مطارح الأنظار - ج4

- الشيخ أبي القاسم الكلانتري المزيد...
781 /
55

ممّا لا يصغى إليه بعد وضوح مراده و ظهور كساده؛ لما عرفت من عدم ما يقضي‏ (1) بالتخصيص عنوانا و تمثيلا و استدلالا بعد اتّحاد المناط في الكلّ و عدم معقولية التفرقة بينهما بدون ذلك.

تذنيب‏

هل النزاع في حجّية الاستصحاب من جهة الظنّ أو من حيث إنّها قاعدة تعبّدية و إن لم يفد (2) ظنّا في موارده أبدا فعلى الأوّل يكون كسائر الأدلّة الاجتهادية الكاشفة عن واقع مدلولها، و على الثاني يكون كالبيّنة و اليد و نحوهما من التعبّديات؟ فنقول: لا إشكال في قابلية وقوع النزاع على كلّ من الوجهين مع قطع النظر عن مذاقهم و مشربهم.

فعلى الأوّل يحتمل‏ (3) أن يراد بالظنّ المبحوث عنه الظنّ النوعي؛ إذ من الواضح الجليّ أنّ الاستصحاب يفيد الظنّ فيما لم يكن له من الخارج ما يوهن الركون إلى الحالة السابقة كغيره من وجوه الأدلّة الاجتهادية، و أن يراد به الظنّ الشخصي؛ لأنّه الظاهر منه في بادئ الرأي، و يوافقه ظهور جملة من الحجج، بل صرّح بدورانه مداره شيخنا البهائي في الحبل المتين حيث قال: لا يخفى أنّ الظنّ الحاصل بالاستصحاب فيمن تيقّن الطهارة و شكّ في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعّف بطول‏ (4) المدّة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان و يتساوى الطرفان، بل ربّما يصير الطرف الراجح مرجوحا، كما إذا توضّأ عند الصبح- مثلا- و ذهل عن التحفّظ، ثمّ شكّ عند الغروب في صدور الحدث منه و لم يكن من عادته البقاء على الطهارة في ذلك الوقت، و الحاصل أنّ المدار على الظنّ، فما دام باقيا فالعمل عليه و إن ضعف‏ (5)، انتهى كلامه.

____________

(1). «ج»: يقتضي.

(2). «ج»: تفد.

(3). «ج، م»: فيحتمل.

(4). «ج»: لطول.

(5). حبل المتين 1: 164، و في ط الحجري: 37.

56

إلّا أنّه يشكل الاعتماد عليه؛ لعدم اطّراده في الموارد التي بنوا فيها على الاستصحاب كما يظهر من ملاحظة سيرتهم في الفقه، و يحتمل أن يكون النزاع في إفادته الظنّ كما يظهر عمّا سبق نقله من العضدي‏ (1)، فالنزاع صغروي، و أن يكون في اعتباره أيضا كما لعلّه يومئ إليه محقّق القوانين، و كيف كان فالنزاع في اعتبار الاستصحاب من حيث الظنّ على أحد الوجوه المحتملة فيه هو الظاهر من السلف، كما ينبئ عن ذلك عدم احتجاجهم بأخبار النقض إلى أن وصلت النوبة إلى الشيخ الجليل الشيخ حسين العاملي والد شيخنا البهائي، فإنّه أوّل من فتح باب الاستدلال بها في الاستصحاب حيث قال [- بعد ذكر بعض أخبار الاستصحاب- و هذا في الحقيقة راجع إلى أصل بقاء الشي‏ء على ما كان و هو الاستصحاب كما قدّمناه، و يتفرّع على ذلك كثير من مسائل الفقه، كمن تيقّن الطهارة و شكّ في عروض الناقص لا يلتفت و بالعكس يجب الطهارة، و من تيقّن طهارة بدنه أو ثوبه و شكّ في عروض النجاسة لا يلتفت و بالعكس يجب التطهير، و هذا و أمثاله ممّا لا خلاف فيه. (2)].

و على الثاني فيحتمل أن يكون المراد بالتعبّد هو التعبّد الشرعي كما هو الظاهر ممّن‏ (3) جنح إليه محتجّا بأخبار النقض، بل و هو صريح البعض، و أن يكون تعبّدا عقلائيا؛ حيث إنّهم مفطورون على البناء على الحالة السابقة و الأخذ بها تصحيحا لأمور معادهم و تسهيلا في أمور معاشهم، بل و ربّما يظهر ذلك من احتجاج المعارج‏ (4) من ثبوت المقتضي و عدم صلوح الرافع للرفع، و من احتجاج الشيخ في الزبدة (5) من أنّه لولاه لم يتقرّر (6) المعجزة، و على التقديرين فهل التعبّد مطلق و إن كان الظنّ على الخلاف‏

____________

(1). سبق نقله في ص 11 و 51.

(2). لم يرد مقول قوله في النسخ و موضعه في نسختي «م، ز» بياض قدر ثلاث أسطر، و استدركناه ما بين المعقوفين من العقد الطهماسبى: 24.

(3). «ز، ك»: فمن.

(4). المعارج: 286.

(5). «ز، ك»: زبدته. زبدة الأصول: 106.

(6). في المصدر: لم تتقرّر.

57

أو مقيّد بما إذا لم يكن الظنّ على الخلاف؟ وجهان: الأقوى هو الأخير إلّا أنّ ذلك مع قطع النظر عن كلماتهم، و إلّا فهي مضطربة في الغاية و مختلفة في النهاية، فقد يظهر منهم الاحتجاج بحجّة (1) ظنّية مع عدم اقتصارهم فيه بالظنّ‏ (2) عند العمل و الفتوى، فإنّ جملة منهم اعتمدوا عليه و إن كان الظنّ على الخلاف، و ينادي بذلك كلماتهم في الفقه، و أوضح دلالة على ذلك‏ (3) حكمهم بتقديم الأصل على الظاهر، بل ربّما يظهر من الشهيد (4) تقدّم الظاهر على الأصل في موارد معدودة، و نحن نتعرّض للبحث عن اعتباره و ذكر الاحتجاجات الواردة فيه بكلا الطريقين تتميما للمبحث و تحقيقا للمذهب كما هو ديدن القوم في تصانيفهم و كتبهم، و عليه التكلان و هو حسبنا و نعم الوكيل.

____________

(1). «ك، ز»: حجية.

(2). «ج»: على الظنّ.

(3). في «م، ج» زيادة «من» و شطب عليها في نسخة «م».

(4). تقدّم عنه في ج 1، ص 290.

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

هداية [في ذكر الأقوال في اعتبار الاستصحاب‏]

اختلف الآراء في اعتبار الاستصحاب فيما عرفت من موارد النزاع و عدمه على أقوال كثيرة، بل عدّها بعضهم‏ (1) إلى نيّف‏ (2) و خمسين و إن كان بعيدا عن التحقيق، فإنّه يرى من لا يحكم باعتبار الاستصحاب الساري مفصّلا في المسألة مثلا و فساده ممّا لا يكاد يخفى. و نحن نذكر شطرا منها ممّا له وجه معروف، لعدم الجدوى في غيره.

فنقول: المشهور من الأقوال أربعة عشر قولا:

الأوّل: الحجّية من باب الوصف مطلقا، عزاه في الوافية (3) إلى الأكثر.

الثاني: عدم الحجّية كذلك، عزاه في المنتهى إلى الأكثر، و لعلّه ليس في محلّه؛ إذ الأكثر- على ما يشاهد من أكثر موارد كلماتهم و مطاوي إفاداتهم- على الحجّية و لو في الجملة.

الثالث: ما نسب إلى بعض المتأخرين في حكاية بعض الأجلّة (4) من التفصيل بين الشكّ في عروض القادح فيعتبر، و بين‏ (5) الشكّ في قدح العارض فلا يعتبر.

____________

(1). نسبه إلى بعض المعاصرين في وسيلة الوسائل: 289، ثمّ قال: و إن كان المذكور منها في الكتب المعروفة في مقام تعداد الأقوال لا يزيد عمّا ذكره شيخنا المصنّف (رحمه اللّه).

(2). «ج، م»: بل إنّما جعله بعضهم نيّفا.

(3). الوافية: 218.

(4). الفصول: 367 (ثالث الأقوال).

(5). «ز، ك»:- بين.

60

الرابع: التفصيل بين ما إذا شكّ في عروض ما علم مانعيته للحكم الشرعي الذي ثبت استمراره إليه مع عدم العلم بطروّ ما يحتمل كونه ذلك الرافع فيعتبر، و بين غيره فلا يعتبر، ذهب إليه المحقّق السبزواري‏ (1) في بيان حكم الكرّ المسلوب إطلاقه بممازجة المضاف النجس.

الخامس: التفصيل بين ما ثبت استمراره إلى غاية معيّنة عند الشكّ في حصوله أو في صدقها على أمر حاصل مع العلم بصدقها على‏ (2) غيرها فيكون معتبرا، و بين غيره فلا يكون معتبرا (3)، و هو المنسوب إلى أستاد الكلّ المحقّق الخوانساري في شرح الدروس‏ (4) عند قول الشهيد: و لا يجزي ذو الجهات الثلاث في الاستنجاء.

السادس: التفصيل بين النفي و الإثبات، فأثبتوه في النفي و نفوه في الإثبات، حكاه العضدي عن أكثر الحنفية (5).

السابع: التفصيل بين الأحكام الطلبية فلا يجري فيه، و بين غيره من الأحكام الوضعية فيجري فيه‏ (6).

الثامن: هو السابع بانضمام الإباحة إلى الوضعيات في الجريان، و قال بعض الأجلّة:

____________

(1). الذخيرة: 116، و عنه في الفصول: 367 (رابعها).

(2). «ز، ك»:- على.

(3). «ز، ك» و الفصول: و بين غيره فلا يعتبر.

(4). مشارق الشموس: 76، و عنه في الفصول: 367 (خامسها).

(5). شرح مختصر المنتهى: 453، و عنه في الفصول: 367، الشرح للعضدي و المتن للحاجبي، قال الماتن: الاستصحاب: الأكثر كالمزني ... على صحّته و أكثر الحنفية على بطلانه، كان نفيا أصليا أو حكما شرعيا.

و قال الشارح أيضا: ... و أكثر الحنفية على بطلانه، فلا يثبت به حكم شرعي.

و حكاه الكلباسي في اشارات الأصول، قسم الأدلّة الشرعية (مخطوط) 94/ ب حيث قال:

و التفتازاني نسب في شرح شرحه إلى الحنفية عدم الحجّية في إثبات الحكم الشرعي دون النفي الأصلي.

(6). حكاه في الفصول: 367 (سابعها) و قال: نقل ذلك عن بعض. و هو مذهب الفاضل التوني كما سيأتي في ص 113.

61

و لعلّهما متّحدان، و المسامحة من الناقل‏ (1).

التاسع: عكس ذلك، و لم يعلم قائله على ما قيل‏ (2).

العاشر: التفصيل بين الحكم الشرعي فيعتبر، و بين الأمور الخارجية فلا يعتبر، يظهر من المحقّق الخوانساري في الحاشية (3) على ما ستعرف الكلام فيها، و نسب إلى السبزواري أيضا (4).

الحادى عشر: عكس ذلك.

الثاني عشر: التفصيل بين ما ثبت الحكم فيه‏ (5) بالإجماع فلا يعتبر، و بين غيره فيعتبر، نسب إلى الغزالي‏ (6) و كتابه في الأصول- على ما حكاه البعض- ممّا لا عين فيه منه‏ (7) و لا أثر، و لعلّه إنّما أخذوه من كتابه في الفقه، و ستعرف أنّ المنقول منه ممّا لا يدلّ على التفصيل المذكور.

الثالث عشر: ما اختاره بعض الأجلّة (8) و هو التفصيل بين ما إذا كان قضيّة الشي‏ء المعلوم ثبوته بقاءه في الوقت المشكوك بقاؤه فيه لو لا عروض المانع أو منع العارض فيعتبر، و بين غيره فلا يعتبر.

الرابع عشر: ما جنح‏ (9) إليه جملة من متأخّري المتأخّرين و هو اعتباره مطلقا من‏

____________

(1). الفصول: 367 (ثامنها).

(2). حكاه أيضا في الفصول: 367 في تاسع الأقوال.

(3). سيأتي كلامه بتمامه نقلا من شارح الوافية في ص 136- 138، و نقل عنه أيضا المحقّق القمي في القوانين 2: 66 و في ط: ص 273 و أورده أيضا في الفصول: 367.

(4). سيأتي في ص 178.

(5). «ج، م»:- فيه.

(6). نسب إليه المحقّق القمي في القوانين 2: 55، و الكلباسي في اشارات الأصول، قسم الأدلّة الشرعية (مخطوط) 94/ أ، قال الغزالي في المستصفى من علم الأصول 1: 224: لا حجّة في استصحاب الإجماع في محلّ الخلاف خلافا لبعض الفقهاء، و مثاله المتيمّم ...

(7). «ز، ك»: منه فيه.

(8). الفصول: 367.

(9). «ج، م»: احتجّ.

62

باب الأخبار.

ثمّ اعلم أنّ التفصيل الحادي عشر قد نسبه‏ (1) المحقّق‏ (2) صاحب‏ (3) القوانين‏ (4) إلى الأخباريين‏ (5) و جعله عكسا لما صار إليه السبزواري، و لعلّه ليس على ما ينبغي؛ حيث إنّ الأحكام تارة يطلق و يراد بها نفس الأحكام الكلّية الإلهية، و تقابلها (6) الموضوعات بإطلاقاتها من الأحكام الجزئية، و الموضوعات المستنبطة، و الأمور الخارجية من حياة زيد و رطوبة لباسه و يبوسة (7) يده و نحوها (8)، و الأخباري- على ما هو صريح صرّهم و أمينهم‏ (9)- يعتمدون على الاستصحاب فيما عدا الأحكام الكلّية الإلهية من الأمور الخارجية كالليل و النهار و النجاسة و الطهارة و الملكية و الزوجية و نحوها. و قد يطلق و يراد بها ما يعمّ الأحكام الجزئية، و المعهود من مذهب السبزواري‏ (10) و طريقه‏ (11) تعويله على الاستصحاب في الأحكام الجزئية أيضا كما في الموضوعات المستنبطة أيضا كذلك، و إنّما يظهر منه فيما نسب إليه عدم اعتداده بالاستصحاب في الأمور الخارجية الصرفة التي لا يكاد يمازجها شوب الحكمية كحياة زيد و رطوبة لباسه و نحوهما، فيشتركان في اعتبار الاستصحاب في بعض أقسام الموضوعات، و إنّما افترقا في اعتباره في الأحكام الشرعية لدى السبزواري دون الأخباري، و اعتباره في الموضوعات الصرفة لدى الأخباري دون السبزواري، فالقولان ليسا بمتعاكسين.

____________

(1). «ز، ك»: قد نسب.

(2). «ك»: المحقّق القمي.

(3). «م، ج»:- صاحب.

(4). القوانين 2: 66- 67 نقل ذلك من الشيخ الحرّ في كتاب الفصول المهمّة و سيأتي الكلام فيه أيضا في ص 183.

(5). «ز، ك»: الأخبارية، و في «م»: الأخباري.

(6). «ج، م»: يقابلها.

(7). «ز، ك»: دموية.

(8). «ج، م»: نحوه.

(9). انظر الفوائد المدنية: 288 و 295، و في ط الحجري: 143 و 148.

(10). انظر الذخيرة: 115- 116.

(11). «ج»: طريقته.

63

فالتحقيق في التفصيلين: أنّ الأخباري يفصّل بين الأحكام الكلّية الشرعية فلا يعتبر فيها الاستصحاب، و بين غيرها فيعتبر، و السبزواري يفصّل بين الموضوعات الصرفة فلا يعتبر، و بين غيرها فيعتبر، و لعلّ الذي أوقعه في توهّم التعاكس بين القولين هو ما نقله عن المحقّق الخوانساري حيث قال- فيما نقل عنه-: و هو ينقسم إلى قسمين باعتبار انقسام الحكم المأخوذ فيه إلى الشرعي و غيره، و مثّل للأوّل بنجاسة الثوب و للثاني برطوبته، إلى أن قال: و ذهب بعضهم إلى حجّيته بقسميه، و بعضهم إلى حجّية القسم الأوّل فقط (1)، انتهى.

فحسب أنّ التفصيل المذكور في ذيل كلامه- و هو اعتباره في الأحكام دون الموضوعات كما يظهر من التمثيل- مقابل للأخباري‏ (2)، فجعله عكسا لقولهم، و كيف كان فالفرق بين هذه الأقوال ممّا لا يكاد يخفى، و ستعرف وجوه الفرق في بعض ما لعلّه يحتاج إلى البيان في الهدايات الآتية فانتظرها (3).

____________

(1). مشارق الشموس: 76، و عنه في القوانين 2: 55.

(2). «ز، ك»: الأخباري.

(3). انظر ص 178.

64

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

65

هداية في ذكر حجج المطلقين في الحجّية من حيث الظنّ‏

و هي كثيرة:

الأوّل: ما احتجّ به في المعارج من أنّ المقتضي للحكم الأوّل ثابت؛

إذ الكلام على تقدير ثبوته، و العارض لا يصلح رافعا، لأنّ مرجعه إلى احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم و هو معارض باحتمال عدمه، فيتدافعان و يبقى الحكم سليما عن المعارض‏ (1).

و اعترض عليه بعض الأجلّة بأنّه إن أريد بثبوت المقتضي مع احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم تحقّقه‏ (2) بصفة الاقتضاء (3)، فغير سديد؛ لأنّ زوال الحكم يستلزم زوال الاقتضاء، فلا يجامع احتمال زوال الحكم تحقّق‏ (4) الاقتضاء، ضرورة أنّ الأمر النسبي لا يتمّ بدون المنتسبين، فلا يمكن العلم بثبوته مع عدم العلم بثبوتهما.

و إن أريد تحقّقه بذاته فغير مفيد؛ لأنّ ذات المقتضي لا يستلزم ثبوت الحكم ما لم يثبت عدم المانع و التقدير كونه احتماليا، مع أنّ قوله: و هو معارض باحتمال عدمه، غير مستقيم؛ لأنّه إن اعتبر التعارض بين الاحتمالين من حيث الوجود، فلا منافاة بينهما بهذا الاعتبار أصلا، ضرورة (5) اجتماعها (6) فيه، و التعارض فرع التنافي، و كذا إن اعتبر

____________

(1). المعارج: 286- 287.

(2). في المصدر:+ معه.

(3). «ج»: يوجب له بصفة الاقتضاء.

(4). في المصدر: لتحقّق.

(5). في المصدر:+ صحّة.

(6). في المصدر: اجتماعهما.

66

بينهما من حيث الاقتضاء الثابت لكلّ منهما مع قطع النظر عن الآخر كما هو المتداول في موارد إطلاقه؛ إذ لا نسلّم أنّ مقتضى أحد الاحتمالين يغاير مقتضى الآخر فضلا عن أن ينافيه، بل يشتركان في اقتضاء عدم ثبوت الحكم معهما، و إن اعتبر بين متعلّقيهما فلا ريب في أنّهما لا يتحقّقان فكيف يتصوّر بينهما التعارض الذي هو مشروط بتحقّق المتعارضين‏ (1).

أقول: و فيه ما لا يخفى من اشتباه المقتضي بالعلّة التامّة و الخلط بينهما، فإنّ زوال الحكم يستلزم زوال العلّة التامّة للحكم، و لا يستلزم زوال المقتضي بصفة الاقتضاء، فإنّ التحقيق أنّ المانع إنّما هو علّة تامّة لعدم المعلول و نقيضه، و ليس له مدخل في الوجود إلّا من حيث ارتفاع علّة النقيض، فالمؤثّر في الوجود هو المقتضي و هو باق بصفة الاقتضاء حال العلم بتحقّق المانع فكيف باحتماله، و لهذا نرى أنّ فقدان المانع لا يصير (2) سببا لإيجاد شي‏ء في المقتضي لم يكن قبل و ذلك ظاهر.

و أمّا حديث النسبة فواه جدا؛ إذ لا نعني بصفة الاقتضاء و ثبوتها فعلا إلّا مجرّد قضيّة تعليقية فعلية كما لا يخفى.

و أمّا ما أورده أخيرا من الترديدات فنختار الأوسط منها، قوله: لا نسلّم أنّ‏ (3) مقتضى أحد الاحتمالين يغاير مقتضى الآخر، منع فاسد؛ لظهور أنّ المتداول في موارد إطلاقه إنّما هو الأخذ بمقتضاه باعتبار ما أضيف إليه لفظ الاحتمال لا نفسه.

و أمّا ما أورده‏ (4) من اشتراكهما في اقتضاء عدم ثبوت الحكم معهما، ففساده ممّا لا يدانيه ريب؛ إذ غاية ما في الباب أنّ‏ (5) عدم العلم بالحكم يلازم الاحتمال لا (6) أنّ عدم‏

____________

(1). الفصول: 369- 370.

(2). «ز، ك»: ممّا لا يصير.

(3). «ز، ك»:- أنّ.

(4). «ز، ك»: أفاده.

(5). المثبت من «ك»، و في سائر النسخ:- أنّ.

(6). «ز، ك»: إلّا.

67

ثبوته يلازمه، و مع ذلك فلا يقال في مثله: إنّ مقتضاه عدم ثبوت الحكم، فتدبّر.

فالتحقيق في الجواب هو أن يقال: إنّ بعد الغضّ عن عدم دلالتهما (1) على الظنّ- كما هو مرام‏ (2) المستدلّ؛ لظهور أنّ مجرّد وجود المقتضي لا يوجب الظنّ بوجود المقتضى و إن كان المانع مشكوكا محتملا، لدوران العلم بوجود المعلول أو الظنّ به مدار العلم بتمام أجزاء علّته التامّة من المقتضي و رفع المانع أو الظنّ به، و حيث إنّ المقدّر كون بعض أجزائه محتملا فالمعلول احتمالي؛ ضرورة تبعية النتيجة أخسّ مقدّماتها، فما (3) لم يحصل الظنّ بعدم المانع لا يحصل الظنّ بوجود المعلول في الخارج- أوّلا بأنّه‏ (4) أخصّ من المدّعى؛ لاختصاصه بما إذا كان الشكّ في وجود المزيل من أقسام الشكّ من حيث المانع، و قد عرفت أعمّية النزاع بالنسبة إلى أقسامه و إلى أصناف الشكّ من حيث المقتضي آنفا (5).

و ثانيا بأنّه إن أراد بالمقتضي العلّة التامّة للحكم الشرعي الواقعي أو الحكم الشخصي ببقائه، فيرد عليه: أنّ جريان الاستصحاب على تقديره غير معقول؛ ضرورة أنّ العلم بوجود العلّة التامّة يستحيل اجتماعه مع الشكّ في وجود الرافع، لتركّبها (6) منه أيضا.

و إن أراد ما هو الظاهر من لفظ المقتضي من العلّة الناقضة للحكم النفس الأمري أو الحكم الشخصي ببقائه على أن يكون المراد به الدليل على ما يرشد إليه فرض الشكّ في وجود المانع و عدمه كما هو صريح ذيل الاحتجاج، ففيه: أنّه لا يمكن إثبات المعلول بمجرّد وجود المقتضي ما لم يحرز عدم المانع.

فالحكم بسلامة المقتضي بعد تعارض الاحتمالين مع عدم ترجيح جانب العدم على‏

____________

(1). «ز، ك»: دلالتها.

(2). «ج»: مراد.

(3). «ج»: فيما.

(4). خبر لقوله: «إنّ بعد الغضّ ...».

(5). عرفت في ص 31- 33.

(6). «ج»: لتركّبهما.

68

الوجود ليس بسليم، و إحراز عدم المانع بالأصل يوجب الدور المحال على تقدير كونه استصحابا، و ينافيه ظاهر الاحتجاج؛ حيث إنّ المستفاد منه أنّه برهان تامّ من غير أن يكون لشي‏ء (1) فيه مدخلية على تقدير كونه غير الاستصحاب من سائر الأصول، و الإنصاف أنّ هذا الكلام من المحقّق مبنيّ على ما ستعرف‏ (2) من أنّ بناء العقلاء مستقرّ على عدم الأخذ باحتمال المانع بعد إحراز المقتضي، بل بمجرّده يحكمون بوجود المقتضى و إن كان فيه من الخفاء (3) ما لا يكاد يخفى، و قد مرّ (4) استظهارنا التعبّد العقلائي من هذه الجهة (5) و ما يتلوها، فتدبّر.

الثاني: ما ذكره شيخنا البهائي (رحمه اللّه)(6)- و قد سبقه في الاحتجاج به‏

(7) جماعة من الجمهور- من أنّه لو لم يكن حجّة لم تتقرّر المعجزة، و بطلان التالي غنيّ عن التنبيه، و أمّا الملازمة فلما ذكره الفخري في المحصول‏ (8) من أنّ المعجزة فعل خارق العادة و هي اعتقاد وقوع الفعل على ما عهد وقوعه قبل ذلك و هو الاستصحاب، و توضيحه أنّ الأشياء الخارجية (9) الواقعة في ظرف الخارج لا بدّ و أن تكون‏ (10) باقية على ما هي عليها حتّى يثبت النبوّة بالمعجزة، و إلّا فيحتمل أن يكون تسبيح الحصى أو انشقاق القمر أو إحياء الأموات مستندا إلى غير خارق العادة، فينسدّ باب إثبات النبوّة، و بقاؤها على ما هي عليها ليس إلّا الاستصحاب.

و فيه: أنّه على تقدير الاستصحاب لا يثبت النبوّة أيضا؛ إذ غاية ما يستفاد منه الظنّ و هو لا يغني من الحقّ شيئا، فلا بدّ من تحصيل العلم باستناد الأفعال الواقعة من مدّعي النبوّة إلى معجزته لا إلى الاتّفاق.

____________

(1). المثبت من «ج»، و في سائر النسخ: شي‏ء.

(2). ستعرف في ص 231 و أشار إليه أيضا في ص 85.

(3). «م»: الخفايا.

(4). مرّ في ص 56.

(5). «ج»: الحجّة.

(6). «ز، ك»:- (رحمه اللّه).

(7). «م»:- به. زبدة الأصول: 106.

(8). المحصول 6: 120.

(9). «ك»: الخارجة.

(10). في النسخ: يكون.

69

الثالث: أنّ الاستصحاب يفيد الظنّ، و الظنّ الحاصل منه حجّة، فالاستصحاب حجّة، أمّا الصغرى فلوجهين:

أحدهما: الوجدان، فإنّ الفطرة السليمة و السجيّة المستقيمة حاكمة بالفرق بين الشكّ في الوجود المسبوق بمثله و العدم المسبوق بعدم آخر، و بين الشكّ فيهما المسبوق كلّ منهما بنقيض الآخر كما في الشكوك الابتدائية، فكما أنّ وقوف مركب القاضي لدى باب‏ (1) الحمّام أمارة ظنّية على كونه فيه‏ (2) و لا ارتباط بينهما، و إلّا كان دليلا، فكذا في المقام، فإنّ الوجود (3) السابق أمارة ظنّية على بقاء الموجود في زمن الشكّ كما لا يخفى على من راجع وجدانه و أنصف من نفسه.

و ثانيهما: جري السيرة القطعية العقلائية على العمل على طبق الحالة السابقة و ترتيب أحكامها حال الشكّ فيها، كما يشاهد ذلك بالرجوع إلى ديدنهم في إرسال المراسيل من المكاتيب و الجوائز و الودائع و الأمتعة و الأقمشة، فإنّهم لا يزالون يتعاملون على هذه الطريقة و يتعاطونها من غير ملاحظة دقيقة احتمال الارتفاع مع كثرة أسبابه و لو احتمالا و لا أقلّ من احتمال سدّ الطريق و عدم بقاء المرسول‏ (4) إليه، بل و عدم بقاء الرسول، إلى غير ذلك ممّا لا يكاد يحصيها نطاق البيان، فهذه الأعمال منهم لا يخلو إمّا أن يكون لا لمرجّح مخصّص لأحد طرفي الوجود و العدم في تلك الأعمال، أو يكون لمرجّح؛ لا سبيل إلى الأوّل، لامتناع صدورها عن العامل بعد فرض الاختيار، فتعيّن الثاني، و هو إمّا أن يكون مرجّحا واقعيا أو مرجّحا ظاهريا؛ لا سبيل إلى الثاني، لانحصار المرجّح الظاهري في أمثال المقام في الاحتياط بمعنى العمل على وجه لعلّه يوصله إلى المطلوب، و لا شكّ في‏ (5) أنّ موارد (6) الأخذ بالحالة السابقة غير

____________

(1). «ج، م»:- باب.

(2). «ز، ك»: في الحمّام.

(3). «ز، ك»: الوجوب.

(4). «ز، ك»: المرسل.

(5). «ز، ك»:- في.

(6). «ز، ك»: مورد.

70

منطبقة غالبا على الاحتياط، فإنّ النسبة بينهما هي العموم من وجه بحسب المورد، و يرشدك إلى ذلك ملاحظة حالهم في إرسال المراسيل، فإنّ المطلوب فيه أمران: سلامة الأمتعة، و وصولها إلى المرسول إليه، و لا يعلم حصول الثاني بالإرسال؛ لاحتمال التلف، فليس هذا من موارد الاحتياط، فتعيّن أن يكون المرجّح مرجّحا واقعيا و ليس في المقام ما يحتمل كونه مرجّحا إلّا الظنّ، فلو لم يفد الاستصحاب الظنّ للزم‏ (1) خلوّ الأفعال و الأعمال في تلك الموارد عمّا يقتضي رجحان أحد طرفي الوجود و العدم، و هو فطري الاستحالة، و ليس لأحد أن يقول باختصاص ما ذكرنا بالأمور المتعلّقة بالمعاش دون الأحكام المرتبطة بالمعاد من الأحكام الشرعية؛ لظهور استقرار بناء أهل الشرع من أصحاب النبيّ و أتباع الأئمّة عليهم أفضل الصلاة و أكمل السلام‏ (2) على العمل على طبق الحالة السابقة في الأحكام المأخوذة عنهم من غير اختلال في ذلك باحتمال النسخ، سيّما النائين عنهم، و يرشدك إلى ذلك ملاحظة حال المقلّدة (3) في أخذ فتاوى المفتين، فإنّهم لا يبالون في العمل بها باحتمال الرجوع عنها (4) و نحو ذلك من احتمال الفسق أو الموت أو الجنون.

و أمّا الكبرى فلوجهين أيضا:

الأوّل: بناء العقلاء على الاعتماد على مثل هذا الظنّ كما سمعت في الأمثلة المذكورة، سواء في ذلك الأمور العرفية أو الشرعية.

فإن قلت: نعم و لكن ما الدليل على اعتبار بنائهم في أمثال المقام.

قلت: الدليل على اعتباره تقرير المعصوم لفعلهم، و رضاؤه بعملهم على طبق الحالة السابقة و اتّكالهم في الأحكام المأخوذة عنهم إلى مثل ذلك، و عدم ردعهم إيّاهم بالأمر بالسؤال عنهم مرّة بعد مرّة؛ ضرورة عدم كون تلك الأحكام مقرونة بما يستفاد

____________

(1). «ج»: لزم.

(2). «ك»: التحيّة.

(3). «ج»: المقلّدين.

(4). «ج»: عنهما.

71

دوامها منه، و احتمال عدم اطّلاعهم على هذا الأمر الشائع بينهم‏ (1) مع كونه بمكان من محلّ ابتلائهم، بمكان من البعد جدّا، بل و مستحيل عادة و إن لم نقل بإحاطة علمهم فعلا، كاحتمال أن يكون ذلك منهم (عليهم السّلام) تقيّة، و إلّا لبطلت الأحكام عن آخرها، و أوضح فسادا من الكلّ وقوع الردع و عدم الوصول إلينا؛ لوضوح توفّر الدواعي على نقل مثل هذه الأمور، لابتلاء العامّة بذلك، فحيث لم نظفر (2) عليه فنعلم بأنّهم (عليهم السّلام) قد وكلهم إلى ما هو المركوز في أذهانهم و المجبول عليه طباعهم كما في غيره من وجوه اختلاف طرق الإطاعة و العصيان، و منه استكشاف المطالب من العبائر و استعلام المقاصد من الدفاتر إلى غير ذلك من النظائر الموكولة إلى عقولهم.

فإن قلت: قد تواترت الأخبار في النهي عن العمل بمطلق ما وراء العلم، و منه الظنّ الحاصل من ملاحظة الحالة السابقة، مضافا إلى الآيات القرآنية و الضرورة الدينية كما مرّ في محلّه‏ (3)، و لا فرق في الرادع بين العموم و الخصوص، فالردع حاصل و الخصم غافل.

قلت: بعد تسليم كفاية العموم في الردع كما هو قضيّة الإنصاف على ما يقضي به الوجدان الخالي عن الاعتساف، أنّ الأدلّة المذكورة لا تنهض ردعا في المقام؛ لما قد تحقّق في مباحث الظنّ‏ (4) أنّ المرجع فيها إلى أمرين، أحدهما: حرمة التشريع، و ثانيهما:

طرح الأصول القطعية في مقابل تلك الظنون، و شي‏ء (5) منهما (6) لا يتمشّى في المقام.

أمّا الأوّل: فظاهر؛ إذ ليس الأخذ بالحالة السابقة من التشريع في شي‏ء، بل التعويل إنّما هو على ثبوت الحكم في الزمن الأوّل، و ليس هذا من إدخال ما ليس من الدين فيه.

____________

(1). «ج»: منهم.

(2). «ج، م»: لم نعثر.

(3). مرّ في بحث الظنّ: ج 3، ص 69- 71.

(4). تحقّق في ج 3، ص 69.

(5). «م»: شيئا. «ج»: إنّ شيئا.

(6). «م»:- منهما.

72

و أمّا الثاني: فلأنّ الأصول المعمولة في قبال الاستصحاب أحد الأصول الثلاثة:

البراءة و الاحتياط و التخيير، و لا دليل على اعتبارها فيما خالف الاستصحاب أحدها؛ لوضوح أنّ عمدة المدرك فيها العقل و بناء العقلاء، و المفروض في المقام أنّ بناءهم على طرح‏ (1) تلك الأصول و الاعتماد على الحالة السابقة، ففيما لو كان الشكّ في التكليف يعوّلون على الحالة السابقة و لا يعتمدون على البراءة كما في استصحاب الوجوب السابق أو الحرمة السابقة، و يأخذون بها فيما (2) كان المورد من مجاري الاشتغال كما في استصحاب عدم وجوب السورة في الصلاة، و بمثله يقولون‏ (3) فيما لو كان المورد من موارد التخيير، فلا تنهض الأدلّة الناهية عن العمل بغير العلم حجّة في المقام، فلا جدوى فيما رامه‏ (4) المعترض‏ (5) من إثبات الردع، نعم لو كان اعتبار تلك الأصول بواسطة الأدلّة السمعية من غير احتمال رجوعها إلى ما يستفاد من العقل، فيصير الأخذ بالاستصحاب المخالف لأحدها طرحا لها من غير دليل، إلّا أنّ من المحقّق في محلّه رجوعها إلى ما يستفاد من العقل، فيتّحد مفادهما.

و تحقيق المقام و توضيحه أنّ المخالف للاستصحاب إمّا أن يكون هو الدليل أو الأصل، فلا كلام‏ (6) في ورود الدليل على الاستصحاب و هو خارج عن مفروض المسألة؛ لوجوب الفحص عن الدليل في موارد الاستصحاب، و أمّا الأصل فلا مجرى له في موارد الاستصحاب لتعويل العقلاء على الحالة السابقة على تقدير كونها مظنونة، و لا يمكن النهي عن العمل بالظنّ الاستصحابي حينئذ و الأخذ بأحد الأصول الموهومة؛ لكونه ترجيحا للمرجوح على الراجح، فلو حصل الظنّ بوجوب شي‏ء (7) في‏

____________

(1). «م»: ترك.

(2). «ج»:+ لو.

(3). «ز، ك، ج»: نقول.

(4). «ج»: لزمه.

(5). «ك»: المفرض (ظ).

(6). «ج، ز، ك»: لا كلام.

(7). «ج، م»: شي‏ء واجب.

73

السابق فكيف يسوغ للشارع النهي عن العمل به و الأخذ بالموهوم، و أمّا ما يرى من النهي عن العمل بالقياس و أضرابه من الظنون الباطلة، فلعدم استقرار بناء العقلاء على العمل به كما في الاستصحاب، و ليس المدار في كلامنا على مجرّد الظنّ، بل الظنّ الخاصّ الذي استقرّ بناء العقلاء على العمل به‏ (1).

فإن قلت: بعد وجود مناط البراءة و تحقّق مدركها في موارد الاستصحاب- و إن كان مفيدا للظنّ- من قبح العقاب بلا بيان، كما في الاحتياط من حكم العقل بلزوم دفع الضرر و لو كان محتملا و لو (2) و هما، لا وجه للقول بطرحها و الأخذ بالاستصحاب؛ إذ الظنّ الاستصحابي لا دليل على كونه بيانا كما أنّه لا دليل على كونه دافعا للضرر، فاللازم هو الأخذ بأحد الأصول دون الاستصحاب.

قلت: لا نسلّم قبح العقاب فيما إذا كان الظنّ الاستصحابي على الخلاف، و كذلك المناط في الاحتياط؛ إذ لا يجب عند العقل دفع الضرر الاحتمالي و إن كان قد يحسن عنده دفعه، و قس عليهما حال التخيير (3)؛ إذ مرجعه حقيقة إلى البراءة. هذا (4) غاية توجيه كلماتهم مع اختلافها غاية الاختلاف.

الثاني‏ (5): أنّ باب العلم في الأحكام العاديّة و الشرعية منسدّ لهم غالبا، و الأخذ بالبراءة و الاحتياط و طرح الحالة السابقة يورث اختلال نظامهم، فلا بدّ من الركون إلى الحالة السابقة و هو المطلوب.

و كلّ من الوجهين المذكورين في بيان الكبرى يظهر منهم كما يشعر بذلك عبارة القوانين‏ (6) فلاحظها، إلّا أنّ المقصود من الوجه الأوّل إثبات حجّية الظنّ‏ (7)

____________

(1). «ج، م»:- به.

(2). «ج»:+ كان.

(3). «ج، م»: و قس حال التخيير عليهما.

(4). المثبت من «ج»، و في سائر النسخ: و هذا.

(5). تقدّم الأوّل منهما في ص 70.

(6). انظر القوانين 2: 57- 58.

(7). «م»: ظنّ.

74

الاستصحابي و لو لم نقل بمطلق المظنّة، و المقصود من الثاني اندراجه في دليل الانسداد على ما حرّرنا كلّا من الوجهين بما لا مزيد عليه.

و مع ذلك فوجوه النظر ممّا لا يكاد يخفى على أحد:

أمّا أوّلا: فبمنع الصغرى،

فإنّه إن أريد أنّ الاستصحاب مفيد للظنّ في جميع موارده، فيكذّبه‏ (1) الوجدان، فإنّ من المشاهد بالعيان عدم إفادته الظنّ في جملة منها، بل و لم نر من ادّعى ذلك أيضا و إن حكم بعضهم بدوران اعتباره مدار الظنّ، و مع ذلك فقد رموه بالمخالفة كلّ المخالفة.

و إن أريد أنّه لو خلّي و طبعه و من حيث ملاحظته في نفسه مع قطع النظر عمّا يوهن ذلك من القضايا الخارجية و الأمور المكتنفة بالواقعة الاستصحابية، مفيد للظنّ و إن لم يفده في بعض الأحيان لبعض الموانع، فلك أن تقول: إنّه في نفسه لا يفيد الظنّ و ان كان قد يفيده باعتبار أمر خارج كالغلبة، بل و لعلّه كذلك أيضا، فإنّ التدبّر في موارده يقتضى بأنّ منشأ الظنّ في محلّ حصوله إنّما هو الغلبة في منشأ الشكّ و سبب الاشتباه و يدور الظنّ مدار وجود الغلبة، و الذي يرشدك إلى ما ذكر- من أنّ مجرّد الحالة السابقة ليس سببا لحصول الظنّ بعد امتناع الظنّ بالمعلول مع الشكّ في العلّة كما يساعد عليه الاعتبار الصحيح- أنّ ذلك يستلزم أن يكون حصول الظنّ من الأفعال الاختيارية التي لا واقع لها إلّا بعد الاختيار مع أنّ الضرورة قضت بكونه كالعلم من الأمور الواقعية التي لها أسباب واقعية، غاية ما في الباب أنّ المكلّف لو حاول تحصيل واحد منهما من ملاحظة أسبابهما الواقعية يمكن له ذلك. و أمّا اللزوم المذكور فيظهر بملاحظة ما لو (2) علم بالاشتغال بالصلاة مع جهل القبلة و انحصارها في جهتين- مثلا- عند المكلّف، فإن أراد أن يظنّ‏ (3) بالاستصحاب أنّ القبلة في طرف، يصلّي أوّلا في غير

____________

(1). «ج»: فتكذّبه.

(2). «م»:- لو.

(3). «ز، ك»: أنّ الظنّ.

75

ذلك الطرف، فيستصحب الاشتغال و يظنّ ببقاء (1) التكليف، و هو يلازم الظنّ بكون القبلة في الطرف الباقي؛ إذ المفروض انحصار الجهة في الباقي، و من المعلوم أنّ الظنّ ببقاء التكليف لا يعقل بدون الظنّ بكون القبلة في الجهة الباقية، و إن أراد أن يظنّ‏ (2) بكون القبلة في غير ذلك الطرف، يصلّي أوّلا في ذلك الغير، فيستصحب التكليف فيظنّ ببقائه، و يلازمه‏ (3) الظنّ بكون القبلة في الجهة الباقية على نحو ما عرفت في عكس ذلك في الصورة الأولى، بل لك أن تقول: ذلك يستلزم حصول الظنّ على طرفي الخلاف‏ (4)، فإنّا لو حاولنا إملاء حوض من الماء فبعد وصول الماء إلى حدّ مخصوص من الحوض نشكّ في كونه كرّا، فباستصحاب عدم الكرّية يحصل الظنّ بعدمها، و لو كان ذلك الحوض مملوّا من الماء و علمنا بكونه مقدار الكرّ، ثمّ انتقص‏ (5) الماء إلى أن وصل إلى ذلك الحدّ المخصوص المفروض في العكس، فباستصحاب الكرّية يحصل الظنّ بكونه كرّا مع ظهور امتناع كون المقدار المخصوص مظنون الكرّية و عدمها، و من هنا طعن بعض الأخباريين على المجتهدين بأنّه كيف يمكن‏ (6) حصول الظنّ على طرفي الخلاف، فالقول بأنّ مجرّد الحالة السابقة من أسباب الظنّ واه جدا.

و أمّا ما استند إليه المستدلّ بانحصار المرجّح الواقعي في الظنّ، فلا دلالة فيه على كون السبب فيه هو الحالة السابقة؛ إذ لعلّه يستند إلى الغلبة كما قد تقوّى في بعض الموارد على ما ستعرف.

و أمّا ثانيا: فبمنع الكبرى،

فلأنّ المستدلّ إن أراد تقرير المعصوم في العمل بالظنّ الاستصحابي في أمور معاشهم من غير ارتباط بالأحكام الشرعية كما في أكثر الأمثلة الموردة (7) عن القائلين به ظنّا، فما علينا من إبطال ذلك أو إحقاقه فعهدته على مدّعيه.

____________

(1). «ز، ك»: بقاء.

(2). المثبت من «م» و في سائر النسخ: «أنّ الظنّ».

(3). «ج»: يلازم.

(4). «م»:- الخلاف.

(5). «ز، ك»: نقص.

(6). «ز، ك، م»:- يمكن.

(7). «م، ج»: الموروثة.

76

و إن أراد إثبات التقرير بالعمل به في موضوعات الأحكام، فقد قام الإجماع على عدم جواز العمل بالظنّ فيها حتّى من القائلين بمطلق الظنّ- أعاذنا اللّه منه- و التقرير فيه غير موجود؛ لوجود الأدلّة الرادعة فيها من قوله: «كلّ شي‏ء مباح حتّى تعلم أنّه حرام» (1) و «إنّ كلّ شي‏ء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (2) و نحوهما ممّا يدلّ على عدم جواز التعويل بغير العلم، و المفروض أنّ الاستصحاب منه بعد؛ لعدم دلالة على اعتباره حينئذ، و إن أراد دعوى استقرار بناء العقلاء في الأحكام الشرعية على الأخذ بالحالة السابقة، فممنوعة، فضلا عن تقرير المعصوم عن ذلك.

و أمّا ما استند إليه من استصحاب عدم النسخ في الأحكام المأخوذة عنهم (عليهم السّلام) بالنسبة إلى أصحابهم و أتباعهم، فيرد عليه: أنّا لا نسلّم أنّ‏ (3) استنادهم في ذلك إلى مجرّد الاستصحاب، بل العلم العاديّ حاصل لهم بعدم النسخ، و منه يظهر الوجه في منع العمل بالفتاوى بالنسبة إلى المقلّدة بواسطة الاستصحاب عند الشكّ في موت المفتي أو حياته‏ (4)، كيف و الأدلّة الناهية عن العمل بالظنّ فوق حدّ الإحصاء. و (5) قول المستدلّ بعدم‏ (6) الكفاية في الردع، ممنوع‏ (7)؛ للقطع بالكفاية و إن كان يحسن المنع بالخصوص أيضا، مثلا لو شرب الخمر بمحضر من الإمام فعدم ردعه لو فرض لا يدلّ على جواز شربه بعد ما قرع الأسماع‏ (8) قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ [وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ‏] رِجْسٌ‏ (9) نعم يحسن ذلك إجمالا، فيدور مدار الموارد، و أمّا ما زعمه من عدم دلالتها على الردع بواسطة رجوعها إلى نفي التشريع- و الاستصحاب‏

____________

(1). وسائل الشيعة 17: 89، باب 4 من أبواب ما يكتسب به، ح 4، و فيه: «كلّ شي‏ء لك حلال ...».

(2). وسائل الشيعة 3: 467، باب 37 من أبواب النجاسات، ح 4، و فيه: «كلّ شي‏ء نظيف ...».

(3). «ج، م»:- أنّ.

(4). «م»: جنونه.

(5). «ج، و»:- و.

(6). «ج، م»: لعدم.

(7). «ج، م»:+ عليه.

(8). «ك»: الاستماع.

(9). المائدة: 90.

77

ليس منه- فهو باطل؛ إذ الاستصحاب بعد لم يثبت اعتباره، و العمل بأمارة حالها كذلك تشريع قطعا؛ إذ الأخذ بالحالة السابقة ليس موافقا للاحتياط في جميع الموارد، فلا ينفكّ عن التشريع البتّة.

و أمّا طرح الأصول القطعية من البراءة و الاحتياط و التخيير، فلزومه على تقدير الاستصحاب و الأخذ به قطعي، و لا ينافيه استقرار بناء العقلاء على العمل به بعد عدم دليل على اعتباره، كما في غير الاستصحاب من الظنون المعمولة عند العقلاء الممنوع عنها شرعا كالظنّ الحاصل من قول البريد و المراسيل، و القول باعتبار تلك الأصول عقلا لا ينافي ذلك؛ إذ المفروض قطع العقل باعتبار البراءة عند الشكّ أو ما يرجع إليه من الظنون المشكوكة التي منها الاستصحاب، و كذا الاحتياط؛ إذ الحكم به في موارده قطعي على ما تقضي‏ (1) به صراحة العقل، فتلك الأدلّة الناهية تدلّ على أنّ الظنّ ليس مناطا للإطاعة و المخالفة و لا يكفي في تحصيل الثواب و المنفعة و في دفع العقاب و المضرّة، فكيف يمكن القول بعدم كفاية مثل هذه الأدلّة في الردع‏ (2)؟ فالظنّ‏ (3) الحاصل من الاستصحاب في نظر الشارع كعدمه كالظنّ الحاصل من القياس.

و أمّا ما رامه المستدلّ من إثبات حجّية الظنّ الاستصحابي بالخصوص، فمناف لما قرّره من قوله: فكيف يسوغ للشارع النهي عن العمل به و الأخذ بالموهوم؟ فإنّ ذلك على فرض صحّته‏ (4) لا يقضي بخصوص الاستصحاب، بل مقتضاه اعتبار مطلق الظنّ كما هو ظاهر، و أفسد من ذلك كلّه منعه عن استقرار بناء العقلاء على العمل بالقياس أو إناطة بعض الأمور المتعلّقة بهم‏ (5) ممّا لا يمكن إنكاره.

و أمّا ما أورده من الوجه الثاني في مقام إثبات الكبرى من اندارجه تحت مطلق‏

____________

(1). «ك»: يقضي، و في «ج»: يقتضي.

(2). «ز، ك»: النزاع.

(3). «ج»: و الظنّ.

(4). «ز، ك»: حجّيته.

(5). «ز، ك»: به، و كذا كتب فوقها في نسخة «م».

78

الظنّ الثابت اعتباره بدليل الانسداد، فقد فرغنا عن تحقيقه و تنقيحه صحّة و فسادا بما لا مزيد عليه في مباحث‏ (1) الظنّ، فليراجع ثمّة.

و أمّا ثالثا: فبعد تسليم المقدّمتين لا ريب في عدم انتهاضه بتمام المدّعى؛ لاختصاصه بالاستصحاب المفيد للظنّ، و المدّعى- بقرينة الأخذ به و الرجوع إليه في موارد لا يفيد الظنّ كالنجاسة و الطهارة كما يظهر من ديدنهم و يوضحه تقديمهم الأصل‏ (2) على الظاهر- أعمّ من المفيد له و من غيره.

فإن قلت: عدم إفادة الاستصحاب الظنّ في جميع الموارد إنّما يضرّ (3) فيما لو أراد المستدلّ القول بإفادته الظنّ الشخصي و ليس كذلك، بل قد يكون المستدلّ من أرباب الظنون النوعية، فيتمّ الاستدلال؛ إذ لا أقلّ من القول بإفادة الاستصحاب في الموارد المتخلّف عنها الظنّ أنّه لو خلّي و طبعه يفيد الظنّ.

قلت: و مع ذلك أيضا ممّا لا يكاد يتمّ؛ لظهور الفرق بين الاستصحاب و غيره من الأدلّة الظنّية، فإنّ عدم إفادة الاستصحاب الظنّ في صورة دليل على خلافه ليس بواسطة وجود المانع عن إفادته الظنّ كما هو كذلك في سائر الأدلّة الظنّية بملاحظة امتناع قيام الظنّ على طرفي الخلاف، بل بواسطة عدم المقتضي، فإنّ الظاهر على ما يساعد عليه كلماتهم أنّ شرط إفادة الاستصحاب الظنّ هو عدم الظنّ الخارجي على خلافه، يدلّ على ذلك قول العضدي‏ (4) في أوّل الاستصحاب: «و لم يظنّ عدمه» و إلّا لما كان لأخذ القيد المذكور وجه؛ ضرورة استحالة اجتماع الظنّين على طرفي النقيض، فأخذ هذا القيد يدلّ على أنّ من جملة أجزاء المقتضي للظنّ الاستصحابي هو عدم الظنّ الخارجي، فلا ينافي القول بالظنّ النوعي عند قيام الظنّ على خلاف‏

____________

(1). «م»: فيما مرّ من. و في «ج»: فيما مباحث.

(2). «ز، ك»: تقديم الأصل.

(3). «ز، ك»: يظهر.

(4). شرح مختصر المنتهى: 453، و تقدّم نقله عنه في ص 11.

79

الاستصحاب، لعدم المقتضي للظنّ إذا، و لا أقلّ من بقاء المقتضي في الظنون النوعية، و هذا هو السرّ في تقديم سائر الأدلّة الظنّية على الاستصحاب على تقدير القول به ظنّا مع كونه من الأدلّة الاجتهادية أيضا على ما ستعرف في محلّه إن شاء اللّه‏ (1).

و أنت بعد ما أحطت خبرا بما تلونا (2) تقدر على رفع ما عساه أن يقرّر الوجه المذكور بتقريب أنّ بناءهم مستقرّ على الأخذ بالحالة السابقة تعبّدا عقلائيا من غير إناطة لحصول الظنّ؛ إذ- بعد الغضّ عن عدم معقولية كون الشكّ مرجّحا، لاستلزامه الترجيح بلا مرجّح، فلا يعقل دعوى استقرار بناء العقلاء على مثله- عدم دليل على اعتبار بنائهم، على أنّه لم يذهب إليه فيما وجدناه وهم، فإنّ الظاهر من القدماء اعتباره ظنّا و إن كان قد يوهم ذلك بعض وجوه احتجاجاتهم كما أومأنا إليه فيما تقدّم، فتذكّر.

ثمّ إنّ السيّد الصدر المحقّق قد أورد في المقام كلاما (3) و سلك في انتهاض الدليل على مطلبه مسلكا جديدا و طرزا طريفا لا بأس بذكر كلامه حتّى تحرّى في الاعتراض عليه على منواله، فقال: إنّ العقل إذا لاحظ الممكن- الذي‏ (4) شأنه دوامه بدوام علّته التامّة و زواله بزوالها في زمان يكون من المحتمل عنده أن تحدث علّة الزوال و هي زوال‏ (5) جزء (6) من أجزاء العلّة التامّة فيعدم الممكن، أو لا تحدث فيبقى الممكن لوجود علّة الوجود- يرجّح جانب الوجود مع ملاحظة تحقّقه السابق و إن كان هو و العدم متساويين في النظر مع ملاحظة (7) حدوث علّة العدم‏ (8) و عدم حدوثها، فيكون الوجود معلوما متيقّنا أوّلا، و مشكوكا فيه مع قطع النظر عن اليقين السابق ثانيا، و مظنونا بعد ملاحظة اليقين السابق ثالثا، و لا يجوز لعاقل أن يدّعي أنّ نسبة وجود قرية رآها على ساحل بحر كان احتمال خرابها به و بقائها متساويين إلى عدمها عنده، كنسبة وجود

____________

(1). «ز، ك»:- إن شاء اللّه.

(2). «ج، م»:- بما تلونا.

(3). «ز، ك»: في المقام لطيفا.

(4). في المصدر: الممكن الموجود الذي من شأنه.

(5). في المصدر: «عدم» بدل: «زوال».

(6). «ج، م»: جزء زوال.

(7). في المصدر:+ تساوي.

(8). «ج»: القدم.

80

قرية أخرى إلى عدمها عنده مع تساوي احتمالي بقائها و عدمه، كيف و هو يسافر بقصد التجارة إلى الأولى دون الثانية، و معلوم أنّ هذا الرجحان لا بدّ له من موجب؛ لأنّ وجود كلّ معلول يدلّ على وجود علّة له إجمالا، و ليست هي اليقين المتقدّم بنفسه؛ لأنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم، و يشبه‏ (1) أن يكون هي كون الأغلب في أفراد الممكن القارّ أن يستمرّ وجوده بعد التحقّق، فيكون رجحان وجود هذا الممكن الخاصّ للإلحاق بالأعمّ الأغلب، قال: هذا إذا لم يكن رجحان الدوام مؤيّدا بعادة (2) أو أمارة أخرى، و إلّا فيقوّى بحسب تلك الأمارة و العادة، و قس على الوجود حال العدم إذا تيقّنّا (3)، مع أنّ استمرار العدم الازلي للممكن الحادث إلى وقت تمام‏ (4) علّته التامّة يقيني‏ (5)، انتهى كلامه رفع مقامه‏ (6).

و هو (رحمه اللّه)(7) و إن دقّق النظر فيما ذكره إلّا أنّ الحقّ أحقّ بأن يتّبع، فنقول في الجواب عنه:

أمّا أوّلا: فبالنقض بالموارد التي لا يفيد ظنّا مع وجود الغلبة المذكورة، بل قد عرفت امتناع حصول الظنّ في بعض المقامات‏ (8) و إلّا لزم إمّا حصول الظنّ على وجه اختياري، و إمّا قيام الظنّ على طرفي النقيض كما مرّ مفصّلا.

و أمّا ثانيا: فبالحلّ، و تحقيقه أنّ هذه الغلبة لا يمكن أن تصير (9) سببا لحصول الظنّ، أمّا إجمالا فلأنّ الغلبة و الاستقراء لا يعقل أن يكون سببا للظنّ إلّا بعد انتزاع القدر الجامع بين الأمور المستقرأة فيها و بين المشكوك على وجه يظنّ بكونه مناطا في الحكم الساري في الأفراد، و وجود مثله ممنوع، و الأعمّ منه كالوجود غير حجّة.

____________

(1). «ج»: نسبة!

(2). «ج، ز»: لعادة.

(3). في المصدر: إذا كان يقينيا.

(4). في المصدر: أن تتمّ.

(5). شرح الوافية (مخطوط) 128/ أ.

(6). «ز، ك»:- رفع مقامه.

(7). «ج، م»:- (رحمه اللّه).

(8). «ز، ك»: المقدّمات.

(9). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يصير.

81

و أمّا تفصيلا فبيانه‏ (1) يتوقّف على تحقيق معنى الغلبة و أقسامها، فنقول: هي‏ (2) عبارة عن كون الجزئيات المندرجة تحت كلّي في الأكثر على حالة واحدة بحيث يظنّ إلحاق المشكوك منها- مع قطع النظر عن ملاحظة تلك الجزئيات- بها بعد ملاحظتها، و الاستقراء عبارة عن تصفّح الجزئيات لإثبات حكم المشكوك و إلحاقه بها، و لا ريب أنّ مجرّد ملاحظة الجزئيات مع قطع النظر عن استكشاف الجامع بين الأفراد لا يعقل أن يكون مفيدا للظنّ، و إلّا يلزم أن يكون الجزئي كاسبا و مكتسبا، بل لا بدّ من الظنّ بالقدر الجامع ليترتّب عليه الظنّ بالنتيجة، و من هنا يظهر الوجه في انحصار الحجّة في القياس؛ لأنّ الاستقراء و التمثيل ما لم يستخرج منهما القدر الجامع‏ (3) يمتنع منه‏ (4) حصول الظنّ، و على تقدير الاستخراج ينقلب قياسا، غاية الأمر فيما إذا لم يكن الاستقراء أو التمثيل قطعيا يكون إحدى مقدّمتي القياس ظنّية، فتكون‏ (5) النتيجة أيضا ظنّية؛ لتبعيتها (6) أخسّ مقدّماتها (7)، فالفرق بين الغلبة و الاستقراء- على ما نبّهنا عليه- أنّها صفة الأفراد، و الاستقراء وجدانها كذلك، و قد يكون ملاحظة بعض الأفراد مفيدة للظنّ بالقدر الجامع و هذه و إن كانت ملحقة بالاستقراء حكما إلّا أنّ الواقع خروجها منه موضوعا، و بمثله نقول في الغلبة أيضا.

و أمّا لو فرض عدم استخراج القدر الجامع إمّا للشكّ في وجوده أو للقطع بعدمه، فلا ريب في امتناع حصول الظنّ، فلا يمكن إلحاق الفرد المشكوك، و ذلك كما إذا احتملنا أو علمنا بأنّ الحكم في كلّ واحد من الأفراد مسبّب عن سبب خاصّ غير مشترك بين الفردين من النوع مثلا، فلو علمنا بوجود دود في الدار فبغلبة بقاء

____________

(1). «ج»: فبأنّه.

(2). «ز، ك»: «الغلبة».

(3). «ز، ك»: منهما التقدير.

(4). «م»: فيه.

(5). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: فيكون.

(6). «ز، ك»: لتبعية النتيجة.

(7). «م»: مقدّماتهما.

82

الأشياء القارّة كالأرض و السماء و الماء و الهواء لا يصحّ الحكم ببقائه كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الغلبة قد تكون‏ (1) جنسية و هي ما إذا كانت الأفراد الموجودة على صفة أفراد الجنس‏ (2)، كما إذا شككنا في استدارة جسم من الأجسام السفلية من المعادن أو النبات‏ (3) أو الحيوان- مثلا- فإنّه يحكم فيه بعدمها؛ لأنّ الغالب في الموجودات الجسمانية المركّبة عدم الاستدارة، ثمّ إنّ الغلبة الجنسية كنفس الأجناس متدرّجة في المراتب، و الفرض غير خفيّ، و قد تكون‏ (4) نوعية كما في أفراد الإنسان فيما إذا وجدناها (5) على صفة واحدة ككونها في الأغلب على رأس واحد مثلا، و قد تكون صنفية كما في أفراد الزنجي فإنّ الغالب فيها السواد مثلا، و قد يختلف ذلك باختلاف الأصناف المندرجة تحت صنف فقد يكون أهل بلد (6) مخصوص من الزنج على خلاف أفراد الصنف المطلق، كما في الغلبة الجنسية أيضا تصير مختلفة على ما عرفت، و لا شكّ في حصول الظنّ من الأقسام المذكورة، و لا بدّ من الأخذ به أيضا على تقدير القول به أعاذنا اللّه منه بحقّ محمّد و آله‏ (7)، و لكن ذلك فيما إذا لم تكن‏ (8) الغلبة معارضة (9) بغلبة أخرى.

و أمّا إذا تعارضت الغلبتان الجنسية و النوعية أو الصنفية أو أصناف الصنف كما لا يخفى، فالتحقيق‏ (10) هو الإلحاق بالغلبة الخاصّة في جميع المراتب؛ لأنّ منشأ الإلحاق في الغلبة هو الظهور على ما عرفت، و الغلبة النوعية أشدّ ظهورا من الغلبة الجنسية، و الصنفية أظهر من النوعية، و الصنف الخاصّ أظهر من الصنف المطلق، فبالحقيقة يرجع التعارض إلى تعارض الظاهر و الأظهر، و لا شكّ في تقديم الأظهر على الظاهر

____________

(1). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يكون.

(2). «م»: أفرادا للجنس.

(3). «ز، ك»: النباتات.

(4). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: يكون، و كذا في المورد الآتي.

(5). «م»:- ها.

(6). «ز، ك»: مثل بلد، و في «ج»: هذا عليه.

(7). «ز، ك»:- بحقّ محمّد و آله.

(8). المثبت من «ك» و في سائر النسخ: لم يكن.

(9). «ج»: متعارضة.

(10). «ز، م»: التحقيق.

83

على ما هو المعهود من تقديم الخاصّ على العامّ.

و السرّ فيه هو أنّ العقل يلاحظ المشكوك بما هو أقرب منه، مثلا لو فرضنا أنّ محلّة من محلّات بلدة تقضي بأن تكون أهلها على صفة، و نفس تلك البلدة تقضي بأن تكون على صفة أخرى، فعند الشكّ في لحوق فرد من تلك المحلّة بأهلها أو بأهل بلدها، فلا ريب في أنّ العقل إنّما يستكشف حكمه من أهل تلك المحلّة دون تلك‏ (1) البلدة، و أمثال هذه المطالب ممّا لا ينبغي الاشتباه فيها، بل ممّا لا يكاد يشتبه على ما هو ظاهر (2).

و إذ قد عرفت ما مهّدنا (3) فنقول: إنّ التمسّك بغلبة بقاء الممكنات القارّة ممّا لا يجدي في الحكم ببقاء الأحكام الشرعية إلحاقا لها بالأعمّ الأغلب كما صدر عن السيّد الصدر، لما عرفت من أنّ الغلبة لا يمكن حصول الظنّ منها (4) إلّا بعد استخراج القدر الجامع القريب، و انتفاؤه في محلّ‏ (5) الكلام ممّا لا يعتريه أثر الشكّ، فإنّ القول ببقاء قطرة من الماء في ثوب زيد حال الشكّ فيه إلحاقا لها بوجود الأرض و السماء و البحار و الهواء، لعلّه يقرب من أن يكون من مضحكات الثكلى.

فإن قلت: إنّ هناك مرحلتين: الأولى: أصل بقاء الشي‏ء المشكوك بقاؤه و ارتفاعه، الثانية: مقدار بقائه على تقدير البقاء، و الذي لا يمكن إلحاقه من الأحكام الشرعية كالخيار- مثلا- بالموجودات القارّة، لعدم القدر الجامع بينهما، هو مقدار البقاء دون أصل البقاء، و لعلّ السيّد إنّما قال بالإلحاق في المرحلة الأولى دون الثانية، فإنّه لا بدّ في المرحلة الثانية (6) من ملاحظة الأحكام الصادرة من الموالي بالنسبة إلى عبيدهم، و ملاحظة استعداد مقدار بقائها، و بعد إحراز ذلك يحكم بالإلحاق، و لم يظهر منه مخالفة

____________

(1). «ز، ك»:- تلك.

(2). من قوله: «بل ممّا» إلى هنا ليس في «ز، ك».

(3). «م»: مهّدناه.

(4). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: «منه».

(5). «ج، م»: محالّ.

(6). «ج، م»: فإنّه في المرحلة الثانية لا بدّ.

84

في ذلك.

قلت: لا شكّ في اعتبار الوجود في الجملة و لو في زمان ما في الاستصحاب، و بعد الوجود لا بدّ من الشكّ في البقاء و الارتفاع، و ما يطلب من الاستصحاب هو مقدار البقاء لا أصل البقاء، فإنّه عبارة عن الوجود الثابت في الزمان الثاني في الجملة، و هو معلوم في الأغلب، و لو رام إلى استصحاب أصل البقاء فهو أيضا فاسد؛ إذ المفروض أنّه لا شكّ في البقاء في الجملة، فلا يعقل الاستصحاب فيما لا يعقل فيه الشّك، و من هنا يظهر عدم استقامة ما أفاده المحقّق القمي (رحمه اللّه)(1)- (2) في توجيه ما أفاده السيّد، و لعلّك بعد الإحاطة بما قرّرنا لك تقدر على استنباط وجوه النظر في كلام الموجّه أيضا.

و أمّا ثالثا: فلأنّ بعد تقدير التسليم عن إفادة الغلبة الظنّ بوجود المشكوك، فالمستدلّ بها مطالب بالدليل على اعتبار الظنّ، و لعلّه مبنيّ على القول بمطلق الظنّ، و قد عرفت فيما حقّقنا لك من مباحث الظنّ عدم دلالة دليل على اعتباره كما أومأنا إليه‏ (3) في الردّ على الوجه الثاني في تقرير الكبرى من الدليل الثاني‏ (4) و إن لم يكن المناقشة فيما يكون مبنيّا على أصل بإنكار ذلك الأصل مرغوبا إليها عند أرباب النظر و التحصيل، و لكنّ الذكرى تنفع‏ (5).

فالأولى في تقرير الغلبة لو قلنا باعتبارها أن يقال: إنّ‏ (6) الغالب في الأحكام الصادرة من الموالي إلى العبيد أو خصوص الأحكام الشرعية هو البقاء، ففيما إذا شكّ في بقاء حكم منها و ارتفاعه يحكم العقل ظنّا بإلحاقه بالأغلب.

و لكنّه مع ذلك لا يكاد يتمّ؛ إذ هو موقوف على استخراج القدر الجامع من الغلبة النوعية أو الصنفية، و دعوى ذلك في الأحكام الشرعية عهدتها على مدّعيها؛ ضرورة

____________

(1). «ز، ك»:- (رحمه اللّه).

(2). القوانين 2: 57.

(3). أومأ إليه في ص 77- 78.

(4). كذا. و الصواب الثالث.

(5). «ز، ك»: قد تنفع.

(6). «ج، م»: بإنّ.

85

انتفائه فيما إذا شكّ في استعداد الحكم الشرعي، إذ لا طريق لنا إلى العلم بمقدار استعداده حتّى يقال بإلحاقه على الأحكام العرفية (1) على تقدير العلم باستعدادها.

و إن شئت التوضيح فلاحظ فيما إذا شككت في عروض مانع للحكم الشرعي أو مانعية عارض له، فإنّه لا يمكن أن يقال- فيما إذا شكّ‏ (2) في وجود البول بعد الطهارة- إنّ أمر السيّد الفلاني عبده بشراء لحم، و الآخر بضرب زيد، و الآخر بإكرام عمرو، و الآخر بضيافة خالد، لم يعرض له مانع، فكذلك لم يعرض المانع للطهارة، كما أنّه لا يمكن أن يقال- فيما إذا شكّ في مانعية المذي للوضوء- إنّ‏ (3) قلع الأشجار و جري الأنهار و دوران الفلك الدوّار و غيرها من الممكنات غير مانع، فالمذي أيضا غير مانع.

فقد ظهر من جميع ما مرّ عدم صحّة الاستناد إلى الغلبة في الاستصحاب، فإنّها لا تصير منشأ لحصول الظنّ منه، و الذي يمكن أن يقال في المقام هو أنّا نرى العقلاء مطبقين على الأخذ بأحكام الحالة السابقة فيما إذا شكّ في المانع بأقسامه بعد إحراز المقتضي، سواء كان في الوجوديات أو في العدميات، و إن لم نعلم بالوجه في ذلك فلا نعلم أنّ ذلك منهم مبنيّ‏ (4) على الاستصحاب‏ (5) أو على قاعدة العدم، و ستعرف‏ (6) لذلك زيادة تحقيق و تنقيح في بعض الهدايات الآتية.

و أنت بعد ملاحظة ما اقتصرنا عليه من ذكر الحجج الظنّية و إيراداتها (7) تقدر على دفع سائر الوجوه التي لم نذكرها و هي كثيرة جدّا، فلاحظها تهتدي إلى وجوه الإيراد عليها، و اللّه الموفّق و هو الهادي‏ (8) إلى طريق الرشاد و سبيل السداد.

____________

(1). «ك»: إلى الأحكام الفرعية، و في «ج»: بإلحاقه بالأحكام الشرعية.

(2). من قوله: «في عروض مانع» إلى هنا سقط من «ز، ك».

(3). «ز، ك»: و انّ.

(4). «ك»:- منهم، و في «م»: مبنيّ عنهم، و في «ز»: مبنيّ منهم.

(5). «ج»: قاعدة الاستصحاب.

(6). ستعرف في ص 231.

(7). «ج، م»: إيرادها.

(8). «ز، ك»: فلاحظها و اللّه الهادي.

86

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

87

هداية حاوية للنهاية و البداية [في ذكر أدلّة حجّية الاستصحاب‏]

قد عرفت فيما تقدّم عدم دلالة العقل على اعتبار الاستصحاب على ما رامه المثبتون بأذيال الوجوه الظنّية.

و أمّا الكتاب العزيز فقد يظهر من بعض‏ (1) من لا مساس‏ (2) له بالفنّ الاستناد إلى بعض الآيات، و نحن و إن استقصينا التأمّل في تقريبه ما وقفنا على محصّل منه إلّا أنّ أمثال هذه التقريبات من أمثاله غير عزيز.

و أمّا الإجماع على إثبات‏ (3) القاعدة السارية في تمام الموارد، فلم نقف على ناقل منه أو محصّل له.

و أمّا التمسّك بالأدلّة الدالّة على ثبوت الحالة السابقة حال اليقين بتقريب أنّها دالّة على ثبوت الأحكام المشكوكة في اللاحق استلزاما، فليس بشي‏ء أيضا؛ لعدم الملازمة بين ثبوت الشي‏ء و دوامه، فإنّ ما ثبت جاز أن يدوم و جاز أن لا يدوم.

و أمّا الأخبار المرويّة عن السادة الأطهار (عليهم السّلام) فمستفيضة في هذا المضمار:

____________

(1). في هامش النسخ ما عدا «ج»: (هذا «ز، ك») إشارة إلى ما حكاه البعض عن بعض مشايخ الكشفية من التمسّك بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ‏ [الرعد: 11] «منه».

(2). «ك»: لا أنس.

(3). «ز، ك»:- إثبات.

88

[استدلال بالاخبار العامه‏]

[1- صحيحه زرارة الاولى‏]

منها: ما رواه شيخ الطائفة المحقّة في التهذيب عن شيخه المفيد عن أحمد بن محمّد بن الحسن عن أبيه عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن حسين بن [الحسن بن‏] أبان جميعا عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن زرارة قال: قلت له (عليه السّلام): الرجل ينام و هو على وضوء، أ توجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ فقال‏ (1) (عليه السّلام): «قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن، فإذا نامت العين و الأذن و القلب وجب الوضوء» قلت له: فإن حرّك في‏ (2) جنبه شي‏ء و لا يعلم به؟ قال (عليه السّلام): «لا، حتّى يستيقن أنّه قد نام حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن، و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه، و لا ينقض‏ (3) اليقين أبدا بالشكّ، و لكن ينقضه بيقين آخر» (4).

و توضيح المقام في تقريب المرام يحتاج إلى رسم أمرين:

[الأمر] الأوّل: في بيان سند الرواية، فنقول: قد عدّها عدّة من أصحابنا في عداد الصحاح، بل جعلها صاحب المعالم في المنتقى‏ (5) من المزكّاة في كلّ المراتب‏ (6) بتزكية عدلين.

و مع ذلك فقد نوقش‏ (7) في صحّة سندها: فتارة: بالإضمار، فإنّ كتب الحديث غير التهذيب خالية عنها، و الإسناد إلى الباقر (عليه السّلام) كما في بعض مصنّفات الفنّ غير معتمد عليه بعد خلوّ كتاب الرواية عنه.

و أخرى: بعدم ظهور وثاقة أحمد بن محمّد من مهرة رجال الرجال، و أمّا عدّه من مشايخ الإجازة فلا دلالة فيه على الوثاقة؛ لوجوده في إبراهيم بن هاشم مع أنّ صاحب المعالم يرى روايته من الحسان دون الصحاح، و قد قيل فيه: إنّه أوّل من‏

____________

(1). «ز، ك»: قال.

(2). في المصدر: إلى.

(3). «ج»: تنقض.

(4). التهذيب 1: 8/ 11، باب الأحداث الموجبة للطهارة؛ وسائل الشيعة 1: 245، باب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 1.

(5). منتقى الجمان 1: 124.

(6). «ك»: مرتبة.

(7). «ز، ك»: قد نوقش.

89

نشر أخبار الكوفيين بقم.

فإن قيل: إنّهم ربّما يطعنون على البعض- كما في البرقي- بواسطة روايته عن‏ (1) الضعفاء، و الراوي منه في السلسلة المذكورة هو المفيد و لم يطعن عليه بذلك أحد، فيدلّ على وثاقة المرويّ عنه.

قلت أوّلا: إنّ الطعن إنّما هو فيما إذا علم ضعف الراوي و ليس المقام منه؛ إذ غاية ما يقال في حقّه عدم توثيقه لا ضعفه، و ذلك لا يكفي في الحكم بالضعف بالنسبة إلى الراويّ و إن اكتفي في الرواية.

و ثانيا: إنّ النقل من‏ (2) الراوي يحتمل أن يكون بواسطة الاعتماد عليه و الركون إليه، و يحتمل أن يكون بواسطة الاعتماد على نفس الرواية و لكنّ النقل منه إنّما هو من حيث عدم تفرّق رواة الحديث و اتّصال سنده إلى الإمام (عليه السّلام).

و مع ذلك فلا دلالة في نقل المفيد على وثاقته؛ إذ لعلّه بواسطة الوثاقة على نفس الرواية.

و تارة أخرى: بأنّ حريزا لم يوثّقه غير الشيخ في الفهرست‏ (3) فكيف يمكن أن يكون‏ (4) الرواية من الصحيح على مصطلح صاحب المعالم، بل يظهر من النجاشي‏ (5) القدح فيه.

فإن قيل: إنّ العلّامة أيضا وثّقه في الخلاصة كما يستفاد من‏ (6) عبارة الخلاصة، قال:

حريز- بالراء قبل الياء المنقّطة تحتها نقطتان و الزاي أخيرا- ابن عبد اللّه السجستاني أبو محمّد الأزدي من أهل الكوفة أكثر السفر (7) و التجارة إلى سجستان فعرف بها،

____________

(1). «ز، ك»: من.

(2). «ز، ك»: عن.

(3). الفهرست 162/ 249.

(4). «ك»: من أن تكون، و في «ز، م»: من أن يكون.

(5). رجال النجاشى 144/ 375.

(6). «م»: عن.

(7). في المصدر: كثير السفر.

90

و كانت تجارته في السمن و الزيت، قيل: روى عن أبي عبد اللّه، و قال يونس: لم يسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إلّا حديثين، و قيل: روى عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام)، قال النجاشي: و لم يثبت ذلك، قال الشيخ الطوسي: إنّه ثقة، و قال النجاشي: كان حريز ممّن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد اللّه، و روي أنّه جفاه و حجبه عنه، و هذا القول من النجاشي لا يقتضي الطعن؛ لعدم العلم بتعديل الراوي للجفاء، و روى الكشّي: أنّ أبا عبد اللّه حجبه عنه و في طريقه محمّد بن عيسى، و فيه قول، مع أنّ الحجب لا يستلزم الجرح؛ لعدم العلم بالسرّ فيه‏ (1)، انتهى.

قلنا: أمّا أوّلا: فلا دلالة في هذه العبارة على التوثيق؛ لأنّ نفي الجرح لا يستلزم التعديل، لكونه أعمّ.

و أمّا ثانيا: فلأنّه‏ (2) بعد التسليم فتعديل العلّامة في الأغلب تابع لتعديل الشيخ؛ لحسن ظنّه به، كما يظهر ذلك لمن مارس كلامهما في التعديل، إلّا أنّ ذلك كلّه ممّا لا ضير فيه بعد ما استقرّ التحقيق على اعتبار الرواية الموثوق بها. أمّا حديث الإضمار فلظهور أنّ جلالة شأن الراوي مانعة عن السؤال عن غير الإمام (عليه السّلام)، و الظاهر أنّ الوجه في الإضمار في أمثال هذه الروايات هو تقطيع الأخبار تسهيلا على من حاول الإحاطة بما فيها من الفقرات. و أمّا تعديل أحمد بن محمّد فلا دليل على لزومه سوى أنّه أحد طرق تحصيل الوثوق، و ربّما يحصل من كونه من مشايخ الإجازة ما يزيد على التعديل بمراتب. و أمّا حكاية حريز فكالسابق ممّا لا غائلة (3) فيها بعد الاطمئنان بالصدور، نعم لا يتمّ على مذهب صاحب المعالم بحسب ما اصطلح عليه، و يزيدك توضيحا في وثاقة الرواية نقله لها في المنتقى.

الأمر الثاني في توجيه فقرات الرواية كي يتّضح موضع الحاجة في الاحتجاج،

____________

(1). الخلاصة 63/ 4.

(2). «ج، م»: فلأنّ.

(3). «ز، ك»: و لا غائلة.

91

فنقول: قول السائل: «الرّجل ينام و هو على وضوء» المراد به إمّا تمدّد الأعضاء و إيقاع صورة النوم من المكلّف بالاستلقاء و مدّ الأيدي و الأرجل استعارة، و إمّا الشروع فيما يفضي إلى النوم من مقدّماته مشارفة، و إمّا النوم الحقيقي، بناء على أنّ الخفقة من مصاديقه الواقعية، فلا منافاة بين هذه الفقرة و قوله: «أ توجب الخفقة». و قوله: «ينام و هو على وضوء» يراد به أنّه يحدث النوم و الحال أنّه في زمان مقارن لزمان الوضوء؛ لمكان دلالة الجملة الفعلية على التجدّد و الحدوث بخلاف الجملة الاسمية، فيرتفع التنافي بين قوليه من أنّ «الرجل ينام» و «هو على وضوء» كما توهّم.

و أمّا لفظ «الخفقة» فقال في الصحاح: خفق الرجل: إذا حرّك رأسه و هو ناعس‏ (1).

ثمّ إنّه هل هو سؤال عن مانعية العارض فيكون الشبهة حكمية، أو عن‏ (2) عروض المانع فيكون الشبهة موضوعية؟ وجهان، أظهرهما الأوّل، فإنّ المنساق منها ذلك، و يحتمل بعيدا أن يكون السؤال عن‏ (3) اطّراد حكم النوم في جميع أفراده؛ لاختلافها ظهورا و خفاء بعد العلم بدخولها تحت ماهيّة النوم. و ممّا يوضح ما ذكرنا من ظهور الرواية في السؤال عن الشكّ في مانعية العارض ملاحظة ما رواه الشيخ عن حسين بن سعيد عن فضالة عن حسين بن عثمان عن عبد الرحمن بن الحجّاج عن زيد الشحّام قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الخفقة و الخفقتين؟ فقال (عليه السّلام): «ما أدري [ما الخفقة و الخفقتان‏] إنّ اللّه يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (4) إنّ عليّا (عليه السّلام) كان يقول:

من وجد طعم النوم فإنّما [أ] وجب عليه الوضوء» (5).

ثمّ لا يخفى أنّ قول الإمام (عليه السّلام): «قد تنام العين و لا ينام الأذن و القلب» صريح في عدم الملازمة بينهما، و توهّم عدم الانفكاك ساقط، نعم الظاهر أنّ نوم الأذن يلازم نوم‏

____________

(1). الصحاح 3: 1469.

(2). «م»: من.

(3). «م»:- السؤال عن، و في «ج»:- عن.

(4). القيامة: 14.

(5). التهذيب 1: 8/ 10؛ الاستبصار 1: 80/ 252؛ وسائل الشيعة 1: 254، باب 3 من أبواب نواقض الوضوء، ح 8.

92

القلب و لذا (1) اقتصر الفقهاء على نوم الحاسّتين.

و أمّا قوله: «فإن حرّك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم به» فهو سؤال عن حكم الشكّ في المانع، و محصّله: أنّ مجرّد حصول عدم سماع الصوت الحاصل من التحريك المزبور هل يصلح أن يكون ممّا يستكشف به عن وجود النوم كما في سائر الأمارات، أو لا؟

عكس السؤال الأوّل كما يلوح من ملاحظة نفس السؤال، فإنّ احتمال عروض النوم أو عدم الالتفات إلى التحريك يصحّ أن يقعا مسئولا بهما في الشكّ في عروض المانع بخلاف الشكّ في مانعية العارض. و بعبارة واضحة: إنّ قول السائل: «و هو لا يعلم به‏ (2)» بعد حصول التحريك في جنبه شكّ في أنّ منشأ عدم العلم ما ذا فهل هو عروض النوم أو مجرّد عدم الالتفات إلى الصوت كما قد يحصل للإنسان؟ و هذا يصلح أن يكون شكّا في عروض المانع بخلاف الشكّ في منع العارض؛ إذ لا يحتمل مانعية عدم الالتفات إلى الصوت، للقطع بعدم المانعية، كما لا يحتمل عدم مانعية النوم، للعلم بذلك قطعا، على أنّ الثاني لا يوافقه الجواب كما لا يخفى، و يزيده توضيحا ملاحظة قوله (عليه السّلام):

«لا حتّى يستيقن أنّه قد نام» و قوله: «حتّى يجي‏ء من ذلك أمر بيّن» فإنّ ظهور الجواب في كون السؤال عن الشكّ في عروض القادح و المانع ممّا لا ينكر، و من هنا يظهر أنّ من‏ (3) اقتصر في الاستدلال بهذه الفقرة، ثمّ بالغ في الرّد على المحقّق السبزواري من‏

____________

(1). «م»: و لو، و موضعه في «ج» بياض.

(2). «م، ج»:- به.

(3). المراد به ظاهرا القزويني في ضوابط الأصول: 403 حيث قال: إنّ قوله (عليه السّلام): «لا ينقض» في قوّة الكبرى الكلّية، أي كلّ من كان على يقين من شي‏ء حرم عليه نقضه إلّا بيقين آخر، مضافا إلى أنّ قوله (عليه السّلام): «فإنّه على يقين من وضوئه» كاف في إثبات المطلوب أعني حجّية مطلق الاستصحاب نظرا إلى حجّية منصوص العلّة، و العجب من صاحب الذخيرة حيث نفى حجّية الاستصحاب فيما إذا شكّ في مانعية شي‏ء كالمذي للوضوء، أو شكّ في كون شي‏ء فردا من المانع المعلوم المانعية كالخفقة و الخفقتان إذا شككنا في صدق النوم عليهما مع أنّ [ه‏] مورد الرواية.

93

حيث منعه حجّية الاستصحاب عند الشكّ في منع العارض بأنّ مورد الرواية مخالف، له فقد أخطأ، نعم لو احتجّ بالفقرة الأولى أيضا صحّ الردّ و الإيراد كما أنّه يدلّ على فساد التفصيل بين الموضوعات و أحكامها كما نسب إلى المحقّق المذكور أيضا على الأوّل.

و إذ قد عرفت هذين الأمرين فاعلم أنّ محلّ الاستدلال هو قوله (عليه السّلام): «فإنّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشكّ» و التقريب أنّ قوله: «فإنّه» (1) علّة للجواب المحذوف للشرط المستفاد من قوله: «و إلّا» و قائم مقامه، كما يوجد مثله كثيرا في كلمات الفصحاء، سيّما القرآن العزيز فإنّه مشحون بذلك كما في قوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ‏ (2) و قال أبو الطيّب:

و ان تفق الأنام و أنت منهم‏* * * فانّ المسك بعض دم الغزال‏ (3)

فالتقدير: و إن لم يستيقن فلا يجب الوضوء فإنّه على يقين من وضوئه، فيكون بمنزلة صغرى من القياس، و قوله: «و لا ينقض اليقين بالشكّ أبدا» بمنزلة الكبرى، فتنتج النتيجة المطلوبة؛ لصحّة القياس مادّة و هيئة، و دلالته على هذا التقدير على حجّية الاستصحاب واضحة لا تكاد تخفى على أحد.

و يحتمل أن يقال أيضا: انّ الجواب هو قوله: «و لا ينقض اليقين بالشكّ» و يكون قوله: «فإنّه» إلخ توطئة لذكر الجواب، كما قد تعارف عندهم أمثاله كما يقال: إذا قدمت من السفر فعندك منزل فانزل فيه، و على تقديره أيضا يتمّ التقريب كما هو ظاهر إلّا أنّه بعيد جدّا، سيّما بعد ملاحظة الواو في قوله: «و لا ينقض» إذ الغالب في هذه الاستعمالات هو الإتيان بكلمة الفاء.

و أمّا ما يقال من أنّ حذف الجواب خلاف الأصل، فمدفوع بأنّ خلاف الأصل‏

____________

(1). «ز، ك»:- فإنّه.

(2). آل عمران: 97.

(3). ديوان المتنبى: 224 في مدح سيف الدولة.

94

مجوّز الارتكاب بعد وجود الدليل و يكفي فيه ظهور المقام، نعم في المقام شي‏ء آخر لا يفرق فيه كلا الوجهين و هو احتمال إرادة العهد من اللّام في قوله: «و لا ينقض [اليقين‏]» فإنّ ذكر اليقين في الوضوء قرينة قابلة لصرف اللفظ عن الحقيقة إليه، و لا ينافيه لزوم كلّية الكبرى على التقدير الأوّل؛ إذ يكفي فيها عموم الحكم لأفراد اليقين الوضوئي و لا يقضي بكون اليقين جنسا، لا يقال: إنّ من المحقّق في محلّه مجازية اللام في العهد، فأصالة الحقيقة تقضي باعتبار الجنس، فيتمّ التقريب؛ لأنّه يقال: قد أشرنا إلى دفع ذلك من أنّ أصالة الحقيقة ممّا لا عبرة بها بعد ما تقدّم من ذكر الوضوء و اليقين المتعلّق به، و نظير ذلك الجمل المتعقّبة (1) بالاستثناء، و الأمر الوارد عقيب الحظر، و غيرهما، فإنّ جملة من أرباب الفنّ إنّما أهملوا إعمال أصالة الحقيقة في هذه الموارد نظرا إلى سبق ما يحتمل أن يكون صارفا عن المعنى الحقيقي، سيّما فيما لم يكن بعيدا عن مساق اللفظ كما في المقام، فالإنصاف أنّ دلالة هذه الرواية على حجّية الاستصحاب كانت في غاية الظهور لو كان المراد من اليقين هو جنس اليقين، و بعد وجود ما يحتمل كونه صارفا في المقام فلا يتمّ التقريب إلّا أن يبنى على دعوى وجود مناط الاستصحاب في غير موارد الوضوء، و هذا و إن لم يكن بعيدا إلّا أنّه كما ترى.

فإن قلت: على تقدير أن يكون اللام للجنس أيضا لا وجه للاستدلال؛ إذ لا عموم في الجنس.

قلت: إنّ الجنس المنفيّ يفيد العموم، فيصحّ الاستدلال، و قد يحتمل بعيدا أن يكون المراد باللام هو الاستغراق، إلّا أنّه ضعيف جدّا؛ لأنّه مجاز لا يصار إليه إلّا بدليل، على أنّ ذلك إنّما يستلزم نفي العموم و المقصود لا يتمّ إلّا بعموم النفي.

اللّهمّ إلّا أن يقال بالفرق بين العموم المستفاد من اللام أو من كلمة «كلّ» كما يشهد به ملاحظة الأمثلة في العرف، و لعلّ السرّ في ذلك أنّ العموم المستفاد من لفظ «كلّ»

____________

(1). «ج، م»: المتعقّب.

95

ينحلّ إلى ذوات الأفراد مع قيد الإحاطة، بخلاف عموم اللام فإنّه ينحلّ إلى نفس الأفراد من دون قيد، فيتوجّه النفي‏ (1) إلى القيد في الأوّل دون الثاني، مع أنّ بعضهم قد أفاد (2) أنّ مرجع عموم النفي و نفي العموم إلى ما هو المستفاد من الألفاظ الدالّة على ذلك عرفا، فلا يفرق في ذلك لفظ الكلّ أو اللام، فإنّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (3) يفيد عموم النفي أو يتعسّف في إثبات العموم على تقدير نفي العموم أيضا ببرهان الحكمة؛ إذ لا يتعيّن نفي العموم في ضمن البعض، لاحتمال نفي الكلّ أيضا، فإنّ السالبة الجزئية لا تناقض السالبة الكلّية.

و بالجملة: فالتحقيق أنّ دلالة الرواية على المطلوب تامّة لو لم يكن قيام الاحتمال المذكور، فيا ليته لم يكن و لفظ «أبدا» كما يناسب أحدهما يناسب الآخر أيضا.

[2- صحيحه زرارة الثانية]

و منها: ما رواه الشيخ أيضا في كتاب صلاة التهذيب عن الحسين بن سعيد عن حمّاد عن حريز عن زرارة قال: قلت: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شي‏ء من منيّ، فعلّمت أثره إلى أن أصيب له من الماء، فأصبت و حضرت الصلاة و نسيت أنّ بثوبي شيئا و صلّيت، ثمّ إنّي ذكرت بعد ذلك، قال (عليه السّلام): «تعيد الصلاة و تغسله» قلت:

فإن لم أكن رأيت موضعه و علمت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثمّ صلّيت فرأيت فيه، قال: «تغسله و تعيد»، قلت: فإن ظننت أنّه قد أصابه و لم أتيقّن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا، ثمّ صلّيت فرأيت فيه، قال: «تغسله‏ (4) و لا تعيد الصلاة» قلت: فلم ذاك؟ قال: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك، ثمّ شككت، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا» قلت: فإنّي قد علمت أنّه قد أصاب و لم أدر أين هو فأغسله، قال: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنّه‏ (5) قد أصابها حتّى تكون على يقين‏

____________

(1). «م»: النفس.

(2). «ج، م»: أفادوا.

(3). لقمان: 18.

(4). من قوله: «و تعيد» إلى هنا سقط من «ز، ك».

(5). «م»: أنّها.

96

من طهارتك» قلت: فهل عليّ إن شككت في أنّه أصابه بشي‏ء أن انظر فيه؟ قال: «لا و لكنّك إنّما تريد أن تذهب الشكّ الذي وقع في نفسك» قلت: فإن رأيته في ثوبي و أنا في الصلاة، قال: «تنقض الصلاة و تعيد إذا شككت في موضع منه ثمّ رأيته، و إن لم تشكّ ثمّ رأيته رطبا قطعت و غسلته، ثمّ بنيت على الصلاة؛ لأنّك لا تدري لعلّه شي‏ء أوقع عليك، فليس ينبغي أن تنقض اليقين بالشكّ» (1).

و هذه الرواية الشريفة مع اشتمالها على أحكام شتّى و فقرات لا غبار عليها، ممّا لا ضير في إضمارها (2) و لا في قطعها بعد كون الراوي جليل الشأن رفيع المنزلة عظيم القدر، سيّما بعد ملاحظة ما في العلل‏ (3) من إسنادها إلى أبي جعفر، و وقوع إبراهيم بن هاشم في طريقها ممّا لا يقضي بعدم الوثوق بصدورها على ما هو المناط عند التحقيق في حجّية الخبر و اعتباره من حيث الصدور. و يمكن الاحتجاج بهذه الرواية من وجوه:

الأوّل: قوله (عليه السّلام): «لأنّك كنت على يقين من طهارتك» بعد قول زرارة «و لم ذاك» و التقريب ظاهر مثل ما تقدّم في الرواية الأولى، بل الأمر في المقام أظهر؛ لكونه صريحا في التعليل، فيوجد صغرى مفروضة، و كبرى معلومة، و يستدلّ بهما على النتيجة المطلوبة.

و احتمال العهد في المقام أيضا أظهر من احتماله في المقام الأوّل.

لا يقال: إنّ عموم العلّة المنصوصة في الرواية قاض بالأخذ بها حيث ما وجد، فإنّ‏

____________

(1). التهذيب 1: 421، باب 22، ح 8؛ الاستبصار 1: 183، باب 109، ح 13؛ وسائل الشيعة 3:

466، باب 37 من أبواب النجاسات، ح 1 و ص 477، باب 41 من أبواب النجاسات، ح 1، و ص 479، باب 42 من أبواب النجاسات، ح 2، و ص 482، باب 44 من أبواب النجاسات، ح 1.

(2). لأجل ذلك ناقش في سندها العلّامة الحلّي في منتهى المطلب 3: 296 و في ط الحجري 1:

181.

(3). علل الشرائع: 361، باب 10، ح 1.

97

التحقيق هو الأخذ بعمومها، و قضيّة ذلك هو اعتبار الاستصحاب مطلقا.

لأنّا نقول: إنّ قضيّة عموم العلّة هو اطّراد الحكم المعلّل بهذه العلّة في مواردها لا ثبوت أحكام أخر على تقدير وجود العلّة، و الحكم في الرواية هو عدم إعادة الصلاة كما أنّ في الرواية السابقة هو عدم وجوب الطهارة، و اطّرادهما في الموارد معلوم غير محتاج إلى الاستصحاب.

الثاني: قوله (عليه السّلام): «تغسل من ثوبك‏ (1) الناحية التي ترى أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك» فإنّ المنساق منها ثبوت النجاسة إلى أن يعلم بزوالها، و هو معنى الاستصحاب.

و فيه أوّلا: أنّه يحتمل أن يكون باعتبار قاعدة الاشتغال‏ (2). و ثانيا: على تقدير التسليم أنّها تدلّ على الاستصحاب في الطهارة و النجاسة و هما معلوما الحكم من هذه الجهة.

الثالث: قوله- في ذيل الرواية-: «فليس ينبغي أن تنقض‏ (3) اليقين بالشكّ» بالتقريب و التضعيف المتقدّمين.

بقي في المقام شي‏ء (4) ينبغي التنبيه عليه، و هو أنّ قول زرارة- في السؤال-: فنظرت فلم أر شيئا ثمّ صلّيت فرأيته فيه، إن كان المراد به عدم العلم بالنجاسة التي فحص عنها قبل الصلاة، فجواب الإمام (عليه السّلام) ظاهر لا إشكال فيه‏ (5)، و أمّا إن كان المراد به عدم وجدان النجاسة قبل الصلاة، ثمّ العلم بها بعد الصلاة قبل الصلاة، فيشكل الأمر من حيث إنّ الإعادة بعد ذلك بواسطة العلم بوجود النجاسة، فيكون من نقض اليقين باليقين، فيشكل التعليل المذكور إلّا أن يكون المراد اليقين بوقوع العمل مطابقا للأمر

____________

(1). المثبت من «ج» و سقط من سائر النسخ.

(2). «ز، ك»: الشغل.

(3). «م، ك»: ينقض.

(4). «ز، ك»: بقي الكلام في شي‏ء.

(5). «ز»:- لا إشكال فيه، و من قوله: «التي فحص» إلى قوله: «وجدان النجاسة» سقط من نسخة «ك».

98

الاستصحابي الظاهري، و هو يفيد الإجزاء، فتكون‏ (1) الرواية مفيدة لهذا الحكم، و بعده غير خفيّ على من له أنس بصناعة الكلام، فإنّ اللازم في الجواب على هذا التقدير «لم يكن ينبغي» فإنّه دليل على المضيّ لا قوله: «و ليس ينبغي» فإنّه دليل على الحال، فتدبّر (2)، على أنّ ذلك إنّما يتمّ فيما أقدم المصلّي فيها اعتمادا على الطهارة و اتّكالا على الاستصحاب، و الظاهر خلافه، فإنّ المستفاد من قوله: فنظرت فيه فلم أر شيئا، هو الإقدام عليها عالما بالعلم العاديّ أو الاطمئنان بعدم النجاسة، فيكون من الأمر العقلي الظاهري لا الشرعي، و هو ظاهر، كذا أفاده الأستاد (3) سلّمه اللّه تعالى‏ (4).

قلت: ثمّ لا يخفى دلالة الرواية في بعض فقراتها على عدم لزوم الفحص في الموضوعات عند العمل بالأصل، و على لزوم الاجتناب في الشبهة المحصورة، و هي قوله: «تغسل من ثوبك الناحية التي ترى‏ (5) أنّه قد أصابها حتّى تكون على يقين من طهارتك» و من الغريب استنباط البعض من هذه الفقرة اعتبار الظنّ في الموضوعات متخيّلا أنّ معنى قوله: «ترى» تظنّ، و قد أطنب في تقريبه مع ذهابه إلى جواز الارتكاب في الشبهة المحصورة، و هو أغرب كما لا يخفى.

[3- صحيحة زرارة الثالثة]

و منها: صحيحة زرارة رواها في الكافى عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة عن أحدهما (عليهما السّلام) [قال:] قلت [له‏]: من لم يدر في أربع هو أم في اثنين و قد أحرز الثنتين؟

قال (عليه السّلام): «يركع ركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب و يتشهّد و لا شي‏ء عليه، و إذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع و قد أحرز الثلاث قام فأضاف‏ (6) إليها أخرى و لا شي‏ء عليه و لا ينقض اليقين بالشكّ و لا يدخل الشكّ في اليقين و لا يخلط أحدهما بالآخر،

____________

(1). «ج، م»: فيكون.

(2). «ك»: فتدبّر جيّدا.

(3). «ج، م»:- الأستاد.

(4). «ز، ك»:- سلّمه اللّه تعالى.

(5). المثبت من «ك» و سقط من سائر النسخ.

(6). «ز، ك»: و أضاف.

99

و لكنّه ينقض الشكّ باليقين و يتمّ على اليقين فيبنى عليه، و لا يعتدّ بالشكّ في حال من الحالات» (1).

و الكلام في هذه الرواية يقع‏ (2) تارة: في السند، و أخرى: في الدلالة.

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ لشيخنا الكليني فيها طريقين‏ (3): أحدهما: ما فيه إبراهيم بن هاشم، و الآخر: ما فيه محمّد بن إسماعيل، و هو على الأوّل حسن، لما قرع الأسماع من حال إبراهيم، و على الثاني فالظاهر أنّه صحيح أيضا، فإنّ محمّد بن إسماعيل هو البندقي النيشابوري كما ذكر في مقدّمات المنتقى‏ (4) و هو ظاهر الوثاقة، و أمّا ابن بزيع و إن كان في طبقة الفضل إلّا أنّه يبعد رواية الكليني عنه، فإنّ المذكور في ترجمته أنّه من رجال أبي الحسن موسى و أدرك أبا جعفر الثاني، و ظاهر الإدراك موته قبله (عليه السّلام) و الكليني مات بعد تكميل المائة الثالثة و انقضاء تسع و عشرين بعده. قال الأستاد دام مجده‏ (5): و يمكن رفع الاستبعاد بأنّ الكليني كان في الغيبة الصغرى و تاريخها نور (6)، و الرضا (عليه السّلام) كان في المائتين، و الفرق بينهما ستّة و خمسون، و لا يبعد (7) بقاء (8) [محمّد بن‏] إسماعيل في تلك المدّة، فلعلّه كان في أواخر عمر المرويّ عنه‏ (9) و أوائل عمر الراوي، فتدبّر.

و أمّا الثاني: فدلالتها مبنيّة على إرادة الجنس من اللام في اليقين مع احتمال العهدية على وجه لا مانع من عدم الأخذ بأصالة الحقيقة، مضافا إلى اشتمال الرواية على ما يخالف الإجماع من البناء على الأقلّ على ما هو ظاهر، فلا بدّ إمّا (10) من‏ (11) طرحها أو

____________

(1). الكافى 3: 351، باب السهو في الثلاث و الأربع، ح 3؛ وسائل الشيعة 8: 216- 217، باب 10 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 3.

(2). «ج، م»: فيقع.

(3). المثبت من «ج» و في سائر النسخ: طريقان.

(4). المنتقى 1: 45، في الفائدة الثانية عشرة.

(5). «ز، ك»:- دام مجده.

(6). «ج»:- و تاريخها نور.

(7). «ز، ك»: فالأبعد.

(8). «م»: لقاء.

(9). «ز، ج، ك»- عنه.

(10). «ز، ك»:- إمّا.

(11). «م»:- من.

100

تأويلها أو حملها على التقيّة، سيّما بعد ملاحظة موافقتها لمذهب العامّة.

و أمّا ما يقال: من أنّ حمل بعض فقرات الرواية على التقيّة أو طرحها أو تأويلها لا ينافي الاستناد إلى الفقرات الأخر، فمدفوع: بأنّ العامّ إذا كان في محلّ السؤال واردا على وجه التقيّة كما فيما نحن فيه، فلا وجه للأخذ بعمومه في غير محلّ السؤال، فإنّ عدم جواز نقض اليقين بالشكّ في مورد السؤال وارد على وجه التقيّة كما هو المفروض، و لا دليل على أصالة عدم التقيّة في العمل بالعامّ كما إذا خصّ العامّ بمورده، فإنّه لا يعمل بأصالة الحقيقة في غيره.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين كالعلّامة (1) و من يحذو حذوه في حفظ مراتب الشريعة قد تصدّى لتوجيه الرواية على وجه لا ينافي مذهب الفرقة المحقّة بأنّ المراد من قوله: «لا تنقض اليقين بالشكّ» هي قاعدة الاشتغال الآمرة بالإتيان بركعتي الاحتياط، و ليس المذكور في الرواية إلّا لزوم الإتيان بركعتين، و أمّا البناء على الأقلّ فلا يستفاد منها أبدا، فإنّ الاحتياط يقضي بذلك؛ لأنّ الواقع لو كان على أربع فيحسب له نافلة، و إلّا فيجزي‏ (2) عن فرضه، سيّما بعد ملاحظة مذهب العامّة من لزوم الاتّصال؛ إذ على تقدير التمامية يلزم زيادة الركعتين المبطلة سهوا و عمدا، بخلاف مذهب الإمامية فإنّ زيادة السلام لا تضرّ (3) كما في صورة السهو، فقاعدة الاشتغال و الاحتياط تقضي‏ (4) بذلك، فعلى‏ (5) هذا فسقوط الاستدلال بالرواية واضح؛ إذ لا دخل‏ (6) للاستصحاب في ذلك و لا يجوز إرادة القاعدتين معا، لاستلزامها التناقض في المورد، فإنّ قضيّة الاستصحاب هو البناء على الأقلّ، و قضيّة الاحتياط على ما سمعت في قبال مذهب العامّة هو البناء على الأكثر لئلّا يلزم زيادة الركعتين على تقدير التمامية المستلزمة (7) لبطلان العمل‏

____________

(1). انظر منتهى المطلب 1: 416 ط الحجري.

(2). «ك»: فيخرج.

(3). «م، ج»: لا يضرّ.

(4). «ز، ك»: يقضي، و في «ج» تقتضي.

(5). «ز، ك»: و على.

(6). «ز، ك»: مدخل.

(7). «ز، ك»: المستلزم.

101

سهوا و عمدا.

[4-] و منها: موثّقة عمّار الساباطي‏

رواها الصدوق في الفقيه عن إسحاق بن عمّار أنّه قال: [قال لي:] أبو الحسن الأوّل: «إذا شككت فابن على اليقين» قال: قلت: هذا أصل؟

قال: «نعم» (1).

و دلالتها ظاهرة لا غبار عليها؛ لعدم ما يصلح لصرف اللام عن حقيقتها، و إيرادها في الصلاة لا ينافي عمومها، نعم يرد عليه‏ (2) أنّه يخالف مذهب الشيعة من البناء على اليقين على وجه العموم، إلّا أنّ الأخذ بعمومها في غير موارد المخالفة أيضا مشكل، فإنّه ليس بمنزلة إحدى الفقرتين في الروايات المشتملة على فقرات كثيرة، فالأولى حملها على لزوم البناء على اليقين الفعلي كما هو أحد احتماليه، فيسقط الاستدلال بها أيضا، بل لعلّه هو الظاهر منها، فيكون مفاد الرواية مفاد قوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (3) و دعوى ظهور دلالته على الاستصحاب، ممنوع‏ (4).

[5- مكاتبه عليّ بن محمّد القاساني‏]

و منها: ما رواه الشيخ في التهذيب في كتاب الصوم عن محمّد بن الحسن الصفّار عن عليّ بن محمّد القاساني‏ (5) قال كتبت إليه- و أنا بالمدينة- عن اليوم الذي يشكّ فيه‏ (6) من رمضان أم لا؟ فكتب (عليه السّلام): «اليقين لا يدخل فيه الشكّ، صم للرؤية و أفطر للرؤية» (7).

وجه الدلالة ظاهر و لا يحتمل العهدية و لا يحتمل قاعدة الاشتغال أيضا نظرا إلى‏

____________

(1). من لا يحضره الفقيه 1: 351/ 1025، باب أحكام السهو و الشكّ؛ وسائل الشيعة 8: 212، باب 8 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، ح 2.

(2). «ز، ك، م»:+ من.

(3). وسائل الشيعة 27: 170 و 173، باب 14 من أبواب صفات القاضي، ح 54 و 63؛ بحار الأنوار 2: 259.

(4). «ز»: فممنوع، و من قوله: «بل لعلّه» إلى هنا سقط من «ك».

(5). «ج»: الكاشاني، و كذا في الموارد الآتية.

(6). «ك»: فيه أنّه.

(7). التهذيب 4: 159، باب علامة أوّل شهر رمضان و آخره، ح 17؛ وسائل الشيعة 10: 255، باب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، ح 13. و سيأتي في ص 132 و 155 و 501.

102

قوله: «لا يدخل فيه الشكّ» فإنّ الظاهر منه هو اليقين السابق، بل و لا يصحّ التفريع لو كان المراد باليقين هو الفعلي منه. أمّا قوله: «صم للرؤية» فظاهر عدم التفريع فيه، و أمّا قوله: «و أفطر للرؤية» فهو أيضا كذلك؛ لدوران الأمر بين الوجوب و الحرمة، فلا يتمشّى فيه الاحتياط. فلا إشكال في الرواية من حيث الدلالة فيا ليتها كانت صحيحة السند، فإنّها مكاتبة أوّلا، و لم يصرّح النجاشي بوثاقة عليّ بن محمّد القاساني ثانيا.

قال النجاشي في ترجمته: إنّ عليّ بن محمّد بن شيرة القاساني أبو الحسن كان فقيها مكثرا من الحديث فاضلا، غمز عليه أحمد بن محمّد بن عيسى و ذكر أنّه سمع منه مذاهب متكثّرة (1)، و ليس في كتبه ما يدلّ على ذلك، له كتب أخبرنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن طاهر و قال: حدّثني‏ (2) محمّد بن الحسن قال: حدّثنا سعد عن عليّ بن محمّد بن شيرة القاساني بكتبه‏ (3).

و عدم دلالته على التوثيق ظاهر، و وصفه بالفقه و الفضيلة يعارضه قوله: غمز عليه و سمع منه مذاهب متكثّرة، نعم في رجال الشيخ أنّ عليّ بن شيرة ثقة من أصحاب الهادي (عليه السّلام)(4) إلّا أنّه احتمل بعضهم‏ (5) أنّ قوله: «ثقة» تصحيف قوله: «يقال» بقرينة ما ذكره بعد ذلك بلا فصل أنّ عليّ بن محمّد القاساني ضعيف أصبهاني، و على تقدير عدم التصحيف فالمعارضة بينهما ظاهرة (6) إلّا أن يقال بالتعدّد و أنّ عليّ بن شيرة غير القاساني كما لعلّه مؤيّد بما أفاده العلّامة من أنّ عليّ بن محمّد القاساني و عليّ بن شيرة كانا من أصحاب أبي جعفر الثاني، و لكن قيل عليه: إنّه سهو؛ إذ لم نجدهما في الأصحاب، مع تصريح النجاشي بالاتّحاد.

فكيف كان فلو لم يكن المدار في السند على الوثوق لم يكن وجه للاستدلال‏

____________

(1). في المصدر: منكرة.

(2). في المصدر: حدّثنا.

(3). رجال النجاشى 255/ 669.

(4). رجال الطوسى 417/ 9.

(5). انظر منتهى المقال 5: 59.

(6). «ج، م»: ظاهر.

103

بالرواية، و مع ذلك فالخطب سهل؛ لحصول الوثوق على ما هو الإنصاف، مضافا إلى ما ذكره المحقّق البهبهاني في التعليقة (1) من كونه معتمدا، على أنّ اعتماد محمّد بن الحسن الصفّار على الرواية ممّا يعادل توثيق الراوي قطعا، بل لا يبعد مشاهدته للمكاتبة بعينها كما هو الأغلب في المكاتبات، فإنّ البناء على ضبطها و حفظها.

[6- رواية الخصال‏]

و منها: ما ذكره غوّاص البحار فيها عن الخصال عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد عن أبي بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام)(2): «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين» (3) و في الخصال أيضا في حديث‏ (4) الأربعمائة عن الباقر (عليه السّلام) عن أمير المؤمنين عليه الصلاة و السلام من الملك العلّام‏ (5): «من كان على يقين فشكّ فليمض على يقينه، فإنّ اليقين لا يدفع بالشكّ» و إرسال الرواية على الثاني معلوم، فالاعتماد على الأوّل، و عليه فالقاسم ضعّفه ابن الغضائري و تبعه العلّامة (6)، و يكفي في ضعف الحديث عدم ثبوت وثاقة الراوي على تقدير عدم الاعتداد بالتضعيف المذكور، إلّا أنّ اعتماد اليقطيني عليها مع ظهور حاله في الرواية كاف في حصول الوثوق بها، فإنّه من أكابر القميين، و قد أخرج البرقي منه لاتّهامه في الرواية، مضافا إلى اعتماد الكليني بالرواية و ذكر أجزائها متفرّقة، و قد أفاد العلّامة المجلسي بأنّها في غاية الوثاقة على طريقة القدماء و إن كانت ضعيفة (7) بزعم المتأخّرين‏ (8)،

____________

(1). تعليقة منهج المقال: 238 نقلا من هامش منتهى المقال.

(2). «م»: (صلوات اللّه عليه).

(3). بحار الأنوار 80: 359؛ الخصال 619، ح 109؛ وسائل الشيعة 1: 247، باب 1 من أبواب نواقض الوضوء، ح 6.

(4). «ز، ك»: الحديث.

(5). «ز، ك»: (عليه السّلام).

(6). الخلاصة 248/ 6.

(7). «ج»: كان ضعيفا.

(8). بحار الأنوار 10: 117، و عنه في القوانين 2: 62، و فيهما: و إن لم يكن صحيحا بزعم المتأخّرين.

104

فسندها لعلّه ممّا لا غبار عليه فيا ليتها كانت متّضحة الدلالة على المقصود، فإنّه يحتمل وجهين:

أحدهما: أنّ من كان على يقين فشكّ في ارتفاع ما تيقّنه، فليمض على ثبوت ما تيقّنه‏ (1) بترتيب الآثار المترتّبة على المتيقّن على المشكوك، فمتعلّق اليقين هو ثبوت المتيقّن، و متعلّق الشكّ هو بقاؤه، فيدلّ على القاعدة المطلوبة كما هو المقصود، فإنّ ذلك هو بعينه‏ (2) الاستصحاب.

و ثانيهما: أنّ من كان على يقين و قطع بثبوت‏ (3) شي‏ء فشكّ في ثبوت ذلك الشي‏ء أوّلا و تردّد في صحّة يقينه، فليمض على يقينه بترتيب الآثار المترتّبة على اليقين حال الشكّ في صحّة اليقين، فمتعلّق الشكّ هو الثبوت كمتعلّق اليقين، فيكون مفاد الخبر قاعدة أخرى من فروع قاعدة الشكّ بعد الفراغ و لا ربط له بالاستصحاب في وجه.

و إذا احتمل الأمران فلا وجه للاستدلال مع احتمال ظهور الثاني لاتّحاد موردي الشكّ و اليقين، مضافا إلى ظهور الدفع و النقض في التناقض بين الشكّ و اليقين و هو لا يتحقّق إلّا على الاحتمال الأخير؛ ضرورة إمكان الجمع بينهما في الاستصحاب، و لمثل ذلك سلك المحقّق الخوانساري غير ما سلكه القوم كما ستقف‏ (4) عليه إن شاء اللّه.

إلّا أن يقال: إنّ قوله: «فليمض» ظاهر في الاحتمال الأوّل، و ربّما يؤيّده عدم لزوم التخصيص أيضا، فإنّه على التقدير الثاني لا بدّ من تخصيصه بما إذا لم يعلم فساد مدرك اليقين السابق، كذا أفاد.

قلت: لزوم التخصيص مشترك الورود كما لا يخفى.

هذا تمام الكلام في الأخبار العامّة، و قد يتمسّك لإثبات حجّية الاستصحاب‏ (5)

____________

(1). «ج»: تتيقّنه.

(2). «ج»: يفيد، و في «م»: هو بعينه هو.

(3). «م»: ثبوت.

(4). ستقف عليه في الهداية الخوانسارية ص 125 و ما بعدها.

(5). «ز، ك»: حجّيته.