محاضرات في أصول الفقه / تقريرات - ج4

- الشيخ محمد إسحاق الفياض المزيد...
425 /
403

للغصب، و معه لا يمكن ان تقع مصداقاً للمأمور به.

ثم لا يخفى ان الصلاة في حال الخروج مع عدم التمكن منها مع الركوع و السجود في الخارج على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) تقع صحيحة مطلقاً أي بلا فرق في ذلك بين القول بالامتناع في المسألة و القول بالجواز، و ذلك لأن الحركات الخروجيّة على وجهة نظره (قده) محبوبة للمولى و واجبة من ناحية انطباق عنوان التخلية عليها، و على هذا فلا محالة تقع الصلاة صحيحة، و ان كانت متحدة مع تلك الحركات خارجاً، لفرض انها ليست بمبغوضة لتكون مانعة عن صحتها و التقرب بها، بل هي محبوبة. نعم لو استلزمت الصلاة في هذا الحال تصرفاً زائداً فلا تجوز، و هذا واضح.

فالنتيجة ان نظريتنا تفترق عن نظرية شيخنا الأستاذ (قده) في الصلاة حال الخروج. فان الحركات الخروجيّة على وجهة نظرنا مبغوضة و موجبة لاستحقاق العقاب عليها، و لذا تقع الصلاة فاسدة في صورة اتحادها معها خارجاً، و على وجهة نظر شيخنا الأستاذ (قده) محبوبة و تقع الصلاة في هذا الفرض صحيحة هذا تمام الكلام في مسألة الاضطرار.

بقي هنا أمور:

الأول- انا قد ذكرنا ان مسألة الاجتماع على القول بالامتناع و وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداً و ماهية من صغريات كبرى باب التعارض، كما انها على القول بالجواز و تعدد المجمع فيه كذلك من صغريات كبرى باب التزاحم و قد تقدم الكلام في هاتين الناحيتين بصورة واضحة فلا نعيد، كما انه تقدم‏

404

النقد على ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) في ضمن المقدمة الثامنة و التاسعة و العاشرة فلا حاجة إلى الإعادة.

الثاني- انه على القول بالامتناع في المسألة فهل هناك مرجح لتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب أو بالعكس أو لا يكون مرجح لشي‏ء منهما، هذا فيما إذا لم يكن دليل من الخارج على تقديم أحدهما على الآخر كإجماع أو نحوه و إلا فلا كلام. و قد ذكروا لترجيح جانب النهي على جانب الأمر وجوهاً:

منها- ان دليل النهي أقوى دلالة من دليل الأمر، و ذلك لأن الإطلاق في طرف دليل النهي شمولي، ضرورة ان حرمة التصرف في مال الغير بدون اذنه بمقتضى قوله (عليه السلام) لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه و نحوه لا تختص بمال دون مال و بتصرف دون آخر، فهي تنحل بحسب الواقع بانحلال موضوعها و متعلقها في الخارج ففي الحقيقة تكون نواه متعددة بعدد افراد الموضوع و المتعلق، فيكون كل تصرف محكوماً بالحرمة على نحو الاستقلال من دون ارتباط حرمته بحرمة تصرف آخر .. و هكذا، و هذا بخلاف الإطلاق في طرف دليل الأمر، فانه بدلي، و ذلك لأن الأمر المتعلق بصرف الطبيعة من دون تقييدها بشي‏ء يقتضي كون المطلوب هو صرف وجودها في الخارج بعد استحالة ان يكون المطلوب هو تمام وجودها. و من المعلوم ان صرف الوجود يتحقق بأول الوجود فيكون الوجود الثاني و الثالث و هكذا غير مطلوب، و هذا معنى كون الإطلاق في طرف الأمر بدلياً، و قد بينا السر في ان الإطلاق في طرف الأوامر المتعلقة بالطبائع بدلي و الإطلاق في طرف النواهي المتعلقة بها شمول في أول بحث النواهي بصورة مفصلة فلاحظ، و لذلك أي لكون الإطلاق في طرف النهي شمولياً، و في طرف الأمر بدلياً ذكروا ان الإطلاق الشمولي يتقدم على الإطلاق البدلي في مقام المعارضة، و ذهب‏

405

إليه شيخنا العلامة الأنصاري (قده) و تبعه على ذلك شيخنا الأستاذ (قده) و استدل عليه بوجوه ثلاثة: و قد تقدمت تلك الوجوه مع المناقشة عليها بصورة مفصلة في بحث الواجب المشروط و ملخصها:- 1- ان تقديم الإطلاق البدلي على الإطلاق الشمولي يقتضي رفع اليد عن بعض مدلوله و هذا بخلاف تقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، فانه لا يقتضي رفع اليد عن بعض مدلوله لفرض ان مدلوله واحد و هو محفوظ، غاية الأمر ان ذلك يوجب تضييق دائرة انطباقه على افراده.

2- ان ثبوت الإطلاق البدلي يحتاج إلى مقدمة أخرى زائداً على كون المولى في مقام البيان و عدم نصب قرينة على الخلاف، و هي إحراز تساوى افراد المأمور به في الوفاء بالغرض ليحكم العقل بالتخيير بينها، و هذا بخلاف الإطلاق الشمولي، فانه لا يحتاج إلى أزيد من المقدمات المعروفة المشهورة، و بتلك المقدمات يتم الإطلاق و سريان الحكم إلى جميع افراده، و ان كانت الافراد مختلفة من جهة الملاك المقتضى لجعل الحكم عليها. و من المعلوم انه مع وجود الإطلاق الشمولي لا يمكن إحراز تساوي الافراد في الوفاء بالغرض، و هذا معنى تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي في مورد الاجتماع، لفرض عدم ثبوت الإطلاق له بالإضافة إلى هذا الفرد.

3- ان حجية الإطلاق البدلي تتوقف على عدم المانع في بعض الأطراف عن حكم العقل بالتخيير، و الإطلاق الشمولي يصلح ان يكون مانعاً فلو توقف عدم مانعيته على وجود الإطلاق البدلي لدار.

و لنأخذ بالمناقشة عليها اما الوجه الأول فيرد عليه (أولا)- ان العبرة في تقديم أحد الظهورين على الآخر إنما تكون بقوته، و مجرد ان تقدم أحدهما على الآخر يوجب رفع اليد عن بعض مدلوله دون العكس لا يكون موجباً للتقديم.

406

(و ثانياً)- أن الحكم الإلزامي في مورد الإطلاق البدلي و ان كان واحداً متعلقاً بصرف وجود الطبيعة، إلا ان الحكم الترخيصي المستفاد منه ثابت لكل فرد من افرادها و ذلك لأن لازم إطلاقها هو ترخيص الشارع المكلف في تطبيقها على أي فرد من افرادها شاء تطبيقها عليه، فالعموم بالإضافة إلى هذا الحكم أعني الحكم الترخيصي شمولي لا محالة، فاذن كما يستلزم تقديم الإطلاق البدلي على الشمولي رفع اليد عن بعض مدلوله، كذلك يستلزم تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي رفع اليد عن بعض مدلوله. و عليه فلا ترجيح لتقديم أحدهما على الآخر.

و اما الوجه الثاني فيرده ان التخيير الثابت في مورد الإطلاق البدلي ليس تخييراً عقلياً، بل هو تخيير شرعي مستفاد من عدم تقييد المولى متعلق حكمه بقيد خاص، و بذلك يحرز تساوى الافراد في الوفاء بالغرض من دون حاجة إلى مقدمة أخرى خارجية، و لذلك لو شك في تعيين بعض الافراد لاحتمال ان الملاك فيه أقوى من الملاك في غيره يدفع ذلك الاحتمال بالإطلاق، فالإطلاق بنفسه محرز للتساوي بلا حاجة إلى شي‏ء آخر. و عليه فلا وجه لتقديم الإطلاق الشمولي عليه بل تقع المعارضة بينهما في مورد الاجتماع، فان مقتضى الإطلاق البدلي هو تخيير المكلف في تطبيق الطبيعة المأمور بها على أي فرد من افرادها شاء تطبيقها عليه و هو يعارض مقتضى الإطلاق الشمولي المانع عن إيجاد مورد الاجتماع.

و على الجملة فالنقطة الرئيسية لهذا الوجه ان ثبوت الإطلاق للمطلق البدلي يحتاج إلى مقدمة أخرى زائداً على مقدمات الحكمة، و هي إحراز تساوى افراده في الوفاء بالغرض، و هذا بخلاف ثبوته في المطلق الشمولي، فانه لا يحتاج إلى مقدمة زائدة على تلك المقدمات، فاذن هو مانع عن ثبوت الإطلاق له أي للمطلق البدلي بالإضافة إلى مورد الاجتماع، ضرورة انه بعد كون مورد الاجتماع مشمولا للمطلق الشمولي لا يمكن إحراز انه واف بغرض الطبيعة المأمور

407

بها كبقية افرادها، و هذا معنى عدم إحراز تساوي افرادها مع وجود الإطلاق الشمولي.

و لكن تلك النقطة خاطئة جداً لأنها ترتكز على كون التخيير بين تلك الافراد عقلياً، و لكن عرفت ان التخيير شرعي مستفاد من الإطلاق و عدم تقييد الشارع الطبيعة بحصة خاصة، فاذن نفس الإطلاق كاف لإحراز التساوي و إلا لكان على المولى التقييد و نصب القرينة، و العقل و ان احتمل وجدانا عدم التساوي إلا انه لا أثر لهذا الاحتمال بعد ثبوت الإطلاق الكاشف عن التساوي.

و من هذا البيان تظهر المناقشة في الوجه الثالث أيضا و ذلك لأن هذا الوجه أيضاً يبتني على كون التخيير عقلياً، و لكن بعد منع ذلك و ان التخيير شرعي مستفاد من الإطلاق فان مفاده ترخيص الشارع في تطبيق الطبيعة المأمور بها على أي فرد من افرادها شاء تطبيقها عليه. و من المعلوم ان حجية هذا لا تتوقف على أي شي‏ء ما عدا مقدمات الحكمة، فاذن لا محالة يعارض هذا الإطلاق الشمولي المانع عن إيجاد مورد الاجتماع للعلم بكذب أحد هذين الحكمين في الواقع و عدم صدوره من الشارع.

و قد تحصل من ذلك ان هذه الوجوه بأجمعها خاطئة و لا واقع موضوعي لها أصلا.

فالصحيح هو ما ذهب إليه المحقق صاحب الكفاية (قده) من انه لا وجه لتقديم الإطلاق الشمولي على البدلي، و ذلك لأن ثبوت كلا الإطلاقين يتوقف على جريان مقدمات الحكمة و تماميتها على الفرض، ضرورة انه لا مزية لأحدهما بالإضافة إلى الآخر من هذه الناحية أصلا، فاذن الحكم بجريان مقدمات الحكمة في طرف المطلق الشمولي دون المطلق البدلي ترجيح من غير مرجح، و عليه فيسقط كلا الإطلاقين معاً بمعنى ان مقدمات الحكمة لا تجري في طرف هذا و لا

408

في طرف ذاك، و هذا معنى سقوطهما بالمعارضة، و مجرد كون الإطلاق في أحدهما شمولياً و في الآخر بدلياً لا يكون سبباً للترجيح بعد ما كان الإطلاق فيه أيضاً شمولياً بالدلالة الالتزامية كما عرفت.

نعم العموم الوضعي يتقدم على المطلق سواء أ كان شمولياً أو بدلياً.

و الوجه فيه واضح و هو ان سراية لفرض الحكم في العموم الوضعي إلى جميع افراده لا تتوقف على جريان مقدمات الحكمة و انها فعلية، لأنها معلولة للوضع لا لتلك المقدمات، و هذا بخلاف إطلاق المطلق، فانه معلول لإجراء تلك المقدمات و بدون إجرائها لا إطلاق له أصلا. و على ذلك فالعام بنفسه صالح لأن يكون قرينة على التقييد، و معه لا تجري المقدمات، إذ من المقدمات عدم نصب قرينة على الخلاف و من المعلوم ان العام صالح لذلك. و من هنا قالوا ان دلالة العام تنجيزية و دلالة المطلق تعليقية.

فالنتيجة قد أصبحت مما ذكرناه ان مجرد كون الإطلاق في طرف النهي شمولياً و في طرف الأمر بدلياً لا يكون سبباً لتقديمه عليه إذا لم يكن العموم و الشمول مستندا إلى الوضع، فاذن هذا الوجه باطل.

و منها- ان الحرمة تابعة للمفسدة الملزمة في متعلقه و الوجوب تابع للمصلحة كذلك في متعلقه. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى انهم ذكروا انه إذا دار الأمر بين دفع المفسدة و جلب المنفعة كان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

فالنتيجة على ضوئهما هي انه لا بد في المقام من ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، لكونه من صغريات تلك القاعدة.

و غير خفي ان هذا الاستدلال من الغرائب جدا، و ذلك لأنه على فرض تسليم تلك الكبرى فالمقام ليس من صغرياتها جزماً، بداهة انه على القول‏

409

بالامتناع و وحدة المجمع وجودا و ماهية فهو اما مشتمل على المصلحة دون المفسدة، أو بالعكس، فان قلنا بتقديم الوجوب فلا حرمة و لا مفسدة تقتضيه، و ان قلنا بتقديم الحرمة فلا وجوب و لا مصلحة تقتضيه، فليس في مورد الاجتماع مصلحة و مفسدة ليدور الأمر بين دفع المفسدة و جلب المنفعة، و لا موضوع عندئذ لتلك القاعدة، و موضوع هذه القاعدة و موردها هو ما إذا كان في فعل مفسدة ملزمة و في فعل آخر مصلحة كذلك و لا يتمكن المكلف من دفع الأولى و جلب الثانية معاً فلا محالة تقع المزاحمة بينهما، فيقال ان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، فهذه القاعدة لو تمت فانما تتم في باب التزاحم، بناء على وجهة نظر العدلية فحسب لا مطلقاً، و اما في باب التعارض فلا تتم أصلا و قد تقدم ان المسألة أي مسألة الاجتماع على القول بالامتناع داخلة في كبرى باب التعارض.

على انه لا أصل لهذه القاعدة في نفسها، لعدم الدليل عليها أصلا لا من العقل و لا من الشرع، بل يختلف الحال فيها باختلاف الموارد فقد يقدم جانب المفسدة على جانب المنفعة، و قد يقدم جانب المنفعة على جانب المفسدة. و هكذا.

أضف إلى ذلك ان هذه القاعدة على فرض تماميتها و كون الأولوية فيها أولوية قطعية لا ظنية، فهي لا صلة لها بالاحكام الشرعية أصلا، و ذلك لوجهين:

الأول- ان المصلحة ليست من سنخ المنفعة و لا المفسدة من سنخ المضرة غالباً و الظاهر ان هذه القاعدة إنما تكون في دوران الأمر بين المنفعة و المضرة لا بين المصلحة و المفسدة كما لا يخفى.

و بكلمة أخرى ان الأحكام الشرعية ليست تابعة للمنافع و المضار، و انما هي تابعة لجهات المصالح و المفاسد في متعلقاتها. و من المعلوم ان المصلحة ليست مساوقة للمنفعة و المفسدة مساوقة للمضرة. و من هنا تكون في كثير من الواجبات مضرة مالية كالزكاة و الخمس و الحج و نحوها، و بدنية كالجهاد و ما شاكله‏

410

كما ان في عدة من المحرمات منفعة مالية أو بدنية. مع ان الأولى تابعة لمصالح كامنة فيها و الثانية تابعة لمفاسد كذلك، فاذن لا موضوع لهذه القاعدة بالإضافة إلى الأحكام الشرعية أصلا.

الثاني- ان وظيفة المكلف عقلا إنما هي الإتيان بالواجبات و الاجتناب عن المحرمات بعد ثبوت التكليف شرعاً، و اما دفع المفسدة بما هي أو استيفاء المصلحة كذلك فليس بواجب لا عقلا و لا شرعاً، فلو علم المكلف بوجود مصلحة في فعل أو بوجود مفسدة في آخر مع عدم العلم بثبوت التكليف من قبل الشارع لا يجب عليه استيفاء الأولى و لا دفع الثانية، و اما مع العلم بثبوته فالواجب عليه هو امتثال ذلك التكليف لا غيره فالواجب بحكم العقل على كل مكلف إنما هو أداء الوظيفة و تحصيل الأمن من العقاب، لا إدراك الواقع بما هو، و استيفاء المصالح و دفع المفاسد.

و على هذا فلا يمكن ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب من ناحية هذه القاعدة، بل لا بد من الرجوع إلى مرجحات و قواعد أخر لتقديم أحدهما على الآخر ان كانت، و إلا فيرجع إلى الأصول العملية.

و من الغريب ما صدر عن المحقق القمي (قده) في المقام حيث انه أجاب عن هذا الدليل بأنه مطلقاً ممنوع، لأن في ترك الواجب أيضاً مفسدة، فاذن لا يدور الأمر بين دفع المفسدة و جلب المنفعة، بل يدور الأمر بين دفع هذه المفسدة و تلك.

و وجه الغرابة واضح، ضرورة انه لا مفسدة في ترك الواجب كما انه لا مصلحة في ترك الحرام، فالمصلحة في فعل الواجب من دون ان تكون في تركه مفسدة، كما ان المفسدة في فعل الحرام من دون ان تكون في تركه مصلحة و إلا لكان اللازم ان ينحل كل حكم إلى حكمين أحدهما متعلق بالفعل و الآخر

411

متعلق بالترك. و لازم هذا ان يستحق عقابين عند ترك الواجب أو فعل الحرام أحدهما على ترك الواجب و الآخر على فعل الحرام، لفرض ان ترك الواجب محرم و لا نظن ان يلتزم بذلك أحد حتى هو (قده) كما هو واضح.

و منها- الاستقراء بدعوى انا إذا تتبعنا موارد دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في المسائل الشرعية و استقرأناها نجد ان الشارع قدم جانب الحرمة على جانب الوجوب.

فمن جملة تلك الموارد حكم الشارع بترك العبادة أيام الاستظهار، فان امر المرأة في هذه الأيام يدور بين وجوب الصلاة عليها و حرمتها، و لكن الشارع غلب جانب الحرمة على جانب الوجوب و امر بترك الصلاة فيها.

و منها- الوضوء أو الغسل بماءين مشتبهين، فان الأمر يدور حينئذ بين حرمة الوضوء أو الغسل منهما و وجوبه، و لكن الشارع قدم جانب الحرمة على جانب الوجوب و امر بإهراق الماءين و التيمم للصلاة. و منها- غير ذلك. و من مجموع ذلك نستكشف ان تقديم جانب الحرمة امر مطرد في كل مورد دار الأمر بينهما بلا اختصاص بمسألة دون أخرى و بباب دون آخر.

و يرد عليه (أولا) ان الاستقراء لا يثبت بهذا المقدار حتى الاستقراء الناقص فضلا عن التام، فان الاستقراء الناقص عبارة عن تتبع أكثر الجزئيات و الافراد و تفحصها ليفيد الظن بثبوت كبرى كلية في قبال الاستقراء التام الّذي هو عبارة عن تتبع تمام الافراد، و لذلك يفيد القطع بثبوت كبرى كلية، و من الواضح جداً ان الاستقراء الناقص لا يثبت بهذين الموردين. و (ثانياً) ان الأمر في هذين الموردين أيضاً ليس كذلك و ان الحكم بعدم الجواز فيهما ليس من ناحية هذه القاعدة.

بيان ذلك اما في مورد الاستظهار فلان الروايات الواردة فيه في باب الحيض‏

412

و النفاس مختلفة غاية الاختلاف و لأجل اختلاف تلك الروايات و النصوص في المسألة اختلفت الأقوال فيها فذهب بعضهم كالمحقق صاحب الكفاية (قده) و السيد العلامة الطباطبائي (قده) في العروة إلى استحباب الاستظهار و عدم وجوبه و جعل المحقق صاحب الكفاية (قده) اختلاف النصوص قرينة على الاستحباب و عدم اهتمام الشارع بالاستظهار كما جعل (قده) اختلاف النصوص قرينة على عدم الإلزام في غير هذا المورد أيضاً، منها مسألة الكره و على الجملة فهذا من الأصل المسلم عنده (قده) ففي كل مسألة كانت النصوص مختلفة غاية الاختلاف كهذه المسألة- مثلا- و لم تكن قرينة من الخارج على ان الحكم في المسألة إلزاميّ جعل الاختلاف قرينة على عدم كون الحكم فيها إلزامياً. و اختار جماعة وجوبه في يوم واحد و التخيير في بقية الأيام، و هذا هو الصحيح في نظرنا و انه مقتضى الجمع العرفي بين هذه الروايات، و قد ذكرنا نظير ذلك في مسألة التسبيحات الأربعة و قلنا في تلك المسألة أيضاً بوجوب واحدة منها و التخيير في التسبيحتين الأخيرتين، بمعنى ان للمكلف ان يقتصر على الواحدة و له ان يأتي بالبقية أيضاً و هو الأفضل.

و ذهب جماعة إلى وجوبه ثلاثة أيام.

و ذهب جماعة أخرى إلى وجوبه عشرة أيام، هذه هي الأقوال في المسألة و من الواضح جداً ان شيئاً من هذه الأقوال لا يرتكز على القاعدة المزبورة أعني قاعدة وجوب تقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب بالكلية.

اما على القول الأول فواضح، لأن النصوص على هذا القول محمولة على الاستحباب أي استحباب الاستظهار لا وجوبه. فلم يقدم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب.

و أما على القول الثاني فالامر أيضاً كذلك، لأن إيجاب الاستظهار إذا

413

كان من جهة تقديم احتمال الحرمة على احتمال الوجوب لوجب الاستظهار إلى عشرة أيام، و لم يختص بيوم واحد، ضرورة ان احتمال الحرمة كما هو موجود في اليوم الأول كذلك موجود في اليوم الثاني و الثالث و هكذا فاختصاص وجوبه بيوم واحد منها قرينة على انه أجنبي عن الدلالة على القاعدة المزبورة كما هو واضح.

و اما على القول الثالث فلان حاله حال القول الثاني من هذه الناحية، إذ لو كان وجوب الاستظهار من جهة تلك القاعدة لوجب إلى عشرة أيام، لبقاء احتمال الحرمة بعد ثلاثة أيام أيضاً.

و اما على القول الرابع فقد يتوهم ان الروايات على هذا القول تدل على تلك القاعدة، و لكنه من المعلوم انه توهم خاطئ جداً، و ذلك لأن مجرد مطابقة الروايات للقاعدة لا تكشف عن ثبوت القاعدة و ابتناء وجوب الاستظهار عليها، فلعله بملاك آخر مثل قاعدة الإمكان و نحوها. على ان هذا القول ضعيف في نفسه فكيف يمكن أن يستشهد به على ثبوت قاعدة كلية.

أضف إلى ذلك ان الاستشهاد يتوقف على القول بحرمة العبادة على الحائض و النفساء ذاتاً، إذ لو كانت الحرمة تشريعية لم يكن الأمر في أيام الاستظهار مردداً بين الحرمة و الوجوب، فإيجاب الاستظهار في تلك الأيام يكون أجنبياً عن القاعدة المزبورة بالكلية.

و اما المورد الثاني (و هو عدم جواز الوضوء بماءين مشتبهين) فقد ظهر حاله مما تقدم، فان عدم جواز الوضوء بهما ليس من ناحية ترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب، بل هو من ناحية النص الخاصّ الّذي ورد فيه الأمر بإهراقهما و التيمم و الا فمقتضى القاعدة هو الاحتياط بتكرار الصلاة، إذ بذلك يحرز المكلف ان إحدى صلاتيه وقعت مع الطهارة المائية، و من المعلوم انه‏

414

مع التمكن من ذلك لا تصل النوبة إلى التيمم على تفصيل ذكرناه في بحث الفقه.

أضف إلى ذلك ان حرمة التوضؤ منهما ليست حرمة ذاتية بالضرورة، بل هي حرمة تشريعية و هي خارجة عن موضوع القاعدة ضرورة ان موضوعها هو دوران الأمر بين الحرمة الذاتيّة و الوجوب، و اما الحرمة التشريعية فهي تابعة لقصد المكلف و الا فلا حرمة بحسب الواقع، و كيف كان فلا أصل لهذه القاعدة أصلا.

لحد الآن قد تبين انه لا يرجع شي‏ء من الوجوه التي ذكروها لترجيح جانب الحرمة على جانب الوجوب إلى محصل.

فالصحيح هو ما حققنا سابقاً من ان المسألة على القول بالامتناع و وحدة المجمع في مورد الاجتماع تدخل في كبرى باب التعارض و لا بد عندئذ من الرجوع إلى مرجحات ذلك الباب، فان كان هناك ترجيح لأحدهما على الآخر فلا بد من العمل به و الا فالمرجع هو الأصول العملية.

نعم قد تكون في بعض الموارد خصوصية تقتضي تقدم الحرمة على الوجوب و ان كان شمول كل منهما لمورد الاجتماع مستفاداً من الإطلاق، و ذلك كإطلاق دليل وجوب الصلاة مع إطلاق دليل حرمة الغصب، فان عنوان الغصب من العناوين الثانوية، و مقتضى الجمع العرفي بين حرمته و جواز فعلى بعنوانه الأولى في مورد الاجتماع حمل الجواز على الجواز في نفسه و بطبعه غير المنافي للحرمة الفعلية، و ذلك نظير ما دل على جواز أكل الرمان بالإضافة إلى دليل حرمة الغصب، فان النسبة بينهما و ان كانت نسبة العموم من وجه الا انه لا يشك في تقديم حرمة الغصب، لما ذكرناه.

الرابع- انه إذا لم يثبت ترجيح لتقديم جانب الحرمة على الوجوب أو بالعكس فهل يمكن الحكم بصحة الصلاة في مورد الاجتماع على هذا القول أعني‏

415

القول بالامتناع أم لا فقد ذكر المحقق صاحب الكفاية (قده) انه لا مانع من الحكم بالصحّة أي صحة الصلاة من ناحية جريان أصالة البراءة عن حرمتها، و معه لا مانع من الحكم بالصحّة أصلا، ضرورة ان المانع عنه إنما هو الحرمة الفعلية، و بعد ارتفاع تلك الحرمة بأصالة البراءة فهي قابلة للتقرب بها، و معه لا محالة تقع صحيحة، و لا يتوقف جريان البراءة عنها على جريانها في موارد الشك في الاجزاء و الشرائط، بل و لو قلنا بعدم جريانها في تلك الموارد تجري في المقام. و الوجه في ذلك هو ان المورد ليس داخلا في كبرى مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين، لفرض انه ليس هنا شك في مانعية شي‏ء عن المأمور به و اعتبار عدمه فيه، بل الشك هنا في ان هذه الحركات الصلاتية التي هي مصداق للغصب و تصرف في مال الغير هل هي محرمة فعلا أو لا فالشك إنما هو في حرمة هذه الحركات فحسب، و معه لا مانع من جريان البراءة عنها و ان قلنا بالاشتغال في تلك المسألة. نعم المانعية في المقام عقلية، ضرورة ان مانعية الحرمة عن الصلاة ليست مانعية شرعية ليكون عدم حرمتها قيداً لها بل مانعيتها من ناحية ان صحتها لا تجتمع مع الحرمة، لاستحالة اجتماع المبغوضية و المحبوبية في الخارج، و على هذا فالحرمة مانعة عن التقرب بها عقلا لا شرعاً، فاذن لا يرجع الشك فيها إلى الشك في الأقل و الأكثر الارتباطيين، ليكون داخلا في كبرى تلك المسألة و يدور جريان البراءة هنا مدار جريانها فيها بل تجري هنا و لو لم نقل بجريانها هناك، لأن الشك هنا شك بدوي.

نعم لو قلنا بان المفسدة الواقعية الغالبة هي المؤثرة في المبغوضية و لو لم تكن محرزة، فأصالة البراءة عندئذ لا تجري، بل لا مناص من الالتزام بقاعدة الاشتغال و لو قلنا بجريان البراءة في الشك في الاجزاء و الشرائط في تلك المسألة.

و الوجه فيه واضح و هو انه مع احتمال غلبة المفسدة في الواقع كما هو المفروض لا يمكن‏

416

قصد القربة كما هو واضح، هذا حاصل ما أفاده (قده) مع توضيح منا.

و نحلل ما أفاده (قده) إلى عدة نقاط:

1- جريان أصالة البراءة عن الحرمة.

2- انه يكفي في الحكم بصحة الصلاة في الدار المغصوبة مجرد رفع هذه الحرمة بأصالة البراءة، و لا يحتاج إلى أزيد من ذلك.

3- ان المقام غير داخل في كبرى مسألة الأقل و الأكثر.

4- انه لو بنينا على ان المؤثر في المبغوضية الفعلية هو المفسدة الواقعية و ان لم تكن محرزة فلا يمكن الحكم بالصحّة وقتئذ لعدم إمكان التقرب بما يحتمل كونه مبغوضاً للمولى.

اما النقطة الأولى فلا إشكال فيها لوضوح ان البراءة تجري و لا مانع من جريانها أبداً كما هو ظاهر.

اما النقطة الثانية فلا يمكن تصديقها بوجه، و ذلك لأنه لا يكفي في الحكم بالصحّة مجرد رفع الحرمة بأصالة البراءة، بل لا بد من إحراز المقتضي له أيضاً و هو في المقام إطلاق دليل المأمور به بالإضافة إلى هذا الفرد، و المفروض انه قد سقط بالمعارضة، و عليه فلا مقتضى للصحة. هذا من ناحية. و من ناحية أخرى ان أصالة البراءة عن الحرمة لا تثبت إطلاق دليل المأمور به واقعاً و حقيقة، ليتمسك به لإثبات صحة هذا الفرد و انطباق الطبيعة المأمور بها عليه و هو الصلاة في الدار المغصوبة في مفروض الكلام ليقيد به إطلاق دليل النهي بغير ذلك الفرد و المفروض ان أصالة البراءة لا ترفع إلا الحرمة ظاهراً لا واقعاً لتثبت لوازمها العقلية أو العادية. و قد ذكرنا في محله انه لا دليل على حجية الأصل المثبت، فاذن أصالة البراءة عن الحرمة في المقام لا تثبت الإطلاق أي إطلاق دليل المأمور به ليشمل المورد إلا على القول بالأصل المثبت.

417

نعم لو قامت أمارة معتبرة كخبر الثقة أو نحوه على ارتفاعها لكانت مثبتة للإطلاق لا محالة، لما ذكرناه في موضعه من ان مثبتات الأمارات الحاكية عن الواقع كأخبار الثقة أو ما شاكلها حجة، إلا ان وجود مثل هذه الأمارة في محل الكلام مفروض العدم.

و اما النقطة الثالثة فالمقام و ان لم يدخل في كبرى مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين من نقطة النّظر في كون الشك في حرمة المجمع و عدم حرمته كما عرفت، إلا انه داخل في كبرى تلك المسألة من نقطة نظر آخر و هي ان أصل وجوب الصلاة- مثلا- على الفرض معلوم لنا و الشك إنما هو في تقييدها بغير هذا المكان و عليه فلا محالة يدور الأمر بين ان يكون الواجب هو المطلق أو المقيد، فاذن بناء على ما حققناه هناك من جريان البراءة عن التقييد الزائد تجري البراءة في المقام أيضاً، فان التقييد بما انه كلفة زائدة دون الإطلاق فهو مدفوع بحديث الرفع أو نحوه، و بذلك يثبت الإطلاق الظاهري للمأمور به، إذ المفروض ان وجوب بقية اجزائه و شرائطه معلوم لنا و الشك انما هو في تقييده بأمر زائد فإذا رفعنا هذا التقييد بأصالة البراءة يثبت الإطلاق الظاهري بضم الأصل إلى أدلة الأجزاء و الشرائط المعلومتين و هو كاف للحكم بالصحّة ظاهراً، لفرض انطباق المأمور به عندئذ على الفرد المأتي به في الخارج و لا نعني بالصحّة الا ذلك. و عليه فنحكم بصحة الصلاة في مورد الاجتماع ظاهرا لانطباق الطبيعة المأمور بها عليها في الظاهر بعد رفع تقييدها بغير هذا المكان بأصالة البراءة، لفرض انها بعد رفع ذلك التقييد صارت مصداقاً لها في حكم الشارع، و هذا المقدار كاف للحكم بالصحّة، و تمام الكلام في محله.

و اما النقطة الرابعة (و هي ان المؤثر في المبغوضية لو كان هو المفسدة الواقعية الغالبة فلا مجال للبراءة) فيردها عدم العلم بوجود مفسدة في هذا الحال‏

418

فضلا عن كونها غالبة على المصلحة للشك في أصل وجودها و ان المجمع في هذا الحال مشتمل على مفسدة أم لا، و الوجه في ذلك ما ذكرناه من ان مسألة الاجتماع على القول بالامتناع داخلة في كبرى باب التعارض لا باب التزاحم، لفرض انه لا علم لنا بوجود مفسدة في المجمع، فان الطريق إلى إحراز اشتماله على المفسدة انما هو حرمته، و المفروض انها مشكوك فيها و هي مرفوعة بأصالة البراءة و مع ارتفاعها كيف يمكن لنا العلم بوجود مفسدة فيه.

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان المجمع مشتمل على كلا الملاكين كما هو مختاره (قده) في باب الاجتماع إلا ان كون المفسدة غالبة على المصلحة غير معلومة و مع عدم العلم بالغلبة كانت الحرمة و المبغوضية مجهولة لا محالة فلا مانع من الرجوع إلى البراءة.

و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه انه لا مانع من الحكم بصحة الصلاة أو نحوها في مورد الاجتماع ظاهرا على القول بالامتناع فيما إذا فرض انه لم يكن ترجيح لأحد الجانبين على الآخر.

الخامس- ان المحقق صاحب الكفاية (قده) قد ألحق تعدد الإضافات بتعدد العناوين و الجهات بدعوى ان البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي و امتناعه لا يختص بما إذا تعلق الأمر بعنوان كالصلاة- مثلا- و النهي بعنوان آخر كالغصب و قد اجتمعا في مورد واحد، بل يعم ما إذا تعلق الأمر بشي‏ء كالإكرام- مثلا- بجهة و إضافة، و النهي تعلق به بجهة أخرى و إضافة ثانية، ضرورة ان تعدد العنوان لو كان مجدياً في جواز اجتماع الأمر و النهي مع وحدة المعنون وجودا و ماهية لكان تعدد الإضافة أيضاً مجدياً في جوازه، إذ كما ان تعدد العنوان يوجب اختلاف المعنون بحسب المصلحة و المفسدة، كذلك تعدد الإضافة يوجب اختلاف المضاف إليه بحسب المصلحة و المفسدة و الحسن و القبح‏

419

عقلا و الوجوب و الحرمة شرعاً. و على هذا فكل دليلين متعارضين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق يدخلان في باب الاجتماع لا في باب التعارض ليرجع إلى مرجحات ذلك الباب، الا إذا علم من الخارج انه لم يكن لأحد الحكمين ملاك في مورد الاجتماع، فعندئذ يدخل في باب التعارض، كما هو الحال أيضاً في تعدد العنوانين:

و على الجملة فلا فرق بين تعدد العنوان و تعدد الإضافة من هذه الناحية أصلا. و اما معاملة الفقهاء (ره) مع مثل أكرم العلماء و لا تكرم الفساق معاملة التعارض بالعموم من وجه، فهي اما مبنية على القول بالامتناع أو لإحراز عدم المقتضى لأحد الحكمين في مورد الاجتماع. و اما في غير ذلك فلا معارضة بين الدليلين أصلا.

و غير خفي ان هذا من غرائب ما أفاده (قده) من جهات:

الأولى- ان فرض إحراز الفقهاء عدم وجود ملاك لأحد الحكمين في مورد الاجتماع بين الدليلين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه في جميع أبواب الفقه امر غريب، فان هذا يختص بمن كان عالماً بالجهات الواقعية و الملاكات النّفس الأمرية. و من هنا قد ذكرنا غير مرة انه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام مع قطع النّظر عن ثبوتها، فاذن من أين يعلم الفقيه بعدم اشتمال المجمع لأحد الملاكين من أول الفقه إلى آخره.

و على الجملة فعلى وجهة نظره (قده) من ان المجمع في مورد الاجتماع لا بد ان يكون مشتملا على ملاك كلا الحكمين معاً و الا فلا يكون من باب الاجتماع أصلا، فلا بد من فرض جهة وجوب وجهة حرمة في إكرام العالم الفاسق، ليكون داخلا في هذا الباب أي باب الاجتماع.

و على هذا الأساس يدخل جميع موارد التعارض بالعموم من وجه كهذا

420

المثال في هذا الباب، إلا إذا علم من الخارج بعدم وجود الملاك لأحد الحكمين في مورد الاجتماع، فوقتئذ يدخل في باب التعارض. و اما معاملة الفقهاء (رض) مع هذا المثال و ما شاكله معاملة التعارض بالعموم من وجه إنما يكون لأحد سببين:

الأول- من ناحية علمهم بعدم وجود الملاك لأحدهما في مورد الاجتماع في تمام أبواب الفقه.

الثاني- من ناحية التزامهم بالقول بالامتناع في المسألة أي مسألة الاجتماع و عدم كفاية تعدد العنوان أو الإضافة للقول بالجواز.

و لنأخذ بالمناقشة في كليهما.

اما السبب الأول فلأنه يرتكز على كون الفقهاء عالمين بالجهات الواقعية و الملاكات النّفس الأمرية ليكونوا في المقام عالمين بعدم وجود ملاك لأحدهما في مورد الاجتماع، و لأجل ذلك عاملوا معهما معاملة المتعارضين بالعموم من وجه، و من الضروري انه ليس لهم هذا العلم فانه يختص باللَّه تعالى و بالراسخين في العلم على انه لو كان لهم هذا العلم لكانوا عالمين بعدم وجود ملاك لأحدهما المعين، و معه لا معنى لأن يعامل معهما معاملة التعارض، ضرورة انه عندئذ يكون ملاك الآخر هو المؤثر و كيف كان فصدور مثل هذا الكلام من مثله (قده) يعد من الغرائب جداً.

و اما السبب الثاني فلأنه يبتني على ان يكون الفقهاء جميعاً من القائلين بالامتناع في المسألة، و هذا مقطوع البطلان، كما تقدم الكلام في ذلك بشكل واضح.

و على ضوء هذا البيان قد تبين ان هذا المثال و ما شاكله خارج عن مسألة الاجتماع رأساً، و لن يتوهم أحد و لا يتوهم جواز اجتماع الأمر و النهي فيه، بداهة انه يستحيل ان يكون في المجمع في مورد الاجتماع و هو إكرام العالم الفاسق‏

421

جهة وجوب و حرمة معاً و محبوبية و مبغوضية كذلك، فاذن لا محالة يدخل في كبرى باب التعارض كما صنع الفقهاء ذلك فيه و في أمثاله، و ذلك لاستحالة جعل كلا الحكمين معاً للمجمع في مادة الاجتماع بحسب مقام الواقع و الثبوت، و نعلم بكذب أحدهما و عدم مطابقته للواقع، بداهة انه كيف يعقل ان يكون إكرام زيد العالم الفاسق مثلا واجباً و محرماً معاً. و عليه فلا محالة تقع المعارضة بين مدلولي دليليهما في مقام الإثبات و الدلالة، فلا بد من الرجوع إلى مرجحات بابها، و هذا هو الملاك في باب التعارض. و من هنا قد ذكرنا سابقاً ان التعارض بين الحكمين لا يتوقف على وجود ملاك لأحدهما دون الآخر، بل الملاك فيه ما ذكرناه من عدم إمكان جعل كلا الحكمين معاً في الواقع و مقام الثبوت، و لذا قلنا ان مسألة التعارض لا تختص بوجهة نظر مذهب دون آخر، بل تجري على جميع المذاهب و الآراء.

الثانية- ان ما ذكره (قده) من المثال خارج عن محل الكلام في المسألة و ذلك لأن العموم في هذا المثال في كلا الدليلين عموم استغراقي، فلا محالة ينحل الحكم بانحلال موضوعه أو متعلقه فيثبت لكل فرد من افراده حكم مستقل غير مربوط بحكم ثابت لفرد آخر منها .. و هكذا، و لازم ذلك هو ان يكون المجمع في مورد الاجتماع و هو إكرام العالم الفاسق محكوماً بكلا هذين الحكمين على نحو الاستقلال بان يكون إكرامه واجباً و محرماً معاً. و من الواضح جداً ان القائلين بالجواز في المسألة لا يقولون به في مثل هذا المثال، ضرورة ان في مثله جعل نفس هذين التكليفين معاً محال لا انه من التكليف بالمحال، فاذن هذا المثال و ما شاكله خارج عن محل الكلام.

الثالثة- قد تقدم في مقدمات مسألة الاجتماع ان محل الكلام فيها فيما إذا تعلق الأمر بعنوان كالصلاة مثلا و النهي تعلق بعنوان آخر كالغصب، و لكن‏

422

المكلف قد جمع بينهما في مورد، فعندئذ يقع الكلام في ان التركيب بينهما اتحادي أو انضمامي، بمعنى ان المعنون لهما في الخارج هل هو واحد وجوداً و ماهية أو متعدد كذلك فعلى الأول لا مناص من القول بالامتناع لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به. و على الثاني لا مناص من الالتزام بالقول بالجواز بناء على ما هو الصحيح من عدم سراية الحكم من الملزوم إلى لازمه.

و قد تقدم تفصيل كل ذلك من هذه النواحي بصورة واضحة.

و على ضوء هذا الأساس قد ظهر ان مجرد تعدد الإضافة مع كون المتعلق واحداً وجوداً و ماهية لا يجدي للقول بالجواز في مسألة الاجتماع، بل هو خارج عن محل الكلام فيها بالكلية، لما عرفت من ان محل الكلام انما هو فيما إذا تعلق الأمر بعنوان و النهي بعنوان آخر مباين له، و لكن اتفق اجتماعهما في مورد واحد، و المفروض في المقام ان الأمر تعلق بعين ما تعلق به النهي و هو إكرام العالم الفاسق، غاية الأمر جهة تعلق الأمر به شي‏ء و هو علمه و جهة تعلق النهي به شي‏ء آخر و هو فسقه، و من المعلوم ان تعدد الجهة التعليلية لا يوجب تعدد المتعلق، فالمتعلق في المقام واحد وجوداً و ماهية و هو الإكرام و الموضوع له أيضاً كذلك و هو زيد العالم الفاسق مثلا، و التعدد انما هو في الصفة، فان لزيد صفتين إحداهما العلم و هو يقتضى وجوب إكرامه، و الأخرى الفسق و هو يقتضي حرمة إكرامه، و من البديهي ان لا يعقل ان يكون إكرام زيد العالم الفاسق واجباً و محرماً معاً، لأن نفس هذا التكليف محال، لا انه مجرد تكليف بالمحال و بغير المقدور، و المفروض ان صفتي العلم و الفسق ليستا متعلقتين للتكليف بل هما جهتان تعليليتان خارجتان عن متعلق التكليف و موضوعه.

فالنتيجة ان مثل هذه الموارد خارج عن محل الكلام في المسألة، و القائل بالجواز فيها لا يقول بالجواز فيه، بل تخيل دخول هذه الموارد في محل النزاع‏

423

من مثله (قده) من الغرائب جداً.

نتائج ما ذكرناه عدة نقاط:

الأولي- ان المناط في الاستحالة و الإمكان في الأحكام التكليفية انما هو بوحدة زمان المتعلق و تعدده و لا عبرة بوحدة زمان الحكمين و تعدده أصلا فالفعل الواحد في زمان واحد لا يمكن ان يكون واجباً و محرماً معاً و لو كان تعلق الوجوب به في زمان و تعلق الحرمة به في زمان آخر. و من هنا قلنا باستحالة القول بكون الخروج واجباً فعلا و منهياً عنه بالنهي السابق الساقط بالاضطرار أو نحوه.

الثانية- ان الأحكام الوضعيّة لا تشترك في مناط الاستحالة و الإمكان مع الأحكام التكليفية، فان تعدد زمان الحكم في الأحكام الوضعيّة يجدي في رفع الاستحالة و لو كان زمان المتعلق واحداً. و من هنا قلنا بالكشف في باب الفضولي و ان المولى من زمان تحقق الإجازة يحكم بملكية المال الواقع عليه العقد الفضولي من حين العقد للمشتري إذا كان الفضولي من طرف البائع، و للبائع إذا كان من طرف المشتري، بل قلنا ان ذلك مضافاً إلى إمكانه على طبق القاعدة في خصوص المقام.

الثالثة- ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) من عدم الفرق في الاستحالة و الإمكان بين الأحكام التكليفية و الأحكام الوضعيّة و انهما على صعيد واحد من هذه الناحية لا يرجع إلى معنى محصل كما تقدم.

الرابعة- الصحيح هو ان الخروج من الدار المغصوبة داخل في كبرى قاعدة عدم منافاة الامتناع بالاختيار للاختيار، و قد ذكرنا انه لا فرق في الدخول في موضوع هذه القاعدة بين ان يكون الامتناع المنتهي إلى اختيار المكلف تكوينياً أو تشريعياً، كما انه لا فرق في جريان هذه القاعدة بين التكاليف الوجوبية

424

و التكاليف التحريمية، لما ذكرناه من ان هذه القاعدة ترتكز على ركيزة واحدة، و هي ان يكون امتناع امتثال التكليف في الخارج منتهياً إلى اختيار المكلف و إرادته.

الخامسة- ان ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من ان الحركات الخروجيّة داخلة في كبرى قاعدة وجوب رد المال إلى مالكه و مصداق للتخلية و التخلص لا يمكن المساعدة عليه أصلا، و ما ذكره من الوجوه لإثبات ذلك لا يتم شي‏ء منها. و قد ذكرنا وجه فسادها بشكل واضح فلاحظ.

السادسة- ان ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من انه لا تعارض بين خطاب صل و خطاب لا تغصب على القول بالامتناع غير تام. و الوجه فيه ما ذكرناه هناك من أن مسألة الاجتماع على هذا القول أي على القول بالامتناع و وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجودا و ماهية تدخل في كبرى باب التعارض لا محالة، لاستحالة كون المنهي عنه مصداقاً للمأمور به، فاذن لا محالة تقع المعارضة بين إطلاق الخطابين.

السابعة- انه لا وجه لتقديم الإطلاق الشمولي على الإطلاق البدلي، و ما ذكره شيخنا الأستاذ (قده) من الوجوه لذلك لا يتم شي‏ء منها، كما عرفت نعم العموم الوضعي يتقدم على الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة سواء أ كان بدلياً أو شمولياً كما عرفت.

الثامنة- انه لا أصل لقاعدة ان دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة، على انها لا تنطبق على الأحكام الشرعية أصلا و أجنبية عنها بالكلية كما سبق.

التاسعة- ان الاستقراء الناقص لا يثبت بمورد و موردين فضلا عن التام مع انه على تقدير ثبوته لا يكون حجة. أضف إلى ذلك ان ما ذكره من الموردين خارج عن مورد القاعدة و ليس تقديم جانب الحرمة فيهما مستندا إلى تلك القاعدة

425

العاشرة- الصحيح هو ان جانب الحرمة يتقدم على جانب الوجوب في مورد الاجتماع فيما إذا كانت الحرمة ثابتة للشي‏ء بعنوان ثانوي، و هو عدم اذن المالك في التصرف فيه فان جواز انطباق الطبيعة المأمور بها على المجمع في مورد الاجتماع بمقتضى الإطلاق عندئذ لا يعارض حرمته كما عرفت.

الحادية عشرة- انه لا شبهة في جريان البراءة عن حرمة المجمع بما هي عند الشك فيها لفرض ان الشبهة بدوية و هي المقدار المتيقن من موارد جريانها. و اما جريانها عن تقييد الواجب بغير هذا المكان فهو يبتني على جريانها في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين و لكن بما انا قد اخترنا جريان البراءة فيها هناك فلا محالة نقول بجريانها في المقام أيضاً.

الثانية عشرة- ان ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قده) من إلحاق تعدد الإضافات بتعدد العنوانات في الدخول في محل النزاع في المسألة، لا يرجع إلى معنى محصل أصلا كما عرفت.

هذا آخر ما أوردناه في هذا الجزء.

إلى هنا قد تم بعون اللَّه تعالى و توفيقه الجزء الرابع من كتابنا محاضرات في أصول الفقه، و سيتلوه الجزء الخامس إن شاء اللَّه تعالى.