محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
203

أخرى. و على القول بالامتناع يكون محكوما بأقوى الملاكين إذا كان أحدهما أقوى من الآخر، و اما إذا كانا متساويين فهو محكوم بحكم آخر غير هذين الحكمين بمقتضى أصل لفظي أو أصل عملي، لفرض انه لا أثر لملاكهما عندئذ.

و اما إذا فرض ان المجمع لم يكن مشتملا على ملاك كلا الحكمين معاً، فلا يكون من هذا الباب- أي باب الاجتماع- من دون فرق في ذلك بين ان يكون مشتملا على ملاك أحدهما أم لا.

الثانية- انا لو أحرزنا من الخارج بأن المجمع لمتعلقي الأمر و النهي مشتمل على ملاك واحد من الحكمين دون الآخر، فتقع المعارضة بين دليليهما الدالين عليهما لعدم إمكان ثبوت كليهما معاً في الواقع، فاذن لا بد من الرجوع إلى قواعد باب التعارض من الترجيح أو التخيير، فالنتيجة ان ملاك التعارض بين الدليلين في مقام الإثبات هو ان يكون مورد الاجتماع مشتملا على مناط أحد الحكمين دون الحكم الآخر. و اما إذا كان مورد الاجتماع مشتملا على مناط كليهما معاً فتقع المزاحمة بين المقتضيين، فاذن لا بد من الرجوع إلى مرجحات باب التزاحم من الأهمية و نحوها، و لا وجه للرجوع إلى مرجحات باب التعارض، لانتفائه على الفرض.

الثالثة- لو كان كل من الدليلين متكفلا للحكم الفعلي لوقع التعارض بينهما فعندئذ لا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة، إلا إذا جمع بينهما بحمل أحدهما على الحكم الاقتضائي بملاحظة مرجحات باب المزاحمة.

و لنأخذ بالمناقشة في جميع هذه النقاط:

اما النقطة الأولى فيردها ان النزاع في مسألتنا هذه لا يرتكز على وجهة نظر مذهب الإمامية القائلين بتبعية الأحكام للملاكات الواقعية و الجهات النّفس الأمرية بل يعم وجهة نظر جميع المذاهب حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام‏

204

للجهات الواقعية، ضرورة ان البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و امتناعهما لا يختص بمذهب دون آخر، كما هو ظاهر. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد تقدم ان النزاع في المسألة في سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به و عدم سرايته. و قد عرفت ان القول بالسراية يبتني على أحد امرين:

الأول- ان يكون المجمع واحدا وجودا و ماهية.

الثاني- ان لا يتخلف اللازم عن الملزوم في الحكم، بأن يثبت الحكم الثابت للملزوم له أيضاً، و القول بعدمها يبتني على امرين معاً.

الأول- ان يكون المجمع متعددا وجودا و ماهية.

الثاني- ان يتخلف اللازم عن الملزوم في الحكم بمعنى ان الحكم الثابت له لا يسري إلى لازمه، و بانتفاء أحدهما ينتفي هذا القول.

فالنتيجة على ضوئهما هي ان النزاع في مسألتنا هذه لا يبتني على مسألة تبعية الأحكام الواقعية لجهات المصالح و المفاسد أصلا، ضرورة ان إحدى المسألتين أجنبية عن المسألة الأخرى بالكلية، و لا صلة لإحداهما بالأخرى أبدا.

و على الجملة فهاهنا مسألتان إحداهما مسألتنا هذه، و الأخرى مسألة تبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد الواقعية، و قد عرفت ان نقطة انطلاق الخلاف في إحداهما غير نقطة انطلاق الخلاف في الأخرى.

اما في الأولى فهي ان المجمع لمتعلقي الأمر و النهي ان كان واحدا وجودا و ماهية في مورد الاجتماع و التصادق، فلا مناص من القول بالامتناع و السراية حتى على مذهب الأشعري المنكر للتبعية من ناحية، المجوز للتكليف بالمحال من ناحية أخرى، فان هذا أعني اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد ذاتا و حقيقة ليس من التكليف بالمحال، بل نفس هذا التكليف محال، كما هو واضح. و ان‏

205

كان متعددا وجودا و ماهية من جانب، و قلنا بعدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر من جانب آخر فلا مناص من القول بالجواز، بلا فرق بين تبعية الأحكام للملاكات الواقعية و عدم تبعيتها لها، و هذا ظاهر. فما أفاده (قدس اللَّه سره) من ابتناء النزاع في المسألة على القول بالتبعية لا يرجع إلى معنى محصل أصلا.

و اما في الثانية فهي ان الأشاعرة حيث انهم قد أنكروا مسألة التحسين و التقبيح العقليين، و قالوا بأن العقل لا يدرك حسن الأشياء و قبحها، و ان كل ما امر الشارع به حسن، و كل ما نهى الشارع عنه قبيح، و ان أفعاله تعالى لا تتصف بالقبح أبدا، فلأجل ذلك قد التزموا بعدم تبعية الأحكام الواقعية للملاكات، لا في متعلقاتها و لا في أنفسها، لفرض ان عندهم لا مانع من صدور اللغو من الشارع الحكيم. و اما الإمامية فحيث انهم قد التزموا بتلك المسألة، و ان أفعاله تعالى تتصف بالحسن مرة و بالقبح مرة أخرى، فلذلك التزموا بالتبعية المزبورة، و إلا لكان التكليف لغواً محضاً و صدور اللغو من الشارع الحكيم قبيح.

فهذه النقطة هي منشأ الخلاف في تلك المسألة أعني مسألة تبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد و عدم تبعيتها لها.

فالنتيجة انه لا مساس لمسألتنا هذه بتلك المسألة أصلا.

و اما النقطة الثانية فيردها ما تقدم بصورة مفصلة في بحث الضد من ان مسألة التعارض لا ترتكز على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تعم جميع المذاهب و الآراء، حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للملاكات مطلقاً، و ذلك لما ذكرناه هناك من ان مبدأ انبثاق التعارض بين الدليلين هو عدم إمكان ثبوت الحكمين في مقام الجعل، و ان ثبوت كل منهما في هذا المقام ينفي الآخر و يكذبه.

206

و من المعلوم انه لا يفرق فيه بين القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد و القول بعدمها، و كون مورد الاجتماع مشتملا على مناط أحد الحكمين أم لا. و قد تقدم الكلام من هذه الناحية بشكل واضح في بحث الضد، فلا نعيد. و عليه فما أفاده (قده) من الضابط للتعارض بين الدليلين و هو كون مورد الاجتماع بينهما مشتملا على مناط أحدهما لا أصل له، بل صدوره من مثله (قده) غريب جداً.

و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا هناك ان التزاحم على نوعين: (الأول) التزاحم بين الملاكات بعضها ببعض (الثاني) التزاحم بين الأحكام كذلك.

اما النوع الأول فقد ذكرنا سابقاً انه خارج عن محل الكلام، فان محل الكلام انما هو في النوع الثاني، و لذا قلنا ان الترجيح فيه بيد المولى، فله ان يلاحظ الجهات الواقعية و يرجح بعضها على بعضها الآخر، و ليس ذلك من وظيفة العبد، فان وظيفته امتثال الأحكام المجعولة من قبل المولى. على انه ليس للعبد طريق إلى معرفة تلك الجهات ليرجح بعضها على بعضها الآخر مع قطع النّظر عن الأحكام المجعولة على طبقها.

و بعد ذلك نقول انه (قده) ان أراد من التزاحم بين المقتضيين ذلك فقد عرفت ان هذا النوع من التزاحم خارج عن محل الكلام، و ان الترجيح فيه بيد المولى دون العبد. و لذا لا يرجع فيه إلى مرجحات النوع الثاني من التزاحم.

و ان أراد منه التزاحم بين الدليلين في مرتبة الاقتضاء فقد تقدم ان التزاحم هو تنافي الحكمين في مرتبة الفعلية الناشئ من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال من دون أي تناف بينهما في مقام الإنشاء و الجعل، كما مر بشكل واضح. و عليه فلا يرجع قوله (قده) بل كان من باب التزاحم بين المقتضيين إلى معنى محصل أصلا.

207

و أضف إلى ذلك ما ذكرناه هناك من ان مسألة التزاحم أيضاً لا تبتنى على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تعم جميع المذاهب و الآراء، حتى مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للملاكات مطلقاً، ضرورة ان مسألة التزاحم كمسألة التعارض، فانها ترتكز على ركيزة واحدة، و تدور مدار تلك الركيزة وجودا و عدما و هي عدم تمكن المكلف من الجمع بين المتزاحمين في مقام الامتثال و من المعلوم ان مسألة التبعية أجنبية عن تلك الركيزة بالكلية، فاذن ما أفاده (قده) من الضابط لمسألة التزاحم- و هو كون المجمع مشتملا على مناط كلا الحكمين- لا يرجع إلى أصل صحيح.

و اما النقطة الثالثة فيمكن المناقشة فيها بوجوه:

الأول- ان موارد التوفيق العرفي غير موارد التعارض، فإذا فرض التعارض بين الدليلين فمعناه انه لا يمكن الجمع العرفي بينهما، و فيما إذا أمكن ذلك فلا تعارض ففرض التعارض مع فرض إمكان الجمع العرفي لا يجتمعان، كما هو واضح.

الثاني- ان التوفيق العرفي بين الدليلين انما يكون بملاحظة مرجحات باب الدلالة، كان يكون أحدهما أظهر من الآخر أو نحو ذلك، لا بملاحظة مرجحات باب المزاحمة، لوضوح الفرق بين البابين، و ان أحدهما أجنبي عن الآخر بالكلية ضرورة ان مرجحات باب المزاحمة توجب انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، و هو القدرة، و لا توجب التصرف بالحمل على الاقتضاء أو نحوه، كما- هو ظاهر.

الثالث- ان هذا الحمل أي حمل الأمر و النهي على بيان المقتضي في متعلقه خارج عن الفهم العرفي، و لا يساعد عليه العرف أبدا.

الرابع- ان هذا الحمل لا يجدي في دفع المحذور اللازم من اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، و ذلك لأن اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد في نفسه و ان كان لا مانع منه، إلا ان ذلك لا يمكن من جهة تأثير المصلحة في‏

208

محبوبيته و تأثير المفسدة في مبغوضيته، لاستحالة ان يكون شي‏ء واحد محبوبا و مبغوضاً معاً.

قال: (قده) في المقدمة التاسعة، ما هذا لفظه: انه قد عرفت ان المعتبر في هذا الباب ان يكون كل واحد من الطبيعة المأمور بها و المنهي عنها مشتملا على مناط الحكم مطلقاً حتى في حال الاجتماع، فلو كان هناك ما دل على ذلك من إجماع أو غيره فلا إشكال، و لو لم يكن إلا إطلاق دليلي الحكمين ففيه تفصيل، و هو ان الإطلاق لو كان في بيان الحكم الاقتضائي لكان دليلا على ثبوت المقتضي و المناط في مورد الاجتماع، فيكون من هذا الباب، و لو كان بصدد الحكم الفعلي فلا إشكال في استكشاف ثبوت المقتضى في الحكمين على القول بالجواز، إلا إذا علم إجمالا بكذب أحد الدليلين، فيعامل معهما معاملة المتعارضين. و اما على القول بالامتناع فالإطلاقان متنافيان من غير دلالة على ثبوت المقتضي للحكمين في مورد الاجتماع أصلا، فان انتفاء أحد المتنافيين كما يمكن ان يكون لأجل المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن ان يكون لأجل انتفائه، إلا ان يقال: ان قضية التوفيق بينهما هو حمل كل منهما على الحكم الاقتضائي لو لم يكن أحدهما أظهر و الا فخصوص الظاهر منهما.

فتلخص انه كلما كانت هناك دلالة على ثبوت المقتضي في الحكمين كان من مسألة الاجتماع، و كلما لم يكن هناك دلالة عليه فهو من باب التعارض مطلقاً إذا كانت هناك دلالة على انتفائه في أحدهما بلا تعيين و لو على الجواز، و إلا فعلى الامتناع.

و نلخص هذه المقدمة في عدة خطوط:

الأول- ان غرضه (قده) من هذه المقدمة بيان ما يمكن ان يحرز به كون المجمع في مورد الاجتماع مشتملا على ملاك كلا الحكمين معاً من قيام دليل‏

209

من الخارج ليكون بذلك داخلا في هذا الباب أي باب الاجتماع. كالإجماع أو نحوه في دخوله في المسألة.

الثاني- انه إذا لم يكن من الخارج دليل، فهل هناك قرينة أخرى تدل عليه أم لا، فقد ذكر (قده) ان إطلاق كل من دليلي الحكمين ان كان في مقام بيان الحكم الاقتضائي لكان قرينة على ثبوت المقتضي و المناط لكلا الحكمين في مورد الاجتماع، من دون فرق في ذلك بين القول بالجواز و القول بالامتناع.

و اما إذا كان في مقام بيان الحكم الفعلي، فان قلنا بالجواز كان إطلاق كل منهما أيضاً قرينة على ثبوت المقتضي و المناط لكليهما معاً في محل الاجتماع و التصادق، الا إذا علم من الخارج بكذب أحدهما و عدم جعله في الواقع، فعندئذ تقع المعارضة بينهما فلا بد من الرجوع إلى قواعد بابها. و اما إذا قلنا بالامتناع فتقع المعارضة بين دليليهما، و لا بد عندئذ من رفع اليد عن أحدهما. و عليه فلا دلالة على ثبوت المقتضي و المناط لهما في مورد الاجتماع، ضرورة ان انتفاء أحدهما كما يمكن ان يكون لوجود المانع مع ثبوت المقتضي له يمكن ان يكون من جهة انتفاء المقتضي.

و لعل الوجه في ذلك ما ذكرناه غير مرة من انه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام و مقتضياتها مع قطع النّظر عن ثبوت نفس هذه الأحكام.

و على ضوء هذا فإذا فرض انتفاء حكم في مورد فلا يمكن الحكم بأن انتفاءه من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي له، ضرورة انه كما يحتمل ان يكون انتفاؤه من هذه الناحية يحتمل ان يكون من ناحية عدم المقتضي له في هذا الحال، بل قد ذكرنا ان الأمر كذلك حتى فيما إذا كان انتفاء الحكم من جهة عجز المكلف عن امتثاله و عدم قدرته عليه، فان انتفاؤه في هذا الحال كما يمكن ان يكون من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي له يمكن ان يكون من ناحية

210

عدم المقتضي له، بداهة انه لا طريق لنا إلى ثبوت المقتضي له في هذا الحال، كما هو ظاهر.

الثالث- انه يمكن رفع التعارض بحمل كل من الإطلاقين على الحكم الاقتضائي إذا لم يكن في البين أظهر، و الا فيحمل خصوص الظاهر منهما على ذلك و عليه فهما دالان على ثبوت المقتضى و المناط في المورد أعني مورد الاجتماع و التصادق، و ذلك لأن المانع من دلالتهما عليه انما هو تعارضهما و تنافيهما بحسب مقام الإثبات و الدلالة، و اما بعد علاجه بالجمع بينهما عرفا فلا مانع من دلالتهما عليه أصلا.

و لنأخذ بالمناقشة في هذه الخطوط:

اما الخطّ الأول- فلأنه يبتنى على تسليم ان يكون المعتبر في باب الاجتماع هو كون المجمع مشتملا على مناط كلا الحكمين معاً في مورد الاجتماع، لتستدعي الحاجة إلى إثبات ذلك في الخارج بدليل. و لكن قد عرفت منع ذلك في المقدمة الثامنة، و قلنا هناك ان مسألة الاجتماع لا ترتكز على وجهة نظر مذهب دون آخر، بل تجري على وجهة نظر جميع المذاهب و الآراء و ذلك لما تقدم من ان المسألة تبتني على ركيزة أخرى و تدور مدار تلك الركيزة و هي ان المجمع إذا كان واحدا وجودا و ماهية فلا بد من الالتزام بالامتناع سواء فيه القول بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد و القول بعدمها و سواء أ كان المجمع مشتملا على ملاك أم لم يكن و ان كان متعددا كذلك من ناحية و لم نقل بسراية الحكم من من الملزوم إلى اللازم من ناحية أخرى فلا بد من الالتزام بالجواز كذلك. و من الواضح جدا ان تلك الركيزة لا تختص بمذهب دون آخر و بحالة دون أخرى، و أجنبية عن القول بالتبعية بالكلية، ضرورة انه لا فرق في استحالة اجتماع الضدين بين وجهة نظر دون آخر، كما هو ظاهر.

211

و اما الخطّ الثاني فيقع الكلام فيه من ناحيتين:

الأولى- في بيان مراده (قده) من الحكم الفعلي الثانية- في بيان مراده من الحكم الاقتضائي.

اما الناحية الأولى فان أراد (قده) من الحكم الفعلي الحكم الّذي بلغ إلى مرتبة البعث أو الزجر فقد ذكرنا غير مرة ان بلوغ الحكم إلى تلك المرتبة يتوقف على وجود موضوعه بجميع شرائطه و قيوده في الخارج ضرورة استحالة فعلية الحكم بدون فعلية موضوعه كذلك، فما لم يتحقق موضوعه خارجا يستحيل ان يكون الحكم فعلياً، فتتبع فعلية الحكم فعلية موضوعه حدوثاً و بقاء. و من هنا لا يلزم ان تكون فعليته حين جعله و إبرازه في الخارج، بل هي غالباً متأخرة عنه، بل ربما تتأخر عنه بآلاف سنين.

و السر فيه هو ان الأحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية أعني للموضوعات المقدرة وجودها في الخارج، و لا يتوقف جعلها على وجودها فيه أبدا، ضرورة انه يصح جعلها لها من دون ان يتوقف على وجود شي‏ء منها في الخارج- مثلا- وجوب الحج مجعول للعاقل البالغ القادر المستطيع مع بقية الشرائط، و وجوب الصوم مجعول للبالغ العاقل القادر الداخل عليه شهر رمضان مع سائر الشرائط .. و هكذا، و لا يتوقف جعلها على وجود موضوعها خارجا، و لكن فعليه تلك الأحكام و تحققها في الخارج تتوقف على فعلية موضوعاتها، فمتى تحقق موضوعها تحقق الحكم. و من ذلك قد ظهر ان فعلية الحكم خارجة عن مفاد الدليل و أجنبية عنه رأسا و تابعة لفعلية موضوعه، ضرورة ان مفاد الدليل هو ثبوت الحكم على نحو القضية الحقيقية، و لا يدل على أزيد من ذلك، فلا نظر له إلى فعليته بفعلية موضوعه أبدا، لوضوح ان كل قضية حقيقية غير ناظرة إلى وجود موضوعها في الخارج و تحققه فيه، بل مفادها ثبوت الحكم على‏

212

تقدير وجود موضوعها فيه من دون تعرض لحاله وجودا و عدما.

و عليه فلا معنى لما أفاده (قده) من ان إطلاق كل من الدليلين قد يكون لبيان الحكم الفعلي، و ذلك لما عرفت من ان فعلية الحكم تابعة لفعلية موضوعه في الخارج و أجنبية عن مفاد الدليل بالكلية، فلا يكون الدليل متكفلا لفعليته أبداً.

و ان أراد منه الحكم الإنشائي و هو الحكم المبرز في الخارج بمبرز ما، بان يكون إطلاق كل من الدليلين في مقام بيان إبراز ما اعتبره المولى، غاية الأمر دليل النهي في مقام بيان اعتبار الشارع محرومية المكلف عن الفعل، و دليل الأمر في مقام بيان اعتباره الفعل على ذمته. و قد يطلق عليه الحكم الفعلي باعتبار انه فعلى من قبل الشارع و تام- فيرد عليه ان اجتماع الحكمين كذلك في شي‏ء واحد محال، سواء فيه القول بالجواز و القول بالامتناع، ضرورة انه لا يمكن الجمع بين اعتبار ثبوت فعل على ذمة المكلف و اعتبار محروميته عنه.

و على الجملة فالمجمع إذا كان واحدا يستحيل جعل الوجوب و الحرمة له معاً سواء فيه القول بالجواز و القول بالامتناع، و ان كان متعددا فلا مانع من جعلهما معاً، لفرض ان الوجوب مجعول لشي‏ء، و الحرمة مجعولة لشي‏ء آخر، و لا مانع من ذلك أبدا، بلا فرق بين القول بالامتناع و القول بالجواز فالعبرة انما هي بوحدة المجمع و تعدده لا بكون الدليلين متكفلين للحكم الفعلي أو الاقتضائي، كما هو واضح.

و اما الناحية الثانية فلا نعقل للحكم الاقتضائي معنى محصلا ما عدا كون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، و يكون إطلاق كل من دليلي الأمر و النهي في مقام بيان ذلك، و إرشاد إلى ان فيه جهة تقتضي وجوبه وجهة تقتضي حرمته، و هذا هو مراده (قده) من الحكم الاقتضائي.

213

و لكن يرد عليه أولا ان هذا خارج عن محل الكلام فان محل البحث في المسألة كما عرفت في سراية النهي من متعلقه إلى ما ينطبق عليه المأمور به و عدم سرايته. و من المعلوم انه لا بد من فرض وجود الأمر و وجود النهي، ليبحث في مورد اجتماعهما عن سراية أحدهما من متعلقه إلى ما تعلق به الآخر و عدم السراية و المفروض انه بناء على هذا ليس أمر و لا نهي ما عدا كون الفعل مشتملا على مصلحة و مفسدة، لنبحث عن سراية أحدهما إلى الآخر و عدمها.

فالنتيجة هي ان مرد الإطلاقين على ذلك في الحقيقة إلى اخبار الشارع بوجود المصلحة و المفسدة في مورد الاجتماع لا إلى جعل حكم تكليفي.

و بكلمة أخرى ان حمل الأمر و النهي على ذلك أي على الاخبار عن وجود مصلحة في فعل و وجود مفسدة فيه، بان يقال ان المولى في مقام بيان الاخبار عنه لا يمكن، و ذلك لأن هذا خارج عن وظيفة الشارع، فان وظيفته بيان الأحكام الشرعية، لا الاخبار عن وجود المصالح و المفاسد في الأفعال. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان هذا الحمل خارج عن المتفاهم العرفي و بعيد عنه جدا، بل غير واقع في الشريعة المقدسة أصلا، كيف فان حمل الأمر الوارد في الشريعة المقدسة على الاخبار عن وجود مصلحة في الفعل، و حمل النهي الوارد فيها على الاخبار عن وجود مفسدة فيه لا يمكن بحسب المتفاهم العرفي أبدا.

و ثانياً- لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان هذا الحمل ممكن عرفا الا انه عندئذ و ان كان لا مانع من اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد في نفسه مع قطع النّظر عن تأثيرهما في المحبوبية و المبغوضية، ضرورة انه لا مانع من ان يكون شي‏ء واحد مشتملا على مصلحة من جهة و على مفسدة من جهة أخرى، و لكن لا يمكن تأثيرهما في المحبوبية و المبغوضية معاً، بداهة استحالة ان يكون شي‏ء واحد محبوبا و مبغوضاً في آن واحد. و عليه فإذا فرض ان المجمع واحد وجوداً

214

و ماهية فلا يعقل تأثير المصلحة في محبوبيته و تأثير المفسدة في مبغوضيته، و تأثير الأولى في جعل الوجوب له و تأثير الثانية في جعل الحرمة له، و ان كان لا مضادة بين نفس الوجوب و الحرمة من جهة انهما امران اعتباريان. و قد ذكرنا انه لا مضادة بين الأمور الاعتبارية أصلا، إلا انه لا يمكن جعلهما لشي‏ء واحد من ناحية ان جعل الحكم الأول كاشف عن محبوبية هذا الشي‏ء، و جعل الثاني كاشف عن مبغوضيته، و لا يمكن ان تجتمع المحبوبية و المبغوضية في شي‏ء واحد. هذا من جهة.

و من جهة أخرى انه لا يمكن امتثالهما في الخارج. و من المعلوم ان جعل مثل هذا الحكم لغو و صدور اللغو عن الشارع الحكيم مستحيل.

و على الجملة فعلى تقدير كون المجمع واحدا و ان كان لا مانع من اجتماع المصلحة و المفسدة فيه بنفسه، إلا انه لا يمكن ذلك من ناحية تأثيرهما في المحبوبية و المبغوضية، فاذن لا يمكن ان يكون الإطلاقان كاشفين عن وجود مصلحة فيه كذلك و مفسدة، فعلى هذا لا محالة تقع المعارضة بينهما لكذب أحدهما في الواقع على الفرض، و عدم إمكان صدق كليهما معاً، فيرجع عندئذ إلى أحكامها و قواعدها.

و دعوى انهما كاشفان عن وجودهما في المجمع في نفسه- من دون تأثيرهما في شي‏ء. و قد مر انه لا مانع من اجتماعهما في شي‏ء في ذاته- خاطئة جدا و غير مطابقة للواقع قطعاً، و ذلك لأنها مخالفة للوجدان و الضرورة، بداهة ان المجمع كالصلاة في الدار المغصوبة إذا كان واحدا فلا محالة اما ان يكون محبوبا أو مبغوضاً و لا ثالث لهما، ضرورة انه لا يعقل ان لا يكون محبوبا و لا مبغوضاً، بان لا تؤثر المفسدة فيه و لا المصلحة، أضف إلى ذلك ان هذا الفرض لغو محض، فلا يترتب عليه أي أثر، فاذن، لا يمكن حمل إطلاقي الأمر و النهي على ذلك أصلا، لعدم‏

215

أثر شرعي مترتب عليه.

و اما إذا كان المجمع متعددا فلا مانع من تأثيرهما في المحبوبية و المبغوضية معاً أصلا و في جعل الوجوب و الحرمة، من دون أية منافاة و مضادة في البين و هذا واضح.

و اما الخطّ الثالث فيرده ما تقدم من ان هذا الجمع أي الجمع بين الدليلين بالحمل على الاقتضاء خارج عن المتفاهم العرفي، و لا يساعد عليه العرف، كما مر بشكل واضح.

و قد تحصل من جميع ما ذكرناه عدة أمور:

الأول- ان أساس مسألة إمكان الاجتماع و استحالته يبتني على وحدة المجمع وجودا و ماهية في مورد الاجتماع و تعدده كذلك، فعلى الأول لا مناص من القول بالامتناع و الاستحالة، قلنا بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد أم لا، قلنا بكون المجمع مشتملا على الملاك أم غير مشتمل، ضرورة ان كل ذلك لا دخل له فيما هو ملاك هذا القول في المسألة. و على الثاني إذا لم نقل بسراية الحكم من الملزوم إلى اللازم، كما هو الصحيح، فلا مناص من القول بالجواز كذلك. و من هنا قلنا ان هذه المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى باب التعارض، و على القول بالجواز تدخل في كبرى باب التزاحم إذا لم تكن مندوحة في البين، كما سبق.

الثاني- ان أساس مسألة التعارض يرتكز على تنافي الحكمين في مقام الجعل، بحيث لا يمكن جعل كليهما معاً، سواء فيه القول بتبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد و عدمه، و كون مورد التعارض مشتملا على ملاك أحد الحكمين أم لا، بداهة ان كل ذلك أجنبي عما هو ملاك التعارض.

و أساس مسألة التزاحم بين الحكمين يرتكز على عدم تمكن المكلف من‏

216

الجمع بينهما في مقام الامتثال سواء أقلنا بتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد أم لا، و سواء أ كان المجمع مشتملا على مناط كلا الحكمين أم لم يكن.

الثالث- ان ما أفاده (قده) في هاتين المقدمتين أعني المقدمة الثامنة و التاسعة جميعاً لا يبتني على أصل صحيح كما تقدم بشكل واضح.

ثمرة مسألة الاجتماع‏

المعروف و المشهور بين الأصحاب قديماً و حديثاً هو ان العبادة صحيحة على القول بالجواز و تعدد المجمع مطلقاً و لو كان عالماً بحرمة ما هو ملازم للواجب في مورد الاجتماع فضلا عما إذا كان جاهلا بها أو ناسياً لها. و عليه فتصح الصلاة في المكان المغصوب، و مجرد ملازمتها لارتكاب الحرام خارجا لا يمنع عن صحتها بعد فرض ان متعلق الأمر غير متعلق النهي .. و فاسدة على القول بالامتناع و وحدة المجمع كذلك، و لو كان جاهلا بالحرمة فضلا عما إذا كان عالماً بها هذا هو المشهور.

و لكن خالف في ذلك شيخنا الأستاذ (قده) و ذهب إلى بطلان الصلاة على القول بالجواز و تعدد المجمع فيما إذا كان المكلف عالما بالحرمة لا فيما إذا كان جاهلا بها أو ناسياً لها، فله (قده) هناك دعويان:

الأولى- بطلان الصلاة على هذا القول في صورة العلم بالحرمة.

الثانية- صحة الصلاة في صورة الجهل و النسيان.

اما الدعوى الأولى فلأنها تبتني على ما أفاده (قده) في بحث الضد و ملخصه هو ان منشأ اعتبار القدرة في التكليف انما هو اقتضاء نفس التكليف ذلك،

217

لا حكم العقل بقبح التكليف العاجز. و الوجه في ذلك هو ان الغرض من التكليف حيث انه كان جعل الداعي للمكلف نحو الفعل فمن الواضح ان هذا بنفسه يقتضي كون متعلقه مقدوراً، ضرورة استحالة جعل الداعي نحو الممتنع عقلا و شرعا.

و نتيجة ذلك هي ان متعلقه حصة خاصة من الطبيعة- و هي الحصة المقدورة عقلا و شرعا- و اما الحصة غير المقدورة فهي خارجة عن متعلقه، و ان كانت حصة من الطبيعة على نحو الإطلاق، إلا انها ليست من حصتها بما هي مأمور بها و متعلقة للتكليف.

و على ذلك فبما ان الأمر متعلق بخصوص الحصة المقدورة عقلا و شرعا، و هي الصلاة في غير المكان المغصوب- مثلا- فلا محالة لا تكون الصلاة في المكان المغصوب مصداقا للمأمور به و فردا له، فانها و ان لم تكن متحدة مع الحرام في الخارج، إلا انها ملازمة له خارجا، فلأجل ذلك لا تكون مقدورة شرعا و ان كانت مقدورة عقلا، و المفروض ان الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، فاذن لا محالة يختص الأمر بالحصة الخاصة من الصلاة و هي الحصة المقدورة، فلا تنطبق على الحصة غير المقدورة، و هي الصلاة في المكان المغصوب.

فالنتيجة هي انه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع على هذا القول أي القول بالجواز من ناحية الأمر لعدم انطباق الطبيعة المأمور بها عليها، مثلا الصلاة المأمور بها لا تنطبق على الصلاة في الدار المغصوبة، لفرض انها ليست مصداقا و فردا لها. و من الواضح انه مع عدم الانطباق لا يمكن الحكم بالصحّة لما ذكرناه غير مرة من ان الصحة منتزعة من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، فإذا فرضنا ان المأمور به لا ينطبق عليه و انه ليس مصداقا و فرداً له فلا يمكن الحكم بصحته.

و قد تحصل من ذلك ان المأمور به على هذا بما انه حصة خاصة- و هي‏

218

الحصة المقدورة فحسب- لا يمكن الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع و التصادق على القول بالجواز و تغاير متعلق الأمر و النهي فضلا عن غيره، لعدم انطباق المأمور به عليها. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى انه لا يمكن تصحيح تلك العبادة في مورد الاجتماع بالترتب، بتقريب انها و ان لم تكن مأموراً بها بالأمر الأول، إلا انه لا مانع من تعلق الأمر بها مترتباً على عصيان النهي، و ذلك لأنه (قده) و ان التزم بالترتب في بحث الضد، و قلنا هناك ان إمكانه يكفي في وقوعه فلا يحتاج وقوعه إلى دليل، لما ذكرناه هناك من ان حقيقة الترتب هو رفع اليد عن إطلاق كل من الحكمين بمقدار تقتضيه الضرورة لا مطلقاً، و المقدار الّذي تقتضيه الضرورة- هو تقييد إطلاق كل منهما بعدم الإتيان بمتعلق الآخر دون الزائد عليه، إلا انه (قده) قد أنكر جريانه في المقام أي في مسألة الاجتماع.

و قد أفاد في وجه ذلك ما ملخصه: ان عصيان النهي في مورد الاجتماع لا يخلو من ان يتحقق بإتيان فعل مضاد للمأمور به في الخارج و هو الصلاة مثلا كأن يشتغل بالأكل أو الشرب أو النوم أو ما شاكل ذلك، و ان يكون بنفس الإتيان بالصلاة، و لا ثالث لهما. و من الواضح انه على كلا التقديرين لا يمكن ان يكون الأمر بالصلاة مشروطا به، اما على التقدير الأول فلأنه يلزم ان يكون الأمر بأحد الضدين مشروطا بوجود الضد الآخر، و هذا غير معقول، ضرورة ان مرد هذا إلى طلب الجمع بين الضدين في الخارج، لفرض انه امر بإيجاد ضد على فرض وجود ضد آخر، و هو محال، لأنه تكليف بالمحال. و اما على التقدير الثاني فلأنه يلزم ان يكون الأمر بالشي‏ء مشروطاً بوجوده في الخارج، و هو محال لأنه طلب الحاصل، ضرورة انه لا يعقل ان يكون الأمر بالشي‏ء كالصلاة، مثلا مشروطا بوجوده، كما هو واضح.

219

فالنتيجة هي انه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع بناء على القول بالجواز و تعدد المجمع بالترتب.

و من ناحية ثالثة انه لا يمكن تصحيحها في هذا المورد بالملاك.

بيان ذلك هو انه (قده) و ان التزم بتصحيح الفرد المزاحم من العبادة بالملاك كما تقدم في بحث الضد، إلا انه قال بعدم إمكان تصحيح العبادة في مورد الاجتماع بالملاك، و ذلك لأن ملاك الأمر انما يصلح للتقرب به فيما إذا لم يكن مزاحماً بالقبح الفاعلي، و إلا فلا يكون صالحاً للتقرب، فان صحة العبادة كما هي مشروطة بالحسن الفعلي، بمعنى ان يكون الفعل في نفسه محبوبا و حسناً ليكون صالحاً للتقرب به إلى المولى كذلك هي مشروطة بالحسن الفاعلي بمعنى ان يكون إيجادها من الفاعل أيضاً حسنا و الا لم تقع صحيحة و المفروض فيما نحن فيه ان إيجادها من الفاعل ليس كذلك، لأن الصلاة و الغصب بما انهما ممتزجان في الخارج بحيث لا تمكن الإشارة إلى ان هذه صلاة و ذاك غصب، فلا محالة يكونان متحدين في مقام الإيجاد و التأثير و موجودين بإيجاد واحد، ضرورة ان المكلف بإيجاد الصلاة في الأرض المغصوبة أوجد امرين أحدهما الصلاة و الآخر الغصب، لا انه أوجد الصلاة فحسب. و عليه فلا محالة يكون موجدهما مرتكباً للقبيح في إيجاده و معه يستحيل ان يكون الفعل الصادر منه مقربا له.

و نتيجة ما ذكرناه هي انه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع، لا من ناحية الأمر لما عرفت من عدم انطباق المأمور به على هذا الفرد من جهة اختصاصه بالحصة المقدورة عقلا و شرعا، و عدم انطباقه على الحصة غير المقدورة كما مر. و لا من ناحية الترتب، لما عرفت من عدم جريانه في المقام. و لا من ناحية الملاك، لما عرفت من القبح الفاعلي المانع من التقرب.

و لنأخذ بالمناقشة في جميع ما أفاده (قده).

220

اما ما ذكره من ان اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هي باقتضاء نفس التكليف ذلك، لا من ناحية حكم العقل، فقد ذكرنا في بحث الضد انه غير تام و ملخصه: هو ان ذلك مبنى على وجهة نظر المشهور من ان المنشأ بصيغة الأمر أو ما شاكلها انما هو الطلب و البعث نحو الفعل الإرادي، و حيث ان الطلب و البعث التشريعيين عبارة عن تحريك عضلات العبد نحو الفعل بإرادته و اختياره و جعل الداعي له، لأن يفعل في الخارج و يوجده، فمن الطبيعي ان جعل الداعي لا يمكن إلا بالإضافة إلى خصوص الفعل الاختياري، اذن نفس التكليف مقتض لاعتبار القدرة في متعلقه من دون حاجة إلى حكم العقل في ذلك.

و لكن قد ذكرنا في بحث صيغة الأمر، و كذا في بحث الإنشاء و الاخبار ان ما هو المشهور من ان الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ، و ان المنشأ بالصيغة هو الطلب و البعث لا أساس له أصلا. و قد تقدم الكلام هناك من هذه الناحية بشكل واضح. فلا نعيد.

فالصحيح هو ما ذكرناه من ان حقيقة التكليف عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف أو اعتباره محروما عن الفعل و إبرازه في الخارج بمبرز ما من صيغة الأمر أو النهي أو ما شاكلها، و لا نعقل للتكليف معنى ما عدا ذلك.

و من الواضح جدا ان هذا الاعتبار لا يقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، ضرورة انه لا مانع من اعتبار الجامع بين المقدورة و غير المقدورة على ذمة المكلف أصلا، كما ان إبرازه في الخارج لا يقتضي ذلك، بداهة انه ليس إلا مجرد إبراز اعتبار كون المادة على ذمة المكلف، و هذا أجنبي تماما عن اشتراط التكليف بالقدرة و عدم اشتراطه بها.

فالنتيجة انه لا مقتضى من قبل نفس التكليف لاعتبار القدرة في متعلقه.

و اما العقل فقد ذكرنا انه لا يقتضي اعتبار القدرة إلا في ظرف الامتثال، و لا

221

يحكم باعتبارها في ظرف الجعل، فانه لا وجه لتخصيص متعلق التكليف بخصوص الحصة المقدورة، بل مقتضى إطلاقه هو الجامع بين المقدورة و غير المقدورة.

و عليه فلا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع، لفرض انطباق الطبيعة المأمور بها عليها عندئذ.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هو باقتضاء نفس التكليف، و لكن من الواضح انه لا يقتضي إلا كون متعلقه مقدوراً في الجملة، و لو باعتبار القدرة على بعض افراده، لئلا يكون طلبه طلباً للمحال، و لئلا يكون البعث نحوه بعثاً نحو الممتنع، ضرورة انه إذا كان مقدورا كذلك صح البعث نحوه و صح طلبه، و لا يكون بعثاً نحو الممتنع و طلباً له. و قد تقدم الكلام من هذه الناحية في بحث الضد بصورة مفصلة.

و لو تنزلنا عن ذلك أيضاً و سلمنا ان التكليف يقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، فمع ذلك لا يتم ما أفاده (قده) من عدم انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد، و ذلك لفرض ان الصلاة في الدار المغصوبة غير متحدة مع الغصب خارجا، و ان التركيب بينهما انضمامي لا اتحادي، كما هو أساس هذا القول. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انها مقدورة عقلا و شرعا اما عقلا فواضح. و اما شرعا فلفرض عدم انطباق كبرى: الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي على المقام، و ذلك لفرض ان الصلاة ليست ممنوعة شرعا و انها سائغة في نفسها و مقدورة تشريعاً، و الممنوع الشرعي هو ما إذا كان الشي‏ء في نفسه ممنوعا و منهيا عنه شرعا، أو كانت له مقدمة محرمة و ان لم يكن في نفسه محرما، و اما إذا لم يكن هذا و لا ذاك فلا مانع من كونه مصداقا للمأمور به و فردا له و بما ان الصلاة في الدار المغصوبة على هذا القول أي القول بالجواز ليست بمحرمة على الفرض و لا لها مقدمة محرمة. غاية الأمر ان إيجادها فيها ملازم لإيجاد الحرام‏

222

فلا مانع من كونها مصداقا للمأمور به، و لا مانع من انطباق الصلاة المأمور بها بما هي عليها و مجرد ملازمة وجودها في الخارج لوجود الحرام لا يمنع عن ذلك، بعد فرض ان وجودها مغاير لوجود الحرام خارجا.

فالنتيجة انه لو سلمنا اختصاص التكليف بخصوص الحصة المقدورة فمع ذلك لا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع، لفرض انها مقدورة عقلا و شرعا، و معه لا محالة تنطبق الطبيعة المأمور بها عليها. و ما ذكره (قده) من الكبرى و هي ان الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي لا ينطبق على ما نحن فيه.

ثم انه لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا انه لا يمكن تصحيح العبادة في مورد الاجتماع من هذه الناحية أي من ناحية انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد و لكن يمكن تصحيحها من ناحية الالتزام بالترتب.

و اما ما أفاده (قده) من ان الترتب لا يعقل في المقام، بدعوى ان عصيان النهي الّذي هو شرط للأمر بالصلاة اما ان يتحقق في ضمن نفسها، و اما ان يتحقق في ضمن ضدها، فعلى الأول يلزم اشتراط الأمر بالشي‏ء بوجوده و تحققه في الخارج و هو محال، و على الثاني يلزم اشتراط الأمر بالشي‏ء بوجود ضده و تحققه فيه، و هذا غير معقول.

فيرد عليه ما ذكرناه في بحث الضد، و ملخصه: هو ان المنهي عنه في المقام هو الكون في الأرض المغصوبة، لأنه تصرف فيها حقيقة و مصداق للغصب كذلك، لا الأكل و الشرب و النوم و ما شاكل ذلك، ضرورة ان شيئاً منها لا يكون مصداقا للغصب و تصرفا في مال الغير، فالتصرف فيه انما هو الكون فيها. و من الواضح جدا انه لا مانع من اشتراط الأمر بالصلاة على عصيان النهي عنه كأن يقول المولى لا تكن في أرض الغير و ان كنت فيها فتجب عليك الصلاة، فيكون الأمر بالصلاة معلقاً على عصيان النهي عن الكون فيها. و من المعلوم انه لا يلزم‏

223

من اشتراط الأمر بالصلاة به أحد المحذورين المزبورين- أعني بهما طلب الجمع بين الضدين، و اشتراط الأمر بالشي‏ء بوجوده و تحققه في الخارج.

و الوجه في ذلك ظاهر و هو ان ما يتحقق به الغصب هو الكون فيها الّذي هو من مقولة الأين. و اما الأفعال الخاصة كالأكل و النوم و الشرب و ما شاكل ذلك فليست مصداقا للغصب، ضرورة ان الأكل ليس مما يتحقق به الغصب و كذا النوم و الشرب و ما شابه ذلك في مفروض الكلام، بل الغصب يتحقق بالكون فيها.

و من الواضح انه لا مانع من اشتراط الأمر بالصلاة به و لا يلزم شي‏ء من المحذورين المذكورين، اما عدم لزوم محذور طلب الجمع بين الضدين فلفرض ان الكون فيها ليس مضاداً لها، بل هو ملازم معها وجودا و يجتمع معها خارجا.

و اما عدم لزوم محذور اشتراط الأمر بالشي‏ء بوجوده و تحققه في الخارج، فلأنه مبنى على ان الكون فيها متحد مع الصلاة خارجا و يكون عينها فيه، و لكنك عرفت انه خلاف مفروض الكلام في المقام، فان المفروض هو انه مغاير لها وجودا فان الكلام في المقام مبني على القول بالجواز و تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجودا و ماهية، فاذن لا محذور أبدا.

و نتيجة ما ذكرناه هي انه لا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع من ناحية الترتب.

و لو تنزلنا عن ذلك أيضاً و سلمنا انه لا يمكن تصحيح العبادة هنا بالترتب الا انه لا مانع من الحكم بصحتها من ناحية الملاك على وجهة نظره (قده) من تسليم اشتمالها على الملاك، و ذلك لأن ما أفاده (قده) من ان الملاك في المقام لا يكون مقرباً من جهة القبح الفاعلي غير تام، و الوجه فيه ما ذكرناه غير مرة من ان الإيجاد عين الوجود في الخارج ذاتاً و حقيقة، و الاختلاف بينهما انما هو في الإضافة، فالشي‏ء الواحد باعتبار إضافته إلى الفعل وجود، و باعتبار إضافته إلى‏

224

الفاعل إيجاد، و يترتب على ذلك ان الوجود إذا كان متعددا في الخارج فلا محالة يكون الإيجاد أيضاً متعدداً فيه، و لا يعقل ان يكون واحدا، و بما ان الوجود في مورد الاجتماع متعدد خارجا كما هو المفروض في المقام فلا محالة يكون الإيجاد أيضاً كذلك بمعنى ان المأمور به، كما انه مغاير للمنهي عنه وجودا، كذلك مغاير له إيجادا. و عليه فيكون إيجاد المأمور به بما هو محبوبا للمولى، و ليس فيه أي قبح أصلا، و القبيح انما هو إيجاد المنهي عنه فحسب، و المفروض ان قبحه لا يسرى إليه، فاذن لا مانع من التقرب به من ناحية اشتماله على الملاك، و ان كان إيجاده في الخارج ملازما لإيجاد قبيح و مبغوض فيه، الا انه لا يمنع من التقرب به أصلا، لفرض ان الفعل في نفسه صالح للتقرب به من جهة اشتماله على الملاك، و إيجاده في الخارج لا يكون قبيحاً و مبغوضاً عليه، و القبيح انما هو إيجاد امر آخر مغاير له- و هو إيجاد المنهي عنه- غاية الأمر انه ملازم له خارجا و من المعلوم ان مجرد ملازمته له لا يمنع عن الصحة. و على هذا فلا قبح فعلي و لا فاعلي.

فالنتيجة انه بناء على ما يراه (قده) من اشتماله على الملاك لا مناص من الحكم بالصحّة أصلا.

نعم بناء على وجهة نظرنا من انه لا طريق لنا إلى إحراز الملاك فالحكم بالصحّة في المقام يبتني على الالتزام بأحد الأمرين الأولين: هما انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي على هذا الفرد في مورد الاجتماع. و القول بالترتب فيه.

و اما الدعوى الثانية و هي صحة العبادة في مورد الاجتماع في صورة الجهل و النسيان على القول بالجواز و تعدد المجمع ماهية و وجودا، فلان المفروض انه لا تنافي بين الحكمين في مقام الجعل، و التنافي بينهما انما هو في مقام الامتثال من ناحية عدم قدرة المكلف على امتثال كليهما معا، فلو صرف قدرته في امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر و ينتفي بانتفاء موضوعه و هو القدرة. و عليه فإذا

225

فرض كون أحد الحكمين أهم من الآخر تعين صرف القدرة في امتثاله، و بذلك عجز عن امتثال الآخر.

و لكن من المعلوم ان تعجيزه عنه انما هو في ظرف وصوله إلى المكلف و كونه منجزاً عليه ليحكم العقل بلزوم امتثاله، و اما في ظرف كون المكلف جاهلا به فحيث ان العقل لا يحكم بلزوم امتثاله، و لا يكون شاغلا للمكلف بامتثاله لا يكون معجزا له عن امتثال الآخر، لفرض انه مع الجهل به قادر على امتثاله و المفروض انه مع القدرة عليه فعلي، لأن المانع عن فعليته عدم القدرة على امتثاله و مع التمكن منه لا محالة يكون فعلياً بفعلية موضوعه و هو القدرة.

و ان شئت فقل انه لا تنافي بين الحكمين في مقام الجعل على الفرض و التنافي بينهما انما هو في مقام الفعلية و الامتثال، فإذا فرض جهل المكلف بأحدهما فلا مانع من فعلية الآخر بفعلية موضوعه و هو القدرة، هذا في صورة الجهل.

و اما في صورة النسيان فالامر أوضح من ذلك، لفرض انه لا حرمة واقعاً في هذه الصورة. هذا على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده). و اما على وجهة نظرنا فقد عرفت ان العبادة صحيحة في مورد الاجتماع على القول بالجواز و تعدد المجمع واقعاً في صورة العلم بالحرمة فضلا عن صورة الجهل بها أو النسيان لها.

قال في المقدمة العاشرة ما إليك لفظه: «انه لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز مطلقاً و لو في العبادات و ان كان معصية للنهي أيضاً، و كذا الحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر الا انه لا معصية عليه.

و اما عليه و ترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر مطلقاً في غير العبادات، لحصول الغرض الموجب له، و اما فيها فلا، مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيراً، فانه و ان كان متمكنا مع عدم الالتفات من قصد القربة و قد قصدها،

226

الا انه مع التقصير لا يصلح ان يتقرب به أصلا. فلا يقع مقربا، و بدونه لا يكاد يحصل به الغرض الموجب للأمر به عبادة كما لا يخفى.

و اما إذا لم يلتفت إليها قصوراً و قد قصد القربة بإتيانه، فالامر يسقط لقصد التقرب بما يصلح ان يتقرب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره حسناً، لأجل الجهل بحرمته قصوراً، فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط به قطعاً، و ان لم يكن امتثالا، بناء على تبعية الأحكام لما هو الأقوى من جهات المصالح و المفاسد واقعاً، لا لما هو المؤثر منها فعلا للحسن أو القبح، لكونهما تابعين لما علم منهما، كما حقق في محله. مع انه يمكن ان يقال بحصول الامتثال مع ذلك، فان العقل لا يرى تفاوتاً بينه و بين سائر الافراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها، و ان لم تعمه بما هي مأمور بها، لكنه لوجود المانع، لا لعدم المقتضي. و من هنا انقدح انه يجزي و لو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادة، و عدم كفاية الإتيان بمجرد المحبوبية، كما يكون كذلك في ضد الواجب حيث لا يكون هناك امر يقصد أصلا. و بالجملة مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعا أو حكما يكون الإتيان بالمجمع امتثالا و بداعي الأمر بالطبيعة لا محالة، غاية الأمر انه لا يكون مما يسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرها للأحكام الواقعية و اما لو قيل بعدم التزاحم الا في مقام فعلية الأحكام لكان مما يسعه و امتثالا لأمرها بلا كلام.

و قد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليلا الحرمة و الوجوب متعارضين و قدم دليل الحرمة تخييراً أو ترجيحاً، حيث لا يكون معه مجال للصحة أصلا، و بين ما إذا كانا من باب الاجتماع، و قيل بالامتناع، و تقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحاً في غير مورد من موارد الجهل و النسيان، لموافقته للغرض، بل للأمر. و من هنا علم ان الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة لا الانقياد، و مجرد اعتقاد

227

الموافقة. و قد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع، بل الحكم إذا كان عن قصور مع ان الجل لو لا الكل قائلون بالامتناع و تقديم الحرمة، و يحكمون بالبطلان في غير موارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر».

نلخص ما أفاده (قده) في هذه المقدمة إلى عدة نقاط:

الأولى- انه لا إشكال في تحقق الامتثال و حصول الغرض بإتيان المجمع بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة على القول بالجواز مطلقاً في العبادات و التوصليات اما في التوصليات فواضح، لأن الغرض منها على الفرض صرف وجودها و تحققها في الخارج، و لا يعتبر فيها كيفية زائدة. و اما في العبادات فلأجل انطباق الطبيعة المأمور بها على هذا الفرد المأتي به في الخارج- و هو المجمع- و ان استلزم ذلك معصية للنهي أيضاً، و ذلك كالصلاة في الأرض المغصوبة، فانها تستلزم التصرف فيها، و هو محرم الا انها حيث لم تكن متحدة مع الحرام على الفرض فلا يكون ارتكابه موجباً لفسادها، فيكون كالنظر إلى الأجنبية حال الصلاة، فكما انه لا يوجب بطلانها باعتبار انه غير متحد معها خارجا فكذلك الكون في الأرض المغصوبة لا يوجب فساد الصلاة فيها من جهة انه غير متحد معها.

الثانية- انه بناء على القول بالامتناع فعلى تقدير تقديم جانب الوجوب على جانب الحرمة فلا إشكال في تحقق الامتثال و حصول الغرض بإتيان المجمع عندئذ، و ذلك لأنه على هذا الفرض متمحض في كونه مصداقا للمأمور به دون المنهي عنه و لذا لا يكون الإتيان به وقتئذ معصية أيضاً. و اما على تقدير تقديم جانب الحرمة على الوجوب فيما ان المجمع لا يكون حينئذ مصداقا للمأمور به، ضرورة ان الحرام لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب، فلا يحصل الامتثال بإتيانه إذا كان الواجب عباديا ضرورة انه مع الالتفات إلى الحرمة لا يمكن قصد التقرب به المعتبر في صحته و اما

228

إذا كان توصلياً فيسقط امره بإتيانه، لفرض ان الغرض منه يحصل بمجرد وجوده و تحققه في الخارج و لو كان في ضمن فعل محرم، هذا إذا كان عالماً بالحرمة.

و اما إذا كان جاهلا بها فمرة يكون جهله عن تقصير، و أخرى عن قصور.

اما على الأول فتكون عبادته فاسدة، و الوجه في ذلك هو ان صحة العبادة ترتكز على ركائز:

1- ان يكون الفعل في نفسه قابلا للتقرب.

2- ان يقصد المكلف التقرب به.

3- ان لا يكون صدوره منه قبيحاً و مبغوضاً، ثم ان الركيزة الأولى و الثانية و إن كانتا موجودتين هنا، باعتبار ان المكلف بما انه كان جاهلا بالحرمة فيتمشى منه قصد القربة، و المفروض ان الفعل لاشتماله على الملاك قابل لأن يتقرب به في نفسه الا ان الركيزة الثالثة غير موجودة هنا، و ذلك لأن الفعل و ان كان في نفسه قابلا للتقرب من ناحية اشتماله على الملاك الا انه حيث كان فعلا مبغوضاً للمولى، كما هو المفروض من ناحية، و جهله كان عن تقصير من ناحية أخرى فلا يكون صدوره منه حسناً، بل يكون قبيحاً و مبغوضا، فاذن لا يمكن الحكم بصحة العبادة الفاقدة لتلك الركيزة.

و اما على الثاني فتكون صحيحة و ذلك لتوفر تلك الركائز فيه.

اما الركيزة الأولى فلان الفعل من ناحية اشتماله على الملاك قابل للتقرب به و الجهل بالحرمة بما انه كان عن قصور فهو مانع عن فعلية الحرمة. و من الواضح ان الحرمة غير الفعلية لا تمنع عن صحة العبادة و قابليتها للتقرب.

و اما الركيزة الثانية فالمفروض ان المكلف متمكن من قصد القربة في هذا الحال.

و اما الركيزة الثالثة فيما ان جهله كان عن قصور فلا محالة لا يكون صدور الفعل‏

229

منه قبيحاً، فاذن لا مانع من الحكم بصحة العبادة في هذا الفرض، و ان لم يتحقق عنوان الامتثال، فان عنوان الامتثال انما يصدق فيما إذا كان المأتي به مما تعلق به الأمر لا فيما إذا كان الحكم بصحته من جهة محبوبيتها، كما في المقام. و قد ذكرنا ان سقوط الأمر لا يدور مدار حصول الامتثال، بل هو يدور مدار حصول الغرض.

و من هنا ذكرنا في بحث التعبدي و التوصلي ان صحة العبادة لا تتوقف على قصد الأمر فحسب، بل يكفي في صحتها إتيانها بقصد محبوبيتها، أو اشتمالها على الملاك أو نحو ذلك.

الثالثة- انه يمكن ان يقال بحصول الامتثال في المقام حتى بناء على تبعية الأحكام لجهات المصالح و المفاسد في الواقع، لا للجهات المؤثرة فيها فعلا، و ذلك لأن العقل لا يرى تفاوتاً بين هذا الفرد و بقية الافراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بها، فكما انه يحصل الامتثال بإتيان غيره من افراد هذه الطبيعة فكذلك يحصل بإتيانه، فلا فرق بينهما بنظر العقل من هذه الناحية أصلا.

الرابعة- ان عدم انطباق الطبيعة المأمور بها بما هي على هذا الفرد يرتكز على تزاحم جهات المصالح و المفاسد في مقام تأثيرها في الأحكام الواقعية، فانه على هذا حيث كانت جهة الحرمة أقوى من جهة الوجوب في الواقع و نفس الأمر، فلا محالة هي المؤثرة فيها دون تلك. و عليه فلا يكون المجمع مصداقا للواجب. و اما إذا فرض عدم المزاحمة بين تلك الجهات في الواقع، و انه لا أثر لها، و المزاحمة انما هي بين الجهات الواصلة في مقام فعلية الأحكام لكان المجمع بنفسه مصداقا للطبيعة المأمور بها بما هي، و لكان الإتيان به امتثالا لأمرها، و ذلك لأن جهة الوجوب بما انها كانت واصلة إلى المكلف لفرض انها ملتفت إليها، فهي المؤثرة دون جهة الحرمة، لعدم الالتفات إليها.

و على الجملة فلا أثر للملاك الواقعي و لا تأثير له في الحكم الشرعي أبدا،

230

فالمؤثر انما هو الملاك الواصل و الفعلي- و هو ما كان ملتفتاً إليه. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان المجمع على الفرض مشتمل على مناط كلا الحكمين معا، غاية الأمر ان ملاك الحرمة بحسب الواقع أقوى من ملاك الوجوب. و لكن عرفت انه لا أثر لأقوائية الملاك بحسب وجوده الواقعي. و من ناحية ثالثة ان الملاك الواصل إلى المكلف هو ملاك الوجوب، فانه ملتفت إليه دون ملاك الحرمة.

فالنتيجة على ضوئها هي ان المؤثر ملاك الوجوب دون غيره، و لازمه هو أن المجمع عندئذ يكون مصداقا للمأمور به فعلا، من دون ان يكون محرما كذلك.

الخامسة- قد تقدم ان هذه المسألة تبتني على ان يكون لكل من متعلقي الأمر و النهي ملاك حكمه على كل من القولين، و بذلك تمتاز هذه المسألة عن مسألة التعارض باعتبار ان مسألة التعارض تبتني على ان يكون لأحدهما مناط دون الآخر. و على هذا يترتب ان دليلي الوجوب و الحرمة إذا كانا متعارضين و قدمنا دليل الحرمة على دليل الوجوب تخييرا أو ترجيحاً، فلا مجال وقتئذ للصحة أصلا و ان فرض ان جهله بالحرمة كان عن قصور، و ذلك لفرض انه لا مقتضى للوجوب عندئذ في مورد الاجتماع أصلا، و معه يستحيل ان تنطبق عليه الطبيعة المأمور بها ضرورة استحالة ان يكون الحرام مصداقا للواجب. و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالامتناع و تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب، فانه على هذا يقع المجمع صحيحاً في موارد الجهل عن قصور و موارد النسيان، و ذلك لما عرفت من ان المجمع على هذا مشتمل على ملاك الوجوب، فلا مانع من التقرب به إذا كان جاهلا بالحرمة عن قصور.

و من هنا حكم الفقهاء بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور، مع ان المشهور بينهم هو القول بالامتناع و تقديم جانب الحرمة.

231

و لنأخذ بالمناقشة في هذه النقاط:

اما النقطة الأولى فما أفاده (قده) من صحة العبادة على القول بالجواز مطلقاً لا يمكن المساعدة عليه بإطلاقه، و ذلك لما تقدم من ان المسألة على هذا القول تدخل في كبرى باب التزاحم مطلقاً على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) و فيما إذا لم تكن مندوحة في البين على وجهة نظرنا. و عليه فلا بد من الرجوع إلى قواعد ذلك الباب و مرجحاته، فان كان الوجوب أهم من الحرمة أو محتمل الأهمية فيقدم عليها، و اذن فلا إشكال في صحة العبادة و الإتيان بها بداعي امرها و كذا إذا كان الوجوب مساويا لها، و لكن أخذنا بجانب الوجوب دون الحرمة، و ان كانت الحرمة أهم من الوجوب أو محتمل الأهمية فتقدم عليه، فاذن تبتني صحة العبادة في محل الكلام على الالتزام بأحد امرين:

الأول- ان يقول بالترتب.

الثاني- باشتمال المجمع في هذا الحال على الملاك.

اما الأول- و هو الترتب- فقد أنكره (قده) و أصر على استحالته و عدم إمكانه. و عليه فلا يمكن تصحيح العبادة به على وجهة نظره.

و اما الثاني فهو و ان اعترف به، و قد صحح العبادة بذلك في أمثال المورد الا انا قد ذكرنا غير مرة انه لا يمكن تصحيح العبادة بالملاك في هذا الحال و ذلك لما عرفت من انه لا طريق لنا إلى ثبوت الملاك و معرفته في مورد بعد سقوط الحكم عنه، فانه كما يمكن ان يكون سقوطه من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضى له، يمكن ان يكون من ناحية عدم المقتضى و الملاك له في هذا الحال، و لا ترجيح لأحد الاحتمالين على الآخر، بداهة ان الطريق إلى إحرازه منحصر في ثبوت الحكم و بعد سقوطه فلا طريق لنا إلى إحرازه أصلا.

نعم لو لم تكن مزاحمة بين الإطلاقين كما إذا كانت في البين مندوحة، فعندئذ

232

تصح العبادة بإتيان المجمع بداعي الأمر بالطبيعة، لفرض ان الطبيعة المأمور بها على هذا لم تكن مزاحمة مع الحرام، و المزاحم له انما هو فردها. و عليه فلا مانع من الإتيان بهذا الفرد بداعي امرها أصلا. و لعل ما ذكره (قده) بقوله لا إشكال في سقوط الأمر و حصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي الأمر على الجواز .. إلخ ناظر إلى هذا الفرض. و لكن يرده انه لا وجه للاقتصار على هذا الفرض أصلا.

فالنتيجة ان ما أفاده (قده) من صحة العبادة لا يتم فيما إذا لم تكن مندوحة في البين، و تقع المزاحمة بين الواجب و الحرام، و كان الحرام أهم أو محتمل الأهمية بناء على وجهة نظره (قده) من استحالة الترتب، و ذلك لفرض انه لا امر به في هذا الحال، ليمكن الإتيان به بداعي امره، و لا طريق لنا إلى اشتماله على الملاك ليمكن التقرب به من هذه الجهة، مع ان هذا الفرض خارج عن مورد كلامه، لأن المفروض في كلامه هو صحة العبادة بالأمر على الجواز لا بالملاك. و كيف كان فما أفاده (قده) لا يتم على إطلاقه، فلا بد من التفصيل.

و من هنا يظهر ان ما أفاده (قده) بقوله انه معصية للنهي أيضاً لا يتم مطلقاً. فانه انما يتم فيما إذا لم تكن مزاحمة بين الحكمين، أو كانت مزاحمة و لكن كان الحرام أهم من الواجب أو محتمل الأهمية. و اما إذا كان الواجب أهم منه أو محتمل الأهمية، فلا معصية أصلا.

و اما النقطة الثانية فقد تقدم ان أساس القول بالامتناع في هذه المسألة هو اتحاد متعلقي الأمر و النهي في مورد الاجتماع، و على هذا فلا محالة تقع المعارضة بين دليليهما، لاستحالة ان يكون شي‏ء واحد مأموراً به و منهياً عنه معاً فاذن لا بد من الرجوع إلى قواعد و مرجحات باب المعارضة. و عليه فان قدمنا دليل الأمر على دليل النهي ترجيحاً أو تخييرا على القول به فلا إشكال في صحة العبادة بإتيان المجمع فانه على هذا مصداق للمأمور به فحسب، و لا يكون‏

233

بمنهي عنه في شي‏ء. و ان قدمنا دليل النهي على دليل الأمر فلا يصح الإتيان بالمجمع عندئذ، لفرض انه منهي عنه فعلا، و يستحيل ان يكون مصداقا للمأمور به ضرورة ان الحرام لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب فيقيد إطلاق دليل الواجب بغير ذلك الفرد من دون فرق في ذلك بين ان يكون الواجب توصلياً أو تعبديا ضرورة استحالة ان يكون المحرم مصداقا له مطلقاً فان الفرق بينهما في نقطة واحدة و هي اعتبار قصد القربة في الواجب العبادي دون التوصلي، فاذن لا يصح الإتيان بالمجمع في مورد الاجتماع في التوصليات فضلا عن العباديات لفرض تقييد المأمور به بغير هذا الفرد فلا يكون هذا الفرد مصداقا له ليكون الإتيان به مجزيا فان اجزاء غير المأمور به عن المأمور به يحتاج إلى دليل و الا فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء و لا فرق من هذه الناحية بين التوصلي و التعبدي أصلا. نعم قد يعلم من الخارج ان الغرض من الواجب التوصلي يحصل بمطلق وجوده في الخارج و لو في ضمن فرد محرم و ذلك كإزالة النجاسة عن البدن أو الثوب فان الغرض من وجوبها حصولها في الخارج و تحققها فيه و لو كان بماء مغصوب و اما فيما إذا لم يعلم ذلك من الخارج فلا يحكم بصحة الواجب و سقوط الأمر عنه و حصول الغرض و ذلك ككفين الميت- مثلا- فانه واجب توصلي فمع ذلك لا يحصل الغرض منه بتكفينه بالكفن المغصوب و لا يحكم بسقوط الأمر عنه بل هو من موارد اجتماع الأمر و النهي و من هنا ذكرنا في بحث الواجب التوصلي و التعبدي ان الواجب التوصلي على أقسام: منها- ما لا يترتب الغرض على مطلق وجوده في الخارج، بل يترتب على وجوده الخاصّ و هو ما إذا لم يكن في ضمن فرد محرم أو لم يصدر من المجنون أو الصبي و الا فلا يحصل الغرض منه و ذلك كتحنيط الميت- مثلا- فانه واجب توصلي و مع ذلك لو أتى به الصبي أو المجنون لم يكن مجزيا. فما أفاده (قده) من ان الواجب إذا كان توصلياً يحصل الغرض منه بإتيان المجمع لا يمكن تصديقه بوجه.

234

و بكلمة أخرى قد سبق منا غير مرة ان القول بالامتناع يرتكز على وحدة المجمع وجودا و ماهية. و عليه فحيث تقع المعارضة بين إطلاق دليلي الأمر و النهي فلا بد من الرجوع إلى مرجحاتها، و بعد ملاحظة المرجحات إذا قدمنا إطلاق دليل النهي على إطلاق دليل الأمر، فمعناه ان المجمع مبغوض للمولى و محرم في الواقع فحسب، و ليس مصداقا للواجب واقعاً و في نفس الأمر. هذا فيما إذا علمت الحرمة واضح، و كذلك مع الجهل عن تقصير أو قصور فان الأحكام الواقعية ثابتة لمتعلقاتها في الواقع، و لا دخل لعلم المكلفين و جهلهم بها أبدا، ضرورة انها لا تتغير بواسطة جهل المكلف بها فلو كان شي‏ء حراما في الواقع و كان المكلف جاهلا بحرمته فلا تتغير حرمته بواسطة جهله بها و هذا واضح. و من ناحية أخرى ان الحرام لا يعقل ان يكون مصداقا للواجب و ان فرض كون المكلف جاهلا بحرمته بل معتقدا بوجوبه، ضرورة ان الواقع لا ينقلب عما هو عليه.

فالنتيجة على ضوء ذلك هي انه لا إشكال في انه لا ينطبق الواجب على المجمع بناء على تقديم جانب الحرمة. فلا يسقط الأمر به بإتيان المجمع، حتى إذا كان توصليا مع العلم بحرمته أو مع الجهل بها الا إذا علم من الخارج وفاؤه بالغرض و على ذلك يترتب فساد الإتيان بالمجمع كالصلاة في الدار المغصوبة مع العلم بمبغوضيته و حرمته، بل مع الجهل بها و لو كان عن قصور، ضرورة استحالة ان يكون الحرام مصداقا للواجب، و المفروض ان الجهل بالحرمة لا يوجب تغيير الواقع و ان كان عن قصور و العلم بوجوبه لا يوجب الأمر به في الواقع و ارتفاع حرمته فاذن كيف يمكن الحكم بالصحّة في فرض الجهل بها عن قصور.

و ان شئت فقل ان صحة العبادة ترتكز على ركيزتين:

الأولى- تحقق قصد القربة.

الثانية- كون الفعل في نفسه محبوبا و قابلا للتقرب به، و مع انتفاء إحدى‏

235

هاتين الركيزتين لا تقع العبادة صحيحة، ضرورة ان الفعل إذا لم يكن محبوبا في نفسه، فلا يمكن التقرب به فضلا عن كونه مبغوضاً في الواقع أو لو كان محبوباً كذلك، و لكن المكلف لم يقصد القربة، فحينئذ تقع العبادة فاسدة، و فيما نحن فيه و ان أمكن تحقق قصد القربة من المكلف باعتبار انه جاهل بالحرمة، إلا ان المجمع لمتعلقي الأمر و النهي في مورد الاجتماع كالصلاة في الأرض المغصوبة على القول بالامتناع و وحدة المجمع و تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب لا يكون محبوباً في نفسه و صالحاً للتقرب به، لتمحضه في الحرمة و المبغوضية في الواقع.

و من المعلوم ان الحرام لا يمكن ان يقع مصداقا للواجب كما هو الحال في بقية موارد التعارض بالعموم من وجه، مثل ما إذا فرض قيام الدليل على وجوب إكرام العالم، و فرض قيامه أيضاً على حرمة إكرام الفاسق، فتقع المعارضة بينهما في مورد الاجتماع، و هو العالم الفاسق حيث ان مقتضى إطلاق الدليل الأول وجوب إكرامه و مقتضى إطلاق الدليل الثاني حرمة إكرامه، فعندئذ لو قدمنا دليل الحرمة على دليل الوجوب في مورد الاجتماع، لخرج مورد الاجتماع- و هو إكرام العالم الفاسق عن كونه مصداقا للواجب واقعاً، سواء أ كان المكلف عالماً بالحرمة أو بموضوعها أم كان جاهلا بها كذلك عن قصور أو تقصير، ضرورة ان الواقع لا يتغير بواسطة جهل المكلف به و الاعتقاد بخلافه لما ذكرناه غير مرة من ان فعلية الأحكام في الواقع تابعة لفعلية موضوعاتها، و لا دخل لعلم المكلف بها و جهله. و هذا واضح.

و كذا الحال فيما نحن فيه، فانه بناء على تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب في مورد الاجتماع كالصلاة في الدار المغصوبة- مثلا- فالمجمع متمحض عندئذ في الحرمة و المبغوضية بحسب الواقع، و لا يعقل حينئذ ان يكون مصداقا

236

للمأمور به و الواجب، و ان فرض ان المكلف جاهل بحرمته جهلا عن قصور، غاية الأمر ان جهله بها كذلك يوجب كونه معذوراً و غير مستحق للعقاب على ارتكاب الحرام في الواقع، هذا بناء على وجهة نظرنا من ان هذه المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى باب التعارض، فتجري عليه أحكامه.

و لكن يمكن لنا المناقشة فيه على وجهة نظره (قده) أيضاً، ببيان ان قصد الملاك انما يكون مقربا فيما إذا لم يكن مزاحماً بشي‏ء، و لا سيما إذا كان أقوى منه، كما هو المفروض في المقام و اما الملاك المزاحم فلا يترتب عليه أي أثر، و لا يكون قصده مقربا، بناء على ما هو الصحيح من تبعية الأحكام للجهات الواقعية لا للجهات الواصلة و بما ان في مفروض الكلام ملاك الوجوب مزاحم بملاك الحرمة في مورد الاجتماع فلا يكون صالحاً للتقرب به.

و على هذا فلا يمكن الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على هذا القول أي القول بالامتناع، لا من ناحية الأمر و انطباق المأمور به بما هو على المأتي به في الخارج، و لا من ناحية الملاك لفرض انه مزاحم بما هو أقوى منه.

و اما النقطة الثالثة فيردها ان العقل يرى التفاوت بين هذا الفرد و بقية الافراد من ناحية ان هذا الفرد بما انه ليس مصداقا للطبيعة المأمور بها بما هي و لا تنطبق تلك الطبيعة عليه، فلا يمكن إحراز انه واف بغرض الطبيعة المأمور بها، ضرورة ان طريق إحراز وفائه بغرضها منحصر بانطباقها عليه و مع عدم الانطباق لا طريق لنا إلى ذلك أصلا، لوضوح ان عدم الانطباق كما يمكن ان يكون من ناحية وجود المانع مع ثبوت المقتضي له، يمكن ان يكون من ناحية عدم المقتضى له. و من الطبيعي ان العقل على هذا لا يحكم بحصول الامتثال بإتيان المجمع و سقوط الأمر.

و اما النقطة الرابعة فيرد عليها ان الأحكام الشرعية بناء على وجهة نظر

237

العدلية تابعة لجهات المصالح و المفاسد الواقعية و هي مقتضية لجعلها على نحو القضايا الحقيقية، و اما فعلية تلك الأحكام فهي تابعة لفعلية موضوعاتها في الخارج، و لا دخل لعلم المكلفين و جهلهم بها لا في مرحلة الجعل و لا في مرحلة الفعلية أصلا.

و على هذا فلا معنى لما أفاده (قده) من التزاحم بين الجهات في مقام فعلية الأحكام بان يكون المؤثر في الحكم فعلا هو الجهة الواصلة دون غيرها ضرورة ان لازم ذلك هو دخل علم المكلف في فعلية الأحكام، و هذا غير معقول، لاستلزامه التصويب و انقلاب الواقع، فان لازمه هو ان المكلف إذا كان عالماً بحرمة المجمع في مورد الاجتماع و انه مشتمل على مفسدة، فالحرمة فعلية، و لا أثر للوجوب عندئذ أصلا، و إذا كان جاهلا بحرمته عن قصور و عالماً بوجوبه و انه مشتمل على مصلحة، فالوجوب فعلي، و لا أثر للحرمة، و هذا معنى دخل علم المكلف في فعلية الأحكام. و عليه فلا محالة يلزم التصويب و انقلاب الواقع و من الواضح جدا ان ذلك مما لم يلتزم به أحد حتى هو (قده) كيف فان لازم ذلك هو خروج المقام عن محل النزاع ضرورة انه في هذا الحال لا حرمة واقعاً ليقع الكلام في انها تجتمع مع الوجوب في مورد الاجتماع أم لا.

و بكلمة أخرى ان الأمر في الأحكام العقلية العملية كالحسن و القبح و ان كان كما ذكر من انها تابعة للجهات الواصلة، فلا يتصف الشي‏ء بالحسن أو القبح العقلي في الواقع، و انما يتصف به فيما إذا علم المكلف بجهة محسنة أو مقبحة له.

و السر في ذلك هو انه لا واقع لحكم العقل بالحسن و القبح ما عدا إدراكه استحقاق الفاعل الذم على فعل و المدح على آخر. و من المعلوم ان استحقاق الفاعل المدح أو الذم على صدور فعل منه انما يكون في فرض التفاته إلى الجهة المحسنة أو المقبحة له، و الا فلا يعقل اتصافه بذلك.

238

و لكن الأمر في الأحكام الشرعية ليس كذلك، ضرورة انها تابعة للجهات الواقعية في مقام الجعل بلا دخل لعلم المكلف و جهله في ذلك المقام أصلا.

و في مقام الفعلية تابعة لفعلية موضوعها و تحققه في الخارج، و لا دخل لعلم المكلف بالحكم بفعليته أصلا، كما انه لا يضر بها جهله، فلو كانت الأحكام الواقعية تابعة للجهات الواصلة للزم التصويب و انقلاب الواقع لا محالة، فعندئذ يخرج المقام عن محل النزاع، فانه على هذا ليس في مورد الاجتماع حكمان ليتكلم في جواز اجتماعهما فيه و عدم جوازه، بل حكم واحد فحسب، فان المكلف إذا كان جاهلا بالحرمة جهلا عن قصور فلا حرمة في مورد الاجتماع واقعاً، بل هو متمحض في الوجوب، و ان كان العكس فبالعكس، كما هو واضح. و لكنك عرفت فساد هذا المبنى، و ان المؤثر في الأحكام انما هو الجهات الواقعية لا غيرها و عليه فمناط الحرمة في مورد الاجتماع بما انه كان أقوى، كما هو المفروض فلا محالة يكون هو المؤثر، و لا أثر لمناط الوجوب عندئذ أصلا، سواء أ كان المكلف عالما بالحرمة أم كان جاهلا بها عن تقصير أو قصور. فعلى جميع التقادير لا يكون المجمع واجباً اما على التقدير الأول و الثاني فواضح كما اعترف هو (قده) بذلك و اما على التقدير الثالث فلان الجهل لا يوجب انقلاب الواقع، فالواقع باق على ما كان عليه، و ان ملاك الوجوب بما انه مزاحم بما هو أقوى منه فلا أثر له.

و قد تحصل من ذلك ان ما أفاده (قده) في هذه النقطة لا يرجع إلى معنى محصل على وجهة نظره (قده) في باب الاجتماع فضلا عن وجهة نظرنا فيه.

و اما النقطة الخامسة فقد ظهر فسادها مما تقدم من بيان ملاك باب الاجتماع و ملاك باب التعارض و ملاك باب التزاحم. فلا حاجة إلى الإعادة.

كما انه قد تبين على هدى ما ذكرناه ان ما نسب (قده) إلى المشهور من الحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة على القول بالامتناع و تقديم جانب الحرمة

239

على جانب الوجوب في صورة الجهل بالحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور لا يمكن تصديقه بوجه، و ذلك لأن حكمهم بصحة الصلاة في مورد الاجتماع مبني على القول بالجواز و تعدد المجمع و لم يعلم من حالهم انهم حكموا بالصحّة حتى على القول بالامتناع و وحدة المجمع بل المعلوم منهم عكس ذلك يعنى انهم على هذا القول حكموا بالبطلان دون الصحة.

هذا تمام الكلام في الجاهل.

و اما الكلام في الناسي للحكم أو الموضوع فيقع في مقامين:

الأول- فيما إذا كان نسيانه مستندا إلى سوء اختياره بان يكون المكلف مقصراً في ذلك.

الثاني- فيما لا يكون مستنداً إلى اختياره بل هو قاصر في ذلك و معذور فيه.

اما الكلام في المقام الأول فالظاهر بطلان عبادته و فسادها، و ذلك كما إذا فرض ان المكلف غصب ثوبا أو دارا ثم نسي و صلى في ذلك الثوب أو الدار، ففي هذا الحال و ان لم يمكن توجيه التكليف بالحرمة إليه، لاستحالة تكليف الناسي في حال نسيانه، الا ان ملاك الحرمة باق و هو مبغوضية هذا التصرف باعتبار انه منته بالاخرة إلى اختياره، فاذن لا مانع من الحكم باستحقاقه للعقاب من ناحية باعتبار انه منته إلى الاختيار. و فساد عبادته من ناحية أخرى باعتبار ان هذا التصرف مبغوض للمولى، فلا يمكن التقرب به، و هذا واضح.

و اما الكلام في المقام الثاني فالظاهر بل المقطوع به ان عبادته صحيحة، و ذلك لفرض ان النسيان رافع للحرمة واقعاً، فلا يكون المجمع في هذا الحال محرما كذلك، و لا مبغوضا لفرض ان نسيانه كان عن قصور، لا عن تقصير.

هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان المجمع إذا كان جائزا واقعا فلا مانع من شمول إطلاق دليل الأمر له، ضرورة ان المانع من شموله لهذا الفرد هو دليل‏

240

الحرمة و تقديمه على دليل الوجوب و بذلك يقيد إطلاق دليله، فإذا فرض سقوط دليله واقعاً، كما في المقام فلا مانع من شمول إطلاقه له أصلا.

و بتعبير آخر قد ذكرنا ان المعتبر في صحة العبادة امر ان أحدهما ان يقصد القربة و الآخر ان يكون الفعل في نفسه قابلا للتقرب به، و المفروض ان كلا الأمرين في المقام موجود.

اما الأول فلفرض ان المكلف قصد القربة و اما الثاني فلفرض ان الفعل في نفسه سائغ واقعاً، و معه لا مانع من التقرب به بإتيانه بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة، لفرض انها تشمله بعد سقوط دليل المقيد لها واقعاً، و هذا ظاهر.

و من هنا حكمنا بصحة الوضوء في الماء المغصوب نسيانا إذا كان عن قصور و ذلك لفرض ان التصرف فيه جائز واقعا، و معه لا مانع من شمول إطلاق دليل وجوب الوضوء له.

فالنتيجة ان ما نسب إلى المشهور من صحة الصلاة في الدار المغصوبة في حال نسيان الحكم أو الموضوع إذا كان عن قصور متين جدا و لا مناص عنه. و لكن ما نسب إليهم من صحة الصلاة فيها في حال الجهل فقد عرفت انه غير تام.

لحد الآن قد تبين أن ما أفاده (قده) في هذه المقدمة من الثمرة لا يمكن إتمامه بدليل، بل لا يترقب صدوره من مثله (قده).

و بعد ذلك نقول انه (قده) (المحقق صاحب الكفاية) (قده) قد اختار في المسألة القول بالامتناع، و رتب ذلك القول على بيان مقدمات:

الأولى- ما لفظه: انه لا ريب في ان الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها و بلوغها إلى مرتبة البعث و الزجر، ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامة بين البعث نحو واحد في زمان و الزجر عنه في ذاك الزمان، و ان لم يكن بينهما مضادة ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة، لعدم المنافاة و المعاندة بين وجوداتها الإنشائية

241

قبل البلوغ إليها، كما لا يخفى، فاستحالة اجتماع الأمر و النهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال، بل من جهة انه بنفسه محال. فلا يجوز عند من يجوز التكليف بغير المقدور أيضا».

ملخص هذه المقدمة هو ان المضادة و المعاندة بين الأحكام الخمسة انما هي في مرتبة فعليتها و بلوغ تلك الأحكام حد البعث و الزجر الحقيقيّين، فلا مضادة بينها في مرتبة الإنشاء فضلا عن مرتبة الاقتضاء، و استحالة الجمع بين اثنين منها في هذه المرتبة في شي‏ء واحد في زمان من باب استحالة اجتماع الضدين، فلذا لا تختص بمذهب دون آخر، بل هو محال مطلقاً حتى على مذهب الأشعري المجوز للتكليف بالمحال، فان هذا في نفسه محال.

الثانية- ما نصه: «انه لا شبهة في ان متعلق الأحكام هو فعل المكلف و ما هو في الخارج يصدر عنه و هو فاعله و جاعله، و لا ما هو اسمه، و هو واضح، و لا ما هو عنوانه مما قد انتزع عنه بحيث لو لا انتزاعه تصوراً و اختراعه ذهناً لما كان بحذائه شي‏ء خارجا، و يكون خارج المحمول كالملكية و الزوجية و الرقية و الحرية و المغصوبية إلى غير ذلك من الاعتبارات و الإضافات، ضرورة ان البعث ليس نحوه و الزجر لا يكون عنه، و انما يؤخذ في متعلق الأحكام آلة للحاظ متعلقاتها، و الإشارة إليها بمقدار الغرض منها و الحاجة إليها، لا بما هو هو و بنفسه و على استقلاله و حياله».

مرد هذه المقدمة إلى ان الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء و الألفاظ، و لا بالعناوين الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج أصلا، و انما تتعلق تلك الأحكام بافعال المكلفين الصادرة عنهم خارجا، ضرورة ان الغرض سواء أ كان مصلحة أو مفسدة أم كان غيرهما لا يترتب على الأسماء و الألفاظ المجردة، و لا على العناوين الانتزاعية التي لا واقع موضوعي لها و انما يترتب على تلك الأفعال فحسب، و هذا ظاهر.

242

الثالثة- ما لفظه: «انه لا يوجب تعدد الوجه و العنوان تعدد المعنون، و لا تنثلم به وحدته، فان المفاهيم المتعددة و العناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد و تصدق على الفارد الّذي لا كثرة فيه من جهة، بل بسيط من جميع الجهات ليس فيه حيث غير حيث وجهة مغايرة لجهته أصلا، كالواجب تبارك و تعالى فهو على بساطته و وحدته و أحديته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلالية و الجمالية له الأسماء الحسني و الأمثال العليا، لكنها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد، عباراتنا شتى و حسنك واحد و كل إلى ذاك الجمال يشير».

ملخص هذه المقدمة هو ان تعدد العنوان بشتى أنواعه و اشكاله لا يوجب تعدد المعنون في الخارج، ضرورة انه لا مانع من انطباق عناوين متعددة على معنون واحد خارجا أصلا، و لا يوجب تعدده أبدا كانطباق عنوان الأب و الابن و الأخ و الزوج و العالم و القادر و ما شاكل ذلك على شخص واحد و ذات فاردة كزيد- مثلا- بل تنطبق على ذات واحدة بسيطة من تمام الجهات كذاته تعالى شأنه، فان مفاهيم الصفات العليا الذاتيّة كالعالم و القادر و نحوهما و الصفات الفعلية كالخالق و الرازق و المتكلم و المريد و ما شاكل ذلك تنطبق على ذاته الأحدية، مع انها بسيطة في غاية البساطة. نعم تلك الذات البسيطة باعتبار انكشاف الأشياء لديها عالم، و باعتبار قدرتها على التكوين و الإيجاد قادر، و باعتبار خلقها الأشياء خالق، و باعتبار رزقها العالم رازق .. و هكذا، فالاختلاف و التعدد انما هو في الإضافة لا في الذات، كما هو واضح، و كيف كان فتعدد العنوان لا يستدعى تعدد المعنون بحسب الوجود الخارجي.

الرابعة- ما هذا نصه: «انه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد الا ماهية واحدة و حقيقة فاردة لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو الا تلك الماهية، فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كل منهما ماهية و حقيقية

243

كانت عينه في الخارج كما هو شأن الطبيعي و فرده، فيكون الواحد وجودا واحدا ماهية و ذاتاً لا محالة فالمجمع و ان تصادقا عليه متعلقا الأمر و النهي، إلا انه كما يكون واحدا وجودا يكون واحدا ماهية و ذاتاً، و لا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية. و منه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز و الامتناع في المسألة على القولين في تلك المسألة كما توهم في الفصول، كما ظهر عدم الابتناء على تعدد وجود الجنس و الفصل في الخارج و عدم تعدده، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس و الفصل له. و ان مثل الحركة في دار من أي مقولة كانت لا يكاد يختلف حقيقتها و ماهيتها و يتخلف ذاتياتها وقعت جزء للصلاة أولا كانت تلك الدار مغصوبة أولا».

و لنأخذ بتوضيح هذه المقدمة بما يلي: قد يتخيل في المقام كما عن الفصول ان القول بالامتناع و الجواز في مسألتنا هذه يرتكز ان على القول بأصالة الوجود و أصالة الماهية، ببيان انه لا شبهة في ان ماهية الصلاة غير ماهية الغصب، فهما ماهيتان متباينتان يستحيل اتحادهما في الخارج و دخولهما تحت ماهية أخرى، و على هذا فان قلنا بأصالة الماهية في تلك المسألة، فبما ان مناط تأصلها و تحصلها نفسها في الخارج لا وجودها، لأن الفرض انه لا واقع موضوعي له و لا مطابق له في الخارج و المطابق فيه انما هو للماهية، فلا محالة يكون متعلق النهي غير متعلق الأمر تحصلا، ضرورة استحالة اتحاد الماهيتين المتحصلتين خارجا و دخولهما تحت ماهية ثالثة، فاذن لا مناص من القول بالجواز. و اما ان قلنا بأصالة الوجود في تلك المسألة، فبما ان اتحاد الماهيتين في الوجود الخارجي بمكان من الوضوح كاتحاد الماهية الجنسية مع الماهية الفصلية، فلا مناص من القول بالامتناع، و ذلك لأن ماهية الصلاة و ان كانت مغايرة لماهية الغصب بما هما ماهيتان، الا انهما متحدتان في الخارج و توجدان بوجود فارد. و من المعلوم ان وجودا واحدا لا يعقل ان يكون‏

244

مصداقا للمأمور به و المنهي عنه معا.

و ان شئت فقل ان المحقق صاحب الفصول (قده) قد ابتنى القول بالامتناع في المسألة على القول بأصالة الوجود باعتبار ان الوجود في مورد الاجتماع واحد و القول بالجواز على القول بأصالة الماهية باعتبار ان الماهية في مورد الاجتماع متعددة.

و لكن هذا الخيال خاطئ جدا و لا واقع موضوعي له أصلا، و ذلك لأن ماهية الصلاة و ماهية الغصب ليستا من الماهيات المتأصلة المقولية، لتدخل محل النزاع في تلك المسألة أعني مسألة أصالة الوجود و أصالة الماهية، بل هما من الماهيات الانتزاعية و العناوين الاعتبارية التي لا مطابق لها في الخارج ما عدا منشأ انتزاعها سواء فيه القول بأصالة الوجود أو الماهية، فاذن لا يجري فيهما النزاع في تلك المسألة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد عرفت انه لا مانع من انطباق عناوين متعددة على معنون واحد وجودا و ماهية. و من ناحية ثالثة ان محل النزاع في تلك المسألة انما هو في الماهيات المتأصلة المقولية. و من ناحية رابعة انه لا يعقل ان يكون لوجود واحد ماهيتان حقيقيتان أو حدان كذلك، بداهة ان لوجود واحد ماهية واحدة أو حد كذلك، و هذا واضح.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي هي ان مسألتنا هذه أجنبية عن تلك المسألة بالكلية و لا تبتنى عليها أصلا، و ذلك لأن المجمع إذا كان له وجود واحد فلا محالة يكون له ماهية واحدة أو حد كذلك، و لا يعقل ان تكون له ماهيتان حقيقيتان أو حدان كذلك، سواء فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهية و لا فرق بينهما من هذه الناحية أبدا، ضرورة ان الوجود الواحد لا يعقل ان يكون وجوداً لماهيتين متباينتين، كيف فانه ان كان وجودا لهذه الماهية، فلا يمكن ان يكون لتلك و بالعكس.

و اما إذا فرض ان للمجمع في مورد الاجتماع وجودين فلا محالة تكون له‏

245

ماهيتان، بداهة ان لكل وجود ماهية واحدة، فلا يعقل ان تكون الماهية الواحدة ماهية لوجودين. و عليه فلا مناص من القول بالجواز بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر. و من الواضح انه لا فرق في ذلك بين القول بأصالة الوجود في تلك المسألة و أصالة الماهية فيها.

فالنتيجة ان المفروض في المسألة بما ان المطابق في مورد الاجتماع واحد، سواء أ كان ذلك المطابق مطابقاً للماهية بالذات و للوجود بالعرض، بناء على أصالة الماهية أم كان بالعكس، بناء على أصالة الوجود، فلا يعقل فيه اجتماع الأمر و النهي و هذا واضح.

و من هنا يظهر فساد ما ذكر في الفصول أيضاً من ابتناء القول بالجواز و الامتناع على تعدد وجود الجنس و الفصل و عدمه، بدعوى ان مورد الأمر إذا كان الماهية الجنسية، و مورد النهي الماهية الفصلية، فان كانت الماهيتان متحدتين في الخارج و موجودتين بوجود واحد، فلا مناص من القول بالامتناع، و ان كانا متعددتين فيه بحسب الوجود فلا مناص من القول بالجواز.

وجه الظهور ما عرفت آنفاً من ان ماهية الصلاة و ماهية الغصب ليستا من الماهيات الحقيقية المقولية، لتكون إحداهما جنساً و الأخرى فصلا، بل هما من المفاهيم الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج أصلا ليقال انهما موجودتان فيه بوجود واحد أو بوجودين.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان ماهية الصلاة و ماهية الغصب من الماهيات الحقيقية المقولية، الا ان من الواضح جدا ان ماهية الصلاة ليست جنساً و ماهية الغصب ليست فصلا مقوما لها، ضرورة ان الماهية الفصلية لا تنفك عن الماهية الجنسية، فان نسبتها إليها نسبة الصورة إلى المادة. و من المعلوم استحالة انفكاك الصورة عن المادة، مع ان الغصب ينفك عن الصلاة بكثير، بحيث ان نسبة مادة

246

اجتماعهما إلى مادة افتراقهما نسبة الواحد إلى الألوف. و عليه فكيف يكون الغصب فصلا و الصلاة جنساً له، كما ان توهم كون الحركة في مورد الاجتماع بما هي حركة جنساً و الصلاتية و الغصبية فصلان لها واضح الفساد و ذلك لاستحالة ان يكون لشي‏ء واحد فصلان مقومان، فان فعلية الشي‏ء انما هي بفصله و صورته.

و من الواضح انه لا يعقل ان يكون لشي‏ء واحد صورتان. على انك عرفت ان مفهوم الصلاة و الغصب من المفاهيم الانتزاعية. و من الطبيعي ان المفهوم الانتزاعي لا يصلح ان يكون فصلا، كيف فان فعلية الشي‏ء و وجوده انما هي بفصله، و المفروض ان الأمر الانتزاعي لا وجود له في الخارج، و معه لا يعقل كونه فصلا.

فالنتيجة هي انه لا أصل لابتناء القول بالجواز و الامتناع في هذه المسألة على كون التركيب بين الجنس و الفصل هل هو اتحادي أو انضمامي؟ ضرورة انه لا صلة لإحدى المسألتين بالأخرى أبدا. على انه لا إشكال في كون التركيب بينهما اتحاديا.

نعم قد يقال ان الأمر لو تعلق بالجنس في مقام و النهي تعلق بالفصل يبتني القول بالجواز و الامتناع على كون التركيب بينهما اتحاديا أو انضمامياً، فعلى الأول لا مناص من القول بالامتناع، لاستحالة اجتماع الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد، و على الثاني فلا مانع من القول بالجواز، لفرض ان متعلق الأمر عندئذ غير متعلق النهي و ان كانا متلازمين في مورد الاجتماع بحسب الوجود الخارجي و يحتمل ان يكون غرض المحقق صاحب الفصول (قده) أيضاً ذلك، لا ان غرضه هو ان الأمر في خصوص الصلاة و الغصب كذلك، و كيف كان فهذا أيضاً غير تام، و ذلك لأن المسألة على هذا الشكل تدخل في كبرى مسألة المطلق و المقيد، فيجري عليهما أحكامها من حمل المطلق على المقيد، هذا مضافا إلى ان الجنس‏

247

و الفصل متحدان في الخارج و موجودان بوجود واحد، فلا يعقل ان يكونا موجودين بوجودين فيه.

و بعد ذلك نقول ان النتيجة على ضوء هذه هي انه لا مناص من القول بالامتناع، لفرض ان الأحكام متضادة فلا يمكن اجتماع اثنين منها في شي‏ء واحد بمقتضى المقدمة الأولى و لفرض ان المجمع في مورد الاجتماع واحد وجودا و ماهية بمقتضي المقدمة الثانية و الثالثة و الرابعة.

ثم ذكر انه قد يتوهم ان محذور اجتماع الضدين في شي‏ء واحد يرتفع على القول بتعلق الأحكام بالطبائع دون الافراد، ببيان ان الطبائع من حيث هي هي التي ليست الا ذاتها و ذاتياتها و ان كانت غير قابلة لأن تتعلق بها الأحكام الشرعية الا انها مقيدة بالوجود الخارجي- على نحو كان القيد و هو الوجود خارجا و التقيد به داخلا- قابلة لأن تتعلق بها الأحكام، و على هذا فلا يكون متعلقا الأمر و النهي متحدين أصلا، لا في مقام تعلق الأمر و النهي، و لا في مقام عصيان النهي و إطاعة الأمر بإتيان المجمع بسوء الاختيار.

اما في المقام الأول فلتعدد متعلقهما بما هما متعلقان و ان كانا متحدين في الوجود، الا انك عرفت ان الوجود قيد خارج عن المتعلق، و التقيد به داخل و اما في المقام الثاني فلسقوط أحدهما بالإطاعة و الآخر بالعصيان، اذن فلا اجتماع بين الحكمين في واحد.

و لكن هذا التوهم خاطئ و ذلك لما سبق من ان مورد الحكم انما هو فعل المكلف بواقعه و حقيقته الصادرة منه، لا بعنوانه العارض عليه. و قد عرفت ان الفعل في مورد الاجتماع واحد وجودا و ماهية، و ان تعدد العنوان لا يوجب تعدده، و المفروض ان الصلاة و الغصب ليستا من الماهيات الحقيقية المقولية، لتكونا متعلقتين للأمر و النهي، بل هما من المفاهيم الانتزاعية التي‏

248

لا مطابق لها في الخارج، و انما تؤخذ في متعلقات الأحكام بما هي حاكميات و إشارات إلى ما هو المتعلق في الواقع، لا بما هي على حيالها و استقلالها. هذا تمام ما أفاده (قده) في وجه القول بالامتناع، و لعله أحسن ما قيل في المقام.

و لنأخذ بالنقد على بعض تلك المقدمات و بذلك تبطل النتيجة التي أخذها (قده) من هذه المقدمات، و هي القول بالامتناع مطلقاً. بيان ذلك:

اما المقدمة الأولى فقد ذكرنا غير مرة ان حديث تضاد الأحكام بعضها مع بعضها الآخر في نفسها و ان كان امرا معروفا بين الأصحاب قديماً و حديثاً، إلا انه مما لا أصل له، و ذلك لما حققناه من ان الأحكام الشرعية أمور اعتبارية فلا واقع لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار. و من الواضح جدا انه لا مضادة بين نفس اعتباري الوجوب و الحرمة ذاتاً، بداهة انه لا تنافي بين نفس اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف و بين اعتباره محرومية المكلف عنه بالذات، مع قطع النّظر عن مبدئهما و منتهاهما، فان الاعتبار خفيف المئونة، فلا مانع من اعتبار وجوب شي‏ء و حرمته معاً.

و الوجه في ذلك هو ان المضادة انما تكون طارئة على الموجودات التكوينية الخارجية كالبياض و السواد و الحركة و السكون و ما شاكل ذلك و من صفاتها. و اما الأمور الاعتبارية فالمفروض انه لا واقع لها ما عدا اعتبار المعتبر، ليكون بعضها مضاداً مع بعضها الآخر.

نعم المضادة بين الأحكام من ناحيتين:

الأولى- من جهة المبدأ أعني اشتمال الفعل على المحبوبية و المبغوضية.

الثانية- من جهة المنتهى أعني مرحلة الامتثال و الإطاعة.

اما من ناحية المبدأ فلان الوجوب و الحرمة بناء على وجهة نظر مذهب‏

249

العدلية كاشفان عن المحبوبية و المبغوضية في متعلقه. و عليه فلا يمكن اجتماع الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد، و ذلك لاستحالة ان يكون شي‏ء واحد محبوبا و مبغوضاً معاً، فمن هذه الناحية لا يمكن اجتماعهما في شي‏ء واحد و في زمان فارد لا بالذات و الحقيقة.

فالنتيجة ان المضادة بين الوجوب و الحرمة انما هي بالعرض و المجاز، فانها في الحقيقة بين المحبوبية و المبغوضية و المصلحة الملزمة و المفسدة كذلك، كما هو واضح.

و اما من ناحية المنتهى فلأن اجتماعهما في شي‏ء واحد يستلزم التكليف بالمحال و بغير المقدور، لفرض ان المكلف في هذا الحال غير قادر على امتثال كليهما معاً.

و اما ما ذكره (قده) من ان المضادة بين الأحكام الشرعية انما هي في مرتبة فعليتها و بلوغها حد البعث و الزجر مبنى على نقطة واحدة، و هي ان تكون الأحكام من قبيل الاعراض الخارجية، فكما ان المضادة بين الاعراض انما كانت في مرتبة فعليتها و وجودها في الخارج، لوضوح انه لا مضادة بين السواد و البياض قبل فعليتهما و وجودهما فيه .. و هكذا، فكذلك المضادة بين الأحكام الشرعية انما تكون في مرتبة فعليتها و وجوداتها في الخارج فلا مضادة بين الوجوب و الحرمة قبل وجودهما فيه و بلوغهما حد البعث و الزجر.

و لكن تلك النقطة خاطئة جداً، و ذلك لأن الأحكام الشرعية ليست من سنخ الاعراض الخارجية، لتكون المضادة بينها في مرتبة فعليتها و وجوداتها في الخارج، لما ذكرناه من ان المضادة صفة عارضة على الموجودات الخارجية، فلا مضادة بينها قبل وجوداتها، بل هي من الأمور الاعتبارية التي ليس لها واقع موضوعي. و قد تقدم انه لا مضادة بينها بالذات و الحقيقة و المضادة بينها اما من ناحية المبدأ أو من ناحية المنتهى. اما من ناحية المبدأ فالمضادة بينها انما هي في مرتبة جعلها، فلا يمكن جعل الوجوب و الحرمة على شي‏ء واحد. و من الواضح‏

250

ان المضادة في هذه المرتبة لا تتوقف على فعليتهما و بلوغهما حد البعث و الزجر ضرورة ان المضادة بين نفس الجعلين، فلا يمكن تحقق كليهما معاً. و اما من ناحية المنتهى فالمضادة بينها و ان كانت في مرتبة فعليتها، الا انها بالعرض و المجاز فانها ناشئة عن عدم قدرة المكلف على الجمع بينها في مقام الامتثال و إلا فلا مضادة بينها أصلا.

و على الجملة فجعل الوجوب و الحرمة لشي‏ء واحد وجودا و ماهية مستحيل على جميع المذاهب و الآراء، بداهة ان استحالة اجتماع الضدين في شي‏ء واحد لا تختص بوجهة نظر دون آخر، و لا تتوقف استحالة ذلك على فعليتهما أبدا و هذا ظاهر.

فما أفاده (قده) من ان التضاد بين الأحكام انما هو في مرتبة فعليتها دون مرتبة الإنشاء لا يرجع إلى معنى محصل أصلا كما لا يخفى.

و اما المقدمة الثانية فالامر كما أفاده (قده) من ان الأحكام لا تتعلق بالعناوين الانتزاعية التي لا مطابق لها في الخارج بحيالها و استقلالها. نعم تؤخذ تلك العناوين في متعلقات الأحكام لا بما هي هي، بل بما هي معرفة و مشيرة إلى ما هو المتعلق في الواقع، كما انها لا تتعلق بالأسماء و الألفاظ كذلك، و انما تتعلق بطبيعي الأفعال الصادرة عن المكلفين في الخارج.

و اما المقدمة الرابعة فالامر أيضاً كما أفاده (قده) و الوجه فيه ما تقدم من استحالة ان يكون لشي‏ء واحد ماهيتان في عرض واحد أو حد ان كذلك. نعم يمكن ان يكون له ماهيات طولا باعتبار أجناسه العالية و المتوسطة و القريبة و لكن لا يمكن ان يكون له ماهيتان نوعيتان عرضاً، فان لازم ذلك هو ان يكون شي‏ء واحد متفصلا بفصلين يكون كل منهما مقوما له، و من الواضح استحالة ذلك كاستحالة دخول شي‏ء تحت مقولتين من المقولات العشرة، ضرورة ان‏

251

المقولات أجناس عاليات و متباينات بالذات و الحقيقة، فيستحيل اندراج مقولتين منها تحت مقولة واحدة، كما انه يستحيل ان يكون شي‏ء واحد مندرجا تحت مقولتين منها. فالنتيجة قد أصبحت لحد الآن انه كما يستحيل صدق المقولتين على شي‏ء واحد كذلك يستحيل تفصل شي‏ء واحد بفصلين و لو كانا من مقولة واحدة.

و اما المقدمة الثالثة (و هي ان تعدد العنوان لا يوجب تعدد المعنون) فغير تامة، و ذلك لأن هذه الكبرى لا تصدق إلا على نحو الموجبة الجزئية، و معها لا تنتج النتيجة المزبورة و هي القول بالامتناع، لفرض انه (قده) لم يبرهن ان المعنون واحد في جميع موارد الاجتماع، و غاية ما برهن ان تعدد العنوان لا يقتضي تعدد المعنون. و من المعلوم ان عدم الاقتضاء أعم من ان يكون واحدا أو متعدداً، فاذن لا بد من ملاحظة المجمع في مورد الاجتماع في نفسه، و مجرد تعدد العنوان، كما لا يكشف عن تعدد المعنون فيه، كذلك لا يكشف عن وحدته، فلا أثر له بالإضافة إلى تعدده و وحدته أصلا. و من هنا استشكل شيخنا الأستاذ (قده) بأنها لا تتم على إطلاقها، و ذلك لأن العنوانين المنطبقين على شي‏ء في الخارج ان كانا من العناوين الانتزاعية و المفاهيم الاعتبارية التي تنتزع من الجهات التعليلية و لا واقع موضوعي لها، فمن الواضح ان تعددها لا يوجب تعدد المعنون أبدا. و من هنا قال (قده) انا قد ذكرنا في بحث المشتق ان صدق كل عنوان اشتقاقي على ذات معلول لقيام المبدأ بها بنحو من أنحاء القيام.

و على هذا الضوء فلا محالة تكون جهة الصدق و الانطباق في صدق العناوين الاشتقاقية على ذات واحدة و انطباق تلك العناوين عليها تعليلية لا تقييدية إذ المفروض ان المعنون واحد و لا تعدد فيه أصلا لا وجودا و لا ماهية، و التعدد انما هو في الاعراض القائمة بذلك الموجود الواحد التي توجب انتزاع تلك العناوين في الخارج فصدق كل عنوان معلول لعرض قائم به- مثلا- صدق عنوان العالم عليه معلول‏

252

لقيام العلم به، و صدق عنوان العادل عليه معلول لقيام العدل به، و صدق عنوان الشجاع معلول لقيام الشجاعة .. و هكذا. و عليه فيكون صدق كل من هذه العناوين على هذا الشخص الواحد معلولا لعلة غير ما هو علة لصدق الآخر، كما هو واضح.

فالنتيجة هي ان الجهات في صدق العناوين الاشتقاقية بما انها جهات تعليلية فتعددها لا يوجب تعدد المعنون الخارج. و من هنا يكون التركيب بين العنوانين الاشتقاقيين كالأبيض و الحلو و المصلى و العاصب و ما شاكلهما في مورد الاجتماع اتحاديا، لفرض ان المعنون واحد وجودا و ماهية، و التعدد انما يكون في العرضين القائمين به.

و اما إذا كانا العنوانان من العناوين الذاتيّة كالعلم و الشجاعة و القدرة و ما شابه ذلك، فمن الطبيعي ان تعددها يوجب تعدد المعنون في الخارج، ضرورة ان الجهات فيها تقييدية، فلا يعقل اتحاد العنوانين منها خارجا، و لا يمكن ان يكون التركيب بينهما اتحاديا، بداهة ان التركيب الاتحادي انما يعقل بين جزءين يكون أحدهما قوة محضة و الآخر فعلية كذلك كالمادة و الصورة، و اما بين الاتحاد امرين فعليين فلا يعقل، لوضوح ان كل فعلية تأبى عن فعلية أخرى.

و على هذا الضوء فلا محالة تكون جهة الصدق في صدق كل من تلك المبادي جهة تقييدية. و من الواضح ان الجهة التقييدية توجب تعدد المعنون خارجا- مثلا- ما ينطبق عليه عنوان العلم غير ما ينطبق عليه عنوان العدل في الخارج، لاستحالة اتحادهما فيه، غاية الأمر انهما يكونان متلازمين في الوجود في مورد الاجتماع.

و الوجه في ذلك هو ان المبدأ المأخوذ بشرط لا بما انه ماهية واحدة و حقيقة فاردة فلا محالة يكون محفوظا بتمام ماهيته أينما سرى و تحقق، ضرورة ان الصلاة