتعلق، كما مر.

الرابعة- ان الأمر و النهي مصداق للبعث و التحريك، و الزجر و المنع، لا انهما موضوعان بإزائهما، كما سبق.

و اما الأمر الثاني- (و هو البناء) فعلى فرض تسليم الأمر الأول (و هو المبني) و ان متعلق الطلب في طرف الأمر صرف وجود الطبيعة، و في طرف النهي صرف تركها.

فيمكن نقده على النحو التالي: و هو انه لا مقابلة بين الطبيعة التي توجد بوجود فرد منها و الطبيعة التي لا تنعدم إلا بعدم جميع افرادها.

و الوجه في ذلك هو انه ان أريد من الطبيعة الطبيعة المهملة التي كان النّظر مقصوراً على ذاتها و ذاتياتها فحسب، فهي كما توجد بوجود فرد منها، كذلك تنعدم بعدم مثلها- أعني الطبيعة الموجودة كذلك- لأنه بديلها و نقيضها، لا عدم الطبيعة بعدم جميع افرادها، ضرورة ان نقيض الواحد واحد، فنقيض الطبيعة الموجودة بوجود واحد لا محالة يكون عدم مثل تلك الطبيعة، كما هو واضح.

و ان أريد منها الطبيعة السارية إلى تمام افرادها و مصاديقها فهي و ان كان يتوقف عدمها كلياً في الخارج على عدم جميع افرادها العرضية و الطولية، إلا ان هذا من ناحية ملاحظة وجود تلك الطبيعة على نحو الانحلال و السريان إلى جميع افرادها. و من الواضح جداً ان عدم مثل هذه الطبيعة الّذي هو بديلها و نقيضها لا يمكن إلا بعدم تمام افرادها في الخارج، و لكن أين هذا من الطبيعة التي توجد في الخارج بوجود فرد منها، فان المقابل لهذه الطبيعة ليس إلا الطبيعة التي تنعدم بعدم ذلك الفرد، ضرورة ان الوجود الواحد لا يعقل ان يكون نقيضاً لعدم الطبيعة بتمام افرادها، بل له عدم واحد و هو بديله و نقيضه. و اما المقابل‏

90

للطبيعة التي يتوقف عدمها على عدم جميع افرادها العرضية و الطولية هو الطبيعة الملحوظة على نحو الإطلاق و السريان إلى تمام افرادها كذلك، لا الطبيعة المهملة التي توجد في ضمن فرد واحد.

و هذا بيان إجمالي لعدم كون الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بإيجاد فرد واحد مقابلا للطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع افرادها، و سيأتي بيانه التفصيليّ فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى.

و على هدي ذلك البيان الإجمالي قد ظهر انه لا أصل لما هو المشهور من ان صرف وجود الطبيعة يتحقق بأول الوجود، و صرف تركها لا يمكن إلا بترك جميع افرادها.

و الوجه في ذلك هو ان صرف ترك الطبيعة كصرف وجودها، فكما ان صرف وجودها يتحقق بأول الوجود، فكذلك صرف تركها يتحقق بأول الترك ضرورة ان المكلف إذا ترك الطبيعة في آن ما، لا محالة يتحقق صرف الترك، كما انه لو أوجدها في ضمن فرد ما يتحقق صرف الوجود، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا. و هذا لعله من الواضحات الأولية.

نعم لو كان المطلوب في النواهي هو ترك الطبيعة مطلقاً لا يمكن تحققه إلا بترك جميع افرادها في جميع الآنات و الأزمنة، إلا ان الأمر كذلك في طرف الأوامر فيما إذا كان المطلوب منها مطلق وجود الطبيعة، لا صرف وجودها، ضرورة ان مطلق وجودها لا يتحقق بإيجاد فرد منها بل يتوقف على إيجاد جميع افرادها في الخارج.

و السر فيه ظاهر و هو وضوح الفرق بين ان يكون المطلوب في النهي صرف ترك الطبيعة، و في الأمر صرف وجودها، و ان يكون المطلوب في الأول مطلق ترك الطبيعة، و في الثاني مطلق وجودها، فان صرف الترك و صرف الوجود يتحقق‏

91

بأول الترك و أول الوجود، كما هو واضح. و هذا بخلاف مطلق الترك و مطلق الوجود، فانهما لا يتحققان بأول الترك و أول الوجود، بل الأول يتوقف على ترك افراد الطبيعة تماماً، و الثاني يتوقف على إيجاد افرادها كذلك.

و بكلمة أخرى ان متعلق الترك و متعلق الوجود ان كان الطبيعة المهملة فطبعاً يكون المطلوب في النهي هو صرف تركها، و في الأمر صرف وجودها، و قد عرفت ان الأول يتحقق بأول الترك، و الثاني بأول الوجود، و ان كان المتعلق الطبيعة المطلقة السارية فلا محالة يكون المطلوب في الأول هو مطلق تركها، و في الثاني مطلق وجودها. و عليه فلا محالة ينحل المطلوب بحسب الواقع و نفس الأمر إلى مطلوبات متعددة بانحلال افراد تلك الطبيعة، فيكون ترك كل فرد منها مطلوباً مستقلا، كما ان وجود كل فرد منها كذلك، فاذن لا محالة حصول المطلوب على الأول يتوقف على ترك جميع افرادها العرضية و الطولية، و على الثاني يتوقف على إيجاد جميعها كذلك.

فالنتيجة قد أصبحت من ذلك ان المقابل لصرف الوجود هو صرف الترك و هو عدمه البديل له و نقيضه، لا مطلق الترك، فانه ليس عدمه البديل له و نقيضه ضرورة ان نقيض الواحد واحد لا اثنان، و المقابل لمطلق الوجود هو مطلق الترك، فانه عدمه البديل له و نقيضه، لا صرف الترك، ضرورة ان الواحد لا يعقل ان يكون نقيضاً للمتعدد. و هذا ظاهر.

و على ضوء هذا البيان نتساءل المشهور عن سبب اكتفائهم في طرف الأمر بإيجاد فرد واحد من الطبيعة، بدعوى ان المطلوب فيه هو صرف الوجود و هو يتحقق بأول الوجود و عدم اكتفائهم في طرف النهي بأول الترك، مع انهم التزموا بان المطلوب فيه هو صرف الترك، فان سبب ذلك ليس هو الوضع، لما تقدم من ان مقتضاه في كل من الأمر و النهي على نسبة واحدة، فلا مقتضى لأجل‏

92

ذلك ان يفرق بينهما، فان مفادهما عندهم بحسب الوضع ليس إلا الدلالة على الطلب غاية الأمر ان متعلقه في الأمر الوجود و في النهي الترك، و لذا قالوا باشتراكهما في المعنى الموضوع له من هذه الجهة. و اما العقل فقد عرفت انه يحكم بخلاف ذلك فانه كما يحكم بان صرف الوجود يتحقق بأول الوجود، كذلك يحكم بأن صرف الترك يتحقق بأول الترك، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا.

نعم الّذي لا يمكن تحققه بأول الترك هو مطلق الترك، إلا انك عرفت انهم لا يقولون بان المطلوب في النواهي مطلق الترك، بل يقولون بان المطلوب فيها هو صرف الترك. و قد مر ان العقل يحكم بأنه لا مقابلة بين مطلق الترك و صرف الوجود، و المقابلة انما هي بينه و بين مطلق الوجود لا صرفه. فان المقابل له (صرف الوجود) صرف الترك، فاذن لا يرجع ما هو المشهور إلى معنى محصل أصلا.

و لعل منشأ تخيلهم ذلك الغفلة عن تحليل نقطة واحدة، و هي الفرق بين صرف الترك و مطلق الترك، و لكن بعد تحليل تلك النقطة على ضوء ما بيناه قد ظهر بوضوح خطأ نظريتهم، و انه لا مبرر لها أبداً.

إلى هنا قد تبين بطلان المبنى و البناء معاً، و انه لا يمكن الالتزام بشي‏ء منهما. هذا.

الّذي ينبغي ان يقال في هذا هو المقام ان سبب اقتضاء النهي حرمة جميع افراد الطبيعة المنهي عنها الدفعيّة و التدريجية و عدم صحة الاكتفاء في امتثاله بترك فرد ما منها، و سبب اقتضاء الأمر إيجاد فرد ما من الطبيعة المأمور بها دون الزائد إحدى نقطتين:

الأولى- اختلاف الأمر و النهي من ناحية المبدأ.

الثانية- اختلافهما من ناحية المنتهى.

اما النقطة الأولى- فلان النهي بما انه ينشأ عن مفسدة لزومية في متعلقه‏

93

و هي داعية إلى إنشائه و اعتباره، فهي غالباً تترتب على كل فرد من افرادها في الخارج، و يكون كل منها مشتملا على مفسدة مغايرة لمفسدة أخرى. و من الواضح جداً ان لازم هذا هو انحلال النهي بانحلال افراد الطبيعة المنهي عنها، و ذلك على وفق ما هو المرتكز في أذهان العرف و العقلاء و الفهم العرفي من النواهي و هذا بخلاف ما إذا فرض ان المفسدة قائمة بصرف وجودها، أو بمجموع وجوداتها، أو بعنوان بسيط متحصل من هذه الوجودات في الخارج، فان فهم ذلك يحتاج إلى بيان من المولى و نصب قرينة تدل عليه، و اما إذا لم تكن قرينة على قيامها بأحد هذه الوجوه، فالإطلاق في مقام الإثبات كما عرفت قرينة عامة على قيامها بكل فرد من افراد تلك الطبيعة.

و على هدي ذلك فإذا نهى المولى عن طبيعة و لم ينصب قرينة على ان المفسدة قائمة بصرف وجودها حتى لا تكون مفسدة في وجودها الثاني و الثالث. و هكذا أو قائمة بمجموع وجوداتها و افرادها على نحو العموم المجموعي، أو بعنوان بسيط متحصل منها كان الارتكاز العرفي و لو من ناحية الغلبة المزبورة قرينة على ان النهي تعلق بكل فرد من افرادها، و ان المفسدة قائمة بتلك الطبيعة على نحو السريان و الانحلال، فيكون كل واحد منها مشتملا عليها.

و بكلمة واضحة ان قيام مفسدة بطبيعة يتصور في مقام الثبوت على أقسام الأول- ان تكون قائمة بصرف وجود الطبيعة و لازم ذلك هو ان المنهي عنه صرف الوجود فحسب، فلو عصى المكلف و أوجد الطبيعة في ضمن فرد ما فلا يكون وجودها الثاني و الثالث. و هكذا منهياً عنه أصلا.

الثاني- ان تكون قائمة بمجموع افرادها على نحو العموم المجموعي، فيكون المجموع محرماً بحرمة واحدة شخصية و لازم ذلك هو ان المبغوض ارتكاب المجموع، فلا أثر لارتكاب البعض.

94

الثالث- ان تكون قائمة بعنوان بسيط مسبب من تلك الافراد في الخارج الرابع- ان تكون قائمة بكل واحد من افرادها العرضية و الطولية. هذا كله بحسب مقام الثبوت.

و اما بحسب مقام الإثبات فلا شبهة في ان إرادة كل واحد من الأقسام الثلاثة الأولى تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليها و عناية زائدة، و اما إذا لم تكن قرينة في البين على ان المراد من النهي المتعلق بطبيعة النهي عن مجموع افرادها بنحو العموم المجموعي أو عن صرف وجودها في الخارج أو عن عنوان بسيط متولد عنها كان المرتكز منه في أذهان العرف و العقلاء هو النهي عن جميع افرادها بنحو العموم الاستغراقي. و عليه فيكون كل فرد منها منهياً عنه باستقلاله مع قطع النّظر عن الآخر.

و على الجملة فلا إشكال في ان إرادة كل من الأقسام المزبورة تحتاج إلى عناية زائدة فلا يتكفلها الإطلاق في مقام البيان، و هذا بخلاف القسم الأخير فان إرادته لا تحتاج إلى عناية زائدة، فيكفي الإطلاق المزبور في إرادته.

و من هنا لا شبهة في ظهور النواهي الواردة في الشريعة المقدسة بمقتضى الفهم العرفي في الانحلال، كالنهي عن شرب الخمر و الزناء و الغيبة و الكذب و الغصب و سب المؤمن و ما شاكل ذلك، و لأجل هذا قلنا: إن التكاليف التحريمية غالباً بل دائماً تكاليف انحلالية، فتنحل بانحلال موضوعها مرة كما في النهي عن شرب الخمر- مثلا- أو نحوه، فانه ينحل بانحلال موضوعه في الخارج و هو الخمر و يتعدد بتعدده، و بانحلال متعلقها مرة أخرى كما في النهي عن الكذب- مثلا- أو الغيبة أو ما شاكل ذلك مما لا موضوع له، فانه ينحل بانحلال متعلقه في الخارج، و بانحلال كليهما معاً كما في مثل النهي عن سب المؤمن أو نحوه، فانه كما ينحل بانحلال موضوعه و هو المؤمن كذلك ينحل بانحلال‏

95

متعلقه و هو السب و لو مع وحدة موضوعه.

فالنتيجة هي ان النهي حيث انه ينشأ عن قيام مفسدة ملزمة في متعلقه، فالظاهر منه- بمقتضى الفهم العرفي- هو ترتب تلك المفسدة على كل فرد من افراده، و بذلك ينحل النهي إلى نواه متعددة بانحلال موضوعه أو متعلقه.

هذا تمام الكلام في النهي و في منشأ انحلاله. و اما الأمر فهو على عكس النهي.

و الوجه فيه هو ان الأمر بما انه ينشأ عن قيام مصلحة ملزمة في متعلقه- و هي داعية إلى إنشائه و اعتباره- فلا محالة مقتضى الإطلاق فيه- في مقام الإثبات و عدم التقييد بخصوصية من الخصوصيات- هو ان المصلحة قائمة بصرف وجوده لا بمطلق وجوده أينما سرى.

و بتعبير أوضح ان قيام مصلحة بطبيعة في مقام الثبوت و الواقع يتصور على صور:

الأولى- ان تكون المصلحة قائمة بصرف الوجود.

الثانية- ان تكون قائمة بمطلق الوجود على نحو العموم الاستغراقي.

الثالثة- ان تكون قائمة بمجموع الوجودات على نحو العموم المجموعي.

الرابعة- ان تكون قائمة بعنوان بسيط متولد من هذه الوجودات الخارجية هذا كله بحسب مقام الثبوت.

و اما بحسب مقام الإثبات فلا شبهة في ان إرادة كل من الصور الثلاث الأخيرة من الأمر المتعلق بطبيعة تحتاج إلى عناية زائدة و نصب قرينة تدل على إرادته، و اما إذا لم تكن قرينة على إرادة إحدى هذه الصور، فإطلاقه في مقام الإثبات بمقتضى الفهم العرفي و ارتكازهم- كان قرينة عامة على ان المراد منه هو الصورة الأولى و ان المصلحة قائمة بصرف الوجود.

و السر في ذلك هو ان متعلق الأمر بما انه كان الطبيعة المهملة فلا محالة

96

لا يدل إلا على إيجادها في الخارج. و من المعلوم ان إيجادها يتحقق بأول وجودها، إلا ان تقوم قرينة على إرادة المتعدد منها أو خصوصية أخرى. و اما متعلق النهي فهو و ان كان تلك الطبيعة المهملة، إلا انه لما كان يدل على مبغوضية وجودها في الخارج بلا قرينة على التقييد بالوجود الأول، أو بمجموع الوجودات فلا محالة مقتضى الإطلاق هو مبغوضية كل وجود منها. فهذا هو السر في افتراق كل من الأمر و النهي عن الآخر.

فالنتيجة هي ان الأمر لا يدل إلا على اعتبار صرف وجود الطبيعة في ذمة المكلف، من دون الدلالة على خصوصية زائدة عليه.

و من هنا قلنا- في بحث المرة و التكرار- انهما خارجان عن مفاد الأمر مادة و هيئة، فهو كما لا يدل عليهما في الافراد الطولية كذلك لا يدل على الوحدة و التعدد في الافراد العرضية. و اما سبب الاكتفاء بالمرة- في مقام الامتثال- فهو من جهة انطباق الطبيعة المأمور بها عليها لا من جهة دلالة الأمر على المرة و هذا واضح.

و خلاصة هذا الفرق بين الأمر و النهي هي ان المصلحة في طرف الأمر قائمة بصرف وجود الطبيعة ما لم تقم قرينة على الخلاف. و لأجل ذلك لا ينحل الأمر بانحلال افراد الطبيعة في الواقع. و اما المصلحة ففي طرف النهي قائمة بمطلق وجودها، إلا إذا قامت قرينة على انها قائمة بصرف وجودها- مثلا- أو بمجموع وجوداتها، و هكذا. و لذلك ينحل في الواقع بانحلالها فيثبت لكل فرد منها حكم مستقل.

و لنا ان نأخذ بالنقد على هذا الفرق من ناحيتين:

الأولى- ان هذا الفرق أخص من المدعى فانه لا يثبت التفرقة بين الأمر و النهي مطلقاً، و على وجهة نظر جميع المذاهب، حيث انه يرتكز على وجهة نظر

97

مذهب من يرى تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، و لا يجري على وجهة نظر مذهب من لا يرى التبعية كالأشاعرة، فاذن لا يجدى مثل هذا الفرق أصلا.

الثانية- ان هذا الفرق- و ان كان صحيحاً في نفسه- الا انه لا طريق لنا إلى إحرازه مع قطع النّظر عما هو مقتضى إطلاق الأمر و النهي بحسب المتفاهم العرفي و مرتكزاتهم، و ذلك لما ذكرناه- غير مرة- من انه لا طريق لنا إلى ملاكات الأحكام مع قطع النّظر عن ثبوتها، و على هذا الضوء فلا يمكننا إحراز ان المفسدة في المنهي عنه قائمة بمطلق وجوده، و المصلحة في المأمور به قائمة بصرف وجوده، مع قطع النّظر عن تعلق النهي بمطلق وجوده و تعلق الأمر بصرف وجوده، فاذن لا أثر لهذا الفرق مع قطع النّظر عن الفرق الآتي، و هو ان قضية الإطلاق في النواهي هي الانحلال و تعلق الحكم بمطلق الوجود، و في الأوامر هي عدم الانحلال و تعلق الحكم بصرف الوجود. هذا تمام كلامنا في النقطة الأولى.

و اما النقطة الثانية (و هي الفرق بينهما من ناحية المنتهى) فيقع الكلام فيها في مقامين:

الأول في مقام الثبوت.

و الثاني في مقام الإثبات.

اما المقام الأول فالصحيح هو انه لا فرق فيه بين الأمر و النهي، و لتوضيحه ينبغي لنا ان نقدم مقدمة، و هي ان أسماء الأجناس، كما ذكرناها في بحث الوضع انها وضعت للدلالة على الماهية المهملة، و هي الماهية من حيث هي هي التي لم يلحظ فيها أي اعتبار زائد على ذاتها و ذاتياتها، فيكون النّظر مقصوراً على ذاتها من دون نظر إلى امر خارج عنها، و لأجل ذلك تكون الماهية المهملة فوق الماهية

98

اللابشرط المقسمي في الإبهام و الإهمال، فانها مندمجة فيهما غاية الاندماج دون تلك الماهية- أعني الماهية اللابشرط المقسمي- ضرورة ان النّظر فيها ليس مقصوراً على ذاتها و ذاتياتها، بل تلحظ فيها حيثية زائدة، على ذاتها و هي حيثية ورود الاعتبارات الثلاثة عليها- أعني اللابشرط القسمي و بشرط لا و بشرط شي‏ء- باعتبار انها مجمع لتلك الاعتبارات و مقسم لها فهذه الحيثية ملحوظة فيها و لم تلحظ في الماهية المهملة.

ثم ان لتلك الطبيعة المهملة افراداً و مصاديقاً في الخارج، و هي كل ما يمكن ان تنطبق عليه هذه الطبيعة. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان لكل وجود عدما مضافا إليه و هو بديله و نقيضه و قد برهن في محله ان نقيض الواحد واحد، فلا يعقل ان يكون الاثنان بما هما اثنان نقيضاً للواحد ضرورة ان نقيض كل شي‏ء رفع ذلك الشي‏ء لا رفعه و رفع شي‏ء آخر: و هكذا- مثلا- نقيض الإنسان رفع الإنسان، لا رفعه و رفع شي‏ء آخر فان رفع ذلك الشي‏ء نقيض له لا للإنسان.

نعم قد ثبت في المنطق ان نقيض الموجبة الكلية السالبة الجزئية، و بالعكس و نقيض السالبة الكلية الموجبة الجزئية كذلك، و لكن من المعلوم ان هذا التناقض ملحوظ بين القضيتين و الكلامين بحسب مقام الإثبات و الصدق بمعنى ان صدق كل منهما يستلزم كذب الآخر- مثلا- صدق الموجبة الكلية يستلزم كذب السالبة الجزئية و بالعكس، و كذا صدق السالبة الكلية يستلزم كذب الموجبة الجزئية و بالعكس، فهما متناقضان بحسب الصدق، فلا يمكن فرض صدق كليهما معاً، كما انه لا يمكن فرض كذب كليهما كذلك. و هذا هو المراد بالتناقض بينهما و يسمى هذا التناقض بالتناقض الكلامي.

و من الواضح جدا ان هذا أجنبي عن التناقض فيما نحن فيه- و هو

99

التناقض بين الوجود و العدم بحسب مقام الثبوت و الواقع الموضوعي- ضرورة انه لا يمكن ان يكون نقيض الوجود الواحد أعداما متعددة، و نقيض العدم الواحد وجودات متعددة و إلا لزم ارتفاع النقيضين و هذا من الواضحات الأولية.

و من ناحية ثالثة ان وجود الطبيعي عين وجود فرده في الخارج، لوضوح انه ليس للطبيعي وجود آخر في قبال وجود فرده. و قد ذكرنا في بحث تعلق الأوامر بالطبائع ان معنى وجود الطبيعي في الخارج هو ان هذا الوجود الواحد الخارجي كما انه مضاف إلى الفرد و وجود له حقيقة و واقعاً، كذلك مضاف إلى الطبيعي و وجود له كذلك. و قد قلنا هناك ان كل وجود متشخص بنفس ذاته و هويته لا بوجود آخر، بداهة ان الوجود عين التشخص لا شي‏ء وراءه.

و اما الاعراض الملازمة له في الوجود فهي وجودات مستقلة في قباله، فليست من مشخصاته، و في إطلاق المشخص عليها مسامحة واضحة، كما تقدم ذلك بشكل واضح، فهذا الوجود كما انه وجود للفرد حقيقة وجود للطبيعي كذلك، فلا فرق بينهما إلا في الاعتبار وجهة الإضافة. و من هنا صح القول بأن نسبة الطبيعي إلى افراده نسبة الآباء إلى الأولاد، لا نسبة أب واحد إلى الأولاد.

و من ناحية رابعة انه إذا كان وجود الطبيعي في الخارج عين وجود فرده فلا محالة يكون عدمه فيه عين عدم فرده، و هذا واضح.

و من ناحية خامسة كما ان للطبيعي وجودات متعددة بعدد وجودات افراده كذلك له إعدام متعددة بعدد أعدامها، لما عرفت من ان عدم الطبيعي عين عدم فرده و بالعكس.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي انه لا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فرد منها و الطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع افرادها ضرورة ان نقيض الوجود الواحد واحد، و هو عدمه البديل له لا عدمه و عدم‏

100

الفرد الثاني و الثالث ... و هكذا، فأول وجود هذه الطبيعة أول ناقض لعدمها- و نقيضه البديل له عدم هذا الوجود الأول، و هو و ان كان يستلزم بقاء إعدام بقية الافراد على حالها، الا انه ليس عينها، لتثبت المقابلة بين الطبيعتين المذكورتين و هذا ظاهر. و قد عرفت ان وجود كل فرد وجود للطبيعة، و عدمه عدم لها غاية الأمر ان عدمه عدم لها بنحو القضية الجزئية، فان عدمها بنحو القضية الكلية بفرض عدم جميع افرادها، و هو مقابل وجودها بهذا النحو، لا مقابل وجودها بوجود فرد منها، كما لا يخفى.

و بكلمة واضحة، الوجود قد يضاف إلى الطبيعة المهملة، و هي التي كان النّظر مقصوراً على ذاتها و ذاتياتها، و لم يلحظ معها حيثية زائدة على ذاتها أصلا.

و قد يضاف إلى الطبيعة المطلقة السارية إلى افرادها و مصاديقها في الخارج.

و قد يضاف إلى الطبيعة بنحو السعة و الإحاطة و الوحدة في الكثرة.

اما الصورة الأولى فقد تقدم ان الطبيعة المهملة كما تتحقق بتحقق فرد ما، كذلك تنتفي بانتفاء ذلك، ضرورة ان المقابل لهذه الطبيعة هو عدم مضاف إلى مثلها. و من الواضح جدا ان عدم مثلها يتحقق بانتفاء ذلك، لوضوح ان كل وجود يطرد عدمه البديل له، لا عدمه و عدم غيره، فأول وجود لهذه الطبيعة أول طارد لعدمها. و من المعلوم ان نقيضه، و هو العدم البديل له عدم هذا الوجود الأول، لا عدمه و عدم سائر وجوداتها، و ان استلزم عدمه أي عدم هذا الوجود الأول بقاء إعدام سائر وجوداتها على حالها، الا انه ليس عينها لاستحالة ان يكون نقيض الوجود الواحد إعدام متعددة، كما هو ظاهر.

و من هذا البيان يظهر فساد ما قيل من ان الوجود الناقض للعدم الكلي و طارد العدم الأزلي ينطبق على أول الوجودات، ضرورة انه أول ناقض للعدم الأزلي و نقيضه- و هو العدم البديل له- عدم ناقض العدم الكلي و هو عين بقاء العدم‏

101

الكلي على حاله، و لازم هذا هو وجود الطبيعة بوجود فرد منها، و انتفائها بانتفاء جميع افرادها.

وجه الظهور هو ان الطارد للعدم الأزلي المعبر عنه بالعدم الكلي هو الوجود الأول على الفرض. و من المعلوم ان عدم هذا الطارد- أي الطارد العدم الكلي هو عدم ذلك الوجود الأول، لا عدمه و عدم الوجود الثاني و الثالث و الرابع .. و هكذا، ضرورة ان نقيض الواحد واحد، فلا يعقل ان يكون نقيض الواحد متعدداً. نعم عدم الوجود الأول يستلزم بقاء إعدام سائر الوجودات على حالها، لا انه عينها.

و لعل منشأ هذا التوهم الغفلة عن تحليل هذه النقطة، و هي ان عدم الوجود الأول- الّذي هو أول ناقض للعدم الأزلي يستلزم بقاء إعدام سائر الوجودات على حالها، لا ان عدمه عين إعدام تلك الوجودات، ليكون لازمه التقابل بين الطبيعة الموجودة بوجود واحد، و الطبيعة المنتفية بانتفاء جميع وجوداتها و قد مر استحالة ذلك، فان لازم ذلك هو ان يكون نقيض الواحد متعدداً و هو محال.

فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه قد أصبحت انه لا أصل لما اشتهر في الألسنة من جعل الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فرد منها مقابلا للطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع افرادها، لما عرفت من استحالة المقابلة بينهما، فان وجود الواحد طارد لعدم الطبيعة الموجودة في ضمنه، لا له و لعدم الطبيعة الموجودة في ضمن غيره، بداهة ان الوجود الواحد لا يعقل ان يكون طارداً لعدم الطبيعة المطلقة السارية إلى تمام افرادها، كما هو واضح.

قد يقال ان صرف الوجود الّذي يتحقق بوجود واحد، و صرف الترك الّذي لا يمكن إلا بانعدام الطبيعة بجميع افرادها انما هو من جهة ان بين الافراد وحدة سنخية و تلك الوحدة السنخية هي الجامع بين الوجودات و الكثرات، و لا شك في حصول‏

102

ذلك الجامع بحصول كل واحد من الافراد و الوجودات.

أو فقل ان الوجود السعي بين الوجودات كالطبيعة اللابشرط بين المفاهيم فكما ان تلك الطبيعة تصدق و تنطبق على كل فرد من افرادها، فكذلك ذلك الوجود السعي، فانه ينطبق على كل وجود من الوجودات. و هذا بخلاف ما في طرف العدم، فان العدم الجامع عبارة عن مجموع الاعدام بإضافة العدم إلى الطبيعة لأن على مجموعها يصدق انه عدم الطبيعة، لا على كل واحد واحد، ضرورة انه ليس هنا شي‏ء واقعي يكون جامعاً بين تلك الاعدام و منطبقاً على كل واحد منها.

و غير خفي ان هذا التوجيه لا يرجع إلى معنى محصل أصلا، و ذلك لأنه ان أريد بالوحدة السنخية بين الوجودات الوحدة الحقيقية و الذاتيّة فهي غير معقولة و ذلك لأن كل وجود مباين لوجود آخر و كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى، و مع ذلك كيف تعقل وحدة وجودية حقيقية بينهما و كيف يعقل اشتراك الفعليتين بالذات في فعلية ثالثة.

و ان أريد بها الوجود السعي الّذي هو عبارة عن الوجود المضاف إلى الطبيعة مع قطع النّظر عن جميع الخصوصيات و التشخصات الخارجية فهو امر معقول، الا ان مثل هذا الجامع موجود بين الاعدام أيضاً و هو العدم السعي فانه عدم مضاف إلى الطبيعة مع إلغاء كل خصوصية من الخصوصيات، و ينطبق على كل واحد من الاعدام كانطباق الوجود السعي على كل واحد من الوجودات و ليست وحدة الوجود السعي وحدة حقيقية، ليقال: انه ليس بين الاعدام جامع حقيقي، لما عرفت من ان الجامع الحقيقي الوجوديّ بين الوجودات غير معقول فلا محالة تكون وحدته وحدة بالعنوان، و لا تتعدى عن أفق النّفس إلى الخارج إذاً تصوير هذا النحو من الجامع بين الاعدام بمكان من الوضوح كما عرفت.