محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
353

يمكن التقرب به، ضرورة ان المفسدة مانعة عن التقرب بها و بدونه لا يمكن الحكم بصحته.

و لكن هذه الدعوى خاطئة جدا، و ذلك لأن الفعل المضطر إليه و ان كان مشتملا على ملاك التحريم و مقتضية كما هو قضية رفعه امتنانا، إلا ان ذلك الملاك بما انه غير مؤثر في المبغوضية فلا يمنع عن صحة العبادة، فان المانع عنها كما عرفت انما هو المبغوضية و الحرمة، و المفروض انهما قد سقطتا من ناحية الاضطرار أو نحوه واقعاً. و مجرد اشتمال الفعل على مفسدة غير مؤثرة فيهما لا أثر له أصلا.

و من الواضح جدا ان الفعل إذا كان جائزا واقعاً كالتصرف في الماء المغصوب عند الاضطرار إليه فلا مانع من التمسك بإطلاق الواجب لإثبات كونه مصداقا له.

و على الجملة فالتصرف في الماء المغصوب بعد سقوط الحرمة عنه واقعاً جائز كذلك، و معه لا مانع من التوضؤ أو الاغتسال به، و مجرد اشتماله على مفسدة بلا تأثيرها في حرمته و مبغوضيته غير مانع عن التقرب بإيجاد الطبيعة المأمور بها في ضمنه، هذا حال غير الصلاة من العبادات.

و اما الصلاة في الأرض المغصوبة في حال الاضطرار فيقع الكلام في حكمها في مقامين:

الأول- فيما إذا لم يتمكن المكلف من الخروج عنها في الوقت بمعنى انه لا مندوحة له.

الثاني- فيما إذا تمكن من الخروج عنها فيه بان يكون له مندوحة في الجملة.

اما المقام الأول فهل يجوز له الإتيان بالصلاة فيها مع الركوع و السجود أو يجب الاقتصار على الإيماء و الإشارة بدلا عنهما باعتبار ان الركوع و السجود تصرف زائد على مقدار الضرورة فلا يجوز قولان:

ذهب جماعة إلى القول الثاني بدعوى انه لا بد في جواز التصرف في أرض‏

354

الغير من الاقتصار على مقدار تقتضيه الضرورة دون الزائد على ذلك المقدار، فان الزائد عليه غير مضطر إليه فلا محالة لا يجوز، و بما ان الركوع و السجود تصرف زائد على ذاك المقدار فلا يسوغ، فاذن وظيفته الإيماء و الإشارة بدلا عنهما.

هذا و اما شيخنا الأستاذ (قده) فقد سلم ان الأمر كذلك بنظر العرف و لم يكن كذلك بنظر العقل فله (قده) هنا دعويان:

الأولى- ان الركوع و السجود تصرف زائد عند العرف.

الثانية- انهما ليسا بتصرف زائد عند العقل.

اما الدعوى الأولى فاستظهر ان الركوع و السجود يعدان عرفا من التصرف الزائد باعتبار انهما مستلزمان للحركة و هي تصرف زائد بنظر العرف. هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان العبرة بصدق التصرف الزائد على مقدار الضرورة بما انها بنظر العرف لا بالدقة الفلسفية فلا محالة وجب الاقتصار في الصلاة على الإيماء و الإشارة بدلا عنهما.

و اما الدعوى الثانية فلأن العقل يحكم بان كل جسم يشغل المكان المغصوب بمقدار حجمه من الطول و العرض و العمق. و من الواضح جدا ان ذلك المقدار لا يختلف باختلاف أوضاعه و اشكاله، ضرورة انه سواء أ كان على هيئة القائم أو القاعدة أو الراكع أو الساجد أو ما شاكل ذلك يشغل مقداراً خاصاً من المكان و هذا لا يتفاوت زيادة و نقيصة بتفاوت تلك الأوضاع و الأحوال. و عليه فكونه على هيئة الراكع أو الساجد ليس تصرفا زائداً بنظر العقل من كونه على هيئة القائم أو القاعد .. و هكذا و هذا واضح.

و نتيجة ما أفاده (قده) هي وجوب الاقتصار على الإيماء و الإشارة في الصلاة و عدم جواز الإتيان بالركوع و السجود.

و لكن الصحيح هو القول الأول و الوجه في ذلك هو ان كل جسم له حجم‏

355

خاص و مقدار مخصوص كما عرفت يشغل المكان بمقدار حجمه دون الزائد عليه.

و من الطبيعي ان مقدار تحيزه المكان لا يختلف باختلاف أوضاعه و اشكاله الهندسية من المثلث و المربع و ما شاكلهما، بداهة ان نسبة مقدار حجمه إلى مقدار من المكان نسبة واحدة في جميع حالاته و أوضاعه، و لا تختلف تلك النسبة زيادة و نقيصة باختلاف تلك الأوضاع الطارئة عليه، مثلا إذا اضطر الإنسان إلى البقاء في المكان المغصوب كما هو مفروض الكلام في المقام لا يفرق فيه بين ان يكون قائماً أو قاعداً فيه و ان يكون راكعاً أو ساجدا، فكما ان الركوع و السجود تصرف فيه فكذلك القيام و القعود فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا، بداهة ان الركوع و السجود ليسا تصرفا زائدا على القيام و القعود لا بنظر العقل و لا العرف، فعندئذ لا وجه للقول بوجوب الاقتصار على الإيماء بدلا عنهما. و دعوى انهما- يعدان بنظر العرف من التصرف الزائد- خاطئة جدا، ضرورة انه لا فرق في نظر العرف بين ان يكون الإنسان قائماً في الدار المغصوبة أو قاعدا و بين ان يكون راكعاً أو ساجدا فيها، فكما ان الثاني تصرف فيها بنظره فكذلك الأول، و ليس في الثاني تصرف زائد بنظره بالإضافة إلى الأول. و هذا لعله من الواضحات، فاذن لا وجه لما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من التفرقة بين نظر العرف و نظر العقل.

و لعل منشأها هو الغفلة عن تحليل نقطة واحدة و هي عدم الفرق بين كون المكلف في الأرض المغصوبة على هيئة واحدة و كونه على هيئات متعددة.

و تخيل انه إذا كأن على هيئة واحدة فهو مرتكب لحرام واحد، و إذا كان على هيئات متعددة كان يكون راكعاً مرة و ساجدا مرة أخرى فهو مرتكب لمحرمات متعددة، و لأجل ذلك لا محالة وجب الاقتصار فيها على هيئة واحدة، فان الضرورة تتقدر بقدرها فلا يجوز ارتكاب الزائد. و لكن من المعلوم ان هذا مجرد خيال لا واقع له أبدا، و ذلك لأن كون المكلف فيها على هيئة واحدة في‏

356

كل آن و زمن تصرف في الأرض و محرم، لا ان كونه عليها في جميع الآنات و الأزمنة تصرف واحد و محكوم بحكم واحد، لتكون الحركة فيها تصرفا زائدا و من الواضح جدا انه لا فرق في ذلك بين نظر العقل و نظر العرف، فكما ان الكون في الأرض المغصوبة في كل آن تصرف فيها و محرم بلا فرق بين ان يكون في ضمن هيئة واحدة أو هيئات متعددة بنظر العقل، فكذلك الكون فيها في كل آن تصرف و محرم كذلك بنظر العرف.

و بكلمة أخرى ان جعل الركوع و السجود تصرفا زائدا مبنى على ما ذكرناه من الخيال الخاطئ و هو ان بقاء الإنسان في الأرض المغصوبة على حالة واحدة و هيئة فاردة من القيام أو القعود تصرف واحد بنظر العرف. و اما إذا اشتغل بالركوع أو السجود فهو تصرف زائد غفلة عن ان بقاءه على تلك الحالة الواحدة حرام في كل آن، ضرورة انه في كل آن تصرف في مال الغير بدون اذنه، كما ان انتقاله من هذه الحالة و الهيئة إلى حالة أخرى و هيئة ثانية حرام، و ليس هذا تصرفا زائدا على بقائه على الحالة الأولى، ضرورة انه على الفرض لم يجمع بين الحالتين في مكانين، لتكون الحالة الثانية تصرفا زائداً، غاية الأمر انه تصرف في الحالة الأولى في مكان و في الحالة الثانية في مكان آخر أو انه تصرف في كلتا الحالتين في مكان واحد و فضاء فارد. فان التصرف في مكان واحد قد يكون بهيئة واحدة و وضع فارد، و قد يكون بهيئات متعددة و أوضاع مختلفة. و من الطبيعي ان تصرفه في الحالة الثانية و بهيئة أخرى في مكان آخر أو في نفس المكان الأول بمقدار تحيزه في الحالة الأولى و بالهيئة السابقة دون الزائد لوضوح ان مقدار تحيز الجسم المكان لا يختلف باختلاف أوضاعه و اشكاله لا عقلا و لا عرفا، كما هو واضح.

نعم لو كان البقاء فيها على حالة واحدة محرما بحرمة واحدة في تمام الآنات و الأزمنة لمكان الالتزام بما أفاده (قده) مما لا بد منه. و عليه فلا بد من الحكم‏

357

بحرمة كل حركة فيها و الاقتصار على حالة واحدة في تمام آنات البقاء، و لكن قد عرفت انه مجرد فرض لا واقع له أصلا.

و على ضوء هذا البيان قد تبين انه ليست الصلاة مع الركوع و السجود تصرفا زائدا على الصلاة مع الإيماء و الإشارة و مما يشهد على ذلك ان العرف لا يرون ان المصلى في الأرض المغصوبة إذا كان على وضع الراكع أو الساجد يكون تصرفه فيها أزيد مما إذا كان على غير هذا الوضع و غير هذا الشكل، كما هو واضح فالنتيجة ان وظيفته هي الصلاة مع الركوع و السجود فيها دون الصلاة مع الإيماء.

و ممن اختار هذا القول في المسألة صاحب الجواهر (قده) حيث قال في بحث مكان المصلى ما إليك نصه: «تصح منه صلاة المختار، ضرورة عدم الفرق بينه و بين المأذون في الكون بعد اشتراكهما في إباحته و حليته. نعم لو استلزمت الصلاة تصرفا زائدا على أصل الكون لم يجز لعدم الاذن فيه لا ما إذا لم تستلزم فانها حينئذ أحد افراد الكون الّذي فرض الاذن فيه. على ان القيام و الجلوس و السكون و الحركة و غيرها من الأحوال متساوية في شغل الحيز، و جميعها أكوان و لا ترجيح لبعضها على بعض، فهي في حد سواء في الجواز، و ليس مكان الجسم حال القيام أكثر منه حال الجلوس.

نعم يختلفان في الطول و العرض، إذ الجسم لا يحويه الأقل منه و لا يحتاج إلى أكثر مما يظرفه، كما هو واضح بأدنى تأمل.

ثم قال: و من الغريب ما صدر من بعض متفقهة العصر بل سمعته من بعض مشايخنا المعاصرين من انه يجب على المحبوس الصلاة على الكيفية التي كان عليها أول الدخول إلى المكان المحبوس فيه ان قائماً فقائم و ان جالساً فجالس، بل لا يجوز له الانتقال إلى حالة أخرى في غير الصلاة أيضاً، لما فيه من الحركة التي هي تصرف في مال الغير بغير اذنه، و لم يتفطن ان البقاء على الكون الأول تصرف أيضاً

358

لا دليل على ترجيحه على ذلك التصرف، كما انه لم يتفطن انه عامل هذا المظلوم المحبوس قهرا بأشد ما عامله الظالم، بل حبسه حبساً ما حبسه أحد لأحد، اللهم الا ان يكون في يوم القيامة مثله، خصوصاً و قد صرح بعض هؤلاء انه ليس له حركة أجفان عيونه زائدا على ما يحتاج إليه، و لا حركة يده أو بعض أعضائه كذلك، بل ينبغي ان تخص الحاجة في التي تتوقف عليها حياته و نحوها مما ترجح على حرمة التصرف في مال الغير، و كل ذلك ناش عن عدم التأمل في أول الأمر و الأنفة عن الرجوع بعد ذلك».

أقول: الأمر كما أفاده (قده) فانه لو حرم عليه جميع الحركات و التقلبات فيها حتى مثل حركة اليد و ما شاكلها فهذا كان غاية الضيق عليه و أشد مما حبسه الظالم، و من الواضح جدا ان ذلك مناف لرفع الشارع حرمة التصرف عنه امتنانا ضرورة ان في ذلك ليس أي امتنان بل هو خلاف الامتنان، كيف فان الإنسان لا يخلو من مثل هذه التصرفات و التقلبات أبدا، فانها من لوازم حياته و ان الإنسان الحي لا يخلو منها في زمان من الأزمنة، و مع هذا لا يمكن الحكم بحرمة هذه التقلبات و الاقتصار على مقدار يتوقف عليه حفظ نفسه، ضرورة ان هذا أشد ظلما مما فعله الظالم.

و اما المقام الثاني و هو ما إذا كان المكلف متمكناً من التخلص عن الغصب في الوقت فيقع الكلام فيه في موردين:

الأول- ما إذا كان المكلف متمكناً من الصلاة في خارج الدار لبقاء الوقت، و هذا الفرض و ان كان خارجا عن محل الكلام الا انه لا بأس بالتعرض له لمناسبة.

الثاني- ما إذا لم يتمكن من الصلاة في الخارج لضيق الوقت و عدم تمكنه من إدراك تمام الصلاة فيه.

359

اما المورد الأول فلا إشكال في لزوم الخروج عليه و التخلص عن الغصب في أول أزمنة الإمكان عقلا و شرعا، و لا يجوز له البقاء فيها آنا ما بعد تمكنه من الخروج، لأنه تصرف زائد على مقدار تقتضيه الضرورة.

و على الجملة فكل من العقل و الشرع ألزم المكلف بالتخلص عن الدار المغصوبة و الخروج عنها في أول زمن الإمكان و رفع الاضطرار، فلو بقي بعد ذلك و لو آنا ما فقد ارتكب محرما لفرض انه تصرف فيها بغير اضطرار و من المعلوم ان تصرفه فيها بدونه محرم على الفرض، هذا حكم التخلص و الخروج.

و من هنا يظهر انه لا يجوز الإتيان بالصلاة لأنه يوجب زيادة البقاء فيها و التصرف بلا موجب و مقتض. و من الواضح انه غير جائز. و اما إذا فرض انه عصى و أتى بالصلاة فيها فهل يحكم بصحة صلاته أم لا فهو مبنى على النزاع في مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، فعلى القول بالجواز يحكم بصحتها لفرض انه على هذا القول يكون المجمع متعددا وجودا و ماهية، فيكون مصداق المأمور به غير المنهي عنه خارجا، و مجرد ملازمته معه في الوجود الخارجي لا يمنع عن انطباق المأمور به عليه و صحته، كما تقدم الكلام من هذه الناحية بشكل واضح، و على القول بالامتناع يحكم ببطلانها، لفرض انه على هذا يكون مصداق المأمور به متحدا مع المنهي عنه خارجا، و معه أي مع الاتحاد لا يمكن الحكم بالصحّة أبدا، لاستحالة كون المحرم مصداقا للواجب كما سبق ذلك بصورة مفصلة. هذا حكم الصلاة في الدار المغصوبة بعد رفع الاضطرار.

و اما الصلاة فيها قبل رفع الاضطرار، فعلى وجهة نظرنا لا إشكال في جواز الإتيان بها و عدم وجوب تأخيرها لأن يؤتى بها في خارج الدار. و الوجه في ذلك واضح و هو ما ذكرناه من ان الصلاة مع الركوع و السجود ليست تصرفا زائدا على مقدار تقتضيه الضرورة. و من هنا قلنا ان وظيفة غير المتمكن من التخلص عن‏

360

الغصب هي الصلاة مع الركوع و السجود، و ليست وظيفته الصلاة مع الإيماء بدلا عنهما. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى المفروض جواز تصرف المتوسط في الدار المغصوبة بغير اختياره بمقدار تقتضيه الضرورة، لفرض ارتفاع حرمته من ناحية الاضطرار أو نحوه. و من ناحية ثالثة قد تقدم انه لا فرق بين ان يكون المكلف فيها على هيئة واحدة و وضع فارد أو على هيئات متعددة و أوضاع مختلفة، و ليس كون المكلف على هيئات متعددة تصرفا زائدا بالإضافة إلى كونه على هيئة واحدة، كما سبق بشكل واضح.

فالنتيجة على ضوء هذه النواحي الثلاث هي جواز الصلاة فيها مع الركوع و السجود و عدم وجوب تأخيرها إلى ان يرتفع الاضطرار و يأتي بها في خارج الدار.

و اما على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) فلا تجوز الصلاة فيها مع التمكن من الإتيان بها في خارج الدار، و الوجه فيه ما عرفت من ان الركوع عنده من التصرف الزائد بالإضافة إلى مقدار الضرورة فلا يجوز، فاذن لا محالة وجب الاقتصار على خصوص الإيماء في الصلاة و ترك الركوع و السجود، و لكن بما ان المكلف متمكن من الصلاة معهما في غير المكان المغصوب كما هو المفروض فلا تنتقل وظيفته إلى الصلاة مع الإيماء فيه، ضرورة انها وظيفة المضطر و غير المتمكن من الصلاة في تمام الوقت، و المفروض في المقام ان المكلف متمكن من الصلاة في الوقت مع الركوع و السجود. و من الواضح جدا انه مع هذا لا تنتقل وظيفته إلى بدلها الاضطراري و هو الصلاة مع الإيماء، ضرورة انها غير مشروعة في حق المتمكن من الإتيان بصلاة المختار.

نعم لو كان مجرد الاضطرار كافياً في ذلك و لو لم يكن مستوعباً لتمام الوقت لمكان الإتيان بها مجزيا لا محالة إلا ان ذلك باطل قطعاً، ضرورة ان الاضطرار الرافع للتكليف انما يكون رافعاً فيما إذا كان مستوعباً لتمام الوقت ليصدق عليه‏

361

انه مضطر إلى ترك الواجب لينتقل الأمر إلى بدله، و اما إذا كان الاضطرار إلى ترك الواجب في بعض الوقت دون بعضه الآخر فلا يصدق عليه انه مضطر إلى ترك الواجب. نعم يصدق عليه انه مضطر إلى ترك بعض افراده، لفرض ان الواجب هو الجامع بين الحدين، و المفروض ان الاضطرار لم يتعلق بتركه و ما تعلق به الاضطرار لا يكون واجباً.

و قد تحصل من ذلك ان هذه الثمرة التي تظهر بين وجهة نظرنا و وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) نتيجة الاختلاف في نقطة واحدة، و هي ان الركوع و السجود على وجهة نظره (قده) من التصرف الزائد، و على وجهة نظرنا ليسا من التصرف الزائد.

اما المورد الثاني و هو ما إذا لم يتمكن المكلف من الصلاة في خارج الدار لضيق الوقت فلا إشكال في وجوب الصلاة عليه حال الخروج. لفرض ان الصلاة لا تسقط بحال، و لكن بما انه كان في مقام التخلص عن الغصب فلا محالة وجب الاقتصار في الصلاة على خصوص الإيماء بدلا عن الركوع و السجود، لاستلزامهما التصرف الزائد على قدر الضرورة و لا مسوغ له، و لأجل ذلك تنتقل الوظيفة من صلاة المختار إلى صلاة المضطر و هي الصلاة مع الإيماء و الإشارة.

و ان شئت فقل انه لا يجوز للمكلف في هذا الحال الركوع و السجود.

اما عدم جواز السجود في هذا الحال فواضح، و ذلك لما تقدم من انه متحد مع الغصب خارجا باعتبار ان الاعتماد على الأرض مأخوذ في مفهومه و المفروض انه نحو تصرف فيها، فاذن يتحد المأمور به مع المنهي عنه، و مع الاتحاد لا يمكن الحكم بصحته، لاستحالة ان يكون المحرم مصداقا للمأمور به. و عليه فلا محالة تكون وظيفته الإيماء دون السجدة. و اما الركوع فهو و ان لم يكن بنفسه تصرفا في مال الغير لما عرفت من انه عبارة عن هيئة حاصلة للمصلي من نسبة بعض‏

362

اجزائه إلى بعضها الآخر و نسبة المجموع إلى الخارج، الا انه مستلزم للبقاء فيها و هو تصرف زائد على مقدار الضرورة، فاذن تقع المزاحمة بين وجوب الصلاة مع الركوع و بين حرمة التصرف في مال الغير فلا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المزاحمة. و لكن بما ان وجوب الصلاة مع الركوع خاصة مشروط بالقدرة شرعا لما تقدم في بحث الضد من ان الأركان بعرضها العريض و ان كانت غير مشروطة بالقدرة الشرعية إلا ان كل مرتبة منها مشروطة بها. فعليه تتقدم حرمة التصرف في مال الغير على وجوبه من ناحية ما ذكرناه من انه إذا وقعت المزاحمة بين ما هو المشروط بالقدرة شرعا و ما هو المشروط بالقدرة عقلا فيتقدم ما هو المشروط بالقدرة عقلا على ما هو المشروط بها شرعا، على تفصيل تقدم في مسألة الضد.

فالنتيجة هي وجوب الاقتصار على الإيماء في الصلاة للركوع و السجود.

نعم لو تمكن المكلف من الإتيان بهما في الصلاة من دون استلزامه للتصرف الزائد لوجب ذلك، كما إذا فرض ان خروجه من الأرض المغصوبة بالسيارة أو الطيارة أو السفينة أو ما شاكل ذلك، فان الركوع و السجود في مثل ذلك لا يستلزمان التصرف الزائد، كما هو واضح، فاذن تتعين الصلاة بها و لا يجوز الاقتصار على الإيماء لفرض انه بدل اضطراري عنهما و مع تمكن المكلف من الإتيان بهما لا تصل النوبة إلى بدلهما الاضطراري، كما هو واضح.

نتيجة ما ذكرناه عدة نقاط:

الأولى- انه لا إشكال في سقوط الحرمة واقعاً من ناحية الاضطرار أو نحوه، و ليس حاله حال الجهل الرافع للتكليف ظاهراً لا واقعاً.

الثانية- انه لا شبهة في صحة العبادة فيما إذا لم تكن متحدة مع الفرد المحرم المضطر إليه، لما عرفت من ان العبادة صحيحة على هذا الفرض فيما إذا كانت‏

363

الحرمة باقية بحالها فضلا عما إذا سقطت.

الثالثة- ان الظاهر صحة العبادة فيما إذا فرض كونها متحدة مع المحرم المضطر إليه و ذلك لما عرفت من ان المانع عن صحتها انما هو حرمتها، فإذا فرض انها سقطت بالاضطرار أو نحوه واقعاً فلا مانع عندئذ من صحتها أصلا كما تقدم.

الرابعة- ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من ان دلالة النهي على حرمة شي‏ء في عرض دلالته على تقييد المأمور به بعدمه، و ليست متقدمة عليها، قد تقدم فساده بشكل واضح، و قلنا هناك ان حرمة شي‏ء و عدم وجوبه و ان كان في رتبة واحدة بحسب مقام الثبوت و الواقع لعدم ملاك لتقدم أحدهما على الآخر الا انهما بحسب مقام الإثبات و الدلالة ليسا كذلك، فان دلالة النهي على الحزمة في مرتبة متقدمة على دلالته على عدم الوجوب و التقييد، بداهة ان الدلالة الالتزامية متفرعة على الدلالة المطابقية.

الخامسة- انه تظهر الثمرة بين وجهة نظرنا و وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) في جواز التمسك بالإطلاق و عدمه، فانه بناء على وجهة نظرنا بما ان دلالة النهي على التقييد و عدم الوجوب متفرعة على دلالته على الحرمة فلا محالة تسقط بسقوط دلالته عليها. و من المعلوم انه مع سقوط التقييد لا مانع من التمسك بالإطلاق. و بناء على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) بما ان دلالته على التقييد و عدم الوجوب في عرض دلالته على الحرمة، فلا تسقط بسقوط تلك الدلالة، و مع عدم السقوط لا يمكن التمسك بالإطلاق.

السادسة- قد تقدم ان رفع الحكم من ناحية الاضطرار بما انه يكون للامتنان فيدل على ثبوت المقتضى و الملاك له، و الا فلا معنى للامتنان أصلا و هذا بخلاف رفع الحكم في غير موارد الامتنان، فانه لا يدل على ثبوت مقتضية ضرورة انه كما يمكن ان يكون من جهة المانع مع ثبوت المقتضى له يمكن ان يكون‏

364

من جهة عدم المقتضى له فلا دليل على انه من قبيل الأول. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى قد سبق ان هذا الملاك بما انه غير مؤثر في المبغوضية و الحرمة فلا يمنع عن صحة العبادة و قصد التقرب بها.

السابعة- ان الوضوء أو الغسل من الماء المغصوب في صورة الاضطرار إلى التصرف فيه صحيح مطلقاً أي بلا فرق بين وجود المندوحة و عدمه كما سبق.

الثامنة- ان الصلاة في الأرض المغصوبة لا تسقط عن المتوسط فيها بغير اختياره على القاعدة على وجهة نظرنا، لما عرفت من ان الصلاة فيها مع الركوع و السجود ليست تصرفا زائدا على الكون فيها بدون الصلاة، و عليه فلا موجب لسقوطها أصلا، كما ان مقتضى القاعدة الأولية سقوطها عنه على وجهة نظر جماعة منهم شيخنا الأستاذ (قده) و لكن القاعدة الثانوية تقتضي وجوب الإتيان بالباقي من الاجزاء و الشرائط. و الوجه فيه ما تقدم من ان الركوع و السجود بنظرهم من التصرف الزائد عرفا. فلا يجوز فاذن لا محالة يسقطان عنه، و مع سقوطهما لا محالة يسقط الأمر عن الصلاة، و لكن دل دليل آخر على وجوب الإتيان بها مع الإيماء بدلا عنهما.

التاسعة- ان كل جسم بشغل المكان بمقدار حجمه من الطول و العرض و العمق و لا يختلف ذلك أي مقدار تحيزه و شغله المكان باختلاف هيئاته و أوضاعه عقلا و عرفا، خلافا لشيخنا الأستاذ (قده) حيث انه قد فصل بين نظر العرف و العقل، فذهب إلى ان اختلاف الجسم باختلاف الهيئات ليس تصرفا زائدا بالدقة العقلية، و لكنه تصرف زائد بالنظر العرفي. و لكن قد عرفت فساده بشكل واضح.

العاشرة- ان الصلاة في حال الخروج لا بد فيها من الاقتصار على الإيماء بدلا عن الركوع و السجود، لفرض انهما مستلزمان للتصرف الزائد على قدر

365

الضرورة الا فيما إذا فرض انهما لا يستلزمان له، كما إذا كان خروجه بالسيارة أو نحوها. و من هنا تكون مشروعية هذه الصلاة أعني الصلاة مع الإيماء منوطة بعدم تمكن المكلف من إدراك الصلاة في الوقت في خارج الأرض، و الا فلا تكون مشروعة، ضرورة ان المكلف مع التمكن من الإتيان بصلاة المختار لا يسوغ له الإتيان بصلاة المضطر، و كذا منوطة بعدم تمكنه من الصلاة في الأرض المغصوبة.

و ذلك اما على وجهة نظرنا فلما عرفت من انه متمكن فيها من الصلاة مع الركوع و السجود الاختياريين من دون استلزامهما للتصرف الزائد، و معه لا محالة تكون وظيفته هي صلاة المختار دون صلاة المضطر. نعم لو أخرها و لم يأت بها إلى زمان خروجه عنها فوجب عليه الإتيان بصلاة المضطر، و هي الصلاة مع الإيماء لفرض انها لا تسقط بحال، و لكنه عصى في تأخيره و تفويت الواجب عليه، الا إذا فرض ان تأخيره كان لعذر شرعي.

و اما على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) فلأجل ان الصلاة حال الخروج تستلزم تفويت الاستقرار المعتبر فيها. و من المعلوم ان المكلف إذا تمكن من الصلاة مع الاستقرار، فلو صلى بدونه بطلت لا محالة. و عليه فلا يجوز له تأخيرها إلى زمان الخروج، لاستلزام ذلك تفويت الاستقرار باختياره و هو غير جائز، الا إذا كان التأخير مستندا إلى عذر شرعي. و على الجملة فالصلاة في حال الخروج إذا كانت مستلزمة لتفويت شرط من شرائطها كالاستقرار أو الاستقبال دون الصلاة في الدار فيجب إتيانها في الدار.

الحادية عشرة- قد ظهر مما تقدم انه بناء على وجهة نظرنا تصح الصلاة من المتوسط فيها بغير اختياره مطلقاً أي بلا فرق بين كون المكلف متمكناً من الصلاة في الوقت في خارج الدار و بين كونه غير متمكن منها كذلك، اما على‏

366

الثاني فواضح، و اما على الأول فلفرض انه متمكن من الإتيان بالصلاة التامة الاجزاء و الشرائط، و معه لا موجب للتأخير و الإتيان بها في خارج الدار.

نعم بناء على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) وجب التأخير في هذا الفرض لأن المكلف على هذه النظرية لا يتمكن من صلاة المختار في الدار، لفرض ان الركوع و السجود تصرف زائد عليها، و الانتقال إلى صلاة المضطر مع التمكن من صلاة المختار لا دليل عليه. إلى هنا انتهى الكلام في المقام الأول.

و اما الموضع الثاني (و هو ما إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار) فيقع الكلام فيه في موردين:

الأول- في حكم الخروج في حد نفسه.

الثاني- في حكم الصلاة الواقعة حاله أي حال الخروج.

اما المورد الأول فقد اختلفت كلمات الأصحاب فيه إلى خمسة أقوال الأول- ان الخروج حرام بالفعل.

الثاني- انه واجب و حرام معاً كذلك، اما انه واجب فمن ناحية انه اما ان يكون مقدمة للتخلص عن الحرام الّذي هو واجب عقلا و شرعا و مقدمة الواجب واجبة، و اما ان يكون من ناحية انه مصداق له أي للتخلص الواجب. و اما انه حرام فمن ناحية انه مصداق للتصرف في مال الغير و هو محرم و ذهب إلى هذا القول أبو هاشم المعتزلي و يظهر اختياره من المحقق القمي (قده) أيضاً، و هذا القول يرتكز على امرين: الأول- دخول المقام في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار عقابا و خطاباً. الثاني- الالتزام بوجوب الخروج، اما لأجل انه مقدمة للتخلص الواجب، و مقدمة الواجب واجبة، و اما لأجل انه من مصاديقه و افراده.

الثالث- انه واجب فعلا و حرام بالنهي السابق الساقط من ناحية الاضطرار

367

و لكن يجري عليه حكم المعصية و اختار هذا القول المحقق صاحب الفصول (قده) الرابع- انه واجب فحسب و لا يكون محرما لا بالنهي الفعلي، و لا بالنهي السابق الساقط، و اختار هذا القول شيخنا العلامة الأنصاري (قده) و وافقه فيه شيخنا الأستاذ (قده).

الخامس- انه لا يكون فعلا محكوما بشي‏ء من الأحكام الشرعية، و لكنه منهي عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه، و يجري عليه حكم المعصية. نعم هو واجب عقلا من ناحية انه أقل محذورين و أخف قبيحين، و اختار هذا القول المحقق صاحب الكفاية (قده) فهذه هي الأقوال في المسألة:

و لنأخذ بالنظر إلى كل واحد من هذه الأقوال:

اما القول الأول فهو واضح الفساد و ذلك لاستلزام هذا القول التكليف بالمحال. بيان ذلك هو ان المتوسط في الأرض المغصوبة لا يخلو من ان يبقى فيها أو يخرج عنها و لا ثالث لهما. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى المفروض ان البقاء فيها محرم، فلو حرم الخروج أيضاً لزم التكليف بما لا يطاق و هو محال فاذن لا يعقل ان يكون الخروج محكوماً بالحرمة.

و اما القول الثاني فهو أوضح فساداً من الأول، و ذلك ضرورة استحالة كون شي‏ء واحد واجباً و حراما معا حتى على مذهب الأشعري الّذي يرى جواز التكليف بالمحال، فان نفس هذا التكليف و الجعل محال، لا انه من التكليف بالمحال، على ان وجوبه اما ان يكون مبنياً على القول بوجوب المقدمة بناء على كون الخروج مقدمة للتخلص الواجب ورد المال إلى مالكه. و اما ان يكون مبنياً على كونه مصداقا للتخلص و لرد المال إلى مالكه. اما الأول فقد ذكرنا في بحث مقدمة الواجب انه لا دليل على وجوب المقدمة شرعا. و اما الثاني فسيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى ان الخروج ليس مصداقا لقاعدة رد المال إلى مالكه، فاذن‏

368

لا دليل على كون الخروج واجباً، و اما حرمته فهي مبنية على قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا و خطاباً، و لكن سيأتي بيان ان هذه القاعدة تنافي الخطاب، ضرورة انه لا يمكن توجيه التكليف نحو العاجز و لو كان عجزه مستنداً إلى سوء اختياره، لكونه لغواً محضاً و صدور اللغو من الشارع الحكيم مستحيل، و كيف كان فهذا القول غير معقول، و على تقدير كونه معقولا فلا دليل عليه كما عرفت.

و اما القول الثالث (و هو كون الخروج واجباً فعلا و محرما بالنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه) فهو و ان كان له بحسب الظاهر صورة معقولة ببيان ان الخروج بما انه تصرف في مال الغير بسوء اختياره فلا مانع من ان يعاقب عليه، لفرض انه مبغوض للمولى و ان كان النهي عنه فعلا غير معقول لاستلزامه التكليف بالمحال، و بما انه مصداق للتخلية و لرد المال إلى مالكه فلا مانع من كونه واجباً. فالنتيجة هي ان الخروج واجب فعلا و منهي عنه بالنهي السابق، الا انه بحسب الواقع و الدقة العقلية ملحق بالقولين الأولين في الفساد و الوجه في ذلك هو ان تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد محال و ان كان زمان تعلق أحدهما غير زمان تعلق الآخر به، فان ملاك استحالة تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد و إمكانه انما هو بوحدة زمان المتعلق و تعدده، و لا عبرة بوحدة زمان الإيجاب و التحريم و تعدده أصلا، بداهة انه لا يعقل ان يكون شي‏ء واحد في زمان واحد متعلقاً للإيجاب و التحريم معاً، و ان فرض ان زمان الإيجاب غير زمان التحريم، و السر في ذلك واضح و هو ان الفعل الواحد في زمان واحد اما ان يكون مشتملا على مصلحة ملزمة، و اما ان يكون مشتملا على مفسدة كذلك فعلى الأول لا مناص من الالتزام بوجوبه، و على الثاني لا مناص من الالتزام بحرمته و لا يعقل إيجابه و تحريمه معاً، كما هو واضح.

369

تلخص ان العبرة انما هي بوحدة زمان المتعلق و تعدده فحسب، فان كان واحداً يستحيل تعلق الأمر و النهي به و ان كان زمان تعلق أحدهما به غير زمان تعلق الآخر، و ان كان متعددا فلا مانع من تعلقهما به و ان كان زمان تعلقهما واحدا كما إذا امر المولى يوم الخميس بإكرام زيد يوم الجمعة و نهاه في ذلك اليوم عن إكرامه يوم السبت، فانه لا محذور فيه أبدا.

نعم يمكن للمولى العرفي ان يأمر بشي‏ء و ينهى عنه في زمان آخر اشتباها أو بتخيل ان فيه مصلحة مقتضية للوجوب ثم بان انه لا مصلحة بل فيه مفسدة مقتضية للتحريم، الا انه لا أثر في مثل ذلك، لأحد الحكمين أصلا، بل هو صدر اشتباها و غفلة لا حقيقة و واقعاً.

و بكلمة أخرى فقد ذكرنا غير مرة ان الغرض من الأمر بشي‏ء أو النهي عنه انما هو إيجاد الداعي للمكلف إلى الفعل في الخارج أو الترك في مقام الامتثال. و من الواضح جدا ان الداعي انما يحصل له فيما إذا كان المكلف متمكناً من الامتثال في ظرفه. و اما إذا لم يتمكن منه فلا يحصل له هذا الداعي و مع عدم حصوله يكون الأمر أو النهي لغوا محضاً فلا يترتب عليه أي أثر، و من المعلوم ان صدور اللغو من الحكيم مستحيل. و عليه فلا يمكن ان يكون فعل واحد مأمورا به و منهياً عنه معاً و لو كان زمان أحدهما غير زمان الآخر من هذه الناحية أيضاً أعني ناحية المنتهى و الامتثال.

و قد تحصل مما ذكرناه ان الخروج في مفروض الكلام ان كان مشتملا على مفسدة امتنع تعلق الأمر به و ان كان مشتملا على مصلحة امتنع تعلق النهي به و لو من الزمان السابق، لفرض ان المولى علم باشتماله على المصلحة في ظرفه، و معه يستحيل ان ينهى عنه في ذلك الظرف. و قد عرفت ان العبرة في استحالة تعلق الأمر و النهي بشي‏ء واحد و إمكانه انما هي بوحدة زمان المتعلق و تعدده، فان‏

370

كان واحدا يستحيل ان يكون متعلقاً للأمر و النهي معاً، و ان كان زمان النهي سابقاً على زمان الأمر أو بالعكس، لعدم العبرة بتعدد زمانهما أصلا، لفرض انه لا يرفع المحذور المزبور و ان كان متعددا فلا مانع من تعلق الأمر و النهي به في زمان واحد فضلا عن زمانين، لعدم التنافي بينهما عندئذ أصلا، لفرض ان الأمر تعلق به في زمان و النهي تعلق به في زمان آخر، و لا مانع من ان يكون شي‏ء واحد في زمان محكوما بحكم و في زمان آخر محكوما بحكم آخر غيره.

مثال الأول ما إذا فرض ان المولى نهى يوم الأربعاء عن صوم يوم الجمعة و امر به في يوم الجمعة، فانه لا إشكال في استحالة ذلك، ضرورة ان صوم يوم الجمعة لا يمكن ان يكون مأمورا به و منهياً عنه معاً، فانه ان كان فيه ملاك الوجوب امتنع تعلق النهي به مطلقاً، و ان كان فيه ملاك الحرمة امتنع تعلق الأمر به كذلك.

و مثال الثاني ما إذا امر المولى يوم الخميس بصوم يوم الجمعة و نهى في ذلك اليوم عن صوم يوم السبت، فانه لا إشكال في جواز ذلك و إمكانه.

فالنتيجة ان ملاك استحالة اجتماع حكمين من الأحكام التكليفية في شي‏ء واحد و إمكان اجتماعه انما هو بوحدة زمان المتعلق و تعدده، و لا اعتبار بوحدة زمان الحكمين و تعدده أصلا.

و اما الأحكام الوضعيّة فقد ذكر شيخنا الأستاذ (قده) ان حالها من هذه الناحية حال الأحكام التكليفية، فكما ان المناط في استحالة اجتماع اثنين منها في شي‏ء واحد و إمكانه هو وحدة زمان المتعلق و تعدده لا وحدة زمان الحكمين و تعدده، فكذلك المناط في استحالة اجتماع اثنين من الأحكام الوضعيّة في شي‏ء واحد و إمكانه هو وحدة زمان المعتبر و تعدده لا وحدة زمان الاعتبارين و تعدده.

و من هنا أشكل (قده) على ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) في‏

371

تعليقته على مكاسب شيخنا الأعظم (ره) و إليك نصّ ما أفاده: «فلا وجه للقول بالكشف بمعنى تحقق المضمون قبل ذلك لأجل تحقق الإجازة فيما بعد، نعم بمعنى الحكم بعد الإجازة بتحقق مضمونه حقيقة مما لا محيص عنه بحسب القواعد، فلو أجاز المالك مثل الإجازة الفضولية بعد انقضاء بعض مدتها، أو الزوج أو الزوجة عقد التمتع كذلك فيصح اعتبار الملكية حقيقة للمستأجر و الزوجية لهما في تمام المدة التي قد انقضى بعضها، بل و لو انقضى تمامها لتحقق منشأ انتزاعها.

فان قلت كيف يصح هذا و كان قبل الإجازة ملكا للمؤجر و لم يكن هناك زوجية، الا ان يكون مساوقا لكون شي‏ء بتمامه ملكا لاثنين في زمان واحد و اجتماع الزوجية و عدمها كذلك، قلت لا ضير فيه إذا كان زمان اعتبار ملكية لأحدهما في زمان غير زمان اعتبار الملكية للآخر في ذاك الزمان، لتحقق ما هو منشأ انتزاعها في زمان واحد لكل منهما في زمانين، و كذا الزوجية و عدمها» و حاصل هذا الإشكال هو ما أفاده قده) من ان اختلاف زمان اعتبار الملكية للاثنين لا يدفع إشكال اجتماع المالكين في ملك واحد في زمان واحد فان اختلاف زمان الاعتبار بمنزلة اختلاف زماني الاخبار بوقوع المتناقضين في زمان واحد و بمنزلة اختلاف زماني الحكم بحكمين متضادين، فان حكم الحاكم في يوم الجمعة لكون عين شخصية لزيد في هذا اليوم مع حكمه في يوم السبت بكون شخص هذه العين في يوم الجمعة لبكر متناقض، كما هو واضح.

و غير خفي ان ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقته على المكاسب هو الصحيح و لا يرد عليه ما أورده شيخنا الأستاذ (قده).

و الوجه في ذلك هو ان الأحكام الوضعيّة لا تشترك مع الأحكام التكليفية في ملاك الاستحالة و الإمكان، و ذلك لأن الأحكام التكليفية بما انها تابعة لجهات المصالح و المفاسد في متعلقاتها أو لجهات أخرى فلا يمكن ان يكون فعل في‏

372

زمان واحد محكوما بحكمين مختلفين كالوجوب و الحرمة مثلا، و لو كان تعلق أحدهما به في زمان و تعلق الآخر به في زمان آخر، ضرورة ان هذا الفعل في هذا الزمان لا يخلو من ان يكون مبغوضاً للمولى أو ان يكون محبوبا له و لا ثالث لهما فعلى الأول يستحيل تعلق الأمر به، و على الثاني يستحيل تعلق النهي به كما هو واضح، و هذا بخلاف الأحكام الوضعيّة، فانها تابعة لجهات المصالح المفاسد النوعية في نفس جعلها و اعتبارها. و عليه فلا يمكن ان تقتضي مصلحة في زمان اعتبار شي‏ء ملكا لشخص و مصلحة أخرى في ذلك الزمان بعينه اعتباره ملكا لآخر نعم لا مانع من ان تقتضي المصلحة اعتبار ملكيته له في زمان و المصلحة الأخرى في زمان آخر اعتبار ملكيته لآخر في ذلك الزمان بعينه بان يكون زمان الاعتبارين مختلفاً و زمان المعتبرين واحدا كما حققنا ذلك بصورة مفصلة في مسألة الفضولي عند البحث عن كون الإجازة ناقلة أو كاشفة.

و نتيجته هي ان القول بكون الإجازة ناقلة باطل و لا دليل عليه أصلا، كما ان الكشف الحقيقي بالمعنى المشهور باطل، بل هو غير معقول و هو ان تكون الملكية حاصلة من حين العقد و قبل زمان الإجازة فالإجازة كاشفة عنها فحسب و لا أثر لها ما عدا الكشف عن ثبوت الملكية من الأول و من المعلوم ان هذا بلا موجب و دليل، بل الدليل قام على خلافه، ضرورة ان هذا العقد لم يكن عقدا للمجيز الا بعد إجازته و رضاه به، ليكون مشمولا لأدلة الإمضاء، و مع هذا كيف يحكم الشارع بملكية المال له و انتقاله إليه قبل ان يرضى به و يجيزه، و لأجل ذلك قد التزمنا بالكشف بالمعنى الآخر (و لا بأس بتسميته بالكشف الانقلابي) و هو الالتزام بكون المال في العقد الفضولي باقياً على ملك مالكه الأصلي قبل الإجازة و إلى زمانها، و اما إذا أجاز المالك ذلك العقد و رضى به فهو ينتقل من ملكه إلى ملك الآخر و هو الأصيل من حين العقد و زمانه، و الوجه في ذلك هو ان مفهوم‏

373

الإجازة مفهوم تعلقي فكما انه يتعلق بالأمر الحالي فكذلك يتعلق بالأمر الماضي و في المقام بما ان إجازة المالك متعلقة بالعقد السابق، إذ المفروض انه أجاز ذلك العقد الواقع فضولة لا عقدا آخر. و من المعلوم ان العقد بمجرد إجازته ينتسب إليه حقيقة، و لا مانع من انتساب الأمر السابق و هو العقد بواسطة الأمر اللاحق و هو الإجازة، بداهة ان الانتساب و الإضافة خفيف المئونة فيحصل بأدنى شي‏ء و أقل مناسبة، و لذلك أمثلة كثيرة في العرف و الشرع و لا حاجة إلى بيانها، فإذا صار هذا العقد عقدا له من حين صدوره فلا محالة ينتقل ماله إلى الآخر من ذلك الحين. و من هنا قلنا ان الكشف بذاك المعنى مطابق للقاعدة فلا يحتاج وقوعه في الخارج إلى دليل.

و لكن قد يتخيل ان الكشف بهذا المعنى غير ممكن، و ذلك لاستلزامه كون المال الواحد في زمان ملكا لشخصين، لفرض ان هذا المال باق في ملك مالكه الأصلي إلى زمان الإجازة حقيقة، و معه كيف يعقل ان يصير هذا المال ملكا للطرف الآخر في هذا الزمان بعينه بعد الإجازة فيلزم اجتماع الملكيتين على مال واحد في زمان فارد و هو غير معقول لأنه من اجتماع الضدين على شي‏ء واحد و غير خفي ان هذا خيال خاطئ جدا و غير مطابق للواقع يقيناً، و الوجه فيه ما ذكرناه غير مرة من ان الأحكام الشرعية جميعاً أمور اعتبارية و لا واقع موضوعي لها ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار، و لذا قلنا انه لا مضادة بينها في أنفسها و المضادة بينها انما هي من ناحية المبدأ أو المنتهى.

و على هذا الضوء فبما ان في المقام زمان الاعتبار مختلف، فان زمان اعتبار بقاء هذا المال في ملك مالكه قبل الإجازة و زمان اعتبار كونه ملكا للآخر بعدها و ان كان زمان المعتبر فيهما واحدا فلا يلزم محذور التضاد، فان محذور التضاد انما يلزم فيما إذا كان زمان الاعتبار فيهما أيضاً واحدا، و اما إذا كان‏

374

متعددا كما في المقام فلا يلزم ذلك، ضرورة انه لا مانع من ان تقتضي المصلحة الملزمة بعد الإجازة لاعتبار كون هذا المال ملكا له من حين العقد، فان الاعتبار خفيف المئونة فهو قابل لأن يتعلق بالأمر السابق، كأن يعتبر المولى ملكية مال لشخص من زمان سابق و لا مانع فيه أبدا، كما انه قابل للتعلق بأمر لاحق، كما في باب الوصية أو نحوها.

و من هنا قلنا ان التعليق في باب العقود امر معقول في نفسه، بل هو واقع كما في باب الوصية. فان الموصى حكم بملكية ماله لشخص بعد موته و معلقاً عليه و الشارع أمضاه كذلك، و كذا في بيع الصرف فان إمضاء الشارع و حكمه بالملكية فيه، معلق على التقابض بين المتبايعين و ان كان حكمهما (أي المتبايعين) بالملكية غير معلق على شي‏ء.

فالنتيجة ان التعليق في العقود امر معقول، و لذا كلما دل الدليل على وقوعه نأخذ به، و انما لا نأخذ به من ناحية الإجماع القائم على بطلانه، و كيف كان فلا مانع من تعلق الاعتبار بالملكية السابقة، كما انه لا مانع من تعلقه بالملكية اللاحقة، بداهة انه لا واقع للملكية و لا وجود لها في الخارج على الفرض غير اعتبار من بيده الاعتبار، فإذا كان هذا امرا ممكناً في نفسه فهو واقع في المقام لا محالة، لأن مقتضى تعلق الإجازة بالعقد السابق هو اعتبار كون هذا المال ملكا له في الواقع من ذلك الزمان.

و بكلمة أخرى ان اعتبار الملكية بما انه تابع للملاك القائم به فهو مرة يقتضي اعتبار ملكية شي‏ء في زمن سابق كما فيما نحن فيه، فان الاعتبار فعلى و المعتبر امر سابق، و أخرى يقتضى اعتبار ملكية شي‏ء في زمن متأخر كما في باب الوصية، فان الاعتبار فيه فعلى و المعتبر امر متأخر، و ثالثة يقتضى اعتبار ملكية شي‏ء في زمن فعلى، فيكون الاعتبار و المعتبر كلاهما فعلياً، و هذا هو

375

الغالب. و من المعلوم ان جميع هذه الصور ممكن، غاية الأمر ان وقوع الصورة الأولى و الثانية في الخارج يحتاج إلى دليل إذا لم يكن في مورد مطابقاً للقاعدة كما في المقام، لأن اعتبار ملكية المال الواقع عليه العقد الفضولي لمن انتقل إليه تابع لإجازة المالك، و بما ان الإجازة متعلقة بالعقد السابق كما هو مقتضى مفهومها فلا محالة يكون الاعتبار متعلقاً بالملكية من ذلك الزمان لا من حين الإجازة، إذ من الواضح جدا ان الإجازة متعلقة بالعقد السابق و موجبة لاستناد ذلك العقد إلى المالك، فلا بد من ان يكون الاعتبار متعلقاً بالملكية من حين العقد فان أدلة الإمضاء كقوله تعالى «أوفوا بالعقود» «و أحل اللّه البيع» و نحوهما ناظرة إلى إمضاء ما تعلقت به الإجازة. و المفروض ان ما تعلقت به الإجازة هو العقد السابق الصادر من الفضولي، فاذن تدل الأدلة على صحة هذا العقد و انتسابه إلى المالك من ذاك الزمان فيكون زمان الاعتبار فعلياً و هو زمان الإجازة و زمان المعتبر سابقاً و هو زمان صدور العقد، و هذا معنى ما ذكرناه من ان الكشف بهذا المعنى مطابق للقاعدة و لا مناص من الالتزام به.

و قد تحصل من ذلك عدة أمور:

الأول- ان القول بالكشف بهذا المعنى لا يستلزم انقلاب الواقع ضرورة انه لا واقع للملكية ما عدا اعتبار من بيده الاعتبار ليلزم الانقلاب، فان انقلاب الواقع فرع ان يكون لها واقع ليقال ان الالتزام به يستلزم انقلابها عما وقعت عليه و هو محال. هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان الاعتبار خفيف المئونة، فكما يمكن تعلقه بأمر استقبالي أو حالي يمكن تعلقه بأمر سابق من دون لزوم محذور أصلا. فما توهم من ان المحذور اللازم على القول بالكشف الحقيقي بالمعنى المشهور لازم على هذا القول أيضاً فاسد جدا و لا أصل له أبدا كما يظهر وجهه من ضوء بياننا المتقدم فلاحظ.

376

الثاني- ان الكشف بهذا المعنى امر معقول في نفسه من ناحية، و مطابق للقاعدة من ناحية أخرى، و لذا لا يحتاج وقوعه في الخارج إلى دليل، فإمكانه يكفي لوقوعه كما عرفت.

الثالث- ان ملاك استحالة اجتماع الحكمين من الأحكام الوضعيّة في شي‏ء واحد غير ملاك استحالة اجتماع الحكمين من الأحكام التكليفية فيه، و لأجل ذلك يكون تعدد زمان الاعتبار في الأحكام الوضعيّة مجديا في رفع محذور استحالة اجتماع اثنين منها في شي‏ء في زمان واحد. و اما في الأحكام التكليفية فلا أثر له أصلا، كما تقدم. و من هنا يظهر ان الصحيح هو ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) في تعليقته على مكاسب شيخنا الأعظم لا ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده).

و اما القول الرابع و هو ما اختاره شيخنا الأستاذ تبعاً لشيخنا العلامة الأنصاري (قده) فملخصه على ما أفاده هو ان المقام داخل في كبرى قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه و لا صلة له بقاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار و لأجل ذلك يكون الخروج واجباً شرعا و لا يجري عليه حكم المعصية. نعم بناء على دخوله في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار فالصحيح هو ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الخروج لا يكون محكوما بحكم شرعي فعلا و لكن يجري عليه حكم النهي السابق الساقط بالاضطرار و هو المعصية، فله (قده) دعاو ثلاث:

الأولى- ان الخروج لا يكون محكوما بحكم من الأحكام الشرعية فعلا و لكن يجري عليه حكم المعصية للنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه بناء على كون المقام من صغريات قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار.

الثانية- ان المقام غير داخل في كبرى تلك القاعدة و ليس من صغرياتها.

377

الثالثة- انه داخل في كبرى قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه و لزوم التخلية بينه و بين صاحبه.

اما الدعوى الأولى فقد أفاد (قده) انه يكفي لإثباتها بطلان القولين السابقين أعني القول بكون الخروج واجباً و حراماً فعلا و القول بكونه واجباً فعلا و حراماً بالنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه. و قد تقدم بطلان كلا القولين.

اما القول الأول فلاستحالة كون شي‏ء واحد واجباً و حراماً معاً. و دعوى- ان الخطاب التحريمي في المقام خطاب تسجيلي، و الغرض منه تصحيح عقاب العبد و ليس خطاباً حقيقياً، كما هو الحال في الخطابات المتوجهة إلى العصاة مع علم الآمر بعدم تحقق الإطاعة منهم- خاطئة جداً، و ذلك لأنه لا معنى للخطاب التسجيلي، فان العبد ان كان مستحقاً للعقاب بواسطة مخالفة امر المولى أو نهيه مع قطع النّظر عن هذا الخطاب فيكون هذا الخطاب لغوا و لا فائدة له أصلا، و من المعلوم ان صدور اللغو من الحكيم محال و ان لم يكن مستحقاً له في نفسه مع قطع النّظر عنه، فكيف يمكن خطابه بهذا الداعي أي بداعي العقاب مع عدم قدرته على امتثاله. ضرورة ان هذا تعد من المولى على عبده و ظلم منه فاذن لا يمكن الالتزام بالخطاب التسجيلي، و اما خطاب العصاة مع العلم بعدم تحقق الإطاعة منهم فهو خطاب حقيقي، بداهة انه لا يعتبر في صحة الخطاب الحقيقي إلا إمكان انبعاث المكلف أو انزجاره في الخارج، و هذا المعنى متحقق في موارد تكليف العصاة على الفرض، فان العصيان انما هو باختيارهم، فاذن قياس المقام بخطاب العصاة قياس مع الفارق، و كيف كان فلا شبهة في بطلان هذا القول.

و اما القول الثاني فقد عرفت امتناع تعلق الحكمين بفعل واحد في زمان‏

378

واحد و لو كان زمان تعلق الإيجاب مغاير الزمان تعلق التحريم، لما ذكرناه من ان ملاك الاستحالة و الإمكان انما هو بوحدة زمان المتعلق و تعدده لا بوحدة زمان الإيجاب و التحريم و تعدده كما تقدم ذلك بشكل واضح.

و اما الدعوى الثانية (و هي عدم كون المقام داخلا في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار) فقد استدل عليها بوجوه:

الأول- ان ما يكون داخلا في كبرى هذه القاعدة لا بد ان يكون مما قد عرضه الامتناع باختيار المكلف و إرادته كالحج يوم عرفة لمن ترك مقدمته باختياره و قدرته و كحفظ النّفس المحترمة لمن ألقى نفسه من شاهق و نحوهما من الأفعال الاختيارية التي تعرض عليها الامتناع بالاختيار. و من الواضح جداً ان الخروج من الدار المغصوبة ليس كذلك، فانه باق على ما هو عليه من كونه مقدورا للمكلف فعلا و تركاً بعد دخوله فيها، و لم يعرض عليه الامتناع كما هو واضح.

نعم مطلق الكون في الأرض المغصوبة الجامع بين الخروج و البقاء بأقل مقدار يمكن فيه الخروج و ان كان مما لا بد منه و لا يتمكن المكلف من تركه بعد دخوله فيها، الا ان ذلك أجنبي عن الاضطرار إلى خصوص الغصب بالخروج كما هو محل الكلام، ضرورة ان الاضطرار إلى جامع لا يستلزم الاضطرار إلى كل واحد من افراده، مثلا لو اضطر المكلف إلى التصرف في ماء جامع بين ماء مباح و ماء مغصوب فهو لا يوجب جواز التصرف في المغصوب، لفرض انه لا يكون مضطرا إلى التصرف فيه خاصة، ليكون واقعاً لحرمته بل هو باق عليها لعدم الموجب لسقوطها، فان الموجب له إنما هو تعلق الاضطرار به و المفروض انه غير متعلق به و إنما تعلق بالجامع بينه و بين غيره، فاذن لا يجوز التصرف فيه. نعم يتعين عليه عندئذ التصرف في خصوص الماء المباح و رفع الاضطرار به و ما نحن فيه من‏

379

هذا القبيل، فان الاضطرار إلى مطلق الكون في الأرض المغصوبة الجامع بين الخروج و البقاء لا يوجب الاضطرار إلى خصوص الخروج، بل الخروج باق على ما هو عليه من كونه مقدوراً من دون ان يعرض عليه ما يوجب امتناعه.

فالنتيجة ان الخروج ليس من مصاديق قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار.

الثاني- ان محل الكلام في هذه القاعدة انما هو فيما إذا كان ملاك الوجوب تاماً في ظرفه و مطلقاً أي من دون فرق في ذلك بين ان تكون مقدمته الإعدادية موجودة في الخارج أو غير موجودة و ان يكون وجوبه مشروطاً بمجي‏ء زمان متعلقه أولا، و ذلك كوجوب الحج، فانه و ان كان مشروطاً بمجي‏ء يوم عرفة بناء على استحالة الواجب المعلق، إلا ان ملاكه يتم بتحقق الاستطاعة كما هو مقتضى قوله تعالى: «و للَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» فانه ظاهر في ان ملاك وجوبه في ظرفه صار تاماً بعد تحقق الاستطاعة، و لا يتوقف على مجي‏ء زمان متعلقه و هو يوم عرفة، و عليه فمن ترك المسير إلى الحج بعد وجود الاستطاعة يستحق العقاب على تركه و ان امتنع عليه الفعل عندئذ في وقته، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، و كذا من ألقى نفسه من شاهق، فانه يستحق العقاب عليه، هذا هو الملاك في جريان هذه القاعدة، و من المعلوم ان هذا الملاك غير موجود في المقام بل هو في طرف النقيض مع مورد القاعدة، و ذلك لأن الخروج قبل الدخول في الدار المغصوبة لم يكن مشتملا على الملاك، فالدخول فيها من المقدمات التي لها دخل في تحقق القدرة على الخروج و تحقق ملاك الحكم فيه، ضرورة ان الداخل فيها هو الّذي يمكن توجيه الخطاب إليه بفعل الخروج أو بتركه دون غيره، فاذن لا يمكن ان يكون الخروج داخلا في موضوع القاعدة. و على الجملة فمورد القاعدة كما عرفت‏

380

ما إذا كان ملاك الحكم تاماً مطلقاً أي سواء أوجد المكلف مقدمته الوجودية أم لم يوجد كوجوب الحج- مثلا- فان ملاكه تام بعد تحقق الاستطاعة و ان لم يوجد المكلف مقدمته في الخارج، غاية الأمر انه إذا تركها امتنع عليه الحج فيدخل عندئذ في موضوع القاعدة، و هذا بخلاف الخروج، فانه لا ملاك له قبل إيجاد مقدمته و هي الدخول في الأرض المغصوبة، فيكون الدخول مما له دخل في تحقق الملاك فيه.

و على هذا الضوء يمتنع دخول الخروج في كبرى تلك القاعدة كما هو ظاهر.

الثالث- ان مناط دخول شي‏ء في موضوع القاعدة هو ان يكون الإتيان بمقدمته موجباً للقدرة عليه، ليكون الآتي بها قابلا لتوجيه التكليف إليه فعلا، و هذا كالإتيان بمقدمة الحج، فانه يوجب تحقق قدرة المكلف على الإتيان به و صيرورته قابلا لتوجيه التكليف به فعلا. و اما إذا ترك المسير إليه و لم يأت بهذه المقدمة لامتنع الحج عليه و لسقط وجوبه، و لكن بما ان امتناعه منته إلى الاختيار فلا يسقط العقاب عنه، و هذا معنى كونه من صغريات تلك القاعدة.

و اما المقام فليس الأمر فيه كذلك. لأن الدخول و ان كان مقدمة إعدادية للخروج و موجباً للقدرة عليه، الا انه يوجب سقوط الخطاب عنه، لا انه يوجب فعلية الخطاب به. و الوجه فيه ما ذكروه من ان المكلف في هذا الحال يدور امره بين البقاء في الدار المغصوبة و الخروج عنها، و من المعلوم ان العقل يلزمه بالخروج مقدمة للتخلص عن الحرام، و لا يجوز له البقاء لأنه تصرف زائد.

و على هذا فلا محالة يضطر المكلف إلى الخروج عنها و لا يقدر على تركه تشريعاً و ان كان قادراً عليه تكويناً، و معه لا يمكن للشارع ان ينهى عنه و من‏

381

الطبيعي ان مثل هذا غير داخل في مورد القاعدة.

و ان شئت فقل ان ما نحن فيه و مورد القاعدة متعاكسان فان إيجاد المقدمة فيما نحن فيه أعني بها الدخول في الأرض المغصوبة يوجب سقوط الخطاب بترك الخروج. و في مورد القاعدة يوجب فعلية الخطاب، كما عرفت، فاذن كيف يمكن دخول المقام تحت القاعدة.

الرابع- ان الخروج فيما نحن فيه واجب في الجملة و لو كان ذلك بحكم العقل و هذا يكشف عن كونه مقدوراً و قابلا لتعلق التكليف به. و من المعلوم ان كلما كان كذلك أعني كونه واجباً و لو بحكم العقل لا يدخل في كبرى تلك القاعدة قطعاً، ضرورة ان مورد القاعدة هو ما إذا كان الفعل غير قابل لتعلق التكليف به لامتناعه، و اما إذا فرض كونه قابلا كذلك و لو عقلا فلا موجب لسقوط الخطاب المتعلق به شرعاً أصلا، فاذن فرض تعلق الخطاب الوجوبيّ به مع فرض كونه داخلا في موضوع القاعدة فرضان متنافيان فلا يمكن الجمع بينهما، و عليه فكيف يمكن كون المقام من صغريات القاعدة.

نتيجة جميع ما ذكره (قده) هي ان الخروج عن الدار المغصوبة غير داخل في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاخيتار.

و لنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قده) من الوجوه ان هذه الوجوه جميعاً تبتني على الاشتباه في نقطتين.

الأولى- توهم اختصاص القاعدة بموارد التكاليف الوجوبية و الغفلة عن انه لا فرق في جريانها بين موارد التكاليف الوجوبية و موارد التكاليف التحريمية فهما من هذه الناحية على صعيد واحد، و الفارق هو ان ترك المقدمة في التكاليف الوجوبية غالباً بل دائماً يفضي إلى ترك الواجب و امتناع فعله في الخارج كمن ترك المسير إلى الحج، فانه يوجب امتناع فعله، و هذا بخلاف التكاليف‏

382

التحريمية فان في مواردها إيجاد المقدمة يوجب امتناع ترك الحرام و الانزجار عنه لا تركها، مثلا الدخول في الأرض المغصوبة يوجب امتناع ترك الحرام و الانزجار عنه لا تركه فانه لا يوجب امتناع فعله فتكون موارد التكاليف التحريمية من هذه الناحية على عكس موارد التكاليف الوجوبية.

الثانية- توهم اختصاص جريان القاعدة بموارد الامتناع التكويني كامتناع فعل الحج يوم عرفة لمن ترك المسير إليه، و عدم جريانها في موارد الامتناع التشريعي، فتخيل ان الامتناع العارض على الفعل المنتهى إلى اختيار المكلف و إرادته ان كان امتناعا تكوينياً فيدخل في موضوع القاعدة و ان كان تشريعياً فلا يدخل فيه.

و لكن كلتا النقطتين خاطئة:

اما النقطة الأولى فلضرورة ان الملاك في جريان هذه القاعدة في مورد هو ان ما كان امتناع امتثال التكليف فيه منتهياً إلى اختيار المكلف و إرادته فلا فرق بين ان يكون ذلك التكليف تكليفاً وجوبياً أو تحريمياً، و بلا فرق بين ان يكون امتناع امتثاله من ناحية ترك ما يفضي إلى ذلك كترك المسير إلى الحج، أو من ناحية فعل ما يفضي إليه كالدخول في الأرض المغصوبة، فكما انه على الأول يقال ان امتناع فعل الحج يوم عرفة بما انه منته إلى الاختيار فلا يسقط العقاب عنه، فان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فكذلك على الثاني يقال ان امتناع ترك الغصب بما انه منته إلى الاختيار فلا يسقط العقاب، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار، فلا فرق بينهما في الدخول في موضوع القاعدة أصلا.

و بكلمة أخرى انه لا واقع موضوعي لهذه القاعدة ما عدا كون امتناع امتثال التكليف منتهياً إلى اختيار المكلف و إرادته، فيقال ان هذا الامتناع‏

383

بما انه مستند إلى اختياره فلا ينافي العقاب، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافى الاختيار، هذا هو واقع تلك القاعدة. و من الطبيعي انه لا فرق في ذلك بين التكليف الوجوبيّ و التحريمي أبداً. نعم تمتاز التكاليف التحريمية عن التكاليف الوجوبية في نقطة أخرى و هي ان في موارد التكاليف الوجوبية يستند امتناع فعل الواجب في الخارج كما عرفت على ترك المقدمة اختياراً، و في موارد التكاليف التحريمية يستند امتناع ترك الحرام كالمثال المتقدم و ما شاكله إلى فعل المقدمة، و لكن من المعلوم انه لا أثر لهذا الفرق بالإضافة إلى الدخول في موضوع القاعدة كما مر.

و اما النقطة الثانية فلأنه لا فرق في الدخول في كبرى تلك القاعدة بين ان يكون الامتناع الناشئ من الاضطرار بسوء الاختيار تكوينياً كامتناع فعل الحج يوم عرفة لمن ترك المسير إليه و ما شابه ذلك أو تشريعياً ناشئاً من إلزام الشارع بفعل شي‏ء أو بتركه، فان الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، ضرورة ان الميزان في جريان هذه القاعدة كما عرفت هو ما كان امتناع الامتثال مستنداً إلى اختيار المكلف، و من الطبيعي ان الامتثال قد يمتنع عقلا و تكويناً و قد يمتنع شرعاً.

و من المعلوم انه لا فرق بينهما من ناحية الدخول في موضوع القاعدة أصلا إذا كان منتهياً إلى الاختيار، و هذا واضح.

و على ضوء هذا البيان قد ظهر فساد جميع هذه الوجوه:

اما الوجه الأول فلأنه مبني على اختصاص القاعدة بموارد الامتناع التكويني، ليختص جريانها بما إذا عرضه الامتناع في الخارج تكويناً و كان ذلك بسوء اختيار المكلف كالإتيان بالحج يوم عرفة لمن ترك المسير إليه و كحفظ النّفس المحترمة لمن ألقى نفسه من شاهق- مثلا- و ما شابه ذلك، و عليه فلا محالة لا تشمل مثل الخروج عن الدار المغصوبة، لفرض انه غير ممتنع تكويناً

384

و مقدور للمكلف عقلا فعلا و تركاً و ان كان غير مقدور له تشريعاً، و لكن قد عرفت انه لا وجه لهذا التخصيص أصلا و لا فرق في جريان هذه القاعدة بين ان يكون امتناع الفعل تكوينياً أو تشريعياً، فكما انها تجري على الأول، فكذلك تجري على الثاني.

و على هدى ذلك قد تبين ان الخروج عن الأرض المغصوبة في مفروض الكلام و ما شاكله داخل في كبرى تلك القاعدة، و ذلك لأن الخروج و ان كان مقدورا للمكلف تكويناً فعلا و تركاً، الا انه لا مناص له من اختياره خارجاً و الوجه فيه هو ان امره في هذا الحال يدور بين البقاء في الأرض المغصوبة و الخروج عنها و لا ثالث لهما. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان التصرف فيها بغير الخروج بما انه محرم فعلا من جهة انه أهم المحذورين و أقوى القبيحين فلا محالة يحكم العقل بتعين اختيار الخروج و الفرار عن غيره و مع هذا يمتنع النهي عنه بالفعل لأن حكم الشارع بحرمة البقاء فيها فعلا الموجب لامتناع ترك الخروج تشريعاً لا يجتمع مع النهي عن الخروج أيضاً فالنتيجة انه لا يمكن النهي عنه في هذا الحال لامتناع تركه من ناحية إلزام الشارع بترك البقاء و التصرف بغيره كما هو واضح، و لكن بما انه مستند إلى اختيار المكلف فلا ينافي العقاب فان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

و على الجملة فمن دخل الأرض المغصوبة باختياره و إرادته و ان كان قادرا على الخروج منها عقلا كما انه قادر على البقاء فيها كذلك، فان ما هو خارج عن قدرته و اختياره هو مطلق الكون فيها الجامع بين البقاء و الخروج لا كل واحد منهما في نفسه، الا ان حرمة التصرف فعلا بغير الخروج تستلزم لا محالة لزوم اختيار الخروج بحكم العقل فرارا عن المحذور الأهم. و على هذا فالنهي عن الخروج ممتنع لامتناع تركه من ناحية حكم العقل بلزوم اختياره، لكن هذا

385

تركه من ناحية حكم العقل بلزوم اختياره، و لكن هذا الامتناع بما انه منته إلى اختياره فلا ينافي العقاب، و هذا معنى كونه داخلا في موضوع القاعدة.

فما أفاده (قده) في هذا الوجه لا يرجع إلى معنى محصل أصلا.

و اما الوجه الثاني فلأنه مبتن على اختصاص القاعدة بموارد التكاليف الوجوبية ببيان ان المعتبر في دخول شي‏ء في تلك القاعدة هو ان يكون ملاك الواجب تاماً في ظرفه سواء أ كان المكلف أوجد مقدمته الوجودية أم لا، و ذلك كالحج في الموسم. فان ملاكه تام بعد حصول الاستطاعة و ان لم توجد مقدمته في الخارج، ففي مثل ذلك إذا ترك المكلف مقدمته كالمسير إليه فلا محالة امتنع الواجب عليه في ظرفه و يفوت منه الملاك الملزم، و بما ان تفويته باختياره فلأجل ذلك يستحق العقاب. و اما الخروج في مفروض الكلام بما انه لا ملاك لوجوبه قبل حصول مقدمته و هي الدخول، لفرض ان له دخلا في ملاكه و تحقق القدرة عليه فلا يكون مشمولا لتلك القاعدة.

و غير خفي ما في ذلك، فان فيه خلطاً بين جريان القاعدة في موارد التكاليف الوجوبية و جريانها في موارد التكاليف التحريمية و تخيل ان جريانها في كلا الموردين على صعيد واحد، مع ان الأمر ليس كذلك لوضوح ان الكلام في دخول الخروج في موضوع القاعدة و عدم دخوله ليس من ناحية حكمه الوجوبيّ، ليقال انه قبل الدخول لا ملاك له ليفوت بتركه فيستحق العقاب عليه إذا كان بسوء اختياره. بل من ناحية حكمه التحريمي، و هذا لعله من الواضحات. و من المعلوم انه من هذه الناحية داخل في كبرى القاعدة، لما عرفت من ان حرمة التصرف فعلا بغير الخروج أوجبت بحكم العقل لزوم اختياره فرارا عن المحذور الأهم و امتناع تركه تشريعاً و ان لم يكن ممتنعاً تكويناً، و لكن بما انه منته إلى الاختيار فيستحق العقاب عليه، لأن الامتناع بالاختيار

386

لا ينافي الاختيار.

و على الجملة فقد ذكرنا ان التكاليف الوجوبية تمتاز عن التكاليف التحريمية في نقطة و هي ان في موارد التكاليف الوجوبية ترك المقدمة غالباً أو دائماً يفضي إلى امتناع موافقتها و امتثالها في الخارج تكويناً أو تشريعاً، و في موارد التكاليف التحريمية فعل المقدمة غالباً يفضي إلى امتناع موافقتها و امتثالها في الخارج كذلك، فهما من هذه الناحية على طرفي النقيض.

و على أساس تلك النقطة قد ظهر حال الخروج فيما نحن فيه، فان له ناحيتين أعني ناحية حرمته و ناحية وجوبه، فمرة ننظر إليه من ناحية حرمته و أخرى من ناحية وجوبه. اما من ناحية حرمته فقد عرفت انه لا إشكال في دخوله في موضوع القاعدة.

و لكن العجب من شيخنا الأستاذ (قده) كيف غفل عن هذه الناحية و لم يتعرض لها في كلامه أبداً لا نفياً و لا إثباتاً و أصر على عدم انطباق القاعدة عليه، مع انه من الواضح جدا انه لو التفت إلى هذه الناحية لالتزم بانطباق القاعدة عليه، بداهة انه (قده) لا يفرق في جريان هذه القاعدة بين التكاليف الوجوبية و التكاليف التحريمية، لعدم الموجب له أبدا و هذا واضح. و اما من ناحية وجوبه فعلى ما يراه (قده) من انه واجب شرعا من جهة دخوله في موضوع قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه فالامر كما أفاده، لوضوح انه من هذه الناحية غير داخل في القاعدة، لعدم الملاك له قبل إيجاد مقدمته و هي الدخول، ليفوت منه ذلك بترك هذه المقدمة، ليستحق العقاب على تفويته إذا كان باختياره. هذا من جانب، و من جانب آخر انه بعد إيجاد مقدمته بالاختيار لا يفوت منه الواجب على الفرض، ليستحق العقاب على تفويته، فاذن لا يمكن ان يكون الخروج من هذه الناحية داخلا في كبرى القاعدة. و لكن سنبين عن قريب إن شاء اللّه‏

387

تعالى ان هذه الناحية ممنوعة و ان الخروج ليس بواجب شرعا و انما هو واجب بحكم العقل بمعنى ان العقل يدرك ان المكلف لا بد له من اختياره و لا مناص عنه من ناحية حكم الشارع بحرمة البقاء فيها فعلا. و عليه فلا وجه لخروجه عن موضوع القاعدة.

أضف إلى ذلك انه على فرض تسليم وجوبه و ان كان خارجا عنه، الا انه لا شبهة في دخوله فيه من ناحية تحريمه، كما عرفت، فاذن لا وجه لإصراره (قده) لخروجه عنه الا غفلته عن هذه الناحية كما أشرنا إليه آنفا.

و اما الوجه الثالث- فيرد عليه انه مبنى على الخلط بين مقدمة الواجب و مقدمة الحرام، و الغفلة عن نقطة ميزهما، بيان ذلك هو ان إيجاد المقدمة في موارد التكاليف الوجوبية يوجب قدرة المكلف على إتيان الواجب و امتثاله و صيرورته قابلا لأن يتوجه إليه التكليف فعلا. و اما في موارد التكاليف التحريمية فترك المقدمة يوجب قدرة المكلف على ترك الحرام. و على هذا ففي موارد التكاليف الوجوبية ترك المقدمة المزبورة يوجب امتناع فعل الواجب في الخارج فيدخل في مورد القاعدة، كما عرفت، و في موارد التكاليف التحريمية فعل المقدمة يوجب امتناع ترك الحرام، ففيما نحن فيه الدخول في الأرض المغصوبة يوجب امتناع الخروج تشريعاً من ناحية حكم الشارع بحرمة التصرف بغيره فعلا و يوجب سقوط النهي عنه، كما ان ترك الدخول فيها يوجب فعلية النهي عنه.

و قد تحصل من ذلك ان ما أفاده (قده) مبني على خلط مقدمة الحرام بمقدمة الواجب.

و اما الوجه الرابع- فقد ظهر بطلانه مما تقدم، و ملخصه: هو ان حكم العقل بلزوم اختيار الخروج دفعاً للمحذور الأهم و ان كان يستلزم كونه مقدورا

388

للمكلف تكوينا إلا انه لا يستلزم كونه محكوما بحكم شرعا، لعدم الملازمة بين حكم العقل بلزوم اختياره في هذا الحال و إمكان تعلق الحكم الشرعي به.

و الوجه في ذلك هو ان حكم العقل و إدراكه بأنه لا بد من اختياره و ان كان كاشفا عن كونه مقدورا تكوينا، إلا انه مع ذلك لا يمكن للشارع ان ينهي عنه فعلا، و ذلك لأن منشأ هذا الحكم العقلي انما هو منع الشارع عن التصرف بغيره فعلا الموجب لعجز المكلف عنه بقاعدة ان الممنوع الشرعي كالممتنع العقلي، و مع ذلك لو منع الشارع عنه أيضا منعا فعليا لزم التكليف بما لا يطاق و هو محال، فاذن لا يمكن ان يمنع عنه فعلا، كما هو واضح، و هذا معنى سقوط النهي عنه و عدم إمكانه، و لكن بما ان ذلك كان بسوء اختياره و إرادته فلا ينافي العقاب، لأن الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

فما أفاده (قده) من دعوى الملازمة بين وجوب الخروج بحكم العقل و كونه قابلا لتعلق التكليف به خاطئة جدا و لا واقع لها أصلا. نعم هذه الدعوى تامة على تقدير القول بكون الخروج محكوما بالوجوب كما هو مختاره (قده).

إلى هنا قد تبين ان ما أفاده (قده) من الوجوه لإثبات ان الخروج غير داخل في كبرى تلك القاعدة لا يتم شي‏ء منها.

و اما الكلام في الدعوى الثالثة: (و هي كون المقام داخلا في كبرى قاعدة وجوب رد مال الغير إلى مالكه) فقد ذكر (قده) انه بعد بطلان دخول المقام في كبرى قاعدة ان الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار بالوجوه المتقدمة من ناحية، و بطلان بقية الأقوال من ناحية أخرى لا مناص من الالتزام بكونه داخلا في موضوع قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه، ببيان انه كما يجب رد المغصوب إلى صاحبه في غير هذا المقام، يجب رده إلى مالكه هنا أيضا و هو يتحقق هنا بالخروج، فاذن يكون الخروج مصداقا للتخلية بين المال و مالكه‏

389

في غير المنقولات، فيكون واجبا لا محالة عقلا و شرعا، كما ان البقاء فيها على أنحائه محرم.

و الوجه في ذلك هو ان الاضطرار متعلق بمطلق الكون في الدار المغصوبة الجامع بين البقاء و الخروج لا بخصوص البقاء لتسقط حرمته، و لا بخصوص الخروج ليسقط وجوبه، ضرورة ان ما هو خارج عن قدرة المكلف انما هو ترك مطلق الكون فيها بمقدار أقل زمان يمكن فيه الخروج، لا كل منهما، و لأجل ذلك لا يمكن النهي عن مطلق الكون فيها، و لكن يمكن النهي عن البقاء فيها بشتى أنحائه، لأن المفروض انه مقدور للمكلف فعلا و تركا، و معه لا مانع من تعلق النهي به بالفعل أصلا. و من هنا قلنا ان البقاء و هو التصرف فيها بغير الحركة الخروجيّة محرم، و لا تسقط حرمته من ناحية الاضطرار لفرض عدم تعلقه به، و الخروج بما انه مصداق للتخلية بين المال و صاحبه فلا محالة يكون واجباً شرعاً، و عليه فيكون المقام من الاضطرار إلى مطلق التصرف في مال الغير يكون بعض افراده واجباً و بعضها الآخر محرماً، نظير ما إذا اضطر المكلف لرفع عطشه- مثلا- إلى شرب الماء الجامع بين الماء النجس و الطاهر، فانه لا يوجب سقوط الحرمة عن شرب النجس، لفرض عدم الاضطرار إليه، بل هو باق على حرمته و وجوب الاجتناب عنه.

و على الجملة فالخروج واجب بحكم الشرع و العقل من ناحية دخوله في كبرى تلك القاعدة أعني قاعدة وجوب التخلية بين المال و مالكه، و امتناع كونه داخلا في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار، و من المعلوم ان عنوان التخلص و التخلية من العناوين المحسنة عقلا المطلوبة شرعاً من ناحية اشتمالها على مصلحة إلزامية، و اما غيره أي غير الخروج من أقسام التصرف فيبقى على حرمته، كما عرفت.

390

و الجواب عن ذلك ان الحركات الخروجيّة مضادة لعنوان التخلية و التخلص، ضرورة ان تلك الحركات تصرف في مال الغير حقيقة و واقعاً و مصداق للغصب كذلك، و معه كيف تكون مصداقاً للتخلية، لوضوح ان التخلية هي إيجاد الخلإ في المكان و هو يضاد الاشغال و الابتلاء به، و من الواضح جداً ان الحركات الخروجيّة مصداق لعنوان الاشغال و الابتلاء، فكيف يصدق عليه عنوان التخلص و التخلية، فانهما من العناوين المتضادة فلا يصدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر، بداهة ان ظرف تحقق الخلاص و إيجاد الخلإ و الفراغ بين المال و مالكه حال انتهاء الحركة الخروجيّة، و عليه فكيف يعقل ان تكون تلك الحركات مصداقاً للتخلية و معنونة بعنوان التخلص.

و بكلمة أخرى ان من يقول بهذه المقالة أي بكون الحركة الخروجيّة مصداقاً للتخلص و التخلية ان أريد بمصداقيتها لها بالإضافة إلى أصل الغصب هنا و التصرف في مال الغير، فيرد ذلك ما عرفت الآن من انه ما دام في الدار سواء اشتغل بالحركات الخروجيّة أم لا فهو معنون بعنوان الابتلاء و الاشغال بالغصب لا بعنوان التخلص و التخلية، فهما عنوانان متضادان لا يصدقان على شي‏ء واحد هذا إذا كان عنوان التخلص عنوانا وجودياً و عبارة عن إيجاد الفراغ و الخلإ بين المال و صاحبه، كما هو الصحيح. و اما إذا فرض انه عنوان عدمي و عبارة عن ترك الغصب فيكون عندئذ نقيضاً لعنوان الابتلاء و من الطبيعي استحالة صدق أحد النقيضين على ما يصدق عليه الآخر، و كيف كان فعنوان التخلص سواء أ كان عنواناً وجودياً أو عدميا فهو مقابل لعنوان الابتلاء فلا يصدق أحدهما على ما يصدق عليه الآخر.

و ان أريد بالإضافة إلى الغصب الزائد على ما يوازي زمان الخروج، ببيان ان التصرف في مال الغير في هذا المقدار من الزمان مما لا بد منه فلا يتمكن‏

391

المكلف من تركه، و لأجل ذلك ترتفع حرمته، و اما الزائد على ما يوازي هذا الزمان فهو متمكن من تركه بالخروج عنها و قادر على التخلص عنه. فعندئذ لا محالة تقع الحركات الخروجيّة مصداقا للتخلية و التخلص بالإضافة إلى الغصب الزائد، و معه تكون محبوبة و مشتملة على مصلحة إلزامية فتجب، فيرد على ذلك ان عنوان التخلص لا يصدق عليها بالإضافة إلى الغصب الزائد أيضا، ضرورة ان صدق عنوان التخلص عن الشي‏ء فرع الابتلاء به فما دام لم يبتلى بشي‏ء فلا يصدق انه خلص عنه إلا بالعناية و المجاز، و المفروض في المقام ان المكلف بعد غير مبتلى به، ليصدق عليه فعلا انه خلص منه بهذه الحركات الخروجيّة. نعم بعد مضي زمان بمقدار يوازي زمان الخروج ان بقي المكلف فيها فهو مبتلى به لفرض بقائه و عدم خروجه، و ان خرج فهو متخلص عنه، فعنوان التخلص عن الغصب الزائد يصدق عليه بعد الخروج و في ظرف انتهاء الحركة الخروجيّة إلى الكون في خارج الدار لا قبله، كما هو واضح. و عليه فكيف تتصف تلك الحركة بعنوان التخلص و التخلية.

و دعوى ان هذه الحركات و ان لم تكن مصداقا لعنوان التخلية و التخلص لتكون واجبة بوجوب نفسي إلا انه لا شبهة في كونها مقدمة له فتكون واجبة بوجوب مقدمي خاطئة جداً و لا واقع موضوعي لها أصلا، و ذلك لأن تلك الحركات الخاصة أعني الحركات الخروجيّة مقدمة للكون في خارج الدار و لا يعقل ان تكون مقدمة لعنوان التخلص، فان عنوان التخلص لا يخلو من ان يكون عنوانا وجوديا و عبارة عن إيجاد الفراغ بين المال و صاحبه كما هو الصحيح أو يكون امراً عدميا و عبارة عن عدم الغصب و تركه، و على كلا التقديرين فهو ملازم للكون في خارج الدار وجوداً لا انه عينه. اما الثاني فواضح، ضرورة ان ترك الغصب ليس عين الكون في خارج الدار، بل هو ملازم له خارجا لاستحالة

392

ان يكون الأمر العدمي مصداقا للأمر الوجوديّ و بالعكس و اما الأول فائضا كذلك لوضوح ان عنوان التخلص و التخلية ليس عين عنوان الكون فيه خارجا و منطبقا عليه انطباق الطبيعي على فرده بل هو ملازم له وجوداً في الخارج هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انا قد ذكرنا غير مرة ان حكم أحد المتلازمين لا يسري إلى الملازم الآخر فضلا إلى مقدمته.

فالنتيجة على ضوئهما هي انه لا يمكن الحكم بوجوب تلك الحركات من باب المقدمة أيضا، فان ما هو واجب و هو عنوان التخلص ليست تلك الحركات مقدمة له و ما كانت تلك الحركات مقدمة له و هو الكون في خارج الدار ليس بواجب، ضرورة ان الكون فيه ليس من أحد الواجبات في الشريعة المقدسة، لتكون مقدمته واجبة.

و بكلمة أخرى فقد عرفت ان عنوان التخلية اما أن يكون مضاداً للحركات الخروجيّة أو مناقضا لها، و على كلا التقديرين لا يعقل ان تكون تلك الحركات مقدمة له، لما ذكرناه في بحث الضد من استحالة كون أحد الضدين مقدمة للضد الآخر أو أحد النقيضين مقدمة لنقيضه، كما تقدم هناك بشكل واضح.

فلاحظ.

ثم لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان عنوان التخلص متحد مع عنوان الكون في خارج الدار و منطبق عليه انطباق الطبيعي على مصداقه، فعندئذ و ان كانت تلك الحركات مقدمة له أي لعنوان التخلية و التخلص، إلا انه قد تقدم في بحث مقدمة الواجب انه لا دليل على ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدمته، لتكون تلك الحركات واجبة بوجوبي مقدمي.

و نتيجة ما ذكرناه هي ان الخروج ليس بواجب لا بوجوب نفسي، لعدم الملاك و المقتضى له. و لا بوجوب مقدمي، لعدم ثبوت الصغرى أولاً،

393

و على تقدير ثبوتها فالكبرى غير ثابتة.

أضف إلى ذلك ان الخروج ليس عنوانا لتلك الحركات المعدة للكون في الخارج، بل هو عنوان لذلك الكون فيه، ضرورة انه مقابل الدخول، فكما ان الدخول عنوان للكون في الداخل فكذلك الخروج عنوان للكون في الخارج، فاذن لو صدق عليه عنوان التخلية و التخلص أيضا فلا يجدي في اتصاف تلك الحركات بالوجوب، كما هو واضح فما أفاده (قده) من ان الخروج مصداق للتخلية بين المال و صاحبه لو سلمنا ذلك فلا يفيده أصلا، لأن ذلك لا يوجب كون تلك الحركات محبوبة و واجبة، لفرض انها ليست مصداقا لها، غاية الأمر انها عندئذ تكون مقدمة للواجب، و لكن عرفت ان مقدمة الواجب غير واجبة و لا سيما إذا كانت مبغوضة و من هنا يظهر ان قياسه (قده) المقام بالاضطرار إلى الجامع بين المحلل و المحرم قياس في غير محله، لما عرفت من ان الخروج ليس بواجب، ليكون الاضطرار في المقام متعلقا بالجامع بين الواجب و الحرام.

إلى هنا قد تبين بوضوح بطلان بقية الأقوال و صحة قول المحقق صاحب الكفاية (قده) و هو ان المقام داخل في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار، و قد ظهر وجهها مما تقدم بشكل واضح فلا نعيد.

ثم ان له (قده) هنا كلاما آخر. و حاصله هو انا لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان الشارع لا يرضى بالتصرف في مال الغير بدون اذنه في حال من الحالات و لو كان ذلك بعنوان التخلية ورده إليه كالخروج عن الدار المغصوبة في المقام كما هو ليس ببعيد فغاية ما يوجب ذلك هو ان يكون حال الخروج هنا حال شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النّفس المحترمة، بيان ذلك هو ان الشارع بما انه ينهى عن شرب الخمر مطلقا من أي شخص كان و في اية حالة و لا يرضى بشربه أصلا، لما فيه من المفسدة الإلزامية، فمن الطبيعي انه لا يرضى بارتكاب المقدمة التي بها

394

يضطر المكلف إلى شربه، و لكن بعد ارتكاب تلك المقدمة في الخارج و لو باختياره و اضطراره إلى شربه من ناحية توقف حفظ النّفس عليه لا محالة لا يقع هذا الشرب المتوقف عليه ذلك إلا محبوبا للمولى و مطلوبا له عقلا و شرعا و ذلك كمن يجعل نفسه مريضا باختياره و إرادته و يضطر بذلك إلى شربه، أو يأتي بمقدمة يضطر بها في حفظ بيضة الإسلام إلى قتل نفس محترمة- مثلا- و هكذا و لكن بعد جعل نفسه مضطراً إلى ذلك لا يقع الشرب المتوقف عليه حفظ الدين لا يقع في الخارج إلا محبوبا و مطلوبا. و ما نحن فيه كذلك، فان الشارع بما انه لا يرضى بالتصرف في مال الغير بدون اذنه مطلقا و لو كان ذلك بالخروج و بعنوان التخلية و رده إلى مالكه فلا محالة يحكم بحرمة المقدمة التي بها يضطر المكلف إلى الخروج أعني بها الدخول، فعندئذ يقع الدخول محرما من ناحية نفسه و من ناحية كونه مقدمة للخروج، و اما الخروج بعده فيقع محبوبا و مطلوبا عقلا و شرعا.

و على الجملة فالخروج لا يخلو من ان يكون حاله حال ترك الصلاة فيكون مبغوضاً في حال دون آخر كما في حال الحيض و النفاس و ما شاكل ذلك فانه يجوز للمرأة ان تفعل فعلا كان تشرب دواء يترتب عليه الحيض لتترك صلاتها، أو يكون حاله حال شرب الخمر فيكون مبغوضاً في جميع الحالات، و لذا يحرم التسبيب إليه، فان كان من قبيل الأول فهو واجب نفساً من ناحية كونه مصداقاً للتخلية بين المال و مالكه، و ان كان من قبيل الثاني فهو واجب غيري من ناحية كونه مقدمة لواجب أهم و هو التخلية بين المال و مالكه، فيكون حاله عندئذ حال شرب الخمر المتوقف عليه حفظ النّفس المحترمة، فكما انه بعد الاضطرار إليه بسوء اختياره واجب بوجوب غيري و مطلوب للشارع، فكذلك الخروج بعد

395

الدخول، غاية الأمر ان المقدمة التي بها اضطر المكلف إلى شرب الخمر لحفظ النّفس المحترمة سائغة في نفسها، و لكنها صارت محرمة من ناحية التسبيب و المقدمية، و المقدمة التي بها اضطر إلى الخروج محرمة في نفسها مع قطع النّظر عن كونها مفضية إلى ارتكاب محرم آخر و مقدمة له، و لكن من المعلوم انه لا دخل لذلك فيما نحن فيه أصلا، بداهة انه لا فرق في وقوع شرب الخمر مطلوباً في هذا الحال بين كون المقدمة التي توجب اضطرار المكلف إليه سائغة في نفسها أو محرمة كذلك، غاية الأمر على الثاني يكون العقاب من ناحيتين من ناحية حرمتها النفسيّة و من ناحية التسبيب بها إلى ارتكاب محرم آخر.

فالنتيجة هي ان الخروج اما ان يكون ملحقاً بالقسم الأول، و على هذا فيكون واجباً في نفسه و مطلوباً لذاته و لا يكون محرماً أبداً بمعنى ان التصرف في أرض الغير بالدخول و البقاء فيها محرم لا مطلقاً و لو كان بالخروج، فانه واجب باعتبار كونه مصداقاً للتخلية بين المال و مالكه، و اما أن يكون ملحقاً بالقسم الثاني، و على هذا فيكون واجباً غيرياً باعتبار انه مقدمة لواجب أهم، و ان كان محرماً في نفسه من ناحية انه تصرف في مال الغير و هو محرم مطلقاً على الفرض و كيف كان فهو على كلا التقديرين غير داخل في موضوع قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار.

و لنأخذ بالمناقشة على ما أفاده (قده) و هي ان تلك الحركات أعني الحركات التي هي مقدمة للكون في خارج الدار خارجة عن كلا البابين، فكما انها ليست من صغريات الباب الأول، فكذلك ليست من صغريات هذا الباب. و الوجه في ذلك ما تقدم من ان تلك الحركات بقيت على ما هي عليه من المبغوضية من دون ان تعرض لها جهة محبوبية نفسية أو غيرية، بداهة انها تصرف في مال الغير بدون اذنه و مصداق للغصب، و معه كيف تعرض عليها جهة محبوبية، و قد

396

سبق انها ليست مقدمة لواجب أيضاً لتعرض عليها الوجوب الغيري، غاية ما في الباب ان العقل يرشد إلى اختيار تلك الحركات من ناحية انها أخف القبيحين و أقل المحذورين، و بما ان ذلك منته إلى اختيار المكلف فلا ينافي استحقاق العقاب عليها. و على تقدير تسليم كونها مقدمة فقد عرفت انها غير واجبة.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا عروض الوجوب الغيري لها فمن الطبيعي انه لا ينافي مبغوضيتها النفسيّة و استحقاق العقاب عليها إذا كان الاضطرار إليها بسوء الاختيار. كما هو الحال في المقام، ضرورة ان الوجوب الغيري لم ينشأ عن الملاك و محبوبية متعلقه ليقال انها كيف تجتمع مع فرض مبغوضيتها في نفسها بل هو ناش عن مجرد صفة مقدميتها و توقف الواجب عليها و من المعلوم انها لا تنافي مبغوضيتها النفسيّة أصلا.

و من ذلك يظهر حال المثالين المزبورين أيضاً، و ذلك لأن العقاب فيهما ليس على التسبيب و الإتيان بالمقدمة التي بها يضطر المكلف إلى شرب الخمر أو قتل النّفس المحترمة، و الوجه في ذلك هو ان تلك المقدمة لو كانت محرمة في ذاتها و مبغوضة للمولى لاستحق العقاب على نفسها سواء أ كانت مقدمة لارتكاب محرم آخر أم لا و اما لو لم تكن محرمة بذاتها و كانت سائغة في نفسها فلا وجه لاستحقاق العقاب عليها أصلا، بل يستحق العقاب عندئذ على ارتكاب المحرم كشرب الخمر- مثلا- أو قتل النّفس، لفرض ان الاضطرار إلى ذلك منته إلى الاختيار، بداهة انه لو لم يكن هذا الشرب أو القتل الّذي هو مقدمة لواجب أهم مبغوضاً للمولى، بل كان محبوباً له من ناحية عروض الوجوب الغيري له على الفرض لا معنى لاستحقاق العقاب على التسبيب إليه و كونه أي التسبيب مبغوضاً و محرماً لوضوح ان التسبيب إلى المحرم حرام و مبغوض، لا التسبيب إلى غيره، و اما إذا فرض كون هذا الشرب أو القتل محبوباً فلا يعقل كون التسبيب إليه‏

397

محرماً، و هذا واضح، فاذن لا مناص من الالتزام بكون العقاب على نفس هذا الشرب أو القتل باعتبار ان الاضطرار إلى ارتكاب ذلك منته إلى الاختيار فلا ينافي العقاب و مجرد اتصافه بالوجوب الغيري على فرض القول به لا ينافى مبغوضيته في نفسه، لفرض ان الوجوب الغيري لم ينشأ عن مصلحة ملزمة في متعلقه، بل هو ناش عن مصلحة في غيره فلا ينافي مبغوضيته أصلا، كما عرفت.

فالنتيجة ان هذين المثالين و ما شاكلهما كالخروج جميعاً داخل في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار و ان الجميع بالإضافة إلى الدخول في كبرى تلك القاعدة على صعيد واحد و ان العقل في جميع ذلك يرشد إلى اختيار ما هو أخف القبيحين و أقل المحذورين.

و قد تحصل من ذلك ان الصحيح هو ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (قده) من ان الخروج أو ما شاكله ليس محكوماً بشي‏ء من الأحكام الشرعية فعلا، و لكن يجري عليه حكم النهي السابق الساقط بالاضطرار من جهة انتهائه إلى سوء الاختيار، و معه لا محالة يبقى على مبغوضيته و يستحق العقاب على ارتكابه و ان كان العقل يرشد إلى اختياره و يلزمه بارتكابه فراراً عن المحذور الأهم، و لكن عرفت ان ذلك لا ينافي العقاب عليه إذا كان منتهياً إلى سوء اختياره، كما هو مفروض المقام.

اما الكلام في المقام الثاني (و هو حكم الصلاة الواقعة حال الخروج) فيقع في عدة موارد:

الأول- ما إذا كان المكلف غير متمكن من الصلاة في خارج الدار أصلا لا مع الركوع و السجود و لا مع الإيماء لضيق الوقت أو نحوه.

الثاني- ان يتمكن من الصلاة مع الإيماء فيه، و لا يتمكن من الصلاة مع الركوع و السجود.

398

الثالث- ان يتمكن من الصلاة في الخارج مع الركوع و السجود لسعة الوقت.

اما الكلام في المورد الأول فيجوز له الصلاة حال الخروج، و لكن يقتصر فيها على الإيماء بدلا عن الركوع و السجود و ذلك لاستلزامهما التصرف الزائد على قدر الضرورة، و معه لا محالة تنتقل الوظيفة إلى بدلهما و هو الإيماء، هذا على القول بالجواز و تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً و ماهية. و اما على القول بالامتناع و فرض وحدة المجمع وجوداً فمقتضى القاعدة الأولية عدم جواز إيقاع الصلاة حال الخروج، لفرض ان الحركات الخروجيّة متحدة مع الصلاة خارجاً، و معه لا يمكن التقرب بها، ضرورة استحالة التقرب بما هو مبغوض للمولى، و لكن مقتضى القاعدة الثانوية هو لزوم الإتيان بها لأنها لا تسقط بحال، و مرد ذلك إلى سقوط المبغوضية عن تلك الحركات بمقدار زمان تسع الصلاة فيه.

و بكلمة أخرى ان من دخل الدار المغصوبة بسوء اختياره و لا يتمكن من الخروج عنها لمانع من سد باب أو نحوه إلى ان ضاق وقت الصلاة، فعندئذ على القول بالجواز و تعدد المجمع لا إشكال في صحة الصلاة بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى لازمه، لفرض ان مصداق المأمور به غير متحد مع مصداق المنهي عنه، و معه لا مانع من التقرب به أصلا و ان كان المكلف مستحقاً للعقاب من ناحية ان تصرفه في مال الغير بدون اذنه منته إلى الاختيار. و الإشكال إنما هو على القول بالامتناع و اتحاد الصلاة مع الحركات الخروجيّة، و حاصله ان الحرمة في المقام و ان سقطت من ناحية الاضطرار، ضرورة ان بقاء الحرمة في هذا الحال مع عدم تمكن المكلف من الترك أي ترك الحرام لغو محض و تكليف بما لا يطاق، إلا ان مبغوضيتها

399

باقية، و من المعلوم انها تمنع عن قصد التقرب، ضرورة استحالة التقرب بما هو مبغوض عند المولى و على هذا فلا يمكن الحكم بصحة الصلاة، لفرض انها مبغوضة فيستحيل ان يكون مقرباً، هذا ما تقتضيه القاعدة الأولية، فلو كنا نحن و هذا القاعدة و لم يكن هنا دليل آخر يدل على وجوب الصلاة و عدم سقوطها بحال لقلنا بسقوطها و عدم وجوبها في المقام، و لكن من جهة دليل آخر و انها لا تسقط بحال نلتزم بوجوبها و عدم سقوطها في هذا الحال أيضاً، و لازم ذلك هو سقوط المبغوضية بمعنى ان الصلاة في هذا الحال ليست بمبغوضة بل هي محبوبة فعلا و قابلة للتقرب بها، و لكن لا بد عندئذ من الالتزام بارتفاع المبغوضية عن هذه الحركات التي تكون مصداقاً للصلاة بمقدار زمان يسع الصلاة دون الزائد على ذلك، فان الضرورات تتقدر بقدرها، لوضوح ان ما دل على ان الصلاة لا تسقط بحال من ناحية و عدم إمكان الحكم بصحتها هنا مع فرض بقاء المبغوضية من ناحية أخرى أوجب الالتزام بسقوط تلك المبغوضية عن هذه الحركات الصلاتية لا محالة في زمان يسع لها فحسب، لا مطلقاً. لعدم المقتضى لارتفاع المبغوضية عنها في الزائد على هذا المقدار من الزمان، بل هي باقية على حالها من المبغوضية.

و ان شئت فقل: ان المقتضى للالتزام بسقوط المبغوضية امران:

الأول- وجوب الصلاة في هذا الحال و عدم سقوطها عن المكلف على الفرض.

الثاني- عدم إمكان الحكم بصحة الصلاة مع بقاء المبغوضية، ضرورة استحالة التقرب بما هو مبغوض، فعندئذ لو لم نلتزم بسقوط المبغوضية عنها في زمان يسع لفعلها للزم التكليف بما لا يطاق و هو محال، و لأجل ذلك لا بد من الالتزام بسقوطها، و من المعلوم ان ذلك لا يقتضي إلا جواز التصرف بمقدار

400

زمان يسع لفعل الصلاة فحسب، و اما الزائد عليه فلا مقتضى للجواز و ارتفاع المبغوضية أصلا، هذا بناء على وجهة نظر الأصحاب من القول بالجواز أو الامتناع في مسألة الاجتماع.

و اما بناء على ما حققناه هناك من ان اجزاء الصلاة لا تتحد مع الغصب خارجاً ما عدا السجدة، باعتبار ان مجرد مماسة الجبهة الأرض لا يكفي في صدقها بل لا بد فيها من الاعتماد على الأرض، و بدونه لا تصدق السجدة، و من المعلوم انه تصرف في مال الغير بدون اذنه و هو مبغوض للمولى فلا يمكن التقرب به.

نعم نفس هيئة السجود ليست تصرفا فيه، فانها من هذه الناحية كهيئة الركوع و القيام و القعود، و قد ذكرنا ان هذه الهيئات التي تعتبر في الصلاة ليس شي‏ء منها متحداً مع الكون في الأرض المغصوبة و مصداقا للغصب. نعم الحركات المتخللة بينها كالهوي و النهوض و ان كانت تصرفا فيها و مصداقا له، إلا انها ليست من اجزاء الصلاة، فما هو من اجزائها غير متحد مع الغصب خارجا و ما هو متحد معه ليس من اجزائها. و قد سبق الكلام في كل ذلك بشكل واضح، فعندئذ لا مانع من الحكم بصحة الصلاة هنا أصلا، و ان قلنا بفسادها في غير حال الخروج من ناحية السجدة أو الركوع أو من ناحية مقدماتهما، و معه لا حاجة إلى التماس دليل آخر يدل على وجوبها في هذا الحال، و ذلك لأن الصلاة في حال الخروج في مفروض المقام ليست إلا مشتملة على التكبيرة و القراءة و الإيماء بدلا عن الركوع و السجود. و من الطبيعي انه ليس شي‏ء منها تصرفا في مال الغير عرفا و مصداقا للغصب.

اما التكبيرة و القراءة فلأنهما من مقولة الكيف المسموع، و من الواضح انه لا صلة لها بالتصرف في مال الغير أصلا، كما انه من الواضح انه لا يعد تموج الهواء و خرقه الناشئ من الصوت تصرفا.

401

و اما الإيماء للركوع و السجود فائضاً كذلك، ضرورة انه لا يعد تصرفاً في ملك الغير عرفاً، ليكون مبغوضاً. نعم لا تجوز الصلاة في هذا الحال مع الركوع و السجود لاستلزامهما التصرف الزائد و هو غير جائز، فاذن لا محالة تنتقل الوظيفة إلى الإيماء كما عرفت.

فالنتيجة ان الصلاة مع الإيماء في حال الخروج صحيحة مطلقاً من دون حاجة إلى التماس دليل آخر، و مع الركوع و السجود باطلة.

و اما الكلام في المورد الثاني (و هو ما إذا لم يكن المكلف متمكناً من الصلاة في خارج الأرض المغصوبة إلا مع الإيماء للركوع و السجود) فقد ظهر انه على القول بالجواز في المسألة و تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً و ماهية كما حققناه الآن فلا إشكال في صحة الصلاة حال الخروج، بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى لازمه. و الوجه في هذا واضح و هو ان الصلاة حال الخروج ليست مصداقاً للغصب و تصرفاً في مال الغير على الفرض هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انها لا تستلزم التصرف الزائد على نفس الخروج لفرض انها غير مشتملة على الركوع و السجود المستلزمين له. و من ناحية ثالثة ان المكلف غير قادر على الصلاة التامة الاجزاء و الشرائط في خارج الدار، لتكون هذه الصلاة أعني الصلاة مع الإيماء حال الخروج غير مشروعة في حقه، لأنها وظيفة العاجز دون القادر.

فالنتيجة على ضوء ذلك هي انه لا مناص من الالتزام بصحة هذه الصلاة في هذا الحال أعني حال الخروج. و اما بناء على القول بالامتناع و فرض اتحاد الصلاة مع الغصب خارجاً فلا تجوز الصلاة حال الخروج، بل لا بد من الإتيان بها خارج الدار، و ذلك لفرض انها مصداق للغصب و مبغوض للمولى، و معه لا يمكن التقرب بها لاستحالة التقرب بما هو مبغوض.

402

و اما الكلام في المورد الثالث (و هو ما إذا كان المكلف متمكناً من الصلاة التامة الاجزاء و الشرائط) في خارج الدار فلا إشكال في لزوم إتيانها في الخارج و عدم جواز إتيانها حال الخروج و لو على القول بالجواز في المسألة. و الوجه في ذلك ظاهر و هو ان المكلف لو أتى بها في هذا الحال لكان عليه الاقتصار على الإيماء للركوع و السجود، و لا يجوز له الإتيان بها معهما، لاستلزامهما التصرف الزائد على قدر الضرورة و هو غير جائز، فاذن لا بد من الاقتصار على الإيماء، و من الواضح جداً ان من يتمكن من المرتبة العالية من الصلاة و هي الصلاة مع الركوع و السجود لا يجوز له الاقتصار على المرتبة الدانية و هي الصلاة مع الإيماء، ضرورة انها وظيفة العاجز عن المرتبة الأولى، و اما وظيفة المتمكن منها فهي تلك المرتبة لا غيرها، لوضوح انه لا يجوز الانتقال من هذه المرتبة أعني المرتبة العالية إلى غيرها من المراتب إلا في صورة العجز عن الإتيان بها.

و ان شئت فقل ان الواجب على المكلف هو طبيعي الصلاة الجامع بين المبدأ و المنتهى، و المفروض ان المكلف قادر على إتيان هذا الطبيعي بينهما، و معه لا محالة لا تنتقل وظيفته إلى صلاة العاجز و المضطر و هي الصلاة مع الإيماء كما هو واضح. هذا على القول بالجواز. و اما على القول بالامتناع فالامر أوضح من ذلك، لأنه لو قلنا بجواز الصلاة حال الخروج في هذا الفرض أي فرض تمكنه من صلاة المختارة في خارج الدار على القول بالجواز فلا نقول به على هذا القول، لفرض ان الصلاة على هذا متحدة مع الغصب خارجاً و مصداق له، و معه لا يمكن التقرب بها، بداهة استحالة التقرب بالمبغوض.

و على الجملة فالمانع على القول بالامتناع امران: أحدهما مشترك فيه بينه و بين القول بالجواز و هو ان الصلاة مع الإيماء ليست وظيفة له، و ثانيهما مختص به و هو ان الصلاة على هذا القول متحدة مع الحركة الخروجيّة التي هي مصداق‏