محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
103

و على هذا الضوء لا فرق بين ان يكون المطلوب الوجود السعي، و بين ان يكون المطلوب العدم السعي، فان الأول كما ينطبق على كل فرد من الافراد كذلك الثاني ينطبق على كل عدم عن الاعدام، و لا يتوقف صدق الثاني على مجموع الاعدام، كما توهم، كيف فانه كما يصدق على وجود كل فرد انه وجود الطبيعة، كذلك يصدق على عدم كل منه انه عدم الطبيعة، بداهة ان الوجود إذا كان وجود الطبيعة، فكيف لا يكون عدمه البديل له عدما لها، إذاً كيف يتوقف صدق عدم الطبيعة على عدم مجموع الافراد.

أو فقل: ان عدم الطبيعة بما هو ليس عدما آخر في مقابل الاعدام الخاصة ليقال ان صدق هذا العدم يتوقف على تحقق مجموع تلك الاعدام، بداهة ان عدم الطبيعة عين تلك الاعدام و لا مطابق له غيرها كما ان وجودها ليس وجودا آخر في مقابل الوجودات الخاصة، بل هو عين تلك الوجودات. و على هذا فإذا كان للطبيعة وجود واحد كان لها عدم واحد، و إذا كان لها وجودات متعددة كان لها إعدام كذلك، فالتفرقة بين وجود الطبيعة و عدمها مما لا أصل له- أصلا- و هي و ان كانت مشهورة الا انها مبنية على ضرب من المسامحة.

و اما الصورة الثانية (و هي ما إذا لو حظ الوجود مضافا إلى الطبيعة المطلقة) فقد ظهر مما تقدم ان لها أعداما متعددة بعدد وجودات افرادها، و كل عدم منها طارد لوجوده، لا له و لوجود غيره، و كل وجود منها طارد لعدمه، لا له و لعدم غيره. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان وجود الفرد كما انه عين وجود الطبيعي في الخارج، كذلك عدمه عين عدمه فيه.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان الطبيعة كما توجد بوجود فرد منها كذلك تنتفي بانتفائه، لفرض ان انتفاء الفرد عين انتفاء الطبيعة، و لا يتوقف انتفاؤها على انتفاء جميع افرادها. نعم ان انتفاء الطبيعة المطلقة يتوقف على‏

104

انتفاء جميع افرادها، لفرض ان المقابل لها هو عدم مثلها، لا عدم فرد واحد منها، كما هو ظاهر.

و اما الصورة الثالثة (و هي الوجود المضاف إلى الطبيعة بنحو السعة و الإحاطة و الوحدة في الكثرة) فقد تبين مما تقدم ان المقابل للوجود المضاف إلى الطبيعة بنحو السعة لا بنحو الكثرة و الانحلال عدم مثله- أي العدم المضاف إلى الطبيعة كذلك- و المراد من الوجود السعي كما عرفت هو عدم ملاحظة خصوصية وجود فرد دون آخر فيه، بل هو مضاف إلى الطبيعة مع إلغاء جميع خصوصية من الخصوصيات، و لذا لا يغيب و لا يشذ عنه أي وجود من وجودات هذه الطبيعة و ينطبق على كل وجود من وجوداتها بلا خصوصية في البين. و من هنا يعبر عنه بالوحدة في الكثرة، باعتبار انه يلاحظ فيه جهة السعة و الوحدة في هذه الكثرات.

و مقابل هذا الوجود السعي العدم السعي و هو العدم المضاف إلى الطبيعة مع إلغاء تمام خصوصية من الخصوصيات فيه، و لأجل ذلك هذا عدم لا يغيب و لا يشذ عنه أي عدم من إعدام هذه الطبيعة، و ينطبق على كل عدم منها من دون جهة خصوصية في البين. و من الواضح انه لا يكون في مقابل هذا العدم وجود فرد منها، كما انه لا يكون في مقابل هذا الوجود عدم فرد منها.

و نتيجة ما ذكرناه لحد الآن عدة نقاط:

الأولى انه لا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو توجد بوجود فرد منها و الطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع افرادها على ضوء جميع الصور المتقدمة.

الثانية ان الطبيعة الملحوظة على نحو الإطلاق و السريان في نقطة مقابلة للطبيعة الملحوظة على نحو تنعدم بانعدام جميع افرادها، كما هو ظاهر.

الثالثة ان الوجود السعي المضاف إلى الطبيعة مع إلغاء الخصوصيات في نقطة مقابلة للعدم السعي المضاف إليها كذلك.

105

و بعد ذلك نقول ان الطبيعة التي يتعلق بها الحكم لا تخلو ان تكون ملحوظة على نحو الإطلاق و السريان، أو ان تكون ملحوظة على نحو الإطلاق و العموم البدلي، أو ان تكون ملحوظة على نحو العموم المجموعي، فعلى الأول لا محالة ينحل الحكم بانحلال افرادها في الواقع، فيثبت لكل فرد منها حكم مستقل. و لا يفرق في ذلك بين ان يكون هذا الحكم إيجابياً أو تحريمياً، كما هو واضح. و على الثاني فالحكم متعلق بفرد ما من الطبيعة المعبر عنه بصرف الوجود.

و من المعلوم انه لا يفرق فيه بين ان يكون ذلك الحكم وجوبياً أو تحريمياً، ضرورة ان الملاك إذا كان قائماً بصرف الوجود- كما هو المفروض- فلا محالة يكون الحكم المجعول على طبقه متعلقاً به، من دون فرق بين ان يكون ذلك الملاك مصلحة أو مفسدة، غاية الأمر ان كان الحكم المزبور تحريمياً فلا يكون ارتكاب الفرد الثاني و الثالث .. و هكذا بعد ارتكاب الفرد الأول محرما، و هذا ظاهر.

و على الثالث فالحكم متعلق بمجموع الافراد على نحو العموم المجموعي، و لا يفرق فيه أيضاً بين ان يكون ذلك حكما وجوبياً أو تحريمياً، كما هو واضح.

و على الجملة فالألفاظ و ان كانت موضوعة للطبيعة المهملة من تمام الجهات ما عدا النّظر إلى ذاتها و ذاتياتها، الا ان الشارع في مقام جعل الحكم عليها لا بد ان يلاحظها على أحد الأنحاء المذكورة، لاستحالة الإهمال في الواقع، فلا محالة اما ان يلاحظها على نحو الإطلاق و السريان، أو على نحو العموم البدلي، أو المجموعي، فلا رابع لها. و على جميع هذه التقادير و الفروض لا فرق بين الحكم التحريمي و الوجوبيّ أصلا.

و من هنا يظهر ان الحال كذلك على وجهة نظر المشهور من ان المطلوب من النهي هو ترك الطبيعة، فانه في مقام جعل الحكم عليه اما ان يلاحظ على نحو الإطلاق و السريان، أو على نحو العموم المجموعي، أو على نحو العموم‏

106

البدلي، فلا رابع. و كذا الحال على وجهة نظر من يرى ان المطلوب من النهي الزجر عن الفعل.

فالنتيجة على ضوء ما ذكرناه قد أصبحت انه لا فرق بين الأمر و النهي بحسب مقام الثبوت و الواقع من هذه الناحية مطلقاً بلا فرق بين وجهة نظرنا و وجهة نظر المشهور. هذا تمام الكلام في المقام الأول.

و اما المقام الثاني (و هو مقام الإثبات و الدلالة) فهو نقطة أساسية للفرق بين الأمر و النهي و السبب النهائيّ لجواز الاكتفاء في الأول بصرف إيجاد الطبيعة في الخارج، و عدم الاكتفاء في الثاني بصرف تركها.

بيان ذلك هو انه لا شبهة في ان الأمر إذا تعلق بطبيعة كالصلاة- مثلا- أو نحوها فلا يعقل ان يراد من المكلف إيجاد تلك الطبيعة بكل ما يمكن ان تنطبق عليه هذه الطبيعة في الخارج، بداهة استحالة ذلك على المكلف و انه لا يقدر على إيجادها. كذلك. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الأمر المتعلق بها مطلق و غير مقيد بحصة خاصة من مرة أو تكرار أو غيرهما.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان مقتضى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو جواز الاكتفاء في مقام الامتثال بإيجاد فرد من افرادها أراد المكلف إيجاده في الخارج، و ذلك لأنه بعد استحالة ان يكون المطلوب منه هو إيجاد جميع افرادها في الخارج من العرضية و الطولية، ضرورة عدم تمكن المكلف من ذلك، و تقييده بحصة خاصة منها دون أخرى يحتاج إلى دليل يدل عليه، و حيث لا دليل في البين فلا مناص من الالتزام بان قضية الإطلاق هي ان المطلوب صرف وجودها في الخارج.

أو فقل ان المطلوب لا يمكن ان يكون جميع وجودات الطبيعة، و بعضها دون بعضها الآخر يحتاج إلى دليل، و عند فرض عدمه لا محالة، كان المطلوب‏

107

هو إيجادها في ضمن فرد ما المنطبق في الخارج على أول وجوداتها، غاية الأمر يتخير المكلف في مقام الامتثال في تطبيقها على هذا أو ذاك.

و هذا بخلاف النهي فانه إذا ورد على طبيعة ليس المراد منه حرمان المكلف عن فرد ما منها، ضرورة ان الحرمان منه حاصل قهراً، فالنهي عنه تحصيل للحاصل و هو محال. هذا من جانب. و من جانب آخر انه لم يقيد النهي عنه بحصة خاصة منها بحسب الافراد العرضية أو الطولية.

فالنتيجة على ضوئهما هي ان مقتضى الإطلاق الثابت فيه بمقدمات الحكمة هو منع المكلف و حرمانه عن جميع افرادها الدفعيّة و التدريجية.

و على أساس هذا البيان قد تبين ان هذا الاختلاف- أعني الاختلاف في نتيجة مقدمات الحكمة بين الأمر و النهي- ليس من ناحية اختلافهما في المتعلق لما عرفت من ان متعلقهما واحد و هو نفس طبيعي الفعل، فانه كما يكون متعلقاً للأمر، كذلك يكون متعلقاً للنهي، بل ان ذلك انما كان من جهة خصوصية في تعلق الأمر و النهي به، و هذه الخصوصية هي ان المطلوب من الأمر بما انه إيجاد الطبيعة في الخارج فلا يمكن ان يريد المولى منه إيجادها بكل ما يمكن ان تنطبق عليه هذه الطبيعة، لفرض عدم تمكن المكلف منه كذلك فهذه الخصوصية أوجبت ان تكون نتيجة مقدمات الحكمة فيه هي كون المطلوب إيجادها في ضمن فرد ما المعبر عنه بصرف الوجود. و المطلوب من النهي بما انه حرمان المكلف فلا يمكن ان يراد منه حرمانه عن بعض افرادها، لفرض انه حاصل قهراً، و النهي عنه تحصيل للحاصل، فهذه الخصوصية أوجبت ان تكون نتيجة مقدمات الحكمة فيه هي كون المطلوب حرمان المكلف عن جميع افرادها.

و بكلمة واضحة ان السبب الموضوعي لاختلاف نتيجة مقدمات الحكمة انما هو اختلاف خصوصيات الموارد، ففي مورد لخصوصية فيه تنتج مقدمات‏

108

الحكمة الإطلاق الشمولي، و في مورد آخر لخصوصية فيه تنتج الإطلاق البدلي مع ان الموردين يكونان متحدين بحسب الموضوع و المتعلق- مثلا- في مثل قوله تعالى «و أنزلنا من السماء ماء طهورا» تنتج المقدمات الإطلاق الشمولي ببيان ان جعل الطهور لفرد ما من الماء في العالم لغو محض فلا يصدر من الحكيم فاذن لا محالة يدور الأمر بين جعله لكل ما يمكن ان ينطبق عليه هذا الطبيعي في الخارج، و جعله لخصوص حصة منه كالماء الكر- مثلا- أو الجاري أو نحو ذلك، و حيث انه لا قرينة على تقييده بخصوص حصة خاصة فلا محالة قضية الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هي إرادة الجميع، فان الإطلاق في مقام الإثبات كاشف عن الإطلاق في مقام الثبوت بقانون تبعية المقام الأول للثاني.

و اما في مثل قولنا «جئني بماء» فتنتج المقدمات الإطلاق البدلي، مع ان كلمة (ماء) في كلا الموردين قد استعملت في معنى واحد، و هو الطبيعي الجامع و لكن خصوصية تعلق الحكم بهذا الطبيعي على الأول تقتضي كون نتيجة الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة شمولياً، و خصوصية تعلقه به على الثاني تقتضي كون نتيجته بدلياً.

و كذا نتيجة مقدمات الحكمة في مثل قوله تعالى «أحل اللَّه البيع» «و تجارة عن تراض» «و أوفوا بالعقود» و ما شابه ذلك شمولياً، باعتبار ان جعل الحكم لفرد ما من البيع أو التجارة أو العقد في الخارج لغو محض، فلا يترتب عليه أي أثر. و من المعلوم انه يستحيل صدور مثله عن الحكيم، فاذن لا محالة اما ان يكون الحكم مجعولا لجميع افراد تلك الطبائع في الخارج من دون ملاحظة خصوصية في البين، و اما ان يكون مجعولا لحصة خاصة منها دون أخرى. و بما ان إرادة الثاني تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليها، و المفروض انه لا قرينة في البين، فاذن مقتضى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو إرادة جميع افراد

109

و مصاديق هذه الطبائع.

و هذا بخلاف نتيجة تلك المقدمات في مثل قولنا «بع دارك»- مثلا- أو «ثوبك» أو ما شاكل ذلك، فانها في مثل هذا المثال بدلي لا شمولي، مع ان كلمة (بيع) في هذا المثال و الآية الكريمة قد استعملت في معنى واحد، و هو الطبيعي الجامع، و لا تدل في كلا الموردين إلا على إرادة تفهيم هذا الجامع، و لكن لخصوصية في هذا المثال كان مقتضى الإطلاق فيه بدلياً، و هذه الخصوصية هي عدم إمكان ان يراد من بيع الدار بيعها من كل أحد و بكل شي‏ء، ضرورة ان العين الواحدة الشخصية غير قابلة لأن يبيعها من كل شخص و بكل صيغة في زمان واحد. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان المفروض عدم تقييد بيعها من شخص خاص و في زمان مخصوص.

فالنتيجة على ضوئهما هي جواز بيعها من أي شخص أراد بيعها منه، و هذا معنى الإطلاق البدلي و كون المطلوب هو صرف الوجود.

و من ذلك يظهر حال الأوامر المتعلقة بالطبائع، كالأمر المتعلق بالصلاة و الصوم و الحج و ما شاكل ذلك، فان قضية الإطلاق الثابت فيها بمقدمات الحكمة الإطلاق البدلي و صرف الوجود، و ذلك لما عرفت من انه لا يمكن ان يراد من المكلف كل ما يمكن ان تنطبق عليه هذه الطبائع في الخارج، لاستحالة إرادة ذلك، لأنه تكليف بالمحال، و إرادة بعض افرادها دون بعضها الآخر تحتاج إلى دليل، فإذا لم يكن دليل في البين فمقتضى الإطلاق هو ان المطلوب واحد منها و صرف وجودها المتحقق بأول الوجودات. و اما تكرار الصلاة في كل يوم و الصوم في كل سنة فهو من جهة الأدلة الخاصة، لا من ناحية دلالة الأمر عليه.

و هذا بخلاف ما إذا فرض تعلق النهي بتلك الطبائع، فان مقتضى الإطلاق الثابت فيها بمقدمات الحكمة هو الإطلاق الشمولي لخصوصية في تعلق النهي بها،

110

و هي انه لا يمكن ان يريد المولى حرمان المكلف عن بعض افرادها لأنه حاصل و لا معنى للنهي عنه، و إرادة حصة خاصة منها بحسب الافراد العرضية أو الطولية تحتاج إلى دليل، و حيث انه لا دليل عليها فقضية الإطلاق لا محالة هي العموم الشمولي.

و قد تحصل من ذلك ان مقتضى الإطلاق في الأوامر سواء أ كان الإطلاق من تمام الجهات- أعني بالإضافة إلى الافراد العرضية و الطولية- أو من بعض الجهات كما إذا كان لها إطلاق بالإضافة إلى الافراد العرضية دون الطولية أو بالعكس هو الإطلاق البدلي و صرف الوجود، و في النواهي كذلك الإطلاق الشمولي.

كما ان الأمر كذلك في الأحكام الوضعيّة المتعلقة بالطبائع الكلية كالطهارة و النجاسة و لزوم العقد و حلية البيع و ما شاكل ذلك، فان مقتضى جريان مقدمات الحكمة فيها هو الإطلاق الشمولي و انحلال تلك الأحكام بانحلال متعلقاتها و موضوعاتها في الخارج.

عدة نقاط فيما ذكرناه:

الأولى- انه لا فرق بين الأمر و النهي بحسب مقام الثبوت و الواقع- كما مر.

الثانية- انه لا فرق بينهما بحسب المتعلق، فما تعلق به النهي بعينه هو متعلق الأمر- كما عرفت- الثالثة- ان الأساس الرئيسي لامتياز النهي عن الأمر انما هو في مقام الإثبات و الدلالة، حيث ان نتيجة مقدمات الحكمة في طرف الأمر الإطلاق البدلي و صرف الوجود، و في طرف النهي الإطلاق الشمولي.

الرابعة- ان مبدأ انبثاق هذا الامتياز انما هو خصوصية في نفس الأمر المتعلق بشي‏ء و النهي المتعلق به- كما سبق-.

ثم ان ما ذكرناه من الاختلاف في نتيجة مقدمات الحكمة باختلاف‏

111

الخصوصيات جار في الجمل الخبرية أيضاً، فان نتيجة مقدمات الحكمة فيها أيضا تختلف باختلاف خصوصيات المورد- مثلا- في مثل قولنا «جاء رجل نتيجة تلك المقدمات الإطلاق البدلي، و في مثل قولنا «لا رجل في الدار» نتيجتها الإطلاق الشمولي، مع ان كلمة (رجل في كلا المثالين قد استعملت في معنى واحد و هو الطبيعي الجامع، و لكن لخصوصية في كل منهما تقتضي كون الإطلاق في أحدهما بدلياً، و في الآخر شمولياً، و بتلك الخصوصية يمتاز أحدهما عن الآخر.

و بيان ذلك: اما كون النتيجة في المثال الأول بدلياً، فلأجل انه لا يمكن ان يريد المتكلم الاخبار عن مجي‏ء كل من ينطبق عليه عنوان الرّجل لأنه خلاف الواقع. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه لم ينصب قرينة على الاخبار عن مجي‏ء شخص خاص.

فالنتيجة على ضوئهما هي ان مقتضى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة هو كونه أراد الاخبار عن مجي‏ء فرد ما من الرّجل و صرف وجوده، فهذه الخصوصية أوجبت كون نتيجة المقدمات فيه بدلياً.

و اما في المثال الثاني فباعتبار انه لا يمكن ان يريد منه الاخبار عن عدم وجود رجل واحد في الدار، و وجود البقية فيها. بداهة ان هذا المعنى في نفسه غير معقول. كيف و لا يعقل وجود جميع رجال العالم في دار واحدة. هذا من جانب و من جانب. آخر انه لم يقيده بحصة خاصة دون أخرى.

فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين هي ان المتكلم أراد الاخبار بنفي وجود كل فرد من افراد الرّجل عن الدار، ضرورة انه لو كان واحد من افراده فيها لا يصدق قوله «لا رجل في الدار»، و لصدق نقيضه.

و من هذا القبيل أيضاً قولنا «لا أملك شيئاً» فان كلمة (شي‏ء) و ان استعملت في معناها الموضوع له و هو الطبيعي الجامع بين جميع الأشياء، الا ان مقتضى‏

112

الإطلاق و عدم تقييده بحصة خاصة هو نفي ملكية كل ما يمكن ان ينطبق عليه عنوان الشي‏ء لا نفي فرد ما منه و وجود البقية عنده، فان هذا المعنى باطل في نفسه، فلا يمكن إرادته منه.

و من هذا القبيل أيضاً قوله (عليه السلام) «لا ضرر و لا ضرار في الإسلام» و ما شاكل ذلك، فانه لا يمكن ان يراد منه نفي ضرر ما في الشريعة المقدسة، لأنه لغو محض، فلا يصدر من الحكيم. فاذن لا محالة اما ان يراد نفي جميع افراده أو نفي بعضها الخاصة. و حيث ان الثاني يحتاج إلى قرينة تدل عليه فمقتضى الإطلاق هو الأول، و هو إرادة نفي الجميع.

و كذا قوله تعالى «لا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج» و قوله (عليه السلام) «لا صلاة الا بطهور» و قوله (عليه السلام) «لا سهو للإمام إذا حفظ عليه من خلفه و لا سهو المأموم إذا حفظ عليهم الإمام» و غير ذلك من الجملات، سواء أ كانت في مقام الاخبار أو الإنشاء- أي سواء أ كانت كلمة (لا) النافية بمعناها أو بمعنى النهي- فانه على كلا التقديرين مقتضى الإطلاق فيها هو العموم الشمولي دون البدلي، و ذلك ضرورة انه لا يمكن ان يريد المولى من النفي أو النهي نفى فرد ما أو النهي عنه، لأنه لغو محض فلا يصدر من الحكيم، فاذن لا محالة يدور الأمر بين ان يراد منه نفي جميع افراد الطبيعة، أو النهي عن جميعها، أو نفى بعضها المعين، أو النهي عنه كذلك. و حيث ان إرادة الثاني تحتاج إلى قرينة، فإذا لم تكن قرينة في البين يتعين إرادة الأول لا محالة. و هذا معنى كون نتيجة مقدمات الحكمة فيها شمولياً، و انها تكشف عن الإطلاق في مقام الثبوت.

عدة خطوط فيما ذكرناه.

الأول- ان النهي موضوع للدلالة على إبراز اعتبار المولى حرمان المكلف عن الفعل في الخارج، كما ان الأمر موضوع للدلالة على إبراز اعتبار المولى الفعل على ذمة

113

المكلف. و من هنا يصح تفسير النهي بالحرمة و الأمر بالوجوب باعتبار دلالة الأول على حرمان المكلف عن الفعل، و الثاني على ثبوته في ذمته.

الثاني- ان حقيقة النهي هو ذلك الأمر الاعتباري، كما ان حقيقة الأمر كذلك و انهما اسمان للمؤلف من ذلك الأمر الاعتباري و إبرازه في الخارج بمبرز.

الثالث- ان متعلق النهي بعينه هو ما تعلق به الأمر، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا. و اما ما هو المعروف من ان متعلق النهي الترك و نفس ان لا تفعل فلا أصل له كما سبق.

الرابع- ان النقطة الأساسية للفرق بين الأمر و النهي هي ان نتيجة مقدمات الحكمة في طرف الأمر الإطلاق البدلي و صرف الوجود، و في طرف النهي الإطلاق الشمولي و تمام الوجود.

الخامس- انه لا فرق بين الأمر و النهي بحسب مقام الثبوت و الواقع على وجهتي كلا النظرين- أعني وجهة نظرنا و وجهة نظر المشهور و ذلك لأنهما لا تخلوان بحسب الواقع من ان يكونا مجعولين للطبيعة على نحو العموم البدلي أو الاستغراقي أو المجموعي فلا رابع في البين. و من المعلوم انه لا فرق بينهما من هذه النواحي أصلا كما تقدم.

السادس- ان النهي يختلف مع الأمر في المعنى الموضوع له، و يتحد معه بحسب المتعلق على وجهة نظرنا و اما على وجهة نظر المشهور فمتعلق الطلب في النهي الترك و في الأمر الوجود. نعم متعلق نفس الأمر و النهي معاً الفعل و الوجود.

السابع- انه لا فرق بين عدم الطبيعة و وجودها، فكما ان عدمها على نحو القضية الكلية يتوقف على عدم جميع ما يمكن ان تنطبق عليه هذه الطبيعة في الخارج، فكذلك وجودها على هذا النحو يتوقف على وجود جميع ما يمكن انطباق تلك الطبيعة عليه. فلا فرق بينهما من هذه الجهة أصلا، و اما وجودها

114

على نحو القضية الجزئية فهو و ان تحقق بوجود فرد ما منها، الا ان عدمها كذلك أيضاً يتحقق بعدم فرد ما منها فلا خصوصية من هذه الجهة للوجود، بل هما من هذه الناحية على نسبة واحدة. و من هنا قلنا ان مقابل كل وجود من وجودات الطبيعة عدم من أعدامها و هو بديله و نقيضه، و لذا ذكرنا انه لا مقابلة بين الطبيعة التي توجد بوجود فرد منها و الطبيعة التي تنتفي بانتفاء جميع افرادها.

الثامن- ان نتيجة جريان مقدمات الحكمة تختلف باختلاف خصوصيات الموارد، فان نتيجتها في الأوامر المتعلقة بالطبائع الإطلاق البدلي و صرف الوجود و في النواهي المتعلقة بها الإطلاق الشمولي و تمام الوجود. و في الأحكام الوضعيّة المتعلقة بالطبائع الكلية أيضاً ذلك أعني الإطلاق الشمولي و الانحلال.

الجهة الثانية- ان الأمر كما يتعلق بالفعل من ناحية اشتماله على مصلحة لزومية قد يتعلق بالترك كذلك، و كما انه على الأول يتصور على صور كذلك على الثاني.

بيان ذلك هو ان المصلحة القائمة بالفعل لا تخلو من ان تقوم بصرف وجودها في الخارج أو بتمام وجوداتها على نحو العموم الاستغراقي أو على نحو العموم المجموعي أو بعنوان بسيط متحصل من الوجودات الخارجية. فعلى الأول يكون المطلوب هو صرف وجود الطبيعة المتحقق بأول وجوداتها. و على الثاني يكون المطلوب هو جميع وجوداتها على نحو الانحلال. و على الثالث يكون المطلوب هو مجموع تلك الوجودات بطلب واحد شخصي. و على الرابع يكون المطلوب هو ذلك العنوان البسيط، و اما الوجودات الخارجية فهي محصلة له.

و كذا الحال في المصلحة القائمة بالترك، فانها لا تخلو بحسب مقام الثبوت و الواقع من ان تكون قائمة بصرف ترك الطبيعة، أو بتمام تروكها على نحو العام الاستغراقي، أو بتمامها على نحو العام المجموعي، أو بعنوان بسيط متولد من هذه التروك الخارجية، و لا خامس لها.

115

فعلى الأول المطلوب هو صرف الترك، و هو يحصل بترك فرد ما من الطبيعة في الخارج، فيكون حاله حال ما إذا كان المطلوب هو صرف الوجود.

و على الثاني المطلوب هو كل ترك من تروكها على نحو الاستقلال بحيث يكون كل منها متعلقاً للحكم مستقلا مع قطع النّظر عن تعلق الحكم بالآخر، فحاله من هذه الناحية حال ما إذا كان المطلوب هو إيجاد الطبيعة على نحو الإطلاق و الانحلال.

و على الثالث المطلوب هو مجموع التروك من حيث هو بطلب واحد شخصي بحيث يكون تعلق الحكم بكل منها مربوطاً بتعلقه بالآخر، فيكون حاله حال الصورة الثالثة من هذه الناحية.

و على الرابع المطلوب هو ذلك العنوان البسيط، و اما التروك الخارجية فهي محصلة له، فيكون حاله من هذه الجهة حال الصورة الرابعة.

ثم انه لا يخفى ان مرد هذه الصور الأربع جميعاً إلى إيجاب الترك، كما ان مرد الصور الأربع الأولى إلى إيجاب الفعل، و لا يرجع شي‏ء من تلك الصور إلى المنع عن الفعل و حرمته واقعاً، و ان فرض ورود الدليل عليه بصورة النهي.

و الوجه في ذلك واضح و هو ما ذكرناه من ان النهي عن شي‏ء ينشأ عن اشتماله على مفسدة لزومية و هي تدعو المولى إلى اعتبار حرمان المكلف عنه، و لا ينشأ عن مصلحة كذلك في تركه، و إلا لزم ان يكون تركه واجباً لا ان يكون فعله حراما، ضرورة انه لا مقتضى لاعتبار حرمان المكلف عنه أصلا بعد ما لم تكن فيه مفسدة أصلا، بل اللازم عندئذ هو اعتبار تركه في ذمته من جهة اشتماله على مصلحة ملزمة. و هذا بخلاف النهي الوارد في المقام، فانه غير ناش عن مفسدة في الفعل، بداهة انه لا مفسدة فيه أصلا، بل نشأ عن قيام مصلحة في تركه، و هي داعية إلى إيجابه و اعتباره في ذمة المكلف.

و بكلمة واضحة ان المولى كما يعتبر الفعل على ذمة المكلف باعتبار اشتماله‏

116

على مصلحة إلزامية و يبرزه في الخارج بمبرز، كصيغة الأمر أو ما شاكلها، قد يعتبر الترك على ذمته باعتبار قيام مصلحة لزومية فيه و يبرزه في الخارج بمبرز ما سواء أ كان إبرازه بقول أم بفعل، و سواء أ كان بصيغة الأمر و ما شابهها أم بصيغة النهي، ضرورة ان اختلاف أنحاء المبرز (بالكسر) لا يوجب الاختلاف في المبرز (بالفتح) أصلا فانه واحد- و هو اعتبار المولى الترك في ذمته- كان مبرزه قولا أو فعلا كان بصيغة الأمر أو النهي، و هذا واضح.

و نتيجة ذلك هي ان الأمر ناش عن قيام مصلحة إلزامية في متعلقه، سواء أ كان متعلقه فعل شي‏ء أم تركه، كما ان النهي ناش عن قيام مفسدة إلزامية في متعلقه كذلك.

و السر فيه ما عرفت من ان حقيقة الأمر هو اعتبار المولى الشي‏ء على ذمة المكلف من جهة وجود مصلحة ملزمة فيه. و من المعلوم انه لا يفرق بين اعتباره فعل شي‏ء على ذمته أو تركه، كما انه لا يفرق بين ان يكون مبرز ذلك الأمر الاعتباري في الخارج فعلا أو قولا. و حقيقة النهي اعتباره حرمان المكلف عن الشي‏ء باعتبار وجود مفسدة ملزمة فيه. و من الواضح جدا انه لا يفرق بين اعتباره حرمانه عن فعل شي‏ء أو اعتباره حرمانه عن ترك شي‏ء.

و قد تحصل من ذلك ان هذا هو الميزان الأساسي لتمييز حقيقة النهي عن حقيقة الأمر، و ليست العبرة في ذلك بالمبرز (بالكسر) أصلا، ضرورة انه لا شأن له ما عدا إبرازه عن واقع الأمر و واقع النهي و لا خصوصية له أبدا.

و على ضوء هذا البيان يظهر حال النواهي الواردة في أبواب العبادات منها ما ورد في خصوص باب الصلاة كموثقة سماعة قال سئل أبو عبد اللَّه (عليه السلام) عن جلود السباع فقال: «اركبوها و لا تلبسوا شيئاً منها تصلون فيه» و ما شاكلها من الروايات الدالة على ذلك. و صحيحة محمد بن مسلم قال سألته عن الجلد الميت‏

117

أ يلبس في الصلاة إذا دبغ؟ قال (عليه السلام) «لا و لو دبغ سبعين مرة» و صحيحة محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في الميتة قال «لا تصل في شي‏ء منه حتى في شسع» و قوله (عليه السلام) «لا تصل فيه حتى تغسله» و ما شاكل ذلك من الروايات، فان هذه الروايات و ان كانت واردة بصورة النهي، الا انها في الحقيقة إرشاد إلى مانعية تلك الأمور عن الصلاة و تقيد الصلاة بعدمها، لأجل مصلحة كانت في هذا التقييد، لا لأجل مفسدة في نفس تلك الأمور حال الصلاة ضرورة انه ليس لبس ما لا يؤكل أو الميتة أو النجس في الصلاة من المحرمات في الشريعة المقدسة.

نعم الإتيان بالصلاة عندئذ بقصد الأمر تشريع و محرم. و هذا خارج عن محل الكلام، فان الكلام في حرمة هذه القيود، لا في حرمة الصلاة، على ان الكلام في الحرمة الذاتيّة، لا في الحرمة التشريعية، و الفرض ان هذه الحرمة حرمة تشريعية. فاذن لا يمكن ان تكون هذه النواهي ناشئة عن وجود مفسدة ملزمة فيها.

و على الجملة ففي أمثال هذه الموارد ليس في الواقع و عند التحليل العلمي الا اعتبار الشارع تقييد الصلاة بعدم تلك الأمور من جهة اشتمال هذا التقييد على مصلحة ملزمة و إبراز ذلك الاعتبار في الخارج بمبرز، كهذه النواهي أو غيرها.

و من هنا تدل تلك النواهي على مطلوبية هذا التقييد و مانعية تلك الأمور عن الصلاة، ضرورة انا لا نعني بالمانع الا ما كان لعدمه دخل في المأمور به، و هذا معنى كون هذه النواهي إرشادا إلى مانعية هذه الأمور و تقيد الصلاة بعدمها، هذا كله فيما إذا كان الترك مأمورا به بالأمر الضمني.

و قد يكون الترك مأموراً به بالأمر الاستقلالي بأن يعتبره المولى على ذمة المكلف باعتبار اشتماله على مصلحة ملزمة، و يبرزه في الخارج بمبرز، سواء أ كان‏

118

ذلك المبرز صيغة امر أم نهي، لما عرفت من انه لا شأن للمبرز (بالكسر) أصلا ما عدا إبرازه ذلك الأمر الاعتباري في الخارج، و العبرة انما هي للمبرز (بالفتح) فانه إذا كان ناشئاً عن مصلحة في متعلقه سواء أ كان متعلقه فعلا أم تركا، فهو امر حقيقة و ان كان مبرزه في الخارج صيغة النهي، و إذا كان ناشئاً عن مفسدة في متعلقه كذلك، فهو نهي حقيقة، و ان كان مبرزه في الخارج صيغة الأمر أو ما يشبهها.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان الأمر المتعلق بالترك على قسمين:

أحدهما- انه امر ضمني متعلق بعدم إيجاد شي‏ء في العبادات أو المعاملات و ثانيهما انه امر استقلالي متعلق بعدم إيجاد شي‏ء مستقلا.

اما القسم الأول فهو بمكان من الكثرة في أبواب العبادات و المعاملات.

و اما القسم الثاني فهو قليل جداً. نعم يمكن ان يكون الصوم من هذا القبيل باعتبار ان حقيقته عبارة عن ترك عدة أمور كالأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء و نحو ذلك، و ليست عبارة عن عنوان وجودي بسيط متولد من هذه التروك في الخارج، فاذن الأمر بالصوم ناش عن قيام مصلحة ملزمة في هذه التروك، و لم ينشأ عن قيام مفسدة كذلك في فعل هذه الأمور، و لذا يقال ان الصوم واجب، و لا يقال ان فعل المفطرات محرم. و عليه فلا محالة يكون مرد النهي عن كل من الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء في نهار شهر رمضان إلى اعتبار تروك هذه الأمور على ذمة المكلف باعتبار وجود مصلحة إلزامية فيها. فالنهي عن كل واحد منها إرشاد إلى دخل تركه في حقيقة الصوم، و انه مأمور به بالأمر الضمني.

فالنتيجة هي ان مجموع هذه التروك مأمور به بالأمر الاستقلالي، و كل منها مأمور به بالأمر الضمني.

و من هذا الباب أيضا تروك الإحرام في الحج، فان كلا منها واجب على‏

119

المكلف و ثابت في ذمته و ليس بمحرم، ضرورة ان النهي عنه غير ناش عن قيام مفسدة إلزامية في فعله، بل هو ناش عن قيام مصلحة ملزمة في نفسه، بمعنى ان الشارع قد اعتبر ترك كل من محرمات الإحرام على ذمة المكلف، و أبرزه في الخارج بمبرز، كصيغة النهي أو ما شاكلها.

و من الواضح جداً انه ليس هنا نهى حقيقة، بل امر في الحقيقة و الواقع تعلق بترك عدة من الأفعال في حال الإحرام. فيكون ترك كل منها واجباً مستقلا على المكلف. و قد تقدم ما هو ملاك افتراق الأمر و النهي و انه ليس في المبرز (بالكسر) لما عرفت من انه لا شأن له أصلا ما عدا إبرازه عن واقع الأمر و واقع النهي- و هما اعتبار الشارع فعل شي‏ء أو تركه في ذمة المكلف، و اعتباره حرمانه عن فعل شي‏ء أو تركه- فالأوّل امر، سواء أ كان مبرزه في الخارج صيغة امر أم صيغة نهي. و الثاني نهي كذلك أي سواء أ كان مبرزه فيه صيغة نهي أم امر.

نعم فيما إذا كان مبرز الأمر خارجا صيغة النهي يصح ان يقال انه امر واقعاً و حقيقة، و نهي صورة و شكلا.

و من هنا يظهر ان تعبير الفقهاء عن تلك الأفعال بمحرمات الإحرام مبني على ضرب من المسامحة و العناية، و الا فقد عرفت انها ليست بمحرمة بل تركها واجب، و كيف كان فلا إشكال في ان هذا القسم قليل جداً في أبواب العبادات و المعاملات، دون القسم الأول، و هو ما إذا كان الترك متعلقاً للأمر الضمني.

و بتعبير آخر ان الواجبات الضمنية على ثلاثة أقسام:

الأول- ما يكون بنفسه متعلقاً للأمر.

الثاني- ما يكون التقيد بوجوده متعلقاً له.

120

الثالث- ما يكون التقيد بعدمه متعلقاً له، و لا رابع لها. و الأول هو الأجزاء، لفرض ان الأمر متعلق بأنفسها. و الثاني هو الشرائط، فان الأمر متعلق بتقيد تلك الاجزاء بها لا بنفسها، خلافا لشيخنا الأستاذ (قده) حيث انه قد ذهب إلى ان الشرائط كالأجزاء متعلقة للأوامر الضمنية بنفسها، و لكن قد ذكرنا بطلان ذلك في بحث الواجب المطلق و المشروط فلا نعيد. و الثالث هو الموانع، فان الأمر متعلق بتقيد هذه الاجزاء بعدمها.

و بعد ذلك نقول: الكلام هنا يقع في مقامين:

الأول- في مقام الثبوت و الواقع.

الثاني- في مقام الإثبات و الدلالة.

اما المقام الأول فيقع الكلام فيه في موردين:

الأول- في بيان ظهور الثمرة بين الصور المتقدمة في فرض كون الترك متعلقاً للأمر مستقلا.

الثاني- في بيان ظهورها بين تلك الصور في فرض كونه متعلقاً للأمر ضمناً.

اما الكلام في المورد الأول فتظهر الثمرة بين تلك الصور في موضعين:

الأول- فيما إذا فرض ان المكلف قد اضطر إلى إيجاد بعض افراد الطبيعة في الخارج كان المطلوب تركها فيه، كأن اضطر إلى إيجاد بعض محرمات الإحرام في الخارج، أو اضطر إلى ترك الصوم في بعض آنات اليوم.

فعلى الصورة الأولى، و هي ما كانت المصلحة قائمة بصرف تركها، فان تمكن المكلف من صرف الترك في هذا الحال وجب عليه ذلك، و الا فيسقط الأمر المتعلق به لا محالة، لفرض انه غير مقدور له.

و بكلمة واضحة ان الاضطرار المزبور لا يخلو من ان يكون مستوعباً لتمام‏

121

وقت الواجب، كما إذا اضطر إلى إيجاد بعض تلك المحرمات إلى آخر وقته، أو لا يكون مستوعباً له، فعلى الأول لا محالة يسقط الأمر المتعلق بصرف الترك، لعدم قدرته عليه، فهو نظير ما إذا اضطر المكلف إلى ترك الصلاة- مثلا- في تمام وقتها، فانه لا إشكال عندئذ في سقوط الصلاة عنه، و على الثاني لا يسقط الأمر عنه بالضرورة لفرض ان الواجب هو الجامع، لا خصوص الفرد المضطر إليه، و المفروض انه مقدور للمكلف، و معه لا محالة لا يسقط عنه، فيكون نظير ما لو اضطر المكلف إلى ترك الصلاة في بعض أوقاتها، فانه لا إشكال في ان ذلك لا يوجب سقوط الأمر بالصلاة عنه، لفرض ان الواجب هو الجامع بين المبدأ و المنتهى، لا خصوص هذا الفرد المضطر إليه أو ذاك، و هذا واضح.

و على الصورة الثانية (و هي ما كانت المصلحة قائمة بتمام تروك الطبيعة على نحو الانحلال و العموم الاستغراقي) فلا بد من الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، و لا يجوز ارتكاب فرد آخر زائداً على هذا الفرد. و الوجه فيه واضح، و هو ان المجعول في هذه الصورة على الفرض أحكام متعددة بعدد تروك افراد هذه الطبيعة في الخارج، فيكون ترك كل واحد منها واجباً مستقلا و مناطاً للإطاعة و المعصية. و من الظاهر ان الاضطرار إلى ترك واجب لا يوجب جواز ترك واجب آخر، و في المقام الاضطرار إلى إيجاد فرد منها في الخارج لا يوجب جواز إيجاد فرد آخر منها .. و هكذا، ضرورة ان سقوط التكليف عن بعض منها- لأجل اضطرار أو نحوه- لا يوجب سقوطه عن آخر و جواز عصيانه بعد ما كان التكليف المتعلق بكل منهما تكليفاً مستقلا غير مربوط بالآخر، فانه بلا موجب. و من المعلوم ان سقوط التكليف بلا موجب و سبب محال.

و على الصورة الثالثة (و هي ما كانت المصلحة قائمة بمجموع التروك الخارجية على نحو العموم المجموعي) لا محالة يسقط التكليف المتعلق بالمجموع المركب من‏

122

هذه التروك، لفرض انه تكليف واحد شخصي متعلق به، فإذا فرض ان المكلف لا يقدر عليه لاضطراره إلى إيجاد بعض افراد هذه الطبيعة في الخارج، و معه لا يتمكن من ترك هذه الطبيعة فيه بجميع افرادها و إذا لم يتمكن منه فلا محالة يسقط التكليف عنه، فيكون كما إذا تعلق التكليف بمجموع افراد هذه الطبيعة على نحو العموم المجموعي. فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا، ضرورة انه لا فرق في الأحكام المترتبة على العموم المجموعي بين ان يكون هذا العموم ملحوظا بين تروك الطبيعة في الخارج، و ان يكون ملحوظا بين وجوداتها و افرادها فيه، و هذا واضح.

و على ضوء ذلك لا يجب عليه الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه بل يجوز له إيجاد فرد ثان و ثالث ... و هكذا، لفرض ان الأمر المتعلق بمجموع تروكها قد سقط، و معه لا مانع من إيجاد البقية في الخارج أصلا. الا إذا فرض قيام الدليل على وجوب الباقي.

و قد تحصل من ذلك ان مقتضى القاعدة في أمثال المقام هو سقوط التكليف عن المجموع المركب بسقوط جزء منه أو قيده، و وجوب الباقي يحتاج إلى دليل خارجي، فان دل دليل من الخارج على وجوبه فهو، و الا فلا نلتزم به.

و على الصورة الرابعة (و هي ما كانت المصلحة قائمة بعنوان وجودي بسيط متولد من تروك هذه الطبيعة في الخارج) أيضاً يسقط التكليف المتعلق به، و ذلك لفرض ان هذا العنوان مسبب عن ترك جميع افراد هذه الطبيعة خارجا فإذا فرض اضطرار المكلف إلى إيجاد بعض افرادها في الخارج لا محالة لا يتحقق ذلك العنوان المعلول لترك جميعها، لاستحالة وجود المعلول بدون وجود علته التامة.

فالنتيجة من ذلك هي ان الثمرة تظهر بين الوجه الأول و الثاني، كما انها تظهر بينهما و بين الوجهين الأخيرين، و اما بينهما أي بين الوجهين الأخيرين فلا

123

تظهر، كما عرفت.

الثاني- فيما لو شككنا في فرد انه من افراد الطبيعة التي كان المطلوب تركها أم لا.

فعلى الصورة الأولى لا يجب تركه، لفرض ان المطلوب في هذه الصورة صرف تركها. و المفروض انه يتحقق بتركها آنا ما، و معه أي مع تركها آنا ما يجوز له إيجادها في الخارج في ضمن افرادها المتيقنة في بقية الآنات و الأزمنة فضلا عن افرادها المشكوكة. و هذا ظاهر.

و على الصورة الثانية فيما ان مرد الشك في كون هذا الموجود فرداً له أو ليس بفرد له إلى الشك في تعلق التكليف به، فلا مناص من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه، لفرض انه شك في تكليف مستقل، و هو القدر المتيقن من موارد الرجوع إليها.

و على الصورة الثالثة فيما ان المورد داخل في كبرى مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، فلا محالة يرتكز جريان البراءة فيه و عدم جريانها على القول بجريان البراءة و عدمه في تلك المسألة، فان قلنا فيها بجريان أصالة البراءة عن وجوب الأكثر العقلية و النقليّة فنقول بها كذلك في المقام أيضاً، و ان لم نقل به فيها فلا نقول هنا أيضاً. و حيث انا قد اخترنا في تلك المسألة جريان أصالة البراءة عن وجوبه عقلا و شرعا فلا مناص من الالتزام به في المقام.

و قد ذكرنا هناك انه لا وجه لما عن المحقق صاحب الكفاية (قده) من التفصيل بين البراءة الشرعية و العقلية، فالتزم بجريان الأولى دون الثانية، و ذلك لأن ما توهم من المانع عن جريان البراءة العقلية هنا منحصر في امرين لا ثالث لهما.

أحدهما- دعوى ان العلم الإجمالي هنا غير منحل.

124

ثانيهما- دعوى وجوب تحصيل الغرض في المقام. و من الواضح جداً ان كلا منهما لو تم، فكما انه مانع عن جريان البراءة العقلية، فكذلك مانع عن جريان البراءة الشرعية، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا.

بيان ذلك ملخصاً هو انه لو بنينا على ان انحلال العلم الإجمالي في المقام يبتني على ان يثبت جريان البراءة الشرعية عن جزئية المشكوك فيه تعلق التكليف بالأقل على نحو الإطلاق و عدم دخل الجزء المشكوك فيه في الواجب، لم يمكن إثباته بإجراء أصالة البراءة الشرعية عنها، و ذلك لما ذكرناه غير مرة من ان الإطلاق كالتقييد امر وجودي، فان الأول عبارة عن لحاظ الطبيعة لا بشرط، و الثاني عبارة عن لحاظها بشرط شي‏ء. و من المعلوم انهما امر ان متضادان، فإذا دار امر التكليف بين تعلقه بالطبيعة على النحو الأول، و تعلقه بها على النحو الثاني، فأصالة البراءة عن تعلقه بها على النحو الثاني لا تثبت تعلقه بها على النحو الأول- و هو الإطلاق الأعلى القول بالأصل المثبت.

نعم لو كان الإطلاق امرا عدمياً عبارة عن عدم التقييد، فأصالة البراءة عن التقييد تثبت الإطلاق، الا ان هذا الفرض خاطئ و غير مطابق للواقع.

فالنتيجة هي ان البراءة الشرعية كالعقلية غير جارية.

و كذا لو بنينا على وجوب تحصيل الغرض في المقام، فانه عندئذ لا أثر لجريان أصالة البراءة عن الجزء المشكوك فيه، لفرض انها لا تثبت كون الغرض المعلوم مترتباً على الأقل الأعلى القول بالأصل المثبت، و معه لا محالة نشك في حصوله بإتيانه. فاذن لا بد من الالتزام بإتيان الأكثر، ليعلم بحصوله و تحققه في الخارج.

و نتيجة ذلك هي عدم جريان البراءة الشرعية كالعقلية من دون فرق بينهما من هذه الناحية أصلا.

125

و لكن قد ذكرنا في محله ان شيئاً من الأمرين لا يكون مانعاً عن إجراء البراءة الشرعية و العقلية. اما العلم الإجمالي فقد ذكرنا هناك ان انحلاله لا يتوقف على إثبات الإطلاق، ليقال ان البراءة عن التقييد لا تثبت الإطلاق، بل يكفى في انحلاله جريان البراءة في أحد الطرفين بلا معارض لعدم جريانها في الطرف الآخر، و المفروض ان الأمر في المقام كذلك، و ذلك لأن البراءة لا تجري عن الإطلاق، لفرض انه توسعة للمكلف و لا ضيق فيه أصلا. و من المعلوم ان البراءة سواء أ كانت شرعية أم عقلية انما ترفع الضيق عن المكلف و الكلفة عنه، ليكون في رفعه منة عليه، و الفرض انه لا كلفة و لا ضيق في طرف الإطلاق أصلا فاذن تجري البراءة عن التقييد بلا معارض.

و من المعلوم انه لا يفرق فيه بين البراءة الشرعية و العقلية، بل كلتاهما تجري بملاك واحد و هو ان التقييد بما ان فيه كلفة زائدة و لم يقم بيان عليها من قبل الشارع، و الإطلاق لا كلفة فيه، فلذا لا مانع من جريان البراءة عنه مطلقاً، اما البراءة الشرعية فواضح. و اما البراءة العقلية فلتحقق موضوعها هنا- و هو عدم البيان- و معه لا محالة تجري، كما هو ظاهر. فاذن لا وجه للتفرقة بينهما أصلا.

و اما الغرض فلفرض انه لا يزيد عن التكليف، بل حاله حاله، و ذلك لما ذكرناه مراراً من انه لا طريق لنا إلى إحرازه في مورد مع قطع النّظر عن ثبوت التكليف فيه. و عليه فلا محالة تدور سعة إحراز الغرض و ضيقه مدار سعة التكليف و ضيقه، فلا يعقل ان يكون الغرض أوسع منه.

و على هذا فبما ان التكليف المتعلق بالأكثر غير واصل إلى المكلف، لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي، فلا محالة يكون الغرض المترتب عليه في الواقع أيضاً غير واصل، لفرض ان وصوله تابع لوصول التكليف، فإذا فرض ان التكليف لم يصل فالغرض أيضاً كذلك. و من الظاهر انه لا يجب تحصيل مثل هذا الغرض لا بحكم‏

126

العقل و لا بحكم الشرع، لفرض انه لا يزيد عن التكليف، و المفروض في المقام انه لا يجب امتثال هذا التكليف من جهة عدم تنجزه و وصوله، فاذن لا مانع من قبل وجوب تحصيل الغرض من إجراء البراءة عن وجوب الأكثر شرعا و عقلا كما هو واضح.

و اما التكليف المتعلق بالأقل فبما انه واصل إلى المكلف و منجز، فلا محالة يكون الغرض المترتب عليه واصلا أيضاً، و معه يجب تحصيله، كما يجب امتثال التكليف المتعلق به.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان الغرض المترتب على الأكثر بما انه مشكوك فيه من جهة، و لم يقم برهان عليه من جهة أخرى، فلا محالة لا يمنع عن جريان البراءة عن وجوبه.

و من ذلك يظهر انه لا فرق بين البراءة الشرعية و العقلية، فانه كما لا يمنع عن جريان الأولى، كذلك لا يمنع عن جريان الثانية، ضرورة ان مانعيته انما هي في فرض كون تحصيله واجباً بحكم العقل. و قد عرفت ان العقل لا يحكم بوجوب تحصيله، الا فبما إذا وصل إلى المكلف لا مطلقاً.

فما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من التفكيك بين البراءة الشرعية و العقلية في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، و لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

و تمام الكلام هناك.

و اما الكلام في المقام الثاني (و هو بيان الثمرة بين الصور المتقدمة في فرض كون الترك متعلقاً للوجوب الضمني) فائضاً تظهر الثمرة بينها في موردين:

الأول- فيما إذا اضطر المكلف إلى إيجاد بعض افراد الطبيعة كان المطلوب تركها في الخارج في ضمن واجب كالصلاة- مثلا- أو نحوها، كما إذا اضطر إلى لبس الثوب المتنجس أو الميتة أو ما لا يؤكل لحمه في الصلاة.

127

فعلى الصورة الأولى بما ان المطلوب هو صرف ترك هذه الطبائع في ضمنها و انها متقيدة به، فلا محالة يحصل المطلوب بترك فرد ما منها في الخارج، و لا يجب عليه ترك بقية افرادها، و ذلك كما عرفت من ان صرف الترك كصرف الوجود فكما ان صرف الوجود يتحقق بأول الوجودات، فكذلك صرف الترك يتحقق بأول التروك، فإذا حصل صرف الترك بأول الترك حصل الغرض، و معه يسقط الأمر فاذن لا امر بترك بقية افرادها، بل لا مقتضى له، لفرض انه قائم بصرف الترك لا بمطلقه كما ان عصيانه يتحقق بإيجاد أول فرد منها في الخارج في ضمن الصلاة و لو في آن.

و على الجملة فعلى هذه الصورة يكفي في صحة الصلاة ترك هذه الطبائع فيها آنا ما، و لا يلزم تركها في تمام آنات الاشتغال بالصلاة، بل لا مقتضى له. و يترتب على ذلك ان المانع عنها في هذه الصورة انما هو وجود هذه الطبائع في تمام آنات الاشتغال بها، و لا أثر لوجودها في بعض تلك الآنات أصلا.

و السر فيه واضح و هو ان المطلوب حيث كان صرف ترك هذه الطبائع في الصلاة، فمن المعلوم انه يتحقق بترك لبسها آناً ما فيها، و ان لم يترك في بقية آنات الاشتغال بها، لصدق صرف الترك عليه، و معه يحصل المطلوب، و يسقط الأمر لا محالة، و لازم ذلك هو ان المانع لبس هذه الأمور في جميع آنات الصلاة، و هذا واضح.

و على الصورة الثانية (و هي كون المطلوب ترك جميع افراد هذه الطبائع في الصلاة على نحو الانحلال و العام الاستغراقي) وجب الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، و ذلك لفرض ان الصلاة على هذا متقيدة بترك كل فرد من افرادها في الخارج على نحو الاستقلال، و لازم ذلك هو ان وجود كل منها مانع مستقل عنها فلا تكون مانعيته مربوطة بمانعية فرد آخر .. و هكذا.

128

و بكلمة أخرى حيث ان المفروض في هذه الصورة هو ان ترك كل واحد من افراد هذه الطبائع مطلوب على نحو الاستقلال، فلا محالة يكون وجود كل منها مانعاً مستقلا، ضرورة انا لا نعني بالمانع الا ما يكون عدمه دخيلا في الواجب. و على هدى ذلك فإذا فرض ان المكلف اضطر إلى إيجاد فرد من افرادها وجب عليه الاقتصار على خصوص هذا الفرد المضطر إليه و لا يسوغ له إيجاد فرد آخر منها، فلو أوجده لبطلت صلاته، لفرض ان ترك كل منهما مطلوب مستقلا و انه زيادة في المانع.

و يترتب على ما ذكرناه انه يجب التقليل في افراد تلك الطبائع بالمقدار الممكن، و يلزم الاقتصار على قدر الضرورة، و لا يجوز ارتكاب الزائد.

و ذلك كما إذا فرض نجاسة طرفي ثوب المكلف- مثلا- و فرض انه متمكن من إزالة النجاسة عن أحد طرفيه دون الطرف الآخر. كما إذا كان عنده ماء بمقدار يكفي لإزالة النجاسة عنه دون الآخر، ففي مثل ذلك يجب عليه تقليل النجاسة و إزالتها عن أحد طرفي ثوبه، لفرض ان كل فرد منها مانع مستقل، و ترك كل فرد منها مطلوب كذلك، فإذا فرض ان المكلف اضطر إلى إيجاد مانع فلا يجوز له إيجاد مانع آخر .. و هكذا، فان الضرورة تتقدر بقدرها فلو أوجد فردا آخر زائداً عليه لكان موجباً لبطلان صلاته.

و كذا إذا فرض نجاسة ثوبه و بدنه معاً فعندئذ إذا كان عنده ماء بمقدار يكفي لإزالة النجاسة عن أحدهما وجبت الإزالة بالمقدار الممكن.

و كذا إذا فرض نجاسة موضع من بدنه و فرض انه متمكن من إزالة النجاسة عن بعضها وجبت الإزالة الممكنة.

و كذا الأمر فيما إذا فرض نجاسة موضع من بدنه أو ثوبه، و لكنه متمكن من تقليله بحسب الكم وجب تقليله .. و هكذا.

129

و على الجملة فالاضطرار إلى إيجاد مانع في الخارج لا يوجب سقوط الصلاة لفرض انها لا تسقط بحال، كذلك لا يوجب سقوط مانعية فرد آخر، لفرض ان كلا منها مانع مستقل.

و نتيجة ما ذكرناه هي وجوب التقليل في افراد النجس، و الميتة، و ما لا يؤكل و نحو ذلك في الصلاة من الافراد العرضية و الطولية بالمقدار الممكن و لزوم الاقتصار على قدر الضرورة.

بل ان السيد العلامة الطباطبائي (قده) قد أفتى في العروة بوجوب التقليل حكما فضلا عن التقليل موضوعا، كما إذا فرض تنجس الثوب بملاقاة البول المعتبر في طهارته تعدد الغسل، و لكن كان عنده ماء بمقدار يكفي لغسلة واحدة، أو كان هناك مانع عن الغسلة الثانية، فيجب غسله مرة واحدة، لأنه يوجب تخفيف النجاسة و زوال المرتبة الشديدة.

و غير خفي ان ما أفاده (قده) من وجوب تقليل النجاسة حكما لا يتم صغرى و كبرى.

اما بحسب الصغرى فلما ذكرناه غير مرة من ان الأحكام الشرعية- بشتى أنواعها و اشكالها- أمور اعتبارية محضة، و ليس لها واقع موضوعي ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، و من الطبيعي ان الأمور الاعتبارية لا تتصف بالشدة مرة و بالضعف مرة أخرى، ضرورة انهما من الصفات العارضة على الأمور الخارجية و الموجودات التكوينية، كالسواد و البياض و ما شاكلهما. و اما الأمور الاعتبارية فالمفروض انه ليس لها واقع خارجي و وجود الا في عالم الاعتبار، فهي لا تتصف في ذلك العالم الا بالوجود و العدم، إذ انها عند اعتبار من له الاعتبار موجودة و عند عدم اعتباره معدومة.

و بعد ذلك نقول: ان النجاسة بما انها حكم شرعي فليس لها واقع موضوعي‏

130

ما عدا اعتبار الشارع لها للأشياء بالذات، كما في الأعيان النجسة، أو بالعرض، كما في الأعيان المتنجسة، لحكمة دعت إلى ذلك الاعتبار، و من المعلوم ان هذا الاعتبار لا يتصف بالشدة و الضعف، فلا يقال ان اعتبار نجاسة شي‏ء عند ملاقاته للبول شديد و اعتبار نجاسته عند ملاقاته للدم- مثلا- ضعيف، ضرورة انه لا فرق بين الاعتبارين من هذه الناحية أصلا، و لا يعقل اتصافهما بالشدة تارة و بالضعف أخرى.

و على الجملة فليس في المقام عند التحليل الا اعتبار الشارع نجاسة الثوب- مثلا- عند ملاقاته للبول، و اعتبار طهارته عند غسله في الماء مرتين مطلقاً، أو في خصوص الماء القليل على الخلاف في المسألة، فتكون ملاقاته للبول موضوعا لحكم الشارع بنجاسته، و غسله في الماء مرتين موضوعا لحكمه بطهارته. و من الواضح ان الموضوع ما لم يتحقق في الخارج لا يترتب عليه حكمه.

و على ضوء ذلك فلا أثر لتحقق الغسلة الواحدة بالإضافة إلى الحكم بالطهارة ما لم تتحقق الغسلة الثانية، لفرض انها جزء الموضوع، و لا أثر له ما لم يتحقق جزؤه الآخر أيضاً، و عند تحقق الغسلة الثانية يتحقق الموضوع، فيترتب عليه حكمه- و هو الطهارة في المثال كما انه ربما اعتبر الشارع في حصول الطهارة لشي‏ء خصوصية أخرى زائداً على غسله بالماء، و هي المسح بالتراب أو نحوه.

و لكن من المعلوم ان كل ذلك لمصلحة يراها الشارع، و ليس امراً جزافا لاستحالة صدور الجزاف منه، كما ان من الضروري انها لا توجب كون اعتبار النجاسة في مثل هذه الموارد أشد من اعتبارها في غيره من الموارد، لما عرفت من ان الاعتبار- بما هو- لا يمكن ان يتصف بالشدة و الضعف، ضرورة انهما من صفات و عوارض الأمور الخارجية، لا الأمور الاعتبارية التي لا واقع لها في الخارج.

131

نعم يمكن اختلاف المعتبر في الشدة و الضعف، فيكون المعتبر نجاسة شديدة لشي‏ء و نجاسة ضعيفة لشي‏ء آخر، كما ورد ذلك في الناصب انه أنجس من الكلب و الخنزير، الا ان ذلك أجنبي عن محل البحث و حصول ضعف في نجاسة المتنجس بغسله مرة واحدة.

و ان شئت فقل ان الاعتبار- بما هو- و ان كان غير قابل للاتصاف بالشدة تارة و الضعف أخرى، الا انه لا مانع من اعتبار الشارع نجاسة شديدة لشي‏ء و نجاسة ضعيفة لآخر بملاك يقتضي ذلك، فان هذا بمكان من الوضوح و لكن هذا غير ما نحن بصدده كما لا يخفى.

و قد يتخيل في المقام انه لا شبهة في تفاوت الأحكام الشرعية من حيث القوة و الضعف و الأهمية و عدمها، ضرورة انها ليست في رتبة واحدة. و على نسبة فاردة، كما هو ظاهر. و عليه فكيف يمكن نفي التفاوت بينها، و عدم اتصافها بالشدة و الضعف.

و لكن هذا الخيال خاطئ و غير مطابق للواقع، و ذلك لأن مركز نفى الشدة و الضعف عن الأحكام الشرعية انما هو نفس الاعتبار الشرعي بما هو اعتبار.

و من المعلوم انه غير قابل للاتصاف بهما أبدا كما مر. و اما اتصاف الحكم بكونه أهم من آخر و أقوى منه فانما هو باعتبار الملاك المقتضى له، بمعنى ان ملاكه أقوى من ملاكه و أهم منه لا باعتبار نفسه، ضرورة ان الأحكام الشرعية بملاحظة أنفسها في رتبة واحدة، و على نسبة فاردة فليس هذا الاعتبار بما هو اعتبار أقوى و أهم من اعتبار آخر .. و هكذا، فاذن يكون اتصافها بالأقوائية و الأهمية انما هو بالعرض و المجاز، لا بالذات و الحقيقة، و المتصف بهما بالذات و الحقيقة انما هو ملاكات تلك الأحكام كما لا يخفى.

و اما بحسب الكبرى فعلى تقدير تسليم الصغرى (و هي قبول النجاسة

132

لوصف الشدة تارة و لوصف الضعف تارة أخرى) فلأنه لا دليل على وجوب تقليل النجاسة عن البدن أو الثواب بحسب الكيف و ذلك لأن الأدلة ناظرة إلى مانعية الافراد بحسب الكم، و ان كل فرد من افراد النجس إذا كان في بدن الإنسان أو ثوبه مانع عن الصلاة، و لا تكون ناظرة إلى مانعيتها بحسب الكيف، و ان شدتها زيادة في المانع.

و بتعبير آخر ان الأدلة تدل على الانحلال الكمي، و ان كل فرد من افراد هذه الطبيعة مانع، و لا تدل على ان شدته مانع آخر زائداً على أصله، ليجب رفعها عند الإمكان. و عليه فلا فرق بين الفرد الشديد و الضعيف في المانعية بالنظر إلى الأدلة، و لا تكون شدته زيادة في المانع بعد ما كان موجوداً في الخارج بوجود واحد. و عليه فالعبرة في وحدة المانع و تعدده انما هي بوحدة الوجود خارجا و تعدده، فان كان في الخارج موجودا بوجود واحد فهو فرد واحد من المانع، و ان كان وجوده شديدا، و ان كان موجودا بوجودين فهو فردان من المانع .. و هكذا.

فالنتيجة هي انه لا دليل على وجوب التخفيف الحكمي و الكيفي.

و على الصورة الثالثة (و هي ما كان المطلوب مجموع تروك الطبيعة على نحو العموم المجموعي) فلا يجب التقليل و الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه.

و الوجه في ذلك واضح و هو ان المطلوب في هذه الصورة تقيد الصلاة بترك مجموع افراد هذه الطبائع في الخارج على نحو العام المجموعي، و ليس ترك كل منها مطلوبا مستقلا، بل المجموع مطلوب بطلب واحد شخصي.

و على هذا فإذا فرض ان المكلف اضطر إلى إيجاد بعض افراد تلك الطبائع في الصلاة لا يقدر على إتيان الصلاة مقيدة بالقيد المزبور. و عليه فلا أثر لإيجاد فرد آخر غير هذا الفرد المضطر إليه، ضرورة انه سواء أوجد فردا آخر غيره أم‏

133

لم يوجد، فلا يقدر على الصلاة مع ذلك القيد.

و ان شئت قلت ان مرد هذه الصورة إلى ان المانع عن الصلاة انما هو الوجود الأول، ضرورة ان معه ينتفي القيد المذكور. و من المعلوم انه مع انتفائه لا أثر للوجود الثاني و الثالث .. و هكذا، و لا يتصف شي‏ء منهما بالمانعية، لعدم المقتضى لهذا الاتصاف أصلا، كما هو ظاهر. و على هذا يجوز له إيجاد فرد آخر بإرادته و اختياره.

و يترتب على ذلك انه في الأمثلة المتقدمة لا يجب عليه التقليل، بل له ان يصلى مع نجاسة ثوبه و بدنه مع فرض تمكنه من تطهير أحدهما و إزالة النجاسة عنه، بل لو كان عنده ثوبان متنجسان يجوز له ان يصلى فيهما معاً عند اضطراره إلى الصلاة في أحدهما، و لا يجب عليه الاقتصار فيها على أحدهما.

و السر فيه ما ذكرناه من ان الصلاة متقيدة بمجموع تروك افراد النجس أو الميتة أو ما لا يؤكل أو نحو ذلك على نحو العموم المجموعي، ففيها تقييد واحد بالإضافة إلى مجموع التروك، لا تقييدات متعددة. و عليه فإذا اضطر المكلف إلى الصلاة في شي‏ء من افراد هذه الطبائع، كأن اضطر إلى الصلاة في الثوب المتنجس أو فيما لا يؤكل أو غير ذلك فلا محالة ينتفي ذلك القيد، لعدم القدرة على إتيانها معه. و من الواضح جدا انه لا يفرق في ذلك بين ان يقتصر المكلف على خصوص الفرد المضطر إليه أو يأتي بفرد آخر أيضاً، كأن يلبس ثوباً متنجساً آخر زائداً على الفرد المضطر إليه باختياره و إرادته، بداهة انه لا دخل للفرد الثاني أصلا، فيكون وجوده و عدمه سيان، لفرض ان عدمه بالخصوص غير دخيل في الواجب و الدخيل فيه انما هو عدم المجموع و المفروض ان المكلف لا يقدر عليه، فاذن يستحيل ان يتصف الفرد الثاني أو الثالث بالمانعية، و معه لا مانع من ان يأتي به باختياره و إرادته أصلا. كما ان المطلوب لو كان هو صرف الوجود يستحيل ان‏

134

يتصف الفرد الثاني أو الثالث بالمطلوبية. و هذا من الواضحات الأولية.

و على الصورة الرابعة (و هي ما كانت الصلاة متقيدة بعنوان وجودي بسيط متحصل من مجموع تروك هذه الطبائع) فالحال فيها هي الحال في الصورة الثالثة بمعنى ان المكلف إذا اضطر إلى الصلاة في شي‏ء من افراد هذه الطبائع في الخارج كأن اضطر إلى الصلاة في الثوب المتنجس أو الميتة أو ما لا يؤكل، فلا محالة لا يتحقق العنوان المزبور، و لا يقدر المكلف على الصلاة مع هذا القيد، ضرورة انه مسبب عن مجموع تروك الطبيعة و معلول لها و مع الإخلال بواحد منها لا محالة لا يوجد، بداهة استحالة وجود المعلول بدون وجود علته التامة.

و على الجملة فالصلاة لم تكن متقيدة بنفس تروك تلك الطبائع على الفرض، بل هي متقيدة بعنوان متولد من تلك التروك في الخارج، فلا شأن لهذه التروك الا كونها محصلة لقيد الواجب- و هو الصلاة في مفروض الكلام- و مقدمة لحصوله، و الا فهي أجنبية عما هو مراد الشارع و ليست بمطلوبة له، فإذا فرض ان لمجموع هذه التروك دخلا في تحقق هذا العنوان، بحيث يكون دخل كل منها فيه بنحو جزء السبب و المؤثر لا تمامه، فلا محالة ينتفي ذلك القيد بانتفاء واحد منها و انقلابه إلى الوجود باضطرار أو نحوه.

و عليه فلا أثر لانقلاب ترك الفرد الثاني أو الثالث .. و هكذا إلى الوجود أصلا، و ذلك لفرض ان ترك كل منها ليس مطلوبا، و المطلوب انما هو تقيد الصلاة بالعنوان المذكور، و هو منتف في هذا الحال سواء أوجد المكلف فرداً آخر زائداً على هذا الفرد المضطر إليه أم لا، فاذن لا يجب الاقتصار على خصوص هذا الفرد، و يجوز له إيجاد فرد آخر باختياره.

و قد تحصل من ذلك انه لا فرق بين هذه الصورة و الصورة الثالثة بحسب النتيجة، و هي عدم وجوب الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه.

135

نعم بينهما فرق في نقطة أخرى و هي ان في الصورة الثالثة كانت الصلاة متقيدة بنفس التروك الخارجية بعنوان العموم المجموعي، و في هذه الصورة متقيدة بعنوان وجودي متحصل منها.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان في الصورة الأولى لا يجب على المكلف الا ترك هذه الطبائع أعني ترك لبس النجس و الميتة و ما لا يؤكل و نحو ذلك في الصلاة آنا ما و لا يلزم تركها في جميع آنات الاشتغال بها، و ذلك لما عرفت من ان المطلوب في هذه الصورة هو صرف تركها و هو على الفرض يتحقق بتركها آناً ما، كما هو واضح. و في الصورة الثانية يجب عليه الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه و لا يجوز له إيجاد فرد آخر زائداً عليه و لا لبطلت صلاته لفرض انه مانع مستقل و لم يضطر إليه. و في الصورة الثالثة و الرابعة لا يجب عليه الاقتصار على خصوص الفرد المضطر إليه، بل يجوز له إيجاد الفرد الثاني و الثالث .. و هكذا باختياره.

الثاني ما إذا شككنا في مانعية شي‏ء عن الصلاة- مثلا- لشبهة موضوعية فان كان هناك أصل موضوعي يمكن ان تحرز به المانعية أو عدمها، كما إذا شككنا في طهارة ثوب أو نجاسته، و جرى فيه استصحاب النجاسة أو قاعدة الطهارة، فلا كلام فيه و لا إشكال. و اما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي، كما لو شككنا في مانعية ثوب عن الصلاة- مثلا- من جهة الشك في انه متخذ من اجزاء ما لا يؤكل لحمه أو غير متخذ منه، ففي مثل ذلك لا أصل موضوعي يحرز به أحد الأمرين مع قطع النّظر عن جريان استصحاب العدم الأزلي فيه، أو العدم النعتيّ المحرز لعدم كونه متخذا من اجزاء ما لا يؤكل.

بيان ذلك هو انا إذا بنينا في تلك المسألة- أعني مسألة اللباس المشكوك فيه- على جريان استصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتيّ فيها بالتقريب الآتي، كما هو مختارنا في هذه المسألة فهي خارجة عن مفروض كلامنا، إذ بهذا

136

الاستصحاب نحرز ان هذا اللباس غير متخذ من اجزاء ما لا يؤكل لحمه، فلا يبقى لنا شك عندئذ في مانعيته أصلا.

اما تقريب جريانه على النحو الأول في هذه المسألة هو أن مادة هذا الثوب في زمان لم تكن موجودة يقيناً، ضرورة انها ليست أزلية، و كذا اتصافها بكونها من اجزاء ما لا يؤكل، لوضوح انه امر حادث مسبوق بالعدم، ثم وجدت مادته، و بعد وجودها لا محالة نشك في اتصافها بالوصف المزبور و ان هذا الاتصاف تحقق في الخارج أم لا، فعندئذ لا مانع من استصحاب عدم اتصافها به، و بذلك نحرز ان مادة هذا الثوب ليست من اجزاء ما لا يؤكل لحمه، فاذن لا مانع من الصلاة فيه، إذ المفروض جواز الصلاة في ثوب لم يكن من اجزاء ما لا يؤكل و هذا ثوب لم يكن منها، اما كونه ثوبا فبالوجدان، و اما انه ليس من اجزاء ما لا يؤكل فبالتعبد. فبضم الوجدان إلى الأصل يلتئم موضوع الأثر.

و على الجملة فهنا امران كلاهما مسبوق بالعدم- أحدهما- مادة هذا الثوب و اجزائه الأصلية ثانيهما- اتصافها بكونها من اجزاء ما لا يؤكل.

اما الأمر الأول- فقد تحقق في الخارج و وجدت مادة هذا الثوب.

و اما الأمر الثاني- فهو مشكوك فيه فانا نشك في ان تلك المادة و الاجزاء هل وجدت متصفة بهذه الصفة أو لم توجد كذلك، فالذي نتيقن به هو وجود تلك المادة في الخارج، و اما اتصافها بهذه الصفة فهو مشكوك فيه، فلا مانع من الرجوع إلى استصحاب عدمه، للشك في انتقاض هذا العدم إلى الوجود، فنستصحب بقاءه على حاله، و بذلك نحرز ان مادة هذا الثوب لم تؤخذ من اجزاء ما لا يؤكل، فلا مانع عندئذ من إيقاع الصلاة فيه. و تمام الكلام في محله.

و اما تقريب جريانه على النحو الثاني في هذه المسألة هو ان مادة هذا الثوب في زمان كانت موجودة، و لم تكن في ذلك الزمان جزءاً لما لا يؤكل و هو زمان‏

137

كونها نباتاً- مثلا- ثم نعلم بانتقالها من الصورة النباتية و صيرورتها جزء للحيوان و لكن لا نعلم انها صارت جزء للحيوان غير المأكول أم لا، و حيث انا نعلم بعدم كونها جزء له في حال كونها نباتاً، ثم بعد ذلك نشك في انها صارت جزء له أم لا، فعندئذ لا مانع من استصحاب عدم صيرورتها جزء له، و بذلك نحرز أن مادة هذا الثوب ليست من اجزاء ما لا يؤكل.

و دعوى ان هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم انتقالها من الصورة النباتية و صيرورتها جزء للحيوان المأكول- خاطئة جدا، و ذلك لأن هذا الاستصحاب غير جار في نفسه، ليعارض الاستصحاب المزبور، لعدم ترتب أثر شرعي عليه الا على القول بالأصل المثبت، فان الأثر الشرعي- و هو صحة الصلاة انما يترتب على عدم كونها جزء من غير المأكول، لا على كونها جزء من المأكول كما ان بطلانها انما يترتب على كونها جزء من غير المأكول لا على عدم كونها جزء من المأكول. و هذا واضح، فاذن لا وجه لهذه الدعوى أصلا.

فالنتيجة هي انه بناء على ما حققناه في تلك المسألة من جريان استصحاب العدم الأزلي فيها أو العدم النعتيّ بالتقريب المزبور، لا تصل النوبة إلى الأصل الحكمي من أصالة البراءة أو الاشتغال. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انه قد مر ان محل الكلام في المقام انما هو فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي.

و يترتب على ضوئهما ان هذه المسألة- بناء على هذه النظرية- خارجة عن محل الكلام.

نعم لو بنينا فيها على عدم جريان هذا الاستصحاب أعني استصحاب العدم الأزلي و العدم النعتيّ معاً، فتدخل المسألة في محل الكلام، و لا بد عندئذ من الرجوع إلى الأصل الحكمي من أصالة البراءة أو الاحتياط. و من الواضح انه يختلف باختلاف الصور المتقدمة، بيان ذلك:

138

اما على الصورة الأولى، فبما ان المطلوب هو صرف ترك لبس النجس و الميتة و ما لا يؤكل و نحو ذلك في الصلاة، و المفروض حصوله بترك فرد ما من هذه الطبائع في الخارج آنا ما حال الصلاة، فعندئذ ان تمكن المكلف من ترك هذه الطبائع انا ما فيها فلا مانع بعد ذلك من إيجاد افرادها المتيقنة فيها فضلا عن الافراد المشكوك فيها، و ان لم يتمكن من تركها آنا ما فيها فلا محالة تبطل صلاته لما مر من ان المانع على هذه الصورة انما هو وجود هذه الطبائع في تمام آنات الاشتغال بها أي بالصلاة، و عليه فإذا صلى في هذا الثوب المشكوك فيه بان لبسه في تمام آنات الاشتغال بها كما هو مفروض الكلام فحينئذ ان كان هذا الثوب نجساً في الواقع فهو مانع عنها لا محالة، و ان لم يكن نجساً فلا يكون مانعاً و حيث انا لا نعلم انه نجس أو ليس بنجس، فطبعا نشك في مانعيته، و لا مانع عندئذ من الرجوع إلى البراءة عنها الشرعية و العقلية، بناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في مسألة دوران الواجب بين الأقل و الأكثر الارتباطيين.

و اما على الصورة الثانية (و هي ما كان ترك كل فرد من افراد هذه الطبائع مطلوبا في الصلاة على نحو الاستقلال فالمقام داخل في كبرى مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، و ذلك لأن مرد الشك فيها عندئذ إلى الشك في انطباق الواجب و هو الصلاة المقيدة بعدم إيقاعها فيما لا يؤكل و الميتة و النجس و ما شابه ذلك على الصلاة المأتي بها في هذا الثوب في الخارج، و عدم انطباقه الا على خصوص المقيدة بعدم وقوعها في هذا الثوب المشتبه. فعلى الأول يكون الواجب هو الأقل- و هو المطلق من حيث تقيده بعدم وقوعه في هذا الثوب و عدم تقيده به.

و على الثاني يكون هو الأكثر- و هو المقيد بعدم وقوعه في هذا الثوب المشكوك فيه.

و بما انا لا نعلم ان الواجب في المقام هو الأقل أو الأكثر فيدخل في تلك‏

139

المسألة، و يبتني القول بالرجوع إلى البراءة أو الاحتياط فيه على القول بالرجوع إلى البراءة أو الاحتياط فيها و حيث قد انا اخترنا في تلك المسألة جريان أصالة البراءة عن وجوب الأكثر الشرعية و العقلية، فنقول بها في المقام أيضاً.

و قد تقدم ملخصاً ان ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من التفصيل بين البراءة الشرعية و العقلية لا يرجع إلى معنى صحيح.

و يترتب على ما ذكرناه انه لا مانع من الصلاة في هذا الثوب المشتبه المردد بين كونه من المأكول أو غيره. و من هنا يظهر الحال في الصورة الثالثة أيضاً، لأن مرجع الشك فيها أيضاً عندئذ إلى الشك في انطباق الواجب- و هو الصلاة في مفروض الكلام- على هذا الفرد المأتي به في الخارج- و هو الصلاة في هذا الثوب المشتبه- و عدم انطباقه عليه. فعلى الأول يكون الواجب هو الأقل يعني الطبيعي اللا بشرط. و على الثاني يكون هو الأكثر يعني الطبيعي بشرط شي‏ء، و حيث انا لا نعلم ان الواجب هو الأقل أو الأكثر، فيدخل في كبرى تلك المسألة. و قد عرفت ان المختار فيها على وجهة نظرنا هو جريان أصالة البراءة عن التقييد، لأنه كلفة زائدة، و لم يقم برهان عليها، فعندئذ لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه العقلية و الشرعية. و كذا الحال فيما نحن فيه.

و قد تحصل من ذلك انه لا فرق بين الصورة الثانية و الصورة الثالثة من هذه الناحية أصلا، فان المقام على كلتا الصورتين داخل في كبرى تلك المسألة و يكون من صغرياتها.

نعم فرق بينهما من ناحية أخرى و هي ان الصلاة بناء على الصورة الثانية متقيدة بترك كل فرد من افراد هذه الطبائع في الخارج على نحو الاستقلال و بناء على الصورة الثالثة متقيدة بمجموع تروك افراد هذه الطبائع في الخارج بنحو الارتباط. و عليه فيكون ترك هذا الفرد المشتبه على تقدير كونه نجساً- مثلا-

140

في الواقع تركا لمانع مستقل على الصورة الثانية. و جزء من التروك المطلوبة على الصورة الثالثة.

و من هنا يظهر انه لا ثمرة بين هاتين الصورتين من هذه الناحية أصلا.

و نتيجة ما ذكرناه هي انه مع قطع النّظر عما ذكرناه من الأصل الموضوعي في مسألة اللباس المشكوك فيه يرتكز جواز الصلاة فيه على القول بجريان البراءة في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، فان قلنا بالبراءة فيها- كما هو الصحيح- تجوز الصلاة فيه، سواء أ كانت مانعية ما لا يؤكل لحمه انحلالية أم غير انحلالية و ان لم نقل بالبراءة فيها فلا تجوز الصلاة فيه كذلك أي سواء أ كانت مانعيته انحلالية أم لم تكن.

و من ذلك يظهر فساد ما قد يتوهم ان جواز الصلاة في اللباس المشكوك كونه مما لا يؤكل يبتنى على ان تكون مانعيته انحلالية، و اما إذا لم تكن انحلالية فلا تجوز الصلاة فيه، و وجه الظهور ما عرفت من ان مانعيته سواء أ كانت انحلالية أم لم تكن، فعلى كلا التقديرين تدخل هذه المسألة أعني مسألة اللباس المشكوك في كبرى تلك المسألة أي مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، فلا فرق بين الصورتين من هذه الناحية أصلا. و عليه فيبتني جريان البراءة أو الاحتياط فيها على جريان البراءة أو الاحتياط في تلك المسألة، لا على الانحلالية و عدمها فلا أثر لهما في المقام أصلا.

نعم انما يكون أثر لهما أي للانحلال و عدمه في التكاليف الاستقلالية، لا في التكاليف الضمنية، كما في المقام، فانه لا أثر لكون تروك هذه الطبيعة ملحوظة على نحو الانحلال في مقام جعل الحكم أو على نحو العموم المجموعي، فانها على كلا الفرضين داخلة في كبرى تلك المسألة، كما مر. و هذا بخلاف التكاليف الاستقلالية فانها على نحو تقدير كونها مجعولة على نحو الانحلال و الاستغراق بالإضافة

141

إلى افراد متعلقاتها، فلا إشكال في جريان أصالة البراءة في موارد الشك في كون شي‏ء فرداً لها أولا. و اما على تقدير كونها مجعولة على نحو الارتباط و العموم المجموعي بالإضافة إلى افراد متعلقاتها، فيقع جريان البراءة عن كون شي‏ء جزء لها مورداً للكلام و الإشكال بين الأصحاب. و ان كان الصحيح أيضاً عدم الفرق بينهما بحسب النتيجة بناء على ما اخترناه في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين من جريان البراءة عن وجوب الأكثر الا ان هذا المقدار من الفرق- و هو كون جريان البراءة على التقدير الأول محل الوفاق بينهم، و على التقدير الثاني محل الخلاف- كاف في المقام.

و من هنا يظهر الفرق بين التروك المتعلقة للأمر الاستقلالي و التروك المتعلقة للأمر الضمني. فانها على التقدير الأول تفترق بين ما كانت مأخوذة في متعلق الأمر على نحو الانحلال و العام الاستغراقي و ما كانت مأخوذة فيه على نحو الارتباط و العام المجموعي.

و يترتب على هذا الافتراق ان مورد الشك على الفرض الأول غير داخل في كبرى مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، و لا يبتني القول بالرجوع إلى البراءة فيه على القول بالرجوع إلى البراءة في تلك المسألة، بل و لو قلنا بالاحتياط فيها، فمع ذلك نقول بالبراءة فيه، لفرض ان الشك فيه شك في تكليف مستقل، و معه لا مانع من الرجوع إلى البراءة. و اما المشكوك فيه على الفرض الثاني فهو داخل في كبرى تلك المسألة، و عليه فيبتني جواز الرجوع إلى البراءة فيه و عدمه على القول بجواز الرجوع إلى البراءة، و عدمه في تلك المسألة.

و اما على التقدير الثاني فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا، فانها على كلا التقديرين داخلة في كبرى تلك المسألة و تكون من صغرياتها.

نعم بحسب النتيجة بناء على ما ذكرناه- من انه لا مانع من الرجوع إلى البراءة العقلية و الشرعية عن وجوب الأكثر في تلك المسألة- لا فرق في التروك‏

142

المأخوذة في متعلق الوجوب على نحو الاستقلال، بين كونها مأخوذة على نحو العموم الاستغراقي أو العموم المجموعي، فان النتيجة واحدة على كلا التقديرين و هي البراءة عن وجوب المشكوك فيه، و لا فرق بينهما من هذه الجهة، و ان كان فرق بينهما من جهة أخرى كما تقدم.

و على الصورة الرابعة (و هي ما كان المطلوب عنواناً بسيطاً متحصلا من التروك الخارجية) فالمرجع فيه هو قاعدة الاشتغال دون البراءة على عكس الصورتين المتقدمتين. و الوجه في ذلك هو ان الصلاة مثلا في هذه الصورة ليست متقيدة بنفس تروك الطبائع المزبورة في الخارج على الفرض، بل هي متقيدة بعنوان وجودي بسيط متولد من هذه التروك في الخارج، فتكون تلك التروك محصلة للمطلوب و مقدمة لوجوده و تحققه فيه، و ليست بنفسها مطلوبة.

و على هذا فإذا شك في ثوب انه من اجزاء ما لا يؤكل أولا يرجع الشك فيه لا محالة إلى الشك في تحقق المطلوب و عدمه، فيكون امر المحصل عندئذ دائرا بين الأقل و الأكثر و من المعلوم ان البراءة لا تجري هنا عن الأكثر، لفرض انه لا أثر له شرعا و الأثر الشرعي انما يترتب على ذلك العنوان البسيط المشكوك وجوده. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان ذمة المكلف قد اشتغلت بذلك العنوان يقيناً، و المفروض ان الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.

فالنتيجة على ضوء هذين الأمرين هي انه لا بد من الإتيان بالأكثر، ليحصل القطع بحصول ذلك العنوان البسيط في الخارج، و يقطع ببراءة ذمته عن التكليف المعلوم. و هذا بخلاف ما إذا اقتصر على إتيان خصوص الأقل في الخارج، فانه لا يعلم عندئذ بحصول ذلك العنوان البسيط فيه، و لا يقطع ببراءة ذمته عنه.

و من هنا تظهر الثمرة بين هذه الصورة و الصورتين المتقدمتين بناء على ما هو

143

الصحيح من جريان البراءة في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين.

نعم لو بنينا في تلك المسألة على عدم جريان البراءة و ان المرجع فيها هو قاعدة الاشتغال لا غيرها فلا تظهر الثمرة وقتئذ بين هذه الصورة و هاتين الصورتين الا ان هذا الفرض خاطئ جدا و غير مطابق للواقع قطعاً، كما تقدم، فاذن تظهر الثمرة بينهما، كما تظهر الثمرة بين هذه الصورة و الصورة الأولى، كما هو ظاهر هذا تمام الكلام في مقام الثبوت.

اما الكلام في مقام الإثبات و الدلالة فلا بد من ملاحظة أدلة مانعية هذه الأمور و ما شاكلها هل المستفاد منها مانعيتها على النحو الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع؟.

أقول: ينبغي لنا أولا ذكر جملة من الروايات الواردة في باب العبادات و المعاملات بالمعنى الأعم ثم نبحث عن ان المستفاد من تلك الروايات ما هو؟

اما الروايات الواردة في باب العبادات فنكتفي بذكر خصوص الروايات الواردة في باب الصلاة فحسب و هي كثيرة:

(منها) صحيحة محمد بن مسلم قال سألته عن الجلد الميت أ يلبس في الصلاة إذا دبغ قال (عليه السلام) «لا و لو دبغ سبعين مرة».

(و منها) صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) في الميتة قال (عليه السلام) «لا تصل في شي‏ء منه و لا في شسع».

(و منها) موثقة سماعة قال سألته عن لحوم السباع و جلودها فقال (عليه السلام) «اما لحومها فمن الطير و الدواب فانا أكرهه و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا منها شيئاً تصلون فيه».

(و منها) موثقة ابن بكير قال سأل زرارة أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن الصلاة في الثعالب و الفنك و السنجاب و غيره من الوبر، فأخرج كتابا زعم انه إملاء

144

رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) ان الصلاة في وبر كل شي‏ء حرام أكله، فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كل شي‏ء منه فاسد لا تقبل تلك الصلاة حتى يصلى في غيره مما أحل اللَّه أكله، ثم قال يا زرارة هذا عن رسول اللَّه (صلى الله عليه و آله) فاحفظ ذلك يا زرارة، فان كان مما يؤكل لحمه، فالصلاة في وبره و بوله و شعره و روثه و ألبانه و كل شي‏ء منه جائز، إذا علمت انه ذكي و قد ذكاه الذابح، و ان كان ذلك مما قد نهيت عن أكله و حرم عليك أكله، فالصلاة في كل شي‏ء منه فاسد ذكاه الذابح أو لم يذكه.

(و منها) قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن مسكان «يغسلها و يعيد صلاته».

(و منها) قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم «إذا كنت قد رأيته و هو أكثر من مقدار الدرهم فضيعت غسله و صليت فيه صلاة كثيرة فأعد ما صليت فيه».

و منها قوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن جعفر «و ان اشتراه من نصراني فلا يصلى فيه حتى يغسله».

و منها صحيحة إسماعيل بن سعد الأحوص في حديث قال سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) هل يصلي الرّجل في ثوب إبريسم فقال (عليه السلام) «لا».

و منها قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن عبد الجبار «لا تحل الصلاة في حرير محض».

و منها قوله (عليه السلام) في موثقة بن عمار بن موسى «لا يلبس الرّجل الذهب و لا يصلي فيه» و نحوها من الروايات الواردة في هذه الأبواب الدالة على مانعية هذه الأمور عن الصلاة، و ان الصلاة المأمور بها هي الحصة الخاصة منها و هي الحصة المتقيدة بعدم إيقاعها فيها.

و اما الروايات الواردة في باب المعاملات فائضاً كثيرة.

145

منها- صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال «ما كان من طعام سميت فيه كيلا فلا يصلح بيعه مجازفة».

و منها- توقيعه (عليه السلام) في مكاتبة الصفار «لا يجوز بيع ما ليس يملك» و منها- قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم «لا تشترها إلا برضا أهلها» و منها- قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة «لا يصلح الا ان يشتري معه (العبد الآبق) شيئاً آخر» و غيرها من الروايات الدالة على المنع عن بيع الخمر و البيع الربوي و البيع الغرري و بيع النقدين بدون التقابض في المجلس و بيع المجهول و بيع آلات القمار و الغناء و بيع غير البالغ و ما شاكل ذلك مما يعتبر عدمه في صحة المعاملة، سواء أ كان من أوصاف العوضين أم كان من أوصاف المتعاملين أم كان من غيرهما.

و الحري بنا ان نقول في هذا المقام هو ان هذه النواهي جميعاً نواهي إرشادية فتكون إرشادا إلى مانعية هذه الأمور عن صحة العبادات و المعاملات و مبرزة لاعتبار عدمها فيهما، و هذا معنى إرشادية تلك النواهي، ضرورة ان إرشاديتها ليست كإرشادية الأوامر و النواهي الواردتين في باب الإطاعة و المعصية فانه لا أثر لهما ما عدا الإرشاد إلى ما استقل به العقل، و هذا بخلاف تلك النواهي فانها إرشاد إلى حكم مولوي و مبرزة له، و هو تقيد العبادة أو المعاملة بعدم هذا الشي‏ء أو ذاك، فيكون مرد ذلك إلى ان المطلوب هو حصة خاصة من العبادة أو ان الممضاة من المعاملة هي الحصة المتقيدة بعدم ما تعلق به النهي، و تسمية هذه النواهي بالنواهي الإرشادية انما هي من جهة انها ليست بنواهي حقيقية، و هي اعتبار حرمان المكلف عن متعلقاتها، باعتبار اشتمالها على مفسدة ملزمة لينتزع منها الزجر عنها، و لتكون تلك النواهي عندئذ مصداقا له، لفرض انه لا مفسدة فيها فلا شأن لها ما عدا كونها مبرزة لتقييد العبادة أو المعاملة بعدم شي‏ء و إرشاداً إلى مانعيته.

146

كما ان الأوامر الواردة في هذه الأبواب سميت بأوامر إرشادية من ناحية انها ليست بأوامر حقيقية، و انها إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية، و لا يترتب عليها ما عدا ذلك. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى انه لا شبهة في ظهور تلك النواهي في الانحلال و ان مانعية هذه الأمور تنحل بانحلال افرادها و مصاديقها في الخارج، فيكون كل فرد منها مانعاً مستقلا، بمعنى ان عدم كل منها مأخوذ في عبادة أو معاملة على نحو الاستقلال. و الوجه في ذلك هو انه لا إشكال في ان مانعية هذه الأمور على النحو الأول- بان يكون المطلوب صرف تركها في الصلاة أو نحوها و لو آنا ما، ليكون لازمه هو كون المانع وجودها و تحققها في تمام آنات الاشتغال بها، فلا أثر لوجودها في بعض تلك الآنات دون بعضها الآخر- تحتاج إلى نصب قرينة تدل على إرادة مانعيتها على هذا الشكل و عناية زائدة، و الا فإطلاقات الأدلة لا تتكفل لإرادة المانعية على هذا النحو أصلا، بل هي لا تخرج عن مجرد الفرض و كذا إرادة مانعية هذه الأمور على النحو الثالث تحتاج إلى عناية زائدة ضرورة ان الإطلاقات لا تتكفل لبيان تقييد الواجب بمجموع تروك هذه الطبائع على نحو العموم المجموعي، ليكون لازم ذلك هو كون المانع صرف وجود هذه الطبائع في الخارج، كيف فان مقتضى الإطلاق عدم الفرق في المانعية بين الوجود الأول و الثاني و الثالث .. و هكذا.

و كذا إرادة الصورة الرابعة، ضرورة انها خلاف ظواهر الأدلة، فان الظاهر منها هو كون تروك هذه الطبائع بنفسها قيداً، لا انها مقدمة لحصول القيد في الخارج فان إرادة ذلك تحتاج إلى عناية أخرى و بيان من المتكلم.

و من ناحية ثالثة المفروض ان المولى في مقام البيان و لم ينصب قرينة على إرادة الصورة الأولى، و لا على إرادة الصورة الثالثة، و لا على إرادة الصورة

147

الرابعة، لما عرفت من ان إرادة كل واحدة من هذه الصور تحتاج إلى قرينة و مئونة زائدة.

و من ناحية رابعة انه لم يعقل ان يراد من هذه النواهي ترك هذه الطبائع في ضمن فرد ما من افرادها العرضية و الطولية حال الصلاة، ضرورة انه حاصل قهراً، فلا يمكن إرادته، لأنها إرادة ما هو حاصل بالفعل، و هي مستحيلة من الحكيم، فاذن تنتج مقدمات الحكمة الإطلاق.

و من ناحية خامسة قد ذكرنا سابقاً انه لا يترتب على مقدمات الحكمة ما عدا الإطلاق و عدم التقييد بخصوصية من الخصوصيات، و اما كون الإطلاق بدلياً أو شمولياً أو غير ذلك، فهو خارج عن مقتضى المقدمات، ضرورة ان كون المتكلم في مقام البيان، ورود الحكم على المقسم، و عدم نصب قرينة على التقييد بصنف خاص دون آخر لا يقتضي الا إطلاق الحكم و عدم تقييده بحصة خاصة و اما اختلاف الإطلاق من حيث الشمول و البدل و التعيين و ما شاكل ذلك، فهو من جهة القرائن الخارجية و خصوصيات المورد فانها تقتضي كون الإطلاق بدلياً في مورد، و شمولياً في مورد آخر، و مقتضيا التعيين في مورد ثالث.

فالنتيجة على ضوء هذه النواهي هي ان الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في المقام شمولي لا بدلي، و ذلك لقرينة خارجية و خصوصية المورد، و تلك القرينة الخارجية هي فهم العرف، ضرورة ان المرتكز في أذهانهم من مثل هذه النواهي هو الانحلال و الشمول، و منشأ فهم العرف ذلك و كون هذا من مرتكزاتهم هو ما ذكرنا من ان إرادة بقية الصور من تلك النواهي تحتاج إلى مئونة أخرى خارجة عن عهدة الإطلاق. هذا من جهة. و من جهة أخرى ان إرادة ترك فرد ما من افرادها العرضية أو الطولية غير ممكنة، كما عرفت. و من جهة ثالثة ان القرينة لم تنصب على إرادة حصة خاصة منها.

148

فالنتيجة على ضوئها هي كون الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في هذه الموارد شمولياً و ان كل فرد من افراد هذه الطبائع مانع مستقل، فلا تكون مانعية هذا مربوطة بمانعية ذاك، و عدم كل واحد منها مأخوذ في العبادة أو المعاملة على نحو الاستقلال و الانحلال، و هذا هو المتفاهم العرفي من هذه الروايات ضرورة انه لا فرق في نظر العرف بين الفرد الأول من النجس و الفرد الثاني و الثالث .. و هكذا في المانعية. و كذا لا فرق بين الفرد الأول من الميتة و الفرد الثاني، و الفرد الأول مما لا يؤكل أو الحرير و الفرد الثاني .. و هكذا.

و قد تحصل من ذلك ان المستفاد عرفا من إطلاق قوله (عليه السلام) «لا تصل في شي‏ء منه و لا في شسع» و قوله (عليه السلام) «لا تحل الصلاة في حرير محض» و نحوهما هو الانحلال، و ان لبس كل فرد من افراد هذه الطبائع مانع عن الصلاة مستقلا، و عدم الفرق بين الوجود الأول و الثاني من هذه الناحية أصلا، و هذا ظاهر.

و بكلمة أخرى ان حال هذه النواهي من هذه الجهة حال النواهي الحقيقية الاستقلالية، فكما ان المتفاهم عرفا من إطلاق تلك النواهي هو العموم و الشمول بالإضافة إلى الافراد العرضية و الطولية ما لم تنصب قرينة على الخلاف، فكذلك المتفاهم عرفا من إطلاق هذه النواهي هو العموم و الشمول.

و السر في ذلك واضح و هو ان الأحكام المجعولة على نحو القضايا الحقيقية لا محالة تنحل بانحلال موضوعاتها في الخارج. و من الواضح انه لا فرق في ذلك بين الأحكام التحريمية و الوجوبية، فكما ان الأولى تنحل بانحلال موضوعها فيما إذا لم تنصب قرينة على خلافه، فكذلك الثانية- مثلا- وجوب الحج المجعول للمستطيع في قوله تعالى «و للَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» على نحو القضية الحقيقية لا محالة ينحل بانحلال افراد المستطيع في الخارج،

149

فيثبت لكل منها حكم مستقل. و كذا وجوب الصلاة المجعول للمكلف البالغ العاقل القادر الداخل عليه الوقت على نحو القضية الحقيقية، فانه لا محالة ينحل بانحلال افراده. و كذا وجوب الزكاة المجعول لمن بلغ ماله حد النصاب على نحو القضية الحقيقية، و هكذا، فلا فرق من هذه الناحية بين الأحكام التحريمية و الأحكام الوجوبية أصلا و انما الفرق بينهما في نقطة أخرى، و هي ان الأحكام التحريمية- كما تنحل بانحلال موضوعها في الخارج فيما إذا كان لها موضوع، كذلك- تنحل بانحلال افراد متعلقها فيه، فالنهي عن سب المؤمن- مثلا- كما ينحل بتعدد افراد المؤمن في الخارج، كذلك ينحل بانحلال افراد السب، و يكون كل فرد منه محرما.

نعم قد يكون انحلال النهي بانحلال متعلقه و تعدده من ناحية تعدد موضوعه و انحلاله في الخارج، لا في نفسه، و ذلك كشرب الخمر- مثلا- أو شرب النجس أو ما شاكل ذلك، فانه يتعدد بتعدد افراد الخمر أو النجس خارجا لا في ذاته، ضرورة ان فرداً واحدا منه غير قابل لأن يتعدد شربه، بل له شرب واحد نعم يتعدد باعتبار تعدد الحالات و الأزمنة، لا في نفسه، و المكلف في اعتبار الشارع محروم عن جميع افراد شربه في الخارج من العرضية و الطولية.

و هذا بخلاف الأحكام الوجوبية، فانها لا تنحل بانحلال افراد متعلقها في الخارج أصلا، الا فيما إذا قامت قرينة من الخارج على الانحلال.

فالنتيجة هي ان الأوامر تنحل بانحلال موضوعاتها في الخارج فحسب، و لا تنحل بانحلال متعلقاتها فيه. و هذا بخلاف النواهي، فانها تنحل بانحلال موضوعاتها و متعلقاتها معاً، و فيما نحن فيه حيث ان مانعية لبس ما لا يؤكل و الميتة و الحرير و الذهب و النجس و ما شاكل ذلك في الصلاة جعلت لها على نحو القضية الحقيقية.

فمن الطبيعي هو انها تنحل بانحلال افراد هذه الطبائع في الخارج، فيكون لبس كل‏

150

فرد منها مانعاً مستقلا، و لا تكون مانعيته مربوطة بمانعية الآخر .. و هكذا، و هذا هو المتفاهم العرفي من كل قضية حقيقية من دون شبهة و خلاف.

و كذا لا شبهة في ظهور تلك النواهي في باب المعاملات بالمعنى الأعم في الانحلال، ضرورة ان مانعية الغرر- مثلا- تنحل بانحلال افراد البيع في الخارج و كذا الجهل بالعوضين أو بأحدهما و ما شاكل ذلك بعين الملاك المتقدم.

و قد يتخيل في المقام ان المفروض ان هذه النواهي ليست بنواهي حقيقية، بل هي نواهي بحسب الصورة و الشكل، و في الحقيقة أوامر، غاية الأمر ان المولى أبرز تلك الأوامر بصورة النهي. و قد تقدم انه لا عبرة بالمبرز (بالكسر) أصلا، و العبرة انما هي بالمبرز (بالفتح). هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد سبق ان نتيجة الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في طرف الأوامر هي العموم البدلي و صرف الوجود، لا العموم الشمولي و مطلق الوجود.

فالنتيجة على ضوئهما هي انه لا بد ان يكون المطلوب في أمثال هذه الموارد هو تقيد العبادة أو المعاملة بصرف ترك هذه الأمور في الخارج، و هو يتحقق بتركها آنا ما، فاذن المتعين في هذه الموارد و ما شاكلها هو إرادة الصورة الأولى من الصور المتقدمة لا غيرها، و هي ما كان المطلوب تقييد الواجب بصرف ترك تلك الأمور خارجا.

و على الجملة فقد مر ان مقتضى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في طرف الأمر هو العموم البدلي و صرف الوجود بمقتضى الفهم العرفي. و من المعلوم انه لا فرق في ذلك بين ان يكون الأمر متعلقاً بالفعل أو بالترك، فاذن مقتضى الإطلاق في أمثال تلك الموارد أيضاً ذلك.

و لكن هذا الخيال خاطئ جدا و غير مطابق للواقع قطعاً. و الوجه في ذلك ما تقدم من ان نتيجة مقدمات الحكمة ليست الا ثبوت الإطلاق و اما كونه‏

151

شمولياً أو بدلياً فلا تدل مقدمات الحكمة على شي‏ء من ذلك، فاذن إثبات كون الإطلاق في المقام على النحو الأول أو الثاني يحتاج إلى قرينة خارجية تدل عليه هذا من جانب. و من جانب آخر قد مر ان القرينة الخارجية قد دلت على ان الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في موارد الأمر المتعلق بالفعل و الوجود بدلي و في موارد النهي شمولي. و من جانب ثالث ان الأمر إذا تعلق بترك طبيعة في الخارج، فلا محالة لا يخلو بحسب مقام الثبوت و الواقع من ان المولى اما ان يريد ترك جميع افرادها في الخارج من العرضية و الطولية سواء أ كانت على نحو العموم المجموعي أو الاستغراقي، أو ان يريد ترك فرد ما منها، أو ان يريد ترك حصة خاصة منها دون أخرى، أو ان يريد صرف تركها، و لا خامس في البين.

و من جانب رابع انه لا شبهة في انه لا يمكن ان يراد من ذلك الفرض الثاني و هو ترك فرد ما منها، لأنه حاصل، و طلبه تحصيل للحاصل، فلا يمكن ان يصدر من الحكيم، و كذا لا يمكن ان يراد منه الفرض الثالث و هو ترك حصة خاصة منها، لأن إرادته، تحتاج إلى قرينة تدل عليها، و المفروض انه لا قرينة هنا، فاذن يدور الأمر بين ان يراد منه الفرض الأول، و هو ان يكون المطلوب ترك جميع افرادها العرضية و الطولية، و ان يراد منه الفرض الرابع و هو ان يكون المطلوب صرف تركها المتحقق بتركها آنا ما.

و من الواضح جداً ان إرادة الفرض الرابع خلاف المتفاهم العرفي المرتكز في أذهانهم، ضرورة ان المتفاهم العرفي من مثل قوله (عليه السلام) «لا تصل في شي‏ء منه و لا في شسع» هو تركه في جميع آنات الاشتغال بها، و لا يختلج في بالهم ان ان يكون المراد منه تركه حال الاشتغال بالصلاة آنا ما، و لا يلزم تركها في تمام آنات الاشتغال بها. و من المعلوم ان إرادة مثل هذا المعنى البعيد عن أذهان العرف تحتاج إلى نصب قرينة تدل عليه، و الا فلا يمكن إرادته من الإطلاق‏

152

الثابت بمقدمات الحكمة.

فالنتيجة على ضوء هذه الجوانب الأربعة هي ان نتيجة مقدمات الحكمة- و هي الإطلاق- يختلف مقتضاها باختلاف موارد الأمر، ففي موارد تعلقه بالفعل كان مقتضاها الإطلاق البدلي- و صرف الوجود من جهة القرينة الخارجية- و هي فهم العرف من إطلاقه ذلك بعد ضميمة عدم إمكان إرادة إيجاد الطبيعة بجميع افرادها العرضية و الطولية في الخارج- و في موارد تعلقه بالترك كان مقتضاها الإطلاق الشمولي و مطلق الترك من جهة الفهم العرفي و القرينة الخارجية.

و على الجملة فقد عرفت ان نتيجة مقدمات الحكمة هي ثبوت الإطلاق فحسب و ان مراد المولى مطلق من ناحية تبعية مقام الإثبات لمقام الثبوت، و لكن المتفاهم العرفي من هذا الإطلاق في موارد تعلق الأمر بالفعل هو الإطلاق البدلي و صرف الوجود، لأجل خصوصية فيه، و المتفاهم العرفي من الإطلاق في موارد تعلقه بالترك هو الإطلاق الشمولي و عموم الترك كذلك أي من جهة خصوصية فيه، و لأجل ذلك تفترق موارد تعلق الأمر بالفعل عن موارد تعلقه بالترك.

ثم انه لا فرق في الأوامر المتعلقة بالفعل بين ان تكون أوامر استقلالية كالأمر بالصلاة و الصوم و ما شاكلهما، و ان تكون أوامر ضمنية كالأوامر المتعلقة باجزاء العبادات و المعاملات و شرائطهما مثل الأمر بالركوع و السجود و التكبيرة و استقبال القبلة و القيام و الطهارة و ما شاكلها. فكما ان المتفاهم العرفي من الإطلاق في موارد الأوامر الاستقلالية هو الإطلاق البدلي و صرف الوجود، فكذلك المتفاهم العرفي منه في موارد الأوامر الضمنية هو ذلك، ضرورة ان المتفاهم العرفي من إطلاق قوله (عليه السلام) (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) هو كون المطلوب صرف وجود الغسل و تحققه في الخارج و اعتبار خصوصية أخرى يحتاج إلى دليل خاص كاعتبار التعداد و المسح بالتراب و نحو ذلك، فان كل هذا