محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
303

من ان يكون شديدا أو ضعيفاً أو متوسطاً و لا رابع في البين، و كذا الحركة الموجودة فيه، فلو كانت الشدة و الضعف في الفرد الشديد و الضعيف متممين لهما لكان التوسط في الفرد المتوسط أيضاً كذلك، ضرورة عدم الفرق بينهما من هذه الناحية أبدا، مع انهم لا يقولون بذلك فيه.

فالنتيجة انه لا يرجع متمم المقولة إلى معنى محصل أصلا، فان الشدة في الخارج عين الفرد الشديد، لا انها متممة له، و كذا الضعف في الفرد الضعيف .. و هكذا.

الثالث- (و هو التوضؤ أو الاغتسال من الإناء المغصوب) قد ظهر الحال فيه مما ذكرناه في آنية الذهب و الفضة، فان الكلام فيه من هذه الناحية أي من ناحية الوضوء أو الغسل منه بعينه هو الكلام فيها، بناء على ان يكون مطلق التصرف فيها محرما، كما ان الكلام فيه بعينه هو الكلام فيها من ناحية جواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه. و قد تقدم ان الظاهر من كلامه (قده) هو جواز الاجتماع في أمثال ذلك، ببيان ان المأمور به هو فرد من افراد المقولة و هو التوضؤ أو الاغتسال الموجود في الخارج، فانه عبارة عن إيصال الماء إلى البدن و المنهي عنه و هو استعماله ليس داخلا في إحدى المقولات التسع العرضية بل هو متمم لمقولة من المقولات فمن يقول بجواز اجتماع الأمر و النهي في المسألة يقول في المقام أيضاً.

و لكن قد عرفت ان هذا من غرائب كلامه (قده)، و ذلك لأن الوضوء أو الغسل منه إذا كان تصرفا فيه، كما هو المفروض و استعمالا له فلا يعقل ان يكون مأمورا به، ضرورة استحالة كون المنهي عنه مصداقا له، كما انه لا وجه لما أفاده (قده) من صحة الوضوء أو الغسل منه في صورة الجهل عن قصور.

و قد تقدم الكلام من هذه الناحية في آنية الذهب و الفضة بشكل واضح فلا نعيد.

304

الرابع (و هو التوضؤ أو الاغتسال في الدار المغصوبة-) قد تقدم الكلام فيه في بحث الضد بشكل مفصل، و ملخصه: هو ان المكلف تارة متمكن من الوضوء أو الغسل في غير المكان المغصوب، و تارة أخرى لا يتمكن منه في غيره لانحصار الماء فيه، فعلى الأول بما ان متعلق الأمر هنا غير متعلق النهي حيث ان الأول عبارة عن الغسلتين و المسحتين- مثلا- و الثاني عبارة عن الكون في الدار، و المفروض انهما لا ينطبقان على موجود واحد في الخارج، فلا مانع من القول بالجواز .. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان وظيفة المكلف في هذا الفرض و ان كانت هي التيمم، لفرض انه لا يتمكن من الوضوء أو الغسل شرعا و ان تمكن منه عقلا. و قد ذكرنا في غير مورد ان مشروعية الوضوء أو الغسل مشروطة بالتمكن من استعمال الماء عقلا و شرعا، و في المقام بما ان الوضوء أو الغسل يتوقف على ارتكاب محرم- و هو التصرف في مال الغير فلا يتمكن منه فاذن لا محالة تكون وظيفته التيمم لكونه فاقدا للماء.

فالنتيجة على ضوئهما هي- ان المكلف لو عصى و دخل الدار المغصوبة فتوضأ أو اغتسل فلا إشكال في صحته، بناء على ما حققناه من إمكان الترتب و هذا واضح. و على الثاني فلا شبهة في صحة الوضوء أو الغسل و لو قلنا بالفساد في الفرض الأول، و ذلك لأن الصحة في هذا الفرض لا تتوقف على القول بالترتب بل لو قلنا باستحالته فمع ذلك يكون صحيحاً. و الوجه فيه هو ان المكلف مأمور بالطهارة المائية فعلا، لتمكنه منها، غاية الأمر انه بسوء اختياره فقد ارتكب المحرم بدخوله في المكان المزبور. و من الظاهر ان ارتكاب محرم مقدمة للوضوء أو الغسل أو في أثنائه إذا لم يكن متحدا معه لا يوجب فساده، هذا كله فيما إذا لم يكن الفضاء مغصوبا، بل كان مباحا أو مملوكا للمتوضئ.

الخامس- (و هو التوضؤ أو الاغتسال في الفضاء المغصوب) ان الظاهر بطلان‏

305

الوضوء فحسب دون الغسل، اما الوضوء فمن ناحية المسح حيث يعتبر فيه إمرار اليد و هو نحو تصرف في ملك الغير، فيكون محرما. و من الواضح استحالة وقوع المحرم مصداقا للواجب، فاذن لا بد من القول بالامتناع هنا لفرض اتحاد المأمور به مع المنهي عنه في مورد الاجتماع، و لا يفرق في ذلك بين صورتي انحصار الماء فيه أي في الفضاء المغصوب و عدم انحصاره فيه. نعم لو تمكن المكلف من إيقاع المسح في غير الفضاء المغصوب و أوقع فيه لصح وضوؤه على الأقوى و ان كان الأحوط تركه.

و على الجملة فوظيفة المكلف في صورة الانحصار و ان كانت هي التيمم و لكنه لو دخل في الفضاء المغصوب و توضأ فيه، فان أوقع المسح في غير الفضاء المغصوب لكان وضوؤه صحيحاً، بناء على ما حققناه من إمكان الترتب، و ان أوقع المسح فيه لكان فاسدا، لاستحالة كون المنهي عنه مصداقا للمأمور به، لفرض ان المسح تصرف في ملك الغير، و معه لا يمكن ان يكون واجباً.

و من هنا استشكلنا في صحة التيمم في الفضاء المغصوب من جهة ان المعتبر فيه إمرار اليد و هو نحو تصرف فيه. و لا يفرق في هذا بين وجود المندوحة و عدمها.

و اما الغسل فبما انه لا يعتبر فيه إمرار اليد فلا يكون تصرفا فيه، لفرض ان الواجب فيه وصول الماء إلى البشرة و من المعلوم انه لا يكون تصرفا فيه و التصرف انما يكون في مقدماته، كما هو واضح، فاذن لا مانع من القول بالجواز في المقام و الالتزام بصحة الغسل، بناء على ما ذكرناه من إمكان الترتب و وقوعه خارجا.

306

أدلة جواز الاجتماع‏

الأول- ان اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد لو لم يكن جائزاً لم يقع في الشريعة المقدسة، مع انه واقع فيها، كما في موارد العبادات المكروهة، حيث قد اجتمع فيها الوجوب مع الكراهة مرة كما في الصلاة في الحمام و الصلاة في مواضع التهمة و نحوهما، و الاستحباب معها مرة أخرى كما في النوافل المبتدأة.

و من الواضح جداً ان وقوع شي‏ء في الخارج أدل دليل على إمكانه و جوازه هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الأحكام الخمسة بأسرها متضادة اما من ناحية المبدأ أو من ناحية المنتهى، و الجامع هو انه لا يمكن اجتماع اثنين منها في شي‏ء واحد، فكما انه لا يمكن اجتماع الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد فكذلك لا يمكن اجتماع الوجوب و الكراهة فيه .. و هكذا.

فالنتيجة على ضوئهما هي ان من وقوع اجتماع الوجوب و الكراهة في شي‏ء واحد يكشف عن انه لا مانع من اجتماع مطلق الأمر و النهي فيه، سواء أ كانا إلزاميين أم لا.

ثم ان المحقق صاحب الكفاية (قده) قد عد من أمثلة ذلك الصيام في السفر.

و غير خفي ان الصوم في السفر ليس مثالا لمحل الكلام هنا. و الوجه في ذلك هو انه ليس بمأمور به في غير الموارد المستثناة لا وجوبا و لا استحبابا، ليلزم اجتماع الوجوب أو الاستحباب مع الكراهة، ضرورة انه غير مشروع في ما عدا تلك‏

307

الموارد و الإتيان به بقصد الأمر تشريع و محرم، فاذن لا وجه لعده من أمثلة المقام. و اما في موارد استثنائه كما إذا نذر الصوم في السفر فليس بمكروه، ليلزم اجتماع الوجوب مع الكراهة.

و قد أجاب المحقق صاحب الكفاية(قده) عن هذا الدليل بوجهين:

الأول بالإجمال. و الثاني بالتفصيل:

اما جوابه الإجمالي فإليك نصه: «فبأنه لا بد من التصرف و التأويل فيما وقع في الشريعة مما ظاهره الاجتماع بعد قيام الدليل على الامتناع، ضرورة ان الظهور لا يصادم البرهان، مع ان قضية ظهور تلك الموارد اجتماع الحكمين فيها بعنوان واحد، و لا يقول الخصم بجوازه كذلك. بل بالامتناع ما لم يكن بعنوانين و بوجهين فهو أيضاً لا بد له من التفصي عن إشكال الاجتماع فيها سيما إذا لم يكن هناك مندوحة، كما في العبادات المكروهة التي لا بدل لها، فلا يبقى له مجال للاستدلال بوقوع الاجتماع فيها على جوازه أصلا كما لا يخفى».

و نوضح ما أفاده (قده) في عدة نقاط:

الأولى- ان الظاهر من هذه الموارد و ان كان اجتماع الحكمين في شي‏ء واحد الا انه لا بد من رفع اليد عن هذا الظاهر و التصرف فيه و تأويله من ناحية قيام الدليل القطعي على الامتناع و استحالة اجتماعهما في موضوع واحد، بداهة ان الظهور مهما كان لونه لا يمكن ان يصادم البرهان العقلي الّذي قام على استحالة الاجتماع بمقتضى المقدمات المتقدمة.

الثانية- ان هذه الموارد التي توهم اجتماع حكمين فيها لشي‏ء واحد خارجة عن مورد النزاع في المسألة. و الوجه في ذلك هو ان النزاع فيها ما إذا كان الأمر متعلقاً بعنوان كالصلاة- مثلا- و النهي تعلق بعنوان آخر كالغصب، و قد اتفق اجتماعهما في مورد واحد كالصلاة في الدار المغصوبة، فعندئذ يقع النزاع فالقائل‏

308

بالجواز يدعى ان تعدد العنوان يكفي للقول بجواز الاجتماع، و القائل بالامتناع يدعى انه لا يكفى، فالعبرة انما هي بوحدة المعنون و تعدده، لا بوحدة العنوان و تعدده، و اما إذا فرض تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد بعنوان فهو خارج عن محل النزاع، ضرورة انه لا يقول أحد بالجواز فيه حتى من القائلين به فضلا عن غيرهم فانهم انما يقولون بالجواز فيما إذا فرض تعلق كل من الأمر و النهي به بعنوان و المفروض ان في موارد العبادات المكروهة ليس الأمر كذلك فان النهي في تلك الموارد تعلق بعين ما تعلق به الأمر لا بغيره. و الفرق بينهما بالإطلاق و التقييد.

و على الجملة فالامر في هذه الموارد تعلق بذات العبادات و النهي تعلق بها بعنوان خاص كالنهي عن الصوم في يوم عاشوراء و النهي عن الصلاة في الحمام مثلا فلم يتعلق الأمر بها بعنوان و النهي بعنوان آخر كانت النسبة بينهما عموما من وجه، فاذن تلك الموارد خارجة عن محل الكلام في المسألة.

الثالثة- ان القائلين بالجواز انما يقولون به فيما إذا كانت هناك مندوحة، و اما إذا فرض انه لا مندوحة في البين فلا يقولون بالجواز فيه أصلا. و عليه فلا يمكن القول بالجواز في مثل صوم يوم عاشوراء و النوافل المبتدأة و ما شاكلهما مما لا بدل له و لنأخذ بالنظر في هذه النقاط.

اما النقطة الأولى فالامر كما ذكره (قده) و ذلك لما تقدم من ان المعنون إذا كان واحداً وجودا و ماهية في مورد الاجتماع فلا مناص من القول بالامتناع و بما ان المعنون في موارد العبادات المكروهة واحد فلا بد من التوجيه و التأويل بعد استحالة كون شي‏ء واحد مصداقا للمأمور به و المنهي عنه معاً.

و اما النقطة الثانية فهي في غاية الصحة و المتانة، ضرورة ان أمثال هذه الموارد التي تعلق الأمر و النهي فيها بشي‏ء بعنوان واحد خارجة عن محل النزاع في المسألة، كما تقدم الكلام في ذلك بشكل واضح.

309

و اما النقطة الثالثة فيرد عليها ما تقدم من انه لا دخل لقيد المندوحة في جواز الاجتماع أصلا، لما عرفت من ان القول بالجواز يبتني على تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً و ماهية، فإذا كان متعددا كذلك لا مناص من القول به سواء أ كانت هناك مندوحة أم لا كما ان القول بالامتناع يبتنى على وحدة المجمع فيه، فإذا كان واحدا كذلك لا مناص من القول به و لو كانت هناك مندوحة، فلا دخل لقيد المندوحة و لا لعدمه في جواز الاجتماع و عدمه أصلا.

و اما جوابه التفصيليّ فإليك نصه: «ان العبادات المكروهة على ثلاثة أقسام:

أحدها- ما تعلق به النهي بعنوانه و ذاته و لا بدل له كصوم يوم عاشوراء أو النوافل المبتدأة في بعض الأوقات. ثانيهما- ما تعلق النهي به كذلك، و يكون له البدل كالنهي عن الصلاة في الحمام. ثالثها- ما تعلق النهي به لا بذاته، بل بما هو مجامع معه وجوداً أو ملازم له خارجا كالصلاة في مواضع التهمة، بناء على ان يكون النهي عنها لأجل اتحادها مع الكون في مواضعها.

اما القسم الأول: فالنهي تنزيهاً عنه بعد الإجماع على انه يقع صحيحاً و مع ذلك يكون تركه أرجح كما يظهر من مداومة الأئمة (عليهم السلام) على الترك اما لأجل انطباق عنوان ذي مصلحة على الترك فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض، و ان كان مصلحة الترك أكثر، فهما حينئذ يكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين فيحكم بالتخيير بينهما لو لم يكن أهم في البين، و إلا فيتعين الأهم، و ان كان الآخر يقع صحيحاً حيث انه كان راجحاً و موافقاً للغرض، كما هو الحال في سائر المستحبات المتزاحمات بل الواجبات، و أرجحية الترك من الفعل لا توجب حزازة و منقصة فيه أصلا، كما يوجبها ما إذا كان فيه مفسدة غالبة على مصلحته و لذا لا يقع صحيحاً على الامتناع، فان الحزازة و المنقصة فيه مانعة عن صلاحية التقرب به، بخلاف المقام فانه على ما هو عليه من الرجحان و موافقة الغرض‏

310

كما إذا لم يكن تركه راجحاً بلا حدوث حزازة فيه أصلا. و اما لأجل ملازمة الترك لعنوان كذلك من دون انطباقه عليه، فيكون كما إذا انطبق عليه من غير تفاوت، الا في ان الطلب المتعلق به حينئذ ليس بحقيقي، بل بالعرض و المجاز و انما يكون في الحقيقة متعلقاً بما يلازمه من العنوان، بخلاف صورة الانطباق لتعلقه به حقيقة، كما في سائر المكروهات من غير فرق الا ان منشأه فيها حزازة و منقصة في نفس الفعل، و فيه رجحان في الترك من دون حزازة في الفعل أصلا، غاية الأمر كون الترك أرجح. نعم يمكن ان يحمل النهي في كلا القسمين على الإرشاد إلى الترك الّذي هو أرجح من الفعل أو ملازم لما هو الأرجح و أكثر ثوابا لذلك. و عليه يكون النهي على نحو الحقيقة لا بالعرض و المجاز فلا تغفل».

توضيح ما أفاده (قده) هو ان الكراهة في هذه الموارد ليست كراهة مصطلحة و هي التي تنشأ عن مفسدة في الفعل و حزازة و منقصة فيه، فان الكراهة في المقام لو كانت كراهة مصطلحة ناشئة عن مفسدة في الفعل غالبة على مصلحته لم يقع الفعل في الخارج صحيحاً، ضرورة عدم إمكان التقرب بما هو مبغوض للمولى و مشتمل على مفسدة غالبة، مع انه لا شبهة في وقوعه صحيحاً و إمكان التقرب به، غاية الأمر ان تركه أرجح من فعله- مثلا- لا شبهة في صحة الصوم يوم عاشوراء و انه قابل لأن يتقرب به محبوب للمولى في نفسه، و ليس النهي المتعلق به ناشئاً عن مفسدة و مبغوضية فيه، ضرورة انه لو كان ناشئاً عنها لخرج عن قابلية التقرب، و لا يمكن الحكم بصحته أبداً، لوضوح انه لا يمكن التقرب بما هو مبغوض للمولى، بل هو ناش عن رجحان تركه الطبيعة المأمور بها مع بقاء الفعل على ما هو عليه من المصلحة و المحبوبية كما يظهر من مداومة الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على ذلك.

و عليه فلا محالة يكون هذا الرجحان اما من ناحية انطباق عنوان ذي‏

311

مصلحة عليه، فيكون الترك كالفعل ذا مصلحة موافقة للغرض و ان كانت مصلحة الترك غالبة على مصلحة الفعل، حيث انه في نفسه محبوب و مشتمل على مصلحة موافقة لغرض المولى فالصوم يوم عاشوراء كبقية افراد الصوم. و لكن بما ان بني أمية عليهم اللعنة التزموا بصوم هذا اليوم شكرا و فرحا من الانتصار الظاهر المزعوم فتركه فيه مخالفة لهم، و هي مطلوبة للشارع، و لأجل انطباق هذا العنوان أعني عنوان المخالفة على هذا الترك يكون ذا مصلحة غالبة على مصلحة الفعل فاذن يكون الفعل و الترك من قبيل المستحبين المتزاحمين، و حيث ان المكلف لا يتمكن من الجمع بينهما في مقام الامتثال فلا بد من الالتزام بالتخيير إذا لم يكن أحدهما أهم من الآخر، و الا فيقدم الأهم على غيره، و في المقام بما ان الترك أهم من الفعل فيقدم عليه، و ان كان الفعل أيضاً يقع صحيحاً، لعدم قصور فيه أصلا من ناحية الوفاء بغرض المولى و محبوبيته، كما هو الحال في جميع موارد التزاحم بين المستحبات، فانه يصح الإتيان بالمهم عند ترك الأهم من جهة اشتماله على الملاك و محبوبيته في نفسه، بل الأمر كذلك في الواجبات المتزاحمات، فانه يصح الإتيان بالمهم عند ترك الأهم، لا من ناحية الترتب، لما تقدم في بحث الضد من انه (قده) من القائلين باستحالة الترتب و عدم إمكانه، بل من ناحية اشتماله على الملاك و المحبوبية.

و ان شئت فقل ان النهي في أمثال هذه الموارد غير ناش عن مفسدة في الفعل و مبغوضية فيه، بل هو ناش عن مصلحة في الترك و محبوبية فيه، و هذا اما من ناحية انطباق عنوان ذي مصلحة عليه، و لأجل ذلك يكون تركه أرجح من الفعل، و لكن مع ذلك لا يوجب حزازة و منقصة فيه أصلا، فلو كان النهي عنه نهياً حقيقياً ناشئاً عن مفسدة و مبغوضية فيه لكان يوجب حزازة و منقصة لا محالة، و معه لا يمكن الحكم بصحته أبدا، لاستحالة التقرب بما هو مبغوض‏

312

للمولى. و اما من ناحية ملازمة الترك لعنوان ذي مصلحة خارجا من دون انطباق ذلك العنوان عليه، كما إذا فرضنا ان عنوان المخالفة لبني أمية عليهم اللعنة لا ينطبق على نفس ترك الصوم يوم عاشوراء، بدعوى استحالة انطباق العنوان الوجوديّ على الأمر العدمي، و ان كانت هذه الدعوى خاطئة في خصوص المقام، من ناحية ان عنوان المخالفة ليس من العناوين المتأصلة و الماهيات المقولية، بل هو عنوان انتزاعي. و من المعلوم انه لا مانع من انتزاع مثل هذا العنوان من الأمر العدمي بان يكون ذلك الأمر العدمي منشأ لانتزاعه.

و على هذا فلا مانع من انتزاع عنوان المخالفة من ترك الصوم في هذا اليوم نعم الّذي لا يمكن انتزاع شي‏ء منه هو العدم المطلق لا العدم المضاف، فانه ذو أثر شرعا و عرفا كما هو واضح.

و كيف كان فإذا فرض ان الترك ملازم لعنوان وجودي ذي مصلحة أقوى من مصلحة الفعل لا محالة يكون الترك أرجح منه، فلا فرق عندئذ بين هذه الصورة و الصورة الأولى أعني ما كان العنوان الراجح منطبقاً على الترك، غاية الأمر ان الطلب المتعلق بالترك في هذه الصورة ليس طلباً حقيقياً، بل هو بالعرض و المجاز، إذ انه في الحقيقة متعلق بذلك العنوان الراجح الملازم له، و هذا بخلاف الطلب المتعلق به في الصورة الأولى كما مر.

و قد تحصل مما ذكرناه ان المصلحة الموجودة في صوم يوم عاشوراء- مثلا- ليست بأنقص من المصلحة الموجودة في صوم بقية الأيام بما هو صوم، غاية الأمر ان المصلحة الموجودة في تركه حقيقة أو عرضاً أرجح منها، و لأجل ذلك يكون تركه أرجح من فعله، و عندئذ فالنهي المتعلق به، كما يمكن ان يكون بمعنى طلب الترك يمكن ان يكون إرشاداً إلى أرجحية الترك من الفعل، اما لأجل انطباق العنوان الراجح عليه، أو لأجل ملازمته له وجودا خارجا. و عليه فيكونان من‏

313

قبيل المستحبين المتزاحمين و بما ان الترك أرجح فيقدم على الفعل، كما يظهر ذلك من مداومة الأئمة (عليهم السلام) على الترك، و لذا لم ينقل منهم (عليهم السلام) و لو بطريق ضعيف انهم (عليهم السلام) صاموا في يوم عاشوراء، كما ان سيرة المتشرعة قد استمرت على ذلك من لدن زمانهم (عليهم السلام) إلى زماننا هذا. هذا تمام ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده).

و قد أورد عليه شيخنا الأستاذ (قده) بما حاصله انه إذا فرض اشتمال كل من الفعل و الترك على مصلحة، فبما انه يستحيل تعلق الأمر بكل من النقيضين في زمان واحد لا محالة يكون المؤثر في نظر الآمر إحداهما على فرض كونها أقوى و أرجح من الأخرى، و على تقدير التساوي تسقط كلتاهما معاً عن التأثير، ضرورة استحالة تعلق الطلب التخييري بالنقيضين، فانه طلب الحاصل.

و على هذا الضوء يستحيل كون كل من الفعل و الترك مطلوبا فعلا.

و بكلمة أخرى ان فرض اشتمال كل من الفعل و الترك على مصلحة يوجب التزاحم بين المصلحتين في مقام تأثيرهما في جعل الحكم، لا التزاحم بين الحكمين في مرحلة الامتثال، لما عرفت من استحالة جعل الحكمين للمتناقضين مطلقاً أي سواء أ كان تعيينياً أو تخييريا.

و من هذا القبيل الضدين الذين لا ثالث لهما، فانه لا يمكن جعل الحكم لكليهما معاً، لا على نحو التعيين و لا على نحو التخيير. اما الأول فلأنه تكليف بالمحال. و اما الثاني فلأنه طلب الحاصل.

و من هذا القبيل أيضاً المتلازمين الدائميين، فانه لا يمكن جعل الحكمين المختلفين لهما بان يجعل الوجوب لأحدهما و الحرمة للآخر. لا تعييناً و لا تخييراً لاستلزام الأول التكليف بالمحال، و الثاني طلب الحاصل.

فالنتيجة من ذلك قد أصبحت ان المزاحمة لا تعقل بين امرين متناقضين‏

314

كالفعل و الترك، و لا بين ضدين لا ثالث لهما، و لا بين متلازمين دائميين على الشكل المتقدم، بل هذه الموارد جميعاً داخلة في كبرى باب التعارض كما هو ظاهر.

و لأجل ذلك قد تصدى (قده) بجواب آخر و بنى ذلك الجواب على مقدمة و هي انه لا شبهة في ان الأمر الناشئ من قبل النذر المتعلق بعبادة مستحبة كصلاة الليل أو نحوها متعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي و نتيجة ذلك لا محالة هي اندكاك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبيّ، لاستحالة ان يكون كل من الأمرين محفوظاً بحده بعد ما كان متعلقهما واحدا، و لازم الاندكاك و الاتحاد هو اكتساب كل منهما من الآخر جهة، فالامر الوجوبيّ يكتسب جهة التعبدية من الأمر الاستحبابي، و الأمر الاستحبابي يكتسب جهة اللزوم من الأمر الوجوبيّ، فيتحصل من اندكاك أحدهما في الآخر امر واحد وجوبي عبادي.

و الوجه في ذلك ما أشرنا إليه من انه إذا كان متعلق كل من الأمرين عين ما تعلق به الأمر الآخر فلا بد من اندكاك أحدهما في الآخر، و إلا لزم اجتماع الضدين في شي‏ء واحد و هو محال، هذا في النذر.

و اما الأمر الناشئ من قبل الإجارة المتعلقة بعبادة مستحبة كما في موارد النيابة عن الغير، فلا يكون متعلقاً بنفس العبادة المتعلقة بها الأمر الاستحبابي ليندك أحدهما في الآخر و يتحد، بل يكون متعلق أحدهما غير متعلق الآخر، فان متعلق الأمر الاستحبابي على الفرض هو ذات العبادة، و متعلق الأمر الناشئ من قبل الإجارة هو الإتيان بها بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه، لوضوح ان ذات العبادة من دون قصد النيابة عن المنوب عنه لم يتعلق بها غرض عقلائي من المستأجر و لأجل ذلك تبطل الإجارة لو تعلقت بها.

و على هذا الضوء يستحيل اتحاد الأمرين و اندكاك أحدهما في الآخر في موارد الإجارة على العبادات، ضرورة ان التداخل و الاندكاك فرع وحدة

315

المتعلق، و المفروض عدم وحدته في تلك الموارد، فاذن لا يلزم اجتماع الضدين في شي‏ء واحد من تعلق الأمر الاستحبابي بذات العبادة و الأمر الوجوبيّ بإتيانها بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه.

و بكلمة أخرى ان الأمر الطاري، على امر آخر لا يخلو من ان يكون متعلقاً بعين ما تعلق به الأمر الأول أو بغيره، و الأول كموارد النذر المتعلق بالعبادة المستحبة، فان الأمر الناشئ من ناحية النذر متعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي و هو ذات العبادة، و عليه فلا محالة يندك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبيّ، فيتولد منهما امر واحد وجوبي عبادي، و يكتسب كل منهما من الآخر جهة فاقدة لها، فالامر الوجوبيّ بما انه فاقد لجهة التعبد فيكتسب تلك الجهة من الأمر الاستحبابي، و الأمر الاستحبابي بما انه فاقد لجهة الإلزام فيكتسب تلك الجهة من الأمر الوجوبيّ. هذا نتيجة اتحاد متعلقهما في الخارج.

و الثاني كموارد الإجارة على العبادات المستحبة، فان الأمر الناشئ من ناحية الإجارة في هذه الموارد لم يتعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي و هو ذات العبادة، بل تعلق بإتيانها بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه، و إلا فلا تترتب على تلك الإجارة فائدة تعود إلى المستأجر، ضرورة انه لو أتى بها لا بذلك الداعي. بل بداعي الأمر المتعلق بذاتها فلا ترجع فائدته إلى المستأجر أصلا، بل ترجع إلى نفس العامل.

و من هنا قد اشتهر بين الأصحاب ان الإجارة لو تعلقت بذات العبادة لكانت باطلة، لفرض ان الإتيان بذات العبادة بداعي امرها في الخارج لا يفيد المستأجر و لا ترجع فائدته إليه و هي سقوط العبادات عن ذمته و رجوع أجرها و ثوابها إليه، بل ترجع إلى نفس النائب و الفاعل. و من المعلوم ان حقيقة الإجارة

316

هي تمليك المنفعة للمستأجر بان تكون المنفعة له. و اما إذا فرض عدم كون المنفعة له فلا تتحقق حقيقة الإجارة، بداهة انه لا معنى لإجارة عين مسلوبة المنفعة أو إجارة شخص على ان يعمل لنفسه، فان في مثل هذه الموارد لا تتحقق حقيقة الإجارة و واقعها الموضوعي، ليقال انها صحيحة أو فاسدة، كما هو واضح.

و من هنا يظهر ان الأمر الناشئ من ناحية الإجارة في طول الأمر الاستحبابي المتعلق بذات العبادة، و يترتب على ذلك انه لا مقتضي للتداخل و الاندكاك في موارد الإجارة أصلا.

و بعد بيان ذلك قال (قده) ان الإشكال في اتصاف العبادة بالكراهة في هذا القسم انما نشأ من الغفلة عن تحليل نقطة واحدة و هي ان متعلق النهي فيها غير متعلق الأمر، فان متعلق الأمر هو ذات العبادة و متعلق النهي ليس هو ذات العبادة، ضرورة انه لا مفسدة في فعلها و لا مصلحة في تركها، بل هو التعبد بهذه العبادة، فانه منهي عنه لما فيه من المشابهة و الموافقة لبني أمية لعنهم اللَّه.

و عليه فلا يلزم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان النهي المتعلق به بما انه تنزيهي فهو غير مانع عن جواز الإتيان بمتعلقه و التعبد به، بل هو بنفسه متضمن للترخيص في الإتيان بمتعلقه بداعي امتثال الأمر المتعلق به.

نعم لو كان النهي المتعلق به تحريمياً لكان مانعاً عن الإتيان بمتعلقه و التعبد به، و موجباً لتقييد إطلاق المأمور به بغير هذا الفرد المتعلق به النهي بداهة ان الحرام يستحيل ان يكون مصداقا للواجب. و عليه فلا محالة يقيد إطلاق دليل الأمر بغير هذا المورد.

و ملخص ما أفاده هو ان متعلق النهي في هذا القسم بما انه مغاير لمتعلق الأمر فلا يكون منافياً له، فانه في طول الأمر و يكون كموارد الإجارة المتعلقة

317

بالعبادات المستحبة، فكما ان فيها متعلق الأمر الناشئ من قبل الإجارة غير متعلق الأمر الاستحبابي، فكذلك في المقام، فان متعلق النهي غير متعلق الأمر، كما مر و ليس المقام من قبيل النذر المتعلق بها، لما عرفت من ان الأمر الناشئ من قبل النذر متعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي.

ثم ان نظرية شيخنا الأستاذ (قده) تمتاز عن نظرية المحقق صاحب الكفاية (قده) في نقطة واحدة، و هي ان نظرية شيخنا الأستاذ ترتكز على كون النهي في المقام في طول الأمر، فانه متعلق بإيقاع العبادة بداعي امرها الاستحبابي أو الوجوبيّ المتعلق بذاتها، فلا يكون متعلقه متحداً مع متعلقه، ليلزم اجتماع الضد بن في شي‏ء واحد، كما انه غير ناش عن وجود مفسدة في الفعل أو عن وجود مصلحة في تركه، بل الفعل باق على هو ما عليه من المحبوبية و المصلحة، بل هو ناش عن مفسدة في التعبد بهذه العبادة، لما فيه من المشابهة و الموافقة لأعداء الدين. و يترتب على هذا ان النهي على وجهة نظره (قده) نهى مولوي حقيقي ناش عن مفسدة في التعبد بها. و نظرية المحقق صاحب الكفاية (قده) ترتكز على كون الترك كالفعل مشتملا على مصلحة أقوى من مصلحة الفعل، اما لأجل انطباق عنوان راجح عليه، أو لأجل ملازمته معه وجوداً و خارجا، فيكونان من قبيل المستحبين المتزاحمين.

و لنأخذ بالمناقشة على نظرية شيخنا الأستاذ (قده) فلان ما أفاده من الكبرى الكلية، و هي عدم جريان التزاحم في الموارد المتقدمة و ان كان صحيحاً ضرورة ان تلك الموارد من موارد المعارضة بين الدليلين في مقام الإثبات على وجه التناقض أو التضاد، لا من موارد التزاحم بين الحكمين، لما عرفت من استحالة جعلهما في هذه الموارد مطلقاً، و لو على نحو التخيير إلا ان تلك الكبرى لا تنطبق على المقام فانه ليس من صغرياتها و مصاديقها، و ذلك لأن المقام انما يكون من إحدى‏

318

صغريات هذه الكبرى إذا فرض قيام مصلحة بطبيعي صوم يوم عاشوراء، فعندئذ لا ثالث بين فعله و تركه. و من المعلوم انه إذا لم يكن بينهما ثالث فلا محالة لا تعقل المزاحمة بينهما، كما تقدم.

و لكن الأمر ليس كذلك، فان المصلحة انما قامت بحصة خاصة منها و هي الحصة العبادية، لا بمطلق وجود الفعل في الخارج و الترك. و عليه فلهما ثالث و هو الحصة غير العبادية، فانه لا مصلحة في فعلها و لا في تركها، فاذن لا مانع من جعل الحكمين لهما، غاية الأمر عندئذ تقع المزاحمة بينهما في مقام الامتثال فيدخل في كبرى مسألة المستحبين المتزاحمين، لفرض ان المكلف عندئذ قادر على تركهما و الإتيان بالفعل المجرد عن قصد القربة، و غير قادر على الجمع بينهما، كما هو مناط التزاحم في كل متزاحمين، سواء أ كانا واجبين أم مستحبين.

و على الجملة فلا شبهة في ان المستحب انما هو خصوص الحصة الخاصة من الصوم و هي الحصة التي يعتبر فيها قصد القربة، و اما ترك هذه الحصة بخصوصها فلا رجحان فيه، بل الرجحان في ترك الإمساك مطلقاً و الإفطار خارجا، فان فيه مخالفة لبني أمية فالمكلف إذا صام بقصد القربة أو أفطر فقد أتى بأمر راجح و اما إذا أمسك بغير قربة فقد ترك كلا الأمرين الراجحين.

و عليه فلا محالة تقع المزاحمة بين استحباب الفعل و استحباب الترك لفرض تمكن المكلف من ترك امتثال كليهما معاً، و الإتيان بمطلق الفعل من دون قصد القربة، و غير متمكن من الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، فاذن لا بد من الرجوع إلى مرجحات و قواعد باب التزاحم.

فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من الكبرى و هي عدم إمكان جريان التزاحم بين النقيضين و لا بين الضدين لا ثالث لهما و لا بين المتلازمين الدائميين و ان كان تاما، الا انه لا ينطبق على المقام، كما عرفت.

319

و بعد بيان ذلك نأخذ بالمناقشة على جوابه (قده) عن هذا القسم، و هي ان ما ذكره (قده) في باب الإجارة المتعلقة بعبادة مستحبة في موارد النيابة عن الغير غير تام في نفسه، و على فرض تماميته لا ينطبق على ما نحن فيه، فلنا دعويان:

الأولى- عدم تمامية ما أفاده في موارد الإجارة المتعلقة بعبادة الغير.

الثانية- انه على تقدير تماميته لا ينطبق على المقام.

اما الدعوى الأولى فقد حققنا في محله ان الأوامر المتصورة في موارد الإجارة المتعلقة بعبادة الغير أربعة:

الأول- الأمر المتوجه إلى شخص المنوب عنه المتعلق بعبادته كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و نحو ذلك، و هذا الأمر يختص به، و لا يعم غيره، و يسقط هذا الأمر عنه بموته أو نحوه، و لا يفرق في صحة الإجارة بين بقاء هذا الأمر كما إذا كان المنوب عنه حياً و متمكناً من الامتثال بنفسه، كمن نسي الرمي و ذكره بعد رجوعه إلى بلده، أو كان حياً و عاجزاً عن الامتثال، كما في الاستنابة في الحج عن الحي فان التكليف كما يسقط بموت المكلف كذلك، يسقط بعجزه لاستحالة التكليف في هذا الحال، لأنه من التكليف بالمحال، و هو مستحيل من الحكيم. و كيف كان فبقاء هذا الأمر و عدم بقائه و سقوطه بالإضافة إلى صحة الإجارة على حد سواء، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً.

و من ذلك يظهر ان هذا الأمر أجنبي عن النائب بالكلية، فلا يكون متوجهاً إليه أصلا، بداهة انه لا يعقل توجه تكليف شخص إلى آخر، فانه خاص به و يسقط بموته أو نحوه، و لا يمكن توجهه إلى غيره، و هذا واضح.

و على هذا الضوء فقد تبين ان هذا الأمر مباين للأمر الناشئ من قبل الإجارة المتوجه إلى النائب، و لا يمكن دعوى اتحاده معه أبدا، لفرض انهما مختلفان بحسب الموضوع، فيكون موضوع أحدهما غير موضوع الآخر، فان‏

320

موضوع الأول هو المنوب عنه، و موضوع الثاني هو النائب، و مع هذا كيف يعقل دعوى الاتحاد بينهما و اندكاك أحدهما في الآخر، ضرورة انه فرع وحدة الموضوع، كما هو واضح.

الثاني- الأمر المتوجه إلى شخص النائب المتعلق بعباداته كالصلاة و نحوها و من المعلوم ان هذا الأمر أجنبي عن الأمر الأول بالكلية، لفرض انهما مختلفان بحسب الموضوع و المتعلق، فان موضوع الأمر الأول هو المنوب عنه، و موضوع الأمر الثاني هو النائب، و متعلقه هو فعل المنوب عنه، و متعلق الثاني هو فعل النائب نفسه، و مع هذا الاختلاف لا يعقل اتحاد أحدهما مع الآخر أبداً كما هو ظاهر، كما ان هذا الأمر أجنبي عن الأمر الناشئ من ناحية الإجارة المتوجه إليه، و ذلك لاختلافهما بحسب المتعلق، فان متعلق هذا الأمر هو فعل النائب، و متعلق ذاك الأمر هو فعل المنوب عنه، غاية الأمر انه ينوب عنه في إتيانه في الخارج، و مع هذا الاختلاف لا يعقل دعوى الاتحاد بينهما أصلا، و هذا واضح.

الثالث- الأمر المتوجه إلى النائب المتعلق بإتيان العبادة نيابة عن الغير و هذا الأمر الاستحبابي متوجه إلى كل مكلف قادر على ذلك، فيستحب للإنسان ان يصلى أو يصوم نيابة عن أبيه أو جده أو أمه أو أستاذه أو صديقه .. و هكذا ثم انه من الواضح جدا ان هذا الأمر الاستحبابي كما انه أجنبي عن الأمر الأول كذلك أجنبي عن الأمر الثاني، و لا يعقل لأحد دعوى اتحاده مع الأمر الأول أو الثاني.

الرابع- الأمر المتوجه إلى النائب الناشئ من قبل الإجارة المتعلق بإتيان العبادة نيابة عن غيره، فهذا الأمر متعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي، فان الأمر الاستحبابي- كما عرفت- متعلق بإتيان العبادة نيابة عن الغير، و المفروض ان هذا الأمر الوجوبيّ متعلق بعين ذلك، فلا فرق بينهما من هذه الناحية أبداً

321

و على هذا فلا بد من الالتزام باندكاك أحد الأمرين في الآخر و اتحادهما في الخارج، ضرورة انه لا يمكن بقاء كلا الأمرين بحده بعد فرض كون متعلقهما واحدا وجودا و ماهية، فلا محالة يندك أحدهما في الآخر، و يتحصل منهما امر واحد وجوبي عبادي، فان كل منهما يكتسب من الآخر جهة فاقدة له، فيكتسب الأمر الوجوبيّ من الأمر الاستحبابي جهة التعبد، و يكتسب الأمر الاستحبابي من الأمر الوجوبيّ جهة اللزوم، و هذا معنى اندكاك أحدهما في الآخر و اتحادهما خارجا.

و قد تحصل من ذلك ان الأمر الرابع يتحد مع الأمر الثالث، لاتحادهما بحسب الموضوع و المتعلق، و لا يعقل اتحاده مع الأمر الأول أو الثاني لاختلافهما في الموضوع أو المتعلق، كما عرفت.

و من هنا يظهر ان النائب يأتي بالعمل بداعي الأمر الناشئ من قبل الإجارة المتوجه إليه، لا بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه، ضرورة استحالة ان يكون الأمر المتوجه إلى شخص داعياً لشخص آخر بالإضافة إلى الإتيان بمتعلقه فان داعوية الأمر لشخص بالإضافة إلى ذلك انما تكون فيما إذا كان ذلك الأمر متوجهاً إليه، و الا فيستحيل ان يكون داعياً له، و هذا من الواضحات، و لا فرق في داعوية الأمر إليه بين ان يكون الإتيان بمتعلقه من قبل نفسه، أو من قبل غيره، كما في موارد الإجارة، لوضوح ان العبرة انما هي بتوجه الأمر إلى شخص ليكون داعياً له إلى العمل لا بكون متعلقه عمل نفسه أو عمل غيره، و هذا ظاهر.

و من هنا قلنا ان صحة الإجارة لا تتوقف على بقاء ذلك الأمر، ليأتي النائب بالعمل بداعيه، كما انه لا يأتي به بداعي الأمر المتوجه إليه المتعلق بإتيان عباداته من قبل نفسه، بداهة استحالة ان يكون ذلك الأمر داعياً إلى الإتيان بمتعلقه من قبل غيره و نيابة عنه، بل هو داع إلى الإتيان به من قبل نفسه‏

322

كما هو واضح.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان النائب يأتي بعمل المنوب عنه بداعي الأمر المتوجه إليه الناشئ من ناحية الإجارة المتعلق بإتيانه نيابة عنه، و بما ان هذا الأمر تعلق بعين ما تعلق به الأمر الاستحبابي فلا مناص من اندكاك أحدهما في الآخر و اتحادهما خارجا، فتكون النتيجة امرا واحدا وجوبياً عباديا.

و على ضوء هذا البيان قد ظهر ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده)- من ان الأمر الاستحبابي في موارد الإجارة متعلق بذات العبادة، و الأمر الوجوبيّ الناشئ من ناحيتها متعلق بإتيانها بداعي الأمر المتوجه إلى المنوب عنه- خاطئ جدا و غير مطابق للواقع قطعاً، و ذلك لما عرفت من ان الأمر المتوجه إلى المنوب عنه يستحيل ان يكون داعياً للنائب إلى الإتيان بمتعلقه، بداهة ان الأمر المتوجه إلى شخص يمتنع ان يكون داعياً لشخص آخر، فان الداعي لكل مكلف هو الأمر المتوجه إلى شخصه، كما سبق. هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ان الأمر الاستحبابي المتوجه إلى النائب ليس منحصراً بأمر واحد، بل هو امران: أحدهما متعلق بإتيان العمل من قبل نفسه، و من المعلوم انه لا يعقل ان يتوهم أحد اتحاد هذا الأمر مع الأمر الوجوبيّ الناشئ من قبل الإجارة، لاختلافهما في المتعلق، فان متعلق هذا الأمر الاستحبابي هو ذات العبادة و متعلق الأمر الوجوبيّ هو إتيانها من قبل الغير و نيابة عنه. و ثانيهما متعلق بإتيان العمل من قبل غيره و نيابة عنه و هذا الأمر الاستحبابي متحد مع الأمر الوجوبيّ في المتعلق، فيكون متعلقهما واحداً وجودا و ماهية و هو إتيان العمل من قبل الغير و مع هذا الاتحاد لا مناص من اندكاك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبيّ.

و من هنا تظهر نقطة اشتباه شيخنا الأستاذ (قده) و هي غفلته عن الأمر الاستحبابي المتعلق بإتيان العبادات من قبل الغير، و تخيل انه منحصر بالأمر

323

الاستحبابي الأول، و المفروض انه متعلق بإتيانها من قبل نفسه لا من قبل الغير و لأجل ذلك حكم باستحالة اتحاده مع الأمر الوجوبيّ الناشئ من قبل الإجارة و اندكاكه فيه، لعدم وحدة متعلقهما، كما مر.

و على هدى هذا البيان قد تبين انه لا فرق بين موارد الإجارة المتعلقة بعبادة مستحبة، و موارد النذر المتعلق بها، فكما ان في موارد النذر يتحد الأمر الاستحبابي مع الأمر الوجوبيّ الناشئ من قبله، فكذلك في موارد الإجارة غاية الأمر انه في موارد النذر يتحد الأمر الاستحبابي المتعلق بذات العبادة مع الأمر الوجوبيّ، لفرض انه متعلق بها، كما عرفت و في موارد الإجارة يتحد الأمر الاستحبابي المتعلق بإتيانها من قبل الغير و نيابة عنه مع الأمر الوجوبيّ الناشئ من قبل الإجارة، لا الأمر الاستحبابي المتعلق بذات العبادة، و لكن هذا لا يوجب التفاوت فيما هو المهم في المقام، كما هو واضح.

و اما الدعوى الثانية و هي ان ما أفاده (قده) على تقدير تماميته لا ينطبق على ما نحن فيه، و الوجه في ذلك هو ان ما أفاده (قده) من ان متعلق النهي في هذا القسم مغاير لمتعلق الأمر لا يمكن المساعدة عليه من وجوه:

الأول- ان هذا خلاف مفروض الكلام في المقام، فانه فيما إذا كان متعلق الأمر و النهي واحدا، لا متعددا، و الا فلا كلام فيه، ضرورة ان محل البحث و الكلام هنا بين الأصحاب في فرض كون متعلقهما واحدا و اما إذا كان متعددا فهو خارج عن محل الكلام و البحث، و لا إشكال فيه أصلا.

الثاني- ان ما أفاده (قده) خلاف ظاهر الدليل، لوضوح ان الظاهر من النهي عن الصوم في يوم عاشوراء هو انه متعلق بذات الصوم و انه منهي عنه و دعوى انه متعلق بجهة التعبد به، لا بذاته خلاف الظاهر، فلا يمكن الالتزام به بلا قرينة و شاهد، و كذا الحال في النهي المتعلق بالنوافل المبتدأة في بعض‏

324

الأوقات، فان الظاهر منه هو انه متعلق بذات تلك النوافل، و انها منهي عنها لا بجهة التعبد بها، ضرورة ان حمل النهي على ذلك خلاف الظاهر، فلا يمكن ان يصار إليه بلا دليل.

الثالث- انا لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان النهي متعلق بجهة التعبد بها و إتيانها بقصد القربة، لا بذاتها، فمع ذلك لا يتم ما أفاده (قده)، و الوجه فيه ما حققناه من ان قصد القربة كبقية اجزاء العبادة مأخوذ في متعلق الأمر، غاية الأمر انه على وجهة نظره (قده) مأخوذ في متعلق الأمر الثاني دون الأمر الأول و على وجهة نظرنا مأخوذ في متعلق الأمر الأول.

و على هذا الضوء فدعوى ان النهي في هذه الموارد تعلق بجهة التعبد بالعبادات لا بذاتها لا تدفع محذور لزوم اجتماع الضدين في شي‏ء واحد، ضرورة ان قصد القربة إذا كان مأخوذا في متعلق الأمر يستحيل ان يتعلق به النهي لاستحالة كون شي‏ء واحد مصداقا للمأمور به و المنهي عنه معاً.

الرابع- لو تنزلنا عن ذلك أيضاً و سلمنا ان قصد القربة غير مأخوذ في متعلق الأمر مطلقاً أي لا في متعلق الأمر الأول و لا في متعلق الأمر الثاني فمع ذلك لا يتم ما أفاده (قده)، و ذلك ضرورة ان النهي لم يتعلق بخصوص قصد القربة فحسب، ليكون متعلقه غير متعلق الأمر، بل تعلق بحصة خاصة من الصوم و هي الحصة العبادية التي يعتبر فيها قصد القربة، مثلا المنهي عنه في المقام هو خصوص الصوم العبادي في يوم عاشوراء في مقابل ما إذا كان المنهي عنه هو مطلق الإمساك، لا ان المنهي عنه هو خصوص قصد القربة، دون ذات العبادة بداهة انه لا يعقل ان يكون خصوص قصدها منهياً عنه، كما هو واضح، فاذن لا محالة يكون المنهي عنه هو إتيانها بقصد القربة. و عليه فمحذور لزوم كون شي‏ء واحد مصداقا للمأمور به و المنهي عنه باق على حاله ضرورة ان الإتيان بها

325

بقصد القربة إذا كان منهياً عنه يستحيل ان يكون مصداقا للمأمور به، لاستحالة ان يكون شي‏ء واحد محبوبا و مبغوضاً معاً.

فالنتيجة مما ذكرناه قد أصبحت ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) غير تام صغرى و كبرى. اذن فالصحيح هو ما ذكرناه من ان النهي هنا ليس ناشئاً عن مفسدة في متعلقه و مبغوضية فيه، بل هو باق على ما هو عليه من المحبوبية و لذا يكون الإتيان به صحيحاً، بل هو لأجل أرجحية الترك من الفعل باعتبار انطباق عنوان راجح عليه أو ملازمته له خارجا و وجودا، كما تقدم ذلك بشكل واضح. هذا تمام الكلام في القسم الأول.

و اما القسم الثاني- و هو ما إذا كان للعبادة المنهي عنها بدل- فيمكن ان يجاب عنه بعين هذا الجواب بلا زيادة و نقيصة.

و يمكن ان يجاب عنه بشكل آخر، و هو ان النهي في هذا القسم متعلق بحصة خاصة من الواجب، كالنهي عن الصلاة في الحمام و في مواضع التهمة و ما شاكل ذلك. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان هذا النهي نهي تنزيهي و ليس بتحريمي.

و على ضوء ذلك يتبين ان هذا النهي لا يوجب تقييد إطلاق الطبيعة المأمور بها بغير هذه الحصة المنهي عنها بيان ذلك ان النهي المتعلق بحصة خاصة من العبادة على ثلاثة أقسام:

الأول- ان يكون إرشادا إلى اقتران هذه الحصة بالمانع بمعنى- ان الخصوصية الموجبة لكونها حصة- مانعة عنها، و ذلك كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل و في النجس و في الميتة و ما شاكل ذلك، فان هذه النواهي جميعا إرشاد إلى مانعية هذه الأمور عن الصلاة و تقيدها بعدمها. و قد ذكرنا غير مرة ان أمثال هذه النواهي الواردة في أبواب العبادات و المعاملات ظاهرة في الإرشاد إلى‏

326

المانعية بمقتضى الفهم العرفي. كما تقدم الكلام فيها من هذه الناحية بصورة واضحة في أول بحث النواهي كما انه لا شبهة في ظهور الأوامر الواردة في أبواب العبادات و المعاملات في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية. و قد ذكرنا سابقاً ان هذه النواهي كثيرة في كلا البابين، كما ان هذه الأوامر كذلك.

و على الجملة فالامر و النهي و ان كانا في أنفسهما ظاهرين في المولوية، فلا يمكن حملهما على الإرشاد بلا قرينة، إلا ان هذا الظهور ينقلب في هذه النواهي و الأوامر الواردتين في أبواب العبادات و المعاملات، فهما ظاهران فيها في الإرشاد دون المولوية بمقتضى المتفاهم العرفي، كما هو واضح.

و على ضوء هذا البيان قد تبين ان هذه النواهي لا محالة تكون مقيدة لإطلاق العبادة و المعاملة موجبة و لتقييدهما بغير الحصة المنهي عنها، فلا تنطبقان عليها و من هنا لم يستشكل أحد- فيما نعلم- في دلالة هذا النهي على الفساد في العبادات و المعاملات، و الوجه فيه ما عرفت من انها توجب تقييد المأمور به بغير هذه الحصة المنهي عنها، فهذه الحصة خارجة عن حيز الأمر و لا تنطبق عليها الطبيعة المأمور بها، و مع عدم الانطباق لا يمكن الحكم بصحتها أبدا، لفرض ان الصحة تنتزع من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به، و اما إذا فرض انه لا ينطبق عليه فلا يمكن الحكم بصحته أصلا، كما هو ظاهر، كما انها توجب تقييد المعاملة بغير هذه الحصة، و لازم ذلك هو ان اقترانها بها مانع عن صحتها، فلا يمكن الحكم بصحتها عند تخصصها بهذه الخصوصية المنهي عنها.

و نتيجة ما ذكرناه هي انه لا شبهة في ان هذا القسم من النهي يوجب تقييد العبادة أو المعاملة بغير الفرد المنهي عنه، و معه لا يكون هذا الفرد من افرادها و لأجل ذلك يكون فاسداً.

الثاني- ان يكون لبيان حكم تحريمي فحسب، و ذلك كالنهي عن‏

327

الوضوء أو الغسل من الماء المغصوب أو النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة ..

و هكذا، فهذه النواهي تدل على حرمة متعلقها في الخارج و مبغوضيته و ان الشارع لا يرضى بإيجاده فيه أصلا. و من الواضح جدا ان أمثال هذه النواهي تنافي إطلاق المأمور به و توجب تقييده بغير هذا الفرد المنهي عنه، و الوجه في ذلك واضح و هو ان مقتضى إطلاق المأمور به ترخيص المكلف في إيجاده في ضمن أي فرد من افراده شاء المكلف إيجاده، و مقتضى هذا النهي عدم جواز إيجاد هذا الفرد المنهي عنه في الخارج، و عدم جواز تطبيق الطبيعة المأمور بها عليه، ضرورة استحالة كون المحرم مصداقا للواجب. و عليه فلا بد من رفع اليد عن إطلاق المأمور به و تقييده بغير الفرد المنهي عنه، بداهة ان الشارع بنهيه عنه قد سد طريق امتثال المأمور به به. و منع عن إيجاده في ضمنه، و معه كيف يعقل بقاء إطلاقه على حاله الّذي لازمه هو ترخيص الشارع المكلف في إيجاده في ضمن أي فرد من افراده شاء إيجاده في ضمنه.

و ان شئت قلت ان العقل و ان حكم من ناحية الإطلاق بجواز تطبيقه على أي فرد من افراده شاء المكلف تطبيقه عليه إلا ان من المعلوم ان حكمه بذلك منوط بعدم منع الشارع عن بعض افراده، و مع منعه عنه لا حكم له بذلك أصلا، بل يحكم بعكس هذا أعني بعدم جواز تطبيقه عليه و تقييد إطلاقه بغيره ضرورة استحالة ان يكون المحرم مصداقا للواجب و المبغوض مصداقا للمحبوب و لا فرق في ذلك بين ان يكون الواجب توصلياً أو تعبديا، فكما ان هذا النهي يوجب تقييد إطلاق دليل الواجب التعبدي، فكذلك يوجب تقييد إطلاق دليل الواجب التوصلي بعين هذا الملاك، و هو استحالة كون الحرام مصداقا للواجب و هذا واضح.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان هذا القسم من النهي يوجب تقييد إطلاق‏

328

الواجب بغير الفرد المنهي عنه من دون فرق فيه بين ان يكون الواجب تعبدياً أو توصلياً.

الثالث- ان يكون النهي تنزيهياً ملازما للترخيص في متعلقه، ففي مثل ذلك لا موجب لتقييد الواجب بغيره حتى إذا كان عباديا فضلا عما إذا كان غير عبادي بيان ذلك ان المولى إذا نهى عن الصلاة في الحمام- مثلا- و كان نهيه تنزيهياً و ملازما للترخيص في الإتيان بها فمعناه جواز امتثال الواجب بالإتيان بالصلاة في الحمام و صحتها، و الجمع بين ذلك و بين النهي التنزيهي يقتضي ان يكون تطبيق الطبيعي الواجب على هذه الحصة في نظر الشارع مرجوحا بالإضافة إلى تطبيقه على سائر الحصص، و الا فالحصة بما انها وجود للطبيعة المأمور بها لا نقصان فيها أصلا و من هنا لو لم يتمكن المكلف من الإتيان بغير هذه الحصة لزمه الإتيان بها جزما فهذا يكشف عن اشتراكها مع سائر الحصص في الوفاء بالغرض، و عدم تقييد الواجب بغيرها.

و من هذا البيان يظهر انه لا وجه لما ذكره غير واحد من حمل النهي في هذا القسم على الإرشاد إلى أقلية الثواب بالإضافة إلى سائر الحصص و الافراد وجه الظهور ان تخصص الطبيعة المأمور بها بهذه الخصوصية الموجبة للنهي التنزيهي ان كان مرجوحا في نظر الشارع فالنهي مولوي لا محالة، و الا فلا موجب للإرشاد إلى اختيار غير ما تعلق به من الافراد.

و مما ذكرناه يظهر حال الأمر الاستحبابي المتعلق بحصة خاصة من الطبيعة الواجبة، فانه بمعنى استحباب تطبيق الواجب على تلك الحصة، و كونها أفضل الافراد المجامع مع جواز تطبيقه على سائر الافراد. و من هنا لا يوجب مثل هذا الأمر تقييداً في إطلاق المأمور به، سواء في ذلك الواجب و غيره، و تفصيل الكلام يأتي في بحث المطلق و المقيد إن شاء اللَّه تعالى.

329

و اما القسم الثالث- و هو ما إذا كانت النسبة بين المأمور به و المنهي عنه بالنهي التنزيهي نسبة العموم من وجه فقد ظهر الحال فيه مما تقدم، و حاصله انه لا إشكال فيه في صحة العبادة على القول بالجواز أي جواز اجتماع الأمر و النهي و لا يكون دليل النهي عندئذ موجباً لتقييد إطلاق دليل المأمور به، لفرض تعدد متعلقي الأمر و النهي حينئذ في مورد الاجتماع من ناحية. و عدم سراية الحكم من أحدهما إلى الآخر من ناحية أخرى، و على هذا فلا موجب للتقييد أصلا. و اما على القول بالامتناع و فرض وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداً و ماهية فربما يتخيل فساد العبادة فيه من ناحية توهم التنافي بين صحتها في مورد الاجتماع و كونها مكروهة فيه، لتضاد الأحكام و عدم اختصاصه بالوجوب و الحرمة، بل يعم جميع الأحكام الإلزامية و غيرها، فاذن فرض كون العبادة مكروهة ينافى كونها مصداقا للواجب أو المستحب. و عليه فلا بد من تقييد إطلاق دليل الأمر بغير موارد الكراهة، كما هو الحال فيما إذا كان النهي تحريمياً.

و لكن هذا خيال خاطئ و غير مطابق للواقع، و الوجه في ذلك هو ان النهي عن حصة خاصة من العبادة لا يوجب تقييد إطلاقها بغيرها إذا كان تنزيهياً كما هو المفروض في المقام، فان النهي التنزيهي بما انه ملازم للترخيص في إيجاد متعلقه في الخارج فلا ينافي الرخصة في انطباق الطبيعة المأمور بها عليه، و هذا بخلاف ما إذا كان النهي تحريمياً، فانه ينافي إطلاق المأمور به على ما تقدم بيان جميع ذلك بصورة واضحة فلا نعيد. و ان شئت قلت ان القسم الثالث على القول بالامتناع يدخل في القسم الثاني و يكون من صغرياته فيجري فيه جميع ما ذكرناه فيه.

الثاني- ما عن جماعة من ان المولى لو امر عبده بخياطة ثوب و نهاه عن الكون في مكان خاص، فلو خاطه في ذلك المكان لعد عاصياً للنهي عن الكون فيه، و مطيعاً لأمر الخياطة.

330

و غير خفي ان هذا الدليل غير قابل للاستدلال به، و ذلك اما أولا فلأن الغرض من الخياطة يحصل بإيجادها في الخارج، سواء أ كان إيجادها في ذلك المكان المخصوص المنهي عنه أم لا، و سواء فيه القول باتحاد الخياطة مع الكون فيه فرضاً أو القول بعدم اتحادهما معه. و اما ثانياً فلان متعلق الأمر هنا غير متعلق النهي، فان متعلق الأمر خياطة الثوب، و متعلق النهي هو الكون في ذلك المكان و من المعلوم ان أحدهما غير الآخر وجودا و ماهية. و عليه فلا مانع من ان يكون أحدهما متعلقاً للأمر و الآخر متعلقاً للنهي، و لا يلزم من القول بالامتناع في المسألة القول بالامتناع هنا أبدا كما هو واضح.

الثالث- ما عن المحقق القمي (قده) من ان الأمر على الفرض تعلق بطبيعة كالصلاة- مثلا- و النهي تعلق بطبيعة أخرى كالغصب- مثلا- أو نحوه هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الفرد الّذي يكون مجمعاً لعنوانين في مورد الاجتماع مقدمة لوجود الطبيعي في الخارج الّذي يكون واجباً بوجوب نفسي.

و على هذا الضوء يتوقف القول بالامتناع في المسألة على الالتزام بأمرين:

الأول- بوجوب المقدمة. الثاني- بتنافي الوجوب الغيري مع النهي النفسيّ.

و لكن كلا الأمرين خاطئ اما الأمر الأول فقد ذكر (قده) ان مقدمة الواجب ليست بواجبة. ليكون تناف بين وجوب هذا الفرد الّذي يكون مقدمة للطبيعي الواجب و بين حرمته. و اما الأمر الثاني مع تسليم ان مقدمة الواجب واجبة مطلقاً فلما حققناه من انه لا تنافي بين الوجوب الغيري و النهي النفسيّ أصلا و لا مانع من اجتماعهما في شي‏ء واحد.

و على الجملة فعلى فرض ان النهي يسري إلى هذه الحصة التي تكون مجمعاً لهما باعتبار انحلال هذا النهي و سريانه إلى جميع افراد الطبيعة المنهي عنها، فمع ذلك لا يلزم اجتماع الضدين و هما الوجوب و الحرمة في شي‏ء واحد، لأن ما هو محرم‏

331

و هو الفرد ليس بواجب، و ما هو واجب و هو الطبيعة المأمور بها ليس بمنهي عنه و على فرض ان الفرد واجب بوجوب غيري، فمع ذلك لا يلزم اجتماع الضدين لعدم التنافي بين الوجوب الغيري و النهي النفسيّ كما مر، فاذن لا مانع من القول بالجواز في المسألة.

و غير خفي ما فيه و ذلك لأن ما أفاده (قده) يرتكز على ركيزتين، و كلتاهما خاطئة.

اما الركيزة الأولى (و هي كون الحصة و الفرد مقدمة للطبيعة المأمور بها) فواضحة الفساد، ضرورة ان الفرد ليس مقدمة للطبيعي، بل هو عينه وجوداً و خارجا و لا تعقل المقدمية بينهما، لوضوح انها انما تعقل بين شيئين متغايرين في في الوجود، و عليه فالحصة الموجودة في مورد الاجتماع بما انها تكون محرمة بنفسها و منهياً عنها. فلا يعقل ان تكون مصداقا للواجب، و هذا معنى القول بالامتناع، بداهة انه كما يمتنع تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد، كذلك يمتنع ان يكون المنهي عنه مصداقا للمأمور به.

و اما الركيزة الثانية (و هي كون الوجوب الغيري لا ينافي في النهي النفسيّ) فهي أيضاً واضحة الفساد، ضرورة ان الوجوب الغيري على القول به لا يجتمع مع النهي النفسيّ، فالمقدمة إذا كانت محرمة لا يعقل ان تكون واجبة، فلا محالة يختص الوجوب بغيرها من المقدمات، كما تقدم في بحث مقدمة الواجب بشكل واضح. و لكن الّذي يسهل الخطب هو انه لا مقدمية في البين. و عليه فإذا فرض ان الحصة في مورد الاجتماع محرمة كما هو مفروض كلامه (قده) فلا يعقل ان تكون مصداقا للطبيعة المأمور بها، بداهة ان المحرم لا يمكن ان يكون مصداقا للواجب. و هذا معنى امتناع اجتماع الأمر و النهي. هذا إذا كان مراده من المقدمة ما هو ظاهر كلامه (قده).

332

و اما لو كان مراده (قده) منها- هو ان الفرد لا يتصف بالوجوب باعتبار ان متعلق الوجوب هو صرف وجود الطبيعة. و من المعلوم انه لا يسري إلى افراده و حصصه، و هذا بخلاف النهي، فان متعلقه مطلق الوجود، و لذا ينحل بانحلال افراده و يسرى إلى كل واحد منها. و على هذا الضوء فلا يجتمع الوجوب و الحرمة هنا في شي‏ء واحد، فان الحصة الموجودة في مورد الاجتماع لا تتصف بالوجوب على الفرض، و انما هي متصفة بالحرمة فحسب، فاذن لا يجتمع الوجوب و الحرمة فيها ليكون محالا- فيرد عليه: أولا ان هذا خلاف مفروض كلامه (قده) فان المفروض فيه هو ان الفرد مقدمة لوجود الطبيعي في الخارج، لا انه لا يتصف بالوجوب باعتبار ان متعلقه هو صرف الوجود. و ثانياً ان الأمر و ان كان كذلك فان الحصة لا تتصف بالوجوب، الا انها إذا كانت محرمة يستحيل أن تقع مصداقا للواجب. و عليه فإذا فرض ان المجمع في مورد الاجتماع محرم و منهي عنه يستحيل ان ينطبق عليه الواجب، و هذا معنى القول بالامتناع، لما عرفت من انه كما يمتنع تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد كذلك يمتنع ان يكون الحرام مصداقا للواجب فالنتيجة ان الضابط للقول بالامتناع و القول بالجواز في المسألة هو ما ذكرناه من وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجودا و ماهية و تعدده كذلك، فعلى الأول لا مناص من القول بالامتناع و على الثاني من القول بالجواز على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى لازمه.

إلى هنا قد تبين ان العمدة للقول بالجواز هي الوجه الأول، و اما الوجه الثاني، و الثالث فهما لا يرجعان إلى معنى محصل أصلا، كما ان الوجوه الاخر التي ذكرت لهذا القول لا ترجع إلى معنى معقول، و لأجل ذلك لا نتعرض لتلك الوجوه، لوضوح فسادها، و عدم ارتباطها للقول بالجواز أصلا.

و نتائج البحث عن العبادات المكروهة عدة نقاط:

333

الأولى- ان ما يمكن ان يستدل به للقول بجواز اجتماع الأمر و النهي في المسألة مطلقاً انما هو موارد العبادات المكروهة، بدعوى انه لو لم يجز الاجتماع لم يمكن تعلق النهي بتلك العبادات، ضرورة عدم اختصاص المضادة بين الوجوب و الحرمة فحسب، بل تعم جميع الأحكام من الإلزامية و غيرها، فاذن تعلق النهي بها و وقوعه في الخارج أقوى برهان على إمكانه و عدم استحالته، و الا لم يقع.

الثانية- ان المحقق صاحب الكفاية (قده) قد أجاب عن هذا الدليل بصورة إجمالية، و لكن قد عرفت النقد في بعض جهات جوابه. ثم أجاب عنه بصورة تفصيلية، حيث قسم تلك العبادات إلى ثلاثة أقسام، و أجاب عن كل واحد واحد منها مستقلا، و لا بأس بجوابه هذا في الجملة.

الثالثة- ان شيخنا الأستاذ (قده) قد أورد على ما أجاب به صاحب الكفاية (قده) عن القسم الأول بما ملخصه: ان التزاحم لا يعقل بين النقيضين، و لا بين الضدين الذين لا ثالث لهما، و بما ان الصوم يوم عاشوراء و تركه متناقضان، فلا يمكن جعل الحكم لهما معاً، لتقع المزاحمة بينهما في مقام الامتثال، بل هما يدخلان في باب المعارضة فيرجع إلى قواعده و أحكامه. و لكن قد ذكرنا ان ما أفاده (قده) من الكبرى- و هي استحالة وقوع المزاحمة بين النقيضين و الضدين الذين لا ثالث لهما و ان كان في غاية المتانة و الاستقامة، الا ان تطبيق تلك الكبرى على المقام غير صحيح، و ذلك لوجود امر ثالث في البين و هو الإمساك بدون قصد القربة فانه لا موافقة فيه لبني أمية و لا مخالفة لهم، فاذن لا مانع من جعل الحكمين لهما أصلا، كما تقدم ذلك بشكل واضح.

الرابعة- ان النهي في القسم الأول لا يخلو من ان يكون إرشادا إلى محبوبية الترك من جهة انطباق عنوان ذي مصلحة عليه أو ملازمته له أو يكون بمعنى الأمر

334

أعني به ما يكون نهياً صورة و شكلا و امراً واقعاً و حقيقة.

الخامسة- ان النهي في القسم الثاني نهى مولوي و يترتب على هذا ان الكراهة في المقام كراهة مصطلحة و ليست بمعنى أقلية الثواب، و مع ذلك لا تكون منافية لإطلاق العبادة فضلا عن غيرها، غاية الأمر ان تطبيق الطبيعة المأمور بها على هذه الحصة المنهي عنها مرجوح بالإضافة إلى تطبيقها على غيرها من الحصص و الافراد، كما تقدم.

السادسة- انه لا فرق في القسم الثالث من أقسام العبادات المكروهة بين القول بالامتناع و القول بالجواز. فعلى كلا القولين تكون العبادة صحيحة في مورد الاجتماع، اما على القول بالجواز فهي على القاعدة، و اما على القول بالامتناع فلأجل ما ذكرناه في القسم الثاني من هذه الأقسام في وجه صحة العبادة باعتبار ان هذا القسم على هذا القول داخل فيه، و يكون من صغرياته كما تقدم.

الاضطرار إلى ارتكاب المحرم‏

لتمييز موضع البحث هنا عن المباحث المتقدمة ينبغي ان نشير إلى عدة نقاط:

الأولى- ما إذا كان المكلف متمكناً من امتثال الواجب في الخارج بدون ارتكاب الحرام، و لكنه باختياره ارتكب المحرم و أتى بالواجب في ضمنه، و ذلك كمن كان قادراً على الإتيان بالصلاة مثلا في خارج الأرض المغصوبة و غير ملزم بالدخول فيها، و لكنه باختياره دخل فيها و صلى، فعندئذ يقع الكلام في صحة هذه الصلاة و فسادها من ناحية انها هل تتحد مع المحرم خارجا في مورد الاجتماع‏

335

أم لا، و هذه النقطة هي محل البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي. و قد تقدم الكلام فيها بشكل واضح.

الثانية- ما إذا كان المكلف غير متمكن من امتثال الواجب بدون ارتكاب الحرام لعدم المندوحة له و لكنه قادر على ترك الحرام و ذلك كما إذا توقف الوضوء أو الغسل مثلا، على التصرف في أرض الغير بأن يكون الماء في مكان يتوقف التوضؤ أو الاغتسال به على التصرف فيها، فيدور عندئذ امر المكلف بين ان يترك الواجب أو يرتكب المحرم أو يتخير بينهما، لعدم تمكنه من امتثال كليهما معاً، و هذه النقطة هي التي تدور عليها بحث التزاحم. و قد تقدم الكلام فيها بصورة مفصلة.

الثالثة- ما إذا كان المكلف غير متمكن من ترك الحرام و مضطرا إلى ارتكابه و ذلك كمن كان محبوساً في الدار المغصوبة مثلا سواء أ كانت مقدمته باختياره أو بغير اختياره و بعد ذلك لا يتمكن من الخروج عنها فطبعاً عندئذ يضطر إلى الصلاة فيها، و هذه النقطة هي محل البحث في المقام دون غيرها.

و بعد ذلك نقول: الكلام فيها يقع في موضعين:

الأول- في الاضطرار الناشئ بغير سوء اختيار المكلف.

الثاني- في الاضطرار الناشئ بسوء اختياره.

اما الموضع الأول فالكلام فيه يقع في موردين:

الأول- في حكم الفعل المضطر إليه نفسه.

الثاني- في حكم العبادة الواقعة معه.

اما الأول فلا إشكال في ان الاضطرار يوجب سقوط التكليف عن الفعل المضطر إليه، و لا يعقل بقاؤه ضرورة استحالة توجيه التكليف إلى المضطر لأنه تكليف بما لا يطاق و هو محال عقلا.

336

هذا مضافا إلى ما دلت عليه عدة من الروايات [1]:

____________

[1] قال الصدوق: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا سعد ابن عبد اللّه عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): رفع عن أمتي تسعة: الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه و الحسد و الطيرة و التفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة- الخصال ج 2 باب التسعة حديث 8. التوحيد آخر باب الاستطاعة. و وردت هذه الرواية في الوسائل الباب 56- من أبواب جهاد النّفس. الباب 37 من أبواب قواطع الصلاة. الباب 30 من أبواب الخلل في الصلاة، و هي ضعيفة بأحمد بن محمد بن يحيى العطار لعدم ثبوت وثاقته.

ثم ان الموجود في نسخة الخصال محمد بن أحمد بن يحيى العطار، و هو غلط، و الصحيح هو أحمد بن محمد بن يحيى العطار، لأنه من مشايخ الصدوق، و اما محمد بن أحمد بن يحيى العطار فلا وجود له أصلا. هذا من ناحية، و من ناحية أخرى انه وقع اختلاف يسير في هذه الرواية، بين ما في الوسائل و ما في الخصال و التوحيد، فان ما فيهما أعني الخصال و التوحيد مشتمل على جملة ما اضطروا إليه دون كلمة السهو و ما في الوسائل عكس ذلك، يعنى انه مشتمل على كلمة السهو دون جملة ما اضطروا إليه. و لعل منشأ هذا الاختلاف اختلاف النسخ أو جهة أخرى، و كيف كان فلا يهمنا ذلك بعد كون الرواية ضعيفة.

و من هنا يظهر ان توصيف شيخنا العلامة الأنصاري (قدس سره) هذه الرواية بالصحّة بقوله المروي عن النبي (صلى الله عليه و آله) بسند صحيح في الخصال كما عن التوحيد في غير محله، و لعله (قدس سره) يرى صحتها باعتبار ان أحمد بن محمد بن يحيى العطار من مشايخ الصدوق، و هذا المقدار يكفي في توثيقه، أو باعتبار رواية الأجلاء عنه و لكن من المعلوم ان مجرد كونه من مشايخه، أو رواية الأجلاء عنه لا يكفي في توثيقه، بل لا يثبت به حسنه فضلا عن وثاقته، لأن من مشايخه من كان معلوم-

337

و اما الكلام في الثاني فيقع في عدة مقامات:

____________

- الضعف، كما ان رواية الأجلاء عمن كان كذلك كثيرة، فاذن كيف يكون هذا قرينة على صحة الرّجل.

2- موثقة أحمد بن محمد بن يحيى عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا خلف الرّجل تقية لم يضره إذا أكره و اضطر إليه، و قال: «ليس شي‏ء مما حرم اللّه الا و قد أحله لمن اضطر إليه» الوسائل الباب 13 من أبواب الإيمان.

3- موثقة سماعة عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض هل تمسك له المرأة شيئاً فيسجد عليه فقال: «لا الا ان يكون مضطرا إليه و ليس عنده غيرها و ليس شي‏ء مما حرم اللّه الا و قد أحله لمن اضطر إليه». الوسائل الباب 10- من أبواب القيام.

4- أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسماعيل الجعفي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول «وضع عن هذه الأمة ستة خصال: الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون و ما اضطروا إليه» الوسائل الباب 16 من أبواب الإيمان.

يقع الكلام في سند هذه الرواية و الظاهر ان سندها صحيح فان في سندها إسماعيل الجعفي و هو إسماعيل بن جابر الجعفي إذ إسماعيل الجعفي الّذي و رد بهذا العنوان في الروايات كثيرا امره مردد بين ابن جابر و ابن عبد الرحمن و ليس هو رجلا آخر غيرهما كما هو واضح، و الا لتعرض له أرباب الرّجال لا محالة نعم ذكره الشيخ (ره) في رجاله في أصحاب الصادق و الباقر (عليهما السلام) بعنوان الخثعمي (إسماعيل بن جابر الخثعمي) و في أصحاب الكاظم (عليه السلام) بلا عنوان (إسماعيل بن جابر) و من هنا وقع الاختلاف في تعدد الرّجل و ان المسمى بإسماعيل ابن جابر واحد أو متعدد، و لكن الظاهر بل لا شبهة في انه واحد، و يدلنا على ذلك أمور:

الأول- انه لو كان رجلين لذكرهما الشيخ في كتابيه الرّجال و الفهرست و لا سيما في الفهرست حيث انه معد لذكر أرباب الكتب و الأصول، مع انه لم يذكر فيه الا-

338

الأول- في بيان ما هو المستفاد من تعلق النهي بعبادة أو معاملة، و هذا

____________

- إسماعيل بن جابر بلا توصيف، و لذكرهما النجاشي أيضاً في رجاله مع انه لم يذكر الا إسماعيل بن جابر الجعفي، و لا معنى لأن يذكر الشيخ أحدهما في كتابيه و النجاشي الآخر، مع ان بناء كل منهما على ذكر أرباب الكتب و الأصول. و مما يؤيد الاتحاد ان الراوي عنهما صفوان بن يحيى، و انه يبعد عدم اطلاع الشيخ على الجعفي مع انه صاحب أصل، بل و كيف يمكن ذلك مع اشتهار الجعفي بين الرّواة و وروده في الروايات كما انه يبعد عدم اطلاع النجاشي و الكشي على الخثعمي و كل ذلك مؤكد الاتحاد.

الثاني- ان جملة من أرباب الكتب نقلوا عن رجال الشيخ إسماعيل بن جابر الجعفي لا الخثعمي منهم العلامة في الخلاصة، و التفريشي في نقد الرّجال، و مولى عناية اللّه في المجمع، و هذا النقل من هؤلاء الأكابر شاهد صدق على تحريف نسخة رجال الشيخ بتبديل الجعفي بالخثعمى.

الثالث- الموجود في روايات كتابي الشيخ أعني التهذيب و الاستبصار ليس هو إسماعيل بن جابر الخثعمي، بل الموجود فيهما اما إسماعيل بن جابر بلا توصيف كما هو الغالب أو إسماعيل الجعفي و هذا كثير، فهذا قرينة على وقوع التحريف في رجاله و عدم وجود لإسماعيل بن جابر الخثعمي.

نعم بقي هنا شي‏ء و هو ان الجعفي كما انه لقب لإسماعيل بن جابر كذلك هو لقب لإسماعيل بن عبد الرحمن، فاذن من أين يعلم ان المراد من الجعفي في هذه الرواية هو ابن جابر دون ابن عبد الرحمن.

و الجواب عن ذلك أولا ان المراد من إسماعيل الجعفي في هذه الرواية لا محالة هو ابن جابر، و ذلك لأن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي مات في حياة أبي عبد اللّه (عليه السلام) على ما ذكره الشيخ في رجاله، فاذن الراوي عن إسماعيل الجعفي إذا أدرك زمان أبي عبد اللّه (عليه السلام) فهو طبعاً مردد بين ابن جابر و ابن عبد الرحمن. و اما إذا لم يدرك زمانه (عليه السلام) فيتعين في ابن جابر، ضرورة انه لا يمكن رواية من لم يدرك زمانه (عليه السلام) عن إسماعيل بن عبد الرحمن بلا واسطة.

339

و ان كان خارجا عن محل الكلام فانه في الاضطرار إلى ارتكاب المحرم لا غيره الا انه لا بأس بالإشارة إليه لأدنى مناسبة.

الثاني- في صحة العبادة في فرض عدم اتحادها مع المحرم خارجا.

الثالث- في صحة العبادة في فرض اتحادها معه كذلك.

اما المقام الأول فقد ذكرنا غير مرة ان النهي في العبادات كقوله (عليه السلام) «لا تصل فيما لا يؤكل لحمه أو في الميتة أو في الحرير أو في الذهب أو في النجس أو ما شاكل ذلك، أو في المعاملات كقوله (عليه السلام) «لا تبع ما ليس عندك» و قوله (عليه السلام) «نهى النبي (صلى الله عليه و آله) عن بيع الغرر» و نحوهما ظاهر في الإرشاد إلى مانعية هذه الأمور عن العبادات أو المعاملات، و معنى مانعيتها هو اعتبار عدمها فيها. و من المعلوم ان مرد ذلك إلى ان المأمور به هو حصة خاصة منها و هي الحصة المقيدة بعدم هذه الأمور و كذا الممضاة من المعاملة.

و يترتب على ذلك ان الصلاة فيما لا يؤكل أو الميتة أو الحرير أو نحو ذلك ليست بمأمور بها. و من المعلوم ان الإتيان بغير المأمور به لا يجزي عن المأمور به و لا يوجب سقوطه، فاذن لا محالة يقع فاسداً. بل لو أتى بها مع أحد هذه الموانع بقصد الأمر لكان تشريعاً و محرما، و كذا لو فعل معاملة غررية أو باع ما ليس عنده فلا محالة تقع فاسدة لفرض انها غير ممضاة شرعا.

و قد تحصل من ذلك ان هذه النواهي إرشاد إلى بطلان العبادة أو المعاملة مع أحد هذه الأمور، فيكون البطلان مدلولا مطابقياً لها، و لا تدل على حكم- و على هذا الأساس يتعين في هذه الرواية انه ابن جابر، لأن الراوي عنه أحمد ابن محمد بن عيسى و هو ممن لم يدرك زمان أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و ثانياً- على تقدير التنزل عن ذلك ان هذا الترديد لا ينافي اعتبار الرواية، لأن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي أيضاً ثقة و لا أقل انه حسن لقول النجاشي في رجاله انه كان وجها في أصحابنا، فاذن لا إشكال في اعتبار الرواية و صحتها.

340

تكليفي أصلا، و لذا لا يكون إيجادها في الخارج من المحرمات في الشريعة المقدسة فلا يكون لبس ما لا يؤكل أو الميتة أو النجس محرما و مبغوضاً. نعم لبس الحرير و الذهب من المحرمات الا ان حرمته غير مستفادة من هذا النهي، بل هي مستفادة من دليل آخر، و كيف كان فهذا واضح و ان هذه النواهي من هذه الناحية أي من ناحية كونها إرشادا إلى مانعية تلك الأمور لا تدل على حرمة إيجادها في الخارج أبداً. نعم يمكن استفادة حرمة بعضها من دليل آخر، و هذا لا صلة له بدلالة تلك النواهي عليها كما لا يخفى.

و على ضوء هذا البيان يترتب ان المكلف لو اضطر إلى لبس ما لا يؤكل في الصلاة أو الميتة أو الحرير أو نحو ذلك فمقتضى القاعدة الأولية هو سقوط الصلاة، لعدم تمكنه من الإتيان بها واجدة لجميع الاجزاء و الشرائط، و معه لا محالة يسقط الأمر عنها و الا لكان تكليفاً بالمحال. و اما وجوب الفاقد لهذا القيد فهو يحتاج إلى دليل آخر، فان دل دليل على وجوبه أخذنا به و الا فلا وجوب له أيضاً. و على الجملة فمقتضى القاعدة الأولية هو سقوط الأمر عن كل مركب إذا تعذر أحد اجزائه أو قيوده من الوجودية أو العدمية باضطرار أو نحوه، و لا يعقل بقاء الأمر به في هذا الحال، لاستلزامه التكليف بغير المقدور و هو محال. و اما وجوب الباقي من الاجزاء و القيود فهو يحتاج إلى دليل آخر، فان كان هناك دليل عليه فهو و الا فلا وجوب له أيضاً.

نعم قد ثبت وجوب الباقي في خصوص باب الصلاة من جهة ما دل من الروايات على انها لا تسقط بحال، هذا مضافا إلى قيام الضرورة و الإجماع القطعي على ذلك.

و قد تحصل من ذلك امران:

الأول- ان الأوامر و النواهي بطبعهما ظاهرتان في المولوية و حملهما على‏

341

غيرها من الإرشاد أو نحوه يحتاج إلى عناية زائدة و قرينة خاصة تدل عليه، و لكن هذا الظهور قد انقلب في الأوامر و النواهي المتعلقتين بحصة خاصة من العبادات و المعاملات، فانهما في هذه الموارد ظاهرتان في الإرشاد، فالأوامر إرشاد إلى الجزئية أو الشرطية و النواهي إلى المانعية. فتلخص ان ورودهما في أبواب العبادات و المعاملات قرينة عامة على انهما للإرشاد.

الثاني- ان مقتضى القاعدة سقوط الأمر عن المركب عند تعذره بتعذر أحد اجزائه أو قيوده. و اما وجوب الباقي فهو يحتاج إلى دليل آخر و لا دليل عليه إلا في باب الصلاة فحسب.

و اما المقام الثاني فلا ينبغي الشك في صحة العبادة في مورد الاجتماع هنا و الوجه في ذلك ما ذكرناه هناك من ان من ثمرة المسألة أعني مسألة الاجتماع هي صحة العبادة على القول بالجواز مطلقاً و قد تقدم ان القول بالجواز يرتكز على ركيزتين:

الأولى- ان يكون المجمع في مورد الاجتماع متعددا وجودا و ماهية.

الثانية- ان لا يسري الحكم من متعلق النهي إلى متعلق الأمر، و على هذا فإذا كانت العبادة صحيحة في مورد الاجتماع مع بقاء الحرمة و فعليتها و انها لا تكون مانعة عن صحتها فما ظنك فيما إذا سقطت تلك الحرمة من ناحية الاضطرار أو الإكراه أو نحوهما، كما هو المفروض في مقامنا هذا. و على الجملة فقد ذكرنا ان العبادة كالصلاة مثلا صحيحة على القول بالجواز مطلقاً، و مجرد ملازمة الحرام معها وجوداً لا يمنع عن صحتها بعد ما كان وجود أحدهما في الخارج مبايناً لوجود الآخر، فيكون نظير ما إذا استلزم الصلاة في مكان النّظر إلى الأجنبية فكما انه غير مانع عن صحة الصلاة في ذلك المكان فكذلك في المقام، هذا حال ما إذا لم يكن المكلف مضطراً إلى ارتكاب المحرم و صلى باختياره في أرض مغصوبة.

342

و اما إذا كان مضطراً إلى ارتكابه و التصرف فيها فلا إشكال في صحة صلاته بل لو قلنا بالفساد هناك اما من ناحية سراية الحكم من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر أو من ناحية ان مجرد ملازمة الحرام معها وجوداً في الخارج مانع عن صحتها، بدعوى اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادة، و مع ملازمة وجود الحرام معها خارجا لا يكون صدورها حسناً. فلا نقول به في المقام، و ذلك لأن المانع عن الحكم بالصحّة انما هو الحرمة الواقعية من جهة أحد هذين الأمرين و المفروض انها قد سقطت من ناحية الاضطرار أو نحوه واقعاً لفرض انه رافع للتكليف واقعاً لا ظاهراً، فاذن لا مانع من الصحة أصلا.

و من هنا قلنا بصحة العبادة على القول بالامتناع في صورة النسيان أو نحوه بعين هذا الملاك و هو انه رافع للتكليف واقعاً، فإذا كانت الحرمة مرفوعة واقعاً من جهة النسيان أو نحوه لا مانع عندئذ من الحكم بالصحّة أصلا، و كيف كان فلا إشكال في صحة العبادة في المقام و لو قلنا بفسادها على القول بالجواز في المسألة و سيأتي بيان ذلك بشكل واضح إن شاء اللَّه تعالى.

و اما المقام الثالث (و هو ما إذا كان المأمور به متحداً مع المنهي عنه في الخارج، فهل يصح الإتيان بالعبادة المضطر إليها المتحدة مع الحرام خارجا أم لا؟

وجهان بل قولان: المعروف و المشهور بين الأصحاب هو القول الأول، و لكن اختار جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قده) القول الثاني.

و قد استدل للمشهور بان الموجب لتقييد إطلاق المأمور به بغير الحصة المنهي عنها انما هو حرمة تلك الحصة و إلا فلا مقتضى لتقييده أصلا، و المفروض في المقام ان حرمتها قد سقطت من ناحية الاضطرار أو نحوه واقعاً فلا حرمة بحسب الواقع و نفس الأمر. و من المعلوم انه مع سقوطها كذلك لا مانع من التمسك بإطلاق دليل الأمر لإثبات كون هذه الحصة من مصاديق المأمور به و افراده‏

343

لتوضيح ذلك نأخذ مثالا و هو ما إذا اضطر المكلف إلى الوضوء أو الغسل بالماء المغصوب فتوضأ أو اغتسل به ففي أمثال هذا لا مانع من الحكم بصحة الوضوء أو الغسل، فان المانع عن صحتهما انما هو حرمة التصرف في هذا الماء، حيث انها لا محالة توجب تقييد إطلاق دليليهما بغير هذه الحصة أعني التوضؤ أو الاغتسال بالماء المغصوب، فهذه الحصة خارجة عن دائرة الأمر و مبغوضة للشارع فلا يعقل انطباق المأمور به عليها، لاستحالة كون المحرم و المبغوض مصداقا للواجب و المحبوب و لازم ذلك لا محالة تقييد المأمور به بغيرها. فاذن النتيجة هي ان ما دل على حرمة التصرف في هذا الماء بالمطابقة فلا محالة يدل على تقييد الوضوء أو الغسل بغيره بالالتزام، لفرض ان هذا التقييد لازم حرمة التصرف فيه و متفرع عليها. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحدوث و البقاء و الوجود و الحجية، فلا يعقل بقاء الدلالة الالتزامية مع سقوط الدلالة المطابقية، فالدلالة الالتزامية كما انها تابعة للدلالة المطابقية في الوجود فلا يعقل وجودها بدون وجود تلك الدلالة كذلك تابعة لها في الحجية فلا يمكن بقاؤها على صفة الحجية مع فرض سقوط الدلالة المطابقية عنها.

فالنتيجة على ضوء هاتين الناحيتين هي ان في المقام بما ان الدلالة المطابقية و هي دلالة النهي على حرمة التصرف في هذا الماء قد سقطت من ناحية الاضطرار أو نحوه فلا محالة تسقط دلالته الالتزامية أيضاً و هي الدلالة على تقييد الوضوء أو الغسل بغير الوضوء أو الغسل بهذا الماء، فاذن لا مانع من التمسك بإطلاق دليل وجوب الوضوء أو الغسل لإثبات كون هذا الفرد مأموراً به.

و بكلمة أخرى انه لا شبهة في ان المانع عن صحة الوضوء أو الغسل ليس هو التصرف في مال الغير بما هو تصرف في مال الغير، ضرورة انه لو اذن في‏

344

التصرف فيه فلا إشكال في صحة الوضوء أو الغسل به، بل المانع عنها انما هو حرمة التصرف فيه لوضوح انه إذا كان محرما يستحيل ان يكون مصداقا للواجب و اما إذا سقطت تلك الحرمة من جهة الاضطرار أو نحوه واقعاً كما هو المفروض في المقام فلا مانع عندئذ من كون الوضوء أو الغسل به مصداقا للمأمور به، لفرض ان التصرف فيه وقتئذ جائز واقعاً كالتصرف في الماء المملوك أو المباح، فإذا كان جائزاً كذلك فلا مانع من انطباق المأمور به عليه.

و من هنا قوينا صحة الوضوء أو الغسل في الماء المغصوب في صورة النسيان إذا كان عن قصور لا عن تقصير. و الوجه فيه ما تقدم من ان النسيان كالاضطرار رافع للتكليف واقعاً لا ظاهرا فحسب. و من المعلوم انه إذا ارتفعت الحرمة واقعا ارتفع ما هو معلول لها أيضاً، لاستحالة بقاء المعلول من دون علته و هو تقييد المأمور به بغير هذا الفرد المنهي عنه، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

و على ضوء ذلك قد تبين انه لا فرق في صحة الوضوء أو الغسل بهذا الماء بين ان يكون للمكلف مندوحة بان يتمكن من ان يتوضأ أو يغتسل بماء آخر مباح أو مملوك له أولا يكون له مندوحة.

و الوجه في ذلك واضح و هو ان حرمة التصرف في هذا الماء على الفرض قد سقطت من جهة الاضطرار أو نحوه. و من المعلوم انه مع سقوط الحرمة عنه لا فرق بين ان يصرفه في الوضوء أو الغسل و ان يصرفه في امر آخر. و عليه فتمكن المكلف من استعمال هذا الماء في شي‏ء آخر و التوضؤ أو الاغتسال بماء مباح أو مملوك له لا يوجب لزوم صرفه في هذا الشي‏ء و التوضؤ أو الاغتسال بماء آخر، لفرض ان التصرف فيه جائز واقعاً. و من الطبيعي انه لا فرق فيه بين أنحاء التصرف.

نعم يمكن ذلك فيما لو اذن المالك في التصرف في ماله من جهة خاصة دون جهة أخرى فانه على هذا وجب الاقتصار في التصرف فيه على تلك الجهة فحسب الا

345

ان ذلك أجنبي عن المقام الكلية لفرض ان الاضطرار في المقام تعلق بطبيعي التصرف في هذا الماء لا بالتصرف فيه بجهة خاصة كما هو واضح.

تتلخص نتيجة استدلال المشهور في نقطتين رئيسيتين:

الأولى- ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً و بقاء وجودا و حجية.

الثانية- ان الاضطرار رافع للتكليف واقعاً لا ظاهرا فقط، كما هو الحال في الجهل، فانه رافع للتكليف ظاهرا و لا ينافي ثبوته واقعاً.

و قد أورد شيخنا الأستاذ (قده) على النقطة الأولى بما حاصله هو ان النهي المتعلق بالعبادة يتصور على أنواع:

الأول- ان يكون إرشادا إلى مانعية شي‏ء و اعتبار عدمه في المأمور به و ذلك كالنهي عن الصلاة فيما لا يؤكل و في النجس و الميتة و الحرير و ما شاكل ذلك فاعتبار عدم هذه الأمور في المأمور به كالصلاة مثلا، يكون مدلولا مطابقياً لهذا النهي و ليس مدلولا التزامياً كما هو ظاهر.

الثاني- ان يكون نهياً نفسياً تحريمياً، و لكن استفادة اعتبار قيد عدمي فيه أي في المأمور به من ناحية مزاحمته مع المنهي عنه بمعنى ان المكلف لا يتمكن من امتثال كليهما في الخارج فلا محالة تقع المزاحمة بينهما، و على هذا فبناء على تقديم جانب النهي على جانب الأمر لا محالة يقيد إطلاق المأمور به بغير هذا الفرد.

الثالث- هذه الصورة بعينها، و لكن استفادة التقييد ليست من ناحية مزاحمة المأمور به مع المنهي عنه، بل هو من ناحية الدلالة الالتزامية بمعنى ان النهي يدل على الحرمة بالمطابقة و على التقييد بالالتزام.

اما النوع الأول فلا إشكال في دلالته على الفساد. و ذلك لأن مقتضى إطلاق هذا النهي هو اعتبار هذا القيد العدمي في المأمور به مطلقاً و في جميع‏

346

أحوال المكلف، و لازم ذلك سقوط الأمر عنه عند انحصار الامتثال بالفرد الفاقد لهذا القيد، كما لو اضطر المكلف إلى لبس الحرير أو الذهب أو الميتة في الصلاة، هذا ما تقتضيه القاعدة. و لكن في خصوص باب الصلاة قد دل الدليل على عدم سقوطها بحال، و مرد هذا الدليل إلى إلغاء هذه القيود عند العجز و عدم التمكن من إتيانها.

و اما النوع الثاني (و هو ما كان التقييد ناشئاً عن مزاحمة المأمور به مع المنهي عنه) فلا يدل على الفساد حتى فيما إذا تمكن المكلف من ترك الحرام بناء على إمكان الترتب و صحته، أو بناء على إمكان تصحيح العبادة بالملاك فضلا عما إذا سقطت الحرمة من ناحية الاضطرار، كما في المقام، و ذلك لأن سقوط الحرمة يستلزم سقوط التقييد لا محالة، لفرض ان منشأه ليس دليلا لفظياً له عموم أو إطلاق ليتمسك بعمومه أو إطلاقه لإثبات انه باق و لم يسقط، بل منشأه مزاحمة الحرمة مع الوجوب، فإذا سقطت الحرمة من ناحية الاضطرار ارتفعت المزاحمة و مع ارتفاعها لا يعقل بقاؤه، بداهة انه لا يعقل بقاء المعلول مع سقوط علته و ارتفاعها، و كذا الحال فيما إذا كانت الحرمة ثابتة في الواقع و لكنها غير منجزة لوضوح انها ما لم تكن منجزة فلا تزاحم الوجوب و لا تكون معجزا للمكلف عن الإتيان بالمأمور به و معذرا له في تركه، لتكون موجبة لتقييده بغير هذا الفرد.

فالنتيجة ان الحرمة إذا سقطت من جهة الاضطرار أو نحوه كما فيما نحن فيه أو فرض انها و ان لم تسقط في الواقع بل هي باقية إلا انها غير منجزة فلا تمنع عن انطباق الطبيعي المأمور به على هذا الفرد الملازم وجودا مع الحرام، لأن المانع عنه انما هو الحرمة المنجزة الموجبة لتقييده بغيره بناء على تقديمها على الوجوب كما هو المفروض، و اما إذا سقطت فلا مانع أصلا.

و اما النوع الثالث (و هو ما كان التقييد ناشئاً عن الدلالة الالتزامية) فقد

347

أفاد (قده) بما هو توضيحه ان التقييد و الحرمة معلولين للنهي في مرتبة واحدة فلا سبق للحرمة على التقييد ليكون التقييد معلولا لها. و عليه فمقتضى القاعدة الأولية هو سقوط الأمر عند تعذر قيده، ضرورة استحالة بقاء الأمر بحاله مع تعذره و إلا لزم التكليف بالمحال، و مقتضى القاعدة الثانوية هو سقوط التقييد و لزوم الإتيان بالباقي من اجزاء الصلاة و شرائطها، و الوجه في ذلك هو ان الحرمة و الوجوب متضادان. و قد تقدم في بحث الضد بشكل واضح ان وجود الضد ليس مقدمة لعدم الضد الآخر، ضرورة ان المقدمية تقتضي تقدم المقدمة على ذيها بالرتبة، و المفروض انه لا تقدم و لا تأخر، بين وجود ضد و عدم الآخر، كما انه لا تقدم و لا تأخر بين وجوديهما، لأن تقدم شي‏ء على آخر بالرتبة يحتاج إلى ملاك مصحح له و لا يكون جزافا، و المفروض انه لا ملاك له في المقام. فالنتيجة ان عدم الضد و وجود ضد آخر في رتبة واحدة من دون سبق و لحوق بينهما أبداً فإذا كان الأمر كذلك يستحيل ان يكون أحدهما متفرعا على الآخر و في مرتبة متأخرة عنه.

و على ضوء ذلك قد تبين انه لا يمكن ان يكون النهي دالا على الحرمة في مرتبة و على التقييد و عدم الوجوب في مرتبة أخرى متفرعة عليها لما عرفت من عدم الاختلاف بينهما في الرتبة أصلا. و عليه فلا محالة تكون دلالة النهي على كليهما في رتبة واحدة.

و نتيجة ذلك هي ان مقتضى القاعدة الأولية سقوط الأمر عن المركب عند تعذر قيد من قيوده دون سقوط التقييد. لفرض ان دلالة النهي عليه لم تكن متفرعة على دلالته على الحرمة، بل دلالته عليه كانت في عرض دلالته عليها.

و يترتب على ذلك انه إذا سقطت دلالته على الحرمة لضرورة فلا مقتضى لسقوط دلالته على التقييد أصلا، لفرض انها غير متفرعة عليها لتنتفي بانتفائها، بل‏

348

هي في عرضها، فاذن مقتضى القاعدة الأولية هو عدم سقوط التقييد و انه باق بحاله، و الاضطرار انما يوجب سقوط الحرمة فحسب، فان بقاؤها معه غير معقول لاستلزام بقائها في هذا الحال التكليف بالمحال و اما التقييد فلا موجب لسقوطه.

و من المعلوم انه لا منافاة بين سقوط الحرمة و بقاء التقييد أصلا، بل هو مقتضى إطلاق دليله، كما لا يخفى.

نعم قد دل الدليل على سقوطه في خصوص باب الصلاة، و لازم ذلك هو وجوب الإتيان بالباقي من اجزائها و شرائطها.

و لنأخذ بالنظر على ما أفاده (قده).

اما ما أفاده في النوع الأول من تلك النواهي فهو في غاية الاستقامة، كما تقدم ذلك غير مرة فلا نعيد.

و اما ما أفاده في النوع الثاني منها فائضاً الأمر كذلك، فانه لا إشكال في سقوط التقييد عندئذ أي عند سقوط النهي واقعاً من ناحية الاضطرار أو نحوه و معه لا شبهة في صحة العبادة، بل قد ذكرنا سابقاً ان العبادة صحيحة في فرض بقاء الحرمة و عدم سقوطها بناء على ما حققناه من إمكان الترتب و جوازه، فضلا عما إذا سقطت الحرمة.

و اما ما أفاده في النوع الثالث فلا يمكن تصديقه بوجه، و الصحيح فيه هو ما ذكره المشهور من ان دلالة النهي على التقييد متفرعة على دلالته على الحرمة فتنتفي بانتفائها.

و الوجه في ذلك هو ان ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من انه لا تقدم و لا تأخر بين عدم ضد و وجود ضد آخر و انهما في مرتبة واحدة و ان كان في غاية المتانة و الصحة بحسب مقام الواقع و الثبوت، و ذلك لما ذكرناه غيره مرة من ان تقدم شي‏ء على آخر في الرتبة بعد ما كان مقارناً معه زماناً لا يكون جزافا، و الا

349

لا مكن تقدم كل شي‏ء على آخر بالرتبة، بل كان بملاك كتقدم العلة على المعلول رتبة بعد ما كانت مقارناً معه زماناً، فانه قضية حق عليتها عليه، و تقدم الشرط على المشروط كذلك، فانه قضاء لحق الشرطية .. و هكذا، و لا ملاك لتقدم عدم ضد على وجود ضد آخر رتبة أو بالعكس، كما بينا ذلك في بحث الضد بشكل واضح فلاحظ.

و لكنه لا يتم بحسب مقام الإثبات و الدلالة، بيان ذلك هو انه لا شبهة في ان الأدلة الدالة على حرمة التصرف في مال الغير كقوله (عليه السلام) لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفسه و نحوه لا تدل على التقييد المزبور و عدم الوجوب الا بالدلالة الالتزامية، ضرورة ان مدلولها المطابقي هو حرمة التصرف في مال الغير بدون رضاه لا ذلك التقييد و عدم الوجوب، و لكن بما ان الحرمة تنافي الوجوب و لا تجتمع معه فلا محالة ما دل على الحرمة بالمطابقة يدل على عدم الوجوب بالالتزام، نظير ما إذا أخبر أحد عن قيام زيد مثلا، فان اخباره هذا يدل على قصد الحكاية عن قيامه بالمطابقة و على عدم قعوده بالالتزام، فان كل دليل يدل على ثبوت شي‏ء لشي‏ء بالمطابقة سواء أ كان اخباراً أو إنشاء يدل على عدم ثبوت ضده له بالالتزام، فلو دل دليل على حرمة شي‏ء فلا محالة يدل بالالتزام على عدم وجوبه، و هذا من الواضحات الأولية.

و يترتب على ذلك ان عدم التقدم بين عدم ضد و وجود ضد آخر أو بالعكس و عدم تفرع أحدهما على الآخر بحسب مقام الواقع و الثبوت لا ينافي الترتب و التفرع بينهما بحسب مقام الإثبات و الدلالة. بل قد عرفت ان ذلك من الواضحات بداهة ان الدلالة الالتزامية متفرعة على الدلالة المطابقية و في مرتبة متأخرة عنها و ان لم يكن بين ذاتي المدلولين أعني المدلول الالتزامي و المدلول المطابقي تقدم و تأخر في مقام الثبوت و الواقع أصلا، فان ذلك لا يمنع عن كون دلالة الدليل على‏

350

أحدهما في مرتبة سابقة على دلالته على الآخر، بل الأمر طبعاً كذلك في جميع الأمور المتلازمة في الوجود خارجا فكلما دل الدليل على وجود أحد المتلازمين بالمطابقة دل على وجود الآخر بالالتزام، فتكون دلالته على وجود أحدهما في مرتبة متقدمة على دلالته على وجود الآخر مع انه لا تقدم و لا تأخر بينهما بحسب الواقع، و كذا ما دل على وجود المعلول بالمطابقة لا محالة يدل على وجود العلة بالالتزام، فتكون دلالته على وجود المعلول في مرتبة سابقة على دلالته على وجود العلة مع ان وجوده متأخر رتبة عن وجودها، و لذا قسموا الدليل إلى دليل اني و دليل لمي، و المراد بالأول هو ما كان المعلول واقعاً في طريق إثبات العلة يكون العلم بها معلولا للعلم به أو كان أحد المعلولين واقعاً في طريق إثبات المعلول الآخر و المراد بالثاني هو ما كانت العلة واقعة في طريق إثبات المعلول.

فالنتيجة من ذلك هي ان عدم التقدم و التأخر بين شيئين رتبة بحسب مقام الواقع و الثبوت لا يوجب عدم التقدم و التأخر بينهما بحسب مقام الإثبات و الكشف أيضاً، لوضوح انه لا مانع من ان يكون كشف أحدهما و العلم به متقدما رتبة على كشف الآخر و العلم به، بل لا مانع من ان يكون كشف المتأخر رتبة متقدما على كشف المتقدم كذلك، كما هو الحال في الدليل الإني، بل هذا من البديهيات الأولية، ضرورة ان كل دليل دل على وجود شي‏ء لا محالة يدل على عدم ضده و وجود لازمه أو ملزومه بالالتزام.

نعم المستحيل انما هو كون الشي‏ء المتأخر رتبة واسطة و علة لوجود الشي‏ء المتقدم كذلك أو كون أحد المتساويين في الرتبة علة لوجود المتساوي الآخر فان هذا غير معقول، لاستلزام ذلك تقدم الشي‏ء على نفسه، و اما كون الشي‏ء المتأخر واسطة للعلم بالمتقدم أو كون أحد المتساويين واسطة للعلم بالمتساوي الآخر فلا محذور فيه أبدا. فما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من ان دلالة النهي على التقييد

351

و عدم الوجوب ليست متفرعة على دلالته على الحرمة بل هي في عرضها لا يرجع بظاهره إلى معنى معقول أصلا. لحد الآن قد تبين ان دلالة النهي على التقييد و عدم الوجوب متفرعة على دلالته على الحرمة، و ليست في عرض دلالته عليها.

هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا ان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثاً و بقاء وجودا و حجية.

فالنتيجة على ضوئهما هي ان الدلالة المطابقية لو سقطت عن الحجية لسقطت الدلالة الالتزامية أيضاً، و بما ان في المقام قد سقطت الدلالة المطابقية و هي دلالة النهي على الحرمة من ناحية الاضطرار أو نحوه فلا محالة تسقط الدلالة الالتزامية أيضاً و هي دلالته على التقييد بمقتضى قانون التبعية فاذن لا مانع من التمسك بإطلاق دليل الوجوب لإثبات كون هذه الحصة مصداقا للمأمور به، و في المثال المتقدم لا مانع من التمسك بإطلاق دليل وجوب الوضوء أو الغسل عندئذ لإثبات جوازه في هذا الماء أعني الماء المغصوب، فيكون المقام نظير ما إذا ورد التخصيص على دليل النهي من أول الأمر، فانه لا محالة يوجب اختصاص الحرمة بغير موارد تخصيصه. و عليه فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الأمر بالإضافة إلى تلك الموارد أصلا.

و من ذلك يظهر فساد ما عن شيخنا الأستاذ (قده) أيضاً من ان الدلالة الالتزامية ليست تابعة للدلالة المطابقية في الحجية، و انما هي تابعة لها في الحدوث فاذن سقوط الدلالة المطابقية عن الحجية لا يستلزم سقوط الدلالة الالتزامية عنها و وجه الظهور ما عرفت على نحو الإجمال من ان الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية في الحدوث و الحجية فلا يعقل بقاؤها على صفة الحجية و الاعتبار مع سقوط الدلالة المطابقية عنها. و قد تقدم الكلام في بيان الجواب عن ذلك نقضاً و حلا في بحث الضد بصورة واضحة، فلا نعيد.

352

فالنتيجة قد أصبحت إلى الآن ان الصحيح هو ما ذهب إليه المشهور من صحة العبادة بعد سقوط الحرمة من ناحية الاضطرار أو نحوه واقعاً.

و لكن قد يناقش في ذلك بان الحرمة و ان ارتفعت واقعاً من جهة الاضطرار أو غيره الا ان ملاكها و هو المفسدة باق، لعدم الدليل على ارتفاعه، فان الدليل انما قام على ارتفاع الحرمة الفعلية لأجل عروض ما يوجب ارتفاعها و هو الاضطرار و اما ملاكها فلا دليل على ارتفاعه أصلا، و دليل رفع الحكم لا يكون دليلا عليه بنفسه، ضرورة انه لا يدل الا على رفع الحكم فحسب و اما رفع الملاك فلا.

و عليه فبما ان الفعل في هذا الحال أي حال الاضطرار أيضاً مشتمل على ملاك التحريم فلا يصلح ان يتقرب به، فاذن لا يمكن التمسك بإطلاق دليل الأمر.

و بكلمة واضحة ان لنا في المقام دعويين:

الأولى- ان ملاك التحريم باق بحاله و المرفوع بأدلة الاضطرار انما هو الحرمة فحسب.

الثانية- انه مع هذا الملاك لا يمكن الحكم بصحة العبادة و التقرب بها.

اما الدعوى الأولى فلان حديث الرفع أو ما شاكله حيث قد ورد في مورد الامتنان فلا محالة يدل على ان رفع الحكم لاضطرار أو نحوه مستند إلى ذلك أي الامتنان، و قضية ذلك ثبوت المقتضى و الملاك له، و الا فلا معنى لكونه وارداً في مورد الامتنان، ضرورة ان معنى وروده في ذلك المورد هو انه لو لا الامتنان لكان الحكم ثابتاً، و هذا قرينة واضحة على ان المقتضى له تام و لا قصور فيه أصلا، و الا فلا يكون في رفعه امتنان.

و على الجملة فلا شبهة في ان رفع الحكم امتنانا على الأمة في نفسه قرينة واضحة على ثبوت المقتضى و الملاك له و الا فلا منة في رفعه أصلا، كما هو واضح.

اما الدعوى الثانية فلا ريب في ان الفعل إذا كان مشتملا على مفسدة فلا